قَولِ أحَدٍ من المُسلِمينَ إباحةُ القُعودِ عنهم حتى يَستَبيحوا دِماءَ المُسلِمينَ وسَبيَ ذَراريِّهم (١).
وقالَ الكَمالُ بنُ الهُمامِ ﵀: فإنْ هجَموا على بَلدةٍ من بَلداتِ المُسلِمينَ يَصيرُ من فُروضِ الأعيانِ، سَواءٌ كانَ المُستنفِرُ عَدلًا أو فاسِقًا، فيَجبُ على جَميعِ أهلِ تلك البَلدةِ النَّفرُ، وكذا مَنْ يَقرُبُ منهم إنْ لم يَكنْ بأهلِها كِفايةٌ، وكذا مَنْ يَقرُبُ ممَّن يَقرُبُ إنْ لم يَكنْ بمَن يَقرُبُ كِفايةٌ أو تَكاسَلوا أو عصَوْا، وهَكذا إلى أنْ يَجبَ على جَميعِ أهلِ الإسلامِ شَرقًا وغَربًا كجِهازِ المَيِّتِ والصَّلاةِ عليه يَجبُ أوَّلًا على أهلِ مَحلَّتِه، فإنْ لم يَفعَلوا عَجزًا وجَبَ على مَنْ ببلَدِهم على ما ذكَرْنا (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: الجِهادُ يَنقسِمُ أيضًا إلى قِسمَينِ:
أحدُهما: فَرضٌ عامٌّ مُتعيِّنٌ على كلِّ أحَدٍ ممَّن يَستطيعُ المُدافَعةَ والقِتالَ وحَملَ السِّلاحِ من البالِغينَ الأحرارِ، وذلك أنْ يَحِلَّ العَدوُّ بدارِ الإسلامِ مُحارِبًا لهم، فإذا كانَ ذلك وجَبَ على جَميعِ أهلِ تلك الدارِ أنْ يَنفِروا ويَخرُجوا إليه خِفافًا وثِقالَا وشَبَابًا وشُيُوخًا، وألَّا يَتخلَّفَ أحَدٌ يَقدِرُ على الخُروجِ من مُقِلٍّ أو مُكثِرٍ، وإنْ عجَزَ أهلُ تلك البَلدةِ عن القيامِ بعَدوِّهم كانَ على مَنْ قارَبَهم وجاوَرَهم أنْ يَخرُجوا، قَلُّوا أو كَثُروا على حسَبِ ما لزِمَ أهلَ تلك البَلدةِ حتى يَعلَموا أنَّ فيهم طاقةً على القيامِ بهم
стр. 12042
ومُدافَعتِهم، وكذلك كلُّ مَنْ علِمَ بضَعفِهم عن عَدوِّهم، وعلِمَ أنَّه يُدرِكُهم ويُمكِنُه غِياثُهم لزِمَه أيضًا الخُروجُ إليهم، فالمُسلِمونَ كلُّهم يَدٌ على مَنْ سِواهم حتى إذا قامَ بدَفعِ العَدوِّ أهلُ الناحيةِ التي نزَلَ العَدوُّ عليها واحتَلَّ بها سقَطَ الفَرضُ عن الآخَرينَ، ولو قارَبَ العَدوُّ دارَ الإسلامِ ولمْ يَدخلُوها لزِمَهم أيضًا الخُروجُ إليه (١).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: إذا تَعيَّنَ الجِهادُ بغَلبةِ العَدوِّ على قُطرٍ من الأقطارِ … وجَبَ على جَميعِ أهلِ تلك الدارِ أنْ يَنفِروا، ويَخرُجوا إليه خِفافًا وثِقالَا، شَبابًا وشُيوخًا.
كلٌّ على قَدرِ طاقَتِه … ، فإنْ عجَزَ أهلُ تلك البَلدةِ عن القيامِ بعَدوِّهم كانَ على مَنْ قارَبَهم وجاورَهم أنْ يَخرُجوا على حسَبِ ما لزِمَ أهلَ تلك البَلدةِ حتى يَعلَموا أنَّ منهم طاقةً على القيامِ بهم ومُدافَعتِهم، وكذلك كلُّ من علِمَ بضَعفِهم عن عَدوِّهم وعلِمَ أنَّه يُدرِكُهم ويُمكِنُه غِياثُهم لزِمَه -أيضًا- الخُروجُ إليهم، فالمُسلِمونَ كلُّهم يَدٌ على مَنْ سِواهم حتى إذا قامَ بدَفعِ العَدوِّ أهلُ الناحيةِ التي نزَلَ العَدوُّ عليها واحتلَّ بها سقَطَ الفَرضُ عن الآخَرينَ، ولو قارَبَ العَدوُّ دارَ الإسلامِ ولم يَدخُلوها لزِمَهم أيضًا الخُروجُ إليه حتى يَظهَرَ دينُ اللهِ وتُحمَى البَيضةُ وتُحفَظَ الحَوزةُ ويُخزَى العَدوُّ، ولا خِلافَ في هذا (٢).
стр. 12043
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: وأمَّا قِتالُ الدَّفعِ فهو أشَدُّ أنواعِ دَفعِ الصائِلِ عن الحُرمةِ والدِّينِ، فواجِبٌ إجماعًا، فالعَدوُّ الصائِلُ الذي يُفسِدُ الدِّينَ والدُّنيا لا شَيءَ أوجَبَ من دَفعِه فلا يُشترطُ له شرَطٌ؛ بل يُدفَعُ بحسَبِ الإمكانِ، وقد نَصَّ على ذلك العُلماءُ أصحابُنا وغيرُهم، فيَجبُ التَّفريقُ بينَ دَفعِ الصائِلِ الظالِمِ الكافِرِ وبينَ طَلبِه في بِلادِه (١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀ أيضًا: وإذا دخَلَ العَدوُّ بلادَ الإسلامِ فلا رَيبَ أنَّه يَجبُ دَفعُه على الأقربِ فالأقربِ؛ إذْ بلادُ الإسلامِ كلُّها بمَنزِلةِ البَلدةِ الواحِدةِ ويَجبُ النَّفيرُ إليه بلا إذنِ والِدٍ ولا غَريمٍ، ونُصوصُ أحمدَ صَريحةٌ بهذا (٢).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀ أيضًا: وقِتالُ الدَّفعِ مِثلُ أنْ يَكونَ العَدوُّ كَثيرًا لا طاقةَ للمُسلِمينَ به، لكنْ يُخافُ إنِ انصَرَفوا عن عَدوِّهم عطَفَ العَدوُّ على مَنْ يَخلُفون من المُسلِمينَ، فهنا قد صرَّحَ أصحابُنا بأنَّه يَجبُ أنْ يَبذُلوا مُهَجَهم ومُهَجَ من يُخافُ عليهم في الدَّفعِ حتى يَسلَموا.
ونَظيرُها أنْ يَهجُمَ العَدوُّ على بِلادِ المُسلِمينَ وتَكونَ المُقاتِلةُ أقَلَّ من النِّصفِ، فإنِ انصَرَفوا استَولَوْا على الحَريمِ، فهذا وأمثالُه قِتالُ دَفعٍ لا قِتالُ طَلبٍ، لا يَجوزُ الانصِرافُ عنه بحالٍ، ووَقعةُ أُحُدٍ من هذا البابِ (٣).
стр. 12044
وقالَ: جِهادُ الدَّفعِ للكُفارِ يَتعيَّنُ على كلِّ أحَدٍ، ويَحرُمُ فيه الفِرارُ مِنْ مِثلَيْهم؛ لأنَّه جِهادُ ضَرورةٍ لا اختيارٍ، وثَبَتوا يَومَ أُحدٍ والأحزابِ وُجوبًا، وكذا لمَّا قدِمَ التَّتارُ دِمَشقَ (١).
وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: وجِهادُ الدَّفعِ أصعَبُ من جِهادِ الطَّلبِ؛ فإنَّ جِهادَ الدَّفعِ يُشبِهُ بابَ دَفعِ الصائِلِ، ولِهذا أُبيحَ للمَظلومِ أنْ يَدفعَ عن نَفسِه، كما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩].
وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «مَنْ قُتلَ دُونَ مالِه فهو شَهيدٌ، ومَن قُتلَ دُونَ دَمِه فهو شَهيدٌ» (٢)؛ لأنَّ دَفعَ الصائِلِ على الدِّينِ جِهادٌ وقُربةٌ، ولأنَّ دَفعَ الصائِلِ على المالِ والنَّفسِ مُباحٌ ورُخصةٌ؛ فإنْ قُتلَ فيه فهو شَهيدٌ.
فقِتالُ الدَّفعِ أوسَعُ من قِتالِ الطَّلبِ وأعَمُّ وُجوبًا، ولِهذا يَتعيَّنُ على كلِّ أحَدٍ أنْ يَقومَ ويُجاهِدَ فيه، العبدُ بإذنِ سَيِّدِه وبدُونِ إذْنِه، والوَلدُ بدونِ إذنِ أبوَيْه، والغَريمُ بغيرِ إذنِ غَريمِه.
وهذا كجِهادِ المُسلِمينَ يَومَ أُحُدٍ والخَندَقِ.
ولا يُشترطُ في هذا النَّوعِ من الجِهادِ أنْ يَكونَ العَدوُّ ضِعفَيِ المُسلِمينَ فما دونَ؛ فإنَّهم كانُوا يَومَ أُحُدٍ والخَندَقِ أضعافَ المُسلِمينَ، فكانَ الجِهادُ واجِبًا عليهم؛ لأنَّه حينَئذٍ جِهادُ ضَرورةٍ ودَفعٍ لا جِهادُ اختيارٍ، ولِهذا تُباحُ فيه صَلاةُ الخَوفِ بحسَبِ الحالِ في هذا النَّوعِ.
стр. 12045
ومَعلومٌ أنَّ الجِهادَ الذي يَكونُ فيه الإنسانُ طالِبًا مَطلوبًا أوجَبَ من هذا الجِهادِ الذي هو فيه طالِبٌ لا مَطلوبٌ، والنُّفوسُ فيه أرغَبُ من الوَجهَينِ.
وأمَّا جِهادُ الطَّلبِ الخالِصِ؛ فلا يَرغَبُ فيه إلا أحَدُ رَجلَينِ:
إمَّا عَظيمُ الإيمانِ يُقاتِلُ لتَكونَ كَلمةُ اللهِ هي العُليا، ويَكونَ الدِّينُ كلُّه للهِ.
وإمَّا راغِبٌ في المَغنَمِ والسَّبيِ، فجِهادُ الدَّفعِ يَقصِدُه كلُّ أحَدٍ، ولا يَرغَبُ عنه إلا الجَبانُ المَذمومُ شَرعًا وعَقلًا، وجِهادُ الطَّلبِ الخالِصُ للهِ يَقصِدُه ساداتُ المُؤمِنينَ.
وأمَّا الجِهادُ الذي يَكونُ فيه طالبًا مَطلوبًا فهذا يَقصِدُه خيارُ الناسِ؛ لإعلاءِ كَلِمةِ اللهِ ودِينِه، ويَقصِدُه أوساطُهم للدَّفعِ ولمَحبةِ الظَّفرِ (١).
стр. 12046
القِسمُ الثانِي: جِهادُ الطَّلبِ:
وجِهادُ الطَّلبِ -وهو ما يُسمَّى (الغَزوَ) -: هو خُروجُ المُسلِمينَ من ديارِ الإسلامِ مع الإمامِ مَرةً في السَّنةِ إلى دِيارِ الكُفرِ لفَتحِها، ونَشرِ الدَّعوةِ فيها، وتَطهيرِها من الشِّركِ والكُفرِ، ورَفعِ رايةِ لا إلهَ إلا اللهُ فوقَ رُبُوعِها.
فإنْ أبَوْا قاتَلَهم الإمامُ، وفرَضَ على الناسِ بأموالِهم وأنفُسِهم الخُروجَ المَذكورَ حتى يُعلَمَ أنَّ في الخارجين مَنْ فيه كِفايةٌ بالعَدوِّ وقيامٌ به، فإذا كانَ ذلك سقَطَ الفَرضُ عن الباقِينَ، فُضِّلَ القائِمونَ على القاعِدينَ أجرًا عَظيمًا، وليسَ عليهم أنْ يَنفِروا كافةً.
حُكمُ جِهادِ الطَّلبِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ جِهادَ الطَّلبِ فَرضُ كِفايةٍ إذا قامَ به بَعضٌ سقَطَ عن الآخَرينَ؛ لقَولِ اللهِ : ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥]. وعَدَ اللهُ المُجاهِدينَ والقاعِدينَ الحُسنى، ولو كانَ الجِهادُ فَرضَ عَينٍ في الأحوالِ كلِّها لما وعَدَ القاعِدينَ الحُسنى؛ لأنَّ القُعودَ يَكونُ حَرامًا.
وقَولُه : ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التوبة: ١٢٢].
ولأنَّ ما فُرضَ له الجِهادُ -وهو الدَّعوةُ إلى الإسلامِ، وإلى إعلاءِ الدِّينِ الحَقِّ، ودَفعِ شَرِّ الكَفَرةِ وقَهرِهم- يَحصُلُ بقيامِ البَعضِ به.
стр. 12047
وكذا النَّبيُّ ﷺ كانَ يَبعَثَ السَّرايا، ولو كانَ فَرضَ عَينٍ في الأحوالِ كلِّها لكانَ لا يُتوهَّمُ منه القُعودُ عنه في حالٍ، ولا أذِنَ لغيرِه بالتَّخلُّفِ عنه بحالٍ (١).
قالَ الكَمالُ بنُ الهُمامِ ﵀: ولو كانَ فَرضَ عَينٍ لاشتَغَل الناسُ كلُّهم به فتعطَّل المَعاشُ على ما لا يَخفى بالزِّراعةِ والجَلبِ بالتِّجارةِ، ويَستلزِمَ ذلك قَطعَ مادةِ الجِهادِ من الكُراعِ -يَعني الخَيلَ- والسِّلاحِ والأقواتِ، فيُؤدِّي إيجابُه على الكلِّ إلى تَركِه للعَجزِ، فلزِمَ أنْ يَجبَ على الكِفايةِ.
ولا يَخفى أنَّ لُزومَ ما ذُكِر إنَّما يَثبُتُ إذا لزِمَ في كَونِه فَرضَ عَينٍ أنْ يَخرجَ الكلُّ من الأمصارِ دُفعةً واحِدةً وليسَ ذلك لازِمًا، بل يَكونُ كالحَجِّ على الكلِّ، ولا يَخرجُ الكلُّ، بل يَلزمُ كلَّ واحِدٍ أنْ يَخرجَ.
ففي مَرةٍ طائِفةٌ، وفي مَرةٍ طائِفةٌ أُخرى وهكذا، وهذا لا يَستلزِمَ تَعطيلَ المَعاشِ؛ فالمُعوَّلُ عليه في ذلك نَصُّ ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ [النساء: ٩٥] (٢).
وإذا كانَ فَرضًا على الكِفايةِ فلا يَنبَغي للإمامِ أنْ يُخلِّيَ ثَغرًا من الثُّغورِ من جَماعةٍ من الغُزاةِ فيهم غِنًى وكِفايةٌ لقِتالِ العَدوِّ، فإذا قامُوا به سقَطَ عن
стр. 12048
الباقِينَ، وإنْ ضعُفَ أهلُ ثَغرٍ عن مُقاوَمةِ الكَفرةِ، وخِيفَ عليهم من العَدوِّ فعلى مَنْ وَراءَهم من المُسلِمينَ، على الأقرَبِ فالأقرَبِ أنْ يَنفِروا إليهم، ويُمدُّوهم بالسِّلاحِ والكُراعِ -الخَيلِ- والمالِ؛ لِما ذكَرْنا أنَّه فَرضٌ على الناسِ كلِّهم ممَّن هو مِنْ أهلِ الجِهادِ، لكنَّ الفَرضَ يَسقُطُ عنهم بحُصولِ الكِفايةِ بالبَعضِ، فما لم يَحصُلْ لا يَسقُطْ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: الجِهادُ يَنقسِمُ أيضًا إلى قِسمَينِ:
والقِسمُ الثانِي مِنْ واجِبِ الجِهادِ: فَرضٌ أيضًا على الإمامِ، إغزاءُ طائِفةٍ إلى العَدوِّ كلَّ سَنةٍ مَرةً، يَخرجُ معهم بنَفسِه أو يَخرجُ مَنْ يَثقُ به؛ ليَدعوَهم إلى الإسلامِ ويُرغِّبَهم ويَكفَّ أذاهُم، ويُظهِرَ دِينَ اللهِ عليهم ويُقاتِلَهم حتى يَدخُلوا في الإسلامِ أو يُعطوا الجِزيةَ، فإنْ أعطَوْها قبِلَها منهم، وإنْ أبَوْا قاتَلَهم، وفرَضَ على الناسِ بأموالِهم وأنفُسِهم الخُروجَ المَذكورَ حتى يَعلمَ أنَّ في الخارِجينَ مَنْ فيه كِفايةٌ بالعَدوِّ وقيامٌ به، فإذا كانَ ذلك سقَطَ الفَرضُ عن الباقِينَ، وكانَ الفَضلُ للقائِمينَ على القاعِدينَ أجرًا عظيمًا، وليسَ عليهم أنْ يَنفِروا كافةً (٢).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: فلِلكُفارِ حالانِ: أحدُهما: يَكونونَ ببِلادِهم ففَرضُ كِفايةٍ إذا فعَلَه مَنْ فيهم كِفايةٌ سقَطَ الحَرَجُ عن الباقِينَ (٣).
стр. 12049
وقالَ في «الرَّوضةِ»: وأمَّا اليَومَ فهو ضَربانِ، أحدُهما: أنْ يَكونَ الكُفارُ مُستقرِّينَ في بُلدانِهم فهو فَرضُ كِفايةٍ، فإنِ امتنَعَ الجَميعُ منه أثِموا، وهل يَعُمُّهم الإثمُ أو يَختصُّ بالذين يَدنونَ إليه؟ وَجهانِ:
قُلتُ: الأصَحُّ أنَّه يَأثمُ كلُّ مَنْ لا عُذرَ له، وإنْ قامَ مَنْ فيه كِفايةٌ سقَطَ عن الباقِينَ، وتَحصُلُ الكِفايةُ بشَيئَينِ:
أحدُهما: أنْ يَشحِنَ الإمامُ الثُّغورَ بجَماعةٍ يُكافِئونَ مَنْ بإزائِهم من الكُفارِ، ويَنبَغي أنْ يَحتاطَ بإحكامِ الحُصونِ وحَفرِ الخَنادقِ ونَحوِها، ويُرتِّبَ في كلِّ ناحيةٍ أميرًا كافيًا يُقلِّدُه الجِهادَ وأُمورَ المُسلِمينَ.
الثانِي: أنْ يَدخُلَ الإمامُ دارَ الكُفرِ غازيًا بنَفسِه أو بجَيشٍ يُؤمِّرُ عليهم مَنْ يَصلُحُ لذلك، وأقلُّه مَرةٌ واحِدةٌ في كلِّ سَنةٍ، فإنْ زادَ فهو أفضَلُ، ويُستحَبُّ أنْ يَبدأَ بقِتالِ مَنْ يَلي دارَ الإسلامِ من الكُفارِ، فإنْ كانَ الخَوفُ من الأبعَدِينَ أكثَرَ بَدأَ بهم، ولا يَجوزُ إخلاءُ سَنةٍ عن جِهادٍ إلا لضَرورةٍ، بأنْ يَكونَ في المُسلِمينَ ضَعفٌ، وفي العَدوِّ كَثرةٌ ويُخافَ من ابتِدائِهم الاستِئصالُ، أو لعُذرٍ بأنْ يَعِزَّ الزادُ وعَلفُ الدَّوابِّ في الطَّريقِ فيُؤخَّرَ إلى زَوالِ ذلك أو يَنتظِرَ لَحاقَ مَددٍ أو يَتوقَّعَ إسلامَ قَومٍ فيَستميلَهم بتَركِ القِتالِ هذا ما نَصَّ عليه الشافِعيُّ وجَرى عليه الأصحابُ ﵏، وقالَ الإمامُ: المُختارُ عِندي في هذا مَسلَكُ الأُصوليِّينَ، فإنَّهم قالُوا: الجِهادُ دَعوةٌ قَهريةٌ، فيَجبُ إقامَتُه بحسَبِ الإمكانِ حتى لا يَبقَى إلا مُسلِمٌ أو مُسالِمٌ، وهو لا يَختصُّ بمَرةٍ في السَّنةِ، ولا يُعطِّلُ إذا أمكَنَت الزِّيادةُ.
стр. 12050
وما ذكَرَه الفُقهاءُ حمَلوه على العادةِ الغالِبةِ، وهي أنَّ الأموالَ والعَددَ لا تَتأتَّى لتَجهيزِ الجُنودِ في السَّنةِ أكثَرَ من مَرةٍ، ثم إنْ تَمكَّنَ الإمامُ من بَثِّ الأجنادِ للجِهادِ في جَميعِ الأطرافِ، فعَلَ؛ وإلا يَبدأْ بالأهَمِّ فالأهَمِّ، ويَنبَغي له أنْ يَرعى النُّصفةَ بالمُناوَبةِ بينَ الأجنادِ في الإغزاءِ، ويَسقُطُ الوُجوبُ في هذا الضَّربِ بأعذارٍ (١).
وقالَ الإمامُ البُجيرِميُّ ﵀: «قَولُه: أو بأنْ يَدخلَ الإمامُ … إلخ» ظاهِرُه سُقوطُ الفَرضِ بأحَدِ الأمرَينِ إمَّا بإِشحانِ الثُّغورِ وإمَّا بدُخولِ الإمامِ أو نائِبِه، قالَ: وهو المَذهبُ، لكنَّ شَيخَنا البُرلُّسيَّ رَدَّ ذلك، وله فيه تَصنيفٌ، أقامَ فيه البَراهينَ على أنَّه لا بدَّ من اجتِماعِ الأمرَينِ، وعرَضه على جَمعٍ كَثيرٍ من أهلِ عَصرِه من مَشايِخِه وغيرِهم فوافَقوا على ذلك (٢).
وقالَ إمامُ الحَرمَينِ أبو المَعالي الجُوينيُّ ﵀: وقد قالَ طَوائفُ من الفُقهاءِ: الجِهادُ من فُروضِ الكِفاياتِ، فإذا قامَ به مَنْ فيه كِفايةٌ سقَطَ الفَرضُ عن الباقِينَ، وإنْ تَعطَّلَ الجِهادُ حَرِجَ الكافَّةُ على تَفاصيلَ مَعروفةٍ في مَسالِكِ الفِقهِ.
ثم قالُوا: يَجبُ أنْ يَنهَضَ إلى كلِّ صَوبٍ من أصوابِ بِلادِ الكُفرِ في الأقطارِ عندَ الاقتِدارِ عَسكَرٌ جَرَّارٌ في السَّنةِ مَرةً واحِدةً، وزعَموا أنَّ الفَرضَ يَسقُطُ بذلك.
стр. 12051
وهذا عِندي ذُهولٌ عن التَّحصيلِ، فيَجبُ إدامةُ الدَّعوةِ القَهريةِ فيهم على حسَبِ الإمكانِ، ولا يَتخصَّصُ ذلك بأمَدٍ مَعلومٍ بالزَّمانِ، فإنِ اتَّفقَ جِهادٌ في جِهةٍ ثم صادَف الإمامَ من أهلِ تلك الناحيةِ غِرةٌ واستمكَن من فُرصةٍ وتَيسَّرَ إنهاءُ عَسكَرٍ إليهم تَعيَّنَ على الإمامِ أنْ يَفعلَ ذلك، ولو استَشعرَ من رِجالِ المُسلِمينَ ضَعفًا ورأى أنْ يُهادِنَ الكُفارَ عَشرَ سِنينَ ساغَ ذلك فالمُتَّبِعُ في ذلك الإمكانُ لا الزَّمانُ.
ولكنَّ كَلامَ الفُقهاءِ مَحمولٌ على الأمرِ الوَسَطِ القَصدِ في غالِبِ العُرفِ؛ فإنَّ جُنودَ الإسلامِ إذا لمْ يَلحَقْها وَهنٌ، ولمْ يَتجاوَزْ عَددُهم وعُددُهم المَعروفَ في مُستمِرِّ العُرفِ، فإذا غزَوْا فِرقًا وأحزابًا في أقطارِ الدِّيارِ، فكابَدوا من الشَّقاءِ والعِنادِ ووَعثاءِ الأسفارِ، ومُصادَمةِ أبطالِ الكُفارِ ما كابَدوا، وعَضَّهم السِّلاحُ، وفَشا فيهم الجِراحُ، وهَزُلت دَوابُّهم وتَبتَّرت أسبابُهم؛ فالغالِبُ أنَّهم لا يَقوَوْن على افتِتاحِ غَزوةٍ أُخرى، ما لم يَتودَّعوا سَنةً؛ فجَرى ما ذكَرُوه على حُكمِ الغالِبِ، فأمَّا إذا كثُرَ عَددُ جُندِ الإسلامِ، واستَمكَنَ الإمامُ من تَجهيزِ جَيشٍ بعدَ انصِرافِ جَيشٍ، فليَفعَل ذلك جادًّا مُجتهِدًا عالِمًا بأنَّه مَأمورٌ بمُكافحةِ الكُفارِ ما بَقي منهم في أقاصِي الدِّيارِ دِيارٌ، ثم لا يُؤثَرُ لذَوي البأسِ والنَّجدةِ من المُسلِمينَ الاستِئثارُ والانفِرادُ والاستِبدادُ بالأنفُسِ في الجِهادِ، بل يَنبَغي أنْ يَصدُروا عن رأي صاحِبِ الأمرِ، حتى يَكونَ كالِئَهم، ورِدْأَهم ومُراعيَهم مِنْ وَرائِهم فلا يَضيعوا في غالِبِ الظُّنونِ (١).
стр. 12052
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: والجِهادُ من فُروضِ الكِفاياتِ في قَولِ عَوامِّ أهلِ العِلمِ.
ومَعنى الكِفايةِ في الجِهادِ: أنْ يَنهَضَ للجِهادِ قَومٌ يَكفُونَ في قِتالِهم، إمَّا أنْ يَكونوا جُندًا لهم دَواوينُ من أجلِ ذلك، أو يَكونوا قد أعَدُّوا أنفُسَهم له تَبرُّعًا بحيثُ إذا قصَدَهم العَدوُّ حصَلَت المَنَعةُ بهم، ويَكونُ في الثُّغورِ مَنْ يَدفَعُ العَدوَّ عنها، وفي كلِّ سَنةٍ يُبعَثَ جَيشٌ يُغيرونَ على العَدوِّ في بِلادِهم (١).
مَتى يَصيرُ الجِهادُ فَرضَ عَينٍ؟
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الجِهادَ يَصيرُ فَرضَ عَينٍ في كلٍّ من الحالاتِ الآتيةِ:
١ - إذا هجَمَ العَدوُّ على بَلدٍ من بِلادِ المُسلِمينَ: يَتعيَّنُ عليهم الدَّفعُ ولو كانَ امرأةً، ولو بغيرِ إذْنِ زَوجِها، أو صَبيًّا، ولو بغيرِ إذْنِ أبَوَيْه.
٢ - أو هجَمَ على مَنْ بقُربِهم وليسَ لهم قُدرةٌ على دَفعِه، فيَتعيَّنُ على مَنْ كانَ بمَكانٍ مُقارِبٍ لهم أنْ يُقاتِلوا معهم إنْ عجَزَ مَنْ فَجَأهم العَدوُّ عن الدَّفعِ عن أنفُسِهم، فإنْ عجَزوا وجَبَ على مَنْ يَلونَهم من المُسلِمينَ أنْ يُشارِكوا بكل ما يَقدِرونَ عليه، فإنْ عجَزوا انتقَل إلى مَنْ يَلونَهم من المُسلِمينَ، ومَحلُّ التَّعيُّنِ على مَنْ بقُربِهم إنْ لم يَخشَوْا على نِسائِهم وبُيوتِهم مِنْ عَدوٍّ بتَشاغُلِهم بمُعاوَنةِ مَنْ فَجَأهم العَدوُّ، وإلا تَرَكوا إعانتَهم.
стр. 12053
وكذا إذا جبُنَ أهلُ البَلدِ وتَخاذَلوا عن عَدُوِّ اللهِ وعَدوِّهم، ففُرضَ على مَنْ وَراءَهم من المُسلِمينَ أنْ يَنهَضوا لصَدِّ الغَزوِ ومُقاوَمةِ العَدوِّ؛ لأنَّ كلَّ أرضٍ إِسلاميةٍ هي مِلكٌ لجَميعِ المُسلِمينَ، لا مِلكُ ساكِنيها وَحدَهم، فإذا فرَّطوا هم في الدِّفاعِ عنها لم يَسقُطْ عمَّن وَراءَهم من المُسلِمينَ واجِبُ الدِّفاعِ عن أرضِ الإسلامِ ودارِ الإسلامِ.
وقد نقَلَ الزَّيلعيُّ وابنُ عابدين وغيرُهما عن صاحِبِ «الذَّخيرة» من كُتُبِ الفِقهِ الحَنفيِّ قَولَه: إنَّ الجِهادَ إذا جاءَ النَّفيرُ إنَّما يَصيرُ فَرضَ عَينٍ على مَنْ يَقرُبُ من العَدوِّ، فأمَّا مَنْ وَراءَهم بِبُعدٍ من العَدوِّ فهو فَرضُ كِفايةٍ عليهم حتى يَسَعَهم تَركُه إذا لم يُحتَجْ إليهم.
فإنِ احتيجَ إليهم بأنْ عجَزَ مَنْ كانَ يَقرُبُ من العَدوِّ عن المُقاوَمةِ مع العَدوِّ أو لم يَعجِزوا عنها لكنَّهم تكاسَلوا ولم يُجاهِدوا فإنَّه يُفترَضُ على مَنْ يَليهم فَرضَ عَينٍ كالصَّلاةِ والصَّومِ، لا يَسعُهم تَركُه، ثم … وثم … (يَعني الأقرَبَ فالأقرَبَ)، إلى أنْ يُفترَضَ على جَميعِ أهلِ الإسلامِ شَرقًا وغَربًا على هذا التَّدريجِ.
ونَظيرُه الصَّلاةُ على المَيِّتِ، فإنَّ من ماتَ في ناحيةٍ من نَواحي البَلَدِ فعلى جِيرانِه وأهلِ مَحلَّتِه أنْ يَقوموا بأسبابِه، وليسَ على مَنْ كانَ يَبعدُ من المَيِّت أنْ يَقومَ بذلك، وإنْ كانَ الذي يَبعدُ من المَيِّتِ يَعلمُ أنَّ أهلَ مَحلَّتِه يُضيِّعون حُقوقَه أو يَعجِزونَ عنه، كانَ عليه أنْ يَقومَ بحُقوقِه، كذا هنا (١).
стр. 12054
وقالَ الكَمالُ بنُ الهُمامِ ﵀: فإنْ هجَموا على بَلدةٍ من بِلادِ المُسلِمينَ يَصيرُ من فُروضِ الأعيانِ، سَواءٌ كانَ المُستنفِرُ عَدلًا أو فاسِقًا، فيَجبُ على جَميعِ أهلِ تلك البَلدةِ النَّفرُ، وكذا مَنْ يَقرُبُ منهم، إنْ لم يَكنْ بأهلِها كِفايةٌ، وكذا مَنْ يَقرُبُ ممَّن يَقرُبُ إنْ لم يَكنْ بمَن يَقرُبُ كِفايةٌ، أو تَكاسَلوا أو عَصَوْا، وهكذا إلى أنْ يَجبَ على جَميعِ أهلِ الإسلامِ شَرقًا وغَربًا كجَهازِ المَيِّتِ والصَّلاةِ عليه يَجبُ أوَّلًا على أهلِ مَحلَّتِه فإنْ لم يَفعَلوا عَجزًا وجَبَ على مَنْ ببلَدِهم على ما ذكَرْنا (١).
وجاء في «المُغني» لابنِ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: «وواجِبٌ على الناسِ إذا جاءَ العَدوُّ أنْ يَنفِروا المُقِلُّ منهم والمُكثِرُ، ولا يَخرُجوا إلى العَدوِّ إلا بإذنِ الأميرِ إلا أنْ يَفجَأَهم عَدوٌّ غالِبٌ يَخافونَ كَلبَه فلا يُمكِنَهم أنْ يَستأذِنُوه».
قَولُه: «المُقِلُّ منهم والمُكثِرُ»، يَعني به -واللهُ أعلَمُ- الغَنيَّ والفَقيرَ، أي: المُقِلُّ من المالِ والمُكثِرُ منه. ومَعناه: أنَّ النَّفيرَ يَعُمُّ جَميعَ الناسِ ممَّن كانَ من أهلِ القِتالِ حينَ الحاجةِ إلى نَفيرِهم لمَجيءِ العَدوِّ إليهم، ولا يَجوزُ لأحدٍ التَّخلُّفُ إلا مَنْ يَحتاجُ إلى تَخلُّفِه لحِفظِ المَكانِ والأهلِ والمالِ، ومَن يَمنعُه الأميرُ من الخُروجِ أو مَنْ لا قُدرةَ له على الخُروجِ أو القِتالِ؛ وذلك لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]، وقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «وإذا استُنفِرتم فانفِروا» (٢)، وقد ذَمَّ
стр. 12055
اللهُ تَعالى الذين أرادوا الرُّجوعَ إلى مَنازِلِهم يَومَ الأحزابِ فقالَ تَعالى: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [لقمان: ١٣].
ولأنَّهم إذا جاءَ العَدوُّ صارَ الجِهادُ عليهم فَرضَ عَينٍ وجَبَ على الجَميعِ، فلم يَجزْ لأحدٍ التَّخلُّفُ عنه (١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: وأمَّا قِتالُ الدَّفعِ فهو أشَدُّ أنواعِ دَفعِ الصائِلِ عن الحُرمةِ والدِّينِ، فواجِبٌ إجماعًا، فالعَدوُّ الصائِلُ الذي يُفسِدُ الدِّينَ والدُّنيا لا شَيءَ أوجَبَ بعدَ الإيمانِ من دَفعِه، فلا يُشترطُ له شَرطٌ بل يُدفَعُ بحسَبِ الإمكانِ (٢).
وقالَ في مَوضِعٍ آخَرَ: فأمَّا إذا أرادَ العَدوُّ الهُجومَ على المُسلِمينَ؛ فإنَّه يَصيرُ دَفعُه واجِبًا على المَقصودِينَ كلِّهم وعلى غيرِ المَقصودِينَ لإعانَتِهم، كما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [الأنفال: ٧٢].
وكما أمَرَ النَّبيُّ ﷺ بنَصرِ المُسلِمِ، وسَواءٌ أكانَ الرَّجلُ من المُرتزَقةِ للقِتالِ أو لم يَكنْ، وهذا يَجبُ بحسَبِ الإمكانِ على كل أحَدٍ بنَفسِه ومالِه مع القِلةِ والكَثرةِ والمَشيِ والرُّكوبِ، كما كانَ المُسلِمونَ لمَّا قصَدَهم العَدوُّ عامَ الخَندَقِ، ولم يَأذنِ اللهُ في تَركِه لأحدٍ كما
стр. 12056
أذِنَ في تَركِ الجِهادِ ابتِداءً لطَلبِ العَدوِّ الذي قسَّمَهم فيه إلى قاعِدٍ وخارِجٍ، بل ذَمَّ الذين يَستأذِنُون النَّبيَّ ﷺ ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ [لقمان: ١٣] (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: الجِهادُ يَنقَسِمُ أيضًا إلى قِسمَينِ:
أحدُهما: فَرضٌ عامٌّ مُتعيَّنٌ على كلِّ أحَدٍ ممَّن يَستطيعُ المُدافَعةَ والقِتالَ وحمْلَ السِّلاحِ من البالِغينَ الأحرارِ، وذلك أنْ يَحِلَّ العَدوُّ بدارِ الإسلامِ مُحارِبًا لهم، فإذا كانَ ذلك وجَبَ على جَميعِ أهلِ تلك الدارِ أنْ يَنفِروا ويَخرُجوا إليه خِفافًا وثِقالَا وشَبابًا وشُيوخًا، وألَّا يَتخلَّفَ أحَدٌ يَقدِرُ على الخُروجِ من مُقاتِلٍ أو مُكثِرٍ، وإنْ عجَزَ أهلُ تلك البَلدةِ عن القيامِ بعَدوِّهم كانَ على مَنْ قارَبهم وجاورَهم أنْ يَخرُجوا قَلُّوا أو كَثُروا على حسَبِ ما لزِمَ أهلَ تلك البَلدةِ حتى يَعلَموا أنَّ فيهم طاقةً على القيامِ بهم ومُدافَعتِهم، وكذلك كلُّ مَنْ علِمَ بضَعفِهم عن عَدوِّهم، وعلِمَ أنَّه يُدرِكُهم ويُمكِنُه غِياثُهم لزِمَه أيضًا الخُروجُ إليهم، فالمُسلِمونَ كلُّهم يَدٌ على مَنْ سِواهم حتى إذا قامَ بدَفعِ العَدوِّ أهلُ الناحيةِ التي نزَلَ العَدوُّ عليها واحتَلَّ بها سقَطَ الفَرضُ عن الآخَرينَ، ولو قارَبَ العَدوُّ دارَ الإسلامِ ولم يَدخُلوها لزِمَهم أيضًا الخُروجُ إليه (٢).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: وإذا تَعيَّنَ الجِهادُ بغَلبةِ العَدوِّ على قُطرٍ من الأقطارِ … وجَبَ على جَميعِ أهلِ تلك الدارِ أنْ يَنفِروا، ويَخرُجوا إليه
стр. 12057
خِفافًا وثِقالَا، شَبابًا وشُيوخًا، كلٌّ على قَدرِ طاقَتِه … ؛ فإنْ عجَزَ أهلُ تلك البَلدةِ عن القيامِ بعَدوِّهم كانَ على مَنْ قارَبَهم وجاوَرَهم أنْ يَخرُجوا على حسَبِ ما لزِمَ أهلَ تلك البَلدةِ حتى يَعلَموا أنَّ منهم طاقةً على القيامِ بهم ومُدافَعتِهم. وكذلك كلُّ مَنْ علِمَ بضَعفِهم عن عَدوِّهم، وعلِمَ أنَّه يُدرِكُهم ويُمكِنُه غِياثُهم لزِمَه أيضًا الخُروجُ إليهم، فالمُسلِمونَ كلُّهم يَدٌ على مَنْ سِواهم حتى إذا قامَ بدَفعِ العَدوِّ أهلُ الناحيةِ التي نزَلَ العَدوُّ عليها واحتَلَّ بها سقَطَ الفَرضُ عن الآخَرينَ، ولو قارَبَ العَدوُّ دارَ الإسلامِ ولم يَدخلوها لزِمَهم أيضًا الخُروجُ إليه حتى يَظهَرَ دِينُ اللهِ وتُحمَى البَيضةُ وتُحفظَ الحَوزةُ ويُخزَى العَدوُّ، ولا خِلافَ في هذا (١).
٣ - إذا استَنفرَ الإمامُ فَردًا أو فِئةً مُعيَّنةً: لزِمَهم النَّفيرُ معه ويَتعيَّنُ عليهم الجِهادُ بذلك، ولا يَحِلُّ لهم التَّخلُّفُ إلا مَنْ له عُذرٌ قاطِعٌ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [التوبة: ٣٨، ٣٩] فدلَّت هذه الآيةُ على وُجوبِ النَّفيرِ على كلِّ مَنْ استَنفرَه الإمامُ أو نائِبُه، وأنَّ مَنْ تَخلَّفَ عن النَّفيرِ هنا مُهدَّدٌ بالعَذابِ الأليمِ واستِبدالِ غيرِه به.
стр. 12058
وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «لا هِجرةَ بعدَ الفَتحِ، ولكنْ جِهادٌ ونِيةٌ، وإذا استُنفِرتُم فانفِروا» (١). وذلك لأنَّ أمرَ الجِهادِ مَوكولٌ إلى الإمامِ واجتِهادِه، ويَلزمُ الرَّعيةَ طاعَتُه فيما يَراه مِنْ ذلك.
ونَصَّ المالِكيةُ على أنَّه يَتعيَّنُ الجِهادُ بتَعيينِ الإمامِ ولو لصَبيٍّ مُطيقٍ للقِتالِ أو امرأةٍ، وتَعيينُ الإمامِ هو إلجاؤُه إليه وجبْرُه عليه، كما يُلزَمُ بما فيه صَلاحُ حالِه، لا بمَعنى عِقابِه على تَركِه، فلا يُقالُ: إنَّ تَوجُّهَ الوُجوبِ للصَّبيِّ خَرقٌ للإجماعِ.
قالَ خَليلٌ ﵀: وتَعيَّنَ بفَجْءِ العَدوِّ، وإنْ على امرأةٍ أو عَبدٍ وعلى مَنْ بقُربِهم إنْ عجَزوا أو بتَعيينِ الإمامِ (٢).
قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: «قَولُه: وبتَعيينِ الإمامِ» أي أنَّ كلَّ مَنْ عيَّنَه الإمامُ للجِهادِ؛ فإنَّه يَتعيَّنُ عليه، ولو كانَ صَبيًّا مُطيقًا للقِتالِ أو امرأةً أو عَبدًا أو وَلدًا أو مَدينًا، ويَخرُجونَ ولو منَعَهم الوَليُّ والزَّوجُ والسَّيدُ ورَبُّ الدِّينِ، والمُرادُ بتَعيينِه على الصَّبيِّ بفَجْءِ العَدوِّ، وبتَعيينِ الإمامِ إلجاؤُه عليه وجبْرُه عليه كما يُلزَمُ بما فيه إصلاحُ حالِه، لا بمَعنى عِقابِه على تَركِه … ، فلا يُقالُ: إنَّ تَوجُّهَ الوُجوبِ للصَّبيِّ خَرقٌ للإجماعِ (٣).
إذ قد تَعيَّنَ عليهم ألَّا يَكونَ مُتحرِّفًا لقِتالٍ أو مُتحيِّزًا إلى فِئةٍ أو أنْ يَكونَ الواحِدُ مع ثَلاثةٍ أو المِئةُ مع ثَلاثِمئةٍ؛ فإنَّه أُبيحَ لهم الفِرارُ، ولهم الثَّباتُ لا سيَّما مع غلَبَ ةِ ظنِّهم بالظُّهورِ (١).
شُروطُ وُجوبِ الجِهادِ:
يُشترطُ لوُجوبِ الجِهادِ شُروطٌ: منها الإسلامُ والعَقلُ والبُلوغُ والذُّكوريةُ والحُرِّيةُ والاستِطاعةُ وإذْنُ الوالِدَينِ وعَدمُ الدَّينِ.
الشَّرطُ الأولُ: الإسلامُ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ مِنْ شُروطِ وُجوبِ الجِهادِ الإسلامَ؛ لأنَّه مِنْ شُروطِ وُجوبِ سائرِ الفُروعِ، ولأنَّ الكافِرَ غيرُ مَأمونٍ في الجِهادِ، ولا يَأذَنُ له الإمامُ بالخُروجِ مع جَيشِ المُسلِمينَ عندَ كَثيرٍ من الفُقهاءِ؛ لِما رَوَت عائِشةُ ﵂ أنَّها قالَت: «خرَجَ رَسولُ اللهِ ﷺ قِبَلَ بَدرٍ فلمَّا كانَ بحَرَّةِ الوَبَرةِ أدرَكَه رَجلٌ قد كانَ يُذكَرُ منه جُرأةٌ ونَجدةٌ، ففرِحَ أصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ حينَ رَأوهُ، فلمَّا أدرَكَه قالَ لرَسولِ اللهِ ﷺ : جِئتُ لأتَّبعَك وأُصيبَ معك، قالَ له رَسولُ اللهِ ﷺ : تُؤمِنُ بِالله ورَسولِه؟ قالَ: لا، قالَ: فارجِعْ فلن أستَعينَ بمُشرِكٍ، قالَت: ثم مَضى حتى إذا كُنا بالشَّجَرةِ أدرَكَه الرَّجلُ، فقالَ له كما قالَ أوَّلَ مَرةٍ، فقالَ له النَّبيُّ ﷺ كما قالَ أوَّلَ مَرةٍ، قالَ: فارجِعْ فلن
стр. 12061
أستَعينَ بِمُشرِكٍ، قالَ: ثم رجَعَ فأدرَكَه بالبَيداءِ فقالَ له كما قالَ أوَّلَ مَرةٍ: تُؤمِنُ بِاللهِ ورَسولِه، قالَ: نَعمْ، فقالَ له رَسولُ اللهِ ﷺ فانطَلقْ» (١).
ولأنَّ ما يُخافُ من الضَّررِ بحُضورِه أكثَرُ مما يُرجَى من المَنفعةِ، وهو لا يُؤمَنُ مَكرُه وغائِلتُه لخُبثِ طَويَّتِه، والحَربُ تَقتَضي المُناصَحةَ، والكافِرُ ليسَ مِنْ أهلِها.
الشَّرطُ الثانِي: العَقلُ: فلا يَجبُ على المَجنونِ؛ لأنَّه غيرُ مُكلَّفٍ، ولا يَتأتَّى منه؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «رُفعَ القَلمُ عن ثَلاثةٍ عن النائِمِ حتى يَستيقِظَ وعن الصَّبيِّ حتى يَحتلِمَ وعن المَجنونِ حتى يَعقِلَ» (٢)، ولا يأذَنُ الإمامُ للمَجانينِ بحالٍ.
الشَّرطُ الثالِثُ: البُلوغُ: فلا يَجبُ الجِهادُ على الصَّبيِّ غيرِ البالِغِ بالإجماعِ (٣)؛ لأنَّه ضَعيفُ البِنيةِ وهو غيرُ مُكلَّفٍ، ففي الصَّحيحينِ عن ابنِ عُمرَ ﵄ قالَ: «عُرِضتُ على رَسولِ اللهِ ﷺ يَومَ أُحُدٍ
стр. 12062
وأنا ابنُ أربَعَ عَشرةَ فلم يُجزْني، وعُرِضتُ عليه يَومَ الخَندَقِ وأنا ابنُ خَمسَ عَشرةَ فأجازَني» (١).
الشَّرطُ الرابِعُ: الذُّكوريةُ: فلا يَجبُ الجِهادُ على المَرأةِ بالإجماعِ (٢) ولا الخُنثى المُشكِلِ؛ لمَا رَوَت عائشةُ أمُّ المُؤمِنينَ ﵂ أنَّها قالَتْ: «قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، أعلى النِّساءِ جِهادٌ؟ قالَ: نَعمْ، عليهِنَّ جِهادٌ لا قِتالَ فيه: الحَجُّ والعُمرةُ» (٣). وعنها قالَت: «يا رَسولَ اللهِ، تُرَى الجِهادَ أفضَلَ العَمَلِ، أفلا نُجاهِدُ؟ قالَ: لكُنَّ أفضَلُ الجِهادِ حَجٌّ مَبرورٌ» (٤).
ولأنَّ بِنْيةَ المَرأةِ لا تَتحمَّلُ الحَربَ عادةً، ولأنَّها ليسَت من أهلِ القِتالِ لضَعفِها وخَورِها، ولذلك لا يُسهَمُ لها، ولا يَجبُ على خُنثى مُشكِلٍ؛ لأنَّه لا يُعلَمُ كَونُه ذَكرًا فلا يَجبُ مع الشَّكِّ في شَرطِه (٥).
وإنَّما لم يَكنْ واجِبًا لما فيه من مُغايَرةِ المَطلوبِ منهنَّ من الستْرِ ومُجانَبةِ الرِّجالِ، فلذلك كانَ الحَجُّ أفضَلَ لهُنَّ من الجِهادِ (٦).
стр. 12063
ولِلإمامِ أنْ يأذَنَ للمُراهِقين والنِّساءِ في الخُروجِ وأنْ يَستصحِبَهم لسَقيِ الماءِ ومُداواةِ المَرضَى ومُعالَجةِ الجَرحَى، وألَّا يَأذنَ للمَجانينِ بحالٍ (١).
وقالَ الإمامُ مُحمدُ بنُ عيسى بنِ أصبَغَ الأزْديُّ ﵀: فأمَّا الرَّجلُ أو الإمامُ يَغزو بالمَرأةِ أو النِّساءِ لما يَعرِضُ من المَصالحِ والرِّفقِ بالجَرحى في المُداواةِ والقيامِ عليهم وغيرِ ذلك مِنْ ضَروراتِ الجَيشِ عندَ القِتالِ، فذلك من السُّنةِ، إلَّا أنْ يَكونَ في الجَمعِ قِلةٌ وخَوفٌ أنْ يَنالَهنَّ العَدوُّ، فيَجبَ التَّوقِّي والإمساكُ عن حُضورِهنَّ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا يَأذَنُ للمَرأةِ الشَّابةِ الجَميلةِ؛ لأنَّها ليسَت مِنْ أهلِ القِتالِ، ولا يُؤمَنُ الضَّررُ عليها وبها، ويَجوزُ أنْ يَأذنَ للطاعِنةِ في السِّنِّ لسَقيِ الماءِ ومُعالَجةِ الجَرحَى (٣).
والدَّليلُ على جَوازِ خُروجِ النِّساءِ في الغَزوِ ما رَواه مُسلِمٌ عن أنسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قالَ: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَغزو بِأمِّ سُليمٍ ونِسوةٍ مِنْ الأنصارِ معه إذا غَزا فيَسقينَ الماءَ وَيُداوينَ الجَرحَى» (٤).
وعن أنَسٍ أنَّ أمَّ سُليمٍ اتَّخذَت يَومَ حُنينٍ خِنجرًا فَكانَ معها فرَآها أبو طَلحةَ، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، هذه أمُّ سُليمٍ معها خِنجرٌ. فقالَ لها رَسولُ اللهِ
стр. 12064
ﷺ : «ما هَذا الخِنجرُ». قالَت: اتَّخذتُه إنْ دَنا مِنِّي أحَدٌ مِنَ المُشرِكينَ بَقَرتُ به بَطنَه. فجعَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَضحَكُ، قالَت: يا رَسولَ اللهِ، اقتُلْ مَنْ بَعدَنا مِنْ الطُّلقاءِ، انهَزَموا بك. فقالَ رَسولُ الله ﷺ : «يا أمَّ سُليمٍ، إنَّ اللَّهَ قَدْ كَفى وأحسَنَ» (١).
وعن أنَسٍ ﵁ قالَ: لمَّا كانَ يَومُ أُحدٍ، انهزَمَ الناسُ عن النَّبيِّ ﷺ ، قالَ: «ولقَد رَأيتُ عائِشةَ بِنتَ أبي بَكرٍ وَأمَّ سُليمٍ وإنَّهما لمُشمِّرتانِ، أَرى خَدمَ سُوقِهما تَنقُزانِ القِربَ -وقالَ غيرُه: تَنقُلانِ القِربَ- على مُتونِهما ثم تُفرِغانِه في أفواهِ القَومِ ثم تَرجِعانِ فتَملآنِها ثم تَجيئانِ فتُفرِغانِها في أفواهِ القَومِ» (٢).
مَتى يَتعيَّنُ الجِهادُ على المَرأةِ؟
قد يَتعيَّنُ الجِهادُ على المَرأةِ ويَكونُ في حقِّها فَرضَ عَينٍ، وذلك في حالِ جِهادِ الدَّفعِ كما نَصَّ على ذلك جُمهورُ الفُقهاءِ.
جاءَ في «الدُّرِّ المُختارِ» من كُتُبِ الحَنفيةِ: «وفَرضُ عَينٍ إنْ هجَمَ العَدوُّ فيَخرجُ الكلُّ ولو بلا إذْنٍ» ويَأثمُ الزَّوجُ ونَحوُه بالمَنعِ.
وجاء في شَرحِه لابنِ عابدِين ﵀: قَولُه: «فيَخرجُ الكلُّ» أي: كلُّ مَنْ ذُكِر مِنْ المَرأةِ والعبدِ والمَدينِ وغيرِهم.
стр. 12065
قالَ الإمامُ السَّرخسيُّ ﵀: وكذلك الغِلمانُ الذين لم يَبلُغوا إذا أطاقوا القِتالَ فلا بأسَ أنْ يَخرُجوا ويُقاتِلوا في النَّفيرِ العامِّ، وإنْ كرِهَ ذلك الآباءُ والأُمَّهاتُ (١).
وقالَ الإمامُ الزَّيلعيُّ ﵀: «وفَرضُ عَينٍ إنْ هجَمَ العَدوُّ، فتَخرُجُ المَرأةُ والعَبدُ بلا إذْنِ زَوجِها وسَيِّدِه»؛ لأنَّ المَقصودَ لا يَحصُلُ إلا بإقامةِ الكُلِّ فيَجبُ على الكلِّ، وحقُّ الزَّوجِ والمَولى لا يَظهرُ في حقِّ فُروضِ الأعيانِ، كالصَّلاةِ والصِّيامِ، بخِلافِ ما قبلَ النَّفيرِ؛ لأنَّ بغيرِهم كِفايةً، فلا ضَرورةَ إلى إبطالِ حقِّهما، وكذا الوَلدُ يَخرجُ بغيرِ إذْنِ والِدَيه وفي غيرِ النَّفيرِ العامِّ لا يَخرجُ إلا بإذنِهما، وكذا كلُّ سَفرٍ فيه خَطرٌ؛ لأنَّ الإشفاقَ عليه يَضرُّهما، وإنْ لم يَكنْ فيه خَطرٌ فلا بأسَ أنْ يَخرجَ بغيرِ إذْنِهما إذا لم يُضيِّعْهما، والأجدادُ والجَدَّاتُ مِثلُهما عندَ عَدمِهما، وكذا المَدينُ لا يَخرجُ إلا بإذْنِ الدائِنِ إلا في النَّفيرِ العامِّ.
والأصلُ فيه قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]. أي: اخرُجوا إلى الجِهادِ شَبابًا وشُيوخًا أو رُكبانًا ومُشاةً أو فُقراءَ وأغنياءَ، وقد جاءَ في التَّفسيرِ: خِفافًا شَبابًا أغنياءَ، وثِقالَا شُيوخًا فُقراءَ، وهذا أبلَغُ، وفي الجامِعِ الصَّغيرِ: الجِهادُ واجِبٌ إلا أنَّ المُسلِمينَ في سَعةٍ حتى يُحتاجَ إليهم، فقَولُه في سَعةٍ، إشارةٌ إلى أنَّ مُباشَرةَ القِتالِ لا تَجِبُ في كلِّ وَقتٍ بل الاستِعدادُ له كافٍ، وقَولُه: حتى يُحتاجَ إليهم، إشارةٌ إلى أنَّ مُباشَرةَ القِتالِ
стр. 12066
فَرضٌ على الكلِّ عندَ الحاجةِ إليهم، وهو النَّفيرُ العامُّ؛ لأنَّ المَقصودَ حينَئذٍ لا يَحصُلُ إلا بإقامةِ الكُلِّ فيُفتَرضُ عليهم مُباشَرتُه (١).
وأمَّا المالِكيةُ فقالَ خَليلٌ ﵀: وتَعيَّنَ بفَجْءِ العَدوِّ، وإنْ على امرأةٍ أو عَبدٍ، وعلى مَنْ بقُربِهم إنْ عجَزوا أو بتَعيينِ الإمامِ (٢).
وقالَ الدَّرديرُ ﵀ في «الشَّرحِ الكَبيرِ»: (وتَعيَّنَ) الجِهادُ (بفَجْءِ العَدوِّ) على قَومٍ (وإنْ) تَوجَّه الدَّفعُ (على امرأةٍ) ورَقيقٍ (٣).
وقالَ ابنُ أبي زَيدٍ القَيروانيُّ ﵀: محَلُّ كَونِ الجِهادِ فَرضَ كِفايةٍ بحسَبِ الأصلِ، فلا يُنافي أنَّه قد يَكونُ واجِبًا على الأعيانِ إذا غَزا العَدوُّ قَومًا، فيَتعيَّنُ على كلِّ أحَدٍ -حتى النِّساءُ- وعلى مَنْ بقُربِهم إنْ عجَزوا، وبتَعيينِ الإمامِ وبالنَّذرِ (٤).
وأمَّا الشافِعيةُ فقالَ منهم الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: الثانِي من حالَيِ الكُفارِ، وهو ما تَضمَّنَه قَولُه: (يَدخُلونَ بَلدةً لنا) أو يَنزِلون على جَزائرَ أو جَبلٍ في دارِ الإسلامِ ولو بَعيدًا عن البَلدِ (فيَلزمُ أهلَها الدَّفعُ بالمُمكِنِ) منهم، ويَكونُ الجِهادُ حينَئذٍ فَرضَ عَينٍ … (فإنْ أمكَن) أهلَها (تأهُّبٌ) استِعدادًا (لِقتالٍ وجَبَ) على كلٍّ منهم (المُمكِنُ) أي: الدَّفعُ للكُفارِ
стр. 12067
بحسَبِ القُدرةِ (حتى على فَقيرٍ) بما يَقدِرُ عليه (ووَلدٍ ومَدينٍ) وهو مَنْ عليه دَينٌ (وعَبدٌ بلا إذْنٍ) من أبوَينِ ورَبِّ دَينٍ ومن سيِّدٍ، ويَنحَلُّ الحَجزُ عنهم في هذه الحالةِ؛ لأنَّ دُخولَهم دارَ الإسلامِ خَطْبٌ عَظيمٌ لا سَبيلَ إلى إهمالِه، فلا بدَّ من الجِدِّ في دَفعِه بما يُمكِنُ، وفي مَعنى دُخولِهم البَلدةَ ما لو أطلُّوا عليها والنِّساءُ كالعَبيدِ إنْ كانَ فيهِنَّ دِفاعٌ وإلَّا فلا يَحضُرْنَ. قالَ الرافِعيُّ: ويَجوزُ ألَّا تَحتاجَ المَرأةُ إلى إذْنِ الزَّوجِ (١).
الشَّرطُ الخامِسُ: الحُرِّيةُ: فلا يَجبُ الجِهادُ على العبدِ؛ لأنَّ الجِهادَ عِبادةٌ تَتعلَّقُ بقَطعِ مَسافةٍ فلمْ تَجِبْ على العبدِ كالحَجِّ.
الشَّرطُ السادِسُ: الاستِطاعةُ: أي: أنْ يَكونَ المُجاهِدُ مُستطيعًا، فلا يَجبُ الجِهادُ على غيرِ المُستطيعِ باتِّفاقِ المَذاهبِ الأربَعةِ.
والاستِطاعةُ نَوعانِ:
النَّوعُ الأولُ: الاستِطاعةُ البَدنيةُ: بأنْ يَكونَ سَليمًا: فلا يَجبُ الجِهادُ على مَنْ به مَرضٌ يَمنعُه من القِتالِ والرُّكوبِ على دابةٍ، ولا على مَنْ لا يُمكِنُه القِتالُ إلا بمَشقةٍ شَديدةٍ، فأمَّا المَرضُ اليسَيرُ الذي لا يَمنعُ إمكانَ الجِهادِ كوَجعِ الضِّرسِ والصُّداعِ الخَفيفِ والحُمَّى الخَفيفةِ ونَحوِها فلا يَمنعُ الوُجوبَ؛ لأنَّه لا يَتعذَرُ معه الجِهادُ فهو كالعَورِ.
وكذا العَرجُ فلا جِهادَ على مَنْ به عَرجٌ بيِّنٌ، وإنْ قدِرَ على الرُّكوبِ ووجَدَ الدَّوابَّ، وسَواءٌ العَرجُ في رِجلِه أو رِجلَيه، ولا اعتبارَ بعَرجٍ يَسيرٍ لا
стр. 12068
يَمنعُ المَشيَ، ولا جِهادَ على أشَلِّ اليَدِ ولا مَنْ فقَدَ مُعظَمَ أصابِعِه بخِلافِ فاقِدِ الأقَلِّ.
وكذا العَمى فلا جِهادَ على أعمى، ويَجبُ على الأعوَرِ والأعشى وعلى ضَعيفِ البَصرِ إنْ كانَ يُدرِكُ الشَّخصُ ويُمكِنُه أنْ يَتَّقيَ السِّلاحَ.
والدَّليلُ على عَدمِ وُجوبِ الجِهادِ على المَريضِ والأعمى والأعرَجِ ومَن في حُكمِهم قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: ١٧].
فقد عذَرَ اللهُ جلَّ شأنُه هؤلاء بالتَّخلُّفِ عن الجِهادِ ورَفعِ الحَرجِ عنهم، ولأنَّ هؤلاء لا قُدرةَ لهم على القِتالِ فلا يُكلَّفونَ ما لا طاقةَ لهم به.
قالَ الحَنفيةُ: لا يَجبُ الجِهادُ على أَعْمى ولا مُقعَدٍ ولا أقطَعَ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: ١٧].
ولأنَّهم عاجِزون، ولِهذا سقَطَ عنهم فَرضُ الحَجِّ، وسَواءٌ كانَ أقطَعَ الأصابِعِ أو أشَلَّ، ولأنَّه يَحتاجُ في القِتالِ إلى يَدٍ يَضرِبُ بها ويَدٍ يَتَّقي بها (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأمَّا السَّلامُ من الضَّررِ فمَعناه السَّلامةُ من العَمى والعَرجِ والمَرضِ، وهو شَرطٌ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: ١٧].
стр. 12069
ولأنَّ هذه الأعذارَ تَمنَعُه من الجِهادِ، فأمَّا العَمى فمَعروفٌ، وأمَّا الأعرَجُ فالمانِعُ منه هو الفاحِشُ الذي يَمنعُ المَشيَ الجَيِّدَ والرُّكوبَ كالزَّمانةِ ونَحوِها، وأمَّا اليسَيرُ الذي يَتمكَّنُ معه من الرُّكوبِ والمَشيِ وإنَّما يَتعذَرَ عليه شِدةُ العَدوِّ فلا يَمنعُ وُجوبَ الجِهادِ؛ لأنَّه مُمكَّنٌ منه، فشابَهَ الأعوَرَ، وكذلك المَرضُ المانِعُ هو الشَّديدُ.
فأمَّا اليسَيرُ منه الذي لا يَمنعُ إمكانَ الجِهادِ كوَجعِ الضِّرسِ والصُّداعِ الخَفيفِ فلا يَمنعُ الوُجوبَ؛ لأنَّه لا يَتعذَّرُ معه الجِهادُ، فهو كالعَورِ (١).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا على مَنْ يَجبُ؟ فهُم الرِّجالُ الأحرارُ البالِغونَ الذين يَجِدون ما يَغزون به، الأصِحِّاءُ إلا المَرضَى، وإلا الزَّمنَى، وذلك لا خِلافَ فيه (٢).
النَّوعُ الثانِي: الاستِطاعةُ الماليةُ: فلا يَجبُ الجِهادُ على مَنْ لا نَفقةَ له؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١] ولأنَّ الجِهادَ لا يُمكِنُ إلا بآلةٍ، فيُعتبَرُ القُدرةُ عليها.
قالَ الحَنابِلةُ: فإنْ كانَ الجِهادُ على مَسافةٍ لا تُقصَرُ فيها الصَّلاةُ اشتُرطَ أنْ يَكونَ واجِدًا للزَّادِ ونَفقةِ عائِلتِه في مُدةِ غَيبَتِه وسِلاحٍ يُقاتِلُ به، ولا تُعتبَرُ الراحِلةُ؛ لأنَّه سَفرٌ قَريبٌ.
стр. 12070
وإنْ كانَت المَسافةُ تُقصَرُ فيها الصَّلاةُ اعتُبِر مع ذلك الراحِلةُ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾ [التوبة: ٩٢] (١).
وقالَ الشافِعيةُ: ومنها الفَقرُ، فلا جِهادَ على مَنْ عجَزَ عن سِلاحٍ وأسبابِ القِتالِ، ويُشترطُ أنْ يَجِدَ نَفقةَ طَريقِه ذَهابًا ورُجوعًا؛ فإنْ لمْ يَكنْ له أهلٌ ولا عَشيرةٌ ففي اشتِراطِ نَفقةِ الرُّجوعِ وَجهانِ سبَقا في الحَجِّ؛ فإنْ كانَ القِتالُ على بابِ البَلدِ أو حَوالَيْه سقَطَ اشتِراطُ نَفقةِ الطَّريقِ، ويُشترطُ إيجادُ راحِلةٍ إنْ كانَ سَفرُه مَسافةَ القَصرِ.
ويُشترطُ كَونُ جَميعِ ذلك فاضِلًا عن نَفقةِ مَنْ يَلزمُه نَفقَتُه، ويُشترطُ سائرُ ما ذكَرْناه في الحَجِّ، وكلُّ عُذرٍ يَمنعُ وُجوبَ الحَجِّ يَمنعُ وُجوبَ الجِهادِ، إلا أمنَ الطَّريقِ؛ فإنَّه شَرطٌ هناك، ولا يُشترطُ هنا؛ لأنَّ مَبنى الغَزوِ على رُكوبِ المَخاوِفِ، هذا إنْ كانَ الخَوفُ من طَلائعِ الكُفارِ، وكذا لو كانَ من مُتلصِّصي المُسلِمينَ على الصَّحيحِ.
ولو بُذِل للفاقِدِ ما يَحتاجُ إليه لم يَلزمْه قَبولُه، إلا أنْ يَبذُلَه الإمامُ فيَلزمَه أنْ يَقبلَ ويُجاهِدَ؛ لأنَّ ما يُعطيه الإمامُ حقُّه.
ولا يَلزمُ الذِّميَّ الجِهادُ، والحاصِلُ أنَّ الجِهادَ لا يَجبُ إلا على مُسلمٍ بالِغٍ عاقِلٍ ذَكرٍ حرٍّ مُستَطيعٍ، ولا جِهادَ على رَقيقٍ (٢).
стр. 12071
الشَّرطُ السابِعُ: إذْنُ الوالِدَينِ: فلا يَجوزُ الجِهادُ إلا بإذْنِ الأبوَينِ المُسلِمينَ، أو بإذْنِ أحدِهما إنْ كانَ الآخَرُ كافرًا، إلا إذا تَعيَّنَ الجِهادُ، كانَ يَنزِلَ العَدوُّ بقَومٍ من المُسلِمينَ، ففَرضٌ على كلِّ مَنْ يُمكِنُه إعانَتُهم أنْ يَقصِدَهم مُغيثًا لهم، أذِنَ الأبَوانِ أو لم يأذَنا، إلا أنْ يَضِيعا أو أحدُهما بعدَه، فلا يَحِلُّ له تَركُ مَنْ يَضيعُ منهما بالإجماعِ.
قالَ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ مَنْ له أبَوانِ يَضيعانِ بخُروجِه ففَرضُ الجِهادِ ساقِطٌ عنه (١).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وعامةُ الفُقهاءِ مُتفِقونَ على أنَّ مِنْ شَرطِ هذه الفَريضةِ -الجِهادِ- إذْنَ الأبوَينِ فيها، إلا أنْ تَكونَ عليه فَرضَ عَينٍ مِثلَ ألَّا يَكونَ هنالِك مَنْ يَقومُ بالفَرضِ إلا بقيامِ الجَميعِ به (٢).
والأصلُ في ذلك ما رَواه عبدُ اللهِ بنُ عَمرِو بنِ العاصِ ﵁ قالَ: «جاءَ رَجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فاستأذَنَه في الجِهادِ فقالَ: أحَيٌّ والِداكَ؟ قالَ: نَعمْ. قالَ: ففيهما فجاهِدْ» (٣).
فدلَّ على أنَّ بِرَّ الوالِدَينِ مُقدَّمٌ على الجِهادِ، ولأنَّ الأصلَ في الجِهادِ أنَّه فَرضٌ على الكِفايةِ يَنوبُ عنه غيرُه فيه، وبِرُّ الوالِدَينِ فَرضٌ يَتعيَّنُ عليه؛ لأنَّه لا يَنوبُ عنه فيه غيرُه.
стр. 12072
ولِهذا قالَ رَجلٌ لابنِ عَباسٍ ﵄: «إنِّي نَذَرتُ أنْ أَغزوَ الرُّومَ، وإنَّ أَبوايَ مَنَعاني، فقالَ: أطِعْ أبوَيْك؛ فإنَّ الرُّومَ سَتجِدُ مَنْ يَغزوها غيرَك» (١).
ولأنَّ بِرَّ الوالِدَينِ فَرضُ عَينٍ، ولأنَّ الجِهادَ فَرضُ كِفايةٍ، ولأنَّ فَرضَ العَينِ يُقدَّمُ (٢).
وقالَ ابنُ عابدِين ﵀: ولا يأثَمانِ في مَنعِه وإلا لكانَ له الخُروجُ حتى يَبطُلَ عنهما الإثْمُ مع أنَّهما في سَعةٍ من مَنعِه إذا كانَ يَدخلُهما من ذلك مَشقةٌ شَديدةٌ (٣).
وأمَّا إنْ كانَ الأبَوانِ كافِرَينِ أو أحدُهما، فيَرى الشافِعيةُ والحَنابِلةُ أنَّه يَجوزُ أنْ يُجاهِدَ من غيرِ إذنِهما؛ لأنَّ أصحابَ رَسولِ اللهِ ﷺ كانُوا يُجاهِدونَ وفيهم مَنْ له أبَوانِ كافِرانِ من غيرِ استِئذانِهما، منهم أبو بَكرٍ الصِّديقُ وأبو حُذيفةَ بنُ عُتبةَ بنِ رَبيعةَ كانَ مع النَّبيِّ ﷺ وأبوه رَئيسُ المُشرِكينَ.
ولأنَّ الكافِرَ مُتهَمٌ في الدِّينِ بالمَنعِ من الجِهادِ لمَظِنتِه قَصدَ تَوهينِ الإسلامِ.
وقالَ الحَنفيةُ -وهو ما صرَّحَ باستِثنائِه بعضُ المالِكيةِ-: إنَّه لا يَخرجُ إلا بإذنِ الأبوَينِ الكافرَينِ أو أحَدِهما إذا كرِهَ خُروجَه مَخافةً ومَشقةً، وأمَّا
стр. 12073
إذا كانَ لكَراهةِ قِتالِ أهلِ دِينِه فلا يُطيعُه ما لم يَخفْ عليه الضَّيعةَ؛ إذْ لو كانَ مُعسِرًا مُحتاجًا إلى خِدمتِه فُرضَت عليه، ولو كافرًا، وليسَ من الصَّوابِ تَركُ فَرضِ عَينٍ ليُتوصَّلَ إلى فَرضِ كِفايةٍ.
وإنْ لم يَكنْ له أبَوانِ وله جَدٌّ أو جَدةٌ لم يَجزْ أنْ يُجاهِدَ من غيرِ إذنِهما؛ لأنَّهما كأبوَينِ في البِرِّ، ولو أذِنَ له جَدُّه لأبيه وجَدتُه لأمِّه، ولمْ يأذَنْ له أبو الأمِّ وأمُّ الأبِ، فصرَّحَ الحَنفيةُ بأنَّه لا بأسَ بخُروجِه؛ لقيامِ أبي الأبِ وأمِّ الأمِّ مَقامَ الأبِ والأمِّ عندَ فَقدِهما، والآخَران كباقي الأجانبِ إلا إذا عُدمَ الأوَّلانِ.
وإنْ كانَ له أبٌ وجَدٌّ، أو أمٌّ وجَدةٌ، فذهَبَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ -وهو رأيٌ عند الحَنابِلةِ- إلى أنَّه يَلزمُه استِئذانُ الجَدِّ مع الأبِ، واستِئذانُ الجَدةِ مع الأُمِّ؛ لأنَّ وُجودَ الأبوَينِ لا يُسقِطُ بِرَّ الجَدَّينِ، ولا يُنقِصُ شَفقتَهما عليه.
وذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّه لا يَلزمُه؛ لأنَّ الأبَ والأمَّ يَحجُبان الجَدَّ والجَدةَ عن الوِلايةِ والحَضانةِ.
وإنَّما يَجبُ استِئذانُ الأبوَينِ في الجِهادِ إذا لم يَكنْ مُتعيَّنًا، ولكنْ إذا تَعيَّنَ عليه الجِهادُ فلا إذْنَ لهما من غيرِ خِلافٍ بينَ الفُقهاءِ؛ لأنَّه صارَ فَرضَ عَينٍ، وصار تَركُه مَعصيةٌ، ولا طاعةَ لأحدٍ في مَعصيةِ اللهِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: «وإذا خُوطبَ بالجِهادِ فلا إذْنَ لهما، وكذلك كلُّ الفَرائضِ لا طاعةَ لهما في تَركِها».
стр. 12074
يَعني إذا وجَبَ عليه الجِهادُ لم يُعتبَرْ إذْنُ والدَيْه؛ لأنَّه صارَ فَرضَ عَينٍ وصارَ تَركُه مَعصيةً، ولا طاعةَ لأحدٍ في مَعصيةِ اللهِ، وكذلك كلُّ ما وجَبَ مِثلَ الحَجِّ والصَّلاةِ في الجَماعةِ والجُمَعِ والسَّفرِ للعِلمِ الواجِبِ.
قالَ الأَوزاعيُّ: لا طاعةَ للوالِدَينِ في تَركِ الفَرائضِ والجُمَعِ والحَجِّ والقِتالِ؛ لأنَّها عِباداتٌ تَعيَّنت عليه، فلم يُعتبَرْ إذْنُ الأبوَينِ فيها كالصَّلاةِ.
ولأنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] ولم يَشترطْ إذْنَ الوَالدَينِ (١).
إلا أنَّ المالِكيةَ نَصُّوا على أنَّه إنْ كانَ فيه أهليةُ النَّظرِ جازَ له الخُروجُ بغيرِ إذنِهما، جاءَ في «بُلغةِ السالِكِ»: تَنبيهٌ: للوالدَينِ مَنعُ الوَلدِ من السَّفرِ لفَرضِ الكِفايةِ ولو عِلمًا، فلا يَخرجُ له إلا بإذنِهما حيثُ كانَ في بَلدِه مَنْ يُفيدُه، وإلا خرَجَ له بغيرِ إذنِهما إنْ كانَ فيه أَهليةُ النَّظرِ (٢).
الشَّرطُ الثامِنُ: عَدمُ الدِّينِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن عليه دَينٌ هل له أنْ يَنفِرَ لجِهادِ الطَّلبِ بغيرِ إذْنِ غَريمِه أو لا؟
فقالَ الحَنفيةُ: وإذا أراد المَدينُ أنْ يَغزوَ وصاحِبُ الدَّينِ غائِبٌ؛ فإنْ كانَ عندَه وَفاءٌ بما عليه من الدَّينِ فلا بأسَ أنْ يَغزوَ ويُوصيَ إلى رَجلٍ ليَقضيَ دَينَه من تَرِكتِه إنْ حدَث به حَدثٌ، وإنْ لم يَكنْ عندَه وَفاءٌ بالدَّينِ فالأوْلى أنْ يُقيمَ فيَتمحَّلَ بقَضاءِ دَينِه؛ فإنْ غزا مع ذلك بغيرِ إذنِ رَبِّ الدَّينِ
стр. 12075
فذلك مَكروهٌ؛ فإنْ أذِنَ له صاحِبُ الدَّينِ في الغَزوِ ولم يَبرَأْ من المالِ فالمُستحَبُ أيضًا له أنْ يَتمحَّلَ بقَضاءِ الدَّينِ، وإنْ غَزا به في هذه الحالةِ لم يَكنْ به بأسٌ.
وكذلك لو كانَ الدَّينُ مُؤجَّلًا وهو يَعلمُ بطَريقِ الظاهِرِ أنَّه يَرجِعُ قبلَ أنْ يَحِلَّ الأجَلُ، وإنْ كانَ أحالَ غَريمَه على رَجلٍ آخَرَ؛ فإنْ كانَ للمُحيلِ على المُحتالِ عليه مِثلُ ذلك المالِ فلا بأسَ أنْ يَغزوَ، وإنْ لم يَكنْ للمُحيلِ على المُحتالِ عليه مِثلُ ذلك فالمُستحَبُّ ألَّا يَخرجَ؛ فإنْ أذِنَ له في الخُروجِ المُحتالُ عليه ولم يأذَنْ له المُحتالُ فلا بأسَ أنْ يَخرجَ، وإنْ كانَ لم يَحُلَّ غَريمَه ولكنْ ضَمِن عنه لغَريمِه رَجلٌ المالَ بغيرِ أمرِه على أنَّه إنْ أبرأ غَريمَه المَدينَ فلا بأسَ أنْ يَغزوَ، وألَّا يَستأمرَ واحِدًا منهما، ولو كانَ كفَلَ عنه الدَّينَ كَفيلٌ بأَمرِه وليسَ يُشترطُ بَراءَتُه، فليسَ له أنْ يَخرجَ حتى يَستأمرَ الأصيلَ والكَفيلَ، وإنْ كانَت الكَفالةُ بغيرِ أمرِه فعليه أنْ يَستأمرَ الطالِبَ، وليسَ له أنْ يَستأمرَ الكَفيلَ، وكذلك الكَفالةُ بالنَّفسِ إنْ كانَ كفَلَ بنَفسِه بأمرِه فليسَ يَنبَغي له أنْ يَغزوَ إلا بأمرِ الكَفيلِ، وإنْ كفَلَ بغيرِ أمرِه فلا بأسَ أنْ يَخرجَ ولا يَستأمرَ الكَفيلَ، وإنْ كانَ المَدينُ مُفلِسًا وهو لا يَقدِرُ أنْ يَتمحَّلَ دَينَه إلا بالخُروجِ في التِّجارةِ مع الغُزاةِ في دارِ الحَربِ فلا بأسَ أنْ يَخرجَ، ولا يَستأمرَ صاحِبَه؛ فإنْ قالَ: أخرُجُ للقِتالِ لعَلِّي أُصيبُ ما أقْضي به دَيني من النَّفلِ أو السِّهامِ، لم يُعجِبْني أنْ يَخرجَ إلا بإذنِ صاحِبِ الدَّينِ.
وهذا كلُّه إذا لم يَكنِ النَّفيرُ عامًّا، أمَّا إذا كانَ النَّفيرُ عامًّا فلا بأسَ
стр. 12076
للمَدينِ أنْ يَخرجَ، سَواءٌ كانَ عِندَه وَفاءٌ أو لم يَكنْ، أذِنَ له صاحِبُ الدَّينِ في ذلك أو منَعه عنه، فإذا انتَهى إلى المَوضِعِ الذي استقَرَّ إليه المُسلِمونَ فإنْ كانَ أمرًا يُخافُ على المُسلِمينَ منه فليُقاتلْ، وإنْ كانَ أمرًا لا يُخافُ على المُسلِمينَ منه فلا يَنبَغي له أنْ يُقاتِلَ إلا بإذنِ غَريمِه (١).
وقالَ المالِكيةُ: مَنْ عليه دَينٌ قد حَلَّ وعندَه به قَضاءٌ فلا يَنفِرْ ولا يُرابِطْ ولا يَعتمِرْ ولا يُسافِرْ حتى يَقضيَ دَينَه، وإنْ كانَ دَينًا لم يَحِلَّ أو لا وَفاءَ له به فله أنْ يَنفِرَ (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: ممَّا يَمنعُ وُجوبَ الجِهادِ الدَّينُ، فالذي عليه دَينٌ حالٌّ لمُسلمٍ أو ذِميٍّ ليسَ له أنْ يَخرجَ في سَفرِ جِهادٍ أو غيرِه إلا بإذْنِه، وله أنْ يَمنعَه السَّفرَ لتَوجُّهِ المُطالَبةِ به، وله الحَبسُ إنِ امتنَع، وإنْ كانَ مُعسِرًا فليسَ له مَنعُه على الصَّحيحِ؛ إذْ لا مُطالَبةَ في الحالِ، ولو استَنابَ المُوسِرُ مَنْ يَقضي دَينَه من مالٍ حاضِرٍ فله الخُروجُ، وإنْ أمَرَه بالقَضاءِ من مالٍ غائِبٍ فلا، ومَتى أذِنَ صاحِبُ الدَّينِ فله الخُروجُ ويَلتحِقُ بأصحابِ فَرضِ الكِفايةِ وفيه احتِمالٌ للإمامِ.
وإنْ كانَ الدَّينُ مُؤجَّلًا فله أنْ يَخرجَ في سَفرٍ لا يَغلِبُ فيه الخَطرُ على ما
стр. 12077
سبَقَ في التَّفليسَ، وهل لصاحِبِ الدَّينِ مَنعُه من سَفرِ الجِهادِ؟ فيه خَمسةُ أوجُهٍ: أصَحُّها: لا، والثانِي: نَعمْ إلا أنْ يُقيمَ كَفيلًا بالدَّينِ، والثالِثُ: له المَنعُ إنْ لم يُخلِّفْ وَفاءً، والرابِعُ: له المَنعُ إنْ لم يَكنْ من المُرتزَقةِ، والخامِسُ: له ذلك إنْ كانَ الدَّينُ يَحِلُّ قبلَ رُجوعِه ورُكوبِ البَحرِ كسَفرِ الجِهادِ على الأصَحِّ (١).
وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: حيثُ جاهَدَ بالإذْنِ قالَ الماوَرديُّ والرُّويانِيُّ: لا يَتعرَّضُ للشَّهادةِ ولا يَتقدَّمُ أمامَ الصُّفوفِ بل يَقِفُ في وَسطِها وحَواشيها ليَحفَظَ الدَّينَ بحِفظِ نَفسِه (٢).
وأمَّا الحَنابِلةُ فقالَ منهم ابنُ قُدامةَ ﵀: ومَن عليه دَينٌ حالٌّ أو مُؤجَّلٌ لم يَجزْ له الخُروجُ إلى الغَزوِ إلا بإذْنِ غَريمِه، إلا أنْ يَترُكَ وَفاءً أو يُقيمَ به كَفيلًا أو يُوثِّقَه برَهنٍ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ، ورخَّصَ مالِكٌ في الغَزوِ لمَن لا يَقدِرُ على قَضاءِ دَينِه؛ لأنَّه لا تَتوجَّه المُطالَبةُ به ولا حَبسُه من أجلِه، فلم يُمنَعْ من الغَزوِ كما لو لم يَكنْ عليه دَينٌ.
ولنا: أنَّ الجِهادَ تُقصَدُ منه الشَّهادةُ التي تَفوتُ بها النَّفسُ فيَفوتُ الحقُّ بفَواتِها، وقد جاءَ أنَّ رَجلًا جاءَ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، أرأيتَ إن قُتِلتُ في سَبيلِ اللهِ أتُكفَّرُ عنِّي خَطايايَ؟ فقالَ رَسولُ اللهِ
стр. 12078
ﷺ : «نَعمْ، وَأنتَ صابِرٌ مُحتسِبٌ مُقبِلٌ غيرُ مُدبِرٍ إلا الدَّينَ؛ فإنَّ جِبريلَ ﵇ قالَ لي ذلك» (١).
وأمَّا إذا تَعيَّنَ عليه الجِهادُ فلا إذْنَ لغَريمِه؛ لأنَّه تَعلَّق بعَينِه فكانَ مُقدَّمًا على ما في ذِمتِه كسائرِ فُروضِ الأعيانِ، ولكنْ يُستحَبُّ له ألَّا يَتعرَّضَ لمَظانِّ القَتلِ من المُبارَزةِ والوُقوفِ في أوَّلِ المُقاتِلةِ؛ لأنَّ فيه تَغريرًا بتَفويتِ الحَقِّ، وإنْ ترَك وَفاءً أو أقامَ كَفيلًا فله الغَزوُ بغيرِ إذْنٍ، نَصَّ عليه أحمدُ فيمَن ترَك وَفاءً؛ لأنَّ عبدَ اللهِ بنَ حَرامٍ أبا جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ خرَجَ إلى أُحُدٍ، وعليه دَينٌ كَثيرٌ فاستُشهِدَ وقَضاه عنه ابنُه بعِلمِ النَّبيِّ ﷺ ولم يَذمَّه النَّبيُّ ﷺ على ذلك ولم يُنكِرْ فِعلَه بل مدَحَه، وقالَ: ما زالتِ المَلائِكةُ تُظِلُّه بأجنِحَتِها حتى رَفعتُموه (٢).
стр. 12079
هل يُشترطُ إذْنُ الإمامِ لوُجوبِ الجِهادِ؟
لم يَشترطْ أحَدٌ من فُقهاءِ الإسلامِ إذْنَ الإمامِ لجِهادِ الدَّفعِ ولا أيَّ شَرطٍ من شُروطِ جِهادِ الطَّلبِ السابِقِ بَيانُها.
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: وأمَّا قِتالُ الدَّفعِ فهو أشَدُّ أنواعِ دَفعِ الصائِلِ عن الحُرمةِ والدِّينِ فواجِبٌ إجماعًا؛ فالعَدوُّ الصائِلُ الذي يُفسِدُ الدِّينَ والدُّنيا لا شَيءَ أوجَبَ من دَفعِه، فلا يُشترطُ له شَرطٌ؛ بل يُدفَعُ بحسَبِ الإمكانِ، وقد نَصَّ على ذلك العُلماءُ أصحابُنا وغيرُهم، فيَجبُ التَّفريقُ بينَ دَفعِ الصائِلِ الظالِمِ الكافِرِ وبينَ طَلبِه في بِلادِه (١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀ أيضًا: وإذا دخَلَ العَدوُّ بِلادَ الإسلامِ فلا رَيبَ أنَّه يَجبُ دَفعُه على الأقرَبِ فالأقرَبِ؛ إذْ بِلادُ الإسلامِ كلُّها بمَنزِلةِ البَلدةِ الواحِدةِ، ويَجبُ النَّفيرُ إليه بلا إذْنِ والِدٍ ولا غَريمٍ، ونُصوصُ أحمدَ صَريحةٌ بهذا (٢).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: وفَرضُ الجِهادِ على الكِفايةِ يَتولَّاه الإمامُ ما لمْ يَتعيَّنْ (٣). يَعني: إنْ تَعيَّنَ لمْ يُشترطْ له إذْنُ الإمامِ.
وجاءَ في مَسائلِ عبدِ اللهِ بنِ الإمامِ أحمدَ لأبيه قالَ: سألتُ أبي عن قَومٍ من أهلِ خُراسانَ بينَهم وبينَ العَدوِّ حائِطٌ تَرى لهم أنْ يُقاتِلوا؟
стр. 12080
فقالَ: إنْ كانُوا يَخافونَ على أنفُسِهم وذَراريِّهم فلا بأسَ أنْ يُقاتِلوا من قَبلِ أنْ يَأذنَ لهم الأميرُ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: «وواجِبٌ على الناسِ إذا جاءَ العَدوُّ أنْ يَنفِروا المُقِلُّ منهم والمُكثِرُ، ولا يَخرُجوا إلى العَدوِّ إلا بإذنِ الأميرِ إلا أنْ يَفجأَهم عَدوٌّ غالِبٌ يَخافونَ كلَبَه فلا يُمكِنُهم أنْ يَستأذِنُوه» … ولأنَّهم إذا جاءَ العَدوُّ صار الجِهادُ عليهم فَرضَ عَينٍ، فوجَبَ على الجَميعِ فلم يَجزْ لأحدٍ التَّخلُّفُ عنه، فإذا ثبَتَ هذا؛ فإنَّهم لا يَخرُجونَ إلا بإذنِ الأميرِ؛ لأنَّ أمرَ الحَربِ مَوكولٌ إليه، وهو أعلَمُ بكَثرةِ العَدوِّ وقلَّتِهم ومَكامنِ العَدوِّ وكَيدِهم، فيَنبَغي أنْ يَرجِعَ إلى رأيِه؛ لأنَّه أحوَطُ للمُسلِمينَ إلا أنْ يَتعذَرَ استِئذانُه لمُفاجأةِ عَدوِّهم لهم، فلا يَجبُ استِئذانُه؛ لأنَّ المَصلَحةَ تَتعيَّنُ في قتالِهم، والخُروجُ إليهم لتَعيُّنِ الفَسادِ في تَركِهم.
ولذلك لمَّا أغارَ الكُفارُ على لقَاحِ النَّبيِّ ﷺ فصادَفَهم سَلمةُ بنُ الأكوَعِ خارجَ المَدينةِ تَبِعهم وقاتَلَهم من غيرِ إذْنٍ فمدَحَه النَّبيُّ ﷺ وقالَ: «خَيرُ رَجَّالتِنا سَلمةُ بنُ الأكوَعِ» وأعطاه سَهمَ فارِسٍ وراجِلٍ» (٢).
ثم اختَلفَ الفُقهاءُ في جِهادِ الطَّلبِ هل يَجبُ إذْنُ الإمامِ فيه أو لا؟
فالحَنفيةُ أجازوا الجِهادَ بغيرِ إذْنِ الإمامِ لكنَّهم فرَّقوا بينَ أنْ يَدخُلَ واحِدٌ أو اثنانِ دارَ الحَربِ مُغيرَينِ بغيرِ إذْنِ الإمامِ فيَغنَما، وبينَ أنْ يَدخُلَ جَماعةٌ لهم مَنَعةٌ دارَ الحَربِ بغيرِ إذنِ الإمامِ فيَغنَموا.