← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 12076–12115 · переход к 12081.

стр. 12076

للمَدينِ أنْ يَخرجَ، سَواءٌ كانَ عِندَه وَفاءٌ أو لم يَكنْ، أذِنَ له صاحِبُ الدَّينِ في ذلك أو منَعه عنه، فإذا انتَهى إلى المَوضِعِ الذي استقَرَّ إليه المُسلِمونَ فإنْ كانَ أمرًا يُخافُ على المُسلِمينَ منه فليُقاتلْ، وإنْ كانَ أمرًا لا يُخافُ على المُسلِمينَ منه فلا يَنبَغي له أنْ يُقاتِلَ إلا بإذنِ غَريمِه (١). وقالَ المالِكيةُ: مَنْ عليه دَينٌ قد حَلَّ وعندَه به قَضاءٌ فلا يَنفِرْ ولا يُرابِطْ ولا يَعتمِرْ ولا يُسافِرْ حتى يَقضيَ دَينَه، وإنْ كانَ دَينًا لم يَحِلَّ أو لا وَفاءَ له به فله أنْ يَنفِرَ (٢). وقالَ الشافِعيةُ: ممَّا يَمنعُ وُجوبَ الجِهادِ الدَّينُ، فالذي عليه دَينٌ حالٌّ لمُسلمٍ أو ذِميٍّ ليسَ له أنْ يَخرجَ في سَفرِ جِهادٍ أو غيرِه إلا بإذْنِه، وله أنْ يَمنعَه السَّفرَ لتَوجُّهِ المُطالَبةِ به، وله الحَبسُ إنِ امتنَع، وإنْ كانَ مُعسِرًا فليسَ له مَنعُه على الصَّحيحِ؛ إذْ لا مُطالَبةَ في الحالِ، ولو استَنابَ المُوسِرُ مَنْ يَقضي دَينَه من مالٍ حاضِرٍ فله الخُروجُ، وإنْ أمَرَه بالقَضاءِ من مالٍ غائِبٍ فلا، ومَتى أذِنَ صاحِبُ الدَّينِ فله الخُروجُ ويَلتحِقُ بأصحابِ فَرضِ الكِفايةِ وفيه احتِمالٌ للإمامِ. وإنْ كانَ الدَّينُ مُؤجَّلًا فله أنْ يَخرجَ في سَفرٍ لا يَغلِبُ فيه الخَطرُ على ما

стр. 12077

سبَقَ في التَّفليسَ، وهل لصاحِبِ الدَّينِ مَنعُه من سَفرِ الجِهادِ؟ فيه خَمسةُ أوجُهٍ: أصَحُّها: لا، والثانِي: نَعمْ إلا أنْ يُقيمَ كَفيلًا بالدَّينِ، والثالِثُ: له المَنعُ إنْ لم يُخلِّفْ وَفاءً، والرابِعُ: له المَنعُ إنْ لم يَكنْ من المُرتزَقةِ، والخامِسُ: له ذلك إنْ كانَ الدَّينُ يَحِلُّ قبلَ رُجوعِه ورُكوبِ البَحرِ كسَفرِ الجِهادِ على الأصَحِّ (١). وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: حيثُ جاهَدَ بالإذْنِ قالَ الماوَرديُّ والرُّويانِيُّ: لا يَتعرَّضُ للشَّهادةِ ولا يَتقدَّمُ أمامَ الصُّفوفِ بل يَقِفُ في وَسطِها وحَواشيها ليَحفَظَ الدَّينَ بحِفظِ نَفسِه (٢). وأمَّا الحَنابِلةُ فقالَ منهم ابنُ قُدامةَ ﵀: ومَن عليه دَينٌ حالٌّ أو مُؤجَّلٌ لم يَجزْ له الخُروجُ إلى الغَزوِ إلا بإذْنِ غَريمِه، إلا أنْ يَترُكَ وَفاءً أو يُقيمَ به كَفيلًا أو يُوثِّقَه برَهنٍ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ، ورخَّصَ مالِكٌ في الغَزوِ لمَن لا يَقدِرُ على قَضاءِ دَينِه؛ لأنَّه لا تَتوجَّه المُطالَبةُ به ولا حَبسُه من أجلِه، فلم يُمنَعْ من الغَزوِ كما لو لم يَكنْ عليه دَينٌ. ولنا: أنَّ الجِهادَ تُقصَدُ منه الشَّهادةُ التي تَفوتُ بها النَّفسُ فيَفوتُ الحقُّ بفَواتِها، وقد جاءَ أنَّ رَجلًا جاءَ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، أرأيتَ إن قُتِلتُ في سَبيلِ اللهِ أتُكفَّرُ عنِّي خَطايايَ؟ فقالَ رَسولُ اللهِ

стр. 12078

ﷺ : «نَعمْ، وَأنتَ صابِرٌ مُحتسِبٌ مُقبِلٌ غيرُ مُدبِرٍ إلا الدَّينَ؛ فإنَّ جِبريلَ ﵇ قالَ لي ذلك» (١). وأمَّا إذا تَعيَّنَ عليه الجِهادُ فلا إذْنَ لغَريمِه؛ لأنَّه تَعلَّق بعَينِه فكانَ مُقدَّمًا على ما في ذِمتِه كسائرِ فُروضِ الأعيانِ، ولكنْ يُستحَبُّ له ألَّا يَتعرَّضَ لمَظانِّ القَتلِ من المُبارَزةِ والوُقوفِ في أوَّلِ المُقاتِلةِ؛ لأنَّ فيه تَغريرًا بتَفويتِ الحَقِّ، وإنْ ترَك وَفاءً أو أقامَ كَفيلًا فله الغَزوُ بغيرِ إذْنٍ، نَصَّ عليه أحمدُ فيمَن ترَك وَفاءً؛ لأنَّ عبدَ اللهِ بنَ حَرامٍ أبا جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ خرَجَ إلى أُحُدٍ، وعليه دَينٌ كَثيرٌ فاستُشهِدَ وقَضاه عنه ابنُه بعِلمِ النَّبيِّ ﷺ ولم يَذمَّه النَّبيُّ ﷺ على ذلك ولم يُنكِرْ فِعلَه بل مدَحَه، وقالَ: ما زالتِ المَلائِكةُ تُظِلُّه بأجنِحَتِها حتى رَفعتُموه (٢).

стр. 12079

هل يُشترطُ إذْنُ الإمامِ لوُجوبِ الجِهادِ؟ لم يَشترطْ أحَدٌ من فُقهاءِ الإسلامِ إذْنَ الإمامِ لجِهادِ الدَّفعِ ولا أيَّ شَرطٍ من شُروطِ جِهادِ الطَّلبِ السابِقِ بَيانُها. قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: وأمَّا قِتالُ الدَّفعِ فهو أشَدُّ أنواعِ دَفعِ الصائِلِ عن الحُرمةِ والدِّينِ فواجِبٌ إجماعًا؛ فالعَدوُّ الصائِلُ الذي يُفسِدُ الدِّينَ والدُّنيا لا شَيءَ أوجَبَ من دَفعِه، فلا يُشترطُ له شَرطٌ؛ بل يُدفَعُ بحسَبِ الإمكانِ، وقد نَصَّ على ذلك العُلماءُ أصحابُنا وغيرُهم، فيَجبُ التَّفريقُ بينَ دَفعِ الصائِلِ الظالِمِ الكافِرِ وبينَ طَلبِه في بِلادِه (١). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀ أيضًا: وإذا دخَلَ العَدوُّ بِلادَ الإسلامِ فلا رَيبَ أنَّه يَجبُ دَفعُه على الأقرَبِ فالأقرَبِ؛ إذْ بِلادُ الإسلامِ كلُّها بمَنزِلةِ البَلدةِ الواحِدةِ، ويَجبُ النَّفيرُ إليه بلا إذْنِ والِدٍ ولا غَريمٍ، ونُصوصُ أحمدَ صَريحةٌ بهذا (٢). وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: وفَرضُ الجِهادِ على الكِفايةِ يَتولَّاه الإمامُ ما لمْ يَتعيَّنْ (٣). يَعني: إنْ تَعيَّنَ لمْ يُشترطْ له إذْنُ الإمامِ. وجاءَ في مَسائلِ عبدِ اللهِ بنِ الإمامِ أحمدَ لأبيه قالَ: سألتُ أبي عن قَومٍ من أهلِ خُراسانَ بينَهم وبينَ العَدوِّ حائِطٌ تَرى لهم أنْ يُقاتِلوا؟

стр. 12080

فقالَ: إنْ كانُوا يَخافونَ على أنفُسِهم وذَراريِّهم فلا بأسَ أنْ يُقاتِلوا من قَبلِ أنْ يَأذنَ لهم الأميرُ (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: «وواجِبٌ على الناسِ إذا جاءَ العَدوُّ أنْ يَنفِروا المُقِلُّ منهم والمُكثِرُ، ولا يَخرُجوا إلى العَدوِّ إلا بإذنِ الأميرِ إلا أنْ يَفجأَهم عَدوٌّ غالِبٌ يَخافونَ كلَبَه فلا يُمكِنُهم أنْ يَستأذِنُوه» … ولأنَّهم إذا جاءَ العَدوُّ صار الجِهادُ عليهم فَرضَ عَينٍ، فوجَبَ على الجَميعِ فلم يَجزْ لأحدٍ التَّخلُّفُ عنه، فإذا ثبَتَ هذا؛ فإنَّهم لا يَخرُجونَ إلا بإذنِ الأميرِ؛ لأنَّ أمرَ الحَربِ مَوكولٌ إليه، وهو أعلَمُ بكَثرةِ العَدوِّ وقلَّتِهم ومَكامنِ العَدوِّ وكَيدِهم، فيَنبَغي أنْ يَرجِعَ إلى رأيِه؛ لأنَّه أحوَطُ للمُسلِمينَ إلا أنْ يَتعذَرَ استِئذانُه لمُفاجأةِ عَدوِّهم لهم، فلا يَجبُ استِئذانُه؛ لأنَّ المَصلَحةَ تَتعيَّنُ في قتالِهم، والخُروجُ إليهم لتَعيُّنِ الفَسادِ في تَركِهم. ولذلك لمَّا أغارَ الكُفارُ على لقَاحِ النَّبيِّ ﷺ فصادَفَهم سَلمةُ بنُ الأكوَعِ خارجَ المَدينةِ تَبِعهم وقاتَلَهم من غيرِ إذْنٍ فمدَحَه النَّبيُّ ﷺ وقالَ: «خَيرُ رَجَّالتِنا سَلمةُ بنُ الأكوَعِ» وأعطاه سَهمَ فارِسٍ وراجِلٍ» (٢). ثم اختَلفَ الفُقهاءُ في جِهادِ الطَّلبِ هل يَجبُ إذْنُ الإمامِ فيه أو لا؟ فالحَنفيةُ أجازوا الجِهادَ بغيرِ إذْنِ الإمامِ لكنَّهم فرَّقوا بينَ أنْ يَدخُلَ واحِدٌ أو اثنانِ دارَ الحَربِ مُغيرَينِ بغيرِ إذْنِ الإمامِ فيَغنَما، وبينَ أنْ يَدخُلَ جَماعةٌ لهم مَنَعةٌ دارَ الحَربِ بغيرِ إذنِ الإمامِ فيَغنَموا.

стр. 12081

فقالُوا: إذا دخَلَ واحِدٌ أو اثنانِ دارَ الحَربِ مُغيرَينِ بغيرِ إذنِ الإمامِ فأخَذا شَيئًا لم يُخمَّسْ؛ لأنَّه ليسَ بغَنيمةٍ؛ إذِ الغَنيمةُ هي المَأخوذةُ قَهرًا وغلَبَ ةً لا اختِلاسًا وسَرِقةً، وأمَّا إذا دخَلَ الواحِدُ والاثنانِ بإذنِ الإمامِ ففيه رِوايَتانِ: والمَشهورُ أنَّه يُخمَّسُ والباقي لمَن أصابَه، والرِّوايةُ الأُخرى: لا يُخمَّسُ؛ لأنَّه مَأخوذٌ على طَريقِ التَّلصُّصِ، والرِّوايةُ الأُولى أصَحُّ؛ لأنَّه لمَّا أذِنَ لهم الإمامُ التزَمَ نُصرَتَهم فكانَ المَأخوذُ بظَهرِه لا بالتَّلصُّصِ. وإنْ دخَلَ جَماعةٌ لهم مَنَعةٌ فأخَذوا شَيئًا خُمِّسَ، وإنْ لم يَأذنْ لهم الإمامُ؛ لأنَّ الجَماعةَ لها مَنَعةٌ، فكانَ المَأخوذُ قَهرًا وغَنيمةً، وإنْ كانُوا جَماعةً لا مَنَعةَ لهم، ودخَلوا بغيرِ إذنِ الإمامِ، وأخَذوا شَيئًا لم يُخمَّسْ؛ لأنَّ المَأخوذَ ليسَ بغَنيمةٍ؛ إذِ الغَنيمةُ ما أُخِذت بالغَلبةِ والقَهرِ، وهؤلاء كاللُّصوصِ؛ لأنَّهم يَستسرُّونَ بما يَأخُذونَه، وإذا لم يَكنْ غَنيمةً فما أخَذه كلُّ واحِدٍ منهم فهو له لا يُشارِكُه فيه صاحِبُه؛ لأنَّه مَأخوذٌ على أصلِ الإباحةِ كالصَّيدِ والحَشيشِ (١). وجاءَ في «السيرِ الكَبيرِ» لمُحمدِ بنِ الحَسَنِ ﵀: لو أنَّ قَومًا من المُسلِمينَ لهم مَنَعةٌ أمَّرُوا أميرًا ودخَلوا دارَ الحَربِ مُغيرِين بغيرِ إذنِ الإمامِ فأصابوا غَنائمَ خُمِّسَ ما أصابوا، وكانَ ما بَقيَ بينَهم على سِهامِ الغَنيمةِ؛ لأنَّه باعتِبارِ مَنَعتِهم يَكونُ المالُ مَأخوذًا على وَجهِ إعزازِ الدِّينِ، فيَكونُ حُكمُه حُكمَ الغَنيمةِ؛ فإنْ نفَلَ أميرُهم فذلك جائِزٌ منه على الوَجهِ الذي كانَ يَجوزُ

стр. 12082

من أميرِ سَريةٍ قلَّده الإمامُ وبعَثَه؛ لأنَّهم رَضُوا به أميرًا عليهم، ورِضاهم مُعتبَرٌ في حَقِّهم، فصارَ أميرَهم باتِّفاقِهم عليه، ألَا تَرى أنَّ الإمامةَ العُظمى كما تَثبُتُ باستِخلافِ الإمامِ الأعظمِ تَثبُتُ باجتِماعِ المُسلِمينَ على واحِدٍ؟ والأصلُ فيه إمامةُ الصِّديقِ ﵁ فكذلك الإمارةُ على أهلِ السَّريةِ تَثبُتُ باتِّفاقِهم كما تَثبُتُ بتَقليدِ الإمامِ، ألَا تَرى أنَّ أهلَ البَغيِ لو أمَّرُوا عليهم أميرًا ودخَلوا دارَ الحَربِ فنفَلَ أميرُهم شَيئًا ثم تابُوا جازَ ما نفَله أميرُهم باعتِبارِ المَعنى الذي ذكَرْنا؟ (١) وأمَّا المالِكيةُ فيُفرِّقون بينَ أنْ يَكونَ الإمامُ قَريبًا فيَستأذِنُوه، وبينَ أنْ يَكونَ بَعيدًا فلا يَجبَ عليهم استِئذانُه، وبينَ ما إذا كانَ سيَمنعُهم الإمامُ من الجِهادِ أو يَأذنُ لهم، وبينَ ما إذا كانَ الإمامُ عَدلًا فلا يَجوزُ إلا بإذْنِه، وبينَ أنْ يَكونَ غيرَ عَدلٍ فيَجوزَ بغيرِ إذْنِه، فجاءَ في «مَواهِبِ الجَليلِ» للحَطابِ: مَسألةٌ: قالَ ابنُ عَرفةَ الشَّيخُ عن المَوَّازيةِ: أيُغزَى بغيرِ إذنِ الإمامِ؟ قالَ: أمَّا الجَيشُ والجَمعُ فلا، إلا بإذْنِ الإمامِ وتَوليةِ وَالٍ عليهم، وسهَّلَ مالِكٌ لمَن قرُبَ من العَدوِّ يَجدُ فُرصةً ويَبعدُ عليه الإمامُ محمدٌ كمَن هو منه على يَومٍ، ونَحوِه، ولِابنِ مُزَينٍ عن ابنِ القاسِمِ: إنْ طمِعَ قَومٌ بفُرصةٍ في عَدوٍّ قُربَهم وخَشُوا إنْ أعلَموا إمامَهم منَعَهم فواسِعٌ خُروجُهم وأُحبُّ استِئذانَهم إيَّاه، ثم قالَ ابنُ حَبيبٍ: سَمِعت أهلَ العِلمِ يَقولون: إنْ نَهى الإمامُ عن القِتالِ لمَصلحةٍ حُرِّمَت مُخالَفتُه إلا أنْ يَدهَمَهم العَدوُّ.

стр. 12083

وفي سَماعِ أشهَبَ: وسُئلَ مالِكٌ عن القَومِ يَخرُجونَ في أرضِ الرُّومِ مع الجَيشِ فيَحتاجونَ إلى العَلفِ لدَوابِّهم، فتَخرجُ جَماعةٌ إلى هذه القَريةِ وجَماعةٌ إلى قَريةٍ أُخرى يَتعلَّفونَ لدَوابِّهم ولا يَستأذِنونَ الإمامَ، فرُبَّما غَشِيهم العَدوُّ فيما هناك إذا رأوْا غِرتَهم وقِتالَهم فقتَلوهم أو أسرَوهم أو نَجَوْا منهم، وإنْ ترَكنا دَوابَّنا هلَكت؟ فقالَ: أَرى إنِ استطَعتُم استِئذانَ الإمامِ أنْ تَستأذِنُوه، ولا أَرى أنْ تَغزوا بأنفُسِكم فتُقتَلوا في غيرِ عُدةٍ ولا كَثرةٍ، ولا أَرى ذلك. وسُئلَ مالِكٌ: عن العَدوِّ يَنْزِلُ بساحِلٍ من سَواحِلِ المُسلِمينَ يُقاتِلونَهم بغيرِ استِئمارِ الوالي؟ فقالَ: أَرى إنْ كانَ الوالي قَريبًا منهم أنْ يَستأذِنُوه في قِتالِهم قبلَ أنْ يُقاتِلوهم، وإنْ كانَ بَعيدًا لم يَترُكوهم حتى يَقَعوا بهم. فقيلَ له: بلِ الوالي بَعيدٌ منهم. فقالَ: كيف يَصنَعون؟ أيَدَعونَهم حتى يَقَعوا بهم؟ أَرى أنْ يُقاتِلوهم. قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وهذا كلُّه كما قالَ: إنَّه لا يَنبَغي لهم أنْ يَغزوا بأنفُسِهم في تَعلُّفِهم وأنَّ الاختيارَ لهم أنْ يَستأذِنُوا الإمامَ في ذلك إنِ استَطاعوا، ويَلزمُهم ذلك إنْ كانَ الوالي عَدلًا على ما قالَه ابنُ وَهبٍ في سَماعِ زونانَ وهو عبدُ المَلكِ بنُ الحَسنِ، وأنَّ قتالَ العَدوِّ بغيرِ إذنِ الإمامِ لا يَجوزُ إلا أنْ يَدهَمَهم فلا يُمكِنُهم استِئذانُه. انتَهى من سَماعِ زونانَ. سُئلَ عبدُ اللهِ بنُ وَهبٍ عن القَومِ يُواقِعون العَدوَّ هل لأحدٍ أنْ يُبارِزَ بغيرِ إذنِ الإمامِ؟ فقالَ: إنْ كانَ الإمامُ عندَه لم يَجزْ له أنْ يُبارِزَ إلا بإذْنِه، وإنْ كانَ

стр. 12084

غيرَ عَدلٍ، فليُبارِزْ وليُقاتلْ بغيرِ إذْنِه. قُلتُ له: والمُبارَزةُ والقِتالُ عندَكم واحِدٌ؟ قالَ: نَعمْ. قالَ ابنُ رُشدٍ: وهذا كَما قالَ: إنَّ الإمامَ إذا كانَ غيرَ عَدلٍ لم يَلزمْهم استِئذانُه في مُبارَزةٍ ولا قِتالٍ؛ إذْ قد يَنهاهم عن غِرةٍ قد ثَبتَت له على غيرِ وَجهِ نَظرٍ يَقصِدُه لقَولِه: «غيرَ عَدلٍ» في أمورِه، فيَلزمُه طاعَتُه؛ فإنَّما يفتَرِقُ العَدلُ من غيرِ العَدلِ في الاستِئذانِ له، لا في طاعَتِه إذا أمَرَ بشَيءٍ أو نَهى عنه؛ لأنَّ الطاعةَ للإمامِ من فَرائضِ الغَزوِ فواجِبٌ على الرَّجلِ طاعةُ الإمامِ فيما أحَبَّ أو كرِهَ، وإنْ كانَ غيرَ عَدلٍ ما لم يَأمُرْه بمَعصيةٍ. وفي سَماعِ أصبَغَ: وسَمِعتُ ابنَ القاسِمِ وسُئلَ عن ناسٍ يَكونون في ثَغرٍ من وَراءِ عَورةِ المُسلِمينَ هل يُخرِجونَ سَراياهم لغِرةٍ يَطمَعونَ بها من عَدوِّهم من غيرِ إذْنِ الإمامِ والإمامُ منهم على أيَّامٍ؟ قالَ: إنْ كانَت تلك الغِرةُ بَيِّنةً قد ثبَتَت لهم منهم ولم يَخافُوا أنْ يُلقُوا بأنفُسِهم فلا أَرى بأسًا، وإنْ كانُوا يَخافونَ أنْ يَلقَوْا ما لا قُوةَ لهم به أنْ يُطلَبوا فيُدرَكوا فلا أُحبُّ ذلك لهم. قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: إنَّما جازَ لهم أنْ يُخرِجوا سَراياهم لغِرةٍ تَبيَّنت لهم بغيرِ إذْنِ الإمامِ لكَونِه غائِبًا عنهم على مَسيرةِ أيَّامٍ، ولو كانَ حاضِرًا معهم لم يَجزْ لهم أنْ يُخرِجوها بغيرِ إذْنِه إذا كانَ عَدلًا. وجَميعُ هذه الأسمِعةِ في كِتابِ الجِهادِ، ونقَلها ابنُ عَرفةَ إثْرَ الكَلامِ المُتقدِّمِ. قالَ في التَّوضيحِ ابنُ المَوَّازِ: ولا يَجوزُ خُروجُ جَيشٍ إلا بإذنِ الإمامِ.

стр. 12085

وسُئلَ مالِكٌ لمَن يَجدُ فُرصةً من عَدوٍّ قَريبٍ أنْ يَنهَضوا إليهم بغيرِ إذْنِ الإمامِ، ولم يُجِز ذلك لسَريةٍ تَخرجُ من العَسكرِ، عبدُ المَلكِ: وتُردُّ السَّريةُ وتُحرَمُ ما غَنِموا، سحنُونٌ: إلا أنْ تَكونَ جَماعةٌ لا يُخافُ عليهم فلا يَحرِمَهم، يُريدُ: وقد أَخطؤُوا. انتهى ذِكرُه عندَ قَولِ ابنِ الحاجِبِ، ويَجبُ مع وُلاةِ الجَورِ. وقالَ في الشامِلِ في أولِ الجِهادِ: ولا يَجوزُ خُروجُ جَيشٍ دونَ إذْنِ الإمامِ وتَوليتِه عليهم مَنْ يَحفَظُهم، إلا أنْ يَجِدوا فُرصةً من عَدوٍّ وخافُوا فَواتَه لبُعدِ الإمامِ أو خَوفِ مَنْعِه، وحرُمَ على سَريةٍ بغيرِ إذْنِه، ويَمنعُهم الغَنيمةَ أدَبًا لهم، إلا أنْ يَكونوا جَماعةً لا يَخشَونَ عَدوًّا فلا يَمنعُهم الغَنيمةَ. وقالَ الشَّيخُ أحمَد زرّوق في بعضِ وَصاياه لإخوانِه: التَّوجُّهُ للجِهادِ بغيرِ إذْنِ جَماعةِ المُسلِمينَ وسُلطانِهم سُلَّمُ الفِتنةِ، وقَلَّما اشتَغلَ به أحَدٌ فأنجَحَ (١). وقالَ الشافِعيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ: لا يَجبُ إذْنُ الإمامِ أو نائِبِه إلا أنَّه يُكرَهُ الغَزوُ بغيرِ إذْنِ الإمامِ أو نائِبِه. قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: يُكرَهُ غَزوٌ بغيرِ إذْنِ الإمامِ أو نائِبِه (٢). قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: قَولُه: «يُكرَهُ غَزوٌ بغيرِ إذْنِ الإمامِ أو نائِبِه» تَأدُّبًا معه، ولأنَّه أعرَفُ من غيرِه بمَصالحِ الجِهادِ. وإنَّما لم يَحرُمْ؛ لأنَّه ليسَ فيه أكثَرُ من التَّغريرِ بالنُّفوسِ، وهو جائِزٌ في الجِهادِ، ويَنبَغي -كما قالَ الأذرَعيُّ- تَخصيصُ ذلك بالمُتطوِّعةِ، أمَّا

стр. 12086

المُرتزَقةُ فلا يَجوزُ لهم ذلك؛ لأنَّهم مُرصَدونَ لمُهمَّاتٍ تَعرِضُ للإسلامِ يَصرِفُهم فيها الإمامُ، فهُم بمَنزِلةِ الأُجراءِ. تَنبيهٌ: استَثنَى البُلقَينيُّ من الكَراهةِ صُورًا: إحداها: أنْ يَفوتَه المَقصودُ بذَهابِه للاستِئذانِ. ثانيتها: إذا عطَّل الإمامُ الغَزوَ وأقبَل هو وجُنودُه على أُمورِ الدُّنيا كما يُشاهَدُ. ثالثتُها: إذا غلَبَ على ظَنِّه أنَّه لو استأذَنه لم يَأذَنْ له (١). وذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَجبُ إذْنُ الإمامِ في الغَزوِ. قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأمْرُ الجِهادِ مَوكولٌ إلى الإمامِ واجتِهادِه، ويَلزمُ الرَّعيةَ طاعَتُه فيما يَراه من ذلك … ؛ فإنْ عُدمَ الإمامُ لم يُؤخَّرِ الجِهادُ؛ لأنَّ مَصلَحتَه تَفوتُ بتأخيرِه، وإنْ حصَلَت غَنيمةٌ قسَّمها أهلُها على مُوجِبِ الشَّرعِ (٢). وقالَ الإمامُ البُهوتيُّ ﵀: (ولا يَجوزُ الغَزوُ إلا بإذنِ الأميرِ)؛ لأنَّه أعرَفُ بالحَربِ، وأمرُه مَوكولٌ إليه، ولأنَّه إذا لم تَجُزِ المُبارَزةُ إلا بإذْنِه فالغَزوُ أوْلى. (إلا أنْ يَفجَأَهم) أي: يَطلُعَ عليهم بَغتةً (عَدوٌّ يَخافونَ كَلَبَه) بفَتحِ ا لكافِ واللَّامِ، أي: شَرَّه وأذاه (بالتَّوقُّفِ على الإذْنِ)؛ لأنَّ الحاجةَ تَدعو

стр. 12087

إليه، لما في التأخيرِ من الضَّررِ، وحينَئذٍ لا يَجوزُ التَّخلُّفُ لأحدٍ إلا مَنْ يُحتاجُ إلى تَخلُّفِه لحِفظِ المَكانِ والأهلِ والمالِ ومَن لا قُوةَ له على الخُروجِ. ومَن يَمنعُه الإمامُ (أو) يَجِدونَ (فُرصةً يَخافونَ فَوتَها) إنْ تَرَكوها حتى يَستأذِنُوا الأميرَ؛ فإنَّ لهم الخُروجَ بغيرِ إذْنِه لئلَّا تَفوتَهم، ولأنَّه إذا حضَرَ العَدوُّ صار الجِهادُ فَرضَ عَينٍ فلا يَجوزُ التَّخلُّفُ عنه، ولذلك لمَّا أغارَ الكُفارُ على لقَاحِ النَّبيِّ ﷺ وصادَفَهم سَلمةُ بنُ الأكوَعِ خارجَ المَدينةِ تَبِعهم وقاتلَهم من غيرِ إذْنٍ فمدَحَه النَّبيُّ ﷺ وقالَ: خَيرُ رَجَّالتِنا سَلمةُ بنُ الأكوَعِ وأعطاه سَهمَ فارِسٍ وراجِلٍ (١). قالَ الإمامُ المِرداويُّ ﵀: قَولُه: «ولا يَجوزُ الغَزوُ إلا بإذْنِ الأميرِ إلا أنْ يَفجَأَهم عَدوٌّ يَخافونَ كلَبَه» هذا المَذهبُ، نَصَّ عليه وعليه أكثَرُ الأصحابِ، وجزَمَ به في الوَجيزِ وغيرِه وقدَّمَه في الفُروعِ وغيرِه. وقالَ المُصنِّفُ في «المُغني»: يَجوزُ إذا حصَلَ للمُسلِمينَ فُرصةٌ يُخافُ فَوتُها، وجزَمَ به في الرِّعايةِ الكُبرى والنَّظمِ. وقالَ في الرَّوضةِ: اختَلفَت الرِّوايةُ عن أحمدَ فعنه: لا يَجوزُ. وعنه: يَجوزُ بكلِّ حالٍ ظاهِرًا وخُفيةً جَماعةً وآحادًا جَيشًا أو سَريةً. وقالَ القاضي في الخِلافِ: الغَزوُ لا يَجوزُ أنْ يُقيمَه كلُّ أحَدٍ على الانفِرادِ ولا دُخولُ دارِ الحَربِ بلا إذْنِ الإمامِ، ولهم فِعلُ ذلك إذا كانُوا عُصبةً لهم مَنَعةٌ (٢).

стр. 12088

وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: حُكمُ ما لو دخَلَ قَومٌ لا مَنَعةَ لهم دارَ الحَربِ فغَنِموا. إذا دخَلَ قَومٌ لا مَنَعةَ لهم دارَ الحَربِ بغيرِ إذْنِ الإمامِ فغَنِموا فعن أحمدَ فيه ثَلاثُ رِواياتٍ: إحداها: أنَّ غَنيمَتَهم كغَنيمةِ غيرِهم يُخمِّسُها الإمامُ ويُقسِّمُ باقيَه بينَهم، وهذا قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، منهم الشافِعيُّ؛ لعُمومِ قَولِه سُبحانَه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] الآيةَ، والقياسُ على ما إذا دخَلوا بإذْنِ الإمامِ. والثانِيةُ: هو لهم من غيرِ أنْ يُخمَّسَ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ؛ لأنَّه اكتِسابُ مُباحٍ من غيرِ جِهادٍ، فكانَ لهم أشبَهَ بالاحتِطابِ؛ فإنَّ الجِهادَ إنَّما يَكونُ بإذنِ الإمامِ أو مِنْ طائِفةِ لهم مَنَعةٌ وقُوةٌ، فأمَّا هذا فتَلصُّصٌ وسَرِقةٌ ومُجرَّدُ اكتِسابٍ. والثالِثةُ: أنَّه لا حَقَّ لهم فيه، قالَ أحمدُ في عَبدٍ أبَقَ إلى الرُّومِ ثم رجَعَ ومعه مَتاعٌ: فالعبدُ لمَولاه وما معه من المَتاعِ والمالِ للمُسلِمينَ؛ لأنَّهم عُصاةٌ بفِعلِهم، فلم يَكنْ لهم فيه حَقٌّ، والأُولَى أوْلَى، قالَ الأَوزاعيُّ: لما قفَلَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ بالجَيشِ الذي كانَ مع مَسلَمةَ كُسرَ مَركَبُ بَعضِهم، فأخَذَ المُشرِكونَ ناسًا من القِبطِ، فكانُوا خَدمًا لهم، فخرَجُوا يَومًا إلى عيدٍ لهم وخَلَّفوا القِبطَ في مَركَبِهم وشَربَ الآخَرونَ ورفَعَ القِبطُ القَلعَ وفي المَركَبِ مَتاعُ الآخَرينَ وسِلاحُهم، فلم يَضَعوا قَلعَهم حتى أتَوْا بَيروتَ،

стр. 12089

فكُتبَ في ذلك إلى عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ فكتَبَ عُمرُ: نَفِّلوهم القَلعَ وكلَّ شَيءٍ جاؤوا به إلا الخُمسَ» رَواه سَعيدٌ و الأثرَمُ. وإنْ كانَت الطائِفةُ ذاتَ مَنَعةٍ غَزَوْا بغيرِ إذنِ الإمامِ ففيه رِوايتانِ: إحداهُما: لا شَيءَ لهم، وهو فَيْءٌ للمُسلِمينَ، والأُخرى: يُخمَّسُ والباقي لهم، وهذا أصَحُّ، ووَجهُ الرِّوايتَينِ ما تَقدَّمَ ويُخرَّجُ فيه وَجهٌ كالرِّوايةِ الثالِثةِ وهو أنَّ الجَميعَ لهم من غيرِ خُمسٍ لكَونِه اكتِسابَ مُباحٍ من غيرِ جِهادٍ (١). وكَلامُ الفُقهاءِ هنا سَواءٌ مَنْ قالَ منهم بوُجوبِ إذْنِ الإمامِ أو مَنْ قالَ بعَدمِ وُجوبِه، إنَّما ذلك عندَ وُجودِ الإمامِ، أمَّا عندَ عَدمِ وُجودِ الإمامِ فلا يُؤخَّرُ الجِهادُ. قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ عُدمَ الإمامُ لم يُؤخَّرِ الجِهادُ؛ لأنَّ مَصلَحتَه تَفوتُ بتأخيرِه، وإنْ حصَلَت غَنيمةٌ قسَّمَها أهلُها على مُوجِبِ الشَّرعِ (٢). وقالَ الإمامُ الجُوينيُّ ﵀ (عندَ كَلامِه عن خُلوِّ الزَّمانِ عن الإمامِ): أمَّا مَنْ يُسوِّغُ استِقلالَ الناسِ فيه بأنفُسِهم ولكنَّ الأدبَ يَقتَضي فيه مُتابَعةَ أُولي الأمرِ ومُراجَعةَ مَرموقِ العَصرِ كعَقدِ الجُمَعِ وجَرِّ العَساكرِ للجِهادِ واستيفاءِ القِصاصِ في النَّفسِ والطَّرفِ -فيَتولَّاه مِنْ الناسِ عندَ خُلوِّ الدَّهرِ عن الإمامِ طَوائفُ من ذَوي الخِبرةِ والبَأسِ.

стр. 12090

وقالَ: فإذا شغَرَ الزَّمانُ عن الإمامِ وخَلا عن سُلطانٍ ذي خِبرةٍ وكِفايةٍ ودِرايةٍ فالأُمورُ مَوكولةٌ إلى العُلماءِ، فَحقٌّ على الخَلائقِ على اختِلافِ طَبَقاتِهم أنْ يَرجِعوا إلى عُلمائِهم ويَصدُروا في جَميعِ قَضايا الوِلاياتِ عن رأيِهم (١).

стр. 12091

فصل في الأصنافِ الذين يُقاتَلَون الأصنافُ الذين يُقاتَلَون: هُمْ الكُفارُ: وهُم ثَلاثةُ أقسامٍ: القِسمُ الأولُ: أهلُ الكِتابِ، وهُم اليَهودُ والنَّصارى ومَن اتَّخذَ التَّوراةَ والإنجيلَ كِتابًا، كالسامِرةِ والفِرنجِ ونَحوِهم، فهؤلاء يُقاتَلَون حتى يُسْلِموا أو يُعطوا الجِزيةَ عن يَدٍ وهم صاغِرونَ، ويُقَرُّون على دِينِهم إذا بذَلوها؛ لقَولِ اللهِ : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]. القِسمُ الثانِي: مَنْ لهم شُبهةُ كِتابٍ، وهُم المَجوسُ، فحُكمُهم حُكمُ أهلِ الكِتابِ فيُقاتَلَون حتى يُسْلِموا أو يُعطوا الجِزيةَ عن يَدٍ وهم صاغِرونَ؛ لما رَوى البُخاريُّ عن سُفيانَ قالَ: «سَمِعتُ عَمرًا قالَ: كُنْتُ جالِسًا مع جابِرِ بنِ زَيدٍ وَعَمرِو بنِ أوسٍ، فحَدَّثهما بَجالَةُ -سَنةَ سَبعينَ عامَ حَجَّ مُصعَبُ بنُ الزُّبَيرِ بأهلِ البَصرةِ عندَ دَرجِ زَمزَمَ- قالَ: كُنْتُ كاتِبًا لجَزءِ بنِ مُعاويةَ عَمِّ الأحنَفِ، فأتانا كِتابُ عُمرَ بنِ الخَطابِ قبلَ مَوتِه بسَنةٍ: فَرِّقوا

стр. 12092

بينَ كلِّ ذي مَحرَمٍ من المَجوسِ، ولم يَكنْ عُمرُ أخَذَ الجِزيةَ من المَجوسِ حتى شهِدَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أخَذَها من مَجوسِ هَجرَ» (١). ولِما رَوى مالِكٌ والشافِعيُّ أنَّ عُمرَ بنَ الخَطابِ ﵁ ذكَرَ المَجوسَ فقالَ: ما أدري كَيفَ أصنَعُ في أمرِهم؟ فقالَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ: أشهَدُ لسمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «سُنُّوا بهم سُنةَ أهلِ الكِتابِ» (٢). ولا نَعلمُ بينَ أهلِ العِلمِ خِلافًا في هذَينِ القِسمَينِ. قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: فأمَّا مَنْ يَجوزُ أخْذُ الجِزيةِ منه؛ فإنَّ العُلماءَ مُجمِعون على أنَّه يَجوزُ أخْذُها من أهلِ الكِتابِ العَجمِ ومِن المَجوسِ (٣). وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: أجمَع الفُقهاءُ على أنَّ الجِزيةَ تُؤخذُ من أهلِ الكِتابِ ومن المَجوسِ (٤). القِسمُ الثالِثُ: مَنْ ليسَ لهم كِتابٌ ولا شُبهةُ كِتابٍ، وهُم مَنْ عَدا هذَينِ القِسمَينِ من عَبدةِ الأوثانِ والمُشرِكينَ ومَن عبَد ما استحسَنَ وسائرِ الكُفارِ.

стр. 12093

وقد اختَلفَ أهلُ العِلمِ في هؤلاء، هل يُقاتَلَون حتى يُسلِموا أو تُقبَلُ منهم الجِزيةُ، كأهلِ الكِتابِ والمَجوسِ؛ فإنْ بذَلوا الجِزيةَ قُبِلت منهم؟ فقالَ الحَنفيةُ: لا يُقبَلُ من مُشرِكي العَربِ إلا الإسلامُ أو السَّيفُ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ نشَأَ بينَ أظهُرِهم ونزَلَ القُرآنُ بلُغَتِهم، فالمُعجِزةُ في حَقِّهم أظهَرُ، وتُقبَلُ الجِزيةُ من عَبدةِ الأوثانِ من العَجمِ؛ لأنَّه يَجوزُ استِرقاقُهم فيَجوزُ ضَربُ الجِزيةِ عليهم؛ إذْ كلُّ واحِدٍ منهما يَشتمِلُ على سَلبِ النَّفسِ منهم؛ فإنَّه يَكتسِبُ ويُؤدِّي إلى المُسلِمينَ ونَفَقتُه في كَسبِه، وإنْ ظهَرَ عليهم قبلَ وَضعِ الجِزيةِ فهُم ونِساؤُهم وصِبيانُهم فَيْءٌ؛ لجَوازِ استِرقاقِهم، لا فَرقَ في ذلك بينَ الأنواعِ الثَّلاثةِ (١). قالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: وتُوضَعُ على عَبدةِ الأوثانِ من العَجمِ وفيه خِلافُ الشافِعيِّ، هو يَقولُ: القِتالُ واجِبٌ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾، إلا أنَّا عرَفنا جَوازَ تَركِه إلى الجِزيةِ في حَقِّ أهلِ الكِتابِ بالقُرآنِ، أعني ما تَلَوْناه مِنْ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩]. وفي المَجوسِ بالخَبرِ الذي ذكَرْناه في صَحيحِ البُخاريِّ السابِقِ ذِكرُه، فبَقي مَنْ وَراءَهم على الأصلِ. ولنا: أنَّه يَجوزُ استِرقاقُهم فيَجوزُ ضَربُ الجِزيةِ عليهم بجامِعِ أنَّ كلًّا من الاستِرقاقِ والجِزيةِ يَشتمِلُ على سَلبِ النَّفسِ منهم، أمَّا الاستِرقاقُ

стр. 12094

فظاهِرٌ أنَّه يُصيِّرُ مَنفعةَ نَفسِه لنا، وكذا الجِزيةُ؛ فإنَّه يَكتسِبُ ويُؤدِّي إلى المُسلِمينَ، والحالُ أنَّ نَفَقتَه في كَسبِه، فقد أدَّى حاجةَ نَفسِه إلينا أو بَعضَها، فهذا المَعنى يُوجِبُ تَخصيصَ عُمومِ وُجوبِ القِتالِ الذي استَدلَّ به، وذلك لأنَّه عامٌّ مَخصوصٌ بإخراجِ أهلِ الكِتابِ والمَجوسِ عندَ قَولِهم: الجِزيةَ، كما ذكَرَ، فجازَ تَخصيصُه بعدَ ذلك بالمَعنى (١). وعندَ المالِكيةِ أربَعةُ أقوالٍ: الأولُ: أنَّها تُقبَلُ من أهلِ الكِتابِ عَربًا كانُوا أو غيرَهم. الثانِي: قالَ ابنُ القاسِمِ ﵀: إذا رضِيَت الأُممُ كلُّها بالجِزيةِ قُبِلت منهم، وهو المَذهبُ. الثالِثُ: قالَ ابنُ الماجِشونِ ﵀: لا تُقبَلُ. الرابِعُ: قالَ ابنُ وَهبٍ ﵀: لا تُقبَلُ من مَجوسِ العَربِ، وتُقبَلُ من غيرِهم. قالَ ابنُ العَربيِّ ﵀: وَجهُ من قالَ: إنَّها تُقبَلُ من أهلِ الكِتابِ عَربًا كانُوا أو غيرَهم: تَخصيصُ اللهِ بالذِّكرِ أهلَ الكِتابِ. وأمَّا مَنْ قالَ: «إنَّها تُقبَلُ من الأُممِ كلِّها» فالحَديثُ الصَّحيحُ في كِتابِ مُسلمٍ وغيرِه عن سُليمانَ بنِ بُرَيدةَ عن أبيه قالَ: كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ إذا أمَّرَ أميرًا على جَيشٍ أو سَريةٍ أوصاه في خاصَّتِه بتَقوى اللهِ وبمَن معه مِنْ المُؤمِنينَ خَيرًا، ثم قالَ: «اغْزُوا باسمِ اللهِ في سَبيلِ اللهِ، قاتِلوا

стр. 12095

مَنْ كفَر باللهِ، اغزُوا ولا تَغُلُّوا ولا تَغدِروا ولا تُمثِّلوا ولا تَقتُلوا وَليدًا، وإذا لقيت عَدوَّك من المُشرِكينَ فادْعُهم إلى ثَلاثِ خِلالٍ، فأيَّتهُنَّ ما أجابوك إليها فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم؛ ثم ادْعُهم إلى الدُّخولِ في الإسلامِ؛ فإنْ فعَلوا فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم، ثم ادْعُهم إلى التَّحوُّلِ عن دارِهم إلى دارِ المُهاجِرينَ، وأخبِرْهم بأنَّهم إنْ فعَلوا ذلك فلهم ما للمُهاجِرينَ وعليهم ما على المُهاجِرينَ؛ فإنْ أبَوْا أنْ يَتحوَّلوا منها فأخبِرْهم أنَّهم يَكونون كأعرابِ المُسلِمينَ، يَجري عليهم حُكمُ اللهِ الذي يَجري على المُؤمِنينَ، ولا يَكونُ لهم في الغَنيمةِ والفَيءِ شَيءٌ إلا أنْ يُجاهِدوا مع المُسلِمينَ؛ فإنْ هُمْ أبَوْا فسَلْهم الجِزيةَ، وإنْ هُمْ أجابوك فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم؛ فإنْ أبَوْا فاستَعِنْ باللهِ وقاتِلْهم». وذكَرْنا في الحَديثِ -في البُخاريِّ وغيرِه من الصَّحيحِ- أنَّ عُمرَ تَوقَفَ في أخْذِ الجِزيةِ من المَجوسِ حتى أخبَرَه عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أخَذَها من مَجوسِ هَجَرَ. ووَجهُ قَولِ ابنِ وَهبٍ أنَّه ليسَ في العَربِ مَجوسٌ؛ لأنَّ جَميعَهم أسلَمَ، فمَن وجَدَ منهم بخِلافِ الإسلامِ فهو مُرتدٌّ يُقتَل بكلِّ حالٍ إنْ لم يُسلِمْ، ولا يُقبَلُ منه جِزيةٌ، والصَّحيحُ قَبولُها من كلِّ أُمةٍ، وفي كلِّ حالٍ عندَ الدُّعاءِ إليها والإجابةِ بها (١).

стр. 12096

وقالَ الشافِعيةُ: لا يَجوزُ أخْذُ الجِزيةِ ممَّن لا كِتابَ له ولا شُبهةَ كِتابٍ، كعَبدةِ الأوثانِ، بل يُقاتَلَون حتى يُسلِموا؛ لقَولِه : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩] فخَصَّ أهلَ الكِتابِ بالجِزيةِ فدلَّ على أنَّها لا تُؤخذُ من غيرِهم، ويَجوزُ أخْذُها مِنْ أهلِ الكِتابَينِ -وهُم اليَهودُ والنَّصارى-للآيةِ. ويَجوزُ أخْذُها ممَّن بدَّل منهم دِينَه؛ لأنَّه -وإنْ لم تَكنْ لهم حُرمةٌ بأنفُسِهم- لهم حُرمةٌ بآبائِهم، ويَجوزُ أخْذُها من المَجوسِ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: لا تُقبَلُ الجِزيةُ إلا مِنْ يَهوديٍّ أو نَصرانِيٍّ أو مَجوسيٍّ، وما سِواهم لا يُقبَلُ منهم، لا تُقبَلُ منهم الجِزيةُ ولا يُقبَلُ منهم إلا الإسلامُ؛ فإنْ لم يُسلِموا قُتِلوا. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: هذا ظاهِرُ مَذهبِ أحمدَ، ورَوى عنه الحَسنُ بنُ ثَوابٍ أنَّها تُقبَلُ من جَميعِ الكُفارِ إلا عَبدةَ الأوثانِ من العَربِ؛ لأنَّ حَديثَ بُرَيدةَ يَدلُّ بعُمومِه على قَبولِ الجِزيةِ مِنْ كلِّ كافرٍ، إلا أنَّه خرَجَ منه عَبدةُ الأوثانِ من العَربِ لتَغلُّظِ كُفرِهم (٢).

стр. 12097

وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: واختَلفُوا فيما سِوى أهلِ الكِتابِ من المُشرِكينَ هل تُقبَلُ منهم الجِزيةُ أو لا؟ فقالَ قَومٌ: تُؤخذُ الجِزيةُ مِنْ كلِّ مُشرِكٍ، وبه قالَ مالِكٌ. وقَومُ استَثنَوْا من ذلك مُشرِكي العَربِ. وقالَ الشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وجَماعةٌ: لا تُؤخذُ إلا من أهلِ الكِتابِ والمَجوسِ. والسَّببُ في اختِلافِهم: مُعارَضةُ العُمومِ للخُصوصِ؛ أمَّا العُمومُ فقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]. وقَولُ النَّبيِّ ﵊: «أُمِرتُ أنْ أُقاتِلَ الناسَ حتى يَشهَدوا أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ مُحمدًا رَسولُ اللهِ ويُقيموا الصَّلاةَ ويُؤتوا الزَّكاةَ، فإذا فعَلوا ذلك عصَموا مِنِّي دِماءَهم وأموالَهم إلا بحَقِّ الإسلامِ وَحِسابُهم على اللهِ» (١). وأمَّا الخُصوصُ: فقَولُه لأمَراءِ السَّرايا الذين كانَ يَبعَثَهم إلى مُشرِكي العَربِ -ومَعلومٌ أنَّهم كانُوا من غيرِ أهلِ كِتابٍ-: «اغْزُوا باسمِ اللهِ في سَبيلِ اللهِ، قاتِلوا مَنْ كفَر باللهِ، اغزُوا ولا تَغُلُّوا ولا تَغدِروا ولا تُمثِّلوا ولا تَقتُلوا وَليدًا، وإذا لقيت عَدوَّك من المُشرِكينَ فادْعُهم إلى ثَلاثِ خِلالٍ، فأيَّتَهُنَّ ما أَجابوكَ إليها فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم؛ ثم ادْعُهم إلى الدُّخولِ في الإسلامِ؛ فإنْ فعَلوا فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم، ثم ادْعُهم إلى التَّحوُّلِ عن دارِهم إلى

стр. 12098

دارِ المُهاجِرينَ، وأخبِرْهم بأنَّهم إنْ فعَلوا ذلك فلهم ما للمُهاجِرينَ وعليهم ما على المُهاجِرينَ؛ فإنْ أبَوْا أنْ يَتحوَّلوا منها فأخبِرْهم أنَّهم يَكونونَ كأعرابِ المُسلِمينَ، يَجري عليهم حُكمُ اللهِ الذي يَجري على المُؤمِنينَ، ولا يَكونُ لهم في الغَنيمةِ والفَيءِ شَيءٌ إلا أنْ يُجاهِدوا مع المُسلِمينَ؛ فإنْ هُمْ أبَوْا فسَلْهم الجِزيةَ، وإنْ هُمْ أجابوك فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم؛ فإنْ أبَوا فاستَعِنْ باللهِ وقاتِلْهم»، وقد تَقدَّمَ الحَديثُ. فمَن رأى أنَّ العُمومَ إذا تأخَّرَ عن الخُصوصِ فهو ناسِخٌ له قالَ: لا تُقبَلُ الجِزيةُ من مُشرِكٍ ما عدا أهلَ الكِتابِ؛ لأنَّ الآيةَ الآمِرةَ بقِتالِهم على العُمومِ هي مُتأخِّرةٌ عن ذلك الحَديثِ، وذلك أنَّ الأمرَ بقِتالِ المُشرِكينَ عامةً هو في سورةِ: «بَراءةٌ»، وذلك عامَ الفَتحِ. وذلك الحَديثُ إنَّما هو قبلَ الفَتحِ، بدَليلِ دُعائِهم فيه للهِجرةِ. ومَن رأى أنَّ العُمومَ يُبنَى على الخُصوصِ تَقدَّمَ أو تأخَّرَ، أو جُهلَ التَّقدُّمُ والتأخُّرُ بينهما، قالَ: تُقبَلُ الجِزيةُ من جَميعِ المُشرِكينَ، وأمَّا تَخصيصُ أهلِ الكِتابِ من سائرِ المُشرِكينَ فخرَجَ من ذلك العُمومِ باتِّفاقٍ بخُصوصِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩] (١). أمَّا ابنُ القَيمِ ﵀ فقالَ: الجِزيةُ تُؤخذُ من كلِّ كافرٍ، هذا ظاهِرُ هذا الحَديثِ -يَقصِدُ حَديثَ بُرَيدةَ- ولم يَستَثنِ منه كافرًا من كافرٍ.

стр. 12099

ولا يُقالُ: هذا مَخصوصٌ بأهلِ الكِتابِ خاصةً؛ فإنَّ اللَّفظَ يأبَى اختِصاصَهم بأهلِ الكِتابِ، وأيضًا فسَرايا رَسولِ اللهِ ﷺ وجُيوشِه أكثَرُ الذين كانَت تُقاتِلُهم عَبدةُ الأوثانِ من العَربِ. ولا يُقالُ إنَّ القُرآنَ يَدلُّ على اختِصاصِها بأهلِ الكِتابِ؛ فإنَّ اللهَ سُبحانَه أمَرَ بقِتالِ أهلِ الكِتابِ حتى يُعطُوا الجِزيةَ، والنَّبيُّ ﷺ أمَرَ بقِتالِ المُشرِكينَ حتى يُعطُوا الجِزيةَ، فكانَت تُؤخذُ من أهلِ الكِتابِ بالقُرآنِ ومن عُمومِ الكُفارِ بالسُّنةِ، وقد أخَذَها رَسولُ اللهِ ﷺ من المَجوسِ وهُم عُبَّادُ النارِ لا فَرقَ بينَهم وبينَ عَبدةِ الأوثانِ، ولا يَصحُّ أنَّهم من أهلِ الكِتابِ، ولا كانَ لهم كِتابٌ، ولو كانُوا أهلَ كِتابٍ عندَ الصَّحابةِ ﵃ لمْ يَتوقَفَ عُمرُ ﵁ في أمرِهم، ولمْ يَقُلِ النَّبيُّ ﷺ : «سُنُّوا بهم سُنةَ أهلِ الكِتابِ» بل هذا يَدلُّ على أنَّهم ليسُوا أهلَ كِتابٍ، وقد ذكَرَ اللهُ سُبحانَه أهلَ الكِتابِ في القُرآنِ في غيرِ مَوضِعٍ، وذكَرَ الأنبياءَ الذين أُنزِل عليهم الكُتبُ والشَّرائِعُ العِظامُ ولمْ يَذكُرْ للمَجوسِ -مع أنَّها أُمةٌ عَظيمةٌ من أعظَمِ الأُمَمِ شَوكةً وعَددًا وبأسًا- كِتابًا ولا نَبيًّا ولا أشارَ إلى ذلك؛ بل القُرآنُ يَدلُّ على خِلافِه كما تَقدَّمَ، فإذا أُخِذت مِنْ عُبَّادِ النِّيرانِ فأيُّ فَرقٍ بينَهم وبينَ عُبَّادِ الأوثانِ. فإنْ قيلَ: فالنَّبيُّ ﷺ لم يأخُذْها من أحَدٍ مِنْ عُبَّادِ الأوثانِ مع كَثرةِ قِتالِه لهم؟ قيلَ: أجَلْ، وذلك لأنَّ آيةَ الجِزيةِ، إنَّما نزَلَت عامَ تَبوكٍ في السَّنةِ التاسِعةِ من الهِجرةِ بعدَ أنْ أسلَمت جَزيرةُ العَربِ ولم يَبقَ بها أحَدٌ من عُبَّادِ الأوثانِ،

стр. 12100

فلمَّا نزَلَت آيةُ الجِزيةِ أخَذَها النَّبيُّ ﷺ ممَّن بَقيَ على كُفرِه من النَّصارى والمَجوسِ، ولِهذا لم يأخُذْها مِنْ يَهودِ المَدينةِ حينَ قدِم المَدينةَ ولا مِنْ يَهودِ خَيبَرَ؛ لأنَّه صالَحهم قبلَ نُزولِ آيةِ الجِزيةِ (١). عِلةُ قِتالِ الكُفارِ هل هي الكُفرُ أو الحِرابةُ: الذي عليه عامةُ أهلِ العِلمِ أنَّ عِلةَ قِتالِ الكُفارِ هي مُجرَّدُ كُفرِهم وليسَ حَربَهم وقِتالَهم لنا، فيَجوزُ لنا أنْ نَبدأَهم بالقِتالِ وإنْ لم يُقاتِلونا. قالَ الإمامُ أبو بَكرٍ الجَصاصُ ﵀: ولا نَعلَمُ أحَدًا من الفُقهاءِ يَحظُرُ قِتالَ مَنْ اعتزَلَ قِتالَنا من المُشرِكينَ (٢). وقالَ أبو بَكرٍ الجَصاصُ ﵀ أيضًا: وأمَّا قَولُه: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]؛ فإنَّه أمرٌ بقَتلِ المُشرِكينَ إذا ظفِرنا بهم، وهي عامةٌ في قِتالِ سائرِ المُشرِكينَ مَنْ قاتَلْنا منهم ومَن لم يُقاتلْنا بعدَ أنْ يَكونوا مِنْ أهلِ القِتالِ؛ لأنَّه لا خِلافَ أنَّ قَتلَ النِّساءِ والذَّراريِّ مَحظورٌ (٣). وقالَ الإمامُ السَّرخسيُّ ﵀: والدَّليلُ على أنَّ الكُفرَ مُهدِرٌ للدَّمِ أنَّ من لا يَحِلُّ قَتلُه من أهلِ الحَربِ كالنِّساءِ والذَّراريِّ إذا قتَلهم إنسانٌ لا يُغرَّمُ شَيئًا لوُجودِ المُهدِرِ، وما ذلك إلا الكُفرُ، والدَّليلُ عليه أنَّا أُمِرنا بقَتلِ الكُفارِ

стр. 12101

لكُفرِهم، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٩] يَعني فِتنةَ الكُفرِ، وقالَ ﵊: «أُمِرتُ أنْ أُقاتِلَ الناسَ حتى يَشهَدوا أنْ لا إلهَ إلا اللهُ» (١). وقالَ الكَمالُ بنُ الهُمامِ ﵀: (قَولُه: وقِتالُ الكُفارِ) الذين لم يُسلِموا، وهُم من مُشرِكي العَربِ، أو لم يُسلِموا ولم يُعطُوا الجِزيةَ مِنْ غيرِهم (واجِبٌ وإنْ لم يَبدَؤُونا)؛ لأنَّ الأدِلةَ المُوجِبةَ له لم تُقيِّدِ الوُجوبَ ببَداءَتِهم، وهذا مَعنى قَولِه: (للعُموماتِ) لا عُمومِ المُكلَّفينَ؛ لأنَّه إنَّما يُفيدُ الوُجوبَ على كلِّ واحِدٍ فقط، فالمُرادُ إطلاقُ العُموماتِ في بَداءَتِهم وعَدمِها، خِلافًا لما نُقلَ عن الثَّوريِّ. والزَّمانُ الخاصُّ كالأشهُرِ الحُرمِ وغيرِها خِلافًا لعَطاءٍ، ولقد استبعَد ما عن الثَّوريِّ وتَمسُّكِه بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]؛ فإنَّه لا يَخفى عليه نَسخُه. وصَريحُ قَولِه ﷺ في الصَّحيحينِ وغيرِهما: «أُمِرتُ أنْ أُقاتِلَ الناسَ حتى يَقولوا لا إلهَ إلا اللهُ» (٢) الحَديثَ، يُوجِبُ أنْ نَبدأَهم بأدنى تأمُّلٍ، وحاصَرَ ﷺ الطائِفَ لعَشرٍ بَقَيْن من ذي الحِجةِ إلى آخِرِ المُحرَّمِ أو إلى شَهرٍ. وقد يُستدَلُّ على نَسخِ الحُرمةِ في الأشهُرِ الحُرمِ بقَولِ اللهِ تَعالى:

стр. 12102

﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] بِناءً على التَّجوُّزِ بلَفظِ (حيثُ في الزَّمانِ)، ولا شكَّ أنَّه كثُرَ في الاستِعمالِ (١). وقالَ الإمامُ البابَرتيُّ ﵀: قالَ: (وقِتالُ الكُفارِ) الذين امتَنعوا عن الإسلامِ وأداءِ الجِزيةِ (واجِبٌ وإنْ لم يَبدَؤُوا بالقِتالِ للعُموماتِ) الوارِدةِ في ذلك، كقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٩] ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦] وغيرِ ذلك. فإنْ قيلَ: العُموماتُ مُعارَضةٌ بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]؛ فإنَّه يَدلُّ على أنَّ قِتالَ الكُفارِ إنَّما يَجبُ إذا بَدؤُوا بالقِتالِ. أُجيبَ بأنَّه مَنسوخٌ، وبَيانُه أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ في الابتِداءِ مَأمورًا بالصَّفحِ والإعراضِ عن المُشرِكينَ بقَولِه: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤]. ثم أُمرَ بالدُّعاءِ إلى الدِّينِ بالمَوعِظةِ والمُجادَلةِ بالأحسَنِ بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ الآيةَ [النحل: ١٢٥]. ثم أذِنَ بالقِتالِ إذا كانَت البَداءةُ منهم، بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ الآيةَ [الحج: ٣٩]، وبقَولِه: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]. ثم أُمرَ بالقِتالِ ابتِداءً في بعضِ الأزمانِ بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآيةَ [التوبة: ٥].

стр. 12103

ثم أُمرَ بالبَداءةِ بالقِتالِ مُطلَقًا في الأزمانِ كلِّها وفي الأماكِنِ بأسْرِها فقالَ تَعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٩] الآيةَ، ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] الآيةَ (١). وقالَ الإمامُ الزُّبيديُّ ﵀: قَولُه: «وقِتالُ الكُفارِ واجِبٌ علينا وإنْ لم يَبدَؤُونا»؛ لأنَّ قِتالَهم لو وقَفَ على مُبادأتِهم لنا لكانَ على وَجهِ الدَّفعِ، وهذا المَعنى يُوجَدَ في المُسلِمينَ إذا حصَلَ من بَعضِهم لبَعضِ الأذيةِ، وقِتالُ المُشرِكينَ مُخالِفٌ لقِتالِ المُسلِمينَ (٢). وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: والأصلُ فيه أنَّ كلَّ مَنْ كانَ مِنْ أهلِ القِتالِ يَحِلُّ قَتلُه، سَواءٌ قاتَلَ أو لم يُقاتلْ، وكلُّ مَنْ لم يَكنْ من أهلِ القِتالِ لا يَحِلُّ قَتلُه إلا إذا قاتَلَ حَقيقةً أو مَعنًى بالرأيِ والطاعةِ والتَّحريضِ، وأشباهُ ذلك على ما ذكَرْنا (٣). وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ [البقرة: ١٩٣] أمْرٌ بالقِتالِ لكلِّ مُشرِكٍ في كلِّ مَوضِعٍ على مَنْ رآها ناسِخةً، ومَن رآها غيرَ ناسِخةٍ قالَ: المَعنى: قاتِلوا هؤلاء الذين قالَ اللهُ فيهم: فإنْ قاتَلُوكم، والأولُ أظهَرُ وهو أمرٌ بقِتالٍ مُطلَقٍ لا بشَرطِ أنْ يَبدأَ الكُفارُ، دَليلُ ذلك قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ وقالَ ﵊: «أُمِرتُ أنْ

стр. 12104

أُقاتِلَ الناسَ حتى يقولوا لا إلهَ إلا اللهُ» (١). فدلَّت الآيةُ والحَديثُ على أنَّ سَببَ القِتالِ هو الكُفرُ؛ لأنَّه قالَ: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: كُفرٌ، فجعَلَ الغايةَ عَدمَ الكُفرِ، وهذا ظاهِرٌ. قالَ ابنُ عَباسٍ وقَتادةُ والرَّبيعُ والسُّديُّ وغيرُهم: الفِتنةُ هنا: الشِّركُ وما تابَعه مِنْ أذَى المُؤمِنين. وقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ أي: عن الكُفرِ، إمَّا بالإسلامِ، كما تَقدَّمَ في الآية قبلُ، أو بأداءِ الجِزيةِ في حَقِّ أهلِ الكِتابِ، على ما يَأتي بَيانُه في: «بَراءةٌ» وإلا قُوتِلوا، وهُم الظالِمون لا عُدوانَ إلا عليهم (٢). وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: ويَجوزُ للمُسلِمِ أنْ يَقتُلَ من ظفِرَ به مِنْ مُقاتِلةِ المُشرِكينَ مُحارِبًا وغيرَ مُحارِبٍ (٣). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ: وكانَ رَسولُ اللهِ ﷺ وأصحابُه يَعفُونَ عن المُشرِكينَ وأهلِ الكِتابِ كما أمَرَهم اللهُ ويَصبِرونَ على الأذى. قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦]. وقالَ اللهُ : ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)﴾ [البقرة: ١٠٩].

стр. 12105

فكانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَتأوَّلُ في العَفوِ عنهم ما أمَرَه اللهُ به حتى أذِنَ له فيهم، فلمَّا غَزا رَسولُ اللهِ ﷺ بَدرًا فقتَلَ اللهُ بها مَنْ قتَلَ من صَناديدِ الكُفارِ وسادةِ قُريشٍ، فقَفَل رَسولُ اللهِ ﷺ وأصحابُه مَنصورينَ غانِمينَ معهم أُسارى من صَناديدِ الكُفارِ وسادةِ قُريشٍ، قالَ ابنُ أُبيٍّ، ابنُ سَلولَ ومَن معه من المُشرِكينَ عَبدةِ الأوثانِ: هذا أمْرٌ قد تَوجَّه. فبايَعوا رَسولَ اللهِ ﷺ على الإسلامِ فأسلَموا (١). وقالَ علِيُّ بنُ أبي طَلحةَ عن ابنِ عَباسٍ: قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٠٦] [الحجر: ٩٤] ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣] ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا﴾ [التغابن: ١٤] ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩] ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤] ونَحوُ هذا في القُرآنِ ممَّا أمَرَ اللهُ به المُؤمِنينَ بالعَفوِ والصَّفحِ عن المُشرِكينَ؛ فإنَّه نَسخَ ذلك كلَّه قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٥] وقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] إلى قَولِه: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ فنَسَخ هذا عَفوَه عن المُشرِكينَ. وكذلك رَوى الإمامُ أحمدُ وغيرُه عن قَتادةَ قالَ: أمَرَ اللهُ نَبيَّه ﷺ بأنْ يَعفُوَ عنهم ويَصفَحَ حتى يأتِيَ اللهُ بأمرِه وقَضائِه، ثم

стр. 12106

أنزَلَ اللهُ «بَرَاءةٌ» فأتى اللهُ بأمرِه وقَضائِه فقالَ تَعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٢٩] الآيةَ، قالَ: فنَسخَت هذه الآيةُ ما كانَ قبلَها، وأمَرَ اللهُ فيها بقِتالِ أهلِ الكِتابِ حتى يُسلِموا أو يُقرُّوا بالجِزيةِ صَغارًا ونِقمةً لهم. وكذلك ذكَرَ موسى بنُ عُقبةَ عن الزُّهريِّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لمْ يَكنْ يُقاتِلُ مَنْ كَفَّ عن قِتالِه؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠)﴾ [النساء: ٩٠] إلى أنْ نزَلَت «بَرَاءَةٌ». وجُملةُ ذلك أنَّه لمَّا نَزلَت «بَرَاءَةٌ» أمَرَ أنْ يَبتدئَ جَميعَ الكُفارِ بالقِتالِ وَثَنيَّهم وكِتابِيَّهم سَواءٌ كَفُّوا عنه -أي عن قِتالِه- أو لم يَكفُّوا، وأنْ يَنبِذَ إليهم تلك العُهودَ المُطلَقةَ التي كانَت بينَه وبينَهم، وقيلَ له فيها: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] بعدَ أنْ كانَ قد قيلَ له: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ [لقمان: ٤٨]. ولهذا قالَ زَيدُ بنُ أسلَمَ: نَسخَت هذه الآيةُ ما كانَ قبلَها، فأمَّا قبلَ «بَرَاءَةٌ» وقبلَ بَدرٍ فقد كانَ مَأمورًا بالصبْرِ على أذاهم والعَفوِ عنهم، وأمَّا بعدَ بَدرٍ وقبلَ «بَرَاءَةٌ» فقد كانَ يُقاتِلُ مَنْ يُؤذِيه ويُمسِكُ عمَّن سالَمَه كما فعَلَ بابنِ الأشرَفِ وغيرِه ممَّن كانَ يُؤذِيه، فبَدرٌ كانَت أساسَ عِزِّ الدِّينِ، وفَتحُ مَكةَ كانَت كَمالَ عِزِّ الدِّينِ، فكانُوا قبلَ بَدرٍ يَسمَعونَ الأذَى الظاهِرَ ويُؤمَرونَ بالصبْرِ عليه، وبعدَ بَدرٍ يُؤذَوْن في السِّرِّ من جِهةِ المُنافِقينَ

стр. 12107

وغيرِهم، فيُؤمَرون بالصبْرِ عليه، وفي تَبوكَ أُمِروا بالإغلاظِ للكُفارِ والمُنافِقينَ، فلم يَتمكَّنْ بَعدَها كافِرٌ ولا مُنافِقٌ من أذاهم في مَجلِسٍ خاصٍّ ولا عامٍّ، بل ماتَ بغَيظِه لعِلمِه بأنَّه يُقتَل إذا تَكلَّمَ، وقد كانَ بعدَ بَدرٍ لليَهودِ استِطالةٌ وأذًى للمُسلِمينَ إلى أنْ قُتلَ كَعبُ بنُ الأشرَفِ. قالَ مُحمدُ بنُ إسحاقَ في حَديثِه عن مُحمدِ بنِ مَسلَمةَ قالَ: «فأصبَحنا وقد خافَت يَهودٌ لوَقعَتِنا بعَدُوِّ اللهِ، فليسَ بها يَهوديٌّ إلا وهو يَخافُ على نَفسِه». ورَوى بإسنادِه عن مُحيِّصةَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «مَنْ ظفِرتم به من رِجالِ يَهودَ فاقتُلُوه»، فوثَبَ مُحيِّصةُ بنُ مَسعودٍ على ابنِ سُليمةَ -رَجلٌ من تُجَّارِ يَهودَ، كانَ يُلابِسُهم ويُبايِعُهم- فقتَله، وكانَ حُويِّصةُ بنُ مَسعودٍ إذْ ذاك لم يُسلِمْ، وكانَ أسَنَّ من مُحيِّصةَ، فلمَّا قتَله جعَلَ حُويِّصةُ يَضرِبُه ويَقولُ: أيْ عَدوَّ اللهِ، قتَلتَه؟! أمَا واللهِ لرُبَّ شَحمٍ في بَطنِك من مالِه، فوَاللهِ إنْ كانَ لأوَّلَ إسلامِ حُويِّصةَ، فقالَ مُحيِّصةُ: فقُلتُ له: واللهِ لقد أمَرَني بقَتلِه مَنْ لو أمَرَني بقَتلِك لضَربتُ عُنقَك، فقالَ: لو أمَرَك مُحمدٌ بقَتلِي لقتَلتَني؟ فقالَ مُحيِّصةُ: نَعمْ واللهِ، فقالَ حُويِّصةُ: واللهِ إنَّ دِينًا بلَغ هذا منكَ لعَجبٌ. وذكَرَ غيرُ ابنِ إسحاقَ: أنَّ اليَهودَ حذَرَت وذلَّت وخافَت من يَومِ قَتلِ ابنِ الأشرَفِ، فلمَّا أتَى اللهُ بأمرِه الذي وعَدَه مِنْ ظُهورِ الدِّينِ وأعَزَّ المُؤمنين أمَرَ رَسولَه بالبَراءةِ إلى المُعاهَدينَ وبقِتالِ المُشرِكينَ كافةً وبقِتالِ أهلِ الكِتابِ حتى يُعطوا الجِزيةَ عن يَدٍ وهم صاغِرونَ.

стр. 12108

فكانَ ذلك عاقبةَ الصبْرِ والتَّقوى اللَّذينِ أمَرَ اللهُ بهما في أولِ الأمرِ، وكانَ إذْ ذاك لا يُؤخَذُ من أحَدٍ من اليَهودِ الذين بالمَدينةِ، ولا غيرِهم جِزيةٌ، وصارَت تلك الآياتُ في حَقِّ كلِّ مُؤمِنٍ مُستضعَفٍ لا يُمكِنُه نَصرُ اللهِ ورَسولِه بيَدِه ولا بلِسانِه فيَنتصِرُ بما يَقدِرُ عليه من القَلبِ ونَحوِه، وصارَت آيةُ الصَّغارِ على المُعاهَدين في حَقِّ كلِّ مُؤمِنٍ قَويٍّ يَقدِرُ على نَصرِ اللهِ ورَسولِه بيَدِه أو لسانِه. وبهذه الآيةِ ونَحوِها كانَ المُسلِمونَ يَعمَلون في آخِرِ عُمرِ رَسولِ اللهِ ﷺ وعلى عَهدِ خُلفائِه الراشِدين، وكذلك هو إلى قيامِ الساعةِ لا تَزالُ طائِفةٌ من هذه الأُمةِ قائِمين على الحَقِّ يَنصُرون اللهَ ورَسولَه النَّصرَ التَّامَّ. فمَن كانَ من المُؤمِنينَ بأرضٍ هو فيها مُستضعَفٌ أو في وَقتٍ هو فيه مُستضعَفٌ فليَعمَلْ بآيةِ الصبْرِ والصَّفحِ عمَّن يُؤذي اللهَ ورَسولَه من الذين أُوتُوا الكِتابَ والمُشرِكينَ. وأمَّا أهلُ القُوةِ؛ فإنَّما يَعمَلون بآيةِ قِتالِ أئِمةِ الكُفرِ الذين يَطعَنون في الدِّينِ وبآيةِ قِتالِ الذين أُوتوا الكِتابَ حتى يُعطوا الجِزيةَ عن يَدٍ وهم صاغِرونَ (١). وقد ذكَرَ الإمامُ ابنُ القَيمِ ﵀ في مَراحلِ تَشريعِ الجِهادِ فقالَ: فأقامَ -أي: النَّبيُّ ﷺ بِضعَ عَشرةَ سَنةً بعدَ نُبوَّتِه يُنذِرُ بالدَّعوةِ بغيرِ قِتالٍ ولا جِزيةٍ، ويُؤمَرُ بالكَفِّ والصبْرِ والصَّفحِ، ثم أذِنَ له في

стр. 12109

الهِجرةِ، وأذِنَ له في القِتالِ، ثم أمَرَه أنْ يُقاتِلَ مَنْ قاتَلَه ويَكُفَّ عمَّن اعتزَلَه ولم يُقاتلْه، ثم أمَرَه بقِتالِ المُشرِكينَ حتى يَكونَ الدِّينُ كلُّه للهِ (١). وقالَ ابنُ القَيمِ أيضًا -بعدَ أنْ ذكَرَ مَرحلةَ الصَّفحِ والعَفوِ ثم مَرحلةَ الإذنِ بالقِتالِ-: ثم فرَضَ عليهم القِتالَ بعدَ ذلك لمَن قاتَلَهم دونَ مَنْ لم يُقاتلْهم فقالَ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]. ثم فرَضَ عليهم قِتالَ المُشرِكينَ كافةً، وكانَ مُحرَّمًا ثم مَأذونًا به ثم مَأْمورًا به لمَن بدَأهم بالقِتالِ ثم مَأْمورًا به لجَميعِ المُشرِكينَ (٢). وقالَ الإمامُ الشَّوكانَيُّ ﵀: فالمُشرِكُ سَواءٌ حارَبَ أو لم يُحارِبْ مُباحُ الدَّمِ ما دامَ مُشرِكًا (٣).

стр. 12110

فصل في الذين لا يَجوزُ قَتلُهم قَصدًا من الكُفارِ الحَربيِّين نَصَّ الفُقهاءُ على عَدمِ جَوازِ قَصدِ قَتلِ مَنْ يَلي في القِتالِ إلا أنْ يَكونوا من أهلِ القِتالِ. والذينَ لا يَجوزُ قَتلُهم هُمْ: ١ - النِّساءُ والصِّبيانُ والمَجانينُ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه لا يَجوزُ في الجِهادِ قَصدُ قَتلِ النِّساءِ والصِّبيانِ والمَجانينِ والخُنثى المُشكِلِ إلا أنْ يَكونوا من أهلِ القِتالِ. وذلك لما رُوي عن ابنِ عُمرَ ﵄ قالَ: «وُجِدت امرأةٌ مَقتولةٌ في بعضِ مَغازِي رَسولِ اللهِ ﷺ فنَهى رَسولُ اللهِ ﷺ عن قَتلِ النِّساءِ والصِّبيانِ» (١). قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: أجمَع العُلماءُ على العَملِ بهذا الحَديثِ وتَحريمِ قَتلِ النِّساءِ والصِّبيانِ إذا لم يُقاتِلوا؛ فإنْ قاتَلُوا قالَ جَماهيرُ العُلماءِ يُقتَلون (٢).

стр. 12111

وقالَ الإمامُ أبو عبدِ اللهِ الأزْديُّ القُرطبيُّ ﵀: أمَّا المَجنونُ فلا يَنبَغي أنْ يَكونَ فيه خِلافٌ أنَّه لا يُقتَل، لا سيَّما إنْ كانَ كذلك بلَغَ، فهو غيرُ مُكلَّفٍ باتِّفاقٍ، ولا يَنطلِقُ عليه وَصفُ الكُفرِ (١). قالَ الإمامُ ابنُ بَطالٍ ﵀: ولا يَجوزُ عندَ جَميعِ العُلماءِ قَصدُ قَتلِ نِساءِ الحَربيِّينَ ولا أطفالِهم؛ لأنَّهم ليسُوا ممَّن قاتَلَ في الغالِبِ. وقالَ تَعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] وبذلك حكَمَ رَسولُ اللهِ ﷺ في مَغازيه أنْ تُقتَلَ المُقاتِلةُ وتُسبَى الذُّرِّيةُ؛ لأنَّهم مالٌ للمُسلِمينَ إذا سُبُوا. واتَّفقَ الجُمهورُ على أنَّ النِّساءَ والصِّبيانَ إذا قاتَلُوا قُتِلوا، وهو قَولُ مالِكٍ واللَّيثِ وأبي حَنيفةَ والثَّوريِّ والأَوزاعيِّ والشافِعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ وأبي ثَورٍ. وقالَ الحَسنُ البَصريُّ: إنْ قاتلَت المَرأةُ وخرَجَت معهم إلى ديارِ المُسلِمينَ فلتُقتَل، وقد قتَلَ رَسولُ اللهِ يَومَ قُريظةَ والخَندَقِ (٢) … ، وقتَلَ يَومَ الفَتحِ قَينتَيْن كانَتا تُغنِّيان بهِجاءِ رَسولِ اللهِ (٣). ومن الأدِلةِ على جَوازِ قَتلِ المَرأةِ إذا قاتَلَت، ما رَواه رَباحُ بنُ رَبِيعٍ قالَ: كنا مع رَسولِ اللهِ ﷺ في غَزوةٍ فرأى الناسَ مُجتمِعينَ على شَيءٍ،

стр. 12112

فبعَثَ رَجلًا فقالَ: «انظُرْ عَلامَ اجتمَع هؤلاء»، فجاءَ، فقالَ: على امَرأةٍ قَتيلٍ، فقالَ: «ما كانَت هذه لتُقاتِلَ» (١). قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: لو قاتَلَت المَرأةُ جازَ أنْ تُقتَلَ بالاتِّفاقِ؛ لوُجودِ المَعنى فيها الذي جعَلَ اللهُ ورَسولُه ﷺ عَدمَه مانِعًا من قَتلِها بقَولِه ﷺ : «ما كانَت هذه لتُقاتِلَ» (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولو وقَفَت امرأةٌ في صَفِّ الكُفارِ أو على حِصنِهم فشَتمَت المُسلِمينَ أو تَكشَّفت لهم جازَ رَميُها قَصدًا؛ لِما رَوى سَعيدٌ حدَّثَنا حَمَّادُ بنُ زَيدٍ عن أيُّوبَ عن عِكرِمةَ قالَ: لمَّا حاصَرَ رَسولُ اللهِ ﷺ أهلَ الطائِفِ أشرَفت امرأةٌ فكشَفَت عن قُبُلِها، فقالَ: «ها دُونَكم فارمُوها»، فرَماها رَجلٌ من المُسلِمينَ فما أخطأ ذلك منها، ويَجوزُ النَّظرُ إلى فَرجِها للحاجةِ إلى رَميِها؛ لأنَّ ذلك من ضَرورةِ رَميِها، وكذلك يَجوزُ رَميُها إذا كانَت تَلتقِطُ لهم السِّهامَ أو تَسقيهمُ الماءَ أو تُحرِّضُهم على القِتالِ؛ لأنَّها في حُكمِ المُقاتِلِ، وهكذا الحُكمُ في الصَّبيِّ والشَّيخِ وسائرِ من مُنِع من قَتلِه منهم (٣). وقد نَصَّ الفُقهاءُ على أنَّ التَّعرُّضَ لسَبِّ الإسلامِ والمُسلِمينَ كالمُشارَكةِ في القِتالِ فيُقتَلنَ به.

стр. 12113

قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ بعدَما ذكَرَ النَّهيَ عن قَتلِ النِّساءِ والصِّبيانِ: تَنبيهٌ: يُستَثنَى من ذلك مَسائلُ: الخامِسةُ: إذا سَبَّ الخُنثى أو المَرأةُ الإسلامَ أو المُسلِمينَ لظُهورِ الفَسادِ (١). وفي حاشيةِ البُجَيرميِّ: قَولُه: «وكالقِتالِ السَّبُّ» أي: من المَرأةِ والخُنثى دونَ الصَّبيِّ والمَجنونِ، كما يَدلُّ عليه كَلامُه في شَرحِ الرَّوضِ، فالمُرادُ سَبُّ مَنْ يُعتبَرُ سَبُّه، وقَولُه: للإسلامِ أو للهِ أو رَسولِه بالأوْلَى (٢). ٢ - الشُّيوخُ: اختَلفَ العُلماءُ في الشَّيخِ الكَبيرِ الذي لا يَستطيعُ القِتالَ هل يَجوزُ قَتلُه أو لا؟ بعدَ إجماعِهم على أنَّه إنْ قاتَلَ يُقتَلُ. فقالَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ والشافِعيُّ في أحَدِ قَولَيه: لا يُقتَلُ إذا لم يُقاتلْ؛ لما رَواه أنَسُ بنُ مَالِكٍ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «انطَلِقوا باسمِ اللهِ وباللهِ وعلى مِلةِ رَسولِ اللهِ ولا تَقتُلوا شَيخًا فانِيًا ولا طِفلًا ولا صَغيرًا ولا امرأةً ولا تَغُلُّوا، وضُمُّوا غَنائمَكم وأصلِحوا وأحسِنوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحسِنينَ» (٣). قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وأمَّا بَيانُ مَنْ يَحِلُّ قَتلُه من الكَفرةِ ومَن لا يَحِلُّ، فنَقولُ: الحالُ لا تَخلو إمَّا أنْ تَكونَ حالَ القِتالِ، أو حالَ ما بعدَ

стр. 12114

الفَراغِ من القِتالِ، وهي ما بعدَ الأخْذِ والأسْرِ، أمَّا حالُ القِتالِ فلا يَحِلُّ فيها قَتلُ امرأةٍ ولا صَبيٍّ ولا شَيخٍ فانٍ ولا مُقعَدٍ ولا يابِسِ الشِّقِّ ولا أعمَى ولا مَقطوعِ اليَدِ والرِّجلِ من خِلافٍ ولا مَقطوعِ اليَدِ اليُمنى ولا مَعتوهٍ ولا راهِبٍ في صَومَعةٍ ولا سائَحٍ في الجِبالِ لا يُخالِطُ الناسَ ولا قَومٍ في دارٍ أو كَنيسةٍ تَرهَّبوا وأُطبِقَ عليهم البابُ … ولأنَّ هؤلاء ليسُوا من أهلِ القِتالِ لا يُقتَلون، ولو قاتَلَ واحِدٌ منهم قُتِل، وكذا لو حرَّضَ على القِتالِ أو دلَّ على عَوراتِ المُسلِمينَ أو كانَ الكَفرةُ يَنتفِعون برَأيِه أو كانَ مُطاعًا وإنْ كانَ امرأةً أو صَغيرًا؛ لوُجودِ القِتالِ من حيثُ المَعنى. وقد رُوي: «أنَّ رَبيعةَ بنَ رَفيعٍ السُّلَميَّ ﵁ أدرَك دُرَيدَ بنَ الصِّمةِ يَومَ حُنَينٍ، فقتَله وهو شَيخٌ كَبيرٌ كالقُفَّةِ، لا يَنْفَعُ إلا برأيِه، فبلَغ ذلك رَسولَ اللهِ ﷺ ولم يُنكِرْ عليه». والأصلُ فيه أنَّ كلَّ من كانَ من أهلِ القِتالِ يَحِلُّ قَتلُه، سَواءٌ قاتَلَ أو لم يُقاتلْ، وكلُّ مَنْ لم يَكنْ من أهلِ القِتالِ لا يَحِلُّ قَتلُه إلا إذا قاتَلَ حَقيقةً أو مَعنًى بالرَّأيِ والطاعةِ والتَّحريضِ وأشباهِ ذلك على ما ذكَرْنا، فيُقتَلُ القِسِّيسُ والسائِحُ الذي يُخالِطُ الناسَ والذي يُجَنُّ ويُفيقُ والأصَمُّ والأخرَسُ وأقطَعُ اليَدِ اليسَرى وأقطَعُ إحدى الرِّجلَينِ وإنْ لم يُقاتِلوا؛ لأنَّهم من أهلِ القِتالِ، ولو قُتلَ واحدٌ ممَّن ذكَرْنا أنَّه لا يَحِلُّ قَتلُه فلا شَيءَ فيه مِنْ دِيةٍ ولا كَفارةٍ إلا التَّوبةَ والاستِغفارَ؛ لأنَّ دَمَ الكافِرِ لا يُتقوَّمُ إلا بالأمانِ ولم يُوجَدْ (١).

стр. 12115

وقالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: المُرادُ بالشَّيخِ الفاني الذي لا يُقتَل: هو مَنْ لا يَقدِرُ على القِتالِ ولا الصِّياحِ عندَ التِقاءِ الصَّفَّينِ ولا على الإحبالِ؛ لأنَّه يَجيءُ منه الوَلدُ فيَكثُرُ مُحارِبُ المُسلِمينَ، ذكَرَه في الذَّخيرةِ، وذكَرَ الشَّيخُ أبو بَكرٍ الرازِيُّ في كِتابِ المُرتَدِّ من «شَرحِ الطَّحاويِّ» أنَّه إذا كانَ كامِلَ العَقلِ نَقتُلُه، ومِثلُه نَقتُلُه إذا ارتَدَّ، والذي لا نَقتُلُه الشَّيخُ الفاني الذي خرِفَ وزالَ عن حُدودِ العُقلاءِ والمُميِّزينَ، فهذا حينَئذٍ يَكونُ بمَنزِلةِ المَجنونِ فلا نَقتُلُه ولا إذا ارتَدَّ. قالَ: وأمَّا الزَّمْنَى فهُم بمَنزِلةِ الشُّيوخِ فيَجوزُ قَتلُهم إذا رأى الإمامُ ذلك، كما يُقتَل سائِرُ الناسِ بعدَ أنْ يَكونوا عُقلاءَ، ونَقتُلُهم أيضًا إذا ارتَدُّوا (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا تُقتَلَ امرأةٌ ولا شَيخٌ فانٍ وبذلك قالَ مالِكٌ وأصحابُ الرأيِ، ورُوي ذلك عن أبي بَكرٍ الصِّديقِ ومُجاهِدٍ ورُوي عن ابنِ عَباسٍ في قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾، يَقولُ: لا تَقتُلوا النِّساءَ والصِّبيانَ والشَّيخَ الكَبيرَ. وقالَ الشافِعيُّ في أحَدِ قَولَيه وابنُ المُنذِرِ: يَجوزُ قَتلُ الشُّيوخِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «اقتُلوا شُيوخَ المُشرِكينَ واستَبْقُوا شَرخَهم»، رَواه أبو داودَ والتِّرمذيُّ، وقالَ: حَديثٌ حَسنٌ صَحيحٌ، ولأنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] وهذا عامٌّ يَتناوَلُ بعُمومِه الشُّيوخَ.
следующие страницы →