وقالَ الإمامُ أبو عبدِ اللهِ الأزْديُّ القُرطبيُّ ﵀: أمَّا المَجنونُ فلا يَنبَغي أنْ يَكونَ فيه خِلافٌ أنَّه لا يُقتَل، لا سيَّما إنْ كانَ كذلك بلَغَ، فهو غيرُ مُكلَّفٍ باتِّفاقٍ، ولا يَنطلِقُ عليه وَصفُ الكُفرِ (١).
قالَ الإمامُ ابنُ بَطالٍ ﵀: ولا يَجوزُ عندَ جَميعِ العُلماءِ قَصدُ قَتلِ نِساءِ الحَربيِّينَ ولا أطفالِهم؛ لأنَّهم ليسُوا ممَّن قاتَلَ في الغالِبِ. وقالَ تَعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] وبذلك حكَمَ رَسولُ اللهِ ﷺ في مَغازيه أنْ تُقتَلَ المُقاتِلةُ وتُسبَى الذُّرِّيةُ؛ لأنَّهم مالٌ للمُسلِمينَ إذا سُبُوا.
واتَّفقَ الجُمهورُ على أنَّ النِّساءَ والصِّبيانَ إذا قاتَلُوا قُتِلوا، وهو قَولُ مالِكٍ واللَّيثِ وأبي حَنيفةَ والثَّوريِّ والأَوزاعيِّ والشافِعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ وأبي ثَورٍ.
وقالَ الحَسنُ البَصريُّ: إنْ قاتلَت المَرأةُ وخرَجَت معهم إلى ديارِ المُسلِمينَ فلتُقتَل، وقد قتَلَ رَسولُ اللهِ يَومَ قُريظةَ والخَندَقِ (٢) … ، وقتَلَ يَومَ الفَتحِ قَينتَيْن كانَتا تُغنِّيان بهِجاءِ رَسولِ اللهِ (٣).
ومن الأدِلةِ على جَوازِ قَتلِ المَرأةِ إذا قاتَلَت، ما رَواه رَباحُ بنُ رَبِيعٍ قالَ: كنا مع رَسولِ اللهِ ﷺ في غَزوةٍ فرأى الناسَ مُجتمِعينَ على شَيءٍ،
стр. 12112
فبعَثَ رَجلًا فقالَ: «انظُرْ عَلامَ اجتمَع هؤلاء»، فجاءَ، فقالَ: على امَرأةٍ قَتيلٍ، فقالَ: «ما كانَت هذه لتُقاتِلَ» (١).
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: لو قاتَلَت المَرأةُ جازَ أنْ تُقتَلَ بالاتِّفاقِ؛ لوُجودِ المَعنى فيها الذي جعَلَ اللهُ ورَسولُه ﷺ عَدمَه مانِعًا من قَتلِها بقَولِه ﷺ : «ما كانَت هذه لتُقاتِلَ» (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولو وقَفَت امرأةٌ في صَفِّ الكُفارِ أو على حِصنِهم فشَتمَت المُسلِمينَ أو تَكشَّفت لهم جازَ رَميُها قَصدًا؛ لِما رَوى سَعيدٌ حدَّثَنا حَمَّادُ بنُ زَيدٍ عن أيُّوبَ عن عِكرِمةَ قالَ: لمَّا حاصَرَ رَسولُ اللهِ ﷺ أهلَ الطائِفِ أشرَفت امرأةٌ فكشَفَت عن قُبُلِها، فقالَ: «ها دُونَكم فارمُوها»، فرَماها رَجلٌ من المُسلِمينَ فما أخطأ ذلك منها، ويَجوزُ النَّظرُ إلى فَرجِها للحاجةِ إلى رَميِها؛ لأنَّ ذلك من ضَرورةِ رَميِها، وكذلك يَجوزُ رَميُها إذا كانَت تَلتقِطُ لهم السِّهامَ أو تَسقيهمُ الماءَ أو تُحرِّضُهم على القِتالِ؛ لأنَّها في حُكمِ المُقاتِلِ، وهكذا الحُكمُ في الصَّبيِّ والشَّيخِ وسائرِ من مُنِع من قَتلِه منهم (٣).
وقد نَصَّ الفُقهاءُ على أنَّ التَّعرُّضَ لسَبِّ الإسلامِ والمُسلِمينَ كالمُشارَكةِ في القِتالِ فيُقتَلنَ به.
стр. 12113
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ بعدَما ذكَرَ النَّهيَ عن قَتلِ النِّساءِ والصِّبيانِ:
تَنبيهٌ: يُستَثنَى من ذلك مَسائلُ:
الخامِسةُ: إذا سَبَّ الخُنثى أو المَرأةُ الإسلامَ أو المُسلِمينَ لظُهورِ الفَسادِ (١).
وفي حاشيةِ البُجَيرميِّ: قَولُه: «وكالقِتالِ السَّبُّ» أي: من المَرأةِ والخُنثى دونَ الصَّبيِّ والمَجنونِ، كما يَدلُّ عليه كَلامُه في شَرحِ الرَّوضِ، فالمُرادُ سَبُّ مَنْ يُعتبَرُ سَبُّه، وقَولُه: للإسلامِ أو للهِ أو رَسولِه بالأوْلَى (٢).
٢ - الشُّيوخُ:
اختَلفَ العُلماءُ في الشَّيخِ الكَبيرِ الذي لا يَستطيعُ القِتالَ هل يَجوزُ قَتلُه أو لا؟ بعدَ إجماعِهم على أنَّه إنْ قاتَلَ يُقتَلُ.
فقالَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ والشافِعيُّ في أحَدِ قَولَيه: لا يُقتَلُ إذا لم يُقاتلْ؛ لما رَواه أنَسُ بنُ مَالِكٍ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «انطَلِقوا باسمِ اللهِ وباللهِ وعلى مِلةِ رَسولِ اللهِ ولا تَقتُلوا شَيخًا فانِيًا ولا طِفلًا ولا صَغيرًا ولا امرأةً ولا تَغُلُّوا، وضُمُّوا غَنائمَكم وأصلِحوا وأحسِنوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحسِنينَ» (٣).
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وأمَّا بَيانُ مَنْ يَحِلُّ قَتلُه من الكَفرةِ ومَن لا يَحِلُّ، فنَقولُ: الحالُ لا تَخلو إمَّا أنْ تَكونَ حالَ القِتالِ، أو حالَ ما بعدَ
стр. 12114
الفَراغِ من القِتالِ، وهي ما بعدَ الأخْذِ والأسْرِ، أمَّا حالُ القِتالِ فلا يَحِلُّ فيها قَتلُ امرأةٍ ولا صَبيٍّ ولا شَيخٍ فانٍ ولا مُقعَدٍ ولا يابِسِ الشِّقِّ ولا أعمَى ولا مَقطوعِ اليَدِ والرِّجلِ من خِلافٍ ولا مَقطوعِ اليَدِ اليُمنى ولا مَعتوهٍ ولا راهِبٍ في صَومَعةٍ ولا سائَحٍ في الجِبالِ لا يُخالِطُ الناسَ ولا قَومٍ في دارٍ أو كَنيسةٍ تَرهَّبوا وأُطبِقَ عليهم البابُ … ولأنَّ هؤلاء ليسُوا من أهلِ القِتالِ لا يُقتَلون، ولو قاتَلَ واحِدٌ منهم قُتِل، وكذا لو حرَّضَ على القِتالِ أو دلَّ على عَوراتِ المُسلِمينَ أو كانَ الكَفرةُ يَنتفِعون برَأيِه أو كانَ مُطاعًا وإنْ كانَ امرأةً أو صَغيرًا؛ لوُجودِ القِتالِ من حيثُ المَعنى.
وقد رُوي: «أنَّ رَبيعةَ بنَ رَفيعٍ السُّلَميَّ ﵁ أدرَك دُرَيدَ بنَ الصِّمةِ يَومَ حُنَينٍ، فقتَله وهو شَيخٌ كَبيرٌ كالقُفَّةِ، لا يَنْفَعُ إلا برأيِه، فبلَغ ذلك رَسولَ اللهِ ﷺ ولم يُنكِرْ عليه».
والأصلُ فيه أنَّ كلَّ من كانَ من أهلِ القِتالِ يَحِلُّ قَتلُه، سَواءٌ قاتَلَ أو لم يُقاتلْ، وكلُّ مَنْ لم يَكنْ من أهلِ القِتالِ لا يَحِلُّ قَتلُه إلا إذا قاتَلَ حَقيقةً أو مَعنًى بالرَّأيِ والطاعةِ والتَّحريضِ وأشباهِ ذلك على ما ذكَرْنا، فيُقتَلُ القِسِّيسُ والسائِحُ الذي يُخالِطُ الناسَ والذي يُجَنُّ ويُفيقُ والأصَمُّ والأخرَسُ وأقطَعُ اليَدِ اليسَرى وأقطَعُ إحدى الرِّجلَينِ وإنْ لم يُقاتِلوا؛ لأنَّهم من أهلِ القِتالِ، ولو قُتلَ واحدٌ ممَّن ذكَرْنا أنَّه لا يَحِلُّ قَتلُه فلا شَيءَ فيه مِنْ دِيةٍ ولا كَفارةٍ إلا التَّوبةَ والاستِغفارَ؛ لأنَّ دَمَ الكافِرِ لا يُتقوَّمُ إلا بالأمانِ ولم يُوجَدْ (١).
стр. 12115
وقالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: المُرادُ بالشَّيخِ الفاني الذي لا يُقتَل: هو مَنْ لا يَقدِرُ على القِتالِ ولا الصِّياحِ عندَ التِقاءِ الصَّفَّينِ ولا على الإحبالِ؛ لأنَّه يَجيءُ منه الوَلدُ فيَكثُرُ مُحارِبُ المُسلِمينَ، ذكَرَه في الذَّخيرةِ، وذكَرَ الشَّيخُ أبو بَكرٍ الرازِيُّ في كِتابِ المُرتَدِّ من «شَرحِ الطَّحاويِّ» أنَّه إذا كانَ كامِلَ العَقلِ نَقتُلُه، ومِثلُه نَقتُلُه إذا ارتَدَّ، والذي لا نَقتُلُه الشَّيخُ الفاني الذي خرِفَ وزالَ عن حُدودِ العُقلاءِ والمُميِّزينَ، فهذا حينَئذٍ يَكونُ بمَنزِلةِ المَجنونِ فلا نَقتُلُه ولا إذا ارتَدَّ.
قالَ: وأمَّا الزَّمْنَى فهُم بمَنزِلةِ الشُّيوخِ فيَجوزُ قَتلُهم إذا رأى الإمامُ ذلك، كما يُقتَل سائِرُ الناسِ بعدَ أنْ يَكونوا عُقلاءَ، ونَقتُلُهم أيضًا إذا ارتَدُّوا (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا تُقتَلَ امرأةٌ ولا شَيخٌ فانٍ وبذلك قالَ مالِكٌ وأصحابُ الرأيِ، ورُوي ذلك عن أبي بَكرٍ الصِّديقِ ومُجاهِدٍ ورُوي عن ابنِ عَباسٍ في قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾، يَقولُ: لا تَقتُلوا النِّساءَ والصِّبيانَ والشَّيخَ الكَبيرَ.
وقالَ الشافِعيُّ في أحَدِ قَولَيه وابنُ المُنذِرِ: يَجوزُ قَتلُ الشُّيوخِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «اقتُلوا شُيوخَ المُشرِكينَ واستَبْقُوا شَرخَهم»، رَواه أبو داودَ والتِّرمذيُّ، وقالَ: حَديثٌ حَسنٌ صَحيحٌ، ولأنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] وهذا عامٌّ يَتناوَلُ بعُمومِه الشُّيوخَ.
стр. 12116
وقالَ ابنُ المُنذِرِ: لا أعرِفُ حُجةً في تَركِ قَتلِ الشُّيوخِ يُستَثنَى بها من عُمومِ قَولِه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾، ولأنَّه كافِرٌ لا نَفعَ في حَياتِه فيُقتَلُ كالشَّابِّ.
ولنا: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لا تَقتُلوا شَيخًا فانِيًا ولا طِفلًا ولا امرأةً» (١) رَواه أبو داودَ في «سُننِه».
ورُوي عن أبي بَكرٍ الصِّديقِ ﵁ أنَّه أوصى يَزيدَ حينَ وَجَّهه إلى الشامِ فقالَ: «لا تَقتُلْ صَبيًّا ولا امرأةً ولا هَرِمًا» وعن عُمرَ أنَّه وصَّى سَلمةَ بنَ أقيَسَ فقالَ: «لا تَقتُلوا امرأةً ولا صَبيًّا ولا شَيخًا هَرِمًا» رَواهما سَعيدٌ، ولأنَّه ليسَ من أهلِ القِتالِ فلا يُقتَلُ كالمَرأةِ.
وقد أَومأَ النَّبيُّ ﷺ إلى هذه العِلةِ في المَرأةِ فقالَ: «ما بالُ هذه قُتِلَت وهي لا تُقاتِلُ» والآيةُ مَخصوصةٌ بما رَويْنا، ولأنَّه قد خرَجَ من عُمومِها المَرأةُ والشَّيخُ الهَرِمُ في مَعناها فنَقيسُه عليها، وأمَّا حَديثُهم فأرادَ به الشُّيوخَ الذين فيهم قُوةٌ على القِتالِ أو مَعونةٌ عليه برأيٍ أو تَدبيرٍ جَمعًا بينَ الأحاديثِ، ولأنَّ أحاديثَنا خاصةٌ في الهَرِمِ ولأنَّ حَديثَهم عامٌّ في الشُّيوخِ كلِّهم، والخاصُّ يُقدَّمُ على العامِّ، وقياسُهم يُنتقَضُ بالعَجوزِ التي لا نَفعَ فيها (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ وابنُ المُنذِرِ إلى أنَّه يُقتَل مَنْ قاتَلَ أو لم يُقاتلْ؛ لما رُوي عن سَمُرةَ بن جُندُبٍ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ :
стр. 12117
«اقتُلوا شُيوخَ المُشرِكينَ واستَبقُوا شَرخَهم، والشَّرخُ: الغِلمانُ الذين لم يُنبِتوا» (١).
وعن أبي مُوسَى ﵁ قالَ: «لمَّا فرَغَ النَّبيُّ ﷺ من حُنينٍ بعَثَ أبا عامِرٍ على جَيشٍ إلى أوطاسٍ فلَقيَ دُرَيدَ بنَ الصِّمةِ فقُتلَ دُرَيدٌ وهزَمَ اللهُ أصحابَهُ … » (٢). فلمَّا ذكَرَ ذلك ﷺ للنَّبيِّ لم يُنكِرْ ذلك (٣).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا شُيوخُ الكُفارِ؛ فإنْ كانَ فيهم رأيٌ قُتِلوا، وإلا ففيهم وفي الرُّهبانِ خِلافٌ، قالَ مالِكٌ وأبو حَنيفةَ: لا يُقتَلون، والأصَحُّ في مَذهبِ الشافِعيِّ قَتلُهم (٤).
٣ - الرُّهبانُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الرُّهبانِ الذين لا يُخالِطون الناسَ هل يَجوزُ قَتلُهم أو لا؟ بعدَ اتِّفاقِهم على أنَّهم إنْ خالَطوا الناسَ أو قاتَلُوا أو حَرَّضوا على القِتالِ فإنَّهم يُقتَلونَ.
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى عَدمِ جَوازِ قَتلِ الرُّهبانِ الذين لا يُخالِطونَ الناسَ إذا لم يَكنْ لهم رأيٌ ولا تَدبيرٌ.
стр. 12118
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: لا يَحِلُّ قَتلُ راهِبٍ في صَومَعةٍ ولا سائِحٍ في الجِبالِ لا يُخالِطُ الناسَ ولا قَومٍ في دارٍ أو كَنيسةٍ تَرهَّبوا وأطبِقَ عليهم البابُ، ولو قاتَلَ واحِدٌ منهم قُتِل، وكذا لو حرَّضَ على القِتالِ أو دلَّ على عَوراتِ المُسلِمينَ أو كانَ الكَفرةُ يَنتفِعونَ برأيِه أو كانَ مُطاعًا (١).
وقالَ النَّفراويُّ المالِكيُّ ﵀: «وَ» كذا يَجبُ أنْ: «يُجتنَبَ» بالبِناءِ للمَجهولِ «قَتلُ الرُّهبانِ» بالأديرةِ أو الصَّوامِعِ إذا لم يَكنْ لهم رأيٌ ولا تَدبيرٌ، بخِلافِ رُهبانِ الكَنائسِ؛ فإنَّهم يُقتَلون لمُخالَطَتِهم أهلَ دِينِهم، ولو لم يَكنْ لهم رأيٌ ولا تَدبيرٌ، وإنَّما لم تُقتَلَ الرُّهبانُ المَذكورةُ؛ لأنَّ انقِطاعَهم بالأديِرةِ والصَّوامِعِ ألحقَهم بالنِّساءِ، أمَّا لو كانَ لهم رأيٌ أو تَدبيرٌ لجازَ قَتلُهم.
وكذا يَجبُ أنْ يُجتنَبَ قَتلُ (الأحبارِ) جَمعُ «حِبْرٍ» بكَسرِ الحاءِ على اللُّغةِ الفَصيحةِ، وهم عُلماءُ الكُفارِ … ومَحَلُّ عَدمِ جَوازِ قَتلِ مَنْ ذُكِر من الرُّهبانِ والأحبارٍ والأُجَراءِ والصُّنَّاعِ «إلا أنْ يُقاتِلوا»، وإلا جازَ قَتلُهم وظاهِرُه، ولو لم يَقتُلوا أحدًا (٢).
قالَ ابنُ عَرفةَ المالِكيُّ ﵀: ليسَ النَّهيُّ عن قَتلِ الرُّهبانِ ونَحوِهم لفَضلِ تَرهُّبِهم، بل هُمْ من اللهِ أبعَدُ من غيرِهم لشِدةِ كُفرِهم، وإنَّما تُرِكوا لتَركِهم أهلَ دِينِهم فصاروا كالنِّساءِ (٣).
стр. 12119
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا يُقتَلُ زَمِنٌ ولا أعمَى ولا راهِبٌ، والخِلافُ فيهم كالخِلافِ في الشَّيخِ وحُجَّتُهم ههنا حُجَّتُهم فيه.
ولنا: في الزَّمِنِ والأعمى أنَّهما ليسَا مِنْ أهلِ القِتالِ فأشبَها المَرأةَ وفي الراهِبِ ما رُوي في حَديثِ أبي بَكرٍ الصِّديقِ ﵁ أنَّه قالَ: «وستَمرُّون على أقوامٍ في الصَّوامِعِ قد حبَسوا أنفُسَهم فيها فدَعُوهم حتى يُميتَهم اللهُ على ضَلالِهم»، ولأنَّهم لا يُقاتِلون تَديُّنًا فأشبَهوا مَنْ لا يَقدِرُ على القِتالِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ إلى جَوازِ قَتلِ الرُّهبانِ وإنْ لم يُخالِطوا الناسَ (٢).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا شُيوخُ الكُفارِ؛ فإنْ كانَ فيهم رأيٌ قُتِلوا، وإلا ففيهم وفي الرُّهبانِ خِلافٌ، قالَ مالِكٌ وأبو حَنيفةَ: لا يُقتَلون، والأصَحُّ في مَذهبِ الشافِعيِّ قَتلُهم (٣).
وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: ويَحِلُّ قَتلُ راهِبٍ وأجيرٍ ومُحترِفٍ وشَيخٍ، ولو ضَعيفًا وأعمى، وزَمِنٍ ومَقطوعِ اليَدِ والرِّجلِ وإنْ لم يَحضُروا الصَّفَّ ولا قِتالَ فيهم ولا رأيَ في الأظهَرِ؛ لعُمومِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، ولأنَّهم أحرارٌ مُكلَّفون فجازَ قَتلُهم كغيرِهم.
والثانِي: المَنعُ؛ لأنَّهم لا يُقاتِلون فأشبَهوا النِّساءَ والصِّبيانَ.
стр. 12120
تَنبيهٌ: مَحلُّ الخِلافِ إذا لم يُقاتِلوا؛ فإنْ قاتَلُوا قُتِلوا قَطعًا، والمُرادُ بالراهِبِ عابِدُ النَّصارى، فيَشمَلُ الشَّيخَ والشابَّ والذَّكرَ والأُنثى، واحترَز بقَولِه: (لا رأيَ فيهم) عمَّا إذا كانَ فيهم رأيٌ؛ فإنَّهم يُقتَلونَ قَطعًا، وقَولُه: (لا قِتالَ فيهم) الظاهِرُ أنَّه قَيَّد في الشَّيخِ ومَن بعدَه؛ فإنَّ الراهِبَ والأجيرَ قد يَكونُ فيهم القِتالُ، ويَجوزُ قَتلُ السُّوقةِ لا الرُّسلِ، فلا يَجوزُ قَتلُهم لجَريانِ السُّنةِ بذلك، وإذا جاز قَتلُ المَذكورينَ (فيُسترَقُّون وتُسبَى نِساؤُهم) وصِبيانُهم ومَجانينُهم (و) تُغنَمُ (أموالُهم)، وإذا منَعْنا قَتْلَهم رُقُّوا بالأسْرِ نَفسِه (١).
ودَليلُهم: عُمومُ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
وقَولُه ﷺ : «أُمِرتُ أنْ أُقاتِلَ الناسَ حتى يَشهَدوا أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ مُحمدًا رَسولُ اللهِ ويُقيموا الصَّلاةَ ويُؤتوا الزَّكاةَ، فإذا فعَلوا ذلك عصَموا مِنِّي دِماءَهم وأموالَهم إلا بحَقِّ الإسلامِ وَحِسابُهم على اللهِ» (٢).
وفي حَديثِ بُرَيدةَ: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ إذا أمَّرَ أميرًا على جَيشٍ أو سَريةٍ أوصاهُ في خاصَّتِه بتَقوَى اللهِ ومن معه من المُسلِمينَ خَيرًا، ثُمَّ قالَ: اغزُوا باسمِ اللهِ في سَبيلِ اللهِ، قاتِلُوا مَنْ كفَر باللهِ اغزُوا ولا تَغُلُّوا ولا تَغدِرُوا ولا تُمثِّلُوا … » (٣).
стр. 12121
فلمَّا كانُوا سَواءً في الكُفرِ الذي به حلَّت دِماؤُهم، وتَناوَلهم عُمومُ القُرآنِ والسُّنةِ بذلك من غيرِ تَفريقٍ؛ وجَبَ استِواؤُهم في القَتلِ المَشروعِ في أهلِ الكُفرِ.
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ومَن قاتَلَ مِنْ هؤلاء النِّساءِ والمَشايِخِ والرُّهبانِ في المَعركةِ قُتلَ، لا نَعلَمُ فيه خِلافًا، وبهذا قالَ الأَوزاعيُّ والثَّوريُّ واللَّيثُ والشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرأيِ (١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: وأمَّا الراهِبُ الذي يُعاوِنُ أهلَ دِينِه بيَدِه ولِسانِه مِثلَ أنْ يَكونَ له رأيٌ يَرجِعونَ إليه في القِتالِ أو نَوعٌ من التَّحضيضِ فهذا يُقتَلُ باتِّفاقِ العُلماءِ إذا قُدرَ عليه، وتُؤخذُ منه الجِزيةُ، وإنْ كانَ حَبيسًا مُنفرِدًا في مُتعبَّدِه، فكيف بمَن هم كسائرِ النَّصارى في مَعايِشِهم ومُخالَطتِهم الناسَ واكتِسابِ الأموالِ بالتِّجاراتِ والزِّراعاتِ والصِّناعاتِ واتِّخاذِ الدِّياراتِ الجامِعاتِ لغيرِهم، وإنَّما تَميَّزوا على غيرِهم بما يُغلِّظُ كُفرَهم ويَجعَلُهم أئِمةً في الكُفرِ مِثلَ التَّعبُّدِ بالنَّجاساتِ وتَركِ النِّكاحِ واللَّحمِ واللِّباسِ الذي هو شِعارُ الكُفرِ، لا سيَّما وهُم الذين يُقيمون دِينَ النَّصارى بما يُظهِرونه من الحيلَ الباطِلةِ التي صنَّفَ الفُضلاءُ فيها مُصنَّفاتٍ، ومِن العِباداتِ الفاسِدةِ وقَبولِ نُذورِهم وأوقافِهم.
والراهِبُ عندَهم شَرطُه تَركُ النِّكاحِ فقَط، وهُم مع هذا يُجوِّزونَ أنْ يَكونَ بَتركًا وبَطرقًا وقِسِّيسًا وغيرَهم من أئِمةِ الكُفرِ الذين يَصدُرونَ عن
стр. 12122
أمرِهم ونَهيِهم، ولهم أنْ يَكتسِبوا الأموالَ كما لغيرِهم مِثلُ ذلك، فهؤلاء لا يَتنازَعُ العُلماءُ في أنَّهم من أحَقِّ النَّصارى بالقَتلِ عندَ المُحارَبةِ وبأخذِ الجِزيةِ عندَ المُسالَمةِ وأنَّهم من جِنسِ أئِمةِ الكُفرِ الذين قالَ فيهم الصِّديقُ ﵁ ما قالَ، وتَلا قَولَ اللهِ تَعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢].
ويُبيِّنُ ذلك أنَّه قد قالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] وقد قالَ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١] فهل يَقولُ عالِمٌ: إنَّ أئِمةَ الكُفرِ الذين يَصُدُّون عَوامَّهم عن سَبيلِ اللهِ ويأكُلونَ أموالَ الناسِ بالباطِلِ ويَرضَونَ بأنْ يُتَّخذوا أربابًا من دونِ اللهِ لا يُقاتَلونَ ولا تُؤخذُ منهم الجِزيةُ مع كَونِها تُؤخذُ من العامةِ الذين هُمْ أَقلُّ منهم ضَررًا في الدِّينِ وأَقلُّ أموالًا، لا يَقولُه مَنْ يَدري ما يَقولُ (١).
إذا قتَلَ الإنسانُ مَنْ لا يَجوزُ قَتلُه من المُشرِكينَ:
وقد نَصَّ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الإنسانَ إذا قتَلَ مَنْ لا يَجوزُ قَتلُه من النِّساءِ والصِّبيانِ والشَّيخِ الكَبيرِ وغيرِهم ممَّن ذكَرْنا فلا شَيءَ عليه غيرَ أنْ يَتوبَ إلى اللهِ.
стр. 12123
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: ولو قُتلَ واحِدٌ ممَّن ذكَرْنا أنَّه لا يَحِلُّ قَتلُه فلا شَيءَ فيه مِنْ دِيةٍ ولا كَفارةٍ إلا التَّوبةَ والاستِغفارَ؛ لأنَّ دَمَ الكافِرِ لا يُتقوَّمُ إلا بالأمانِ، ولمْ يُوجَدْ (١).
وقالَ الإمامُ السَّرخسيُّ ﵀: ومَن قتَلَ أحَدًا من هؤلاء قبلَ وُجودِ القِتالِ منه فلا كَفارةَ عليه ولا دِيةَ؛ لأنَّ وُجوبَهما باعتِبارِ العِصمةِ والتَّقوُّمِ في المَحَلِّ، وذلك بالدِّينِ أو بالدارِ، ولم يُوجَدَ واحِدٌ منهما، وإنَّما حرُمَ قَتلُهم لتَوفيرِ المَنفَعةِ على المُسلِمينَ، أو لانعدامِ العِلةِ المُوجِبةِ للقَتلِ، وهي المُحارَبةُ، لا لوُجودِ عاصِمٍ أو مُقوِّمٍ في نَفسِه، فلِهذا لا يَجبُ على القاتِلِ الكَفارةُ والدِّيةُ.
وإلى هذا أشارَ رَسولُ اللهِ ﷺ في حَديثٍ بقَولِه: «هم منهم»، يَعني أنَّ ذَراريَّ المُشرِكينَ منهم في أنَّه لا عِصمةَ لهم ولا قيمةَ لذِمتِهم (٢).
وقالَ سحنُونٌ ﵀: مَنْ قتَلَ مَنْ نُهِي عن قَتلِه من صَبيٍّ أو امرأةٍ أو شَيخٍ هَرِمٍ؛ فإنْ قتَله في دارِ الحَربِ قبلَ أنْ يَصيرَ في المَغنَمِ فليسَتغفِرِ اللهَ، وإنْ قتَله بعدَ أنْ صارَ مَغنَمًا فعليه قيمَتُه، يُجعَلَ ذلك في المَغنَمِ كمَن لم تَبلُغْه دَعوةٌ (٣).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأمَّا قَتلُ نِساءِ أهلِ الحَربِ وصِبيانِهم فلا كَفارةَ فيه؛ لأنَّه ليسَ لهم أيمانٌ ولا أمانٌ، وإنَّما مُنِع مِنْ قَتلِهم لانتِفاعِ
стр. 12124
المُسلِمينَ بهم لكَونِهم يَصيرون بالسَّبيِ رَقيقًا يُنتفَعُ بهم، وكذلك قَتلُ مَنْ لم تَبلُغْه الدَّعوةُ لا كَفارةَ فيه لذلك، ولذلك لم يَضمَنوا بشَيءٍ فأشبَهوا مَنْ قَتلُه مُباحٌ (١).
جَوازُ قَتلِ النِّساءِ والصِّبيانِ والشُّيوخِ والرُّهبانِ وغيرِهم تَبعًا لا قَصدًا:
لا خِلافَ بينَ العُلماءِ على أنَّه يَجوزُ قَتلُ النِّساءِ والصِّبيانِ والشُّيوخِ والرُّهبانِ وغيرِهم ممَّن ذكَرْنا تَبعًا لا قَصدًا.
والمُرادُ بالقَتلِ تَبعًا: الذي يَكونُ قَصدُ القَتلِ فيه مُتَّجِهًا أساسًا للمُقاتِلةِ من الرِّجالِ إلا أنَّ غيرَهم ممَّن ذكَرْنا يُقتَل تَبعًا لهم، وهو صُورٌ مُتعدِّدةٌ نذكُر منها صورتَينِ:
أولًا: التَّبييتُ أو البَياتُ أو الإغارةُ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على جَوازِ تَبييتِ الكُفارِ والإغارةِ عليهم ليلًا؛ لِما رَوى الشَّيخانِ عن الصَّعبِ بنِ جَثَّامةَ ﵁ قالَ: مَرَّ بِيَ النَّبيُّ ﷺ بِالأَبواءِ أو بوَدانَ وَسُئلَ عن أهلِ الدارِ يُبيَّتونَ من المُشرِكينَ فيُصابُ من نِسائِهم وذَرارِيِّهم قالَ: «هُمْ مِنهُم»، وسَمِعتُه يَقولُ: «لا حِمى إلا للهِ تَعالى ولرَسولِه ﷺ » (٢).
стр. 12125
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وهذا الحَديثُ الذي ذكَرْناه من جَوازِ بَياتِهم وقَتلِ النِّساءِ والصِّبيانِ في البَياتِ هو مَذهبُنا ومَذهبُ مالِكٍ وأبي حَنيفةَ والجُمهورِ.
ومَعنى البَياتِ ويُبيِّتون: أنْ يُغارَ عليهم باللَّيلِ بحيثُ لا يُعرَفُ الرَّجلُ من المَرأةِ والصَّبيِّ، وأمَّا الذَّراريُّ فبتَشديدِ الياءِ وتَخفيفِها لُغَتان: التَّشديدُ أفصَحُ وأشهَرُ، والمُرادُ بالذَّراريِّ هنا: النِّساءُ والصِّبيانُ.
وفي هذا الحَديثِ دَليلٌ لجَوازِ البَياتِ وجَوازِ الإغارةِ على مَنْ بلَغَتهم الدَّعوةُ من غيرِ إعلامِهم بذلك، وفيه أنَّ أولادَ الكُفارِ حُكمُهم في الدُّنيا حُكمُ آبائِهم، وأمَّا في الآخِرةِ ففيهم إذا ماتوا قبلَ البُلوغِ ثَلاثةُ مَذاهبَ، الصَّحيحُ: أنَّهم في الجَنةِ، والثانِي: في النارِ، والثالِثُ: لا يُجزَمَ فيهم بشَيءٍ، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ الإمامُ الشِّيرازيُّ ﵀: وإنْ نصَبَ عليهم مَنجَنيقًا أو بَيَّتهم ليلًا وفيهم نِساءٌ وأطفالٌ جازَ؛ لِما رَوى علِيٌّ -كرَّم اللهُ وَجهَه- أنَّ النَّبيَّ ﷺ نصَبَ المَنجنيقَ على أهلِ الطائِفِ، وإنْ كانَت لا تَخلو من النِساءِ والأطفالِ.
ورَوى الصَّعبُ بنُ جثامةَ قالَ: سألتُ النَّبيَّ ﷺ عن الذَّراريِّ من المُشرِكينَ يُبيَّتون فيُصابُ من نِسائِهم وذَراريِّهم فقالَ: «هُمْ منهم»، ولأنَّ
стр. 12126
الكُفارَ لا يَخلون من النِّساءِ والأطفالِ، فلو ترَكْنا رَميَهم لأجلِ النِّساءِ والأطفالِ بطَلَ الجِهادُ (١).
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: قَولُه: «هُمْ منهم»، أي: في الحُكمِ في تلك الحالةِ، وليسَ المُرادُ إباحةَ قَتلِهم بطَريقِ القَصدِ إليهم، بل المُرادُ إذا لم يُمكِنِ الوُصولُ إلى الآباءِ إلا بوَطءِ الذُّرِّيةِ، فإذا أُصيبوا لاختِلاطِهم بهم جاز قَتلُهم (٢).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: ولا بأسَ بالإغارةِ والبَياتِ عليهم (٣).
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: من سُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ الغارةُ على المُشرِكينَ صَباحًا ولَيلًا، وبه عمِلَ الخُلفاءُ الراشِدونَ، ورَوى جُندُبُ ابنُ مَكيثٍ الجُهنيُّ قالَ: بعَثَ رَسولُ اللهِ ﷺ غالِبَ بنَ عبدِ اللهِ اللَّيثيَّ ثم أحمدَ بنَ خالِدِ بنِ عَوفٍ في سَريةٍ كُنْتُ فيهم وأمَرَهم أنْ تُشَنَّ الغارةُ على بَني المُلَوَّحِ بالكَديدِ، قالَ: فشَنَنَّا عليهم الغارةَ ليلًا، ومَعلومٌ أنَّ الغارةَ يَتلَفُ فيها مَنْ دنا أجَلُه مُسلمًا كانَ أو مُشرِكًا وطِفلًا وامرأةً (٤).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَجوزُ تَبييتُ الكُفارِ، وهو كَبسُهم لَيلًا وقَتلُهم وهُم غارُّونَ.
قالَ أحمدُ: لا بأسَ بالبَياتِ، وهل غَزْوُ الرُّومِ إلا بالبَياتِ.
стр. 12127
قالَ: ولا نَعلَمُ أحدًا كرِهَ بَياتَ العَدوِّ، وقرأ عليه سُفيانُ عن الزُّهريِّ عن عبدِ اللهِ عن ابنِ عَباسٍ عن الصَّعبِ بنِ جَثَّامةَ قالَ: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يُسألُ عن الدِّيارِ مِنْ المُشرِكينَ نُبيِّتُهم فنُصيبُ مِنْ نِسائِهم وذَرارِيِّهم فقالَ: «هُمْ منهم»، فقالَ: إسنادٌ جَيِّدٌ.
فإنْ قيلَ: فقد نَهى النَّبيُّ ﷺ عن قَتلِ النِّساءِ والذُّريةِ، قُلنا: هذا مَحمولٌ على التَّعمُّدِ لقَتلِهم.
قالَ أحمدُ: أمَّا أنْ يُتعمَّدَ قَتلُهم فلا، قالَ: وحَديثُ الصَّعبِ بعدَ نَهيِه عن قَتلِ النِّساءِ؛ لأنَّ نَهيَه عن قَتلِ النِّساءِ حينَ بَعثَ إلى ابنِ أبي الحَقيقِ، وعلى أنَّ الجَمعَ بينَها مُمكِنٌ، يُحمَلُ النَّهيُ على التَّعمُّدِ والإباحةُ على ما عَداه (١).
وقالَ الإمامُ المَرداويُّ ﵀: ويَجوزُ تَبييتُ الكُفارِ بلا نِزاعٍ ولو قُتلَ فيه صَبيٌّ أو امرأةٌ أو غيرُهما ممَّن يَحرُم قَتلُهم إذا لم يَقصِدْهم (٢).
ثانيًا: قَتلُ المُتترَّسِ بهم من نِساءِ الكُفارِ وصِبيانِهم وشُيوخِهم ومَن في حُكمِهم أو مِنْ المُسلِمينَ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا تَترَّسَ الكُفارُ المُحارِبونَ بالنِّساءِ والصِّبيانِ ومَن لا يَجوزُ قَتلُه، هل يَجوزُ قَتلُ التُّرسِ مُطلَقًا أو لا يَجوزُ إلا عندَ الضَّرورةِ؟ مع اتِّفاقِهم جَميعًا على تَوجُّهِ القَصدِ القَلبيِّ للمُقاتِلينَ دونَ غيرِهم.
стр. 12128
فذهَبَ الحَنفيةُ (١) والحَنابِلةُ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى جَوازِ قَتلِ التُّرسِ مُطلَقًا وإنْ لم تَدْعُ ضَرورةٌ لذلك.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ تتَرَّسوا في الحَربِ بنِسائِهم وصِبيانِهم جازَ رَميُهم ويُقصَدُ المُقاتِلةُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ رَماهم بالمَنجَنيقِ ومعهم النِّساءُ والصِّبيانُ، ولأنَّ كَفَّ المُسلِمينَ عنهم يُفضي إلى تَعطيلِ الجِهادِ؛ لأنَّهم مَتى عَلِموا ذلك تتَرَّسوا بهم عندَ خَوفِهم فيَنقطِعَ الجِهادُ، وسَواءٌ كانَت الحَربُ مُلتَحِمةً أو غيرَ مُلتحِمةٍ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَكنْ يَتحينَ بالرَّميِ حالَ التِحامِ الحَربِ.
وإنْ تَترَّسوا بمُسلمٍ ولم تَدعُ حاجةٌ إلى رَميِهم لكَونِ الحَربِ غيرَ قائِمةٍ، أو لإمكانِ القُدرةِ عليهم بدُونِه أو للأمنِ مِنْ شَرِّهم لم يَجزْ رَميُهم؛ فإنْ رَماهم فأصاب مُسلمًا فعليه ضَمانُه، وإنْ دعَت الحاجةُ إلى رَميِهم للخَوفِ على المُسلِمينَ جازَ رَميُهم؛ لأنَّها حالُ ضَرورةٍ ويُقصَدُ الكُفارُ، وإنْ لمْ يُخفْ على المُسلِمينَ لكنْ لم يُقدَرْ عليهم إلا بالرَّميِ، فقالَ الأَوزاعيُّ واللَّيثُ: لا يَجوزُ رَميُهم لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ الآيةَ [الفتح: ٢٥] قالَ اللَّيثُ: تَركُ فَتحِ حِصنٍ يُقدَرُ على فَتحِه أفضَلُ من قَتلِ مُسلمٍ بغيرِ حقٍّ.
وقالَ الأَوزاعيُّ: كيف يَرمون مَنْ لا يَرَوْنه؟ إنَّما يَرمونَ أطفالَ المُسلِمينَ.
стр. 12129
وقالَ القاضي والشافِعيُّ: يَجوزُ رَميُهم إذا كانَت الحَربُ قائِمةً؛ لأنَّ تَركَه يُفضي إلى تَعطيلِ الجِهادِ، فعلى هذا إنْ قتَلَ مُسلمًا فعليه الكَفارةُ، وفي الدِّيةِ على عاقِلتِه رِوايتانِ:
إحداهُما: يَجبُ؛ لأنَّه قتَلَ مُؤمِنًا خَطَأً فيَدخلُ في عُمومِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢].
والأُخرى: لا دِيةَ له؛ لأنَّه قُتلَ في دارِ الحَربِ برَميٍ مُباحٍ فيَدخُلُ في عُمومِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] ولم يَذكُرْ دِيةً.
وقالَ أبو حَنيفةَ: لا دِيةَ له ولا كَفارةَ فيه؛ لأنَّه رَمْيٌ أُبيحَ مع العِلمِ بحَقيقةِ الحالِ فلم يُوجِبْ شَيئًا كرَميِ مَنْ أُبيحَ دَمُه.
ولنا: الآيةُ المَذكورةُ، وأنَّه قُتلَ مَعصومًا بالإيمانِ، والقاتِلُ من أهلِ الضَّمانِ فأشبَه لو لم يَتترَّسْ به (١).
وقالَ الشَّيخُ زَكريَّا الأنصاريُّ ﵀: ومَتى تتَرَّسوا في القِتالِ بصِبيانِهم ونِسائِهم ونَحوِهم ولو في قَلعةٍ رَميْناهم وإنْ لم تَدْعُ ضَرورةٌ إلى رَميِهم، كما يَجوزُ نَصبُ المَنجَنيقِ على القَلعةِ وإنْ كانَ يُصيبُهم، ولِئلَّا يَتَّخِذوا ذلك ذَريعةً إلى تَعطيلِ الجِهادِ أو حيلةً لاستبقاءِ القِلاعِ لهم، وفي ذلك فَسادٌ عَظيمٌ، وخالَفَ في المِنهاجِ كأصلِه فصحَّحَ أنَّه لا يَجوزُ لنا رَميُهم عندَ عَدمِ الضَّرورةِ؛ لأنَّه يُؤدِّي إلى قَتلِهم بلا ضَرورةٍ، وقد نُهينا عن قَتلِهم.
стр. 12130
أو تتَرَّسوا بمُسلمٍ أو ذِميٍّ فلا نَرميهم إنْ لم تَدْعُ ضَرورةٌ إلى رَميِهم، واحتمَلَ الحالُ الإعراضَ عنهم صيانةً للمُسلِمينَ وأهلِ الذِّمةِ، وفارَق النِّساءَ والصِّبيانَ بأنَّ المُسلِمَ والذِّميَّ مَحْقونا الدَّمِ لحُرمةِ الدِّينِ والعَهدِ.
فلم يَجزْ رَميُهم بلا ضَرورةٍ، والنِّساءُ والصِّبيانُ حُقِنوا لحَقِّ الغانِمينَ فجازَ رَميُهم بلا ضَرورةٍ، فلو رَمى رامٍ فقتَلَ مُسلمًا فحُكمُه مَعلومٌ ممَّا مَرَّ في الجِناياتِ، فلو دَعَت ضَرورةٌ إلى ذلك بأنْ تتَرَّسوا في حالِ التِحامِ القِتالِ به وكانُوا بحيثُ لو كفَفْنا عنهم ظَفِروا بنا وكثُرَت نِكايَتُهم جازَ رَميُهم لمَا مَرَّ، وتَوقَّيناه، أي: المُسلِمَ أو الذِّميَّ بحسَبِ الإمكانِ؛ لأنَّ مَفسَدةَ الإعراضِ أكثَرُ مِنْ مَفسَدةِ الإقدامِ، ولا يَبعدُ احتِمالُ قَتلِ طائِفةٍ للدَّفعِ عن بَيضةِ الإسلامِ ومُراعاةِ الأُمورِ الكُلِّياتِ وكالذِّميِّ المُستأمَنِ والعبدِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في القَولِ الثانِي إلى أنَّه لا يَجوزُ ذلك إلا عندَ الضَّرورةِ.
قالَ الإمامُ القَرافِيُّ ﵀: ولو تتَرَّسوا بالنِّساءِ والصِّبيانِ تَرَكناهم، إلا أنْ يُخافَ على المُسلِمينَ؛ فإنْ تتَرَّسوا بمُسلمٍ تُرِكوا وإنْ خِفْنا على أنفُسِنا؛ لأنَّ دَمَ المُسلِمِ لا يُباحُ بالخَوفِ؛ فإنْ تتَرَّسوا في الصَّفِّ ولو تُرِكوا لانهزَمَ المُسلِمونَ وخيفَ استِئصالُ قاعِدةِ الإسلامِ أو جُمهورِ المُسلِمينَ وأهلِ القُوةِ منهم وجَبَ الدَّفعُ وسقَطَ مُراعاةُ التُّرسِ (٢).
стр. 12131
وقالَ الدَّرديرُ ﵀: (وإنْ تتَرَّسوا بذُرِّيةٍ) أو نِساءٍ (تُرِكوا) لحَقِّ الغانِمينَ (إلا لخَوفٍ) على المُسلِمينَ، (و) إنْ تتَرَّسوا (بمُسلمٍ) قُوتِلوا و (لم يُقصَدِ التُّرسُ) بالرَّميِ وإنْ خِفْنا على أنفُسِنا؛ لأنَّ دَمَ المُسلِمِ لا يُباحُ بالخَوفِ على النَّفسِ (إنْ لم يُخَفْ على أكثَرِ المُسلِمينَ)؛ فإنْ خيفَ سقَطت حُرمةُ التُّرسِ وجازَ رَميُه (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀ في «المِنهاجِ»: ولو التحَم حَربٌ فتتَرَّسوا بنِساءٍ وصِبيانٍ جازَ رَميُهم، وإنْ دفَعوا بهم عن أنفُسِهم ولم تَدْعُ ضَرورةٌ إلى رَميِهم فالأظهَرُ تَركُهم، وإنْ تتَرَّسوا بمُسلِمينَ؛ فإنْ لم تَدْعُ ضَرورةٌ إلى رَميِهم تَرَكناهم، وإلا جازَ رَميُهم في الأصَحِّ (٢).
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: (ولو التحَم حَربٌ فتتَرَّسوا بنِساءٍ) وخَناثى (وصِبيانٍ) ومَجانينَ منهم (جازَ) حينَئذٍ (رَميُهم) إذا دعَت الضَّرورةُ إليه، ونتَوقَّى مَنْ ذُكِر لئلَّا يَتخِذوا ذلك ذَريعةً إلى مَنعِ الجِهادِ وطَريقًا إلى الظَّفرِ بالمُسلِمينَ؛ لأنَّا إنْ كفَفْنا عنهم لأجلِ التَّترُّسِ بمَن ذُكِر لا يَكفُّون عنَّا، فالاحتياطُ لنا أوْلى من الاحتياطِ لمَن ذُكِر (وإنْ دَفَعوا بهم عن أنفُسِهم ولم تَدْعُ ضَرورةٌ إلى رَميِهم فالأظهَرُ تَركُهم) وُجوبًا لئلَّا يُؤدِّيَ إلى قَتلِهم من غيرِ ضَرورةٍ وقد نُهينا عن قَتلِهم، وهذا ما رجَّحَه في «المُحرَّرِ».
стр. 12132
والثانِي: -وهو المُعتمَدُ كما صحَّحه في «زَوائِدِ الرَّوضةِ» -: جَوازُ رَميِهم كما يَجوزُ نَصبُ المَنجَنيقِ على القَلعةِ وإنْ كانَ يُصيبُهم، ولِئلَّا يَتَّخِذوا ذلك ذَريعةً إلى تَعطيلِ الجِهادِ أو حيلةً لاستِبقاءِ القِلاعِ لهم، وفي ذلك فَسادٌ عَظيمٌ، واحتَرَز المُصنِّفُ بقَولِه (دفَعوا بهم عن أنفُسِهم) عما إذا فعَلوا ذلك مَكرًا وخَديعةً لعِلمِهم بأنَّ شَرعَنا يَمنعُ مِنْ قَتلِ نِسائِهم وذَراريِّهم، فلا يُوجِبُ ذلك تَركَ حِصارِهم ولا الامتِناعَ من رَميِهم وإنْ أفضى إلى قَتلِ مَنْ ذُكِر قَطعًا. قالَه الماوَرديُّ.
قالَ في «البَحرِ»: وشَرطُ جَوازِ الرَّميِ أنْ يَقصِدَ بذلك التَّوصُّلَ إلى رِجالِهم.
(وإنْ تتَرَّسوا بمُسلِمينَ) ولو واحِدًا أو ذِمِّيينَ كذلك (فإنْ لم تَدْعُ ضَرورةٌ إلى رَميِهم تَرَكْناهم) وُجوبًا صيانةً للمُسلِمينَ وأهلِ الذِّمةِ، وفارَقَ النِّساءَ والصِّبيانَ على المُعتمَدِ بأنَّ المُسلِمَ والذِّميَّ مَحقونا الدَّمِ لحُرمةِ الدِّينِ والعَهدِ فلم يَجزْ رَميُهم بلا ضَرورةٍ، والنِّساءَ والصِّبيانَ حُقنوا لحَقِّ الغانِمينَ فجازَ رَميُهم بلا ضَرورةٍ، (وإلا) بأنْ دَعَت ضَرورةٌ إلى رَميِهم بأنْ تتَرَّسوا بهم حالَ التِحامِ القِتالِ بحيثُ لو كَفَفْنا عنهم ظَفِروا بنا وكَثُرت نِكايَتُهم (جازَ رَميُهم) حينَئذٍ (في الأصَحِّ) المَنصوصِ، ونَقصِدُ بذلك قِتالَ المُشرِكينَ ونتَوقَّى المُسلِمينَ وأهلَ الذِّمةِ بحسَبِ الإمكانِ؛ لأنَّ مَفسَدةَ الإعراضِ أعظَمُ من مَفسَدةِ الإقدامِ، ويُحتمَلُ هَلاكُ طائِفةٍ للدَّفعِ عن بَيضةِ الإسلامِ ومُراعاةِ الأُمورِ الكُلِّيةِ.
стр. 12133
والثانِي: المَنعُ إذا لم يَتأتَّ رَميُ الكُفارِ إلا برَميِ مُسلمٍ أو ذِميٍّ، وكالذِّميِّ المُستأمَنُ (١).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀ في «الرَّوضةِ»: ولو تتَرَّسوا بالنِّساءِ والصِّبيانِ نُظِر إنْ دعَت ضَرورةٌ إلى الرَّميِ والضَّربِ بأنْ كانَ ذلك في حالِ التِحامِ القِتالِ ولو تُرِكوا لغَلَبوا المُسلِمينَ جازَ الرَّميُ والضَّربُ، وإنْ لم تَكنْ ضَرورةٌ بأنْ كانُوا يَدفَعونَ بهم عن أنفُسِهم واحتمَلَ الحالُ تَركَهم فطَريقانِ أصَحُّهما على قَولَينِ:
أحدُهما: يَجوزُ رَميُهم كما يَجوزُ نَصبُ المَنجَنيقِ على القَلعةِ وإنْ كانَ يُصيبُهم، ولئلَّا يَتخِذوا ذلك ذَريعةً إلى تَعطيلِ الجِهادِ.
والثانِي: المَنعُ، وهذا أصَحُّ عندَ القَفالِ، ومالَ إلى تَرجيحِ الأولِ مائِلونَ، والطَّريقُ الثانِي: القَطعُ بالجَوازِ ورَدُّ المَنعِ إلى الكَراهةِ، وقيلِ في الكَراهةِ على هذا قَولانِ، ولو تتَرَّسوا بهم في القَلعةِ فقيل: هذه الصُّورةُ أوْلى بالجَوازِ؛ لئلَّا يُتَّخَذ ذلك حيلةً لاستِبقاءِ القِلاعِ لهم، وفي ذلك فَسادٌ عَظيمٌ، وقيلَ قَولانِ، وإنْ عجَزنا عن القَلعةِ إلا به. قُلتُ (أي: النَّوويُّ): الراجِحُ في الصُّورتَينِ الجَوازُ، واللهُ أعلَمُ.
ولو كانَ في البَلدةِ أو القَلعةِ مُسلِمٌ أو أسيرٌ أو تاجِرٌ أو مُستأمَنٌ أو طائِفةٌ من هؤلاء، فهل يَجوزُ قَصدُ أهلِها بالنارِ والمَنجنيقِ وما في مَعناهما؟ فيه طُرُقٌ؛ المَذهبُ: أنَّه إنْ لم يَكنْ ضَرورةٌ كُرِه ولا يَحرُمُ على الأظهَرِ؛ لئلَّا
стр. 12134
يُعطِّلوا الجِهادَ بحَبسِ مُسلمٍ فيهم، وإنْ كانَت هناك ضَرورةٌ، كخَوفِ ضَرَرِهم، أو لم يَصِلْ فَتحُ القَلعةِ إلا به جازَ قَطعًا.
والطَّريقُ الثانِي: لا اعتبارَ بالضَّرورةِ بل إنْ كانَ ما يُرمى به يُهلِكُ المُسلِمَ لم يَجزْ، وإلا فقَولانِ.
والثالِثُ: وبه أجابَ صاحِبُ «الشامِلِ» إنْ كانَ عَددُ المُسلِمينَ -الذين فيهم- مِثلَ عَددِ المُشرِكينَ لم يَجزْ رَميُهم، وإنْ كانَ أقَلَّ جازَ؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّه لا يُصيبُ المُسلِمينَ، والمَذهبُ الجَوازُ، وإنْ علِمَ أنَّه يُصيبُ مُسلمًا وهو نَصُّه في «المُختصَرِ»؛ لأنَّ حُرمةَ من مَعنا أعظَمُ حُرمةً ممَّن في أيديهم؛ فإنْ هلَك منهم هالِكٌ فقد رُزِق الشَّهادةَ، قالَه أبو إسحاقَ.
فَرعٌ: لو تتَرَّس الكُفارُ بمُسلِمينَ من الأُسارى وغيرِهم نُظِر إنْ لم تَدْعُ إلى رَميِهم ضَرورةٌ واحتمَلَ الحالُ الإعراضَ عنهم لم يَجزْ رَميُهم؛ فإنْ رَمى رامٍ فقتَلَ مُسلمًا قالَ البَغَويُّ: هو كما لو قتَلَ مُسلمًا في دارِ الحَربِ إنْ عَلِمه مُسلمًا لزِمَه القِصاصُ، وإنْ ظَنَّه كافرًا فلا قِصاصَ وتَجِبُ الكَفارةُ، وفي الدِّيةِ قَولانِ، وإنْ دعَت ضَرورةٌ إلى رَميِهم بأنْ تتَرَّسوا بهم في حالِ التِحامِ القِتالِ وكانُوا بحيثُ لو كَفَفْنا عنهم ظَفِروا بنا وكَثُرت نِكايَتُهم فوَجهانِ:
أحدُهما: لا يَجوزُ الرَّميُ إذا لم يُمكِنْ ضَربُ الكُفارِ إلا بضَربِ مُسلمٍ؛ لأنَّ غايتَه أنْ نَخافَ على أنفُسِنا، ودَمُ المُسلِمِ لا يُباحُ بالخَوفِ بدَليلِ صُورةِ الإكراهِ.
стр. 12135
والثانِي: وهو الصَّحيحُ المَنصوصُ وبه قطَع العِراقيُّونَ: جَوازُ الرَّميِ على قَصدِ قِتالِ المُشرِكينَ ويَتوقَّى الرامي المُسلِمينَ بحسَبِ الإمكانِ؛ لأنَّ مَفسدةَ الإعراضِ أكثَرُ من مَفسدةِ الإقدامِ، ولا يَبعدُ احتِمالُ طائِفةٍ للدَّفعِ عن بَيضةِ الإسلامِ مُراعاةً للأُمورِ الكُلِّيَّاتِ.
فإنْ جَوَّزنا الرَّميَ فرَمى وقتَلَ مُسلمًا فلا قِصاصَ فتَجِبُ الكَفارةُ، وفي الدِّيةِ طُرقٌ، أصَحُّها وظاهِرُ النَّصِّ وبه قالَ المُزَنيُّ وابنُ سَلمةَ: إنْ علِمَ أنَّ المَرميَّ مُسلِمٌ وجَبَت وإلا فلا.
والثانِي: قالَه أبو إسحاقَ: إنْ قصَده بعَينِه وجَبَت سَواءٌ علِمه مُسلمًا أو لا، وإلا فلا.
والثالِثُ: قَولانِ مُطلَقًا، والرابِعُ: قالَه ابنُ الوَكيلِ: إن علِمَ أنَّ هناك مُسلمًا وجَبَت، وإلَّا فقَولانِ.
وإنْ لم نُجوِّزِ الرَّميَ فرَمى وقتَلَ ففي وُجوبِ القِصاصِ طَريقانِ: أحدُهما: قَولانِ كالمُكرَهِ، والثانِي: يَجبُ قَطعًا كالمُضطَرِّ إذا قتَلَ رَجلًا ليأكُلَه بخِلافِ المُكرَهِ؛ فإنَّه مُلجَأٌ، ولأنَّ هناك مَنْ يُحالُ عليه وهو المُكرَهُ (١).
وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّه إذا تتَرَّس المُشرِكونَ بالمُسلِمينَ جازَ لبَقيةِ المُسلِمينَ الرَّميُ ويَقصِدون المُشرِكينَ، ثم اختَلفُوا فيما إذا أصابَ أحَدُهم مُسلمًا في الحالِ.
стр. 12136
فقالَ مالِكٌ وأبو حَنيفةَ: لا تَلزَمُه دِيةٌ ولا كَفارةٌ.
وقالَ الشافِعيُّ قَولانِ: أحدُهما: تَلزَمُه الكَفارةُ بلا دِيةٍ، والآخَرُ: الدِّيةُ والكَفارةُ معًا، وفي تَفصيلِ هذَينِ القَولَينِ بينَ أصحابِه خِلافٌ طَويلٌ.
وعن أحمدَ رِوايَتانِ كذلك، أظهَرُهما: أنَّ الكَفارةَ لازِمةٌ له خاصةً (١).
فعِلةُ تَقييدِ رَميِ التُّرسِ بالضَّرورةِ عندَ المالِكيةِ -كما يَقولُ الدَّرديرُ-، وعندَ الشافِعيةِ -كما يَقولُ الخَطيبُ الشِّربينيُّ- هي المُحافَظةُ على غَنيمةِ المُسلِمينَ من التَّلفِ لكَونِهم يَصيرونَ مالًا للمُسلِمينَ بالسَّبيِ.
стр. 12137
فصل في أحكامِ الأسرَى
قَتلُ الأسيرِ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على جَوازِ قَتلِ الأسيرِ للأخبارِ المُتواتِرةِ مِنْ فِعلِه ﷺ في ذلك.
قالَ الإمامُ أبو بَكرٍ الجَصاصُ ﵀: اتَّفقَ فُقهاءُ الأمصارِ على جَوازِ قَتلِ الأسيرِ لا نَعلَمُ بينَهم خِلافًا فيه، وقد تَواتَرت الأخبارُ عن النَّبيِّ ﷺ في قَتلِه الأسيرَ، منها: قَتلُه عُقبةَ بنَ أبي مُعَيطٍ والنَّضرَ بنَ الحارِثِ بعدَ الأسْرِ يَومَ بَدرٍ، وقتَلَ ﷺ يَومَ أُحُدٍ أبا عَزةَ الشاعِرَ بعدَما أُسِر، وقتَلَ بَني قُريظةَ بعدَ نُزولِهم على حُكمِ سَعدِ بنِ مُعاذٍ، فحكَمَ فيهم بالقَتلِ وسَبيِ الذُّرِّيةِ، ومَنَّ على الزُّبَيرِ بنِ باطا من بينِهم، وفتَحَ خَيبَرَ بَعضَها صُلحًا وبَعضَها عَنوةً، وشرَط على ابنِ أبي الحَقيقِ ألَّا يَكتُمَ شَيئًا، فلمَّا ظهَرَ على خيانَتِه وكِتمانِه قتَله، وفتَحَ مَكةَ وأمَرَ بقَتلِ هِلالِ بنِ خَطَلٍ ومَقيسِ بنِ صُبابةَ وعبدِ اللهِ بنِ سَعدِ بنِ أبي سَرحٍ وآخَرينَ، وقالَ: «اقتُلوهم وإن وجَدتُموهم مُتعَلِّقينَ بأستارِ الكَعبةِ» (١). ومَنَّ على أهلِ مَكةَ ولم يَغنَمْ أموالَهم.
стр. 12138
ورُوي عن صالِحِ بنِ كَيسانَ عن مُحمدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ عن أبيه عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ أنَّه سمِعَ أبا بَكرٍ الصِّديقَ يَقولُ: «وَدِدتُ أنِّي يَومَ أتَيتُ بالفُجاءةِ لم أكُنْ أحرَقتُه، وكُنتُ قتَلتُه سَريحًا، أو أطلَقتُه نَجيحًا»، وعن أبي موسى أنَّه قتَلَ دِهقانَ السوسِ بعدَما أعطاه الأمانَ على قَومٍ سَمَّاهم ونَسيَ نَفسَه فلم يُدخِلْها في الأمانِ، فقتَلَه، فهذه آثارٌ مُتواتِرةٌ عن النَّبيِّ ﷺ وعن الصَّحابةِ في جَوازِ قَتلِ الأسيرِ وفي استِبقائِه، واتَّفقَ فُقهاءُ الأمصارِ على ذلك (١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: أمَّا قَتلُ الأسيرِ واستِرقاقُه فلا أعلَمُ فيه خِلافًا (٢).
إلا أنَّ العُلماءَ قد اختَلفُوا في الأسيرِ هل يَجوزُ المَنُّ عليه وفِداؤُه أو لا يَجوزُ إلا قَتلُه أو استِرقاقُه؟
فذهَبَ جُمهورُ العُلماءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الإمامَ مُخيَّرٌ في الأسرى بحسَبِ الاجتِهادِ في مَصالحِ المُسلِمينَ، إمَّا بالقَتلِ وإمَّا بالمَنِّ وإمَّا بالفِداءِ بحسَبِ ما يُرى في الأسرى من مَصلَحةِ المُسلِمينَ.
والمَنُّ: هو إطلاقُ سَراحِهم دونَ مُقابِلٍ.
والفِداءُ: قد يَكونُ بالمالِ، وقد يَكونُ بأسرى من المُسلِمينَ.
стр. 12139
واستَدلَّ الجُمهورُ على جَوازِ المَنِّ والفِداءِ أو القَتلِ بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤)﴾ [محمد: ٤].
وأنَّ النَّبيَّ ﷺ مَنَّ على ثُمامةَ بنِ أُثالٍ وأبي عَزةَ الشاعِرِ وأبي العاصِ بنِ الرَّبيعِ، وقالَ في أسرى بَدرٍ: «لو كانَ المُطعِمُ بنُ عَديٍّ حَيًّا ثم كلَّمنِي في هؤلاء النَّتْنى لترَكتُهم له» (١). ففي هذا الحَديثِ حُجةٌ في جَوازِ المَنِّ على الأسرى وإطلاقِهم بغيرِ فِداءٍ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لا يَجوزُ في صِفتِه أنْ يُخبِرَ عن شَيءٍ لو وقَعَ لفَعلَه وهو غيرُ جائِزٍ.
وأمَّا فِداؤُه ﷺ فقد فادَى أُسارى بَدرٍ، وكانُوا ثَلاثةً وسَبعينَ رَجلًا، كلُّ رَجلٍ منهم بأربَعِمئةٍ، وفادَى يَومَ بَدرٍ رَجلًا برَجلَينِ، وصاحِبَ العَضباءِ برَجلَينِ.
وأمَّا القَتلُ؛ فلأنَّ النَّبيَّ ﷺ قتَلَ رِجالَ بَني قُريظةَ، وهُم بينَ السِّتِّمئةِ والسَّبعِمئةِ، وقتَلَ يَومَ بَدرٍ النَّضرَ بنَ الحارِثِ، وعُقبةَ بنَ أبي مُعَيطٍ صَبرًا، وقتَلَ أبا عَزةَ يَومَ أُحدٍ، وهذه قِصصٌ عَمَّت واشتُهِرت، وفعَلَها النَّبيُّ ﷺ مَرَّاتٍ، وهو دَليلٌ على جَوازِها.
ولأنَّ كلَّ خَصلةٍ من هذه الخِصالِ قد تَكونُ أصلَحَ في بعضِ الأسرى؛ فإنَّ منهم مَنْ له قُوةٌ ونِكايةٌ في المُسلِمينَ، ويَكونُ بَقاؤُه ضَرَرًا عليهم، فقَتلُه
стр. 12140
أصلَحُ، ومنهم الضَّعيفُ الذي له مالٌ كَثيرٌ ففِداؤُه أصلَحُ، ومنهم حَسنُ الرأيِ في المُسلِمينَ يُرجَى إسلامُه بالمَنِّ عليه أو مَعونَتِه للمُسلِمينَ بتَخليصِ أسراهُم والدَّفعِ عنهم، فالمَنُّ عليه أصلَحُ، ومنهم مَنْ يُنتفَعُ بخِدمَتِه ويُؤمَنُ شَرُّه فاستِرقاقُه أصلَحُ كالنِّساءِ والصِّبيانِ، والإمامُ أعلَمُ بالمَصلَحةِ فيَنبَغي أنْ يُفوَّضَ ذلك إليه (١).
وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: فَصلٌ في هَديِه ﷺ في الأُسارى:
كانَ يَمنُّ على بَعضِهم ويَقتلُ بَعضَهم ويُفادِي بَعضَهم بالمالِ وبَعضَهم بأسرى المُسلِمينَ، وقد فعَلَ ذلك كلَّه بحسَبِ المَصلَحةِ، ففادَى أُسارى بَدرٍ بمالٍ، وقالَ: «لو كانَ المُطعِمُ بنُ عَديٍّ حَيًّا ثم كَلَّمني في هؤلاء النَّتْنى لترَكتُهم له» (٢). وهبَطَ عليه في صُلحِ الحُدَيبيةِ ثَمانونَ مُتسلِّحونَ يُريدونَ غِرتَه فأسَرَهم ثم مَنَّ عليهم.
وأُسِر ثُمامةُ بنُ أُثالٍ سيِّدُ بَني حَنيفةَ، فربَطه بسارِيةِ المَسجِدِ ثم أطلَقَه فأسلَم (٣).
قالَ الإمامُ الأزديُّ المالِكيُّ والماوَرديُّ الشافِعيُّ: والدَّليلُ على جَوازِ المَنِّ والفِداءِ، قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤].
стр. 12141
قالَ مُجاهِدٌ: حتى لا يَبقَى في الأرضِ دِينٌ غيرُ الإسلامِ، فكانَ المَنُّ أو الفِداءُ صَريحًا في هذه الآيةِ، وليسَ لهم نَسخُ ذلك بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] لأمرَينِ:
أحدُهما: أنَّه إذا أمكَن استِعمالُ الآيتَيْن لم يَجزْ أنْ تَنسَخَ إحداهُما الأُخرى، واستِعمالُهما مُمكِنٌ في جَوازِ الكُلِّ، ويُعتبَرُ كلُّ واحِدٍ منهما باجتِهادِ الإمامِ ورأيِه.
والثانِي: أنَّ الأمرَ بالقَتلِ على وَجهِ الإباحةِ دونَ الوُجوبِ، وإباحَتُه لا تَمنَعُ من العُدولِ عنه إلى غيرِه، ويَدلُّ على جَوازِ المَنِّ خاصةً أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ في أسرى بَدرٍ: «لو كانَ المُطعِمُ بنُ عَديٍّ حَيًّا ثم كَلَّمني في هؤلاء النَّتْنى لترَكتُهم له» (١).
ويُعضِّدُ هذا ما ثبَتَ من قَتلِ النَّبيِّ ﷺ عُقبةَ بنَ أبي مُعَيطٍ والنَّضرَ بنَ الحارِثِ من جُملةِ أسرى بَدرٍ، واستحياءِ آخَرينَ، ومن قَتْلِ بَني قُريظةَ، وقد مَنَّ على أهلِ خَيبَرَ فلم يَقتُلْهم، افتتَحَها عَنوةً فقَسَّم أرضَها، ومَنَّ على رِجالِهم فترَكهم عُمَّالًا في الأرضِ والنَّخلِ على الشَّطْرِ، حتى أخرَجَهم عُمرُ حينَ استَغنى عنهم.
«وفدَى النَّبيُّ ﷺ رَجلَينِ مِنْ المُسلِمينَ برَجلٍ مِنْ المُشرِكينَ من بَني عُقَيلٍ» (٢). فدلَّ ذلك كلُّه على جَوازِ القَتلِ والمَنِّ والفِداءِ،
стр. 12142
وكلُّ ذلك بَيانُ ما تضَمَّنه القُرآنُ، فيَكونُ على هذا جَميعُ الآياتِ مُحكَمةً.
أمَّا آيةُ السَّيفِ في «بَرَاءَةٌ» وكلُّ آيةٍ في مِثلِ مَعناها، فتُحمَلُ على نَسخِ المُوادَعةِ وإيجابِ القَتلِ والقِتالِ حالَ مُمانَعةِ العَدوِّ، وهذا الوَجهُ أرجَحُ الأقوالِ؛ لأنَّ اعتِقادَ النَّسخِ لا يَحسُنُ إلا حيثُ يَقومُ عليه الدَّليلُ بالتَّوقيفِ ونَحوِه، أو حيثُ لا يُمكِنُ الجَمعُ ألبَتةَ ويُعلَمُ المُتأخِّرُ مع ذلك، فيَكونُ هو الناسِخَ كما تَقدَّمَ ذِكرُه، فإذا تَقرَّر ذلك فالأسرى يَجوزُ فيهم للإمامِ القَتلُ والمَنُّ والفِداءُ، وكذلك الاستِرقاقُ (١).
وأمَّا الحَنفيةُ فقالَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: يَجوزُ مُفاداةُ الأسرى بأسرى المُسلِمينَ؛ لأنَّ في عَودِ المُسلِمينَ إلينا عَونًا لنا، ولأنَّ تَخليصَ المُسلِمِ أوْلى مِنْ قَتلِ الكُفارِ، وقد قالَ تَعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤].
وأمَّا المَنُّ فقالَا عنه: لا يَجوزُ إطلاقُهم مَجانًا ولو بعدَ إسلامِهم لتَعلُّقِ حَقِّ الغانِمينَ.
وقالَ أبو حَنيفةَ ﵀: لا يَجوزُ المَنُّ ولا الفِداءُ، ويَتعيَّنُ إمَّا قَتلُ الأسيرِ أو استِرقاقُه؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
فعُمومُ هذا يَقتَضي القَتلَ في كلِّ مُشرِكٍ قبلَ الأسرِ وبعدَه، إلَّا أنْ يُخصِّصَه دَليلٌ، وأنَّ قَتْلَه عندَ التَّمكُّنِ منه فَرضٌ مُحكَمٌ، وفي المُفاداةِ
стр. 12143
تَركُ إقامةِ هذا الفَرضِ، وسُورةُ «بَرَاءَةٌ» من آخِرِ ما نزَلَ فكانَت هذه الآيةُ قاضيةً على قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] على ما فعَلَه رَسولُ اللهِ ﷺ من مُفاداةِ الأسرى يَومَ بَدرٍ.
وكذلك قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] فيَجبُ قَتلُهم، وذلك يَمنعُ رَدَّهم، ولأنَّ في قَتلِهم حَسمَ مادةِ الفَسادِ الكائِنِ منهم بالكُلِّيةِ، ولأنَّ الكافِرَ يَصيرُ حَربًا علينا، ولأنَّ دَفعَ شَرِّ حِرابِهم خَيرٌ من تَخليصِ المُسلِمِ منهم؛ لأنَّ كَونَ المُسلِمِ في أيديهم ابتِلاءٌ من اللهِ تَعالى غيرُ مُضافٍ إلينا، ولأنَّ إعانَتَهم بدَفعِ الأسيرِ إليهم مُضافةٌ إلينا، وإنْ شاءَ استَرَقَّهم؛ لأنَّ فيه دَفعَ شَرِّهم مع وُفورِ المَصلَحةِ لأهلِ الإسلامِ.
والمُعتمَدُ عندَ الحَنفيةِ أنَّه إذا أسَرَ عَسكَرُ المُسلِمينَ كُفارًا لا يُفادُون أُسارى المُسلِمينَ بأُسارى المُشرِكينَ لا بمالٍ ولا بغيرِ مالٍ؛ لأنَّ فيه تَقويةَ الكُفارِ علينا، ولأنَّ دَفعَ شَرِّ حَربِه خَيرٌ من استِنقاذِ أسيرِنا.
ولا يَجوزُ المَنُّ عليهم بأنْ يُطلِقَهم مَجانًا من غيرِ خَراجٍ ولا جِزيةٍ؛ لأنَّه بالأسرِ ثبَتَ حقُّ الاستِرقاقِ فيه، فلا يَجوزُ إسقاطُه بغيرِ مَنفَعةٍ وعِوَضٍ.
وقالُوا: الإمامُ في الأُسارى بالخِيارِ بينَ ثَلاثةِ أُمورٍ:
١ - إنْ شاءَ قتَلهم: إلَّا أنْ يُسلِموا؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، فعُمومُ هذا يَقتَضي القَتلَ في كلِّ مُشرِكٍ قبلَ الأسرِ وبعدَه إلَّا أنْ يُخصِّصَه دَليلٌ، وقَتلُه عندَ التَّمكُّنِ منه فَرضٌ مُحكَمٌ، وفي المُفاداةِ تَركُ إقامةِ هذا الفَرضِ.
стр. 12144
وكذلك قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] فيَجبُ قَتلُهم.
وذلك يَمنعُ رَدَّهم، ولأنَّ في قَتلِهم حَسمَ مادةِ الفَسادِ الكائِنِ منهم بالكُلِّيةِ إذا رَأى الإمامُ ذلك لمَا يُخافُ مِنْ غَدرِهم بالمُسلِمينَ، ولأنَّ الكافرَ يَصيرُ حَربًا علينا، ولأنَّ دَفعَ شَرِّ حِرابِهم خَيرٌ من تَخليصِ المُسلِم منهم؛ لأنَّ كَونَ المُسلِمِ في أيديهم ابتِلاءٌ من اللهِ تَعالى غيرُ مُضافٍ إلينا، ولأنَّ إعانَتَهم بدَفعِ الأسيرِ إليهم مُضافةٌ إلينا.
٢ - وإنْ شاءَ استَرقَّهم: سَواءٌ أسلَموا أو لم يُسلِموا إذا كانُوا ممَّن يَجوزُ استِرقاقُهم بأنْ لم يَكونوا من العَربِ؛ لأنَّ فيه دَفعَ شَرِّهم مع وُفورِ المَصلَحةِ لأهلِ الإسلامِ.
وأيُّ رَجلٍ من المُسلِمينَ قتَلَ أسيرًا في دارِ الإسلامِ أو في دارِ الحَربِ قبلَ أنْ يُقسَّموا وقبلَ أنْ يُسلَّموا فلا شَيءَ عليه من دِيةٍ ولا قيمةٍ ولا كَفارةٍ؛ لأنَّهم على أصلِ الإباحةِ؛ فإنْ قسَّمَهم الإمامُ أو باعَهم حَرُمت دِماؤُهم؛ فإنْ قتَلهم قاتِلٌ غُرِّم قيمَتَهم ووجَبَت عليه الكَفارةُ إذا قتَلَهم خَطَأً؛ لأنَّ القِسمةَ والبَيعَ تَقريرٌ للرِّقِّ فيهم، وإسقاطٌ لحُكمِ القَتلِ عنهم، فصارَ القاتِلُ جانِيًا كمَن قتَلَ عبدَ غيرِه، ولا يَجبُ عليه القَوَدُ؛ لأنَّ الإباحةَ التي كانَت هي في الأصلِ شُبهةً، والقِصاصُ يَسقُطُ بالشُّبهةِ.
فإنْ أسلَمَ الأسيرُ قبلَ أنْ يُقسَمَ حرُمَ دَمُه وقُسِّمَ في الغَنيمةِ؛ لأنَّ القَتلَ عُقوبةٌ على الكُفرِ، فيَرتفِعُ بالإسلامِ، وأمَّا القِسمةُ فلأنَّ الإسلامَ لا يُنافي الاستِرقاقَ.
стр. 12145
٣ - وإنْ شاءَ تَرَكهم أحرارًا ذِمةً للمُسلِمينَ: إلا مُشرِكي العَربِ والمُرتَدِّينَ؛ فإنَّه لا يَترُكهم وإنَّما لهم الإسلامُ أو السَّيفُ.
ولا يَجوزُ أنْ يرُدَّهم إلى دارِ الحَربِ؛ لأنَّ في ذلك تَقويةً لهم على المُسلِمينَ؛ فإنْ أسلَموا لا يَقتُلُهم، وله أنْ يَسترِقَّهم تَوفيرًا للمَنفَعةِ بعدَ انعِقادِ السَّببِ، وهو الأخذُ بخِلافِ إسلامِهم قبلَ الأخذِ؛ لأنَّه لم يَنعقِدِ السَّببُ.
وإذا أراد الإمامُ العَودَ إلى دارِ الإسلامِ ومعه مَواشٍ فلم يَقدِرْ على نَقلِها إلى دارِ الإسلامِ ذبَحها وحرَقها؛ لأنَّ ذَبحَ الحَيوانِ يَجوزُ لغَرضٍ صَحيحٍ ولا غَرضَ أصَحُّ من كَسرِ شَوكةِ أعداءِ اللهِ ، وأمَّا تَحريقُها بعدَ الذَّبحِ فلقَطعِ مَنفعةِ الكُفارِ بلُحومِها وجُلودِها ولا يَجوزُ تَحريقُها قَبلَ الذَّبحِ لما فيه مِنْ تَعذيبِ الحَيَوانِ، ولا يَعقِرُها؛ لأنَّه مُثْلةٌ.
ولا يَعقِرُها ولا يَترُكُها مَعقورةً ولا يَترُكُها ابتِداءً بدونِ العَقرِ.
وما كانَ من سِلاحٍ يُمكِنُ تَحريقُه حرَقه، وإنْ كانَ لا يُمكِنُ تَحريقُه كالحَديدِ؛ فإنَّه يَدفِنُه في مَوضِعٍ بحيثُ لا يَجدُه أهلُ الحَربِ، وكذلك يَكسِرُ آنيَتَهم وأثاثَهم بحيثُ لا يَنتفِعون بها، ويُراقُ جَميعُ أدنانِهم وجَميعُ المائِعاتِ مُغايَظةً لهم.
وأمَّا السَّبيُ إذا لم يَقدِروا على نَقلِهم؛ فإنَّه يُقتَل الرِّجالُ إذا لم يُسلِموا، ويُترَكُ النِّساءُ والصِّبيانُ والشُّيوخُ في أرضٍ مُضيِّعةٍ ليَهلِكوا جُوعًا وعَطشًا، وكذا إذا وجَدَ المُسلِمونَ حَيةً أو عَقربًا في دارِ الحَربِ فإنَّهم يَقطَعون ذنَب
стр. 12146
العَقربِ ويَكسِرون أنيابَ الحَيةِ ولا يَقتُلونهما؛ قَطعًا لضَرَرِهما عن المُسلِمينَ ما داموا في دارِ الحَربِ وإبقاءً لنَسلِهما (١).
حُكمُ فِداءِ الأسيرِ بالمالِ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ ومُحمدُ بنُ الحَسنِ من الحَنفيةِ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى جَوازِ فِداءِ أسرى الحَربيِّينَ الذين يَثبُتُ الخيارُ للإمامِ فيهم بالمالِ، غيرَ أنَّ المالِكيةَ يُجيزونَه بمالٍ أكثَرَ من قيمةِ الأسيرِ، وعن مُحمدِ بنِ الحَسنِ -كما نقَلَ السَّرخسيُّ عن «السِّيَرِ الكَبيرِ» - تَقييدُ ذلك بحاجةِ المُسلِمينَ للمالِ، وقيَّد الكاسانِيُّ هذا بما إذا كانَ الأسيرُ شَيخًا كَبيرًا لا يُرجى له وَلَدٌ، وأجازَه الشافِعيةُ بالمالِ دونَ قَيدٍ، ولو لم تَكنْ ثَمةَ حاجةٌ للمالِ، ونَصُّوا على أنَّه للإمامِ أنْ يَفديَ الأسرى
стр. 12147
بالمالِ يَأخُذُه منهم، سَواءٌ أكانَ من مالِهم أو من مالِنا الذي في أيديهم، وأنْ نَفديَهم بأسلِحَتِنا التي في أيديهم، أمَّا أسلحَتُهم التي بأيدينا ففي جَوازِ مُفاداةِ أسرانا بها وَجهانِ: أوجَهُهما عندَهم الجَوازُ.
واستدَلُّوا على ذلك بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]، وبفِعلِ الرَّسولِ ﷺ ، فقد فادَى أُسارى بَدرٍ بالمالِ وكانُوا سَبعينَ رَجلًا، كلُّ رَجلٍ منهم بأربَعِمئةِ دِرهمٍ (١)، وأدْنى دَرجاتِ فِعلِه الجَوازُ والإباحةُ.
ولأنَّ الفِداءَ بغيرِ مالٍ لا مَصلَحةَ فيه، وإنَّما يَجوزُ للإمامِ فِعلُ ما فيه المَصلَحةُ.
وذهَبَ الحَنفيةُ -في غيرِ ما رُوي عن مُحمدٍ- وأحمدُ في رِوايةٍ إلى عَدمِ جَوازِ الفِداءِ بمالٍ؛ لأنَّ قَتلَ الأُسارى مَأمورٌ به؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ [الأنفال: ١٢].
وأنَّه مُنصرِفٌ إلى ما بعدَ الأخذِ والاستِرقاقِ، ولِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] والأمرُ بالقَتلِ للتَّوسُّلِ إلى الإسلامِ، فلا يَجوزُ تَركُه إلا لما شُرعَ له القَتلُ، وهو أنْ يَكونَ وَسيلةً إلى الإسلامِ، ولا يَحصُلُ مَعنى التَّوسُّلِ بالمُفاداةِ بالمالِ، كما أنَّ في ذلك إعانةً
стр. 12148
لأهلِ الحَربِ؛ لأنَّهم يَرجِعون إلى المَنَعةِ فيَصيرونَ حَربًا علينا، وقَتلُ المُشرِكِ عندَ التَّمكُّنِ منه فَرضٌ مُحكَمٌ، وفي المُفاداةِ تَركُ إقامةِ هذا الفَرضِ، ولأنَّه صارَ بالأسرِ من أهلِ دارِنا، فلا يَجوزُ إعادَتُه لدارِ الحَربِ ليَكونَ حَربًا علينا، وفي هذا مَعصيةٌ، وارتِكابُ المَعصيةِ لمَنفَعةِ المالِ لا يَجوزُ، ولو أعطَوْنا مالًا لتَركِ الصَّلاةِ لا يَجوزُ لنا أنْ نَفعلَ ذلك مع الحاجةِ، فكذا لا يَجوزُ تَركُ قَتلِ المُشرِكِ بالمُفاداةِ (١).
يَكونُ نَظرُ الإمامِ في الأسرى بحسَبِ الاجتِهادِ والمَصلَحةِ لأهلِ الإسلامِ:
إذا ثبَتَ أنَّ الإمامَ مُخيَّرٌ في هذه الأُمورِ: (القَتلِ، والمُفاداةِ، والمَنِّ، والاستِرقاقِ)؛ فإنَّ هذا لا يَكونُ وَفقَ الهَوى والتَّشهِّي، بل لا بدَّ من مُراعاةِ الأصلَحِ والأنفَعِ للمُسلِمينَ، فمتى رأى مَصلَحةً في خَصلةٍ لزِمَه فِعلُها؛ لأنَّه يَتصرَّفُ لهم على سَبيلِ النَّظرِ لهم، فلم يَجزْ تَركُ ما فيه الأصلَحُ كوَليِّ اليَتيمِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنَّ هذا تَخييرُ مَصلَحةٍ واجتِهادٍ ليسَ تَخييرَ شَهوةٍ، فمَتى رأى المَصلَحةَ في خَصلةٍ من هذه الخِصالِ تَعيَّنت عليه، ولم يَجزِ العُدولُ عنها، ومتى تَردَّدَ فيها فالقَتلُ أوْلى (٢).
وقالَ الإمامُ المُجاهِدُ أبو عبدِ اللهِ مُحمدُ بنُ عيسى بنِ مُحمدِ بنِ أصبَغَ الأزديُّ القُرطبيُّ المَعروفُ بابنِ المُناصِفِ ﵀: يَكونُ نَظرُ الإمامِ في الأسرى بحسَبِ الاجتِهادِ والمَصلَحةِ لأهلِ الإسلامِ، فمَن خُشِيت
стр. 12149
شَجاعَتُه منهم وإقدامُه أو رأيُه وتَدبيرُه وما أشبَهَ ذلك من الوُجوهِ التي تَعودُ بتَقويةِ بَأسِ العَدوِّ على المُسلِمينَ في بَقائِه كانَ الأوْلى قَتْلُه، إلا أنْ يَعرِضَ هناك ما يَمنعُ، وتَكونَ مُراعاتُه أهَمَّ، مِثلَ أنْ يَكونَ في بِلادِ الكُفرِ أسيرٌ من المُسلِمينَ لا يُستَطاعُ إخراجُه إلا بالمُفاداةِ بهذا، وما أشبَهَ ذلك من وُجوهِ النَّظرِ في الحالِ، وذلك غيرُ مُنحصِرٍ، بل هو بحسَبِ ما يَرى الحاضِرُ والمُجتهِدُ، ومَن لم يَكنْ من الأسرَى على هذه الصِّفةِ، وكانَ في المُفاداةِ به مَصلَحةٌ وتَقويةٌ للمُسلِمينَ بالمالِ، وما أشبَهَ ذلك مما لا يَنحَصِرُ -أيضًا- مِنْ وُجوهِ النَّظَرِ، فالأوْلَى المُفاداةُ، ومَن يُرجى إسلامُه بَعدُ أو الانتِفاعُ به في استِمالةِ أهلِ الكُفرِ أو كَسرِ شَوكَتِهم.
وما في مَعنى ذلك إذا رُدَّ وأُنعِم عليه، فالأوْلى المَنُّ، ومَن كانَ صانِعًا أو عَسيفًا يُنتفَعُ بمِثلِه في الخِدمِة، ولم يَعرِضْ فيه وَجهٌ من الوُجوهِ المُتقدِّمةِ استُرِقَّ هؤلاء أو ضُرِبت عليهم الجِزيةُ، إنْ كانُوا من أهلِها على حسَبِ ما يَظهَرُ من ذلك، وبالجُملةِ فالنَّظرُ في هذه الوُجوهِ لمَصالحِ المُسلِمينَ بحسَبِ الحالِ أوسَعُ من هذا، وإنَّما نَبَّهنا على أُنمُوذَجٍ من طَريقِ النَّظرِ، لا أنَّ ذلك واجِبٌ بعَينِه، إلا أنَّه لا يَنبَغي أنْ يَميلَ إلى واحِدٍ من هذه الوُجوهِ إلا لمَصلَحةٍ في حَقِّ المُسلِمينَ، يَغلِبُ على نَظرِه واجتِهادِه أنَّها أوْلى، فأمَّا القَتلُ، فما دامَ الإمامُ مُرتَئيًا لم يَعزمْ على واحِدةٍ ممَّا سِواه ساغَ له القَتلُ، ولو بعدَ مُدةٍ … واللهُ أعلَمُ (١).
стр. 12150
وقالَ الشافِعيةُ: ويَجتَهِدُ الإمامُ أو أميرُ الجَيشِ في أسرى الكُفارِ الأصليِّين الأحرارِ الكامِلين وهُم الذُّكورُ البالِغون العاقِلون ويَفعَلُ فيهم وُجوبًا بعدَ أسرِهم الأحَظَّ للإسلامِ ولِلمُسلِمينَ من أربَعِ خِصالٍ من قَتلٍ بضَربِ رَقَبةٍ لا بتَحريقٍ وتَغريقٍ ومَنٍّ عليهم بتَخليةِ سَبيلِهم وفِداءٍ بأسرى مُسلِمينَ رِجالٍ أو غيرِهم أو أهلِ ذِمةٍ أو مالٍ يُؤخَذُ منهم، سَواءٌ أكانَ من مالِهم أو مِنْ مالِنا في أيديهم، واستِرقاقٍ للأتْباعِ في الأربَعِ، وقالَ تَعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] وقالَ تَعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] وقالَ تَعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد: ٤] أي: بالاستِرقاقِ.
فإنْ خَفيَ على الإمامِ الأحَظُّ السابِقُ حبَسهم حتى يَظهرَ له؛ لأنَّه راجِعٌ إلى الاجتِهادِ لا إلى التَّشهِّي فيُؤخَّرُ لظُهورِ الصَّوابِ (١).
رُجوعُ الإمامِ في اختيارِه:
قالَ ابنُ حَجرٍ الهَيتَميُّ الشَّافِعيُّ ﵀: لم يَتعَرَّضوا فيما عَلِمتُ إلى أنَّ الإمامَ لو اختار خَصلةً فله الرُّجوعُ عنها أو لا، ولا إلى أنَّ اختيارَه هل يَتوقَفَ على لفظٍ أو لا، والذي يَظهَرَ لي في ذلك تَفصيلٌ لا بدَّ منه:
أمَّا الأولُ: فهو أنَّه لو اختارَ خَصلةً ظهَرَ له بالاجتِهادِ أنَّها الأحَظُّ، ثم ظهَرَ له به أنَّ الأحَظَّ غيرُه؛ فإنْ كانَت رِقًّا لم يَجزْ له الرُّجوعُ عنها مُطلَقًا؛ لأنَّ الغانِمينَ وأهلَ الخُمسِ ملَكوا بمُجَّردِ ضَربِه الرِّقَّ فلمْ يَملِكْ إِبطالَه عليه.