← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 12146–12185 · переход к 12151.

стр. 12146

العَقربِ ويَكسِرون أنيابَ الحَيةِ ولا يَقتُلونهما؛ قَطعًا لضَرَرِهما عن المُسلِمينَ ما داموا في دارِ الحَربِ وإبقاءً لنَسلِهما (١). حُكمُ فِداءِ الأسيرِ بالمالِ: ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ ومُحمدُ بنُ الحَسنِ من الحَنفيةِ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى جَوازِ فِداءِ أسرى الحَربيِّينَ الذين يَثبُتُ الخيارُ للإمامِ فيهم بالمالِ، غيرَ أنَّ المالِكيةَ يُجيزونَه بمالٍ أكثَرَ من قيمةِ الأسيرِ، وعن مُحمدِ بنِ الحَسنِ -كما نقَلَ السَّرخسيُّ عن «السِّيَرِ الكَبيرِ» - تَقييدُ ذلك بحاجةِ المُسلِمينَ للمالِ، وقيَّد الكاسانِيُّ هذا بما إذا كانَ الأسيرُ شَيخًا كَبيرًا لا يُرجى له وَلَدٌ، وأجازَه الشافِعيةُ بالمالِ دونَ قَيدٍ، ولو لم تَكنْ ثَمةَ حاجةٌ للمالِ، ونَصُّوا على أنَّه للإمامِ أنْ يَفديَ الأسرى

стр. 12147

بالمالِ يَأخُذُه منهم، سَواءٌ أكانَ من مالِهم أو من مالِنا الذي في أيديهم، وأنْ نَفديَهم بأسلِحَتِنا التي في أيديهم، أمَّا أسلحَتُهم التي بأيدينا ففي جَوازِ مُفاداةِ أسرانا بها وَجهانِ: أوجَهُهما عندَهم الجَوازُ. واستدَلُّوا على ذلك بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]، وبفِعلِ الرَّسولِ ﷺ ، فقد فادَى أُسارى بَدرٍ بالمالِ وكانُوا سَبعينَ رَجلًا، كلُّ رَجلٍ منهم بأربَعِمئةِ دِرهمٍ (١)، وأدْنى دَرجاتِ فِعلِه الجَوازُ والإباحةُ. ولأنَّ الفِداءَ بغيرِ مالٍ لا مَصلَحةَ فيه، وإنَّما يَجوزُ للإمامِ فِعلُ ما فيه المَصلَحةُ. وذهَبَ الحَنفيةُ -في غيرِ ما رُوي عن مُحمدٍ- وأحمدُ في رِوايةٍ إلى عَدمِ جَوازِ الفِداءِ بمالٍ؛ لأنَّ قَتلَ الأُسارى مَأمورٌ به؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ [الأنفال: ١٢]. وأنَّه مُنصرِفٌ إلى ما بعدَ الأخذِ والاستِرقاقِ، ولِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] والأمرُ بالقَتلِ للتَّوسُّلِ إلى الإسلامِ، فلا يَجوزُ تَركُه إلا لما شُرعَ له القَتلُ، وهو أنْ يَكونَ وَسيلةً إلى الإسلامِ، ولا يَحصُلُ مَعنى التَّوسُّلِ بالمُفاداةِ بالمالِ، كما أنَّ في ذلك إعانةً

стр. 12148

لأهلِ الحَربِ؛ لأنَّهم يَرجِعون إلى المَنَعةِ فيَصيرونَ حَربًا علينا، وقَتلُ المُشرِكِ عندَ التَّمكُّنِ منه فَرضٌ مُحكَمٌ، وفي المُفاداةِ تَركُ إقامةِ هذا الفَرضِ، ولأنَّه صارَ بالأسرِ من أهلِ دارِنا، فلا يَجوزُ إعادَتُه لدارِ الحَربِ ليَكونَ حَربًا علينا، وفي هذا مَعصيةٌ، وارتِكابُ المَعصيةِ لمَنفَعةِ المالِ لا يَجوزُ، ولو أعطَوْنا مالًا لتَركِ الصَّلاةِ لا يَجوزُ لنا أنْ نَفعلَ ذلك مع الحاجةِ، فكذا لا يَجوزُ تَركُ قَتلِ المُشرِكِ بالمُفاداةِ (١). يَكونُ نَظرُ الإمامِ في الأسرى بحسَبِ الاجتِهادِ والمَصلَحةِ لأهلِ الإسلامِ: إذا ثبَتَ أنَّ الإمامَ مُخيَّرٌ في هذه الأُمورِ: (القَتلِ، والمُفاداةِ، والمَنِّ، والاستِرقاقِ)؛ فإنَّ هذا لا يَكونُ وَفقَ الهَوى والتَّشهِّي، بل لا بدَّ من مُراعاةِ الأصلَحِ والأنفَعِ للمُسلِمينَ، فمتى رأى مَصلَحةً في خَصلةٍ لزِمَه فِعلُها؛ لأنَّه يَتصرَّفُ لهم على سَبيلِ النَّظرِ لهم، فلم يَجزْ تَركُ ما فيه الأصلَحُ كوَليِّ اليَتيمِ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنَّ هذا تَخييرُ مَصلَحةٍ واجتِهادٍ ليسَ تَخييرَ شَهوةٍ، فمَتى رأى المَصلَحةَ في خَصلةٍ من هذه الخِصالِ تَعيَّنت عليه، ولم يَجزِ العُدولُ عنها، ومتى تَردَّدَ فيها فالقَتلُ أوْلى (٢). وقالَ الإمامُ المُجاهِدُ أبو عبدِ اللهِ مُحمدُ بنُ عيسى بنِ مُحمدِ بنِ أصبَغَ الأزديُّ القُرطبيُّ المَعروفُ بابنِ المُناصِفِ ﵀: يَكونُ نَظرُ الإمامِ في الأسرى بحسَبِ الاجتِهادِ والمَصلَحةِ لأهلِ الإسلامِ، فمَن خُشِيت

стр. 12149

شَجاعَتُه منهم وإقدامُه أو رأيُه وتَدبيرُه وما أشبَهَ ذلك من الوُجوهِ التي تَعودُ بتَقويةِ بَأسِ العَدوِّ على المُسلِمينَ في بَقائِه كانَ الأوْلى قَتْلُه، إلا أنْ يَعرِضَ هناك ما يَمنعُ، وتَكونَ مُراعاتُه أهَمَّ، مِثلَ أنْ يَكونَ في بِلادِ الكُفرِ أسيرٌ من المُسلِمينَ لا يُستَطاعُ إخراجُه إلا بالمُفاداةِ بهذا، وما أشبَهَ ذلك من وُجوهِ النَّظرِ في الحالِ، وذلك غيرُ مُنحصِرٍ، بل هو بحسَبِ ما يَرى الحاضِرُ والمُجتهِدُ، ومَن لم يَكنْ من الأسرَى على هذه الصِّفةِ، وكانَ في المُفاداةِ به مَصلَحةٌ وتَقويةٌ للمُسلِمينَ بالمالِ، وما أشبَهَ ذلك مما لا يَنحَصِرُ -أيضًا- مِنْ وُجوهِ النَّظَرِ، فالأوْلَى المُفاداةُ، ومَن يُرجى إسلامُه بَعدُ أو الانتِفاعُ به في استِمالةِ أهلِ الكُفرِ أو كَسرِ شَوكَتِهم. وما في مَعنى ذلك إذا رُدَّ وأُنعِم عليه، فالأوْلى المَنُّ، ومَن كانَ صانِعًا أو عَسيفًا يُنتفَعُ بمِثلِه في الخِدمِة، ولم يَعرِضْ فيه وَجهٌ من الوُجوهِ المُتقدِّمةِ استُرِقَّ هؤلاء أو ضُرِبت عليهم الجِزيةُ، إنْ كانُوا من أهلِها على حسَبِ ما يَظهَرُ من ذلك، وبالجُملةِ فالنَّظرُ في هذه الوُجوهِ لمَصالحِ المُسلِمينَ بحسَبِ الحالِ أوسَعُ من هذا، وإنَّما نَبَّهنا على أُنمُوذَجٍ من طَريقِ النَّظرِ، لا أنَّ ذلك واجِبٌ بعَينِه، إلا أنَّه لا يَنبَغي أنْ يَميلَ إلى واحِدٍ من هذه الوُجوهِ إلا لمَصلَحةٍ في حَقِّ المُسلِمينَ، يَغلِبُ على نَظرِه واجتِهادِه أنَّها أوْلى، فأمَّا القَتلُ، فما دامَ الإمامُ مُرتَئيًا لم يَعزمْ على واحِدةٍ ممَّا سِواه ساغَ له القَتلُ، ولو بعدَ مُدةٍ … واللهُ أعلَمُ (١).

стр. 12150

وقالَ الشافِعيةُ: ويَجتَهِدُ الإمامُ أو أميرُ الجَيشِ في أسرى الكُفارِ الأصليِّين الأحرارِ الكامِلين وهُم الذُّكورُ البالِغون العاقِلون ويَفعَلُ فيهم وُجوبًا بعدَ أسرِهم الأحَظَّ للإسلامِ ولِلمُسلِمينَ من أربَعِ خِصالٍ من قَتلٍ بضَربِ رَقَبةٍ لا بتَحريقٍ وتَغريقٍ ومَنٍّ عليهم بتَخليةِ سَبيلِهم وفِداءٍ بأسرى مُسلِمينَ رِجالٍ أو غيرِهم أو أهلِ ذِمةٍ أو مالٍ يُؤخَذُ منهم، سَواءٌ أكانَ من مالِهم أو مِنْ مالِنا في أيديهم، واستِرقاقٍ للأتْباعِ في الأربَعِ، وقالَ تَعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] وقالَ تَعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] وقالَ تَعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد: ٤] أي: بالاستِرقاقِ. فإنْ خَفيَ على الإمامِ الأحَظُّ السابِقُ حبَسهم حتى يَظهرَ له؛ لأنَّه راجِعٌ إلى الاجتِهادِ لا إلى التَّشهِّي فيُؤخَّرُ لظُهورِ الصَّوابِ (١). رُجوعُ الإمامِ في اختيارِه: قالَ ابنُ حَجرٍ الهَيتَميُّ الشَّافِعيُّ ﵀: لم يَتعَرَّضوا فيما عَلِمتُ إلى أنَّ الإمامَ لو اختار خَصلةً فله الرُّجوعُ عنها أو لا، ولا إلى أنَّ اختيارَه هل يَتوقَفَ على لفظٍ أو لا، والذي يَظهَرَ لي في ذلك تَفصيلٌ لا بدَّ منه: أمَّا الأولُ: فهو أنَّه لو اختارَ خَصلةً ظهَرَ له بالاجتِهادِ أنَّها الأحَظُّ، ثم ظهَرَ له به أنَّ الأحَظَّ غيرُه؛ فإنْ كانَت رِقًّا لم يَجزْ له الرُّجوعُ عنها مُطلَقًا؛ لأنَّ الغانِمينَ وأهلَ الخُمسِ ملَكوا بمُجَّردِ ضَربِه الرِّقَّ فلمْ يَملِكْ إِبطالَه عليه.

стр. 12151

أو كانَ قَتلًا جازَ له الرُّجوعُ عنه تَغليبًا لحَقنِ الدِّماءِ ما أمكَن، وإذا جازَ رُجوعُ مُقِرٍّ بنَحوِ الزِّنا بمُجرَّدِ تَشهِّيه وسقَطَ عنه القَتلُ بذلك فههُنا أوْلى؛ لأنَّ هذا مَحضُ حَقِّ اللهِ تَعالى، وذاك فيه شائِبةُ حقِّ آدَميٍّ. أو كانَ فِداءً أو مَنًّا لم يَعمَلْ بالثانِي لاستِلزامِه نقضَ الاجتِهادِ بالاجتِهادِ من غيرِ مُوجِبٍ، وكما لو اجتهَد الحاكِمُ وحكَمَ لا يُنقَضُ حُكمُه باجتِهادٍ ثانٍ، نَعمْ إنْ كانَ اختيارُه أحَدَهما لسَببٍ، ثم زال ذلك السَّببُ وتَعيَّنت المَصلَحةُ في الثانِي عمِلَ بقَضيَّتِه، وليسَ هذا نقضَ اجتِهادٍ باجتِهادٍ، بل بما يُشبِهُ النَّصَّ لزَوالِ مُوجِبِ الأولِ بالكُلِّيةِ. وأمَّا الثانِي: فهو أنَّ الاستِرقاقَ لا بدَّ فيه مِنْ لفظٍ يَدلُّ عليه ولا يَكفي فيه مُجرَّدُ الفِعلِ كالاستِخدامِ؛ لأنَّه لا يَستَلزِمَه، وكذا الفِداءُ، نَعمْ يَكفي فيه لفظُ مُلتزِمِ البَدلِ مع قَبضِ الإمامِ له من غيرِ لفظٍ بخِلافِ الخَصلتَينِ الأُخريَينِ لحُصولِهما بمُجرَّدِ الفِعلِ (١). إذا بذَل الأسيرُ الجِزيةَ هل تُقبَلُ منه أو لا؟ نَصَّ المالِكيةُ والشافِعيةُ على أنَّ الأسيرَ إذا بذَل الجِزيةَ قُبِلت منه. قالَ اللَّخميُّ: وأمَّا الرِّجالُ فالإمامُ مُخيَّرٌ فيهم بينَ خَمسةِ أوْجُهٍ: المَنِّ والفِداءِ والقَتلِ والجِزيةِ والاستِرقاقِ، فأيُّ ذلك رأى أحسَنَ نَظرًا فعَلَه (٢).

стр. 12152

قالَ خَليلٌ ﵀: ووجَبَ إنْ رَجا حَياةً أو طُولَها كالنَّظرِ في الأسرى بقَتلٍ أو مَنٍّ أو فِداءٍ أو جِزيةٍ أو استِرقاقٍ (١). قالَ الحَطَّابُ ﵀: قالَ ابنُ رُشدٍ: ذهَبَ مالِكٌ وجُمهورُ أهلِ العِلمِ إلى أنَّ الإمامَ مُخيَّرٌ في الأسرى بينَ خَمسةِ أشياءَ: فإمَّا أنْ يَقتُلَ، وإمَّا أنْ يأسِرَ ويَستَعبِدَ، وإمَّا أنْ يُعتِقَ، وإمَّا أنْ يَأخذَ فيه الفِداءَ، وإمَّا أنْ يَعقِدَ عليه الذِّمةَ ويَضرِبَ عليه الجِزيةَ، وهذا التَّخييرُ ليسَ على الحُكمِ فيهم بالهَوى، وإنَّما هو على جِهةِ الاجتِهادِ في النَّظرِ للمُسلِمينَ، كالتَّخييرِ في الحُكمِ في حَدِّ المُحارِبِ. فإنْ كانَ الأسيرُ مِنْ أهلِ النَّجدةِ والفُروسيةِ والنِّكايةِ للمُسلِمينَ قتَله الإمامُ ولم يَستحْيِه، وإنْ لم يَكنْ على هذه الصِّفةِ وأُمِنَت غائِلتُه وله قيمةٌ استَرقَّه للمُسلِمينَ أو قَبِل فيه الفِداءَ إنْ بُذلَ فيه أكثَرُ من قيمَتِه، وإنْ لم تَكنْ له قيمةٌ ولا فيه مَحمَلٌ لأداءِ الجِزيةِ أعتَقَه كالضُّمناءِ والزَّمنى الذين لا قِتالَ عندَهم ولا رأْيَ لهم ولا تَدبيرَ … وإنْ لم تَكنْ له قيمةٌ وفيه مَحمَلٌ لأداءِ الجِزيةِ عقَد له الذِّمةَ وضرَب عليه الجِزيةَ، وإنْ رأى الإمامُ مُخالَفةَ ما وَصَفناه من وُجوبِ الاجتِهادِ كانَ ذلك له مِثلَ أنْ يَبذُلَ الفارِسُ المَعروفُ بالنَّجدةِ والفُروسيةِ في نَفسِه المالَ الواسِعَ الكَثيرَ فيَرى الإمامُ أخْذَه أوْلى من قَتلِه (٢).

стр. 12153

وأمَّا الشافِعيةُ؛ فقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: ولو بذَل الأسيرُ الجِزيةَ ففي قَبولِها وَجهان. قالَ صاحِبُ البَيانِ: الذي يَقتَضيه المَذهَبَ أنَّه لا خِلافَ في جَوازِ قَبولِ ذلك منه، وإنَّما الوَجهانِ في الوُجوبِ؛ لأنَّه إذا جاز أنْ يَمُنَّ عليه من غيرِ مالٍ أو بمالٍ يُؤخَذُ منه مَرةً واحِدةً فلَأنْ يَجوزَ بمالٍ يُؤخَذُ منه في كلِّ سَنةٍ أوْلى. قالَ في الشامِلِ: وإذا بذَل الجِزيةَ حرُمَ قَتلُه وتَخيَّر الإمامُ فيما عدا القَتلِ كما لو أسلَمَ، وصحَّحه الرافِعيُّ في بابِ الجِزيةِ. ثم ما جزَمَ به المُصنِّفُ من التَّخييرِ هو فيمَن له كِتابٌ، أمَّا غيرُه فأشارَ إلى خِلافٍ في استِرقاقِه بقَولِه: (وقيلَ لا يُسترَقُ وَثَنيٌّ) كما لا يَجوزُ تَقريرُه بالجِزيةِ ورُدَّ بأنَّ من جازَ أنْ يُمَنَّ عليه ويُفادى جازَ أنْ يُسترَقَّ كالكِتابيِّ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ سألَ الأُسارى مِنْ أهلِ الكِتابِ تَخليَتَهم على إعطاءِ الجِزيةِ لم يَجزْ ذلك في نِسائِهم وذَراريِّهم؛ لأنَّهم صاروا غَنيمةً بالسَّبيِ، وأمَّا الرِّجالُ فيَجوزُ ذلك فيهم، ولا يَزولُ التَّخييرُ الثابِتُ فيهم؛ لأنَّه بَدلٌ لا تَلزمُ الإجابةُ إليه، فلم يَحرُمْ قَتلُهم كبَدلِ عَبدةِ الأوثانِ (٢). كَيفيةُ قَتْلِ الأسيرِ وحُكمُ التَّمثيلِ به: المُثْلةُ: بضَمِّ الميمِ وسُكونِ الثَّاءِ أو بفَتحِ المِيمِ وضَمِّ الثاءِ: العُقوبةُ والتَّنكيلُ.

стр. 12154

قالَ ابنُ الأنباريِّ ﵀: المُثْلَةُ: العُقوبةُ المُبيِّنةُ من المُعاقَبِ شَيئًا، وهو تَغييرُ الصُّورةِ فتَبقَى قَبيحةً، من قَولِهم: مثَّلَ فُلانٌ بفُلانٍ: إذا قبَّح صُورَتَه إمَّا بقَطعِ أُذُنِه أو جَدعِ أنْفِه أو سَمْلِ عَينَيه أو بَقْرِ بَطنِه، هذا هو الأصلُ، ثم يُقالُ للعارِ الباقي والخِزيِ اللَّازمِ: مُثلةٌ (١). وفي الاصطِلاحِ: المُثلةُ: العُقوبةُ الشَّنيعةُ كرَضِّ الرأسِ وقَطعِ الأُذنِ أو الأنفِ (٢). اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على تَحريمِ التَّمثيلِ بالأسرَى، بل يُكتَفى بقَتلِه المُعتادِ بضَربِه بالسَّيفِ. قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وإذا عزَم المُسلِمونَ على قَتلِ الأُسارى فلا يَنبَغي أنْ يُعذِّبوهم بالجُوعِ والعَطشِ وغيرِ ذلك من أنواعِ التَّعذيبِ؛ لأنَّ ذلك تَعذيبٌ من غيرِ فائِدةٍ (٣). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فمَتى رأى القَتلَ ضرَبَ عُنُقَه بالسَّيفِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤] ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ بالذين قتَلهم فضُرِبتْ أعناقُهم، ولا يَجوزُ التَّمثيلُ به؛ لما رَوى بُرَيدةُ: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ إذا أمَّرَ أميرًا على جَيشٍ أو سَريةٍ أوصاه في خاصَّتِه بتَقوَى اللهِ ومن معه من المُسلِمينَ خَيرًا، ثم قالَ: اغزُوا باسمِ

стр. 12155

اللهِ في سَبِيلِ اللهِ، قاتِلوا مَنْ كفَر باللهِ، اغزوا ولا تَغُلُّوا ولا تَغدِروا ولا تُمثِّلوا … » (١). قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀ بعدَ أنْ ذكَرَ هذا الحَديثَ: أجمَع العُلماءُ على القَولِ بهذا الحَديثِ ولم يَختَلِفوا في شَيءٍ منه، فلا يَجوزُ عندَهم الغُلولُ ولا الغَدرُ ولا المُثلةُ (٢). وقالَ الزَّمخشَريُّ ﵀: ولا خِلافَ في تَحريمِ المُثلةِ (٣). وهذا بعدَ الظَّفرِ والنَّصرِ، وأمَّا قبلَه، أي: في أثناءِ المَعركةِ فلا بأسَ بقَطعِ الأطرافِ أو الأعضاءِ، إذا وقَعَ قِتالٌ كمُبارزٍ ضرَبه فقطَع أُذنَه ثم ضرَبه ففقَأَ عَينَه ثم ضرَبَه فقطَع يَدَه وأنفَه ونَحوَ ذلك، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ [الأنفال: ١٢]. قالَ الحَصكَفيُّ ﵀: (و) نُهينا (عن غَدرٍ وغُلولٍ و) عن (مُثلةٍ) بعدَ الظَّفرِ بهم، أمَّا قبلَه فلا بأسَ بها. قالَ ابنُ عابدِين ﵀: قَولُه: ومُثلةٌ -بضَمِّ الميمِ- اسمُ مَصدَرِ «مثَّل به»، من باب نصَر أي: قطَع أطرافَه وشَوَّه به، كذا في جامِعِ اللُّغةِ. قَولُه: (أمَّا قبلَه فلا بأسَ بها) قالَ الزَّيلعيُّ: وهذا حَسنٌ ونَظيرُه الإحراقُ بالنارِ، وقيَّد جَوازَها قبلَه في الفَتحِ بما إذا وقَعت قِتالًا كمُبارزٍ ضُرِب فقُطِعت أُذنُه، ثم ضُرِب ففُقِئت عَينُه ثم ضُرِب فقُطِعت يَدُه وأنفُه ونَحوُ ذلك.

стр. 12156

وهو ظاهِرٌ في أنَّه لو تَمكَّن من كافرٍ حالَ قيامِ الحَربِ ليسَ له أنْ يُمثِّل به بل يَقتلُه، ومُقتَضى ما في الاختيارِ أنَّ له ذلك، كيف وقد عَلَّل بأنَّها أبلَغُ في كَبتِهم وأضَرُّ بهم نَهرًا (١). وقالَ الحَطابُ ﵀: «والمُثلةُ»: قالَ الأقفَهسِيُّ: أي: يَحرُمُ أنْ يُمثَّلَ بالمَقتولِ، قالَ في الاستِذكارِ: والمُثلةُ مُحرَّمةٌ في السُّنةِ المُجمَعِ عليها، وهذا بعدَ الظَّفرِ وأمَّا قبلَه فلنا قَتلُه بأيِّ مُثلةٍ أمكَنَنا. وهذا الأخيرُ في النَّوادِرِ (٢). جَوازُ المُثلةِ قِصاصًا: لكنْ إنْ مثَّلَ الكُفارُ بالمُسلِمينَ يَجوزُ للمُسلِمينَ حينَئذٍ أنْ يُمثِّلوا بهم، كما نَصَّ على ذلك المالِكيةُ والحَنابِلةُ وشَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ. قالَ الدَّرديرُ ﵀: (و) حرُمَ بعدَ القُدرةِ عليهم (المُثلةُ) بضَمِّ الميمِ وسُكونِ المُثلَّثةِ: العُقوبةُ الشَّنيعةُ، كرَضِّ الرأسِ وقَطعِ الأُذنِ أو الأنفِ إذا لم يُمثِّلوا بمُسلمٍ وإلا جازَ (٣). قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: قَولُه: (وحرُمَ بعدَ القُدرةِ عليهم) أي: وأمَّا قَبلَ القُدرةِ عليهم فيَجوزُ لنا أنْ نَقتُلَهم بأيِّ وَجهٍ مِنْ وُجوهِ القَتلِ، ولو كانَ في ذلك الوَجهِ تَمثيلٌ. قَولُه: (وإلا جازَ) أي: وإلا جازَ التَّمثيلُ بهم بعدَ القُدرةِ عليهم (٤).

стр. 12157

وقالَ في «مِنحِ الجَليلِ»: وحرُمَ المُثلةُ -بضَمِّ الميمِ وسُكونِ المُثلَّثةِ- أي: التَّمثيلُ بالكُفارِ بقَطعِ أطرافِهم وقَلعِ أعيُنِهم بعدَ القُدرةِ عليهم، ولم يُمثِّلوا بمُسلمٍ، فيَجوزُ حالَ القِتالِ قبلَ القُدرةِ عليهم أو بعدَ تَمثيلِهم بمُسلمٍ، قالَه الباجيُّ في أسيرٍ كافرٍ عندَنا وقد مَثَّلوا بأسيرٍ مُسلمٍ عندَهم (١). قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: وإنْ مثَّلَ الكُفارُ بالمُسلِمينَ فالمُثْلةُ حقٌّ لهم، فلهم فِعلُها للاستِيفاءِ وأخذِ الثَّأرِ ولهم تَركُها، والصبْرُ أفضَلُ، وهذا حيثُ لا يَكونُ في التَّمثيلِ السائِغِ لهم دُعاءٌ إلى الإيمانِ وحِرزٌ لهم عن العُدوانِ؛ فإنَّه هنا من إقامةِ الحُدودِ والجِهادِ، ولم تَكُنِ القَضيةُ في أُحدٍ كذلك، فلهذا كانَ الصبْرُ أفضَلَ، فأمَّا إنْ كانَت المُثْلةُ حقَّ اللهِ تَعالى فالصبْرُ هناك واجِبٌ كما يَجبُ حيثُ لا يُمكِنُ الانتِصارُ ويَحرُمُ الجَزعُ (٢). وقالَ في مَوضِعٍ آخرَ: فأمَّا التَّمثيلُ في القَتلِ فلا يَجوزُ إلا على وَجهِ القِصاصِ، وقد قالَ عِمرانُ بنُ حُصينٍ ﵄: ما خطَبنا رَسولُ اللهِ خُطبةً إلا أمَرَنا بالصَّدَقةِ ونَهانَا عنِ المُثْلةِ، حتى الكُفارُ إذا قتَلْناهم فإنَّا لا نُمثِّلُ بِهم بعدَ القَتلِ ولا نَجدَعُ آذانَهم وأُنوفَهم ولا نَبقُرُ بُطونَهم، إلا أنْ يَكونوا فعَلوا ذلك بنا فنَفعَلَ بهم مِثلَ ما فعَلوا، والتَّركُ أفضَلُ كما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٦، ١٢٧] (٣).

стр. 12158

وقالَ ابنُ مُفلِحٍ ﵀: ويُكرَهُ نَقلُ رُؤوسِهم من بَلدٍ إلى آخَرَ، والمُثلةُ بقَتلاهم، ويُكرَهُ رَميُها بمَنجَنيقٍ، نَصَّ عليه (أي: أحمدُ)، وأوَّلُ من حُمِلت إليه الرُّؤوسُ عبدُ اللهِ بنُ الزُّبيرِ، قالَ أحمدُ: ولا يَنبَغي أنْ يُعذِّبوه. وعنه: إنْ مثَّلوا مُثِّل بهم، ذكَرَه أبو بَكرٍ. قالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ ﵀: المُثْلةُ حقٌّ لهم، فلهم فِعلُها للاستيفاءِ وأخْذِ الثَّأرِ، ولهم تَركُها والصبْرُ أفضَلُ (١). وقالَ في «الفُروعِ»: قالَ شَيخُنا: المُثلةُ حقٌّ لهم، فلهم فِعلُها للاستيفاءِ وأخذِ الثأرِ، ولهم تَركُها والصبْرُ أفضَلُ، وهذا حيثُ لا يَكونُ في التَّمثيلِ بهم زيادةٌ في الجِهادِ، ولا يَكونُ نَكالًا لهم عن نَظيرِها، فأمَّا إذا كانَ في التَّمثيلِ الشائِعِ دُعاءٌ لهم إلى الإيمانِ أو زَجرٌ لهم عن العُدوانِ فإنَّه هنا من إقامةِ الحُدودِ، والجِهادِ المَشروعِ، ولم تَكُنِ القِصةُ في أُحدٍ كذلك، فلِهذا كانَ الصبْرُ أفضَلَ، فأمَّا إذا كانَ المُغلَبَ حقَّ اللهِ تَعالى فالصبْرُ هناك واجِبٌ، كما يَجبُ حيثُ لا يُمكِنُ النَّصرُ ويَحرُمُ الجَزعُ، هذا كَلامُه، وكذا قالَ الخَطابيُّ ﵀: إنْ مثَّل الكافِرُ بالمَقتولِ جازَ أنْ يُمثَّلَ به (٢). ومِن الأدِلةِ التي استدَلُّوا بها على جَوازِ القِصاصِ بالمِثلِ ما رَواه البُخاريُّ ومُسلِمٌ عن أبي قِلابةَ عن أنسِ بنِ مَالِكٍ: أنَّ رَهطًا من عُكلٍ -أو قالَ: عُرَينةَ، ولا أعلَمُه إلا قالَ من عُكلٍ- قَدِموا المَدينةَ فأمَرَ لهم النَّبيُّ

стр. 12159

ﷺ بلِقاحٍ وأمَرَهم أن يَخرُجوا فيَشرَبوا من أبوالِها وألبانِها، فشَرِبوا حتى إذا بَرِئوا قتَلوا الرَّاعيَ واستاقوا النَّعَمَ، فبلَغ النَّبيَّ ﷺ غُدوةً فبعَثَ الطَّلبَ في إثرِهم، فما ارتفَع النَّهارُ حتى جيءَ بهم، فأمَرَ بِهم فقطَع أيديَهم وأرجُلَهم وسمَرَ أعيُنَهم فأُلقوا بالحَرَّةِ يَستسقونَ فلا يُسقَوْن، قالَ أبو قِلابةَ: هؤلاء قَومٌ سَرَقوا وقتَلوا وكَفَروا بعدَ إيمانِهم وحارَبوا اللَّهَ ورَسولَه» (١). وقد تَرجَم الإمامُ البُخاريُّ في صَحيحِه لهذا الحَديثِ بقَولِه: (بابُ إذا أحرَق المُشرِكُ المُسلِمَ هل يُحرَقُ). قالَ ابنُ بَطالٍ ﵀: استَدلَّ منه البُخاريُّ على أنَّه لمَّا جازَ تَحريقُ أعيُنِهم بالنارِ ولو كانُوا لم يَحرِقوا أعيُنَ الرِّعاءِ، أنَّه أوْلى بالجَوازِ تَحريقُ المُشرِكِ إذا أحرَقَ المُسلِمَ (٢). قد تَرجَم الإمامُ ابنُ حِبانَ في «صَحيحِه» (٣) لهذا الحَديثِ بقَولِه: «ذِكرُ البَيانِ بأنَّ المُصطَفى ﷺ إنَّما سمَرَ أعيُنَ العُرَنيِّينَ؛ لأنَّهم سمَروا أعيُنَ الرِّعاءِ». عن أنَسٍ قالَ: «إنَّما سمَلَ النَّبيُّ ﷺ أعيُنَ أولئك؛ لأنَّهم سمَلوا أعيُنَ الرِّعاءِ» (٤).

стр. 12160

قالَ الكَمالُ بنُ الهُمامِ ﵀: فهذا ليسَ بمُثلةٍ، والمُثلةُ ما كانَ ابتِداءً على غيرِ جَزاءٍ، وقد جاءَ في صَحيحِ مُسلمٍ: «إنَّما سمَلَ النَّبيُّ ﷺ أعيُنَ أولئك؛ لأنَّهم سمَلوا أعيُنَ الرِّعاءِ»، ولو أنَّ شَخصًا جَنى على قَومٍ جِناياتٍ في أعضاءٍ مُتعدِّدةٍ فاقتُصَّ منه لما كانَ التَّشويهُ الذي حصَلَ له من المُثلةِ … وحاصِلُ هذا القَولِ أنَّ المُثلةَ بمَن مثَّلَ جَزاءٌ ثابِتٌ لم يُنسَخْ، والمُثلةُ بمَن استحَقَّ القَتلَ لا عن مُثلةٍ لا تَحِلُّ لا أنَّها مَنسوخةٌ؛ لأنَّها لم تُشرَعْ أوَّلًا؛ لأنَّ ما وقَعَ للعُرنيِّين كانَ جَزاءَ تَمثيلِهم بالرِّعاءِ (١). وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ فيما تَضمَّنتْه قِصةُ العُرنيِّين من أحكامٍ: وفيه المُماثَلةُ في القِصاصِ وليسَ ذلك من المُثلةِ المَنهيِّ عنها (٢). وقالَ ابنُ القَيمِ في «الفِقهِ المُستنبَطِ من حَديثِ العُرنيِّينَ»: وفيها مِنْ الفِقهِ … أنَّه يُفعَلُ بالجاني كما فعَل؛ فإنَّهم لمَّا سمَلوا عَينَ الراعي سمَلَ أعيُنَهم، وقد ظهَرَ بهذا أنَّ القِصةَ مُحكَمةٌ ليسَت مَنسوخةً وإنْ كانَت قبلَ أنْ تَنزِلَ الحُدودُ، والحُدودُ نزَلَت بتَقريرِها لا بإبطالِها. واللهُ أعلَمُ (٣). حَملُ رأسِ الكافِرِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حَملِ رأسِ الكافِرِ بعدَ قَتلِه على ثَلاثةِ أقوالٍ: فقالَ الحَنفيةُ بجَوازِه، وقالَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ بكَراهَتِه إلا إذا كانَ لمَصلَحةٍ

стр. 12161

فجائِزٌ، وأمَّا المالِكيةُ فقالُوا بحُرمةِ حَملِها إلى بَلدٍ آخَرَ، أمَّا إذا كانَ في البَلدِ فجائِزٌ. قالَ الحَصكَفيُّ ﵀: لا بأسَ بحَملِ رأسِ المُشرِكِ لو فيه غَيظُهم وفيه فَراغُ قُلوبِنا، وقد حمَلَ ابنُ مَسعودٍ يَومَ بَدرٍ رأسَ أبي جَهلٍ وألقاها بينَ يَدَيْه ﵊، فقالَ النَّبيُّ ﵊: «اللهُ أكبَرُ هذا فِرعَوْني وفِرعَونُ أُمَّتي، كانَ شَرُّه علَيَّ وعلى أُمَّتي أعظَمَ من شَرِّ فِرعَونَ على مُوسى وأُمَّتِه». قالَ ابنُ عابدِين ﵀: قَولُه: (وقد حمَلَ … إلخ) وكذا فعَلَ عبدُ اللهِ بنُ أُنَيسٍ بسُفيانَ بنِ عبدِ اللهِ، ومُحمدُ بنُ مَسلَمةَ بكَعبِ بنِ الأشرَفِ، كما بسَطَه السَّرخسيُّ، وقالَ: عليه أكثَرُ مَشايِخِنا لو فيه غَيظُهم وفَراغُ قُلوبِنا بأنْ يَكونَ المَقتولُ مِنْ قُوَّادِ المُشرِكينَ أو عُظماءِ المُبارِزين (١). وقالَ الدَّرديرُ ﵀: (و) حرُمَ (حَملُ رأسِ) الكافِرِ (لِبَلدٍ أو) إلى (والٍ) أي: أميرِ جَيشٍ، وأمَّا في البَلدِ التي وقَعَ فيها القَتلُ فجائِزٌ. قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: (قَولُه: وحَملُ رأسِ كافرٍ) أي: على رُمحٍ، وقَولُه: لبَلدٍ -أي: ثانٍ- سَواءٌ كانَ الوَليُّ ماكِثًا فيها أو لا، وقَولُه: أو إلى والٍ، أي: ولو كانَ في بَلدِ القِتالِ نَفسِها (قَولُه: وأمَّا في البَلدِ) أي: وأمَّا حَملُها في بَلدِ القِتالِ لا للوالي فهو جائِزٌ بخِلافِ البُغاةِ؛ فإنَّه لا يَجوزُ،

стр. 12162

والظاهِرُ أنَّ مَحلَّ حُرمةِ حَملِ رأسِ الحَربيِّ لبَلدٍ ثانٍ ما لم يَكنْ في ذلك مَصلَحةٌ شَرعيةٌ كاطمِئنانِ القُلوبِ بالجَزمِ بمَوتِه، وإلا جازَ، فقد حُمِل للنَّبيِّ ﷺ رأسُ كَعبِ بنِ الأشرَفِ من خَيبَرَ للمَدينةِ (١). وقالَ الإمامُ أبو يَحيى زَكريَّا الأنصاريُّ الشافِعيُّ ﵀: (ويُكرَهُ نَقلُ رُؤوسِ الكُفارِ) ونَحوِها من بِلادِهم (إلى بِلادِنا) لِما رَوى البَيهَقيُّ أنَّ «أبا بَكرٍ ﵁ أنكَرَ على فاعِلِه وقالَ: لمْ يُفعَلْ في عَهدِ النَّبيِّ ﷺ » وما رُوي من حَملِ رأسِ أبي جَهلٍ فقد تَكلَّموا في ثُبوتِه وبتَقديرِ ثُبوتِه، فإنَّما حُمِل من مَوضِعٍ إلى مَوضِعٍ لا مِنْ بَلدٍ إلى بَلدٍ، وكأنَّهم فعَلوه ليَنظُرَ الناسُ إليه فيَتحقَّقوا مَوتَه، واستَثنَى الماوَرديُّ والغَزاليُّ ما إذا كانَ فيه نِكايةٌ في الكُفارِ، قالَ في الأصلِ: ولم يَتعرَّضْ له الجُمهورُ (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويُكرَهُ نَقلُ رُؤوسِ المُشرِكينَ من بَلدٍ إلى بَلدٍ، والمُثلةُ بقَتلاهم، وتَعذيبُهم؛ لما رَوى سَمُرةُ بنُ جُندُبٍ قالَ: «كانَ النَّبيُّ ﷺ يَحثُّنا على الصَّدقةِ ويَنهانا عن المُثلةِ» (٣). وعن عبدِ اللهِ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ أعَفَّ الناسِ قِتلةً أهلُ الإيمانِ» (٤) رَواهما أبو داودَ.

стр. 12163

وعن شَدَّادِ بنِ أوْسٍ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللهَ كتَبَ الإحسانَ على كلِّ شَيءٍ، فإذا قتَلتُم فأحسِنوا القِتلةَ، وإذا ذبَحتُم فأحسِنوا الذَّبحَ» رَواه النَّسائيُّ. وعن عبدِ اللهِ بنِ عامِرٍ (أنَّه قدِم على أبي بَكرٍ الصِّديقِ برأسِ البَطريقِ فأنكَر ذلك فقالَ: يا خَليفةَ رَسولِ اللهِ؛ فإنَّهم يَفعَلون ذلك بِنا؟ قالَ: فاستِنانٌ بفارِسَ والرُّومِ؟! لا يُحمَلْ إلَيَّ رأسٌ؛ فإنَّما يَكفي الكِتابُ والخبَرُ) (١). وقالَ الزُّهريُّ: لم يُحمَلْ إلى النَّبيِّ ﷺ رأسٌ قَطُّ. وحُمِل إلى أبي بَكرٍ رأسٌ فأنكَرَه، وأوَّلُ مَنْ حُمِلت إليه الرُّؤوسُ عبدُ اللهِ بنُ الزُّبيرِ، ويُكرَهُ رَميُها في المَنجَنيقِ، نَصَّ عليه أحمدُ. وإنْ فعَلوا ذلك لمَصلَحةٍ جازَ؛ لما رَوَينا أنَّ عَمرَو بنَ العاصِ حينَ حاصَرَ الإسكَندريةَ ظفِرَ برَجلٍ من المُسلِمينَ فأخَذوا رأسَه، فجاء قَومُه عَمْرًا مُغْضَبينَ، فقالَ لهم عَمرٌو: خُذوا رَجلًا منهم فاقطَعوا رأسَه، فارموا به إليهم في المَنجَنيقِ، ففَعلوا ذلك، فرَمى أهلُ الإسكَندريةِ رأسَ المُسلِمِ إلى قَومِه (٢). وقد ذكَرَ الإمامُ الطَّحاويُّ الحَنفيُّ في «شَرحِ مُشكِلِ الآثارِ» في بابِ بَيانِ مُشكِلِ ما رُوي عن رَسولِ اللهِ ﷺ في حَملِ رُؤوسِ القَتلى المَقتولين نَكالًا من بَلدٍ إلى بَلدٍ ومن ناحيةٍ إلى ناحيةٍ من الإباحةِ، وما رُوي عن أبي بَكرٍ ﵁ مما يُخالِفُ ذلك، من الآثارِ الدَّالةِ والمانِعةِ في هذا.

стр. 12164

ثمَّ قالَ: فتأمَّلْنا هذه الآثارَ فوَجدنا فيها إتيانَ علِيٍّ رَسولَ اللهِ ﷺ برأسِ مَرحَبٍ، وهو كانَ أحدَ أعدائِه، فسبَقَ علِيٌّ ﵁ به إليه، فلم يُنكِرْ ذلك رَسولُ اللهِ ﷺ . ووجَدْنا فيها أمرَ رَسولِ اللهِ ﷺ خالَ البَراءِ أنْ يأتيَه برأسِ الذي تَزوَّجَ امرأةَ أبيه بعدَ أبيه من المَوضعِ الذي فيه، ووجَدْنا فيها إتيانَ الدَّيلميِّ وأصحابِه رَسولَ اللهِ ﷺ برأسِ العَنسِيِّ الكَذابِ، وإنَّما كانَ إتيانُهم به إليه من اليَمنِ ليَقِفَ رَسولُ اللهِ ﷺ على نَصرِ اللهِ عليه، وعلى كِفايةِ المُسلِمينَ شأنَه، وكانَ كِتابُ اللهِ قد دلَّ على شَيءٍ من هذا بقَولِه: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور: ٢]. وبقَولِه في آيةِ المُحارِبين: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة: ٣٣]، وكانَ ذلك عندَنا، واللهُ أعلَمُ، ليُشتهَرَ في الناسِ إقامةُ نَكالِ اللهِ إيَّاهم عليهم، فكانَ مِثلُ ذلك إظهارَ رُؤوسِ مَنْ قُتلَ على ما فُعِل عليه المَحمولةُ رُؤوسُهم في الآثارِ التي رَوَيناها في ذلك ليَقِفَ الناسُ على النَّكالِ الذي نزَلَ بهم. فإنْ قالَ قائِلٌ: فقد رُوي عن أبي بَكرٍ ﵁ ما يُخالِفُ هذا … حدَّثَنا بَحرُ بنُ نَصرٍ قالَ: حدَّثَنا يَحيى بنُ حَسَّانٍ قالَ: حدَّثَنا ابنُ لهيعةَ عن يَزيدَ بنِ أبي حَبيبٍ عن علِيِّ بنِ رَباحٍ عن عُقبةَ بنِ عامِرٍ أنَّ عَمرَو بنَ العاصِ وشُرَحبيلَ بنَ حَسَنةَ بَعَثاه إلى أبي بَكرٍ الصِّديقِ ﵁ برأسِ يَناقٍ بَطريقِ الشامِ فلمَّا قدِمَ عليه أنكَرَ ذلك أبو بَكرٍ ﵁، فقالَ له عُقبةُ: يا خَليفةَ

стр. 12165

رَسولِ اللهِ ﷺ إنَّهم يَصنَعون ذلك بنا، فقالَ أبو بَكرٍ ﵁: «أفاستِنانٌ بفارِسَ والرُّومِ؟! لا تَحمِلوا إلَيَّ رأسًا إنَّما يَكفي الكِتابُ والخَبرُ» … قالَ: فهذا أبو بَكرٍ قد أنكَرَ حَملَ الرُّؤوسِ إليه. فكانَ جَوابُنا له في ذلك بتَوفيقِ اللهِ وعَونِه أنَّ أبا بَكرٍ، وإنْ كانَ قد أنكَرَ ذلك، فقد كانَ حامِلوه شُرَحبيلُ بنُ حَسَنةَ وعَمرُو بنُ العاصِ وعُقبةُ بنُ عامِرٍ بحَضرةِ من كانَ معهم من أُمرائِه على الأجنادِ منهم يَزيدُ بنُ أبي سُفيانَ ومَن سِواه ممَّن كانَ خرَجَ لغَزوِ الشامِ من أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ فلم يُنكِروا ذلك عليهم، ولم يُخالِفوهم عليه، فدلَّ ذلك على مُتابَعتِهم إيَّاهم عليه، ولمَّا كانَ ذلك كذلك وكانُوا مَأْمونين على ما فعَلوا فُقهاءَ في دِينِ اللهِ كانَ ما فعَلوا من ذلك مُباحًا؛ لما رأوْا فيه مِنْ إعزازِ دِينِ اللهِ وغَلبةِ أهلِه الكُفارَ به، وكانَ ما كانَ من أبي بَكرٍ في ذلك من كَراهَتِه إيَّاه قد يَحتمِلُ أنْ يَكونَ لمَعنًى قد وقَفَ عليه في ذلك يَعني عن ذلك الفِعلِ، وقد كانَ رأيُه ﵁ معه التَّوفيقُ. وكانَ مِثلُ هذا مِنْ بَعدُ يُرجَعَ فيه إلى رأيِ الأئِمةِ الذين يَحدُثُ مِثلُ هذا في إبَّانِهم، فيَفعَلون في ذلك ما يَرَوْنه صَوابًا، وما يَرَوْنه من حاجةِ المُسلِمينَ إليه، ومن استِغنائِهم عنه وقد كانَ من عبدِ اللهِ بنِ الزُّبيرِ في رأسِ المُختارِ لمَّا حُمِل إليه ترَكَ النَّكيرَ في ذلك، ومعه بَقايا من أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ كانُوا في ذلك على مِثلِ ما كانُوا عليه (١).

стр. 12166

حُكمُ الأسيرِ إذا أسلَمَ ونطَق الشَّهادتَينِ: قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: لو أسلَمَ الأسيرُ زالَ القَتلُ اتِّفاقًا (١). رَوى البُخاريُّ ومُسلِمٌ عن أبي ظِبْيانَ قالَ: سَمِعتُ أُسامةَ بنَ زَيدِ بنِ حارِثةَ يُحدِّثُ قالَ: بعَثَنا رَسولُ اللهِ ﷺ إلى الحُرَقةِ مِنْ جُهَينةَ فصَبَّحنا القَومَ فهزَمْناهم، ولَحِقتُ أنا ورَجلٌ مِنْ الأنصارِ رَجلًا منهم فلمَّا غَشَيناهُ قالَ: لا إلهَ إلَّا اللَّهُ، فكَفَّ عَنه الأنصاريَّ وطعَنتُه برُمحي حتى قتَلتُه. قالَ فلمَّا قدِمْنا بلَغ ذلك النَّبيَّ ﷺ فقالَ لي: «يا أُسامةُ، أقتَلتَه بعدَما قالَ: لا إلهَ إلَّا اللَّهُ؟»، قالَ: قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّما كانَ مُتعوِّذًا، قالَ: فقالَ: «أقتَلتَه بعدَما قالَ: لا إلهَ إلَّا اللَّهُ؟»، قالَ: فما زال يُكرِّرُها علَيَّ حتى تَمنَّيتُ أنِّي لم أكُنْ أسلَمتُ قبلَ ذلك اليَومِ (٢). قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: ولا خِلافَ بينَ المُسلِمينَ أنَّ الحَربيَّ إذا أسلَمَ عندَ رُؤيةِ السَّيفِ وهو مُطلَقٌ أو مُقيَّدٌ يَصحُّ إسلامُه وتُقبَلُ تَوبَتُه من الكُفرِ، وإنْ كانَت دِلالةُ الحالِ تَقضي أنَّ باطِنَه بخِلافِ ظاهِرِه. وأيضًا فإنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَقبَلُ من المُنافِقينَ عَلانيَتَهم ويَكِلُ سَرائرَهم إلى اللهِ مع إخبارِ اللهِ له أنَّهم ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المجادلة ﴿١٦] وأنَّهم ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا

стр. 12167

كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ [التوبة: ٧٤] فعُلمَ أنَّ مَنْ أظهَرَ الإسلامَ والتَّوبةَ من الكُفرِ قُبِل ذلك منه (١). ثم اختَلفَ الفُقهاءُ في الأسيرِ إذا أسلَمَ هل يَصيرُ رَقيقًا في الحالِ ويَزولُ التَّخييرُ فيه ويَصيرُ حُكمُه حُكمَ النِّساءِ والصِّبيانِ أو يَسقُطُ القَتلُ ويَتخيَّرُ فيه الإمامُ بينَ الخِصالِ الباقيةِ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيُّ في أحَدِ قَولَيه وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَصيرُ رَقيقًا في الحالِ ويَزولُ عنه التَّخييرُ ويَكونُ حُكمُه حُكمَ النِّساءِ والصِّبيانِ (٢). قالَ الحَنفيةُ: فإنْ أسلَمَ الأسيرُ قبلَ أنْ يُقسِّمَ حرُمَ دَمُه وقُسِّمَ في الغَنيمةِ؛ لأنَّ القَتلَ عُقوبةٌ على الكُفرِ، فيَرتفِعُ بالإسلامِ، وأمَّا القِسمةُ فلأنَّ الإسلامَ لا يُنافي الاستِرقاقَ، ولا يَجوزُ أنْ يَرُدَّهم إلى دارِ الحَربِ؛ لأنَّ في ذلك تَقويةً لهم على المُسلِمينَ؛ فإنْ أسلَموا لا يَقتُلُهم، وله أنْ يَسترِقَّهم تَوفيرًا للمَنفَعةِ بعدَ انعِقادِ السَّببِ وهو الأخذُ، بخِلافِ إسلامِهم قبلَ الأخذِ؛ لأنَّه لم يَنعقِدِ السَّببُ بَعدُ (٣). قالَ الكاسانِيُّ ﵀: لو أسلَمَ الأسيرُ في دارِ الحَربِ لا يَكونُ حُرًّا، ويَدخُلُ في القِسمةِ؛ لتَعلُّقِ حقِّ الغانِمينَ به بالأخْذِ نَفسِه والاستِيلاءِ نَفسِه، فاعتِراضُ الإسلامِ عليه لا يُبطِلُه بخِلافِ ما إذا أسلَمَ قبلَ الأسرِ يَكونُ حُرًّا،

стр. 12168

ولا يَدخلُ في القِسمةِ؛ لأنَّه عندَ الأخذِ والأسرِ لمْ يَتعلَّقْ به حقُّ أحَدٍ، فكانَ الإسلامُ دافِعًا الحَقَّ، لا رافِعًا إيَّاه على ما بيَّنَّا (١). وقالَ الزَّركشيُّ ﵀: إذا أسلَمَ الأسيرُ تَعيَّنَ رِقُّه، نَصَّ عليه أحمدُ وعليه الأصحابُ؛ لأنَّه أسيرٌ يَحرُمُ قَتلُه أشبَهَ المَرأةَ، وقالَ أبو مُحمدٍ في الكافي: يَسقُطُ القَتلُ ويُخيَّرُ فيه بينَ الثَّلاثةِ الأُخَرِ؛ لأنَّ القَتلَ امتنَعَ لمانِعٍ (٢). وذهَبَ الشافِعيةُ في الأظهَرِ وهو قَولٌ للحَنابِلةِ -قالَ في «الإنصافِ»: هو المَذهبُ، ورجَّحَه ابنُ قُدامةَ- إلى أنَّ الإمامَ مُخيَّرٌ فيه بينَ سائرِ الخِصالِ، وهو ما يُفهَمُ من كَلامِ المالِكيةِ؛ فإنَّهم قالُوا: إنَّ الإمامَ مُخيَّرٌ في الأسيرِ الكافِرِ بينَ المَنِّ والفِداءِ والاستِرقاقِ ودَفعِ الجِزيةِ، فالمُسلِمُ من بابِ أوْلى يَتخيَّرُ فيه، لكنْ لا يَدفَعُ الجِزيةَ؛ لأنَّ الجِزيةَ لا تُفرَضَ على مُسلمٍ إجماعًا (٣). قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: إذا أسلَمَ الأسيرُ وهو رَجلٌ حُرٌّ مُكلَّفٌ قبلَ أنْ يَختارَ الإمامُ فيه شَيئًا عُصِمَ دَمُه، وهل يَصيرُ رَقيقًا بالإسلامِ؟ فيه طَريقان: أصَحُّهما: على قَولَينِ: أحدُهما: نَعمْ؛ لأنَّه أسيرٌ مُحرَّمُ القَتلِ فأشبَهَ الصَّبيَّ، وأظهَرُهما: لا يُرَقُّ، بل للإِمامِ أنْ يستَرِقَّه أو يَمُنَّ أو يُفاديَ، والطَّريقُ الأُخرى: القَطعُ بالتَّخييرِ؛ لأنَّه كانَ ثابِتًا، فلا يَزولُ؛

стр. 12169

فإنِ اختارَ الفِداءَ فشَرطُه أنْ يَكونَ له فيهم عِزٌّ أو عَشيرةٌ يُسلِّمُ بها دِيَتَه ونَفسَه، وسَواءٌ قُلنا: يَرِقُّ أو يَجوزُ إرقاقُه فأرَقَّه كانَ غَنيمةً، وكذا لو فاداه بمالٍ كانَ غَنيمةً، ولو أسلَمَ قبلَ أسرِه والظَّفرِ به عُصمَ دَمُه ومالُه، سَواءٌ أسلَمَ وهو مَحصورٌ، وقد قرُبَ الفَتحُ أو أسلَمَ في حالِ أمْنِه، وسَواءٌ أسلَم في دارِ الحَربِ أو الإسلامِ، ويُعصَمُ أيضًا أولادُه الصِّغارُ عن السَّبيِ، ويُحكَمَ بإسلامِهم تَبعًا له (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ أسلَمَ الأسيرُ صارَ رَقيقًا في الحالِ وزالَ التَّخييرُ وصارَ حُكمُه حُكمَ النِّساءِ، وبه قالَ الشافِعيُّ في أحَدِ قَولَيه. وفي الآخَرِ: يَسقُطُ القَتلُ ويَتخيَّرُ بينَ الخِصالِ الثَّلاثِ؛ لما رُويَ: أنَّ أصحابَ رَسولِ اللهِ ﷺ أسَروا رَجلًا مِنْ بَني عَقيلٍ، فمَرَّ به النَّبيُّ ﷺ فَقالَ: يا مُحمدُ، عَلامَ أُخِذتُ وأخَذتَ سابِقةَ الحاجِّ، فقالَ: أُخِذتَ بجَريرةِ حُلَفائِك مِنْ ثَقيفٍ، فقد أسَرتَ رَجلَينِ مِنْ أصحابي. فمَضى النَّبيُّ ﷺ فناداه: يا مُحمدُ، يا مُحمدُ. فقالَ له: «ما شأنُك؟» فقالَ: إنِّي مُسلِمٌ، فقالَ: «لو قُلتَها وأنتَ تَملِكُ أَرَك لأفلَحتَ كُلَّ الفَلاحِ، وفادَى به النَّبيُّ ﷺ الرَّجلَينِ» (٢). رَواه مُسلِمٌ، ولأنَّ القَتلَ سقَطَ بإسلامِه فبَقيَ باقي الخِصالِ على ما كانَت عليه.

стр. 12170

ولنا: أنَّه أسيرٌ يَحرُمُ قَتلُه فصارَ رَقيقًا كالمَرأةِ، والحَديثُ لا يُنافي رِقَّه فقد يُفادى بالمَرأةِ وهي رَقيقٌ كما رَوى سَلمةُ بنُ الأكوَعِ: «أنَّه غَزا مع أبي بَكرٍ، فنفَّلَه امرأةً، فوهَبَها النَّبيَّ ﷺ فبعَثَ بها إلى أهلِ مَكةَ، وفي أيديهم أُسارى، ففدَاهم بتلك المَرأةِ». إلا أنَّه لا يُفادَى به ولا يُمَنُّ عليه إلا بإذنِ الغانِمينَ؛ لأنَّه صار مالًا لهم. ويُحتمَلُ أنْ يَجوزَ المَنُّ عليه؛ لأنَّه كانَ يَجوزُ المَنُّ عليه مع كُفرِه فمع إسلامِه أوْلى؛ لكَونِ الإسلامِ حَسَنةً يَقتَضي إكرامَه والإنعامَ عليه، لا مَنعَ ذلك في حَقِّه، ولا يَجوزُ رَدُّه إلى الكُفارِ إلا أنْ يَكونَ له ما يَمنعُه من المُشرِكينَ من عَشيرةٍ أو نَحوِها، وإنَّما جازَ فِداؤُه؛ لأنَّه يَتخلَّصُ به من الرِّقِّ. فأمَّا إنْ أسلَمَ قبلَ أسرِه حرُمَ قَتلُه واستِرقاقُه والمُفاداةُ به سَواءٌ أسلَمَ وهو في حِصنٍ أو جَوفٍ أو مَضيقٍ أو غيرِ ذلك؛ لأنَّه لم يَحصُلْ في أيدي الغانِمينَ بَعدُ (١).

стр. 12171

فصل في أحكامِ الجاسوسِ حُكمُ الجَواسيسِ المُسلِمينَ وغيرِ المُسلِمينَ ضِدَّ الدَّولةِ الإسلاميةِ: الجاسوسُ إمَّا أنْ يَكونَ حَربيًّا وإمَّا أنْ يَكونَ مُسلمًا وإمَّا أنْ يَكونَ مُعاهَدًا وذِميًّا. وقبلَ أنْ نَتكلَّم عن حُكمِ كلِّ واحِدٍ منهم لا بدَّ أنْ نَعرِفَ أوَّلًا ما هو التَّجسُّسُ؟ وما الذي يُعتبَرُ من الأعمالِ تَجسُّسًا؟ وما الذي لا يُعتبَرُ كذلك؟ وبالتالي يأتي الحُكمُ على مَنْ يَقومونَ بتلك الأعمالِ؛ لأنَّ الحُكمَ على الشَّيءِ فَرعٌ عن تَصوُّرِه.

стр. 12172

أوَّلاً: تَعريفُ التَّجسُّسِ: أ- التَّجسُّسُ في اللُّغةِ: قالَ الرازيُّ ﵀ في «مُختارِ الصِّحاحِ»: جَسَّه بيَدِه أي: مَسَّه … وجَسَّ الأخبارَ وتجَسَّسها: تَفحَّصَ عنها، ومنه الجاسوسُ (١). وفي «المِصباحِ المُنيرِ»: جَسَّ الأخبَارَ وتجَسَّسها: تتبَّعَها، ومنه الجاسُوسُ؛ لأنَّه يَتتبَّعُ الأخبارَ ويَفحَصُ عن بَواطِنِ الأُمورِ، ثم استُعيرَ لنَظرِ العَينِ (٢). وفي «تاجِ العَروسِ»: الجَسُّ: تَفحُّصُ الأخبارِ والبَحثُ عنها، كالتَّجسُّسِ … وقيلَ: التَّجسُّسُ بالجيمِ: البَحثُ عن العَوراتِ، وبالحاءِ: الاستِماعُ، ومعناهما واحِدٌ في تَطلُّبِ مَعرِفةِ الأخبارِ، ومنه الجاسوسُ والجَسيسُ كأميرٍ: لصاحِبِ سِرِّ الشَّرِّ، وهو العَينُ الذي يَتجسَّسُ الأخبارَ (٣). وقالَ ابنُ الأثيرِ ﵀: التَّجسُّسُ بالجِيمِ: التَّفتيشُ عن بَواطِنِ الأُمورِ (٤).

стр. 12173

هذا مَعنى التَّجسُّسِ في اللُّغةِ، وكلُّها تَدورُ في فَلكِ هذه المَعاني: التَّتبُّعِ للمَعلوماتِ والأخبارِ، وتَفحُّصِها من أجلِ التَّثبُّتِ منها، والتَّفتيشِ عن الأسرارِ أو بَواطِنِ الأُمورِ. ب- وأمَّا ما يَتَّصِلُ بالأعمالِ التي تُعتبَرُ من التَّجسُّسِ والتي لا تُعتبَرُ فهي: التَّجسُّسُ على عَوراتِ المُسلِمينَ، ونَقلُ المَعلوماتِ التي تُعتبَرُ من الأخبارِ السِّرِّيةِ في الحَربِ، ومُحاوَلةُ الحُصولِ على المَعلوماتِ المُتعلِّقةِ بالوَضعِ العَسكريِّ للجَيشِ الإسلاميِّ، أو للدَّولةِ الإسلاميةِ. والمُرادُ بعَوراتِ المُسلِمينَ هنا -هو ما جاءَ في المِصباحِ المُنيرِ- قالَ: «العَورةُ في الثَّغرِ والحَربِ خَللٌ يُخافُ منه والجَمعُ عَوراتٌ» (١). وجاء في بعضِ ما يَقومُ به الجاسوسُ لمَصلَحةِ الأعداءِ ما قالَه الدَّرديرُ ﵀ في «الشَّرحِ الكَبيرِ»: كأنْ يَكتُبَ لهم كِتابًا أو يُرسِلَ رَسولًا بأنَّ المحَلَّ الفُلانيَّ للمُسلِمينَ لا حارِسَ فيه، مَثلًا، ليأتوا منه (٢). وأمَّا نَقلُ المَعلوماتِ التي تُعتبَرُ من الأخبارِ السِّريةِ في الحَربِ فمِثالُه ما ذُكِر في كِتابِ «الأُمِّ» للشافِعيِّ عن بعضِ ما يَقومُ به الجاسوسُ: يَكتُبُ إلى المُشرِكينَ من أهلِ الحَربِ بأنَّ المُسلِمينَ يُريدون غَزوَهم (٣). أي: حينَ تُريدُ الدَّولةُ الإسلاميةُ إحاطةَ التَّحضيراتِ العَسكريةِ لهذا الغَرضِ بالسِّريةِ والكِتمانِ، ثم يَكتشِفُ أحَدُهم هذا الأمرَ، فيُحاوِلُ أنْ يَقومَ بإخبارِ العَدوِّ بذلك كما في قِصةِ حاطِبِ بنِ أبي بَلتَعةَ الآتي ذِكرُها.

стр. 12174

وأمَّا مُحاوَلةُ الحُصولِ على المَعلوماتِ المُتعلِّقةِ بالوَضعِ العَسكريِ للجَيشِ الإسلاميِّ أو للدَّولةِ الإسلاميةِ فهو كما جاءَ في قِصةِ «العَينِ» أو: «الجاسوسِ» الذي تَغدَّى مع المُسلِمينَ، وهُم يَستَعِدُّون لحَربِ «هَوازِنَ» في «حُنَينٍ» ليَطَّلعَ على جَيشِ المُسلِمينَ، ففي صَحيحِ البُخاريِّ عن سَلمةَ ابنِ الأكوَعِ ﵁ قالَ: أتى النَّبيَّ ﷺ عَينٌ من المُشرِكينَ وهو في سَفرٍ، فجلَس عندَ أصحابِه يَتحدَّثُ، ثم انفتَلَ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «اطلُبوه واقتُلوه، فقتَلَه فنفَّلَه سلَبَه» (١). وعندَ مُسلمٍ في القِصةِ نَفسِها: « … ثم تَقدَّمَ يَتغدَّى مع القَومِ وجعَلَ يَنْظُرُ وفينا ضَعفةٌ ورِقَّةٌ في الظَّهرِ وبَعضُنا مُشاةٌ إذ خرَجَ يَشتَدُّ … » (٢). وعند أحمدَ وابنِ حِبانَ في صَحيحِه في القِصةِ نَفسِها: « … فأتى بَعِيرهُ فقعَد عليه فخرَجَ يَركُضُه وهو طَليعةٌ للكُفارِ … » (٣). قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: الطَّليعةُ: أي: مَنْ يُبعَثَ إلى العَدوِّ ليَطَّلعَ على أحوالِهم، وهو اسمُ جِنسٍ يَشمَلُ الواحِدَ فما فَوقَه (٤). وعلى هذا فالمُرادُ بالتَّجسُّسِ هنا ليسَ هو مُجرَّدَ الحُصولِ على أيِّ مَعلوماتٍ تَتَّصِلُ بأحوالِ المُسلِمينَ ونَقلِها إلى الدُّولِ أو الجِهاتِ غيرِ

стр. 12175

الإسلاميةِ، وإنَّما هو الحُصولُ على تلك المَعلوماتِ التي من شأنِها أنْ يَستفيدَ منها العَدوُّ لإلحاقِ الضَّررِ بالمُسلِمينَ ممَّا له صِلةٌ بعَوراتِهم -أي: نِقاطِ الضَّعفِ في الجَبهةِ الإسلاميةِ- وما يُرادُ كِتمانُه عن العَدوِّ وما يَتعلَّقُ بالوَضعِ العَسكريِّ للدَّولةِ الإسلاميةِ وما شاكَلَ ذلك. ولهذا فإنَّ الحُصولَ على المَعلوماتِ المُتعلِّقةِ -مَثلًا- بالمُبارَياتِ الرِّياضيةِ أو النَّدواتِ الثَّقافيةِ ونَحوِ ذلك من النَّشاطاتِ التي هي ظاهِرةٌ للعِيانِ ولا تُحاوِلُ الدَّولةُ إخفاءَها عن العَدوِّ ولو جرَت في أوقاتِ الحَربِ لا يُعتبَرُ من التَّجسُّسِ. وخُلاصةُ ما ذكَرْناه عن مَوضوعِ الجاسوسيةِ: أنَّه مُحاولةُ الحُصولِ على المَعلوماتِ التي تَتَّصلُ بالحَربِ أو الاستِعدادِ لها ممَّا يُهِمُّ الدَّولةَ إخفاؤُه عن الدُّولِ الأُخرى، سَواءٌ نجَحَت تلك المُحاوَلةُ أو أخفَقَت، وسَواءٌ تم نَقلُ تلك المَعلوماتِ للعَدوِّ أو لم يَتمَّ. ثانيًا: حُكمُ الجاسوسِ: الجاسوسُ إمَّا أنْ يَكونَ حَربيًّا، وإمَّا أنْ يَكونَ مُسلمًا، وإمَّا أنْ يَكونَ مُعاهَدًا وذِميًّا. أولًا: حُكمُ الجاسوسِ الحَربيِّ: لا خِلافَ بينَ العُلماءِ على جَوازِ قَتلِ الجاسوسِ الكافِرِ الحَربيِّ؛ لما رَوى البُخاريُّ في صَحيحِه عن سَلمةَ بنِ الأكوَعِ ﵁ قالَ: أتى النَّبيَّ ﷺ عَينٌ من المُشرِكينَ وهو في سَفرٍ، فجلَسَ عندَ أصحابِه يَتحدَّثُ،

стр. 12176

ثم انفتَلَ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «اطلُبوه واقتُلوه، فقتَلَه فنفَّلَه سلَبَه» (١). ورَواه مُسلِمٌ في «صَحيحِه» عن سَلمةَ بنِ الأكوَعِ قالَ: «غَزَونا مع رَسولِ اللهِ ﷺ هَوازِنَ فبَينا نَحنُ نَتضَحَّى مع رَسولِ اللهِ ﷺ إذْ جاءَ رَجلٌ على جَملٍ أحمَرَ فأناخَه ثم انتزَعَ طَلَقًا من حَقَبِه فَقيَّدَ به الجَملَ، ثُمَّ تَقدَّمَ يَتغدَّى مع القَومِ، وجعَلَ يَنْظُرُ وفينا ضَعفةٌ ورِقَّةٌ في الظَّهرِ وبَعضُنا مُشاةٌ، إذْ خرَجَ يَشتَدُّ فأَتى جَملَه فأطلَقَ قَيدَه ثم أناخَه وقعَد عليه فأثارَه فاشتَدَّ به الجَملُ، فاتَّبَعه رَجلٌ على ناقَةٍ وَرقاءَ، قالَ سَلَمةُ: وخرَجتُ أشتَدُّ فكُنتُ عندَ وَرِكِ الناقةِ ثم تَقدَّمتُ حتى كُنْتُ عندَ وَرِكِ الجَملِ ثم تَقدَّمتُ حتى أخَذتُ بخِطامِ الجَمَلِ فأنَختُه، فلمَّا وضَعَ رُكبَتَه في الأرضِ اختَرَطتُ سَيفي فضَربتُ رَأسَ الرَّجلِ فندَرَ ثم جِئتُ بالجَملِ أقودُه عليه رَحلُه وسِلاحُه فاستَقبَلَني رَسولُ اللهِ ﷺ والناسُ معه، فقالَ: مَنْ قتَلَ الرَّجلَ؟ قالُوا: ابنُ الأكوَعِ، قالَ: له سلَبُه أجمَعُ» (٢). قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وفيه -أي: هذا الحَديثِ- قَتلُ الجاسوسِ الكافِرِ الحَربيِّ، وهو كذلك بإجماعِ المُسلِمينَ، وفي رِوايةِ النَّسائيِّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ أمَرَهم بطَلَبِه وقَتلِه (٣).

стр. 12177

ثانيًا: حُكمُ الجاسوسِ المُسلِمِ: ابتَداءً لا نَعلمُ أحَدًا مِنْ أهلِ العِلمِ نَصَّ على كُفرِ الجاسوسِ المُسلِمِ بمُجرَّدِ الجَسِّ، بل نَصَّ الإمامُ الشافِعيُّ على أنَّ الخِلافَ في تَكفيرِه غيرُ مُعتبَرٍ؛ فإنَّه قالَ: وليسَ الدِّلالةُ على عَورةِ مُسلمٍ ولا تأييدِ كافرٍ بأنْ يُحذِّرَ أنَّ المُسلِمينَ يُريدونَ منه غِرةً ليَحذَرَها أو يَتقدَّمَ في نِكايةِ المُسلِمينَ بكُفرٍ بيِّنٍ، ثم سُئلَ: أقُلتَ هذا خَبرًا أم قياسًا؟ قالَ: قُلتُه بما لا يَسعُ مُسلمًا عَلِمه عندي أنْ يُخالِفَه بالسُّنةِ المَنصوصةِ بعدَ الاستِدلالِ بالكِتابِ (١). وقالَ ابنُ العَربيِّ والقُرطبيُّ: مَنْ كثُرَ تَطلُّعُه على عَوراتِ المُسلِمينَ ويُنَبِّهُ عليهم ويُعرِّفُ عَدوَّهم بأخبارِهم لم يَكنْ بذلك كافرًا إذا كانَ فِعلُه لغَرضٍ دُنيَويٍّ، واعتِقادُه على ذلك سَليمٌ، كما فعَلَ حاطِبُ بنُ أبي بَلتَعةَ حينَ قصَدَ بذلك اتِّخاذَ اليَدِ ولم يَنوِ الرِّدةَ عن الدِّينِ (٢). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وفيه أنَّ الجاسوسَ وغيرَه من أصحابِ الذُّنوبِ الكَبائِرِ لا يَكفُرونَ بذلك، وهذا الجَسُّ كَبيرةٌ قَطعًا؛ لأنَّه يَتضمَّنُ إيذاءَ النَّبيِّ ﷺ وهو كَبيرةٌ بلا شكٍّ (٣). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: وقد تَحصُلُ للرَّجلِ مُوادَّتُهم لرَحمٍ أو حاجةٍ فتَكونُ ذَنبًا يَنقُصُ به إيمانُه، ولا يَكونُ به كافرًا، كما حصَلَ

стр. 12178

من حاطِبِ بنِ أبي بَلتَعةَ لمَّا كاتَبَ المُشرِكينَ ببَعضِ أخبارِ النَّبيِّ ﷺ ، وأنزَلَ اللهُ فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [u: ١] (١) . أمَّا قَتلُ الجاسوسِ المُسلِمِ فاختَلفَ الفُقهاءُ فيه على خَمسةِ أقوالٍ: القَولُ الأولُ: أنَّ الجاسوسَ المُسلِمَ لا يَجوزُ قَتلُه، لكنْ يُعاقَبُ عُقوبةً تَعزيريةً، وهو قَولُ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والظاهِرُ من مَذهبِ الحَنابِلةِ. يَقولُ أبو يُوسفَ وهو يُخاطِبُ هارونَ الرَّشيدَ: «وسأَلتَ يا أميرَ المُؤمِنينَ عن الجَواسيسِ؟ … يَقولُ أبو يُوسفَ في الجَوابِ: إنْ كانُوا من أهلِ الإسلامِ مَعروفينَ فأوجِعْهم عُقوبةً وأطِلْ حَبسَهم حتى يُحدِثوا تَوبةً» (٢). وجاء في كِتابِ «شَرحِ السِّيَرِ الكَبيرِ»: وإذْ وجَدَ المُسلِمونَ رَجلًا ممَّن يَدَّعي الإسلامَ عَينًا للمُشرِكينَ على المُسلِمينَ يُكتَبَ إليهم بعَوراتِهم فأقرَّ بذلك طَوعًا؛ فإنَّه لا يُقتَلُ، ولكنَّ الإمامَ يُوجِعُه عُقوبةً، واستَدلَّ عليه بحَديثِ حاطِبِ بنِ أبي بَلتَعةَ؛ فإنَّه كتَبَ إلى قُريشٍ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ يَغزُوكم فخُذوا حِذْرَكم … الحَديثَ، إلى أنْ قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَهلًا يا عُمرُ فلَعلَّ اللهَ قد اطَّلعَ على أهلِ بَدرٍ فقالَ: اعمَلوا ما شِئتُم فقد غَفرتُ لكم». فلو كانَ بهذا كافرًا مُستوجِبًا للقَتلِ ما ترَكه رَسولُ اللهِ ﷺ ، بَدريًّا كانَ أو غيرَ بَدريٍّ.

стр. 12179

وكذلك لو لزِمَه القَتلُ بهذا حَدًّا ما ترَك رَسولُ اللهِ ﷺ إقامَتَه عليه (١). وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: لا يَحِلُّ دَمُ مَنْ ثبتَت له حُرمةُ الإسلامِ إلا أنْ يَقتُلَ أو يزنِيَ بعدَ إحصانٍ أو يَكفُرَ كُفرًا بيِّنًا بعدَ إيمانٍ ثم يَثبُتَ على الكُفرِ، وليسَ الدِّلالةُ على عَورةِ مُسلمٍ ولا تَأييدِ كافرٍ بأنْ يُحذِّرَ أنَّ المُسلِمينَ يُريدونَ منه غِرةً ليَحذَرَها أو يَتقدَّمَ في نِكايةِ المُسلِمينَ بكُفرٍ بيِّنٍ (٢). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا الجاسوسُ المُسلِمُ فقالَ الشافِعيُّ والأَوزاعيُّ وأبو حَنيفةَ وبَعضُ المالِكيةِ وجَماهيرُ العُلماءِ ﵏: يُعزِّرُه الإمامُ بما يَرى من ضَربٍ وحَبسٍ ونَحوِهما، ولا يَجوزُ قَتلُه (٣). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: وأمَّا مالِكٌ وغيرُه فحُكي عنه أنَّ مِنْ الجَرائمِ ما يُبلَغُ به القَتلُ، ووافَقه بعضُ أصحابِ أحمدَ في مِثلِ الجاسوسِ المُسلِمِ إذا تَجسَّسَ للعَدوِّ على المُسلِمينَ؛ فإنَّ أحمدَ يَتوقَفَ في قَتلِه، وجوَّزَ مالِكٌ وبَعضُ الحَنابِلةِ -كابنِ عَقيلٍ- قَتلَه، ومنَعَه أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وبَعضُ الحَنابِلةِ كالقاضي أبي يَعلى (٤).

стр. 12180

قالَ ابنُ القَيمِ ﵀: وقالَ الشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ: لا يُقتَل، وهو ظاهِرُ مَذهبِ أحمدَ (١). القَولُ الثانِي: أنَّه يَجبُ قَتلُ الجاسوسِ المُسلِمِ مُطلَقًا، وهو قَولُ سحنُونٍ وابنِ القاسِمِ من المالِكيةِ. قالَ سحنُونٌ ﵀: إذا كاتبَ المُسلِمُ أهلَ الحَربِ قُتلَ ولمْ يُستتَبْ، ومالُه لوَرَثتِه. وقالَ ابنُ القاسِمِ ﵀: يُقتَل ولا يُعرَفُ لهذا تَوبةٌ، وهو كالزِّنديقِ (٢). وقالَ الخَرشيُّ ﵀: المَشهورُ أنَّ المُسلِمَ إذا تبيَّنَ أنَّه عَينٌ للعَدوِّ؛ فإنَّه يَكونُ حُكمُه حينَئذٍ حُكمَ الزِّنديقِ، أي: فيُقتَل إنْ ظهَرَ عليه ولا تُقبَلُ تَوبَتُه، وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ وسحنُونٍ (٣). القَولُ الثالِثُ: أنَّه يَجبُ قَتلُ الجاسوسِ المُسلِمِ إذا أخَذَ بالتَّجسُّسِ قبلَ إعلانِ تَوبَتِه، أو إذا كانَ التَّجسُّسُ عادةً له، وهو قَولٌ عندَ المالِكيةِ. قالَ في «الشَّرِح الكَبيرِ»: والمُسلِمُ العَينُ كالزِّنديقِ يُقتَل إنْ ظهَرَ عليه، ولا تُقبَلُ منه تَوبةٌ، وإنْ جاءَ تائِبًا قُبِلت (٤).

стр. 12181

قالَ في «مِنحِ الجَليلِ»: والمُسلِمُ العَينُ كالزِّنديقِ -أي: الذي أظهَرَ الإسلامَ وأخفى الكُفرَ- في تَعيُّنِ قَتلِه وإنْ أظهَرَ التَّوبةَ بعدَ الاطِّلاعِ عليه، وقَبولِ تَوبَتِه إنْ أظهَرَها قبلَ الاطِّلاعِ عليه (١). القَولُ الرابِعُ: إنْ كانَت تلك عادَتَه قُتلَ وإلا فلا، وهو قَولُ عبدِ المَلكِ ابنِ الماجِشونِ من المالِكيةِ. قالَ ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ ﵀: وقالَ عبدُ المَلكِ -أي: ابنُ الماجِشونِ- إذا كانَت تلك عادَتَه قُتِل؛ لأنَّه جاسوسٌ (٢). قالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: ولَعلَّ ابنَ الماجِشونِ إنَّما اتَّخذَ التَّكرارَ في هذا؛ لأنَّ حاطِبًا أُخذَ فِي أوَّلِ فِعلِه، واللهُ أعلَمُ (٣). والقَولُ الخامِسُ: أنَّ قَتلَ الجاسوسِ المُسلِمِ جائِزٌ وليسَ بواجِبٍ، وأنَّه يَخضَعُ لاجتِهادِ الإمامِ، وهو قَولُ الإمامِ مالِكٍ وابنِ عَقيلٍ واختيارُ ابنِ القَيمِ. قالَ ابنُ العَربيِّ ﵀: مَنْ كثُرَ تَطلُّعُه على عَوراتِ المُسلِمينَ … ويُعرِّفُ عَدوَّهم بأخبارِهم لم يَكنْ بذلك كافرًا إذا كانَ فِعلُه لغَرضٍ دُنيَويٍّ، واعتِقادُه على ذلك سَليمٌ، كما فعَلَ حاطِبُ بنُ أبي بَلتَعةَ حينَ قصَدَ بذلك اتِّخاذَ اليَدِ ولم يَنوِ الرِّدةَ عن الدِّينِ.

стр. 12182

إذا قُلنا: إنَّه لا يَكونُ به كافرًا، فهل يُقتَل به حَدًّا أو لا؟ فقالَ مالِكٌ: يَجتهِدُ فيه الإمامُ، وقد قالَ مالِكٌ: يُقتَل الجاسوسُ، وهو صَحيحٌ لإضرارِه بالمُسلِمينَ وسَعيِه بالفَسادِ في الأرضِ (١). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: يَجوزُ قَتلُ الجاسوسِ المُسلِمِ إذا قصَدَ المَصلَحةَ، وهو قَولُ مالِكٍ وبَعضِ أصحابِ أحمدَ كابنِ عَقيلٍ (٢). واستَدلَّ أصحابُ هذا القَولِ بقِصةِ حاطِبِ بنِ أبي بَلتَعةَ التي رَواها البُخاريُّ ومُسلِمٌ وغيرُهما عن عَلِيٍّ ﵁ قالَ: «بعَثَني رَسولُ اللهِ ﷺ وأبا مَرثَدٍ الغَنويَّ والزُّبيرَ بنَ العَوامِ وَكلُّنا فارِسٌ، قالَ: انطَلِقوا حتى تَأتوا رَوضةَ خاخٍ؛ فإنَّ بها امرأةً من المُشرِكينَ معها كِتابٌ من حاطِبِ بنِ أبي بَلتَعةَ إلى المُشرِكينَ، فأدرَكْناها تَسيرُ على بَعيرٍ لها حيثُ قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ ، فَقُلنا: الكِتابَ، فقالَت: ما معنا كِتابٌ، فأنخْناها فالتمَسنا فلم نَرَ كِتابًا، فقُلنا: ما كذَبَ رَسولُ اللهِ ﷺ ، لتُخرِجِنَّ الكِتابَ أو لنُجرِّدنَّك، فلمَّا رَأتِ الجِدَّ أهوَت إلى حُجزَتِها وهي مُحتجِزةٌ بِكساءٍ فأخرَجَته، فانطَلَقنا بها إلى رَسولِ اللهِ ﷺ ، فقالَ عُمرُ: يا رَسولَ اللهِ، قد خانَ اللهَ ورَسولَه والمُؤمِنينَ، فدَعْني فَلأضرِب عنُقَه، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : ما حمَلَك على ما صنَعَت؟ قالَ حاطِبٌ: واللهِ ما بي ألَّا أكونَ مُؤمِنًا بِاللهِ ورَسولِه ﷺ ، أرَدتُ أنْ يَكونَ لي عندَ القَومِ يَدٌ يَدفَعُ اللهُ

стр. 12183

بها عن أهلي ومالي، وليسَ أحدٌ من أصحابِك إلا له هُناكَ من عَشيرَتِه من يَدفَعُ اللهُ به عن أهلِه ومالِه، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : صدَقَ، ولا تَقولوا له إلا خَيرًا، فقالَ عُمرُ: إنَّه قد خانَ اللهَ ورَسولَه والمُؤمِنينَ، فدَعْني فلأَضرِب عنُقَه، فقالَ: أليسَ من أهلِ بَدرٍ؟ فقالَ: لعَلَّ اللهَ اطَّلعَ إلى أهلِ بَدرٍ فقالَ: اعمَلوا ما شِئتُم فقد وجَبَت لكُم الجَنةُ، أو فقد غَفرتُ لكم، فدمَعَت عَينا عُمرَ وقالَ: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ» (١). قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: استَدلَّ باستِئذانِ عُمرَ على قَتلِ حاطِبِ لمَشروعيةِ قَتلِ الجاسوسِ ولو كانَ مُسلمًا، وهو قَولُ مالِكٍ ومَن وافَقه، ووَجهُ الدِّلالةِ أنَّه ﷺ أقَرَّ عُمرَ على إرادةِ القَتلِ لولا المانِعُ، وبَيَّن المانِعَ وهو كَونُ حاطِبٍ شهِدَ بَدرًا، وهذا مُنتَفٍ في غيرِ حاطِبٍ، فلو كانَ الإسلامُ مانِعًا من قَتلِه لما علَّلَ بأخَصَّ منه (٢). وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: فيه -أي: حَديثِ حاطِبٍ- جَوازُ قَتلِ الجاسوسِ وإنْ كانَ مُسلمًا؛ لأنَّ عُمرَ ﵁ سألَ رَسولَ اللهِ ﷺ قتْلَ حاطِبِ ابنِ أبي بَلتَعةَ لمَّا بعَثَ يُخبِرُ أهلَ مَكةَ بالخَبرِ ولم يَقلْ رَسولُ اللهِ ﷺ : لا يَحِلُّ قَتلُه إنَّه مُسلِمٌ، بل قالَ: «وما يُدريك لعَلَّ اللهَ قد اطَّلعَ على أهلِ بَدرٍ فقالَ: اعمَلوا ما شِئتُم». فأجابَ بأنَّ فيه مانِعًا من قَتلِه وهو شُهودُه بَدرًا، وفي الجَوابِ بهذا كالتَّنبيهِ على جَوازِ قَتلِ جاسوسٍ ليسَ له

стр. 12184

مِثلُ هذا المانِعِ، وهذا مَذهبُ مالِكٍ وأحَدُ الوَجهَينِ في مَذهبِ أحمدَ، وقالَ الشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ: لا يُقتَل، وهو ظاهِرُ مَذهبِ أحمدَ، والفَريقانِ يَحتَّجُّونَ بقِصةِ حاطِبٍ. والصَّحيحُ أنَّ قَتلَه راجِعٌ إلى رأيِ الإمامِ؛ فإنْ رأى في قَتلِه مَصلَحةً للمُسلِمينَ قتَله، وإنْ كانَ استِبقاؤُه أصلَحَ استَبقاه، واللهُ أعلَمُ (١). ثالِثًا: حُكمُ الجاسوسِ المُعاهَدِ والذِّميِّ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الجاسوسِ المُعاهَدِ والذِّميِّ إذا تَجسَّس على المُسلِمينَ على قَولَينِ: القَولُ الأولُ: أنَّه يَجبُ قَتلُه، وهو قَولُ المالِكيةِ وأبي يُوسفَ من الحَنفيةِ، والمَنصوصُ عليه عندَ الحَنابِلةِ. قالَ أبو يُوسفَ ﵀ في خِطابِه لهارونَ الرَّشيدِ: وسأَلتَ يا أميرَ المُؤمِنينَ عن الجَواسيسِ؟ … فإنْ كانُوا من أهلِ الحَربِ أو مِنْ أهلِ الذِّمةِ ممَّن يُؤدِّي الجِزيةَ من اليَهودِ والنَّصارى والمَجوسِ فاضرِبْ أعناقَهم (٢). وجاء في «مِنحِ الجَليلِ»: وقُتِل -بضَمٍّ فكَسرٍ- شَخصٌ عَينٌ -بفَتحِ العَينِ المُهمَلةِ، أي: جاسوسٌ- على المُسلِمينَ يُطلِعُ الحَربيِّينَ على عَوراتِ المُسلِمينَ ويَنقُلُ أخبارَهم إليهم -وهو رَسولُ الشَّرِّ، والناموسُ رَسولُ الخَيرِ- إنْ لم يُؤمِنْ، بل وإنْ كانَ الجاسوسُ ذِميًّا عندَنا أو حَربيًّا

стр. 12185

أُمِّن؛ لأنَّه يَتضمَّنُ كَونَه عَينًا ولا يَستلزِمَه، ولا يَجوزُ عَقدُه عليه ويَتعيَّنُ قَتلُه، إلا أنْ يُسلِمَ (١). وقالَ ابنُ العَربيِّ والقُرطبيُّ: وقالَ أصبَغُ: الجاسوسُ الحَربيُّ يُقتَلُ، والجاسوسُ المُسلِمُ والذِّميُّ يُعاقَبانِ إلا إنْ تَظاهرا على الإسلامِ فيُقتَلا (٢). وقالَ في «التاجِ والإكليلِ»: (وتَطلُّعُ عَوراتِ المُسلِمينَ) قالَ سحنُونٌ: إنْ وجَدنا بأرضِ الإسلامِ ذِميًّا كاتَبَ لأهلِ الشِّركِ بعَوراتِ المُسلِمينَ قُتلَ ليَكونَ نَكالًا لغيرِه (٣). وقالَ الخَرشيُّ: (ص) وقَتلُ عَينٍ وإنْ أُمِّنَ، والمُسلِمُ كالزِّنديقِ (ش) يَعني أنَّه يَجوزُ قَتلُ الجاسوسِ وهو مُرادُه بالعَينِ هنا، وهو الذي يَطَّلِعُ على عَوراتِ المُسلِمينَ ويَنقُلُ أخبارَهم للعَدُوِّ، فالجاسوسُ رَسولُ الشَّرِّ، وهو ضِدُّ الناموسِ؛ الذي هو رَسولُ الخَيرِ، وسَواءٌ كانَ هذا الجاسوسُ عندَنا تَحتَ الذِّمةِ ثم تَبيَّنَ أنَّه عَينٌ للعَدوِّ يُكاتِبُهم بأُمورِ المُسلِمينَ فلا عَهدَ له، أو دخَلَ عندَنا بأمانٍ وإليه الإشارةُ بقَولِه: وإنْ أُمِّنَ؛ لأنَّ الأمانَ لا يَتضمَّنُ كَونَه عَينًا ولا يَستَلزِمَه سحنُونٌ، إلا أنْ يَرى الإمامُ استِرقاقَه، ومحَلُّ جَوازِ قَتلِه إنْ لم يُسلِمْ (٤).
следующие страницы →