قالَ في «مِنحِ الجَليلِ»: والمُسلِمُ العَينُ كالزِّنديقِ -أي: الذي أظهَرَ الإسلامَ وأخفى الكُفرَ- في تَعيُّنِ قَتلِه وإنْ أظهَرَ التَّوبةَ بعدَ الاطِّلاعِ عليه، وقَبولِ تَوبَتِه إنْ أظهَرَها قبلَ الاطِّلاعِ عليه (١).
القَولُ الرابِعُ: إنْ كانَت تلك عادَتَه قُتلَ وإلا فلا، وهو قَولُ عبدِ المَلكِ ابنِ الماجِشونِ من المالِكيةِ.
قالَ ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ ﵀: وقالَ عبدُ المَلكِ -أي: ابنُ الماجِشونِ- إذا كانَت تلك عادَتَه قُتِل؛ لأنَّه جاسوسٌ (٢).
قالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: ولَعلَّ ابنَ الماجِشونِ إنَّما اتَّخذَ التَّكرارَ في هذا؛ لأنَّ حاطِبًا أُخذَ فِي أوَّلِ فِعلِه، واللهُ أعلَمُ (٣).
والقَولُ الخامِسُ: أنَّ قَتلَ الجاسوسِ المُسلِمِ جائِزٌ وليسَ بواجِبٍ، وأنَّه يَخضَعُ لاجتِهادِ الإمامِ، وهو قَولُ الإمامِ مالِكٍ وابنِ عَقيلٍ واختيارُ ابنِ القَيمِ.
قالَ ابنُ العَربيِّ ﵀: مَنْ كثُرَ تَطلُّعُه على عَوراتِ المُسلِمينَ … ويُعرِّفُ عَدوَّهم بأخبارِهم لم يَكنْ بذلك كافرًا إذا كانَ فِعلُه لغَرضٍ دُنيَويٍّ، واعتِقادُه على ذلك سَليمٌ، كما فعَلَ حاطِبُ بنُ أبي بَلتَعةَ حينَ قصَدَ بذلك اتِّخاذَ اليَدِ ولم يَنوِ الرِّدةَ عن الدِّينِ.
стр. 12182
إذا قُلنا: إنَّه لا يَكونُ به كافرًا، فهل يُقتَل به حَدًّا أو لا؟ فقالَ مالِكٌ: يَجتهِدُ فيه الإمامُ، وقد قالَ مالِكٌ: يُقتَل الجاسوسُ، وهو صَحيحٌ لإضرارِه بالمُسلِمينَ وسَعيِه بالفَسادِ في الأرضِ (١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: يَجوزُ قَتلُ الجاسوسِ المُسلِمِ إذا قصَدَ المَصلَحةَ، وهو قَولُ مالِكٍ وبَعضِ أصحابِ أحمدَ كابنِ عَقيلٍ (٢).
واستَدلَّ أصحابُ هذا القَولِ بقِصةِ حاطِبِ بنِ أبي بَلتَعةَ التي رَواها البُخاريُّ ومُسلِمٌ وغيرُهما عن عَلِيٍّ ﵁ قالَ: «بعَثَني رَسولُ اللهِ ﷺ وأبا مَرثَدٍ الغَنويَّ والزُّبيرَ بنَ العَوامِ وَكلُّنا فارِسٌ، قالَ: انطَلِقوا حتى تَأتوا رَوضةَ خاخٍ؛ فإنَّ بها امرأةً من المُشرِكينَ معها كِتابٌ من حاطِبِ بنِ أبي بَلتَعةَ إلى المُشرِكينَ، فأدرَكْناها تَسيرُ على بَعيرٍ لها حيثُ قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ ، فَقُلنا: الكِتابَ، فقالَت: ما معنا كِتابٌ، فأنخْناها فالتمَسنا فلم نَرَ كِتابًا، فقُلنا: ما كذَبَ رَسولُ اللهِ ﷺ ، لتُخرِجِنَّ الكِتابَ أو لنُجرِّدنَّك، فلمَّا رَأتِ الجِدَّ أهوَت إلى حُجزَتِها وهي مُحتجِزةٌ بِكساءٍ فأخرَجَته، فانطَلَقنا بها إلى رَسولِ اللهِ ﷺ ، فقالَ عُمرُ: يا رَسولَ اللهِ، قد خانَ اللهَ ورَسولَه والمُؤمِنينَ، فدَعْني فَلأضرِب عنُقَه، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : ما حمَلَك على ما صنَعَت؟ قالَ حاطِبٌ: واللهِ ما بي ألَّا أكونَ مُؤمِنًا بِاللهِ ورَسولِه ﷺ ، أرَدتُ أنْ يَكونَ لي عندَ القَومِ يَدٌ يَدفَعُ اللهُ
стр. 12183
بها عن أهلي ومالي، وليسَ أحدٌ من أصحابِك إلا له هُناكَ من عَشيرَتِه من يَدفَعُ اللهُ به عن أهلِه ومالِه، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : صدَقَ، ولا تَقولوا له إلا خَيرًا، فقالَ عُمرُ: إنَّه قد خانَ اللهَ ورَسولَه والمُؤمِنينَ، فدَعْني فلأَضرِب عنُقَه، فقالَ: أليسَ من أهلِ بَدرٍ؟ فقالَ: لعَلَّ اللهَ اطَّلعَ إلى أهلِ بَدرٍ فقالَ: اعمَلوا ما شِئتُم فقد وجَبَت لكُم الجَنةُ، أو فقد غَفرتُ لكم، فدمَعَت عَينا عُمرَ وقالَ: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ» (١).
قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: استَدلَّ باستِئذانِ عُمرَ على قَتلِ حاطِبِ لمَشروعيةِ قَتلِ الجاسوسِ ولو كانَ مُسلمًا، وهو قَولُ مالِكٍ ومَن وافَقه، ووَجهُ الدِّلالةِ أنَّه ﷺ أقَرَّ عُمرَ على إرادةِ القَتلِ لولا المانِعُ، وبَيَّن المانِعَ وهو كَونُ حاطِبٍ شهِدَ بَدرًا، وهذا مُنتَفٍ في غيرِ حاطِبٍ، فلو كانَ الإسلامُ مانِعًا من قَتلِه لما علَّلَ بأخَصَّ منه (٢).
وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: فيه -أي: حَديثِ حاطِبٍ- جَوازُ قَتلِ الجاسوسِ وإنْ كانَ مُسلمًا؛ لأنَّ عُمرَ ﵁ سألَ رَسولَ اللهِ ﷺ قتْلَ حاطِبِ ابنِ أبي بَلتَعةَ لمَّا بعَثَ يُخبِرُ أهلَ مَكةَ بالخَبرِ ولم يَقلْ رَسولُ اللهِ ﷺ : لا يَحِلُّ قَتلُه إنَّه مُسلِمٌ، بل قالَ: «وما يُدريك لعَلَّ اللهَ قد اطَّلعَ على أهلِ بَدرٍ فقالَ: اعمَلوا ما شِئتُم». فأجابَ بأنَّ فيه مانِعًا من قَتلِه وهو شُهودُه بَدرًا، وفي الجَوابِ بهذا كالتَّنبيهِ على جَوازِ قَتلِ جاسوسٍ ليسَ له
стр. 12184
مِثلُ هذا المانِعِ، وهذا مَذهبُ مالِكٍ وأحَدُ الوَجهَينِ في مَذهبِ أحمدَ، وقالَ الشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ: لا يُقتَل، وهو ظاهِرُ مَذهبِ أحمدَ، والفَريقانِ يَحتَّجُّونَ بقِصةِ حاطِبٍ.
والصَّحيحُ أنَّ قَتلَه راجِعٌ إلى رأيِ الإمامِ؛ فإنْ رأى في قَتلِه مَصلَحةً للمُسلِمينَ قتَله، وإنْ كانَ استِبقاؤُه أصلَحَ استَبقاه، واللهُ أعلَمُ (١).
ثالِثًا: حُكمُ الجاسوسِ المُعاهَدِ والذِّميِّ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الجاسوسِ المُعاهَدِ والذِّميِّ إذا تَجسَّس على المُسلِمينَ على قَولَينِ:
القَولُ الأولُ: أنَّه يَجبُ قَتلُه، وهو قَولُ المالِكيةِ وأبي يُوسفَ من الحَنفيةِ، والمَنصوصُ عليه عندَ الحَنابِلةِ.
قالَ أبو يُوسفَ ﵀ في خِطابِه لهارونَ الرَّشيدِ: وسأَلتَ يا أميرَ المُؤمِنينَ عن الجَواسيسِ؟ … فإنْ كانُوا من أهلِ الحَربِ أو مِنْ أهلِ الذِّمةِ ممَّن يُؤدِّي الجِزيةَ من اليَهودِ والنَّصارى والمَجوسِ فاضرِبْ أعناقَهم (٢).
وجاء في «مِنحِ الجَليلِ»: وقُتِل -بضَمٍّ فكَسرٍ- شَخصٌ عَينٌ -بفَتحِ العَينِ المُهمَلةِ، أي: جاسوسٌ- على المُسلِمينَ يُطلِعُ الحَربيِّينَ على عَوراتِ المُسلِمينَ ويَنقُلُ أخبارَهم إليهم -وهو رَسولُ الشَّرِّ، والناموسُ رَسولُ الخَيرِ- إنْ لم يُؤمِنْ، بل وإنْ كانَ الجاسوسُ ذِميًّا عندَنا أو حَربيًّا
стр. 12185
أُمِّن؛ لأنَّه يَتضمَّنُ كَونَه عَينًا ولا يَستلزِمَه، ولا يَجوزُ عَقدُه عليه ويَتعيَّنُ قَتلُه، إلا أنْ يُسلِمَ (١).
وقالَ ابنُ العَربيِّ والقُرطبيُّ: وقالَ أصبَغُ: الجاسوسُ الحَربيُّ يُقتَلُ، والجاسوسُ المُسلِمُ والذِّميُّ يُعاقَبانِ إلا إنْ تَظاهرا على الإسلامِ فيُقتَلا (٢).
وقالَ في «التاجِ والإكليلِ»: (وتَطلُّعُ عَوراتِ المُسلِمينَ) قالَ سحنُونٌ: إنْ وجَدنا بأرضِ الإسلامِ ذِميًّا كاتَبَ لأهلِ الشِّركِ بعَوراتِ المُسلِمينَ قُتلَ ليَكونَ نَكالًا لغيرِه (٣).
وقالَ الخَرشيُّ: (ص) وقَتلُ عَينٍ وإنْ أُمِّنَ، والمُسلِمُ كالزِّنديقِ (ش) يَعني أنَّه يَجوزُ قَتلُ الجاسوسِ وهو مُرادُه بالعَينِ هنا، وهو الذي يَطَّلِعُ على عَوراتِ المُسلِمينَ ويَنقُلُ أخبارَهم للعَدُوِّ، فالجاسوسُ رَسولُ الشَّرِّ، وهو ضِدُّ الناموسِ؛ الذي هو رَسولُ الخَيرِ، وسَواءٌ كانَ هذا الجاسوسُ عندَنا تَحتَ الذِّمةِ ثم تَبيَّنَ أنَّه عَينٌ للعَدوِّ يُكاتِبُهم بأُمورِ المُسلِمينَ فلا عَهدَ له، أو دخَلَ عندَنا بأمانٍ وإليه الإشارةُ بقَولِه: وإنْ أُمِّنَ؛ لأنَّ الأمانَ لا يَتضمَّنُ كَونَه عَينًا ولا يَستَلزِمَه سحنُونٌ، إلا أنْ يَرى الإمامُ استِرقاقَه، ومحَلُّ جَوازِ قَتلِه إنْ لم يُسلِمْ (٤).
стр. 12186
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: «ومَن نقَضَ العَهدَ بمُخالَفةِ شَيءٍ مما صُولِحوا عليه حَلَّ دَمُه ومالُه» … وذكَرَ القاضي والشَّريفُ أبو جَعفَرٍ أنَّ الشُّروطَ قِسمانِ: أحدُهما: يَنتقِضُ العَهدُ بمُخالَفتِه وهو أحدَ عَشرَ شَيئًا: الامتِناعُ عن بَذلِ الجِزيةِ وجَري أحكامِنا عليهم إذا حكَمَ بها حاكِمٌ، والاجتِماعُ على قِتالِ المُسلِمينَ، وكذلك الزِّنا بمُسلِمةٍ وإصابَتُها باسمِ نِكاحٍ، وفَتنُ مُسلمٍ عن دِينِه، وقَطعُ الطَّريقِ عليه، وقَتلُه وإيواءُ جاسوسِ المُشرِكينَ والمُعاونةُ على المُسلِمينَ بدِلالةِ المُشرِكينَ على عَوراتِهم أو مُكاتَبتِهم، وكذلك ذِكرُ اللهِ تَعالى أو كِتابِه أو دِينِه أو رَسولِه بسُوءٍ.
فالخَصلَتان الأُولَيان يَنتقِضُ العَهدُ بهما بلا خِلافٍ في المَذهبِ، وفي مَعناهما قِتالُهم للمُسلِمينَ مُنفَرِدين أو مع أهلِ الحَربِ؛ لأنَّ إطلاقَ الأمانِ يَقتَضي ذلك، فإذا فعَلوه نَقضوا الأمانَ؛ لأنَّهم إذا قاتَلُونا لزِمَنا قِتالُهم وذلك ضِدُّ الأمانِ.
وسائِرُ الخِصالِ فيها رِوايتان:
إحداهُما: أنَّ العَهدَ يَنتَقِضُ بها سَواءٌ شُرطَ عليهم ذلك أو لم يُشترطْ.
والثانِية: لا يَنتقِضُ العَهدُ به.
ثم قالَ: وكلُّ مَوضِعٍ قُلنا: لا يَنتقِضُ عَهدُه؛ فإنَّه إنْ فعَلَ ما فيه حَدٌّ أُقيمَ عليه حَدُّه أو قِصاصُه، وإنْ لم يُوجِبْ حَدًّا عُزِّر ويُفعَلَ به ما يُكَفُّ به أمثالُه عن فِعلِه؛ فإنْ أرادَ أحَدٌ منهم فِعلَ ذلك كُفَّ عنه؛ فإنْ مانَعَ بالقِتالِ نُقِضَ عَهدُه.
ومَن حَكَمنا بنَقضِ عَهدِه منهم خُيِّر الإمامُ فيه بينَ أربَعةِ أشياءَ، هي: القَتلُ والاستِرقاقُ والفِداءُ والمَنُّ، كالأسيرِ الحَربيِّ؛ لأنَّه كافِرٌ قدِرَنا عليه في
стр. 12187
دارِنا بغيرِ عَهدٍ ولا عَقدٍ ولا ما يُشبِهُ ذلك، فأشبَهَ اللِّصَّ الحَربيَّ، ويَختصُّ ذلك به دونَ ذُرِّيتِه؛ لأنَّ النقضَ إنَّما وُجدَ منه دونَهم فاختَصَّ به، كما لو أتى ما يُوجِب حَدًّا أو تَعزيرًا (١).
وقالَ الإمامُ الزَّركشيُّ ﵀: وأمَّا حُكمُ المَذهبِ فمُلخَّصُه أنَّ ما لزِمَ أهلَ الذِّمةِ بشَرطٍ أو بغيرِه كما هو مُقرَّرٌ في مَوضِعه يَنقسِمُ أربَعةَ أقسامٍ … ثم قالَ: والثالِثُ: ما يَنتقِضُ به على المَنصوصِ والمُختارِ للأصحابِ، وإنْ لم يُشترطْ عليهم، كما إذا فتَنَ المُسلِمَ عن دِينِه أو قتَلَه أو قطَعَ الطَّريقَ عليه أو زَنى بمُسلِمةٍ أو قامَ بالتَّجسُّسِ للكُفارِ أو بإيواءِ جاسوسٍ، أو ذكَرَ اللهَ أو كِتابَه أو رَسولَه بسُوءٍ (٢).
وحُجةُ هذا القَولِ ما رَواه الإمامُ أبو داودَ في «سُننِه» تَحتَ عُنوانِ: بَابٌ في الجَاسُوسِ الذِّميِّ:
ثم رُوي عن حَارِثةَ بنِ مُضرِّبٍ عن فُراتِ بنِ حَيانَ: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أمَرَ بقَتلِه وكانَ عَينًا لأبي سُفيانَ، وكانَ حَليفًا لرَجلٍ مِنْ الأنصارِ فمَرَّ بحَلقةٍ من الأنصارِ، فقالَ: إنِّي مُسلِمٌ، فقالَ رَجلٌ من الأنصارِ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّه يَقولُ: إنِّي مُسلِمٌ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : إنَّ منكم رِجالًا نَكِلُهم إلى إيمانِهم، منهم فُراتُ بنُ حَيانَ» (٣).
ووَجهُ الدِّلالةِ من الحَديثِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ بقَتلِه.
стр. 12188
القَولُ الثانِي: أنَّه لا يُقتَل، وهو قَولُ مُحمدِ بنِ الحَسنِ الشَّيبانِيِّ والصَّحيحُ من مَذهبِ الشافِعيةِ، إلا إذا كانَ شُرطَ عليه حينَ عَقدِ الذِّمةِ الكَفُّ عن التَّجسُّسِ فيُقتلُ على الراجِحِ في مَذهبِ الشافِعيِّ.
جاء في «شَرحِ السِّيَرِ الكَبيرِ» للسَّرخسيِّ ﵀: وكذلك لو فعَلَ هذا -أي: التَّجسُّسَ على عَوراتِ المُسلِمينَ- ذِميٌّ؛ فإنَّه يُوجَعُ عُقوبةً ويُستودَعُ السِّجنَ، ولا يَكونُ هذا نَقضًا منه للعَهدِ؛ لأنَّه لو فعَلَه مُسلِمٌ لم يَكنْ به ناقِضًا أمانةً، فإذا فعَلَه ذِميٌّ لا يَكونُ ناقِضًا أمانةً أيضًا.
(ألَا تَرى) أنَّه لو قطَعَ الطَّريقَ فقتَلَ وأخَذَ المالَ لم يَكنْ به ناقِضًا لعَهدِه، وإنْ كانَ قطَع الطَّريقَ مُحارَبةً مع اللهِ ورَسولِه ﷺ بالنَّصِّ فهذا أوْلى.
وكذلك لو فعَلَه مُستأمَنٌ فينا؛ فإنَّه لا يَصيرُ ناقِضًا لأمانةٍ بمَنزِلةِ ما لو قطَعَ الطَّريقَ، إلا أنَّه يُوجَعُ عُقوبةً في جَميعِ ذلك؛ لأنَّه ارتكَبَ ما لا يَحِلُّ له، وقصَدَ بفِعلِه إلحاقَ الضَّررِ بالمُسلِمينَ؛ فإنْ كانَ حينَ طلَبَ الأمانَ قالَ له المُسلِمونَ: قد أمَّنَّاك إنْ لم تَكنْ عَينًا للمُشرِكينَ على المُسلِمينَ، أو أمَّنَّاك على أنَّكَ إنْ أخبَرتَ أهلَ الحَربِ بعَورةِ المُسلِمينَ فلا أمانَ لكَ، والمَسألةُ بحالِها فلا بأسَ بقَتلِه؛ لأنَّ المُعلَّقَ بالشَّرطِ يَكونُ مَعدومًا قبلَ وُجودِ الشَّرطِ، فقد علَّقَ أمانَه ههنا بشَرطِ ألَّا يَكونَ عَينًا، فإذا ظهَرَ أنَّه عَينٌ كانَ حَربيًّا لا أمانَ له، فلا بأسَ بقَتلِه.
وإنْ رأى الإمامُ أنْ يَصلُبَه حتى يَعتبِرَ به غيرُه فلا بأسَ بذلك.
стр. 12189
وإنْ رأى أنْ يَجعَلَه فَيْئًا فلا بأسَ به أيضًا، كغيرِه من الأُسراءِ، إلا أنَّ الأوْلى أنْ يَقتُلَه ههنا ليَعتبِرَ به غيرُه.
فإنْ كانَ مَكانَ الرَّجلِ امرأةٌ فلا بأسَ بقَتلِها أيضًا؛ لأنَّها قصَدَت إلحاقَ الضَّررِ بعامةِ المُسلِمينَ، ولا بأسَ بقَتلِ الحَربيةِ في هذه الحالةِ كما إذا قاتَلَت، إلا أنَّه يُكرَهُ صَلبُها؛ لأنها عَورةٌ وسَتْرُ العَورةِ أَولى.
وإنْ وجَدوا غُلامًا لم يَبلُغْ بهذه الصِّفةِ؛ فإنَّه يُجعَلَ فَيئًا ولا يُقتلُ؛ لأنَّه غيرُ مُخاطَبٍ، فلا يَكونُ فِعلُه خيانةً تَستوجِبُ القَتلَ بها بخِلافِ المَرأةِ، وهو نَظيرُ الصَّبيِّ إذا قاتَلَ فأُخِذ أسيرًا لم يَجزْ قَتلُه بعدَ ذلك، بخِلافِ المَرأةِ إذا قاتَلَت فأُخِذت أسِيرةً؛ فإنَّه يَجوزُ قَتلُها، والشَّيخِ الذي لا قِتالَ عِندَه ولكنَّه صَحيحُ العَقلِ بمَنزِلةِ المَرأةِ في ذلك لكَونِه مُخاطَبًا (١).
وجاءَ في «المُهذَّبِ» للإمامِ الشِّيرازيِّ من كُتُبِ الشافِعيةِ ما مُلخَّصُه: الذِّميُّ إذا فعَلَ ما فيه إضرارٌ بالمُسلِمينَ كانَ يَدُلَّ على عَوراتِهم … فإنْ لم يُشرَطِ الكَفُّ عن ذلك في العَقدِ لم يَنتقِضْ عَهدُه؛ لبَقاءِ ما يَقتَضي العَقدَ من التِزامِ أداءِ الجِزيةِ والتِزامِ أحكامِ المُسلِمينَ والكَفِّ عن قِتالِهم.
وإنْ شُرطَ عليه الكَفُّ عن ذلك في العَقدِ ففيه وَجهانِ:
أحدُهما: أنَّه لا يَنتقِضُ به العَقدُ؛ لأنَّه لا يَنتقِضُ به العَهدُ من غيرِ شَرطٍ فلا يَنتقِضُ به مع الشَّرطِ.
والثانِي: أنَّه يَنتقِضُ به العَهدُ.
стр. 12190
وإذا فعَلَ ما يَنتقِضُ به العَهدُ ففيه قَولانِ:
أحدُهما: أنَّه يُرَدُّ إلى مَأمَنِه؛ لأنَّه حصَلَ في دارِ الإسلامِ بأمانٍ، فلم يَجزْ قَتلُه قبلَ الرَّدِّ إلى مَأمَنِه كما لو دخَلَ دارَ الإسلامِ صَبيٌّ بأمانٍ.
والثانِي -وهو الصَّحيحُ-: أنَّه لا يَجبُ رَدُّه إلى مَأمَنِه؛ لأنَّه مُشرِكٌ لا أمانَ له فلم يَجبْ رَدُّه إلى مَأمَنِه كالأسيرِ، فعلى هذا يَختارُ الإمامُ ما يَراه من القَتلِ والاستِرقاقِ والمَنِّ والفِداءِ كما قُلنا في الأسيرِ (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا الجاسوسُ المُعاهَدُ والذِّميُّ فقالَ مالِكٌ والأَوزاعيُّ: يَصيرُ ناقِضًا للعَهدِ؛ فإنْ رأى استِرقاقَه أرَقَّه ويَجوزُ قَتلُه، وقالَ جَماهيرُ العُلماءِ: لا يَنتقِضُ عَهدُه بذلك، قالَ أصحابُنا: إلا أنَّ يَكونَ قد شرَطَ عليه انتِقاضَ العَهدِ بذلك (٢).
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: وأمَّا المُعاهَدُ والذِّميُّ فقالَ مالِكٌ والأَوزاعيُّ يَنتقِضُ عَهدُه بذلك، وعندَ الشافِعيةِ خِلافٌ، أمَّا لو شُرطَ عليه ذلك في عَهدِه فيَنتقِضُ اتِّفاقًا (٣).
стр. 12191
فصل في أحكامِ الأمانِ
الأمانُ لُغةً: ضِدُّ الخَوفِ، مَصدَرُ أمِن أمْنًا وأمانًا (١).
واصطِلاحًا: هو عِبارةٌ عن تَأمينِ الكافِرِ على دَمِه ومالِه مُدةً مَحدودةً.
وعرَّفَه ابنُ عَرفةَ ﵀ بقَولِه: رَفعُ استِباحةِ دَمِ الحَربيِّ ورِقِّه ومالِه حينَ قِتالِه أو العَزمِ عليه مع استِقرارِه تَحتَ حُكمِ الإسلامِ مُدةً ما.
ثم قالَ: والمُهادَنةُ -وهي الصُّلحُ-: عَقدُ المُسلِمِ مع الحَربيِّ على المُسالَمةِ مُدةً ليسَ هو فيها تحتَ حُكمِ الإسلامِ، فيَخرجُ الأمانُ والاستِئمانُ.
ثم قالَ: والاستِئمانُ -وهو المُعاهَدةُ-: تَأمينُ حَربيٍّ يَنْزِلُ بنا لأمرٍ يَنصرِفُ بانقِضائِه (٢).
والأصلُ في مَشروعيةِ الأمانِ قَولُ اللهِ : ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾ [التوبة: ٦].
стр. 12192
وقالَ تَعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١].
وقالَ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾ [الأنفال: ٢٧].
وقالَ تَعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾ [الأنفال: ٥٨].
وعن أبي سَعيدٍ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «لِكُلِّ غادِرٍ لواءٌ يَومَ القيامةِ يُرفَعَ له بقَدرِ غَدرِه، ألا ولا غادِرَ أعظَمُ غَدرًا من أميرِ عامةٍ» (١).
وعن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو ﵄ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «مَنْ قتَلَ مُعاهَدًا لم يَرَحْ رائِحةَ الجَنةِ، وإنَّ ريحَها تُوجَدَ مِنْ مَسيرةِ أربَعينَ عامًا» (٢).
وعن أبي بَكرةَ قالَ: قالَ ﷺ : «مَنْ قتَلَ مُعاهَدًا في غيرِ كُنهِه حرَّمَ اللهُ عليه الجَنةَ» (٣).
مَعناه: في غيرِ وَجهِه ووَقتِه.
وفي مَعنًى آخَرَ: كُنهُ الشَّيءِ: غايَتُه.
وعن سُلَيمِ بنِ عَامِرٍ قالَ: «كانَ بينَ مُعاويةَ وبينَ الرُّومِ عَهدٌ، وكانَ يَسيرُ نَحوَ بِلادِهم حتى إذا انقَضَى العَهدُ غَزاهم، فجاءَ رَجلٌ على فَرسٍ أو بِرذَونٍ وهو يَقولُ: اللهُ أكبَرُ اللهُ أكبَرُ، وَفاءٌ لا غَدرٌ. فنظَروا فإذا عَمرُو بنُ عَبسةَ،
стр. 12193
فأرسَلَ إليه مُعاويةُ فسَألَه فقالَ: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: مَنْ كانَ بينَه وبينَ قَومٍ عَهدٌ فلا يَشُدَّ عُقدَةً ولا يَحُلَّها حتى يَنقَضيَ أمَدُها أو يَنبِذَ إليهم على سَواءٍ. فرجَعَ مُعاويةُ» (١).
قَولُه: «يَنبِذَ إليهم على سَواءٍ» أي: يُعلِمَهم أنَّه يُريدُ أنْ يَغزُوَهم، وأنَّ الصُّلحَ الذي كانَ بينَهم قد ارتفَع، فيَكونَ الفَريقانِ في ذلك على السَّواءِ.
قالَ الإمامُ الأزديُّ القُرطبيُّ: وأجمَعَ المُسلِمونَ على وُجوبِ الوَفاءِ بعَقدِ الأمانِ، وتَحريمِ الخِيانةِ فيه (٢).
صِفةُ مَنْ يَصحُّ منه عَقدُ الأمانِ:
اتَّفقَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الحُرَّ البالِغَ العاقِلَ إذا أمَّنَ صحَّ تأمينُه (٣) للأحاديثِ الآتيةِ في ذلك.
أمانُ المَرأةِ:
وكذلك أمانُ المَرأةِ الحُرةِ جائِزٌ كالرَّجُلِ عندَ جُمهورِ العُلماءِ أبي حَنيفةَ ومالِكٍ والشافِعيِّ وأحمدَ وأصحابِهم والثَّوريِّ والأَوزاعيِّ وأبي ثَورٍ وإسحاقَ وداودَ وغيرِهم.
стр. 12194
لِما رُوي عن علِيٍّ قالَ: «ما كَتَبنا عن النَّبيِّ ﷺ إلا القُرآنَ، وما في هذه الصَّحيفةِ، قالَ النَّبيُّ ﷺ : المَدينةُ حَرامٌ ما بينَ عائِرٍ إلى كذا، فمَن أحدَثَ حَدَثًا أو آوَى مُحدِثًا فعليه لَعنةُ اللهِ والمَلائِكةِ والناسِ أجمَعينَ، لا يُقبَلُ منه عَدلٌ ولا صَرفٌ، وذِمةُ المُسلِمينَ واحدةٌ يَسعَى بها أدناهُم، فمَن أخفَرَ مُسلمًا فعليه لَعنةُ اللهِ والمَلائِكةِ والناسِ أجمَعينَ، لا يُقبَلُ منه صَرفٌ ولا عَدلٌ، ومن والى قَومًا بِغيرِ إذنِ مَواليهِ فعليه لَعنةُ اللهِ والمَلائِكةِ والناسِ أجمَعينَ، لا يُقبَلُ منه صَرفٌ ولا عَدلٌ» (١).
فالمَرأةُ داخِلةٌ في قَولِه ﷺ : «ذِمةُ المُسلِمينَ واحِدةٌ يَسعى بها أدناهم».
وعن أبي النَّضرِ مَولى عُمرَ بنِ عُبَيدِ اللهِ أنَّ أبا مُرةَ مَولى أمِّ هانِئٍ بِنتِ أبي طالِبٍ أخبرَه أنَّهُ سمِعَ أُمَّ هانِئٍ بِنتَ أبي طالِبٍ تَقولُ: «ذهَبتُ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ عامَ الفَتحِ فوجَدتُه يَغتسِلُ وَفاطِمةُ ابنَتُه تَستُرُه، فسلَّمتُ عليه فقالَ: مَنْ هذه؟ فقُلتُ: أنا أُمُّ هانِئٍ بِنتُ أبي طالِبٍ، فقالَ: مَرحَبًا بأمِّ هانِئٍ، فلمَّا فرَغ من غُسلِه قامَ فصلَّى ثَمانِيَ رَكَعاتٍ مُلتحِفًا في ثَوبٍ واحِدٍ، فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، زعَم ابنُ أمِّي علِيٌّ أنَّه قاتِلٌ رَجلًا قد أجَرتُه، فُلانَ بنَ هُبيرةَ. فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : قد أجَرْنا من أجَرتِ يا أمَّ هانِئٍ. قالَت أمُّ هانِئٍ: وذلك ضُحًى» (٢).
стр. 12195
قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ عامةُ من نَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ أمانَ المَرأةِ الحُرةِ جائِزٌ … وممَّن قالَ بأنَّ أمانَ المَرأةِ جائِزٌ مالِكُ بنُ أنَسٍ وسُفيانُ الثَّوريُّ والأَوزاعيُّ والشافِعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ وأصحابُ الرأيِ. وكذلك نَقولُ: ودلَّت الأخبارُ الثابِتةُ عن رَسولِ اللهِ الدَّالةُ على ذلك، مِنْ إجارةِ أمِّ هانِئٍ وزَينبَ بِنتِ رَسولِ اللهِ، فأمضى رَسولُ اللهِ ﷺ لهما ذلك.
وقالَت عائِشةُ ﵂: «إنْ كانَت المَرأةُ لتُجيرُ على المُؤمِنينَ فيَجوزُ ذلك»، ولِهذا قالَ كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه مِنْ عُلماءِ الأمصارِ؛ إلا شَيئًا ذكَرَه عبدُ المَلكِ صاحِبُ مالِكٍ لا أحفَظُ ذلك عن غيرِه، سُئلَ عبدُ المَلكِ عن الأمانِ إلى مَنْ هو؟ فقالَ: ذاك إلى الأئِمةِ ووالي الجَيشِ ووالي السَّريةِ والجَيشِ. قيلَ: فما جاءَ أنَّه يُجيرُ على المُسلِمينَ أدناهم ويَرُدُّ عليهم أقصاهم، وما جاءَ من أمرِ أمِّ هانِئٍ ومَن أجارَت؟ فقالَ: لعَلَّ الذي جاءَ من ذلك إنَّما كانَ بعدَما بانَت وُجوهُه، وعلِمَ أنَّه في تلك الحالِ أوْلى، وهو المُصلِحُ للإسلامِ وأهلِه، ولَعلَّ ذلك في ذلك الوَقتِ خاصةً، فأمَّا أمرُ الأمانِ فهو إلى الإمامِ، وهو فيما أعلَمُ من أعظَمِ ما استُعمِل له.
قالَ أبو بَكرٍ: يَترُكُ ظاهِرَ الأخبارِ بأنْ يُكرِّرَ (لَعلَّ) في كَلامِه، وقلَّ
شَيءٌ إلا وهو يَحتمِلُ (لَعلَّ)، وتَركُ ظاهِرِ الأخبارِ غيرُ جائِزٍ للعِللِ، وفي قَولِ رَسولِ اللهِ ﷺ : «ويَسعى بذِمتِهم أدْنَاهم» دَليلٌ على إغفالِ هذا القائِلِ، ثم هو مع ذلك خِلافُ خَبرِ أمِّ هانِئٍ وزَينبَ بِنتِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، وخِلافُ قَولِ عائِشةَ ﵂، وخِلافُ ما قالَ أُستاذُه
стр. 12196
مالِكٌ، وما عليه أهلُ المَدينةِ وأهلُ الكُوفةِ وأهلُ الشامِ وأصحابُ الحَديثِ وأهلُ الرأيِ (١).
أمانُ الصَّبيِّ:
قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَع كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ أنَّ أمانَ الصَّبيِّ غيرُ جائِزٍ.
وممَّن حَفِظتُ عنه ذلك: سُفيانُ الثَّوريُّ والأَوزاعيُّ والشافِعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ وأصحابُ الرأيِ (٢).
وقالَ في كِتابِه «الإجماعُ»: وأجمَعوا على أنَّ أمانَ الصَّبيِّ غيرُ جائِزٍ (٣).
ونَقلُه الإجماعَ فيه نَظرٌ؛ فالعُلماءُ فَرَّقوا بينَ الصَّبيِّ المُميِّزِ وغيرِ المُميِّزِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: «فأمَّا الصَّبيُّ المُميِّزُ، فقالَ ابنُ حامِدٍ: فيه رِوايتان؛ إحداهُما: لا يَصحُّ أمانُه، وهو قَولُ: أبي حَنيفةَ والشافِعيِّ؛ لأنَّه غيرُ مُكلَّفٍ ولا يَلزمُه بقَولِه حُكمٌ، فلا يَلزمُ غيرَه كالمَجنونِ.
стр. 12197
والرِّوايةُ الثانِيةُ: يَصحُّ أمانُه، وهو قَولُ مالِكٍ.
وقالَ أبو بَكرٍ: يَصحُّ أمانُه رِوايةً واحِدةً.
وحمَلَ رِوايةَ المَنعِ على غيرِ المُميِّزِ، واحتجَّ بعُمومِ الحَديثِ -أي حَديثِ: «ذِمةُ المُسلِمينَ واحِدةٌ … » -؛ لأنَّه مُسلِمٌ مُميِّزٌ، فصَحَّ أمانُه كالبالِغِ، وفارَقَ المَجنونَ؛ فإنَّه لا قَولَ له أصلًا» (١).
وقالَ في مَوطِنٍ آخَرَ: ولا يَصحُّ أمانُ مَجنونٍ ولا طِفلٍ؛ لأنَّ كَلامَه غيرُ مُعتبَرٍ ولا يَثبُتُ به حُكمٌ (٢).
فكَلامُ ابنِ المُنذِرِ يُشعِرُ بأنَّ أمانَ الصَّبيِّ غيرِ المُميِّزِ غيرُ جائِزٍ، وأمَّا المُميِّزُ ففيه الخِلافُ المَنقَولُ آنِفًا.
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ في «الفَتحِ»: وأمَّا الصَّبيُّ فقالَ ابنُ المُنذِرِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ أمانَ الصَّبيِّ غيرُ جائِزٍ. قُلتُ: وكَلامُ غيرِه يُشعِرُ بالتَّفرقةِ بينَ المُراهِقِ وغيرِه، وكذلك المُميِّزُ الذي يَعقِلُ، والخِلافُ عن المالِكيةِ والحَنابِلةِ (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ الهُمامِ ﵀: وإنْ أمَّنَ الصَّبيُّ وهو لا يَعقِلُ لا يَصحُّ بإجماعِ الأئِمةِ الأربَعةِ كالمَجنونِ، وإنْ كانَ يَعقِلُ وهو مَحجورٌ عن القِتالِ فعلى الخِلافِ بينَ أصحابِنا؛ لا يَصحُّ عندَ أبي حَنيفةَ، ويَصحُّ عندَ مُحمدٍ،
стр. 12198
وبقَولِ أبي حَنيفةَ قالَ الشافِعيُّ وأحمدُ في وَجهٍ؛ لأنَّ قَولَه غيرُ مُعتبَرٍ كطَلاقِه وعِتاقِه، وبقَولِ مُحمدٍ قالَ مالِكٌ وأحمدُ وإنْ كانَ مَأذونًا له في القِتالِ فالأصَحُّ أنَّه يَصحُّ بالاتِّفاقِ بينَ أصحابِنا وبه قالَ مالِكٌ وأحمدُ؛ لأنَّه تَصرُّفٌ دائِرٌ بينَ النَّفعِ والضَّررِ فيَملِكُه الصَّبيُّ المَأذونُ، والمُرادُ بكَونِه يَعقِلُ أنْ يَعقِلَ الإسلامَ ويَصِفَه، وأضافَ أبا يُوسفَ إلى أبي حَنيفةَ في «السِّيرِ الكَبيرِ» في عَدمِ الصِّحةِ، وإنَّما قالَ المُصنِّفُ: والأصَحُّ واللهُ أعلَمُ؛ لأنَّه أطلَقَ المَنعَ في الصَّبيِّ المُراهِقِ عن أبي حَنيفةَ كما نقلَه الناطِفيُّ في الأجناسِ ناقِلًا عن «السِّيرِ الكَبيرِ»، فقالَ: قالَ مُحمدٌ: الغُلامُ الذي راهَقَ الحُلُمَ وهو يَعقِلُ الإسلامَ ويَصِفُه جازَ له أمانُه، ثم قالَ: وهذا قَولُه، فأمَّا عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ فلا يَجوزُ، وكذا وقَعَ الإطلاقُ في كِفايةِ البَيهَقيِّ فقالَ: لا يَجوزُ أمانُ الصَّبيِّ المُراهِقِ ما لم يَبلُغْ، وعندَ أبي حَنيفةَ وعندَ مُحمدٍ يَجوزُ إذا كانَ يَعقِلُ الإسلامَ وصِفاتِه، وكذا المُختلِطُ العَقلُ؛ لأنَّه من أهلِ القِتالِ كالبالِغِ، إلا أنَّه يُعتبَرُ كَونُه مُسلمًا بنَفسِه، فهذا كما تَرى إجراءٌ للخِلافِ في الصَّبيِّ مُطلَقًا، فقالَ المُصنِّفُ: والأصَحُّ التَّفصيلُ بينَ كَونِ العاقِلِ مَحجورًا عن القِتالِ أو مَأذونًا له فيه، ففي الثانِي لا خِلافَ في صِحةِ الأمانِ (١).
حُكمُ أمانِ الأسيرِ والتاجِرِ في دارِ الحَربِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ أمانِ الأسيرِ والتاجِرِ في دارِ الحَربِ؛ هل يَلزمُ سائِرَ المُسلِمينَ أو يَلزمُه هو وَحدَه إذا عَقدَه غيرَ مُكرَهٍ؟
стр. 12199
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه يَلزمُه وَحدَه ولا يَلزمُ عُمومَ المُسلِمينَ.
قالَ ابنُ نُجيمٍ الحَنفيُّ ﵀: (قَولُه -أي: النَّسفيِ في كَنزِ الدَّقائقِ-: وبطَلَ أمانُ ذِميٍّ وأسيرٍ وتاجِرٍ … )؛ لأنَّ الأسيرَ والتاجِرَ مَقهورانِ تحتَ أيديهم فلا يَخافونَهم، والأمانُ يَختصُّ بمَحلِّ الخَوفِ … وأراد بالأسيرِ والتاجِرِ المُسلِمِ: الذي في دارِ الحَربِ، فلو دخَلَ مُسلِمٌ دارَ الحَربِ وأمَّن جُندًا عَظيمًا فخرَجُوا معه إلى دارِ الإسلامِ وظفِرَ بهم المُسلِمونَ فهُم فَيءٌ، بخِلافِ ما إذا خرَجَ واحِدٌ منهم أو عِشرونَ مع المُسلِمِ بأمانٍ فهو آمِنٌ؛ لأنَّه في الأولِ مَقهورٌ معهم دون الثانِي وفي الذَّخيرةِ أرادَ بقَولِه:) لا يَصحُّ أمانُ الأسيرِ) لا يَصحُّ أمانُه في حقِّ باقي المُسلِمينَ حتى كانَ لهم أنْ يُغيروا عليهم، أمَّا أمانُه في حَقِّه فصَحيحٌ، وإذا صَحَّ أمانُه في حَقِّ نَفسِه صارَ حُكمُه وحُكمُ الداخِلِ فيهم بأمانٍ سَواءً، فلا يَأخذُ شَيئًا من أموالِهم بغيرِ رِضاهم، وكذلك لا يَأخذُ ما كانَ للمُسلِمينَ وصارَ مِلكًا لهم بالاستيلاءِ والإحرازِ بدارِهم، وما كانَ للمُسلِمينَ ولم يَصِرْ مِلكًا لهم بالاستيلاءِ لا بأسَ أنْ يأخُذَه ويُخرِجَه إلى دارِ الإسلامِ، وكذا قالَ في الذَّخيرةِ (١).
وقالَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ في «السِّيرِ الكَبيرِ»: ولو أنَّ مُسلمًا في دارِ الحَربِ أمَّنَ جُندًا عَظيمًا فخَرجوا معه إلى دارِ الإسلامِ فظفِرَ بهم المُسلِمونَ كانُوا فَيئًا؛ لأنَّ هذا المُسلِمَ ليسَ مُمتنِعًا منهم في دارِ الإسلامِ ولا في دارِ الحَربِ، بل هو مَقهورٌ في المَوضِعَيْن بمَنَعتِهم، فيَكونُ أمانُه لهم باطِلًا.
стр. 12200
ألَا تَرى أنَّ هذا العَسكرَ لو دخَلوا دارَ الإسلامِ فدخَلَ إليهم مُسلِمٌ بأمانٍ ثم أمَّنَهم كانَ ذلك باطِلًا؟ لأنَّه غيرُ مُمتنِعٍ منهم، فكذلك إذا خرَجَ معهم من دارِ الحَربِ مُستديمًا لذلك الأمانِ، بخِلافِ ما لو أمَّنَ واحِدًا منهم وخرَجَ معه؛ لأنَّ الواحِدَ لا يَكونُ مَقهورًا بالواحِدِ بل يَمتنِعُ منه ويَنتصِفُ في الظاهِرِ فيَصحُّ أمانُه له، كما لو دخَلا دارَ الإسلامِ.
ولو كانَ أمَّنَ في دارِ الحَربِ عِشرين رَجلًا منهم، ثم خرَجَ معهم إلى دارِ الإسلامِ فهُم آمِنونَ بمَنزِلةِ ما لو أنشَأ الأمانَ لهذا العَددِ في دارِ الإسلامِ ابتِداءً؛ فإنْ قيلَ: هو غيرُ مُمتنِعٍ من هذا العَددِ أيضًا، بل هو مَقهورٌ بهم في الظاهِرِ، فيَنبَغي ألَّا يَصحَّ أمانُه، قُلنا: نَعمْ، هو مَقهورٌ باعتِبارِ نَفسِه، ولكنَّه قاهِرٌ مُمتنِعٌ بقُوةِ المُسلِمينَ؛ لأنَّ هؤلاء لا يَمتَنِعون من جَماعةِ المُسلِمينَ، والقُوةُ للمُسلِمِ في دارِ الإسلامِ بجَماعةِ المُسلِمينَ، فإذا لم يَكونوا مُمتنَعِين من جَماعةِ المُسلِمينَ كانَ هذا الرَّجلُ قاهِرًا لهم في دارِ الإسلامِ حُكمًا لا مَقهورًا بهم، فيَصحُّ أمانُه لهم، بخِلافِ الجُندِ؛ فإنَّهم مُمتنِعون مِنْ أهلِ دارِ الإسلامِ بشَوكَتِهم، فيَكونُ هو مَقهورًا فيهم في دارِنا كما في دارِ الحَربِ.
ألَا تَرى أنَّ القَومَ الذين لا مَنَعةَ لهم لو دخَلوا دارَنا بغيرِ أمانٍ وأخَذَهم قَومٌ من المُسلِمينَ كانُوا فَيئًا لجَماعةِ المُسلِمينَ؟ ولو أنَّ جُندًا عَظيمًا منهم دخَلوا دارَنا فقاتَلَهم قَومٌ من المُسلِمينَ حتى قهَروهم كانُوا لهم خاصةً.
وما كانَ الفَرقُ إلا بهذا، إنَّ الذين لهم مَنَعةٌ ما صاروا مَقهورينَ بحُصولِهم في دارِ الإسلامِ بخِلافِ الذين لا مَنَعةَ لهم، ثم تَحقَّق ما قُلنا: إنَّهم إذا لم يَكونوا مُمتنِعينَ من جَماعةِ المُسلِمينَ، فلو لم يُجعَلَ أمانُ
стр. 12201
الواحِدِ الذي جاءَ معهم صَحيحًا أدَّى إلى الغُرورِ؛ لأنَّهم فارَقوا مَنَعتَهم بِناءً على ذلك الأمانِ، وفي الجُندِ لا يُؤدِّي إلى هذا؛ لأنَّهم ما فارَقوا مَنَعتَهم بِناءً على أمانِه، بل هُمْ مُمتنِعون بشَوكَتِهم في دارِنا كما في دارِ الحَربِ، وعلى هذا لو أخرَجَهم هذا المُسلِمُ إلى عَسكرِ المُسلِمينَ في دارِ الحَربِ؛ فإنْ كانُوا بحيثُ لا يَمتنِعون من العَسكرِ فهُم آمِنونَ؛ لأنَّ قُوةَ العَسكرِ في هذا المَوضِعِ بعَسكرِ المُسلِمينَ فيَكونُ قاهِرًا لا مَقهورًا، إذا وصَل إلى عَسكرِ المُسلِمينَ، وإنْ كانُوا بحيثُ يَمتنِعون من العَسكرِ لكَثرَتِهم، فأمانُه لهم باطِلٌ وإنْ خرَجَ معهم لما بيَّنَّا.
ولو كانَ المُسلِمونَ حاصَروا حِصنًا وفيهم مُسلِمٌ فأمَّن قَومًا لا مَنَعةَ لهم وأخرَجَهم معه إلى العَسكرِ لم يَكونوا آمِنينَ بخِلافِ الأولِ؛ لأنَّ المَحصورينَ قد صاروا مَقهورينَ مِنْ وَجهٍ، فحالُهم كحالِ المَأْسورينَ، فلا يَصحُّ أمانُ المُسلِمِ لهم إذا كانَ فيهم، لما فيه من إبطالِ حقِّ المُسلِمينَ عليهم، بخِلافِ الأولِ، ولأنَّه لو جازَ هذا الأمانُ لم يَقدِرِ المُسلِمونَ على قَهرِهم بحالٍ؛ فإنَّهم إذا أيقَنوا بالقَهرِ أسلَمَ بَعضُهم، ثم أمَّنهم على أنْ يَخرجَ مع كلِّ نَفرٍ منهم، ولا يَجوزُ القَولُ بما يُؤدِّي إلى سَدِّ بابِ الاستِرقاقِ على المُسلِمينَ (١).
وقالَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ: لا يَصحُّ أمانُ الأسيرِ المُقيَّدِ والمَحبوسِ لمَن هو معهم أو غيرِهم وإنْ لم يَكنْ مُكرَهًا؛ لأنَّه مَقهورٌ بأيديهم، أمَّا الأسيرُ غيرُ المُقيَّدِ فيَصحُّ.
стр. 12202
وفي مُقابِلِ الأصَحِّ: يَصحُّ لدُخولِه في الضابِطِ.
قالَ الشِّربينيُّ ﵀: محَلُّ الخِلافِ في الأسيرِ المُقيَّدِ والمَحبوسِ، وإنْ لم يَكنْ مُكرَهًا؛ لأنَّه مَقهورٌ بأيديهم لا يَعرِفُ وَجهَ المَصلَحةِ؛ لأنَّ وَضعَ الأمانِ أنْ يأمَنَ المُؤمِنُ وليسَ الأسيرُ آمِنًا، أمَّا أسيرُ الدارِ -وهو المُطلَقُ بدارِ الكُفرِ المَمنوعُ من الخُروجِ منها- فيَصحُّ أمانُه كما في التَّنبيهِ وغيرِه، وعليه قالَ الماوَرديُّ: إنَّما يَكونُ مُؤمَّنُه آمِنًا بدارِ الحَربِ لا غيرُ، إلا أنْ يُصرِّحَ بالأمانِ في غيرِها، وبغيرِ الأسيرِ الكافِرِ؛ لأنَّه بالأسرِ ثبَتَ فيه حقٌّ للمُسلِمينَ، وقيَّدَه الماوَرديُّ بغيرِ الذي أسَرَه، أمَّا الذي أسَره؛ فإنَّه يُؤمِّنه إذا كانَ باقيًا في يَدِه لم يَقبِضْه الإمامُ كما يَجوزُ قَتلُه (١).
وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ والشافِعيةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ إلى صِحةِ أمانِ الأسيرِ إذا أمَّنهم وكانَ آمِنًا على نَفسِه غيرَ مُكرَهٍ.
قالَ الحَطابُ ﵀: سُئلَ أشهَبُ عن رَجلٍ شذَّ عن عَسكَرِ المُسلِمينَ فأسَره العَدوُّ فطَلَبهم المُسلِمونَ فقالَ العَدوُّ للأسيرِ المُسلِمِ: «أعطِنا الأمانَ»، فأعطاهُم الأمانَ، فقالَ: إذا كانَ أمَّنهم وهو آمِنٌ على نَفسِه فذلك جائِزٌ، وإنْ كانَ أمَّنهم وهو خائِفٌ على نَفسِه فليسَ ذلك بجائِزٍ. وقَولُ الأسيرِ في ذلك جائِزٌ. مُحمدٌ: وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ (٢).
стр. 12203
وقالَ البُهوتيُّ ﵀: ويَصحُّ أمانُ أسيرٍ بدارِ حَربٍ إذا عقَدَه غيرَ مُكرَهٍ، نَصَّ عليه للعُموماتِ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَصحُّ أمانُ الأسيرِ إذا عقَدَه غيرَ مُكرَهٍ لدُخولِه في عُمومِ الخبَرِ، ولأنَّه مُسلِمٌ مُكلَّفٌ مُختارٌ فأشبَهَ غيرَ الأسيرِ، وكذلك أمانُ الأجيرِ والتاجرِ في دارِ الحَربِ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ، وقالَ الثَّوريُّ: لا يَصحُّ أمانُ أحَدٍ منهم (٢).
أمانُ الذِّميِّ:
لا يَصحُّ أمانُ الذِّميِّ الذي يَكونُ مع المُسلِمينَ بإجماعِ المُسلِمينَ.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ أكثَرُ من نَحفَظُ من أهلِ العِلمِ على أنَّ أمانَ الذِّميِّ لا يَجوزُ، كذلك قالَ الأَوزاعيُّ واللَّيثُ بنُ سَعدٍ وسُفيانُ الثَّوريُّ والشافِعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ وأصحابُ الرأيِ … قالَ أبو بَكرٍ: وكذلك نَقولُ: ولو قالَ قائِلٌ: إنَّ في قَولِ رَسولِ اللهِ ﷺ : «ويُجيرُ على المُسلِمينَ أدناهم» الدِّلالةَ على أنَّ مَنْ كانَ من غيرِهم لا يُجيرُ عليهم، لَكانَ مَذهبًا. وقالَ إسماعيلُ بنُ عَياشٍ: سَمِعتُ أشياخًا يَقولون: لا جِوارَ للصَّبيِّ والمُعاهَدِ؛ فإنْ أجاروا فالإمامُ مُخيَّرٌ؛ فإنْ أحَبَّ أمضى جِوارَهم وإنْ أحَبَّ رَدَّه؛ فإنْ أمضاه فهو ماضٍ، وإنْ لم يُمضِه تَعيَّنَ رَدُّه إلى مَأمَنِه، وقد رَوينا عن الأَوزاعيِّ أنَّه قالَ: إنْ كانَ غَزا مع المُسلِمينَ؛ فإنْ شاءَ الإمامُ أجرَاه، وإنْ شاءَ رَدَّه إلى
стр. 12204
مَأمنِه (١).
القَدرُ الذي يَصحُّ أنْ يُعطيَه الإمامُ والأُمراءُ والأفرادُ من الأمانِ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في صِحةِ أمانِ الإمامِ لجَميعِ الكُفارِ وآحادِهم؛ لأنَّ وِلايتَه عامةٌ على المُسلِمينَ؛ لأنَّه مُقدَّمٌ للنَّظرِ والمَصلَحةِ، نائِبٌ عن الجَميعِ في جَلبِ المَنافِعِ ودَفعِ المَضارِّ (٢).
ثم اختَلفَ الفُقهاءُ في القَدْرِ الذي يَجوزُ أنْ يُعطيَه أميرُ الجَيشِ وآحادُ المُسلِمينَ؟
فقالَ الحَنفيةُ: إذا أمَّنَ رَجلٌ حُرٌّ أو امرأةٌ حُرةٌ كافرًا أو جَماعةً أو أهلَ حِصنٍ أو مَدينةٍ صَحَّ أمانُهم ولم يَكنْ لأحدٍ من المُسلِمينَ قِتالُهم، إلا أنْ يَكونَ في ذلك مَفسَدةٌ فينبِذَ إليهم، كما إذا أمَّنَ الإمامُ بنَفسِه ثم رأى المَصلَحةَ في النَّبذِ.
ولو حاصَرَ الإمامُ حِصنًا وأمَّنَ واحِدٌ من الجَيشِ أحدًا -وفيه مَفسَدةٌ- يَنبِذُ الإمامُ لما بيَّنَّا، ويُؤدِّبُه الإمامُ لافتِئاتِه على رأيِه، بخِلافِ ما إذا كانَ فيه نَظَرٌ؛ لأنَّه رُبَّما تَفوتُ المَصلَحةُ بالتأخيرِ فكانَ مَعذورًا.
стр. 12205
ولا يَصحُّ أنْ يُعطيَ أحَدُ الأفرادِ الأمانَ إلا للنَّفرِ اليسَيرِ، أمَّا النَّفرُ الكَثيرُ فلا يَجوزُ إلا للإمامِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَصحُّ أمانُ آحادِ المُسلِمينَ إلا للنَّفرِ اليسَيرِ الواحِدِ والعَشرةِ والقافِلةِ الصَّغيرةِ والحِصنِ الصَّغيرِ والعَددِ المَحصورِ … ولا يَصحُّ أمانُه لأهلِ بَلدةٍ ورُستاقٍ وجَمعٍ كَثيرٍ؛ لأنَّ ذلك يُفضي إلى تَعطيلِ الجِهادِ والافتِئاتِ على الإمامِ.
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: يَصحُّ من كلِّ مُسلمٍ مُكلَّفٍ مُختارٍ أمانٌ حَربيٌّ وعَددٌ مَحصورٌ منهم، قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ: كأهلِ قَريةٍ صَغيرةٍ فقط، وخرَجَ وبالمَحصورِ غيرُهم كأهلِ بَلدٍ أو ناحيةٍ فلا يُؤمِّنُهم الآحادُ لئلَّا يَتعطَّلَ الجِهادُ فيها بأمانِهم (٢).
وقيَّد الرَّمليُّ الشافِعيُّ العَددَ المَحصورَ بمِئةٍ فقط، فقالَ: وعَددٌ مَحصورٌ من أهلِ الحَربِ كمِئةٍ فقط، أي: دونَ غيرِ المَحصورِ كأهلِ بَلدٍ كَبيرٍ؛ لأنَّ هذه هُدنةٌ، وهي مُمتنَعةٌ من غيرِ الإمامِ (٣).
ونَصَّ الشافِعيةُ على أنَّ الأمانَ إذا أدَّى إلى انسِدادِ بابِ الجِهادِ في تلك الناحيةِ امتنَعَ على الإمامِ والآحادِ، وإلا جازَ لهما لئلَّا يَنسَدَّ الجِهادُ في تلك
стр. 12206
الناحيةِ وتلك البَلدِ، قالَ البُجيرِميُّ: فمحَلُّ جَوازِ عَقدِ الأمانِ للحَربيِّ في المَحصورِ إذا لم يَلزمْ عليه سَدُّ بابِ الجِهادِ، وإلا امتُنِعَ، بل رُبَّما يُقالُ: إنَّه حينَئذٍ من غيرِ المَحصورِ لما قَرَّروه هنا من أنَّ المُرادَ بالمَحصوِر هنا ما لا يَلزمُ عليه سَدُّ بابِ الجِهادِ وبغيرِ المَحصورِ ما يَلزمُ عليه سَدُّه (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَصحُّ أمانُ الإمامِ لجَميعِ الكُفارِ وآحادِهم؛ لأنَّ وِلايَتَه عامةٌ على المُسلِمينَ، ويَصحُّ أمانُ الأميرِ لمَن أُقيم بإزائِه من المُشرِكينَ، فأمَّا في حَقِّ غيرِهم فهو كآحادِ المُسلِمينَ؛ لأنَّ وِلايَتَه على قِتالِ أولئك دونَ غيرِهم، ويَصحُّ أمانُ آحادِ المُسلِمينَ للواحِدِ والعَشرةِ والقافِلةِ الصَّغيرةِ والحِصنِ الصَّغيرِ … ولا يَصحُّ أمانُه لأهلِ بَلدةٍ ورُستاقٍ وجَمعٍ كَثيرٍ؛ لأنَّ ذلك يُفضي إلى تَعطيلِ الجِهادِ والافتئاتِ على الإمامِ (٢).
وقالَ المالِكيةُ: إذا أمَّنَ غيرُ الإمامِ إقليمًا وجَبَ نَظَرُ الإمامِ في ذلك؛ فإنْ كانَ صَوابًا أمضَاه، وإلا رَدَّه وتَولَّى الحُكمَ بنَفسِه، وذلك لأنَّ تَأمينَ الإقليمِ من خَصائِصِ الإمامِ.
والمُرادُ بالإقليمِ: العَددُ الذي لا يَنحصِرُ.
أمَّا تأمينُ الذَّكرِ الحُرِّ البالِغِ المُسلِمِ العَددَ المَحصورَ؛ فإنَّه يَسقطُ به القَتلُ، ولا يَتوقَفَ على إمضاءِ الإمامِ؛ لأنَّه ماضٍ على نَفسِه.
стр. 12207
وقالَ ابنُ بَشيرٍ ﵀: المَشهورُ أنَّ مَنْ كَمُلت فيه خَمسةُ شُروطٍ وهي: الإسلامُ والعَقلُ والبُلوغُ والحُرِّيةُ والذُّكوريةُ؛ فإذا أعطى أمانًا فهو كأمانِ الإمامِ.
وأمَّا تَأمينُ المَرأةِ والصَّبيِّ والعبدِ العَددَ المَحصورَ فهو كتَأمينِ البالِغِ عندَ الإمامِ مالِكٍ وابنِ القاسِمِ، وهو قَولُ أكثَرِ المالِكيةِ، فإذا أعطَوْا أمانًا فهو كأمانِ الحُرِّ البالِغِ العاقِلِ.
وقالَ عبدُ المَلكِ ابنُ الماجِشونِ ﵀: الإمامُ مُخيَّرٌ في ذلك؛ فإنْ كانَ صَوابًا أمضَاه وإلا رَدَّه وتَولَّى الحُكمَ بنَفسِه.
وأمَّا أمانُ الخارجِ على الإمامِ المُسلِمِ الكَبيرِ الحُرِّ فيَمضي ويَجوزُ باتِّفاقٍ (١).
ثَمرةُ التَّأمينِ:
قالَ الإمامُ النَّفراويُّ المالِكيُّ ﵀: ثَمرةُ الأمانِ العائِدةُ على المُؤمِنِ حُرمةُ قَتلِه واستِرقاقِه وعَدمُ ضَربِ الجِزيةِ عليه إنْ وقَعَ الأمانُ قبلَ الفَتحِ، وأمَّا لو كانَ بعدَ الفَتحِ؛ فإنَّما يَسقطُ به القَتلُ فقَط ويَرى الإمامُ رأيَه في غيرِه (٢).
стр. 12208
صِفةُ التَّأمينِ وما يَقعُ به من قَولٍ أو عَملٍ:
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فالذي ورَدَ به الشَّرعُ لفظَتانِ: أجَرتُك وأمَّنتُك؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ [التوبة: ٦].
وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «قد أجَرْنا مَنْ أجَرتِ وأمَّنَّا مَنْ أمَّنتِ»، وقالَ: «مَنْ دخَلَ دارَ أبي سُفيانَ فهو آمِنٌ، ومَن أغلَقَ بابَه فهو آمِنٌ»، وفي مَعنى ذلك إذا قالَ: لا تَخَفْ، لا تَذهَلْ، لا تَخشَ، لا خَوفَ عليكَ، لا بأسَ عليكَ.
وقد رُوِي عن عُمرَ أنَّه قالَ: «إذا قُلتُم: لا بَأسَ أو لا تَذهَلْ أو مُترَّسٌ، فقد أمَّنتُموهم؛ فإنَّ اللهَ تَعالى يَعلمُ الألسِنةَ» (١).
وفي رِوايةٍ أُخرى: «إذا قالَ الرَّجلُ للرَّجلِ: لا تَخَفْ، فقد أَمَّنَه، فإذا قالَ: لا تَذهَلْ، فقد أمَّنَه؛ فإنَّ اللهَ يَعلمُ الألسِنةَ».
ورُوي أنَّ عُمرَ قالَ للهُرمُزانِ: «تَكلَّمْ ولا بأسَ عليكَ»، فلمَّا تَكلَّم أمَرَ عُمرُ بقَتلِه، فقالَ أنَسُ بنُ مَالِكٍ: ليسَ لكَ إلى ذلك سَبيلٌ، قد أمَّنتَه، فقالَ عُمرُ: كلَّا، فقالَ الزُّبيرُ: قد قُلتَ له: تَكلَّمْ ولا بأسَ عليك؛ فدرَأَ
стр. 12209
عنه عُمرُ القَتلَ (١) رَواه سَعيدٌ وغيرُه، وهذا كلُّه لا نَعلَمُ فيه خِلافًا.
فأمَّا إنْ قالَ له: قُمْ، أو قِفْ، أو ألْقِ سِلاحَك، فقالَ أصحابُنا: هو أمانٌ أيضًا؛ لأنَّ الكافِرَ يَعتقِدُ هذا أمانًا، فأشبَهَ قَولَه: أمَّنتُك.
وقالَ الأَوزاعيُّ: إنِ ادَّعى الكافِرُ أنَّه أُمِّنَ أو قالَ: إنَّما وَقفتُ لنِدائِك، فهو آمِنٌ؛ فإنْ لم يَدَّعِ ذلك لا يُقبَلْ.
ويَحتمِلُ أنَّ هذا ليسَ بأمانٍ؛ لأنَّ لفظَه لا يُشعِرُ به وهو يُستعمَلُ للإرهابِ والتَّخويفِ، فلم يَكنْ أمانًا لقَولِه: لأقتُلنَّك، لكنْ يَرجِعُ إلى القاتِلِ؛ فإنْ قالَ: نَوَيتُ به الأمانَ فهو أمانٌ، وإنْ قالَ: لم أُرِدْ أمانَه، نظَرْنا في الكافِرِ؛ فإنْ قالَ: اعتَقدتُه أمانًا، رُدَّ إلى مَأمَنِه ولم يَجزْ قَتلُه، وإنْ لم يَعتقِدْه أمانًا فليسَ بأمانٍ، كما لو أشارَ إليهم بما اعتَقَدوه أمانًا (٢).
الأمانُ بالإشارةِ:
لا خِلافَ بينَ العُلماءِ في أنَّ المُسلِمَ إذا أشارَ إلى الكُفارِ بما يَرَوْنه أمانًا، وقالَ: أرَدتُ به الأمانَ، فهو أمانٌ.
واختَلفُوا فيما إذا قالَ: لم أُرِدْ به الأمانَ، هل يُعتبَرُ أمانًا أو لا؟ على
стр. 12210
تَفصيلٍ في ذلك بينَ العُلماءِ، وإنْ كانَ جُمهورُهم يَرَوْن أنَّه يُرَدُّ إلى مَأمَنِه ولا يُقتَلُ ولا يُسترَقُّ بحالٍ.
قالَ الدَّرديرُ ﵀: ثم الأمانُ من إمامٍ أو غيرِه يَكونُ (بلَفظٍ) عَربيٍّ أو غيرِه، (أو إشارةٍ مُفهِمةٍ) أي: يَفهَمُ الحَربيُّ منها الأمانَ، وإنْ قصَدَ المُسلِمُ بها ضِدَّه، ويَثبُتُ الأمانُ من غيرِ الإمامِ ببَيِّنةٍ، لا بقَولِ المُؤمِنِ كُنْتُ أمَّنتُهم، بخِلافِ الإمامِ.
ثم شرْطُ الأمانِ (إنْ لم يَضرَّ) بالمُسلِمينَ، بأنْ يَكونَ فيه مَصلَحةٌ أو استَوت المَصلَحةُ وعَدمُ الضَّررِ؛ فإنْ أضَرَّ بالمُسلِمينَ وجَبَ رَدُّه.
(وإنْ ظَنَّه) أي: ظَنَّ الأمانَ (حَربيٌّ) من غيرِ إشارةٍ له ولم يَقصِدْه المُؤمِنُ؛ كأَنَ خاطَبَ مُسلِمٌ صاحِبَه أو خاطَبَ حَربيًّا بكَلامٍ فظَنَّه الحَربيُّ أمانًا (فجاء) مُعتمِدًا على ظَنِّه، (أو نَهى) الإمامُ (الناسَ عنه) أي: عن التأمينِ (فعَصَوْا) نَهيَه وأمَّنوا (أو نَسُوا أو جَهِلوا) أي: لم يَعلَموا نَهيَه، (أو جَهِل) الحَربيُّ (إسلامَه) أي: إسلامَ المُؤمِّنِ له بأنْ أمَّنَه ذِميٌّ فاعتقَد أنَّه مُسلِمٌ، (لا) إنْ علِمَ أنَّه ذِميٌّ وجَهِل (إمضاءَه) بأنْ ظَنَّ أنَّ أمانَه ماضٍ كأمانِ الصَّبيِّ والمَرأةِ فلا يَمضي وهو فَيءٌ (أمضَى) الأمانَ في المَسائلِ الخَمسِ إنْ أمضَاه الإمامُ (أو رُدَّ) الحَربيُّ (لمحَلِّه) أي: لمحَلِّ التَّأمينِ الذي كانَ فيه، ولا يَجوزُ قَتلُه ولا استِرقاقُه، (وإنْ أُخذَ) الحَربيُّ حالَ كَونِه (مُقبِلًا) إلينا (بأرضِهم) مُتعلِّقًا بأخْذٍ (وقالَ: جِئتُ أطلُبُ الأمانَ) منكم (أو) أُخذَ (بأرضِنا) ومعه تِجارةٌ (وقالَ) لنا: إنَّما دَخلتُ أرضَكم بلا أمانٍ؛ لأنَّي (ظَنَنْتُ أنَّكم لا تَعرِضونَ لتاجِرٍ أو) أُخذَ (بينَهما) وقالَ: جِئتُ أطلُبُ
стр. 12211
الأمانَ؛ (رُدَّ) في المَسائلِ الثَّلاثِ (لمَأمَنِه) أي: لمحَلِّ أمْنِه ولا يَجوزُ قَتلُه ولا أسْرُه ولا أخْذُ مالِه.
(وإنْ قامَت قَرينةٌ) على صِدقِه أو كَذِبه (فعليها) العَملُ؛ فإنْ قامَت على كَذبِه رأى الإمامُ فيه رأيَه من قَتلٍ أو استِرقاقٍ أو غيرِهما.
(وإنِ رُدَّ) مُؤمَّنٌ تَوجَّه لبَلدِه قبلَ وُصولِه لها (بريحٍ فعلى أمانِه) الأولِ لا يُتعرَّضُ له (حتى يَصِلَ) لبَلدِه أو لمَأْمَنِه؛ فإنْ رجَعَ بعدَ وُصولِه لها فقيلَ: فَيءٌ، وقيل: إنْ رجَعَ اختيارًا، وقيل: يُخيَّرُ الإمامُ في رَدِّه وإنزالِه.
(وإنْ ماتَ) المُستأمَنُ (عندَنا فمالُه) ودِيَتُه إنْ قُتلَ (فَيءٌ) في بَيتِ المالِ (إنْ لم يَكنْ معه) ببَلدِنا (وارِثٌ)؛ فإنْ كانَ معه وارِثٌ في دينِهم ولو ذا رَحِمٍ فمالُه له دَخلٌ على التَّجهيزِ أم لا (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ أشارَ المُسلِمُ إليهم بما يَرَوْنه أمانًا وقالَ: أرَدتُ به الأمانَ، فهو أمانٌ، وإنْ قالَ: لم أُرِدْ به الأمانَ فالقَولُ قَولُه؛ لأنَّه أعلَمُ بنيَّتِه.
فإنْ خرَجَ الكُفارُ من حِصنِهم بِناءً على هذه الإشارةِ لم يَجزْ قَتلُهم، ولكنْ يُردُّونَ إلى مَأمَنِهم.
وقالَ عُمرُ ﵁: «واللهِ لو أنَّ أحَدَكم أشارَ بإصبَعِه إلى السَّماءِ إلى مُشرِكٍ فنزَلَ بأمانِه فقتَله لقتَلتُه به» رَواه سَعيدٌ.
стр. 12212
وإنْ ماتَ المُسلِمُ أو غابَ؛ فإنَّهم يُردُّونَ إلى مَأمَنِهم، وبهذا قالَ مالِكٌ والشافِعيُّ وابنُ المُنذِرِ.
فإنْ قيلَ: وكيف صَحَّحتُم الأمانَ بالإشارةِ مع القُدرةِ على النُّطقِ بخِلافِ البَيعِ والطَّلاقِ والعِتقِ؟
قُلنا: تَغليبًا لحَقنِ الدَّمِ كما حُقِنَ دَمُ مَنْ له شُبهةُ كِتابٍ تَغليبًا لحَقنِ دَمِه، ولأنَّ الكُفارَ في الغالِبِ لا يَفهَمون كَلامَ المُسلِمينَ، ولأنَّ المُسلِمينَ لا يَفهَمون كَلامَهم، فدَعَت الحاجةُ إلى التَّكليمِ بالإشارةِ بخِلافِ غيرِه (١).
وقالَ ابنُ المُنذِرِ: وقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ: الإشارةُ بالأمانِ أمانٌ، غيرَ أنَّ الشافِعيَّ قالَ: فإنْ قالَ: لم أُؤمِّنْهم بها، فالقَولُ قَولُه، وإنْ ماتَ قبلَ أنْ يَقولَ شَيئًا فليسُوا بآمِنينَ، إلا أنْ يُجدِّدَ لهم الوالي أمانًا، وعلى الوالي إذا ماتَ قبلَ أنْ يُبيِّنَ، أو قالَ: وهو حَيٌّ لم أُؤمِّنْهم أنْ يَرُدَّهم إلى مأمَنِهم ويَنبِذَ إليهم. قالَ أبو بَكرٍ: الإشارةُ بالأمانِ إذا فُهِمت عن المُشيرِ يَقومُ مَقامَ الكَلامِ، استِدلالًا بأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قد أشارَ إلى الذين كانُوا خَلفَه في الصَّلاةِ بالقُعودِ فقَعَدوا (٢).
قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وسُئلَ مالِكٌ عن الإشارةِ بالأمانِ أهي بمَنزِلةِ الكَلامِ؟
стр. 12213
فقالَ: نَعمْ، وإنِّي أَرى أنْ يَتقدَّمَ إلى الجُيوشِ ألَّا تَقتُلوا أحَدًا أشاروا إليه بالأمانِ؛ لأنَّ الإشارةَ عِندي بمَنزِلةِ الكَلامِ، وإنَّه بَلغَني أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عَباسٍ قالَ: «ما ختَرَ قَومٌ بالعَهدِ إلا سلَّطَ اللهُ عليهم العَدوَّ».
وقالَ أبو عُمرَ: إذا كانَ دَمُ الحَربيِّ الكافِرِ يَحرُمُ بالأمانِ؛ فما ظَنُّك بالمُؤمِنِ الذي يُصبِحُ ويُمسي في ذِمةِ اللهِ كيف تَرى في الغَدرِ به والقَتلِ؟ وقد قالَ ﷺ : «الإيمانُ قيَّدَ الفَتكَ، لا يَفتِكُ مُؤمِنٌ» (١).
وقالَ أيضًا: والغَدرُ أنْ يُؤمِّنَ ثم يَقتُلَ، وهذا حَرامٌ بإجماعٍ، والغَدرُ والقَتلُ سَواءٌ (٢).
وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ: (ويَصحُّ) إيجابُ الأمانِ (بكلِّ لفظٍ يُفيدُ مَقصودَه)، صَريحًا كأجَرتُكَ وأمَّنتُكَ، أو لا تَفزَعْ، كأنتَ على ما تُحِبُّ، أو كُنْ كما شِئتَ، (و) يَصحُّ (بكِتابةٍ) بالفَوقيةِ؛ لأثَرٍ فيه عن عُمرَ ﵁، ولا بدَّ من النِّيةِ؛ لأنَّها كِنايةٌ، أو لا تَخَفْ أو لا بأسَ عليكَ أو أنتَ آمِنٌ أو في أمانِي أو أنتَ مُجارٌ، ولا فَرقَ في اللَّفظِ المَذكورِ بينَ العَربيِّ كما مَرَّ، وبينَ العَجميِّ كمُتَرَّسٍ، أي: لا تَخفْ، أو بكِنايةٍ مع النِّيةِ، (ورِسالةٍ)؛ لأنَّها أقوى من الكِتابةِ، سَواءٌ كانَ الرَّسولُ مُسلمًا أو كافرًا؛ لأنَّ بِناءَ البابِ على التَّوسِعةِ في حَقنِ الدَّمِ، ومُقتَضى هذا جَوازُ الرَّسولِ صَبيًّا، لكنْ لا بدَّ من تَكليفِه كالمُؤمِنِ.
стр. 12214
تَنبيهٌ: يَصحُّ إيجابُ الأمانِ بالتَّعليقِ بالغَررِ كقَولِه: إنْ جاءَ زَيدٌ فقد أمَّنتُك؛ لما مَرَّ أنَّ بِناءَ البابِ على التَّوسِعةِ، وبإشارةٍ مُفهِمةٍ ولو من ناطِقٍ كما سَيأتي في القَبولِ، فلو أشارَ مُسلِمٌ لكافرٍ فظَنَّ أنَّه أمَّنَه فجاءَنا فأنكَر المُسلِمُ أنَّه أمَّنه بها بَلَّغناه مَأمَنَه ولا نَغتالُه لعُذرِه.
فإنْ ماتَ المُشيرُ قبلَ أنْ يُبيِّنَ الحالَ فلا أمانَ ولا اغتيالَ، فيُبلَغُ المَأمَنَ وإلا اغتيلَ، ولِلإمامِ لا للآحادِ جَعلُها أمانًا إنْ رأى في الدُّخولِ لها مَصلَحةً، ولا تَجِبُ إجابةُ مَنْ طلَب الأمانَ إلا إذا طلَبَه لسَماعِ كَلامِ اللهِ تَعالى فتَجِبُ قَطعًا، ولا يُمهَلُ أربَعةَ أشهُرٍ بل قَدْرَ ما يَتمُّ به البَيانُ.
(ويُشترطُ) لصِحةِ الأمانِ (عِلمُ الكافِرِ بالأمانِ) كسائرِ العُقودِ؛ فإنْ لم يَعلَمْ فلا أمانَ له كما قالَاه، وإنْ نازَع في ذلك البُلقينيُّ، فتَجوزُ المُبادَرةُ إلى قَتلِه ولو مِنْ المُؤمِنِ، (فإنْ) علِمَ الكافِرُ بأمانِه و (رَدَّه بطَلَ) جَزمًا؛ لأنَّه عَقدٌ كالهِبةِ، (وكذا) يَبطُلُ (إنْ لم يَقبَلْ في الأصَحِّ) كغيرِه من العُقودِ، والثانِي يَكفي السُّكوتُ لبِناءِ البابِ على التَّوسِعةِ كما مَرَّ.
قالَ البُلقينيُّ وغيرُه: وهو قَضيةُ نَصِّ الشافِعيِّ؛ فإنَّه لم يَعتبِرِ القَبولَ وهو ما عليه السَّلفُ والخَلفُ، ولِما مَرَّ من بِناءِ البابِ على التَّوسِعةِ، لكنْ يُشترطُ مع السُّكوتِ ما يُشعِرُ بالقَبولِ وهو الكَفُّ عن القِتالِ كما صرَّحَ به الماوَرديُّ.
(وتَكفي) ولو مِنْ ناطِقٍ (إشارةٌ مُفهِمةٌ للقَبولِ)، لكنْ يُعتبَرُ في كَونِها كِنايةً من الأخرسِ أنْ يَختَصَّ بفَهمِها فَطِنونَ؛ فإنْ فَهِمها كلُّ أحَدٍ فصَريحةٌ كما علِمَ من الطَّلاقِ.
стр. 12215
تَنبيهان:
أحدُهما: قد يُوهِمُ كَلامُه بأنَّ الإشارةَ لا تَكفي في إيجابِ الأمانِ، والمَذهبُ الاكتِفاءُ كما مَرَّ، وهذا بخِلافِ الإشارةِ في الطَّلاقِ والرَّجعةِ وسائرِ العُقودِ حيثُ يُعتبَرُ العَجزُ عن النُّطقِ؛ لأنَّ المَقصودَ هنا حَقنُ الدِّماءِ فكانَت الإشارةُ شُبهةً، واحترَزَ بالمُفهِمةِ عن غيرِ المُفهِمةِ فلا يَصحُّ بها أمانٌ.
الثانِي: أنَّ محَلَّ الخِلافِ في اعتبارِ القَبولِ إنْ لم يَسبِقْ منه استِيجابٌ؛ فإنْ سبَقَ منه لم يَحتَجْ للقَبولِ جَزمًا (١).
وقالَ الإمامُ الأزديُّ القُرطبيُّ ﵀: فإذا تقرَّرَ من مُستنَدِ الشَّرعِ وأقوالِ العُلماءِ في مُلاحظةِ ثُبوتِ الأمانِ مُراعاةُ ما دلَّ عليه من قَولٍ أو إشارةٍ أو استِشعارٍ؛ فأقولُ: كلُّ لفظٍ -على أيِّ لُغةٍ كانَ- واصطِلاحٍ حدَثَ أو كِتابةٍ بأيِّ خَطٍّ في مِثلِ ذلك ممَّا اصطُلِح عليه، أو إشارةٍ ورَمزٍ ونَحوِ ذلك ممَّا يُتَفاهَمُ بمِثلِه يُشعِرُ به المُسلِمُ الحَربيَّ بأمانٍ أو يَستَشعِرُ منه الحَربيُّ الأمانَ سَواءٌ أرادَه المُسلِمُ أو لا؛ فهو أمانٌ في الحالِ ممَّا وافَق ما قصَده المُسلِمُ من ذلك، ولم يَكنْ فيه وَجهٌ من وُجوهِ الفَسادِ، ويَجبُ إمضاؤُه والوَفاءُ به إلى غايَتِه، وما لم يَكنْ مُرادُه منه التَّأمينَ إلا أنَّ الحَربيَّ نزَلَ على ذلك مُستَشعِرًا فيه أمانًا، وجَبَ فيه رَدُّ الحَربيِّ إلى مَأمنِه، ثم يَعودُ الأمرُ معه
стр. 12216
على أوَّلِه، ولا يَحِلُّ اغتيالُه على هذا الوَجهِ بحالٍ، والدَّليلُ على صِحةِ هذا الحَدِّ: أنَّ ما كانَ من الأقوالِ المُتعارَفةِ في ذلك، فلُزومُه ممَّا لا إشكالَ فيه، وكذلك على كلِّ لُغةٍ؛ لأنَّ ذلك لا يَلزمُ في اللِّسانِ العَربيِّ لخاصيَّةِ أنَّه عَربيٌّ، لكنْ من حيثُ هو وُضعَ في التَّخاطُبِ لإفهامِ الأمانِ، فكذلك سائِرُ الألسِنةِ.
وأمَّا الكِتابةُ وما يَجرِي مَجراها من الإشارةِ ونَحوِها، فكلُّ ذلك من بابِ الاصطِلاحِ والإفهامِ، لا فَرقَ بينَه وبينَ الكَلامِ، والحُكمُ في ذلك للمَعنى والإفهامِ لا لمُجرَّدِ اللَّفظِ، وفيما ثبَتَ من كُتبِ رَسولِ اللهِ ﷺ إلى مُلوكِ الكُفرِ يَدعوهم إلى الإسلامِ، وإشارَتِه -كما تقدَّمَ- لأصحابِه في غيرِ ما مَوضِعٍ، وإشارةِ التي رضَخَها اليَهوديُّ بالحِجارةِ، فأشارَت إليه ﷺ برأسِها، وقد سأَلَها عن قاتِلها أنْ: لا، حتى سأَلَها الثالِثةَ، فقالَت: نَعمْ، وأشارَت برأسِها؛ فقتَلَه رَسولُ اللهِ ﷺ بينَ حَجرَينِ، خرَّجَه مُسلِمٌ.
كلُّ ذلك دَليلٌ واضِحٌ وحُجةٌ بَيِّنةٌ في إمضاءِ الشَّرعِ العَملَ على مَفهومِ ذلك كلِّه، وأمَّا لُزومُ ذلك وإنْ لم يُرِدِ المُسلِمُ به الأمانَ إذا ظَنَّه الحَربيُّ أمانًا؛ فلأنَّه فعَلَ ما يُوهِمُ الأمانَ، فكانَ سَببًا لاطمِئنانِ الحَربيِّ إليه، فثبَتَ له بذلك حُرمةُ الأمانِ، فإمَّا أنْ يُمضيَ له ما ظَنَّ من ذلك أو يُردَّ إلى مَأمَنِه، ولا يَهجُمُ -بعدَ ظَنِّه الأمانَ واطمِئنانِه إلى ذلك- على قَتلِه أو أسْرِه، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]، فأمَرَ اللهُ تَعالى أنْ يُعلَموا برَفضِ ما كانُوا يَعتَقِدونه من صِحةِ عَهدِهم
стр. 12217
وثُبوتِ أمانِهم، ولم يُبحِ اغتيالَهم حتى يَكونوا على بَصيرةٍ من أمرِهم وأخْذِ حِذرِهم، فكانَ ذلك أصلًا في كلِّ مُستشعِرٍ من أهلِ الكُفرِ أمانًا من المُسلِمينَ، اطمَأنَّ إليه أو نزَلَ عليه.
وأيضًا فالذي يُشيرُ بما يُشعِرُ بالأمانِ، أو يَفعَلُ ما يُستقرَأُ منه الأمانُ وهو لا يُريدُه، فله حالَتانِ:
* إمَّا أنْ يَكونَ لاهيًا غيرَ قاصِدٍ لإشعارِ التَّأمينِ، فهو -وإنْ لم يَلزمْ به التأمينُ مُطلَقًا- لم يَخلُ من شُبهةٍ، فهو سَببُ انبِعاثِ الاطمِئنانِ إليه، فعُهدةُ ذلك على المُسلِمِ حيثُ سبَّبَه لا على الحَربيِّ، فوجَبَ أنْ يُزالَ ذلك بالرَّدِّ إلى مَأمنِه.
* وإمَّا أنْ يَكونَ فعَلَ ذلك ذاكِرًا وهو لا يُريدُ تَأمينَه حَقيقةً، وإنَّما يُريدُ أنْ يُوهِمَه حتى يَتمكَّنَ منه، فهذا هو عَينُ الخِيانةِ والغَدرِ المُحرَّمِ باتِّفاقٍ، ولذلك تَوعَدَ في مِثلِه عُمرُ بنُ الخَطابِ ﵁ بما تَوعَّدَ، ولا خِلافَ يُعلَمُ بينَ المُسلِمينَ في تَحريمِ ذلك (١).
فيَجبُ الالتِزامُ والوَفاءُ بعَقدِ الأمانِ، ويَحرُمُ الغَدرُ والخِيانةُ، فلا يَجوزُ قَتلٌ ولا أسرٌ ولا استِرقاقٌ للمُستأمَنِ بحالٍ؛ لأنَّ الغَدرَ مُحرَّمٌ بإجماعِ العُلماءِ.
قالَ أبو عُمرَ بنُ عبدِ البَرِّ ﵀: إذا كانَ دَمُ الحَربيِّ الكافِرِ يَحرُمُ بالأمانِ؛ فما ظَنُّك بالمُؤمِنِ الذي يُصبِحُ ويُمسي في ذِمةِ اللهِ؟ كيف تَرى
стр. 12218
في الغَدرِ به والقَتلِ؟ وقد قالَ ﷺ : «الإيمانُ قيَّدَ الفَتكَ، لا يَفتِكُ مُؤمِنٌ» (١).
لكنِ اشترَط الفُقهاءُ لصِحةِ الأمانِ ولُزومِه: ألَّا يَترتَّبَ عليه ضَررٌ يَعودُ على المُسلِمينَ: فقد نَصَّ المالِكيةُ على أنَّ شَرطَ الأمانِ ألَّا يَكونَ على المُسلِمينَ ضَررٌ، فلو أمَّنَ جاسوسًا أو طَليعةً أو مَنْ فيه مَضرةٌ لمْ يَنعقِدْ (٢).
قالَ الإمامُ العَدَويُّ المالِكيُّ: (قَولُه: فلو أمَّن جاسوسًا … إلخ) يُقتَلُ الجاسوسُ حينَئذٍ، إلا أنْ يَرى الإمامُ استِرقاقَه أو يُسلِمَ.
قَولُه: (الطَّلِيعةُ)، قالَ في المِصباحِ: الطَّلِيعةُ: القَومُ يُبعَثونَ أمامَ الجَيشِ يَتعرَّفونَ طِلعَ العَدوِّ، -بِالكَسرِ -أَيْ: خَبرَه- والجَمعُ طَلائِعُ. اه. فهو بهذا الاعتِبارِ مُغايِرٌ للجاسوسِ (٣).
وقالَ سحنُونٌ: إذا أشرَفَ المُسلِمونَ على حِصنٍ وتُيقِّنَ أَخذُه فأمَّنَهم شَخصٌ من المُسلِمينَ؛ فإنَّ للإمامِ رَدَّ تَأمينِه (٤).
стр. 12219
وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ الشافِعيُّ ﵀: ولا يَجوزُ ولا يَصحُّ أمانٌ يَضُرُّ المُسلِمينَ كجاسوسٍ وطَليعةٍ لخَبرِ: «لا ضَررَ ولا ضِرارَ» (١). ويَنبَغي -كما قالَ الإمامُ- ألَّا يَستحِقَّ تَبليغَ المَأمَنِ فيُغتالَ؛ لأنَّ دُخولَ مِثلِه خِيانةٌ.
وفي مَعنى الجاسوسِ مَنْ يَحمِلُ سِلاحًا إلى دارِ الحَربِ ونَحوِه ممَّا يُعينُهم (٢).
وقالَ الإمامُ الغَزاليُّ ﵀: أمَّا الشَّرطُ فهو اثنانِ:
أحدُهما: ألَّا يَكونَ على المُسلِمينَ ضَرَرٌ؛ بأنْ يَكونَ طَليعةً أو جاسوسًا؛ فإنْ كانَ قُتلَ ولا نُبالي بالأمانِ، ولا يُشترطُ وُجودُ مَصلَحةٍ مهما انتَفى الضَّررُ (٣).
وقالَ الحَنابِلةُ -كما في «كَشَّافِ القِناعِ» للبُهوتيِّ-: ويُشترطُ للأَمانِ عَدمُ الضَّررِ علينا بتَأمينِ الكُفارِ (٤).
لكنْ هل يَجوزُ اغتيالُ مَنْ أُعطيَ الأمانَ الباطِلَ الذي فيه ضَررٌ علينا -كمَن أمَّنَ جاسوسًا أو طَليعةً- قبلَ أنْ يَبلُغَ مأمَنَه؟ أو لا يَجوزُ إلا بعدَ إعلامِه بذلك لوُجودِ شُبهةِ الأمانِ، نَفيًا للغَدرِ والخِيانةِ؟
فالذي صرَّحَ به المالِكيةُ والشافِعيةُ أنَّه يَجوزُ أنْ يُغتالَ ويُقتلَ.
стр. 12220
قالَ خَليلٌ ﵀: وقَتلُ عَينٍ وإنِ أُمِّنَ، والمُسلِمُ كالزِّنديقِ.
قالَ الخَرشيُّ ﵀: يَعني أنَّه يَجوزُ قَتلُ الجاسوسِ، وهو مُرادُه بالعَينِ هنا، وهو الذي يَطَّلعُ على عَوراتِ المُسلِمينَ ويَنقُلُ أَخبارَهم للعَدوِّ، فالجاسوسُ رَسولُ الشَّرِّ، وهو ضدُّ الناموسِ؛ الذي هو رَسولُ الخَيرِ، وسَواءٌ كانَ هذا الجاسوسُ عندَنا تَحتَ الذِّمةِ ثم تَبيَّنَ أنَّه عَينٌ للعَدوِّ يُكاتِبُهم بأُمورِ المُسلِمينَ فلا عَهدَ له، أو دخَلَ عندَنا بأمانٍ، وإليه الإشارةُ بقَولِه: (وإنْ أُمِّنَ)؛ لأنَّ الأمانَ لا يَتضمَّنُ كَونَه عَينًا، ولا يَستلزِمَه.
سحنُونٌ: إلا أنْ يَرى الإمامُ استِرقاقَه، ومحَلُّ جَوازِ قَتلِهِ إنْ لم يُسلِمْ، والمَشهورُ أنَّ المُسلِمَ إذا تَبيَّنَ أنَّه عَينٌ للعَدوِّ؛ فإنَّه يَكونُ حُكمُه حينَئذٍ حُكمَ الزِّنديقِ؛ أي: فيُقتَلُ إنْ ظهَرَ عليه ولا تُقبَلُ تَوبَتُه، وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ وسحنُونٍ (١).
وقالَ الإمامُ العَدَويُّ المالِكيُّ ﵀: قَولُه: (فلو أمَّنَ جاسوسًا … إلخ) يُقتَلُ الجاسوسُ حينَئذٍ، إلا أنْ يَرى الإمامُ استِرقاقَه أو يُسلِمَ (٢).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: ويُشترطُ ألَّا يَتضرَّرَ به المُسلِمونَ، فلو أمَّنَ جاسوسًا أو طَليعةً لم يَنعقِدِ الأمانُ، قالَ الإمامُ: ويَنبَغي ألَّا يَستحِقَّ تَبليغَ المأمَنِ؛ لأنَّ دُخولَ مِثلِه خيانةٌ فحَقُّه أنْ يُغتالَ (٣).