على أوَّلِه، ولا يَحِلُّ اغتيالُه على هذا الوَجهِ بحالٍ، والدَّليلُ على صِحةِ هذا الحَدِّ: أنَّ ما كانَ من الأقوالِ المُتعارَفةِ في ذلك، فلُزومُه ممَّا لا إشكالَ فيه، وكذلك على كلِّ لُغةٍ؛ لأنَّ ذلك لا يَلزمُ في اللِّسانِ العَربيِّ لخاصيَّةِ أنَّه عَربيٌّ، لكنْ من حيثُ هو وُضعَ في التَّخاطُبِ لإفهامِ الأمانِ، فكذلك سائِرُ الألسِنةِ.
وأمَّا الكِتابةُ وما يَجرِي مَجراها من الإشارةِ ونَحوِها، فكلُّ ذلك من بابِ الاصطِلاحِ والإفهامِ، لا فَرقَ بينَه وبينَ الكَلامِ، والحُكمُ في ذلك للمَعنى والإفهامِ لا لمُجرَّدِ اللَّفظِ، وفيما ثبَتَ من كُتبِ رَسولِ اللهِ ﷺ إلى مُلوكِ الكُفرِ يَدعوهم إلى الإسلامِ، وإشارَتِه -كما تقدَّمَ- لأصحابِه في غيرِ ما مَوضِعٍ، وإشارةِ التي رضَخَها اليَهوديُّ بالحِجارةِ، فأشارَت إليه ﷺ برأسِها، وقد سأَلَها عن قاتِلها أنْ: لا، حتى سأَلَها الثالِثةَ، فقالَت: نَعمْ، وأشارَت برأسِها؛ فقتَلَه رَسولُ اللهِ ﷺ بينَ حَجرَينِ، خرَّجَه مُسلِمٌ.
كلُّ ذلك دَليلٌ واضِحٌ وحُجةٌ بَيِّنةٌ في إمضاءِ الشَّرعِ العَملَ على مَفهومِ ذلك كلِّه، وأمَّا لُزومُ ذلك وإنْ لم يُرِدِ المُسلِمُ به الأمانَ إذا ظَنَّه الحَربيُّ أمانًا؛ فلأنَّه فعَلَ ما يُوهِمُ الأمانَ، فكانَ سَببًا لاطمِئنانِ الحَربيِّ إليه، فثبَتَ له بذلك حُرمةُ الأمانِ، فإمَّا أنْ يُمضيَ له ما ظَنَّ من ذلك أو يُردَّ إلى مَأمَنِه، ولا يَهجُمُ -بعدَ ظَنِّه الأمانَ واطمِئنانِه إلى ذلك- على قَتلِه أو أسْرِه، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]، فأمَرَ اللهُ تَعالى أنْ يُعلَموا برَفضِ ما كانُوا يَعتَقِدونه من صِحةِ عَهدِهم
стр. 12217
وثُبوتِ أمانِهم، ولم يُبحِ اغتيالَهم حتى يَكونوا على بَصيرةٍ من أمرِهم وأخْذِ حِذرِهم، فكانَ ذلك أصلًا في كلِّ مُستشعِرٍ من أهلِ الكُفرِ أمانًا من المُسلِمينَ، اطمَأنَّ إليه أو نزَلَ عليه.
وأيضًا فالذي يُشيرُ بما يُشعِرُ بالأمانِ، أو يَفعَلُ ما يُستقرَأُ منه الأمانُ وهو لا يُريدُه، فله حالَتانِ:
* إمَّا أنْ يَكونَ لاهيًا غيرَ قاصِدٍ لإشعارِ التَّأمينِ، فهو -وإنْ لم يَلزمْ به التأمينُ مُطلَقًا- لم يَخلُ من شُبهةٍ، فهو سَببُ انبِعاثِ الاطمِئنانِ إليه، فعُهدةُ ذلك على المُسلِمِ حيثُ سبَّبَه لا على الحَربيِّ، فوجَبَ أنْ يُزالَ ذلك بالرَّدِّ إلى مَأمنِه.
* وإمَّا أنْ يَكونَ فعَلَ ذلك ذاكِرًا وهو لا يُريدُ تَأمينَه حَقيقةً، وإنَّما يُريدُ أنْ يُوهِمَه حتى يَتمكَّنَ منه، فهذا هو عَينُ الخِيانةِ والغَدرِ المُحرَّمِ باتِّفاقٍ، ولذلك تَوعَدَ في مِثلِه عُمرُ بنُ الخَطابِ ﵁ بما تَوعَّدَ، ولا خِلافَ يُعلَمُ بينَ المُسلِمينَ في تَحريمِ ذلك (١).
فيَجبُ الالتِزامُ والوَفاءُ بعَقدِ الأمانِ، ويَحرُمُ الغَدرُ والخِيانةُ، فلا يَجوزُ قَتلٌ ولا أسرٌ ولا استِرقاقٌ للمُستأمَنِ بحالٍ؛ لأنَّ الغَدرَ مُحرَّمٌ بإجماعِ العُلماءِ.
قالَ أبو عُمرَ بنُ عبدِ البَرِّ ﵀: إذا كانَ دَمُ الحَربيِّ الكافِرِ يَحرُمُ بالأمانِ؛ فما ظَنُّك بالمُؤمِنِ الذي يُصبِحُ ويُمسي في ذِمةِ اللهِ؟ كيف تَرى
стр. 12218
في الغَدرِ به والقَتلِ؟ وقد قالَ ﷺ : «الإيمانُ قيَّدَ الفَتكَ، لا يَفتِكُ مُؤمِنٌ» (١).
لكنِ اشترَط الفُقهاءُ لصِحةِ الأمانِ ولُزومِه: ألَّا يَترتَّبَ عليه ضَررٌ يَعودُ على المُسلِمينَ: فقد نَصَّ المالِكيةُ على أنَّ شَرطَ الأمانِ ألَّا يَكونَ على المُسلِمينَ ضَررٌ، فلو أمَّنَ جاسوسًا أو طَليعةً أو مَنْ فيه مَضرةٌ لمْ يَنعقِدْ (٢).
قالَ الإمامُ العَدَويُّ المالِكيُّ: (قَولُه: فلو أمَّن جاسوسًا … إلخ) يُقتَلُ الجاسوسُ حينَئذٍ، إلا أنْ يَرى الإمامُ استِرقاقَه أو يُسلِمَ.
قَولُه: (الطَّلِيعةُ)، قالَ في المِصباحِ: الطَّلِيعةُ: القَومُ يُبعَثونَ أمامَ الجَيشِ يَتعرَّفونَ طِلعَ العَدوِّ، -بِالكَسرِ -أَيْ: خَبرَه- والجَمعُ طَلائِعُ. اه. فهو بهذا الاعتِبارِ مُغايِرٌ للجاسوسِ (٣).
وقالَ سحنُونٌ: إذا أشرَفَ المُسلِمونَ على حِصنٍ وتُيقِّنَ أَخذُه فأمَّنَهم شَخصٌ من المُسلِمينَ؛ فإنَّ للإمامِ رَدَّ تَأمينِه (٤).
стр. 12219
وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ الشافِعيُّ ﵀: ولا يَجوزُ ولا يَصحُّ أمانٌ يَضُرُّ المُسلِمينَ كجاسوسٍ وطَليعةٍ لخَبرِ: «لا ضَررَ ولا ضِرارَ» (١). ويَنبَغي -كما قالَ الإمامُ- ألَّا يَستحِقَّ تَبليغَ المَأمَنِ فيُغتالَ؛ لأنَّ دُخولَ مِثلِه خِيانةٌ.
وفي مَعنى الجاسوسِ مَنْ يَحمِلُ سِلاحًا إلى دارِ الحَربِ ونَحوِه ممَّا يُعينُهم (٢).
وقالَ الإمامُ الغَزاليُّ ﵀: أمَّا الشَّرطُ فهو اثنانِ:
أحدُهما: ألَّا يَكونَ على المُسلِمينَ ضَرَرٌ؛ بأنْ يَكونَ طَليعةً أو جاسوسًا؛ فإنْ كانَ قُتلَ ولا نُبالي بالأمانِ، ولا يُشترطُ وُجودُ مَصلَحةٍ مهما انتَفى الضَّررُ (٣).
وقالَ الحَنابِلةُ -كما في «كَشَّافِ القِناعِ» للبُهوتيِّ-: ويُشترطُ للأَمانِ عَدمُ الضَّررِ علينا بتَأمينِ الكُفارِ (٤).
لكنْ هل يَجوزُ اغتيالُ مَنْ أُعطيَ الأمانَ الباطِلَ الذي فيه ضَررٌ علينا -كمَن أمَّنَ جاسوسًا أو طَليعةً- قبلَ أنْ يَبلُغَ مأمَنَه؟ أو لا يَجوزُ إلا بعدَ إعلامِه بذلك لوُجودِ شُبهةِ الأمانِ، نَفيًا للغَدرِ والخِيانةِ؟
فالذي صرَّحَ به المالِكيةُ والشافِعيةُ أنَّه يَجوزُ أنْ يُغتالَ ويُقتلَ.
стр. 12220
قالَ خَليلٌ ﵀: وقَتلُ عَينٍ وإنِ أُمِّنَ، والمُسلِمُ كالزِّنديقِ.
قالَ الخَرشيُّ ﵀: يَعني أنَّه يَجوزُ قَتلُ الجاسوسِ، وهو مُرادُه بالعَينِ هنا، وهو الذي يَطَّلعُ على عَوراتِ المُسلِمينَ ويَنقُلُ أَخبارَهم للعَدوِّ، فالجاسوسُ رَسولُ الشَّرِّ، وهو ضدُّ الناموسِ؛ الذي هو رَسولُ الخَيرِ، وسَواءٌ كانَ هذا الجاسوسُ عندَنا تَحتَ الذِّمةِ ثم تَبيَّنَ أنَّه عَينٌ للعَدوِّ يُكاتِبُهم بأُمورِ المُسلِمينَ فلا عَهدَ له، أو دخَلَ عندَنا بأمانٍ، وإليه الإشارةُ بقَولِه: (وإنْ أُمِّنَ)؛ لأنَّ الأمانَ لا يَتضمَّنُ كَونَه عَينًا، ولا يَستلزِمَه.
سحنُونٌ: إلا أنْ يَرى الإمامُ استِرقاقَه، ومحَلُّ جَوازِ قَتلِهِ إنْ لم يُسلِمْ، والمَشهورُ أنَّ المُسلِمَ إذا تَبيَّنَ أنَّه عَينٌ للعَدوِّ؛ فإنَّه يَكونُ حُكمُه حينَئذٍ حُكمَ الزِّنديقِ؛ أي: فيُقتَلُ إنْ ظهَرَ عليه ولا تُقبَلُ تَوبَتُه، وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ وسحنُونٍ (١).
وقالَ الإمامُ العَدَويُّ المالِكيُّ ﵀: قَولُه: (فلو أمَّنَ جاسوسًا … إلخ) يُقتَلُ الجاسوسُ حينَئذٍ، إلا أنْ يَرى الإمامُ استِرقاقَه أو يُسلِمَ (٢).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: ويُشترطُ ألَّا يَتضرَّرَ به المُسلِمونَ، فلو أمَّنَ جاسوسًا أو طَليعةً لم يَنعقِدِ الأمانُ، قالَ الإمامُ: ويَنبَغي ألَّا يَستحِقَّ تَبليغَ المأمَنِ؛ لأنَّ دُخولَ مِثلِه خيانةٌ فحَقُّه أنْ يُغتالَ (٣).
стр. 12221
أمانُ أهلِ البَغيِ هل يَلزمُ أهلَ العَدلِ الوَفاءُ به أو لا؟
نَصَّ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ أهلَ البَغيِ إذا أعطَوْا أمانًا للكُفارِ أنَّه يَلزمُ أهلَ العَدلِ كما يَلزمُ أهلَ البَغيِ؛ لقَولِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ : «يُجيرُ على المُسلِمينَ أدناهم» (١). إلا لو استَعانَ البُغاةُ علينا بأهلِ الحَربِ وعَقَدوا لهم ذِمةً وأمانًا ليُقاتِلوا معهم لم يُنفَّذْ أمانُهم علينا، ولا يَجبُ علينا الوَفاءُ به كما نَصَّ على ذلك الشافِعيةُ والحَنابِلةُ.
قالَ الحَنفيةُ: أمانُ الباغي لأهلِ الحَربِ صَحيحٌ لإسلامِه؛ فإنْ غدَرَ بهم البُغاةُ فسُبُوا لا يَحِلُّ لأحدٍ من أهلِ العَدلِ أنْ يَشتريَ منهم (٢).
وقالَ المالِكيةُ: وأمَّا أمانُ الخارِجِ على الإمامِ المُسلمِ الكَبيرِ الحُرِّ فيَمضي ويَجوزُ باتِّفاقٍ (٣).
قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: الأمانُ يَصحُّ من كلِّ مُسلمٍ لكلِّ مُشرِكٍ، سَواءٌ كانَ الأمانُ من رَجلٍ أو امرأةٍ، من حُرٍّ كانَ أو من عَبدٍ، من عادِلٍ أو باغٍ، فيَكونُ أمانُ الباغي لازِمًا لأهلِ البَغيِ وأهلِ العَدلِ، وأمانُ العادِلِ لازِمًا لأهلِ العَدلِ وأهلِ البَغيِ؛ فإنْ أمَّنَ أهلُ البَغيِ قَومًا من المُشرِكينَ لم يَعلَمْ بهم أهلُ العَدلِ حتى سَبَوْهم وغَنِموهم لم يَملِكوا سَبيَهم وغَنائمَهم ولزِمَهم رَدُّ السَّبيِ والغَنائمِ عليهم، وكذلك لو أمَّنَهم أهلُ العَدلِ وسَباهم وغَنِمهم
стр. 12222
أهلُ البَغيِ حرُمَ عليهم أنْ يَتملَّكوهم، وحرُمَ على أهلِ العَدلِ أنْ يَبتاعُوهم، وعلى إمامِ أهلِ العَدلِ إذا قدِرَ عليهم أنْ يَسترجِعَه منهم ويَردَّه على أهلِه من المُشرِكينَ، وهكذا لو أمَّنَ أهلُ البَغيِ قَومًا من المُشرِكينَ ثم غَدَروا بهم فسَبَوْهم وغَنِموهم لم يَحِلَّ ابتِياعُ السَّبيِ والغَنائمِ منهم، ولزِمَ أهلَ العَدلِ رَدُّ ما قدِرُوا عليه (١).
وقالَ الجَملُ في «حاشيَتِه»: قَولُه: ليُعينوهم علينا، أمَّا لو أَمَّنوهم تَأمينًا مُطلَقًا يَنفُذُ علينا أيضًا، فلو قاتَلُونا معهم انتقَضَ الأمانُ في حَقِّنا، وكذا في حَقِّهم كما هو القياسُ، وقد عُلمَ أنَّ الاستِعانةَ بهم ليسَت بأمانٍ لهم. اه.
شَرحُ قَولِه: لأنَّهم أمَّنوهم … إلخ؛ قالَ العِراقيُّ في «شَرحِ البَهجةِ»: وصُورةُ المَسألةِ: أنْ يُؤمِّنوهم على أنْ يُقاتِلونا معهم، فلو أَمَّنوهم أوَّلًا صَحَّ الأمانُ علينا، فإذا استَعانوا بهم علينا انتقَضَ الأمانُ علينا، نَصَّ عليه. اه.
قَولُه: (لا علينا)؛ أي: فلهم معنا حُكمُ الحَربيِّينَ وحينَئذٍ لنا غُنمُ أموالِهم واستِرقاقُهم، وقَتلُ أسيرِهم وقَتلُهم مُدبِرينَ، ولهم معهم حُكمُ المُؤمِنينَ فيُمنَعونَ من غُنمِ أموالِهم إلخ (٢).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: لو استَعانَ البُغاةُ علينا بأهلِ الحَربِ وعقَدوا لهم ذِمةً وأمانًا ليُقاتِلوا معهم لم يَنفُذْ أمانُهم علينا، فلنا أنْ نَغنَمَ أموالَهم ونستَرِقَّهم ونقتُلَهم إذا وقَعوا في الأسرِ ونقتُلَهم مُدبِرينَ ونُذفِّفَ
стр. 12223
على جَريحِهم، وقالَ القاضي حُسَينٌ: لا يُتبَعُ مُدبِرُهم ولا يُذفَّفُ على جَريحِهم، والصَّحيحُ الأولُ.
وهل يَنعقِدُ الأمانُ في حَقِّ البُغاةِ؟ وَجهانِ أصَحُّهما: نَعمْ؛ فإنْ قُلنا: لا، قالَ البَغَويُّ: لأهلِ البَغيِ أنْ يَكُرُّوا عليهم بالقَتلِ والاستِرقاقِ، والذي ذكَرَه الإمامُ على هذا أنَّه أمانٌ فاسِدٌ وليسَ لأهلِ البَغيِ اغتيالُهم بل يُبلِّغونَهم المأمَنَ، فلو قالُوا: ظَننَّا أنَّه يَجوزُ لنا أنْ نُعينَ بعضَ المُسلِمينَ على بَعضٍ، أو ظَننَّا أنَّهم المُحقُّونَ أو ظَننَّا أنَّهم استَعانوا بنا في قِتالِ الكُفارِ؛ فوَجهانِ:
أحدُهما: لا اعتِبارَ بظَنِّهم الفاسِدِ ولنا قَتلُهم واستِرقاقُهم.
وأصَحُّهما: أنَّا نُبلِّغُهم المأمَنَ ونُقاتِلُهم مُقاتَلَةَ البُغاةِ فلا يُتعرَّضُ لهم مُدبِرينَ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: وإنِ استَعانوا بأهلِ الحَربِ وأمَّنوهم لمْ يَصحَّ أمانُهم وأُبيحَ قَتلُهم، وحُكمُ أسيرِهم حُكمُ أسيرِ سائرِ أهلِ الحَربِ؛ لأنَّ الأمانَ من شَرطِ صِحَّتِه التِزامُ كَفِّهم عن المُسلِمينَ، وهؤلاء يَشترِطونَ عليهم قِتالَ المُسلِمينَ فلا يَصحُّ، ولِأهلِ العَدلِ قَتلُهم كمَن لم يُؤمِّنوه سَواءٌ، وحُكمُ أسيرِهم حُكمُ أسيرِ سائرِ أهلِ الحَربِ قبلَ الاستِعانةِ بهم.
فأمَّا البُغاةُ فلا يَجوزُ لهم قَتلُهم؛ لأنَّهم أمَّنوهم، فلا يَجوزُ لهم الغَدرُ بهم. والمُستأمَنون متى استَعانوا بهم فأعانوهم نقَضُوا عَهدَهم
стр. 12224
وصاروا كأهلِ الحَربِ؛ لأنَّهم ترَكوا الشَّرطَ وهو كَفُّهم عن المُسلِمينَ؛ فإنْ فعَلوا ذلك مُكرَهينَ لم يَنتقِضْ أمانُهم؛ لأنَّ لهم عُذرًا، أو أنِ ادَّعَوُا الإكراهَ لم يُقبَلْ إلا ببَيِّنةٍ؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُه؛ فإنِ ادَّعَوا أنَّهم ظَنُّوا أنَّه يَجبُ عليهم مَعونةُ مَنِ استَعان بهم من المُسلِمينَ انتقَض عَهدُهم ولم يَكنْ ذلك عُذرًا لهم (١).
مَنْ طلَب الأمانَ بشَرطٍ:
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: قالَ أحمدُ: إذا قالَ الرَّجلُ: كُفَّ عَنِّي حتى أدُلَّك على كذا، فبعَثَ معه قَومٌ ليَدُلَّهم فامتنَعَ من الدِّلالةِ فلهم ضَربُ عُنقِه؛ لأنَّ أمانَه بشَرطٍ ولم يُوجَدْ، وقالَ أحمدُ: إذا لقي عِلجًا فطلَبَ منه الأمانَ فلا يُؤمِّنْه؛ لأنَّه يُخافُ شَرُّه، وإنْ كانُوا سَريةً فلهم أمانُه، يَعني أنَّ السَّريةَ لا يَخافونَ -من غَدرِ العِلجِ- قَتْلَهم بخِلافِ الواحِدِ، وإنْ لقِيَت السَّريةُ أعلاجًا فادَّعَوا أنَّهم جاؤوا مُستأمَنينَ؛ فإنْ كانَ معهم سِلاحٌ لم يُقبَلْ قَولُهم؛ لأنَّ حَملَهم السِّلاحَ يَدلُّ على مُحارَبتِهم، وإنْ لم يَكنْ معهم سِلاحٌ قُبِل قَولُهم؛ لأنَّه يَدلُّ على صِدقِهم (٢).
وجاء في «شَرحِ السِّيَرِ الَكبيرِ» للشَّيبانِيِّ: بابُ الأمانِ على الشَّرطِ: قالَ: وإذا أمَّنَ المُسلِمونَ رَجلًا على أنْ يَدُلَّهم على كذا وألا يَخونَهم؛ فإنْ خانَهم فهُم في حِلٍّ من قَتلِه، فخرَجَ عليهم من مَدينَتِه أو حِصنِه على ذلك
стр. 12225
حتى صار في أيديهم ثم خانَهم أو لم يَدُلَّهم فاستَبانَت لهم خيانَتُه فقد بَرِئت منه الذِّمةُ، وصارَ الرأيُ فيه إلى الإمامِ إنْ شاء قتَلَه وإنْ شاءَ جعَله فَيئًا؛ لأنَّ الشَّرطَ هكذا جَرى بينَهم، فقالَ ﵇: «المُسلِمونَ عندَ شُروطِهم»، وقالَ عُمرُ ﵁: الشَّرطُ أملَكُ. أي: يَجبُ الوَفاءُ به، ولأنَّه كانَ مُباحَ الدَّمِ، عَلَّقوا حُرمةَ دَمِه بالدِّلالةِ وتَركِ الخِيانةِ، وتَعليقُ أسبابِ التَّحريمِ بالشَّرطِ صَحيحٌ كالطَّلاقِ والعِتاقِ؛ فإنِ انعَدَم الشَّرطُ بَقيَ حِلُّ دَمِه على ما كانَ، ولأنَّ النَّبذَ بعدَ الأمانِ والإعادةِ إلى مأمَنِه إنَّما كانَ مُعتبَرًا للتَّحرُّزِ عن الغَدرِ، وبالتَّصريحِ بالشَّرطِ قد انتَفى مَعنى الغَدرِ (١).
دُخولُ الحَربيِّ دارَ الإسلامِ بغيرِ أمانٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الحَربيِّ يَدخُلُ دارَ الإسلامِ بغيرِ تِجارةٍ ولم يَدَّعِ أمانًا ما يَكونُ أمرُه؟ هل يَجوزُ قَتلُه أو لا؟ أو هو فَيءٌ لعُمومِ المُسلِمينَ أو هو لمَن وجَدَه خاصةً؟
قالَ الإمامُ مالِكٌ ﵀: يَتخيَّرُ فيه الإمامُ، وحُكمُه حُكمُ أهلِ الحَربِ.
وقالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأحمدُ في رِوايةٍ: هو فَيءٌ للمُسلِمينَ؛ لأنَّه مما لم يُوجَفْ عليه بخَيلٍ ولا رِكابٍ، والفَيءُ للإمامِ يَصنَعُ فيه ما شاءَ، حيثُ شاءَ فيَتخيَّرُ الإمامُ فيه كالأسيرِ، ولا يَختصُّ به الآخِذُ؛ لأنَّه وُجدَ سَببُ ثُبوتِ المِلكِ لعامةِ المُسلِمينَ في محَلٍّ قابِلٍ للمِلكِ وهو المُباحُ فيَصيرُ مِلكًا للكُلِّ، كما إذا استَولى جَماعةٌ على صَيدٍ.
стр. 12226
ولأنَّ أهلَ دارِ الإسلامِ كلَّهم مَنَعةٌ واحِدةٌ؛ فإنَّهم يَذبُّونَ عن دِينٍ واحِدٍ، فكانَت يَدُه يَدَ الكُلِّ مَعنًى، كما إذا دخَلَ الغُزاةُ دارَ الحَربِ، فأخَذَ واحِدٌ منهم شَيئًا من أموالِ الكَفَرةِ؛ فإنَّ المأخوذَ يَكونُ غَنيمةً مَقسومةً بينَ الكُلِّ كذا هذا.
وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ وأحمدُ في الرِّوايةِ الثانِيةِ: هو لمَن وجَدَه؛ لِما رَواه البُخاريُّ في صَحيحِه: بابُ الحَربِيِّ إذا دخَلَ دارَ الإسلامِ بغيرِ أمانٍ، عن سَلمةَ بنِ الأكوَعِ ﵁ قالَ: «أتى النَّبيَّ ﷺ عَينٌ من المُشرِكينَ وهو في سَفرٍ فجلَس عندَ أصحَابِه يَتحدَّثُ ثم انفتَلَ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : اطلُبوهُ واقتُلوه، فقتَلَه فنفَّلَه سلَبَه» (١). فظاهِرُ الحَديثِ يَدلُّ على أنَّه لمَن وجَده؛ لأنَّ نَبيَّ اللهِ ﷺ إنَّما أعطى سلَبَه لسَلمةَ بنِ الأكوَعِ وَحدَه؛ لأنَّه كانَ قتَلَه، ولأنَّ سَببَ المِلكِ وُجدَ من الآخِذِ خاصةً، فيَختصُّ بمِلكِه، كما إذا دخَلَت طائِفةٌ من أهلِ الحَربِ دارَ الإسلامِ، فاستَقبلَتْها سَريةٌ من أهلِ الإسلامِ فأخذَتْها، فإنَّهم يَختَصُّون بمِلكِها، والدَّليلُ على أنَّ سَببَ المِلكِ وُجدَ من الآخِذِ، خُصوصًا أنَّ السَّببَ هو الأخذُ والاستِيلاءُ هو إثباتُ اليَدِ، وقد وُجدَ ذلك حَقيقةً من الآخِذِ خاصةً، وأهلُ الدارِ إنْ كانَت لهم يَدٌ فهي يَدٌ حُكميةٌ، ويَدُ الحَربيِّ حَقيقيةٌ؛ لأنَّه حُرٌّ، والحُرُّ في يَدِ نَفسِه، واليَدُ الحُكميةُ لا تَصلُحُ مُبطِلةً لليَدِ الحَقيقيةِ؛ لأنَّها دونَها، ونَقْضُ الشَّيءِ بما هو مِثلُه أو بما هو فَوقَه لا بما هو دونَه، فأمَّا يَدُ الآخِذِ فيَدٌ حَقيقيةٌ وهي مُحِقةٌ ويَدُ الحَربيِّ مُبطِلةٌ، فجازَ إبطالُها بها (٢).
стр. 12227
أمَّا إنْ دخَلَ الحَربيُّ دارَ الإسلامِ بتِجارةٍ أو ادَّعى أمانًا أو أنَّه رَسولٌ هل يُصدَّقَ في ذلك ويَكونُ آمِنًا أو لا؟
على تَفصيلٍ في ذلك في كلِّ مَذهبٍ:
فقالَ الحَنفيةُ: إذا وُجدَ الحَربيُّ في دارِ الإسلامِ، فقالَ: أنا رَسولٌ؛ فإنْ أخرَجَ كِتابًا عُرفَ أنَّه كِتابُ مَلِكِهم كانَ آمِنًا حتى يُبلِّغَ رسالَتَه ويَرجِعَ؛ لأنَّ الرُّسُلَ لم تَزلْ آمِنةً في الجاهِليةِ والإسلامِ، وهذا لأنَّ أمرَ القِتالِ أو الصُّلحِ لا يَتمُّ إلا بالرُّسلِ فلا بدَّ من أمانِ الرُّسلِ ليُتوصَّلَ إلى المَقصودِ، «ولمَّا تَكلَّمَ رَسولٌ بينَ يَدَيِ النَّبيِّ ﷺ بما كرِهَه قالَ: لولا أنَّك رَسُولٌ لقَتلتُك»، وفي هذا دَليلٌ على أنَّ الرَّسولَ أمَّنَ، ثم لا يَتمكَّنُ من إقامةِ البَيِّنةِ على أنَّه رَسولٌ، فلو كلَّفْناه ذلك أدَّى إلى الضِّيقِ والحَرجِ، وهذا مَدفوعٌ، فلهذا يُكتَفى بالعَلامةِ، والعَلامةُ أنْ يَكونَ معه كِتابٌ يُعرَفُ أنَّه كِتابُ مَلِكِهم، فإذا أخرَجَ ذلك فالظاهِرُ أنَّه صادِقٌ، والبِناءُ على الظاهِرِ واجِبٌ فيما لا يُمكِنُ الوُقوفُ على حَقيقتِه.
وإنْ لم يُخرِجْ كِتابًا أو أخرَجَ ولم يُعلَمْ أنَّه كِتابُ مَلِكِهم فهو وما معه فَيءٌ؛ لأنَّ الكِتابَ قد يُفتعَلُ، وإذا لم يُعلَمْ أنَّه كِتابُ مَلِكهم بخَتمٍ وتَوقيعٍ
стр. 12228
مَعروفٍ فالظاهِرُ أنَّه افتعَلَ ذلك، وأنَّه لصٌّ مُغِيرٌ في دارِ الإسلامِ، فحينَ أخَذْناه احتالَ بذلك ليَتخلَّصَ من أيدينا، ولِهذا كانَ فَيئًا مع ما معه، وإنِ ادَّعى أنَّه دخَلَ بأمانٍ لم يُصدَّقَ، وهو فَيءٌ؛ لأنَّ حقَّ المُسلِمينَ قد ثبَتَ فيه حينَ تَمكَّنوا منه من غيرِ أمانٍ ظاهِرٍ له فلا يُصدَّقَ هو في إبطالُ حَقِّهم (١).
وأمَّا المالِكيةُ فقالُوا: إنْ أُخذَ الحَربيُّ حال كَونِه مُقبِلًا إلينا بأرضِهم، فقالَ: جِئتُ أطلُبُ الأمانَ منكم، أو أُخذَ بأرضِنا ومعه تِجارةٌ، وقالَ لنا: إنَّما دخَلتُ أرضَكم بلا أمانٍ؛ لأنَّي ظَنَنْتُ أنَّكم لا تَعرِضون لتاجِرٍ، أو أُخذَ بينَهما؛ أي بينَ أرضِنا وأرضِهم، وقالَ: جئتُ أطلُبُ الأمانَ؛ فيُرَدُّ في المَسائلِ الثَّلاثِ لمأمَنِه -أي: لمحَلِّ أمْنِه- ولا يَجوزُ قَتلُه ولا أسرُه ولا أخذُ مالِه.
وإنْ قامت قَرينةٌ على صِدقِه أو كَذِبه فعليها العَملُ؛ فإنْ قامت على كَذِبه فلا يُرَدُّ إلى مأمَنِه ويَرى الإمامُ فيه رأيَه من قَتلٍ أو استِرقاقٍ أو غيرِه، كما إذا لم يَدَّعِ شَيئًا من ذلك في المَسائلِ الثَّلاثِ.
وإنْ رُدَّ مُؤمَّنٌ تَوجَّه لبَلدِه قبلَ وُصولِه لها بريحٍ فعلى أمانِه الأولِ لا يُتعرَّضُ له حتى يَصلَ لبَلدِه أو لمأمَنِه؛ فإنْ رجَعَ بعدَ وُصولِه لها فقيل: فَيءٌ، وقيلَ: إنْ رجَعَ اختيارًا، وقيلَ: يُخيَّرُ الإمامُ في رَدِّه وإنزالِه (٢).
стр. 12229
وأمَّا الشافِعيةُ: ومَن دخَلَ رَسولًا أو لسَماعِ القُرآنِ فهو آمِنٌ، لا مَنْ دخَلَ لتِجارةٍ فليسَ آمِنًا، فلو أخبَره مُسلِمٌ أنَّ الدُّخولَ للتِّجارةِ أمانٌ؛ فإنْ صدَّقَه بُلِّغ المأمَنَ ولا يُغتالُ، وكذا لو سمِعَ مُسلمًا يَقولُ: مَنْ دخَلَ تاجِرًا فهو آمِنٌ، فدخَلَ، وقالَ: ظَنَنْتُ صِحَّتَه، لا يُغتالُ، وإنْ لم يُصدِّقْه اغتِيلَ، وكذا يُغتالُ إنْ لم يُخبِرْه مُسلِمٌ، وإنْ ظنَّ أنَّ الدُّخولَ لها أمانٌ إذ لا مُستنَدَ لظَنِّه، ولِلإمامِ لا للآحادِ جَعلُ الدُّخولِ للتِّجارةِ أمانًا إنْ رأى في الدُّخولِ لها مَصلَحةً، فإذا قالَ: مَنْ دخَلَ تاجِرًا فهو آمِنٌ جاز واتُّبعَ، ومِثلُه لا يَصحُّ من الآحادِ.
ولا تَجِبُ إجابةُ من طلَبَ الأمانَ إلا إذا طلَبَه لسَماعِ كَلامِ اللهِ تَعالى، فتَجِبُ قَطعًا، ولا يُمهَلُ أربَعةَ أشهُرٍ، بل قَدْرَ ما يَتمُّ به البَيانُ (١).
وأمَّا الحَنابِلةُ فقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإذا دخَلَ حَربيٌّ دارَ الإسلامِ بغيرِ أمانٍ نُظِر؛ فإنْ كانَ معه مَتاعٌ يَبيعُه في دارِ الإسلامِ وقد جرَت العادةُ بدُخولِهم إلينا تُجَّارًا بغيرِ أمانٍ لم يُعرَضْ لهم.
وقالَ أحمدُ: إذا ركِبَ القَومُ في البَحرِ فاستقبَلَهم فيه تُجَّارٌ مُشرِكونَ من أرضِ العَدوِّ يُريدونَ بِلادَ الإسلامِ لم يَعرِضوا لهم ولم يُقاتِلوهم، وكلُّ من دخَلَ بِلادَ المُسلِمينَ من أهلِ الحَربِ بتِجارةٍ بُويعَ ولم يُسألْ عن شَيءٍ، وإنْ لم تَكنْ معه تِجارةٌ فقالَ: جِئتُ مُستأمَنًا، لم يُقبَلْ منه، وكانَ الإمامُ مُخيَّرًا
стр. 12230
فيه، ونَحوَ هذا قالَ الأَوزاعيُّ والشافِعيُّ، وإنْ كانَ ممَّن ضلَّ الطَّريقَ أو حَملتْه الرِّيحُ في المَركَبِ إلينا فهو لمَن أخَذَه في إحدى الرِّوايتَينِ، والأُخرى يَكونُ فَيئًا (١).
إذا دخَلَ المُسلِمُ دارَ العَدوِّ بأمانٍ:
لا خِلافَ بينَ العُلماءِ في أنَّ المُسلِمَ إذا دخَلَ بِلادَ الكُفارِ بأمانٍ ولم يَكنْ أسيرًا ولم يَخُنْه مَلِكُهم لا يَحِلُّ له أنْ يَتعرَّضَ لشَيءٍ من أموالِهم ولا من دِمائِهم ولا فُروجِهم؛ لأنَّه ضمِنَ ألَّا يَتعرَّضَ لهم بالاستِئمانِ، فالتَّعرُّضُ بعدَ ذلك يَكونُ غَدرًا والغَدرُ حَرامٌ بالإجماعِ؛ إذِ المُسلِمونَ عندَ شُروطِهم، وإليكَ نُصوصَ العُلماءِ في ذلك:
قالَ الحَنفيةُ: وإذا دخَلَ المُسلِمُ دارَ الحَربِ بأمانٍ فلا يَحِلُّ له أنْ يَتعرَّضَ لشَيءٍ من أموالِهم ولا من دِمائِهم ولا فُروجِهم؛ لأنَّه ضمِنَ ألَّا يَتعرَّضَ لهم بالاستِئمانِ، فالتَّعرُّضُ بعدَ ذلك يَكونُ غَدرًا، والغَدرُ حَرامٌ بالإجماعِ؛ إذِ المُسلِمونَ عندَ شُروطِهم، إلا إذا غدَرَ بهم مَلِكُهم فأخَذَ أموالَهم أو حبَسَهم أو فعَلَ غيرُه بعِلمِ المَلكِ ولم يَمنعْه؛ لأنَّهم هُمْ الذين نقَضُوا العَهدَ …
فإنْ غدَرَ بهم المُسلِمُ الذي دخَلَ بأمانٍ فأخَذَ شَيئًا وخرَجَ به ملَكَه مِلكًا مَحظورًا حَرامًا للغَدرِ لوُرودِ الاستِيلاءِ على مالٍ مُباحٍ إلا أنَّه حصَلَ بسَببِ الغَدرِ فأوجَبَ ذلك خُبثًا فيه فيُؤمَرُ بالتَّصدُّقِ به وُجوبًا، وهذا لأنَّ الحَظرَ لغيرِه لا يَمنعُ انعِقادَ السَّببِ على ما بيَّنَّاه.
стр. 12231
بخِلافِ الأسيرِ فيُباحُ تَعرُّضُه وإنْ أطلَقوه طَوعًا؛ لأنَّه غيرُ مُستأمَنٍ فهو كالمُتلصِّصِ؛ فإنَّه يَجوزُ له أَخذُ المالِ وقَتلُ النَّفسِ دونَ استِباحةِ الفَرجِ (١).
وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: وإذا دخَلَ رَجلٌ مُسلِمٌ دارَ الحَربِ بأمانٍ فوجَدَ امرأتَه أو امرأةَ غيرِه أو مالَه أو مالَ غيرِه من المُسلِمينَ أو أهلِ الذِّمةِ ممَّا غصَبَه المُشرِكونَ كانَ له أنْ يَخرجَ به من قِبَلِ أنَّه ليسَ بمِلكٍ للعَدوِّ، ولو أسلَموا عليه لم يَكنْ لهم فليسَ بخِيانةٍ، كما لو قدِرَ على مُسلمٍ غصَبَ شَيئًا فأخَذَه بلا عِلمِ المُسلِمِ فأدَّاه إلى صاحِبِه لم يَكنْ خانَ، إنَّما الخِيانةُ أخذُ ما لا يَحِلُّ له أخذُه.
ولكنَّه لو قدِرَ على شَيءٍ من أموالِهم لم يَحِلَّ له أنْ يَأخذَ منه شَيئًا قَلَّ أو كَثُر؛ لأنَّه إذا كانَ منهم في أمانٍ فهُم منه في مِثلِه، ولأنَّه لا يَحِلُّ له في أمانِهم إلا ما يَحِلُّ له من أموالِ المُسلِمينَ وأهلِ الذِّمةِ؛ لأنَّ المالَ مَمنوعٌ بوُجوهٍ:
أوَّلُها: إسلامُ صاحِبِه، والثانِي: مالُ مَنْ له ذِمةٌ، والثالِثُ: مالُ مَنْ له أمانٌ إلى مُدةِ أمانِه، وهو كأهلِ الذِّمةِ فيما يُمنَعُ من مالِه إلى تلك المُدةِ (٢).
وقالَ أيضًا: إذا دخَلَ قَومٌ من المُسلِمينَ بِلادَ الحَربِ بأمانٍ فالعَدوُّ منهم آمِنونَ إلى أنْ يُفارِقوهم أو يَبلُغوا مُدةَ أمانِهم، وليسَ لهم ظُلمُهم ولا خيانَتُهم، وإنْ أسَرَ العَدوُّ أطفالَ المُسلِمينَ ونِساءَهم لم أكُنْ أُحبُّ لهم الغَدرَ بالعَدوِّ، ولكنْ أُحبُّ لهم
стр. 12232
لو سألوهم أنْ يَرُدُّوا إليهم الأمانَ ويَنبِذوا إليهم، فإذا فعَلوا قاتَلُوهم عن أطفالِ المُسلِمينَ ونِسائِهم (١).
وقالَ الإمامُ الشِّيرازيُّ ﵀: فإنْ دخَلَ مُسلِمٌ دارَ الحَربِ بأمانٍ فسرَقَ منهم مالًا أو اقترَضَ منهم مالًا وعادَ إلى دارِ الإسلامِ ثم جاءَ صاحِبُ المالِ إلى دارِ الإسلامِ بأمانٍ وجَبَ على المُسلِمِ رَدُّ ما سرَقَ أو اقترَضَ؛ لأنَّ الأمانَ يُوجِبُ ضَمانَ المالِ في الجانبَينِ فوجَبَ (٢).
وجاء في «مَسائلِ عبدِ اللهِ بنِ الإمامِ أحمدَ ﵀»: سألتُ أبي عن رَجلٍ دخَلَ أرضَ العَدوِّ بأمانٍ فسَرَق منهم مالًا أو دَوابَّ أو غيرَ ذلك، قالَ: إذا كانَ بأمانٍ لم يَسرِقْ ولم يأخُذْ من أموالِهم شَيئًا، ولا يَبعْ في بِلادِهم دِرهمًا بدِرهَمينِ ولا يَزنِ في بِلادِهم، فإذا دخَلَ بغيرِ أمانٍ فلا بأسَ أنْ يَأخذَ منهم (٣).
وجاء في «المُغني» لابنِ قُدامةَ ﵀: مَنْ دخَلَ إلى أرضِ العَدوِّ بأمانٍ لم يَخُنْهم في مالِهم.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: لأنَّ خيانَتَهم مُحرَّمةٌ؛ لأنَّهم إنَّما أعطَوْه الأمانَ مَشروطًا بتَركِه خيانَتَهم وأمْنِه إيَّاهم من نَفسِه، وإنْ لم يَكنْ ذلك مَذكورًا في اللَّفظِ فهو مَعلومٌ في المَعنى، ولذلك مَنْ جاءَنا منهم بأمانٍ فخانَنا كانَ ناقِضًا لعَهدِه.
стр. 12233
فإذا ثبَتَ هذا لم تَحِلَّ له خيانَتُهم؛ لأنَّه غَدرٌ ولا يَصلُحُ في دينِنا الغَدرُ، وقد قالَ النَّبيُّ ﷺ : «المُسلِمونَ عندَ شُروطِهم» (١)؛ فإنْ خانَهم أو سرَقَ منهم أو اقترَضَ شَيئًا وجَبَ عليه رَدُّ ما أخَذَ إلى أربابِه؛ فإنْ جاءَ أربابُه إلى دارِ الإسلامِ بأمانٍ أو إيمانٍ رَدَّه عليهم، وإلا بعَثَ به إليهم؛ لأنَّه أخَذَه على وَجهٍ حرُمَ عليه أخْذُه فلزِمَه رَدُّ ما أخَذَ كما لو أخَذَه من مالِ مُسلمٍ (٢).
وقالَ الزَّركشيُّ ﵀: وقَولُه -أي: الخِرقيِّ-: (لم يَخُنْهم في مالِهم) يُفهَمُ منه بطَريقِ التَّنبيهِ أنَّه لا يَخونُهم في أنفُسهِم (٣).
إذا دخَلَ المُسلِمُ دارَ العَدوِّ بغيرِ أمانٍ:
ذهَبَ جُمهورُ العُلماءِ إلى أنَّ المُسلِمَ إذا دخَلَ بِلادَ الكُفارِ بغيرِ أمانٍ يَحِلُّ له دِماؤُهم وأموالُهم.
جاء في «مَسائلِ عبدِ اللهِ بنِ الإمامِ أحمدَ ﵀»: سألتُ أبي عن رَجلٍ دخَلَ أرضَ العَدوِّ بأمانٍ فسرَقَ منهم مالًا أو دَوابَّ أو غيرَ ذلك.
قالَ: إذا كانَ بأمانٍ لمْ يَسرِقْ ولمْ يَأخذْ من أموالِهم شَيئًا، ولا يَبعْ في بِلادِهم دِرهمًا بدِرهَمينِ ولا يَزنِ في بِلادِهم، فإذا دخَلَ بغيرِ أمانٍ فلا بأسَ أنْ يَأخذَ منهم (٤).
стр. 12234
وهو أيضًا قَولُ الشافِعيةِ، فقد نَصُّوا على أنَّ المُسلِمَ إذا وجَدَ في دارِ الحَربِ رِكازًا وكانَ قد دخَلَ إليهم بغيرِ أمانٍ؛ فإنْ أخذَه بقَهرٍ وقِتالٍ فهو غَنيمةٌ، كأخْذِ أموالِهم ونُقودِهم من بُيوتِهم، فيَكونُ خُمسُه لأهلِ الخُمسِ وأربَعةُ أَخماسِه لمَن وجَدَه.
وإنْ أخَذَه بغيرِ قِتالٍ ولا قَهرٍ فهو فَيءٌ، ومُستحِقُّه أهلُ الفَيءِ.
قالَ النَّوويُّ ﵀: ثم في كَونِه فَيئًا إشكالٌ؛ لأنَّ مَنْ دخَلَ بغيرِ أمانٍ وأخَذَ مالَهم بلا قِتالٍ إمَّا أنْ يأخُذَه خُفيةً فيَكونَ سارِقًا، وإمَّا جَهارًا فيَكونَ مُختلِسًا، وهُما مِلكُ السارِقِ والمُختلِسِ.
ويَتأيَّدُ هذا الإشكالُ بأنَّ كَثيرًا من الأئِمةِ أطلَقوا القَولَ بأنَّه غَنيمةٌ، منهم ابنُ الصَّباغِ والصَّيَدلانيُّ (١).
فالخِلافُ عندَ الشافِعيةِ: هل هو غَنيمةٌ يُخمَّسُ أو فَيءٌ يُصرَفُ مَصارِفَ الفَيءِ أو هو سَرِقةٌ واختِلاسٌ فيَكونُ مِلكَ السارِقِ والمُختلِسِ؟
أمَّا الحَنفيةُ فجاءَ في «شَرحِ السِّيَرِ الكَبيرِ» للشَّيبانِيِّ: وإذا دخَلَ المُسلِمُ دارَ الحَربِ بغيرِ أمانٍ فأخَذَه المُشرِكونَ فقالَ لهم: أنا رَجلٌ منكم،
стр. 12235
أو جِئتُ أُريدُ أنْ أُقاتِلَ معكم المُسلِمينَ، فلا بأسَ بأنْ يَقتُلَ مَنْ أحَبَّ منهم ويَأخذَ من أموالِهم ما شاءَ؛ لأنَّ هذا الذي قالَ ليسَ بأمانٍ منه لهم، إنَّما هو خِداعٌ باستِعمالِ مَعاريضِ الكَلامِ؛ فإنَّ مَعنى قَولِه: أنا رَجلٌ منكم، أي: آدَميٌّ من جِنسِكم، ومَعنى قَولِه: جِئتُ لأُقاتِلَ معكم المُسلِمينَ، أي: أهلَ البَغيِ إنْ نَشَطتُم في ذلك، أو أضمَر في كَلامِه (عن) أي: جِئتُ لأُقاتِلَ معكم دَفعًا عن المُسلِمينَ، ولو كانَ هذا اللَّفظُ أمانًا منه لم يَصحَّ؛ لأنَّه أسيرٌ مَقهورٌ في أيديهم فكيف يُؤمِّنُهم، إنَّما حاجَتُه إلى طَلبِ الأمانِ منهم، وليسَ في هذا اللَّفظِ من طَلبِ الأمانِ شَيءٌ.
ثم استَدلَّ عليه بالآثارِ، فمَن ذلك ما رُوي «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ بعَثَ عبدَ اللهِ بنَ أُنيسٍ سَريةً وَحدَه إلى خالدِ بنِ سُفيانَ بنِ نُبيحٍ الهُذليِّ إلى نَخلةٍ أو بعُرَنةَ، وبلَغ النَّبيَّ ﷺ أنَّه يَجمَعُ له، أي: جمَعَ الجَيشَ لقِتالِه، وأمَرَه بقَتلِه، وقالَ: انتسِبْ إلى خُزاعةَ، وإنَّما أمَرَه بذلك لأنَّ ابنَ سُفيانَ كانَ منهم، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي لا أعرِفُه، فقالَ: «إنَّكَ إذا رأيتَه هِبتَه»، وكنتُ لا أهابُ الرِّجالَ، فأقبَلتُ عُشَيشيةَ الجُمُعةِ -وهو تَصغيرُ العَشيةِ- فحانت الصَّلاةُ فخَشيتُ أنْ أُصلِّيَ فأُعرفَ، فأومَأتُ إيماءً وأنا أمشي، وبه يَستدِلُّ أبو يُوسفَ على أنَّ المُنهزِمَ ماشِيًا يُومِئُ ثم يُعيدُ. قالَ: حتى أدفَعَ إلى راعيةٍ له، فقُلتُ: لمَن أنتِ؟ فقالَت: لابنِ سُفيانَ، فقُلتُ: أينَ هو؟ قالَت: جاءَك الآنَ، فلمْ أنشَبْ أنْ جاءَ يَتوكَّأُ على عَصًا -أي لم ألبَثْ-، فلمَّا رأيتُه وَجَدتُني أقطُرُ، وفي رِوايةٍ أفكِلُ -أي: تَرتَعِدُ فَرائصِي هَيبةً منه-، فجاء فسلَّمَ، ثم نسَبَني فانتسَبتُ إلى خُزاعةَ، وذكَرَ في الطَّريقِ الآخَرِ: كُنْتُ
стр. 12236
أعتَزِي إلى جُهَينةَ، أي: أنتَسِبُ إليهم، ثم قُلتُ له: جِئتُ لأنصُرَك وأُكثِّرَك وأكونَ معك، ومعناه؛ لأنصُرَك بالدُّعاءِ إلى الإسلامِ، وبالمَنعِ عن المُنكَرِ، وهو قِتالُ رَسولِ اللهِ ﷺ على ما قالَ ﵇: «انصُرْ أخاكَ ظالمًا أو مَظلومًا»، فقيل: كيف يَنصُرُه ظالمًا؟ قالَ: «يَكفُّه عن ظُلمِه»، وقَولُه: أُكثِّرَك، أي: أجعَلَك إربًا إربًا، فأُكثِرَ أجزاءَك إنْ لم تُؤمِنْ، وأكونَ معك إلى أنْ أقتُلَك، فقالَ للجاريةِ: احلُبي، فحَلبَت، ثم ناوَلَتْني فمَصَصتُ شَيئًا يَسيرًا ثم دَفَعتُه إليه فعَبَّ فيه كما يَعُبُّ الجَملُ، حتى إذا غاب أنْفُه في الرَّغوةِ صَوَّبتُه، وقُلتُ للجاريةِ: لئِن تَكلَّمتِ لأقتُلنَّكِ، وذكَرَ بعدَ هذا: فمَشَيتُ معه حتى استَحلى حَديثي، ثم أريتُه أنِّي وَطِئتُ على غُصنِ شَوكٍ فشِيكَتْ رِجْلي، فقالَ: الحَقْ يا أخَا جُهَينةَ، فجَعَلتُ أتَخلَّفُ ويَستلحِقُني، فلَحِقتُه وهو مُوَلًّى، فضَرَبتُ عُنقَه وأخَذتُ برَأسِه، ثم خرَجَتُ أشتَدُّ حتى صَعِدت الجَبلَ فدَخلتُ غارًا، وأقبَلَ الطَّلبُ، وفي رِوايةٍ: خرَجَت الخَيلُ تَوزَّعُ في كلِّ وَجهٍ في الطَّلبِ وأنا مُتمكِّنٌ في الجَبلِ، فأقبَلَ رَجلٌ معه إداوةٌ ونَعلاه في يَدِه وكُنتُ حَافيًا، فجلَسَ يَبولُ فوضَعَ إداوَتَه ونَعلَيْه، وضَرَبتِ العَنكبوتُ على الغارِ، أو قالَ: خرَجَت حَمامةٌ، فقالَ لأصحابِه: ليسَ فيه أحَدٌ، فنزَلَ وترَك نَعلَيْه وإداوَتَه، فخَرجتُ ولَبِستُ النَّعلَينِ وأخَذتُ الإداوةَ فكُنتُ أسيرُ اللَّيلَ وأتوَارى بالنَّهارِ، حتى جِئتُ المَدينةَ، فوَجَدتُ النَّبيَّ ﷺ في المَسجِدِ، فلمَّا رآني قالَ: «أفلَحَ الوَجهُ»، وهذا لفظٌ يَتكلَّمُ به العَربُ خِطابًا لمَن نالَ المُرادَ وفازَ بالنُّصرةِ، فقُلتُ: وَجهُك الكَريمُ يا رَسولَ اللهِ، فأخبَرتُه خَبري، فدفَع إلَيَّ عَصًا وقالَ: «تَخصَّرْ بهذه يا ابنَ أُنيسٍ في الجَنةِ؛ فإنَّ
стр. 12237
المُتخصِّرينَ في الجَنةِ قَليلٌ»، قيلَ: مَعناه: تَحكَّمْ بها في الجَنةِ كما يَتحكَّمُ المُلوكُ بما يَشاؤُونَ، وقيلَ: مَعناه: ليَكنْ هذا عَلامةً بيني وبينَك يَومَ القيامةِ، حتى أُجازيَك على صَنيعِكَ بسُؤالِ الزِّيادةِ في الدَّرجةِ لكَ؛ فإنَّ مِثلَك ممَّن يَكونُ بينَه وبينَ نَبيِّه عَلامةٌ فيُجازيه على صَنيعِه في الجَنةِ. قيلَ: فكانَت عندَ ابنِ أُنيسٍ حتى إذا ماتَ أمَرَ أهلَه أنْ يُدرِجوها في كَفَنِه (١).
ومُرادُه من القِصةِ الاستِدلالُ بقَولِه: «جِئتُ لأنصُرَك وأُكثِّرَك»؛ فإنَّ ذلك لم يَكنْ أمانًا منه.
وذكَرَ حَديثَ يَزيدَ بنِ رُومانَ قالَ: لمَّا بلَغَ رَسولَ اللهِ ﷺ قُدومُ كَعبِ بنِ الأشرَفِ وإعلانُه بالشَّرِّ وقَولُه الأشعارَ، وكَعبٌ هذا من عُظماءِ اليَهودِ بيَثرِبَ، وهو المُرادُ بالطاغوتِ المَذكورِ في قَول اللهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠]، وكانَ يَستَقصي في إظهارِ العَداوةِ مع رَسولِ اللهِ ﷺ حينَ قدِمَ مَكةَ بعدَ حَربِ بَدرٍ، وجعَلَ يَرثي قَتلاهم، ويَهجو رَسولَ اللهِ ﷺ في أشعارِه، ويَحُثُّهم على الانتِقامِ فمِن ذلك القَصيدةُ التي أوَّلُها:
طَحنتُ رَحا بَدرٍ لمَهلِكِ أهلِه ولِمِثلِ بَدرٍ يُستهَلُّ ويُدمَعُ
فلمَّا رجَعَ إلى المَدينةِ قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ لي بابنِ الأشرفِ؟ (٢)؛ فإنَّه قد آذاني»، فقالَ مُحمدُ بنُ مَسلَمةَ: أنا له يا رَسولَ اللهِ،
стр. 12238
وأنا أقتُلُه، قالَ: «فافْعَلْ»، فمَكَث ابنُ مَسلَمةَ أيَّامًا لا يَأكُلُ ولا يَشرَبُ، فدَعاه النَّبيُّ ﷺ فقالَ: «تَرَكتَ الطَّعامَ والشَّرابَ؟»، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، قُلتُ لكَ قَولًا فلا أدري أفِي به أم لا، فقالَ ﷺ : «إنَّما عليكَ بالجَهدِ»، ومَعنى هذا أنَّه ترَك الإصابةَ من اللَّذَّاتِ قبلَ أنْ يَفيَ بما وعَدَ لرَسولِ اللهِ ﷺ ، وهكذا يَنبَغي لمَن قصَدَ إلى خِيرٍ أنْ يُقدِّمَه على الإصابةِ من اللَّذَّاتِ، إلا أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ بيَّنَ له أنَّ نَفسَه لا تَتقوَّى إلا بالطَّعامِ والشَّرابِ كما قالَ تَعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ [الأنبياء: ٨]، وأنَّ عليه الجَهدَ بالوَفاءِ بالوَعدِ لا غيرُ. قالَ: فاجتمَعَ في قَتلِه مُحمدٌ وأُناسٌ من الأوسِ منهم عُبادةُ بنُ بِشرِ بنِ وَقشٍ وأبو نائِلةَ سَلْكانَ بنُ سَلامةَ بنِ وَقشٍ والحارِثُ بنُ أوْسٍ وأبو عَبْسِ بنُ جَبْرٍ، فقالُوا: يا رَسولَ اللهِ نحن نَقتُلُه، فَأْذَنْ لنا فلنَقُلْ؛ فإنَّه لا بدَّ لنا منه، أي: فلنَخدَعْه باستِعمالِ المَعاريضِ وإظهارِ النَّيلِ منكَ، قالَ: فقولوا، فخرَجَ إليه أبو نائِلةَ، وكانَ أخاه من الرَّضاعةِ، فتَحَدَّث معه وتَناشَدَ الأشعارَ، ثم قالَ أبو نائِلةَ: كانَ قُدومُ هذا الرَّجلِ علينا من البِلاءِ -يَعني النَّبيَّ ﷺ ، ومُرادُه من ذِكرِ البَلاءِ النِّعمةُ، فالبَلاءُ يُذكَرُ بمَعنى النِّعمةِ، كما يُذكَرُ بمَعنى الشِّدةِ؛ فإنَّه من الابتِلاءِ، وذلك يَكونُ بهما كما قالَت الصَّحابةُ: ابتُلينا بالضَّراءِ فصبَرَنا وابتُلِينا بالسَّرَّاءِ فلم نَصبِرْ، وقيلَ في تَأويلِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)﴾ [البقرة: ٤٩]، أي: في إنجائِكم من
стр. 12239
فِرعونَ وقَومِه نِعمةٌ عَظيمةٌ، وقيلَ: أي: في ذَبحِه أبناءَكم واستِحيائِه نِساءَكم مِحنةٌ عَظيمةٌ، ثم قالَ: حارَبَتْنا العَربُ ورَمَتْنا عن قَوسٍ واحِدةٍ وتَقطَّعتِ السُّبُلُ عنا، حتى جَهِدت الأبدانُ وضاعَ العيالُ، وأخَذْنا بالصَّدقةِ ولا نَجِدُ ما نَأكلُ، قالَ كَعبٌ: قَدْ واللهِ كُنْتُ أُحدِّثُك بهذا يا ابنَ سَلامةَ: إنَّ الأمرَ سَيصيرُ إلى هذا، قالَ سَلْكانَ: ومَعي رِجالٌ من أصحابي على مِثلِ رَأيي، وقد أرَدتُ أنْ آتيكَ بهم لنَبتاعَ مِنك طَعامًا وتَمرًا، وتُحسِنَ في ذلك إلينا ونَرهَنَك ما يَكونُ لكَ فيه ثِقةٌ، قالَ كَعبٌ: أمَا إنَّ رِفافي تَتقصَّفُ تَمرًا من عَجوةٍ يَغيبُ فيها الضِّرسُ، والرِّفافُ: جَمع الرَّفِّ، وهو المَوضِعُ الذي يُجمَعُ فيه التَّمرُ، شِبْهُ الخُنبُقِ، وقَولُه: تَتقصَّفُ، أي: تَتكسَّرُ من كَثرةِ ما فيها من التَّمرِ، ووصَف جَودَتَها بقَولِه: يَغيبُ فيها الضِّرسُ. قالَ: أمَا واللهِ يا أبا نائِلةَ ما كُنْتُ أُحبُّ أنْ أَرى هذه الخَصاصةَ -يَعني شِدةَ الحاجةِ- وإنْ كُنْتَ لمِن أكرَمِ الناسِ علَيَّ، فماذا تَرهَنون؟ أتَرهَنونني أبناءَكم ونِساءَكم؟ قالَ: لقد أرَدتَ أنْ تَفضَحَنا وتُظهِرَ أمرَنا، ولكنَّا نَرهَنُك من الحَلقةِ ما تَرضى به يا كَعبُ، قالَ: إنَّ في الحَلقةِ لوفاءً، يَعني السِّلاحَ، وإنَّما قالَ ذلك سَلْكانَ كَيلا يُنكِرَهم إذا جاؤُوا إلى السِّلاحِ، فرجَعَ أبو نائِلةَ من عِندِه على مِيعادٍ، فأتى أصحابَه وأجمَعوا أمرَهم على أنْ يأتوه إذا أمسَوْا، ثم أتَوْا رَسولَ اللهِ ﷺ عِشاءً فأخبَروه، فمَشى معهم حتى أتى البَقيعَ، ثم وَجَّههم، وقالَ: امضوا على ذِكرِ اللهِ وعَونِه، ثم دعا لهم وذلك في ليلةٍ مُقمِرةٍ مثلِ النَّهارِ فمَضَوا حتى أتَوْه، فلمَّا انتَهَوْا إلى حِصنِه هتَف به أبو نائِلةَ، وكانَ ابنُ الأشرَفِ حَديثَ عَهدٍ بعُرسٍ، فوثَب، فأخذتِ امرأتُه بناحيةِ مِلحَفَتِه فقالَت:
стр. 12240
أين تَذهَبُ؟ إنَّكَ رَجلٌ مُحارِبٌ ولا يَنْزِلُ مِثلُكَ في مِثلِ هذه الساعةِ، قالَ: إنَّما هو أخي أبو نائِلةَ، واللهِ لو وجَدني نائِمًا ما أيقَظَني، ثم ضرَبَ بيَدِه المِلحَفةَ فنزَلَ وهو يَقولُ:
لو دُعي الفَتي لطَعنةٍ لأجابَا
ثم نزَلَ إليهم فحَيَّاهم، وتَحدَّثوا ساعةً، ثم انبسَطَ إليهم، فقالُوا: وَيحَكَ يا ابنَ الأشرَفِ، هل لكَ أنْ نَمشيَ إلى شَرجِ العَجوزِ فنَتحدَّثَ فيه بَقيةَ ليلَتِنا؟ فقالَ: نَعمْ، فخرَجُوا يَتمشَّونَ، فلمَّا تَوجَّهوا قِبَلَ الشَّرجِ أدخَلَ أبو نائِلةَ يَدَه في رأسِ كَعبٍ، وقالَ: وَيحَك يا ابنَ الأشرَفِ، ما أطيَبَ عِطرِك هذا، ثم مَشى ساعةً فعاد بمِثلِها، حتى إذا اطمأنَّ إليه أخَذَ بقُرونِ رأسِه وقالَ لأصحابِه: اقتُلوا عَدوَّ اللهِ، فضرَبوه بأسيافِهم، فالتَفَت عليه فلم تُغنِ شَيئًا يُعينُ، رَدَّ بَعضُها بَعضًا، قالَ مُحمدُ بنُ مَسلَمةَ: فذكَرَت مِغْوَلًا كانَ في سَيفي وهو يُشبِهُ الخِنجَرَ، فانتزَعتُه فوَضَعتُه في سُرَّتِه، ثم تَحامَلتُ عليه فغَطَطتُه، أي غَيَّبتُه فيه، حتى انتَهى إلى عانَتِه، فصاحَ عَدُوُّ اللهِ صَيحةً ما بَقيَ أُطمٌ من آطامِ اليَهودِ إلا أُوقِدت عليه نارٌ، وهذه عادةُ اليَهودِ يُوقِدون النارَ باللَّيلِ عندَ الفَزعِ، قالَ ابنُ سُنَينةَ -يَهوديٌ من يَهودِ بَني حارِثةَ-: إنِّي لأجِدُ رِيحَ دَمٍ بيَثرِبَ مَسفوحٍ، وذُكرَ في المَغازي أنَّه كانَ بينَه وبينَ ذلك المَوضِعِ مِقدارُ فَرسَخٍ قالَ: وقد أصابَ بعضُ القَومِ الحارِثَ بنَ أوسٍ بسَيفٍ وهم يَضربونَ كَعبًا فكلَمَه في رِجلِه -أي: جرَحه-، فلمَّا فرَغوا منه خَرجوا يَشتدُّونَ حتى أخَذوا على بَني أُمَيةَ، ثم على بَني قُرَيضةَ، ثم على بُعاثٍ، حتى إذا كانُوا بحَرةِ العَريضِ، وهذه أسماءُ الواضِعِ، نزَف الحارِثُ الدَّمَ، يَعني: كثُرَ سَيَلانُ
стр. 12241
الدَّمِ من جِراحَتِه فعَطَفوا عليه، أي: رَحِموه أو حَمَلوه على أعناقِهم حتى أتَوُا النَّبيَّ ﷺ ، فلمَّا أتَوُا البَقيعَ كَبَّروا وقد قامَ رَسولُ اللهِ ﷺ تلك اللَّيلةَ يُصَلِّي، فلمَّا سمِعَ تَكبيرَهم عرَفَ أنَّهم قتَلوه، ثم أتَوْا يُصاحِبُهم الحارِثُ بنُ أوْسٍ إلى النَّبيِّ ﷺ فتفَلَ على جُرحِه فلم يُؤذِه، وأخبَروه بخبَرِ عَدوِّ اللهِ، ثم رجَعوا إلى أهلِهم، فلمَّا أصبَحَ رَسولُ اللهِ ﷺ قالَ: «مَنْ ظَفِرتم به من رِجالِ يَهودَ فاقتُلُوه»، وإنَّما قالَ ذلك لئلَّا يَتجَمَّعوا في كلِّ مَوضِعٍ للتَّحدُّثِ بما جَرى والتَّدبيرِ فيه، وهذا من الحَزمِ والسِّياسةِ.
قالَ: فخافَت اليَهودُ، ولم يَخرجْ عَظيمٌ من عُظمائِهم، ولم يَنطِقوا بشَيءٍ، وخافُوا أنْ يُبيِّتوا كما بيَّتَ ابنُ الأشرفِ، وكانَ ابنُ سُنينةَ من يَهودِ بَني حارِثةَ، وكانَ حَليفًا لحُويِّصةَ بنِ مَسعودٍ، وكانَ أخوه مُحيِّصةُ قد أسلَمَ، فغَدا مُحيِّصةُ على ابنِ سُنَينةَ فقتَلَه، فجعَلَ حُويِّصةُ يَضرِبُ مُحيِّصةَ، وكانَ أسَنَّ منه، ويَقولُ: أيْ عَدوَّ اللهِ، قتَلتَه، أمَا واللهِ لرُبَّ شَحمٍ في بَطنِكَ من مالِه؛ لأنَّه كانَ يُنْفِقُ عليهما، فقالَ مُحيِّصةُ: واللهِ لو أمَرَني بقَتلِك الذي أمَرَني بقَتلِه لقتَلتُك، فقالَ له: لو أمَرَك مُحمدٌ بقَتلي لقَتلتَني؟ قالَ: نَعمْ، قالَ حُويِّصةُ: واللهِ إنَّ دِينًا يَبلُغُ منك هذا لدِينٌ مُعجِبٌ، فأسلَم حُويِّصةُ يَومَئِذٍ وأنشأ مُحيِّصةُ يَقولُ:
يَلومُ ابنُ أُمِّي لو أُمِرتُ بقَتلِه … لَطَبَّقتُ دِفراهُ بأبيضَ قاضِبِ
حُسامٍ كلَونِ المِلحِ أخلَصَ صَقلَه … متى ما أُصوِّبْهُ فليسَ بكاذِبِ
وما سَرَّني أنِّي قتَلتُكَ طائِعًا … ولو أنَّ لي ما بَينَ بَصْرَى ومارِبِ
стр. 12242
ثم أعاد هذا الحَديثَ برِوايةِ جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ من وَجهٍ آخَرَ: أنَّ مُحمدَ بنَ مَسلَمةَ هو الذي أتَى ابنَ الأشرَفِ فقالَ: يا كَعبُ، قد جِئتُكَ لحاجةٍ، قالَ: مَرحَبًا بحاجَتِكَ، قالَ: جِئتُكَ أستَسلِفُك تَمرًا، قالَ: ما بُغيَتُكم إلى مَسألةِ التَّمرِ؟ وإنَّما قالَ ذلك؛ لأنَّهم كانُوا يَجِدون في الجاهِليةِ ألْفَ وَسقٍ، فقالَ مُحمدٌ: إنَّ هذا الرَّجلَ لم يَدَعْ عندَنا شَيئًا وأصحابُه، وأرادَ به: لم يَدَعْ عندَنا شَيئًا ممَّا كانَ يَضُرُّنا من أُمورِ الجاهِليةِ أو شَيئًا من الشِّركِ أو شَيئًا ممَّا يُحتاجُ إليه من أُمورِ الدِّينِ والدُّنيا إلا هَدانا إليه. قالَ كَعبٌ: الحَمدُ للهِ الذي أراكَ النُّصرةَ، فانظُرْ حاجَتَك، ولكنْ لا بدَّ من رَهنٍ، قالَ: أرهَنُكَ دِرعي، قالَ: لعلَّها دِرعُ أبيك الزَّغباءُ؟ قالَ: نَعمْ، قالَ: فائْتِ بمَن أحبَبتَه وخُذْ حاجَتَك، قالَ: فإنِّي آتيكَ في خَمرِ اللَّيلِ -أي في ظُلمةِ اللَّيلِ، والخَمرُ: ما وَاراكَ-؛ فإنِّي أكرَهُ أنْ يَرى الناسُ أنِّي أطلُبُك أو آتيكَ في حاجةٍ أو أنِّي احتَجتُ … الحَديثَ، إلى أنْ نزَلَ إلى مُحمدٍ وآنَسَه شَيئًا وحادَثه، ثم أدخَلَ يَدَه في رأسِه، وكانَ جَعدًا، فقالَ: ما أطيَبَ دُهنَكَ، قالَ: إنْ شِئتَ أرسَلتُ إليكَ منه، ثم عادَ الثانِيةَ، فقالَ: قد تَركتَ يا مُحمدُ أنتَ وأصحابُكَ هذا -يَعنى الدُّهنَ-، فلمَّا أنْ خلَّلَ أصابِعَه في رأسِه ضرَبَ بالخِنجَرِ سُرتَه … الحَديثَ إلى آخِرِه، فقد أخبَرَه أنَّه يأتيه ليسَتسلِفَه تَمرًا ثم قتَلَه، ولم يَكُ ذلك منه غَدرًا فتَبيَّنَ أنَّه لا بأسَ بمِثلِه، واللهُ المُوفِّقُ (١).
стр. 12243
وجاءَ فيه أيضًا: وإذا دخَلَ المُسلِمونَ أرضَ الحَربِ بغيرِ أمانٍ فمَرُّوا بكَنيسةٍ من كَنائسِهم، فلا بأسَ بتَخريبِها وتَحريقِها وقَضاءِ الحاجةِ فيها، وكذلك وَطءُ الجَوارِي فيها؛ لأنَّ هذا بمَنزِلةِ غيرِه من مَساكِنِهم، بل هو أهوَنُ على المُسلِمينَ من المَساكِنِ لكَثرةِ ما يُعصَى اللهُ تَعالى فيها (١).
أمَّا المالِكيةُ فلَم أقِفْ لهم على قَولٍ في المَسألةِ، وإنْ كانَ كَلامُهم يَدلُّ على أنَّه يَجوزُ له الأخذُ إذا دخَلَ إليهم بغيرِ أمانٍ أو بطَريقِ التَّلصُّصِ.
قالُوا: ما مُلكَ من مالِ الكافِرِ غَنيمةٌ وفَيءٌ ومُختصٌّ بآخِذِه … والمُختَصُّ بآخِذِه ما أُخذَ من مالِ حَربيٍّ غيرِ مُؤمَّنٍ دونَ عِلمِه … وما هرَب به أسيرٌ أو تاجِرٌ أو مَنْ أسلَمَ بدارِ الحَربِ وخرَجَ بمالِه أو ما غنِمَه الذِّميُّونَ، فهذا كلُّه يَختصُّ بآخِذِه (٢).
стр. 12244
فصل في حُكمِ إتلافِ النَّفسِ وتَقحُّمِ المَهالِكِ إظهارًا للدِّينِ
١ - جَوازُ انغِماسِ الواحِدِ من المُسلِمينَ في العَددِ الكَثيرِ من العَدوِّ وإنْ تَيقَّنَ الهَلَكةَ:
ذهَبَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ إلى جَوازِ أنْ يَنغَمِسَ الواحِدُ من المُسلِمينَ في العَددِ الكَثيرِ من العَدوِّ وإنْ غلَبَ على ظَنِّه أنَّهم يَقتُلونَه إذا كانَ في ذلك مَصلَحةٌ للمُسلِمينَ.
لما رَوى البُخاريُّ ومُسلِمٌ عن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ قالَ: «قالَ رَجلٌ للنَّبيِّ ﷺ يَومَ أُحدٍ: أرَأيتَ إنْ قُتِلتُ فأين أنا؟ قالَ: في الجَنةِ. فألقَى تَمَراتٍ في يَدِه ثم قَاتلَ حتى قُتلَ» (١).
قالَ الحافِظُ العِراقيُّ: وفيه -أي: هذا الحَديثِ- جَوازُ الانغِماسِ في الكُفارِ والتَّعرُّضِ للشَّهادةِ، وهو جائِزٌ لا كَراهةَ فيه عندَ جُمهورِ العُلماءِ (٢).
ورَوى الإمامُ البُخاريُّ عن أنَسٍ ﵁ قالَ: «غابَ عمِّي أنَسُ بنُ
стр. 12245
النَّضرِ عن قِتالِ بَدرٍ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، غِبتُ عن أوَّلِ قِتالٍ قاتَلَتَ المُشرِكينَ، لئِنِ اللهُ أشهَدَني قِتالَ المُشرِكينَ ليَريَنَّ اللهُ ما أصنَعُ. فلمَّا كانَ يَومُ أُحدٍ وانكَشفَ المُسلِمونَ قالَ: اللَّهمَّ إنِّي أعتَذِرُ إليك ممَّا صنَعَ هؤلاء -يَعني أصحابَه- وأبرَأُ إليك ممَّا صنَعَ هؤلاء -يَعني المُشرِكينَ- ثم تَقدَّمَ فاستقبَلَه سَعدُ بنُ مُعاذٍ فقالَ: يا سَعدُ بنَ مُعاذٍ الجَنةَ ورَبِّ النَّضرِ، إنِّي أجِدُ ريحَها من دونِ أُحدٍ، قالَ سَعدٌ: فما استَطَعتُ يا رَسولَ اللهِ ما صنَعَ، قالَ أنَسٌ: فوجَدْنا به بِضعًا وثَمانينَ ضَربةً بالسَّيفِ أو طَعنةً برُمحٍ أو رَميةً بسَهمٍ، ووجَدْناه قد قُتلَ وقد مثَّلَ به المُشرِكونَ، فما عرَفَه أحَدٌ إلا أُختُه ببَنانِه، قالَ أنَسٌ: كنا نُرَى أو نَظُنُّ أنَّ هذه الآيةَ نزَلَت فيه وفي أشباهِه ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ … ﴾ [لقمان: ٢٣] إلى آخِرِ الآيةِ» (١).
قالَ ابنُ القَيمِ ﵀ في مَعرِض بَيانِ الفَوائِدِ المُستنبَطةِ من غَزوةِ أُحُدٍ: ومنها جَوازُ الانغِماسِ في العَدوِّ كما انغَمسَ أنَسُ بنُ النَّضرِ وغيرُه (٢).
وعن أسلَمَ أبي عِمرانَ قالَ: «كُنا بمَدينةِ الرُّومِ فأخرَجُوا إلَينا صَفًّا عَظيمًا من الرُّومِ، فخرَجَ إليهم من المُسلِمينَ مِثلُهم أو أكثَرُ، وعلى أهلِ مِصرَ عُقبةُ بنُ عامِرٍ، وعلى الجَماعةِ فَضالةُ بنُ عُبيدٍ، فحمَلَ رَجلٌ من المُسلِمينَ على صَفِّ الرُّومِ، حتى دخَلَ فيهِم فَصاحَ الناسُ، وقالُوا: سُبحانَ اللهِ، يُلقي بيَديْه إلى التَّهلُكةِ، فقام أبو أيُّوبَ فقالَ: يا أيُّها الناسُ، إنَّكم
стр. 12246
تَتأوَّلون هذه الآيةَ هذا التَّأويلَ، وإنَّما أُنزِلت هذه الآيةُ فينا مَعشَرَ الأنصارِ لمَّا أعَزَّ اللهُ الإسلامَ وكثُرَ ناصِروه، فقالَ بَعضُنا لبَعضٍ سِرًّا دونَ رَسولِ اللهِ ﷺ : إنَّ أموالَنا قد ضاعَت وإنَّ اللهَ قد أعَزَّ الإسلامَ وكثُر ناصِروه، فلو أقَمنا في أموالِنا فأَصلَحنا ما ضاعَ منها، فأنزَلَ اللهُ على نَبيِّهِ ﷺ يَرُدُّ عَلَينا ما قُلنا ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] فكانَت التَّهلُكةُ الإقامةَ على الأموالِ وَإصلاحِها وتَرْكِنا الغَزوَ.
قالَ: فما زالَ أبو أيُّوبَ شاخِصًا في سَبيلِ اللهِ حتى دُفنَ بِأرضِ الرُّومِ» (١).
وعن أبي إسحاقَ قالَ: «قُلتُ للبَراءِ: أرأيتَ قَولَ اللهِ : ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] هو الرَّجلُ يَحمِلُ على الكَتيبةِ فيها ألْفٌ؟ قالَ: لا، ولكنَّه الرَّجلُ يُذنِبُ فيُلقي بيَدِه فيَقولُ: لا تَوبةَ لي» (٢).
فهذه النُّصوصُ السابِقةُ كلُّها ظاهِرةٌ في جَوازِ حَملِ الواحِدِ من المُسلِمينَ على العَددِ الكَثيرِ من العَدوِّ، وهو ما قرَّرَه جَماهيرُ أهلِ العِلمِ، وإليكَ بعضَ نُصوصِهم:
جاءَ في «السِّيَرِ الكَبيرِ» لمُحمدِ بنِ الحَسنِ الشَّيبانِيِّ ﵀: ولو أنَّ مُسلمًا حمَل على ألفِ رَجلٍ وَحدَه؛ فإنْ كانَ يَطمَعُ أنْ يَظفَرَ بهم أو يَنكَأَ فيهم فلا بأسَ بذلك؛ لأنَّه يَقصِدُ بفِعلِه النَّيلَ من العَدوِّ، وقد فعَلَ ذلك بين
стр. 12247
يَديْ رَسولِ اللهِ ﷺ غيرُ واحِدٍ من الأصحابِ يَومَ أُحدٍ، ولمْ يُنكِرْ ذلك عليهم رَسولُ اللهِ ﷺ ، وبشَّرَ بَعضَهم بالشَّهادةِ حينَ استأذَنه في ذلك، وإنْ كانَ لم يَطمَعْ في نِكايةٍ فإنَّه يُكرَهُ له هذا الصَّنيعُ؛ لأنَّه يُتلِفُ نَفسَه من غيرِ مَنفَعةٍ للمُسلِمينَ ومن غيرِ نِكايةٍ فيه للمُشرِكينَ، وفي الأمرِ بالمَعروفِ والنَّهيِ عن المُنكَرِ يَسَعُه الإقدامُ، وإنْ كانَ يَعلمُ أنَّ القَومَ يَقتُلونَه، وأنَّه لا يَتفرَّقُ جَمعُهم بسَبَبِه؛ لأنَّ القَومَ هناك مُسلِمونَ مُعتَقِدونَ لما يَأمرُهم به، فلا بدَّ من أنَّ فِعلَه يَنكَأُ في قُلوبِهم، وإنْ كانُوا لا يُظهِرون ذلك، وههنا القَومُ كُفارٌ لا يَعتقِدونَ حَقيقةَ الإسلامِ، وفِعلُه لا يَنكَأُ في باطِنِهم، فيُشترطُ النِّكايةُ ظاهِرًا لإباحةِ الإقدامِ، وإنْ كانَ لا يَطمَعُ في نِكايةٍ ولكنَّه يُجرِّئُ بذلك المُسلِمينَ عليهم حتى يَظهَرَ بفِعلِ النِّكايةِ في العَدوِّ، فلا بأسَ بذلك إنْ شاءَ اللهُ تَعالى؛ لأنَّه لو كانَ على طَمعٍ من النِّكايةِ بفِعلِه جازَ له الإقدامُ، فكذلك إذا كانَ يَطمَعُ في النِّكايةِ فيهم بفِعلِ غيرِه.
وكذلك إنْ كانَ في إرهابِ العَدوِّ وإدخالِ الوَهنِ عليهم بفِعلِه فلا بأسَ به؛ لأنَّ هذا أفضَلُ وُجوهِ النِّكايةِ وفيه مَنفَعةٌ للمُسلِمينَ، وكلُّ واحِدٍ يَبذُلُ نَفسَه لهذا النَّوعِ من المَنفَعةِ (١).
وقالَ الإمامُ أبو بَكرٍ الجَصاصُ ﵀ بعدَ أنْ ذكَرَ كَلامَ الإمامِ مُحمدِ ابنِ الحَسنِ هذا: والذي قالَه مُحمدٌ من هذه الوُجوهِ صَحيحٌ لا يَجوزُ غيرُه، وعلى هذه المَعانِي يُحمَلُ تَأويلُ مَنْ تأوَّل في حَديثِ أبي أيُّوبَ أنَّه ألقى بيَدِه
стр. 12248
إلى التَّهلُكةِ بحَملِه على العَدوِّ؛ إذ لم يَكنْ عندَهم في ذلك مَنفَعةٌ، وإذا كانَ كذلك فلا يَنبَغي أنْ يُتلِفَ نَفسَه من غيرِ مَنفَعةٍ عائِدةٍ على الدِّينِ ولا على المُسلِمينَ، فأمَّا إذا كانَ في تَلَفِ نَفسِه مَنفَعةٌ عائِدةٌ على الدِّينِ فهذا مَقامٌ شَريفٌ مدَحَ اللهُ به أصحابَ النَّبيِّ ﷺ في قَولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة: ١١١]، وقالَ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، وقالَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] في نَظائِرِ ذلك من الآيِ التي مدَحَ اللهُ فيها مَنْ بذَلَ نَفسَه للهِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ العَربيِّ ﵀: قالَ القاسِمُ بنُ مُخَيمِرةَ والقاسِمُ بنُ مُحمدٍ وعبدُ المَلكِ من عُلمائِنا: لا بأسَ أنْ يَحمِلَ الرَّجلُ وَحدَه على الجَيشِ العَظيمِ إذا كانَ فيه قُوةٌ وكانَ للهِ بنِيَّةٍ خالِصةٍ؛ فإنْ لم تَكنْ فيه قُوةٌ فذلك من التَّهلُكةِ.
وقيلَ: إذا طلَب الشَّهادةَ وخَلُصت النِّيةُ فليَحمِلْ؛ لأنَّ مَقصودَه واحِدٌ منهم، وذلك بيِّنٌ في قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧].
قالَ ابنُ العَربيِّ ﵀: والصَّحيحُ عندي جَوازُه؛ لأنَّ فيه أربَعةَ أوْجُهٍ:
الأولُ: طَلبُ الشَّهادةِ.
стр. 12249
الثانِي: وُجودُ النِّكايةِ.
الثالِثُ: تَجرِئةُ المُسلِمينَ عليهم.
الرابِعُ: ضَعفُ نُفوسِهم ليَرَوْا أنَّ هذا صُنعُ واحِدٍ فما ظَنُّكَ بالجَميعِ، والفَرضُ لقاءُ واحِدٍ اثنَينِ وغيرُ ذلك جائِزٌ (١).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: اختَلفَ العُلماءُ في اقتِحامِ الرَّجلِ في الحَربِ وحَملِه على العَدوِّ وَحدَه … ثم قالَ: وقالَ ابنُ خُوَيزَ مَندادَ: فأمَّا أنْ يَحمِلَ الرَّجلُ على مِئةٍ أو على جُملةِ العَسكرِ أو جَماعةِ اللُّصوصِ والمُحارِبين والخَوارِجِ فلذلك حالَتانِ: إنْ علِمَ وغلَبَ على ظَنِّه أنْ سيُقتَلُ مَنْ حمَلَ عليه ويَنجو فحَسنٌ، وكذلك لو علِمَ وغلَبَ على ظَنِّه أنَّه يُقتَلُ ولكنْ سيَنكَأُ نِكايةً أو سَيُبلي أو يُؤثِّرُ أثَرًا يَنتفِعُ به المُسلِمونَ فجائِزٌ أيضًا، وقد بَلغَني أنَّ عَسكرَ المُسلِمينَ لمَّا لقِيَ الفُرسَ نَفَرت خَيلُ المُسلِمينَ من الفيلةِ فعمَدَ رَجلٌ منهم فصنَعَ فيلًا من طِينٍ وأنِسَ به فَرَسُه حتى ألِفَه، فلمَّا أصبَحَ لم يَنفِرْ فَرَسُه من الفيلِ، فحمَلَ على الفيلِ الذي كانَ يَقدُمُها، فقيل له: إنَّه قاتِلُك، فقالَ: لا ضَيرَ أنْ أُقتَلَ ويُفتحَ للمُسلِمينَ، وكذلك ما حدَثَ يَومَ اليَمامةِ لمَّا تَحصَّنت بَنو حَنيفةَ بالحَديقةِ، قالَ رَجلٌ من المُسلِمينَ: ضَعونِي في الجُحفةِ وألقُونِي إليهم، ففَعلوا وقاتَلَهم وَحدَه وفتَحَ البابَ، قُلتُ: ومِن هذا ما رُوي أنَّ رَجلًا قالَ للنَّبيِّ ﷺ : «أرأيتَ إنْ قُتِلتُ في سَبيلِ اللهِ صابِرًا مُحتسِبًا؟ قالَ: فلك الجَنةُ، فانغَمسَ في العَدوِّ حتى قُتلَ»
стр. 12250
وفي صَحيحِ مُسلمٍ عن أنسِ بنِ مالِكٍ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أُفرِد يومَ أُحدٍ في سَبعةٍ من الأنصارِ ورَجلَينِ من قُريشٍ فلمَّا رَهِقوه قالَ: «مَنْ يَرُدُّهم عنَّا وله الجَنةُ» أو «هو رَفيقي في الجَنةِ» فتَقدَّمَ رَجلٌ من الأنصارِ فقاتَلَ حتى قُتلَ ثم رَهِقوه أيضًا، فقالَ: «مَنْ يَرُدُّهم عنَّا وله الجَنةُ» أو «هو رَفيقي في الجَنةِ» فتَقدَّمَ رَجلٌ من الأنصارِ فقاتَلَ حتى قُتلَ، فلم يَزلْ كذلك حتى قُتلَ السَّبعةُ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «ما أنصَفْنا أصحابَنا» هكذا الرِّوايةُ «أنصَفْنا» بسُكونِ الفاءِ «أصحابَنا» بفَتحِ الباءِ، أي: لمْ نَدلَّهم للقِتالِ حتى قُتِلوا، ورُوي بفَتحِ الفاءِ ورَفعِ الباءِ ووَجهُها أنَّها تَرجعُ لمَن فرَّ عنه من أصحابِه، واللهُ أعلَمُ.
وقالَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ ﵀: لو حمَلَ رَجلٌ واحِدٌ على ألْفِ رَجلٍ من المُشرِكينَ وهو وَحدَه لم يَكنْ بذلك بأسٌ إذا كانَ يَطمَعُ في نَجاةٍ أو نِكايةٍ في العَدوِّ؛ فإنْ لم يَكنْ كذلك فهو مَكروهٌ؛ لأنَّه عرَّضَ نَفسَه للتَّلفِ في غيرِ مَنفَعةٍ للمُسلِمينَ؛ فإنْ كانَ قَصدُه تَجرِئةَ المُسلِمينَ عليهم حتى يَصنَعوا مِثلَ صَنيعِه فلا يَبعدُ جَوازُه، ولأنَّ فيه مَنفَعةً للمُسلِمينَ على بعضِ الوُجوهِ، وإنْ كانَ قَصدُه إرهابَ العَدوِّ وليُعلَمَ صَلابةُ المُسلِمينَ في الدِّينِ فلا يَبعدُ جَوازُه، وإذا كانَ فيه نَفعٌ للمُسلِمينَ فتَلِفت نَفسُه لإعزازِ دِينِ اللهِ وتَوهينِ الكُفرِ فهو المَقامُ الشَّريفُ الذي مدَحَ اللهُ به المُؤمِنينَ في قَولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] الآيةَ، إلى غيرِها من آياتِ المَدحِ التي مدَحَ اللهُ بها مَنْ بذَلَ نَفسَه، وعلى ذلك يَنبَغي أنْ يَكونَ حُكمُ الأمرِ بالمَعروفِ والنَّهيِ عن
стр. 12251
المُنكرِ؛ أنَّه متى رَجا نَفعًا في الدِّينِ فبذَلَ نَفسَه فيه حتى قُتلَ كانَ في أعلى دَرَجاتِ الشُّهداءِ (١).
وقالَ ابنُ أبي زَمنينَ: قالَ ابنُ حَبيبٍ: ولا بأسَ أنْ يَحمِلَ الرَّجلُ وَحدَه على الكَتيبةِ وعلى الجَيشِ إذا كانَ ذلك مِنه للهِ ، وكانَت فيه شَجاعةٌ وجلَدٌ وقُوةٌ على ذلك، وذلك حَسنٌ جَميلٌ لم يَكرَهْه أحَدٌ من أهلِ العِلمِ، وليسَ ذلك من التَّهلُكةِ، وإذا كانَ ذلك منه للفَخرِ والذِّكرِ فلا يَفعَلْ، وإنْ كانَت به عليه قُوةٌ، وإذا لم يَكنْ به عليه قُوةٌ فلا يَفعَلْ، وإنْ أرادَ اللهَ به؛ لأنَّه حينَئذٍ يُلقي بيَدِه إلى التَّهلُكةِ (٢).
قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: لا أَرى ضِيقًا على الرَّجلِ أنْ يَحمِلَ على الجَماعةِ حاسِرًا أو يُبادِرَ الرَّجلُ وإنْ كانَ الأغلَبَ أنَّه مَقتولٌ؛ لأنَّه قد بُودِرَ بينَ يَدَيْ رَسولِ اللهِ ﷺ وحمَلَ رَجلٌ من الأنصارِ حاسِرًا على جَماعةٍ من المُشرِكينَ يَومَ بَدرٍ بعدَ إعلامِ النَّبيِّ ﷺ بما في ذلك من الخَيرِ فقُتِلَ (٣).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: جوَّزَ الأئِمةُ الأربَعةُ أنْ يَنغمِسَ المُسلِمُ في صَفِّ الكُفارِ، وإنْ غلَبَ على ظَنِّه أنَّهم يَقتُلونه إذا كانَ في ذلك مَصلَحةٌ للمُسلِمينَ (٤).
стр. 12252
وقالَ أيضًا: والرَّجلُ يَنهَزِمُ أصحابُه، فيُقاتِلُ وَحدَه أو هو وطائِفةٌ معه العَدوَّ، وفي ذلك نِكايةٌ في العَدوِّ، ولكنْ يَظنُّون أنَّهم يُقتَلون، فهذا كلُّه جائِزٌ عندَ عامةِ عُلماِء الإسلامِ من أهلِ المَذاهبِ الأربَعةِ وغيرِهم، وليسَ في ذلك إلا خلافٌ شاذٌّ.
وقالَ: وأمَّا الأئِمةُ المُتبَعونَ كالشافِعيِّ وأحمدَ وغيرِهما فقد نَصُّوا على جَوازِ ذلك، وكذلك هو مَذهبُ أبي حَنيفةَ ومالِكٍ وغيرِهما (١).
٢ - جَوازُ تَقحُّمِ المَهالكِ في الجِهادِ:
بوَّبَ الإمامُ البُخاريُّ في «صَحيحِه» بابًا بعُنوانِ: (بَابُ من اختارَ الضَّربَ والقَتلَ والهَوانَ على الكُفرِ).
ثم رَوى عن أنَسٍ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه وجَدَ حَلاوةَ الإيمانِ: أنْ يَكونَ اللهُ ورَسولُه أحَبَّ إليه ممَّا سِواهما، وأنْ يُحِبَّ المَرءَ لا يُحِبُّه إلا للهِ، وأنْ يَكرَهَ أنْ يَعودَ في الكُفرِ كما يَكرَه أنْ يُقذَفَ في النارِ» (٢).
قالَ الإمامُ ابنُ بَطالٍ ﵀: حَديثُ أنَسٍ سَوَّى فيه النَّبيُّ ﷺ بينَ كَراهيةِ المُؤمِنِ الكُفرَ وكَراهيَتِه دُخولَ النارِ، وإذا كانَ هذا حَقيقةَ الإيمانِ، فلا مُخالَفةَ في أنَّ الضَّربَ والهَوانَ والقَتلَ عندَ المُؤمِنِ أسهَلُ من دُخولِ النارِ، فيَنبَغي أنْ يَكونَ ذلك أسهَلَ من الكُفرِ إنِ اختارَ الأخْذَ بالشِّدةِ على نَفسِه.
стр. 12253
قالَ المُهلَّبُ ﵀: وقد اعتَرض هذا قَومٌ بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] ولا حُجةَ لهم في الآيةِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾ [النساء: ٣٠] والعُدوانُ والظُّلمُ مُحرَّمانِ، وليسَ مَنْ أهلَكَ نَفسَه في طاعةِ اللهِ بعادٍ ولا ظالِمٍ، ولو كانَ كما قالُوا لما جازَ لأحدٍ أنْ يَقتحِمَ المَهالِكَ في الجِهادِ، وقد افتُرِضَ على كلِّ مُسلمٍ مُقارَعةُ رَجلَينِ من الكُفارِ ومُبارَزتُهما، وهذا من أبيَنِ المُهلِكاتِ والغَرَرِ، ومَن فَرَّ من اثنَينِ فقد أكبَرَ المَعصيةَ وتَعرَّضَ لغَضبِ اللهِ (١).
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ في شَرحِه لهذا الحَديثِ: وقد أجمَعوا على جَوازِ تَقحُّمِ المَهالِكِ في الجِهادِ (٢).
وعن عاصِمِ بنِ عُمرَ بنِ قَتادةَ قالَ: «لمَّا التَقى الناسُ يَومَ بَدرٍ قالَ عَوفُ بنُ عَفراءَ بنِ الحارِثِ ﵁: يا رَسولَ اللهِ ما يُضحِكُ الرَّبَّ ﵎ من عبدِه؟ قالَ: أنْ يَراه قد غمَسَ يَدَه في القِتالِ يُقاتِلُ حاسِرًا، فنزَعَ عَوفٌ دِرعَه ثم تَقدَّمَ فقاتَلَ حتى قُتلَ» (٣).
стр. 12254
فهذا دَليلٌ واضِحٌ على غَلبةِ الظَّنِّ بالهَلاكِ؛ فإنَّ الرَّسولَ ﷺ أرشَد عَوفَ بنَ عَفراءَ إلى أنَّ الذي يُضحِكُ الرَّبَّ هو أنْ يَغمِسَ يَدَه في العَدوِّ حاسِرًا، أي: بلا دِرعٍ ولا شَيءٍ يَقيه ضَربةَ الأعداءِ، فنزَعَ عَوفٌ دِرعًا كانَت عليه وقاتَلَ حتى قُتِلَ، ولا شَكَّ أنَّه يَغلِبُ على الظَّنِّ قَطعًا أنَّ الرَّجلَ إذا أرادَ أنْ يُقاتِلَ جَمعًا كَثيرًا من الأعداءِ بغيرِ دِرعٍ لا شَكَّ أنَّ الجَزمَ بهَلاكِه مُحقَّقٌ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ، ولكنَّ الحُكمَ في هذه المَسألةِ على غَلبةِ الظَّنِّ.
وعن مُحمدِ بنِ سِيرينَ ﵀: أنَّ المُسلِمينَ انتَهَوْا إلى حائِطٍ قد أُغلِقَ بابُه فيه رِجالٌ من المُشرِكينَ، فجلَسَ البَراءُ بنُ مَالِكٍ ﵁ على تُرسٍ فقالَ: ارفَعوني برِماحِكم فألقُونِي إليهم. فرَفَعوه برِماحِهم فألقَوْه من وَراءِ الحائِطِ، فأدرَكوه قد قتَلَ منهم عَشرةً (١).
ففي قِصةِ إلقاءِ البَراءِ بنِ مالِكٍ من فَوقِ الحِصنِ دَليلٌ على عَدمِ اعتِراضِ الصَّحابةِ على هذا النَّوعِ من العَمليَّاتِ؛ فإنَّ البَراءَ حُملَ في التُّرسِ وأُلقيَ من فَوقِ الحِصنِ على العَدوِّ، ومَعلومٌ أنَّ الإلقاءَ وَحدَه من فَوقِ الحِصنِ رُبَّما يُسبِّبُ الهَلاكَ، فكيف إذا كانَ في الحِصنِ جُملةٌ من الجُندِ وقد تأهَّبوا وتَسلَّحوا؟ وفِعلُ البَراءِ هذا لا يُساوِرُ مَنْ سمَّعَ به الشَّكُّ أنَّ فاعِلَه سيَهلِكُ إمَّا من إلقائِه أو من الجُندِ الذين تَأهَّبوا له، ورَغمَ ذلك لم يعتَرِضْ أميرُ الجَيشِ ولا أحَدٌ من الصَّحابةِ على ذلك رَغمَ غَلبةِ الظَّنِّ بهَلاكِه.
стр. 12255
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وقد اتَّفَقوا على جَوازِ التَّغريرِ بالنَّفسِ في الجِهادِ في المُبارَزةِ ونَحوِها (١).
وقالَ في قِصةِ عُمَيرِ بنِ الحُمامِ: فيه جَوازُ الانغِمارِ في الكُفارِ والتَّعرُّضُ للشَّهادةِ، وهو جائِزٌ بلا كَراهةٍ عندَ جَماهيرِ العُلماءِ (٢).
مَشروعيةُ إتلافِ النَّفسِ لمَصلَحةِ إظهارِ الدِّينِ:
عن أنسِ بنِ مَالِكٍ: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أُفرِد يَومَ أُحدٍ في سَبعةٍ من الأنصارِ ورَجلَينِ من قُريشٍ فلمَّا رَهِقوه قالَ: «مَنْ يَرُدُّهم عنَّا وله الجَنةُ» أو «هو رَفيقي في الجَنةِ» فتَقدَّمَ رَجلٌ من الأنصارِ فقاتَلَ حتى قُتلَ ثم رَهِقوه أيضًا، فقالَ: «مَنْ يَرُدُّهم عنَّا وله الجَنةُ» أو «هو رَفيقي في الجَنةِ» فتَقدَّمَ رَجلٌ من الأنصارِ فقاتَلَ حتى قُتِل، فلم يَزَلْ كذلك حتى قُتلَ السَّبعةُ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «ما أنصَفْنا أصحابَنا» (٣).
ورَوى البُخاريُّ عن مُوسَى بنِ أنَسٍ -وذكَرَ يَومَ اليَمامةِ- قالَ: أتَى أنَسٌ ثابِتَ بنَ قَيسٍ وقد حسَرَ عن فَخِذيْه وهو يَتحنَّطُ، فقالَ: يا عَمِّ، ما يَحبِسُك ألَّا تَجيءَ؟ قالَ: الآنَ يا ابنَ أخي، وجعَلَ يَتحنَّطُ -يَعني من الحَنوطِ- ثُمَّ جاءَ فجلَسَ فذكَرَ في الحَديثِ انكِشافًا من الناسِ، فقالَ: هكذا عن وُجوهِنا