← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 12251–12290 · переход к 12256.

стр. 12251

المُنكرِ؛ أنَّه متى رَجا نَفعًا في الدِّينِ فبذَلَ نَفسَه فيه حتى قُتلَ كانَ في أعلى دَرَجاتِ الشُّهداءِ (١). وقالَ ابنُ أبي زَمنينَ: قالَ ابنُ حَبيبٍ: ولا بأسَ أنْ يَحمِلَ الرَّجلُ وَحدَه على الكَتيبةِ وعلى الجَيشِ إذا كانَ ذلك مِنه للهِ ، وكانَت فيه شَجاعةٌ وجلَدٌ وقُوةٌ على ذلك، وذلك حَسنٌ جَميلٌ لم يَكرَهْه أحَدٌ من أهلِ العِلمِ، وليسَ ذلك من التَّهلُكةِ، وإذا كانَ ذلك منه للفَخرِ والذِّكرِ فلا يَفعَلْ، وإنْ كانَت به عليه قُوةٌ، وإذا لم يَكنْ به عليه قُوةٌ فلا يَفعَلْ، وإنْ أرادَ اللهَ به؛ لأنَّه حينَئذٍ يُلقي بيَدِه إلى التَّهلُكةِ (٢). قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: لا أَرى ضِيقًا على الرَّجلِ أنْ يَحمِلَ على الجَماعةِ حاسِرًا أو يُبادِرَ الرَّجلُ وإنْ كانَ الأغلَبَ أنَّه مَقتولٌ؛ لأنَّه قد بُودِرَ بينَ يَدَيْ رَسولِ اللهِ ﷺ وحمَلَ رَجلٌ من الأنصارِ حاسِرًا على جَماعةٍ من المُشرِكينَ يَومَ بَدرٍ بعدَ إعلامِ النَّبيِّ ﷺ بما في ذلك من الخَيرِ فقُتِلَ (٣). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: جوَّزَ الأئِمةُ الأربَعةُ أنْ يَنغمِسَ المُسلِمُ في صَفِّ الكُفارِ، وإنْ غلَبَ على ظَنِّه أنَّهم يَقتُلونه إذا كانَ في ذلك مَصلَحةٌ للمُسلِمينَ (٤).

стр. 12252

وقالَ أيضًا: والرَّجلُ يَنهَزِمُ أصحابُه، فيُقاتِلُ وَحدَه أو هو وطائِفةٌ معه العَدوَّ، وفي ذلك نِكايةٌ في العَدوِّ، ولكنْ يَظنُّون أنَّهم يُقتَلون، فهذا كلُّه جائِزٌ عندَ عامةِ عُلماِء الإسلامِ من أهلِ المَذاهبِ الأربَعةِ وغيرِهم، وليسَ في ذلك إلا خلافٌ شاذٌّ. وقالَ: وأمَّا الأئِمةُ المُتبَعونَ كالشافِعيِّ وأحمدَ وغيرِهما فقد نَصُّوا على جَوازِ ذلك، وكذلك هو مَذهبُ أبي حَنيفةَ ومالِكٍ وغيرِهما (١). ٢ - جَوازُ تَقحُّمِ المَهالكِ في الجِهادِ: بوَّبَ الإمامُ البُخاريُّ في «صَحيحِه» بابًا بعُنوانِ: (بَابُ من اختارَ الضَّربَ والقَتلَ والهَوانَ على الكُفرِ). ثم رَوى عن أنَسٍ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه وجَدَ حَلاوةَ الإيمانِ: أنْ يَكونَ اللهُ ورَسولُه أحَبَّ إليه ممَّا سِواهما، وأنْ يُحِبَّ المَرءَ لا يُحِبُّه إلا للهِ، وأنْ يَكرَهَ أنْ يَعودَ في الكُفرِ كما يَكرَه أنْ يُقذَفَ في النارِ» (٢). قالَ الإمامُ ابنُ بَطالٍ ﵀: حَديثُ أنَسٍ سَوَّى فيه النَّبيُّ ﷺ بينَ كَراهيةِ المُؤمِنِ الكُفرَ وكَراهيَتِه دُخولَ النارِ، وإذا كانَ هذا حَقيقةَ الإيمانِ، فلا مُخالَفةَ في أنَّ الضَّربَ والهَوانَ والقَتلَ عندَ المُؤمِنِ أسهَلُ من دُخولِ النارِ، فيَنبَغي أنْ يَكونَ ذلك أسهَلَ من الكُفرِ إنِ اختارَ الأخْذَ بالشِّدةِ على نَفسِه.

стр. 12253

قالَ المُهلَّبُ ﵀: وقد اعتَرض هذا قَومٌ بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] ولا حُجةَ لهم في الآيةِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾ [النساء: ٣٠] والعُدوانُ والظُّلمُ مُحرَّمانِ، وليسَ مَنْ أهلَكَ نَفسَه في طاعةِ اللهِ بعادٍ ولا ظالِمٍ، ولو كانَ كما قالُوا لما جازَ لأحدٍ أنْ يَقتحِمَ المَهالِكَ في الجِهادِ، وقد افتُرِضَ على كلِّ مُسلمٍ مُقارَعةُ رَجلَينِ من الكُفارِ ومُبارَزتُهما، وهذا من أبيَنِ المُهلِكاتِ والغَرَرِ، ومَن فَرَّ من اثنَينِ فقد أكبَرَ المَعصيةَ وتَعرَّضَ لغَضبِ اللهِ (١). وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ في شَرحِه لهذا الحَديثِ: وقد أجمَعوا على جَوازِ تَقحُّمِ المَهالِكِ في الجِهادِ (٢). وعن عاصِمِ بنِ عُمرَ بنِ قَتادةَ قالَ: «لمَّا التَقى الناسُ يَومَ بَدرٍ قالَ عَوفُ بنُ عَفراءَ بنِ الحارِثِ ﵁: يا رَسولَ اللهِ ما يُضحِكُ الرَّبَّ ﵎ من عبدِه؟ قالَ: أنْ يَراه قد غمَسَ يَدَه في القِتالِ يُقاتِلُ حاسِرًا، فنزَعَ عَوفٌ دِرعَه ثم تَقدَّمَ فقاتَلَ حتى قُتلَ» (٣).

стр. 12254

فهذا دَليلٌ واضِحٌ على غَلبةِ الظَّنِّ بالهَلاكِ؛ فإنَّ الرَّسولَ ﷺ أرشَد عَوفَ بنَ عَفراءَ إلى أنَّ الذي يُضحِكُ الرَّبَّ هو أنْ يَغمِسَ يَدَه في العَدوِّ حاسِرًا، أي: بلا دِرعٍ ولا شَيءٍ يَقيه ضَربةَ الأعداءِ، فنزَعَ عَوفٌ دِرعًا كانَت عليه وقاتَلَ حتى قُتِلَ، ولا شَكَّ أنَّه يَغلِبُ على الظَّنِّ قَطعًا أنَّ الرَّجلَ إذا أرادَ أنْ يُقاتِلَ جَمعًا كَثيرًا من الأعداءِ بغيرِ دِرعٍ لا شَكَّ أنَّ الجَزمَ بهَلاكِه مُحقَّقٌ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ، ولكنَّ الحُكمَ في هذه المَسألةِ على غَلبةِ الظَّنِّ. وعن مُحمدِ بنِ سِيرينَ ﵀: أنَّ المُسلِمينَ انتَهَوْا إلى حائِطٍ قد أُغلِقَ بابُه فيه رِجالٌ من المُشرِكينَ، فجلَسَ البَراءُ بنُ مَالِكٍ ﵁ على تُرسٍ فقالَ: ارفَعوني برِماحِكم فألقُونِي إليهم. فرَفَعوه برِماحِهم فألقَوْه من وَراءِ الحائِطِ، فأدرَكوه قد قتَلَ منهم عَشرةً (١). ففي قِصةِ إلقاءِ البَراءِ بنِ مالِكٍ من فَوقِ الحِصنِ دَليلٌ على عَدمِ اعتِراضِ الصَّحابةِ على هذا النَّوعِ من العَمليَّاتِ؛ فإنَّ البَراءَ حُملَ في التُّرسِ وأُلقيَ من فَوقِ الحِصنِ على العَدوِّ، ومَعلومٌ أنَّ الإلقاءَ وَحدَه من فَوقِ الحِصنِ رُبَّما يُسبِّبُ الهَلاكَ، فكيف إذا كانَ في الحِصنِ جُملةٌ من الجُندِ وقد تأهَّبوا وتَسلَّحوا؟ وفِعلُ البَراءِ هذا لا يُساوِرُ مَنْ سمَّعَ به الشَّكُّ أنَّ فاعِلَه سيَهلِكُ إمَّا من إلقائِه أو من الجُندِ الذين تَأهَّبوا له، ورَغمَ ذلك لم يعتَرِضْ أميرُ الجَيشِ ولا أحَدٌ من الصَّحابةِ على ذلك رَغمَ غَلبةِ الظَّنِّ بهَلاكِه.

стр. 12255

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وقد اتَّفَقوا على جَوازِ التَّغريرِ بالنَّفسِ في الجِهادِ في المُبارَزةِ ونَحوِها (١). وقالَ في قِصةِ عُمَيرِ بنِ الحُمامِ: فيه جَوازُ الانغِمارِ في الكُفارِ والتَّعرُّضُ للشَّهادةِ، وهو جائِزٌ بلا كَراهةٍ عندَ جَماهيرِ العُلماءِ (٢). مَشروعيةُ إتلافِ النَّفسِ لمَصلَحةِ إظهارِ الدِّينِ: عن أنسِ بنِ مَالِكٍ: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أُفرِد يَومَ أُحدٍ في سَبعةٍ من الأنصارِ ورَجلَينِ من قُريشٍ فلمَّا رَهِقوه قالَ: «مَنْ يَرُدُّهم عنَّا وله الجَنةُ» أو «هو رَفيقي في الجَنةِ» فتَقدَّمَ رَجلٌ من الأنصارِ فقاتَلَ حتى قُتلَ ثم رَهِقوه أيضًا، فقالَ: «مَنْ يَرُدُّهم عنَّا وله الجَنةُ» أو «هو رَفيقي في الجَنةِ» فتَقدَّمَ رَجلٌ من الأنصارِ فقاتَلَ حتى قُتِل، فلم يَزَلْ كذلك حتى قُتلَ السَّبعةُ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «ما أنصَفْنا أصحابَنا» (٣). ورَوى البُخاريُّ عن مُوسَى بنِ أنَسٍ -وذكَرَ يَومَ اليَمامةِ- قالَ: أتَى أنَسٌ ثابِتَ بنَ قَيسٍ وقد حسَرَ عن فَخِذيْه وهو يَتحنَّطُ، فقالَ: يا عَمِّ، ما يَحبِسُك ألَّا تَجيءَ؟ قالَ: الآنَ يا ابنَ أخي، وجعَلَ يَتحنَّطُ -يَعني من الحَنوطِ- ثُمَّ جاءَ فجلَسَ فذكَرَ في الحَديثِ انكِشافًا من الناسِ، فقالَ: هكذا عن وُجوهِنا

стр. 12256

حتى نُضارِبَ القَومَ، ما هكذا كُنا نَفعلُ مع رَسولِ اللهِ ﷺ ، بِئسَ ما عَوَّدتُم أقرانَكُم (١). قالَ ابنُ بَطالٍ ﵀: قالَ المُهلَّبُ: فيه الأخذُ بالشِّدةِ في استِهلاكِ النَّفسِ وغيرِها في ذاتِ اللهِ، وتَركُ الأخذِ بالرُّخصةِ لمَن قدِرَ عليها؛ لأنَّه لا يَخلو أنْ تَكونَ الطائِفةُ من المُسلِمينَ التي غزَت اليَمامةَ أكثَرَ منهم أو أقَلَّ؛ فإنْ كانُوا أكثَرَ فلا يَتعيَّنُ الفَرضُ على أحَدٍ بعَينِه أنْ يَستهلِكَ نَفسَه فيه، وإنْ كانُوا أقَلَّ -وهو المَعروفُ في الأغلَبَ ألَّا يَغزوَ جَيشٌ أحَدًا في عُقرِ دارِه إلا وهُم أَقلُّ من أهلِ الدارِ- فإذا كانَ هكذا فالفِرارُ مُباحٌ. وإنْ تَعذَرَ مَعرِفةُ الأكثَرِ من الفَريقَينِ؛ فإنَّ الفارَّ لا يَكونُ عاصيًا إلا باليَقينِ أنَّ عَدوَّهم مِثلانِ فأَقلُّ، وما دامَ الشَّكُّ فالفِرارُ مُباحٌ للمُسلِمينَ، وفيه أنَّ التَّطيُّبَ للحَربِ سُنةٌ من أجلِ مُباشَرةِ المَلائِكةِ للمَيِّتِ، وفيه اليَقينُ بصِحةِ ما هو عليه من الدِّينِ، وصِحةِ النِّيةِ بالاغتِباطِ في استِهلاكِ نَفسِه في طاعةِ اللهِ ، وفيه التَّداعي للقِتالِ؛ فإنَّ أنَسًا قالَ لعَمِّه: ما يَحبِسُك ألَّا تَجيءَ؟ ومَعنى قَولِه: (بِئسَ ما عوَّدتُم أقرانَكم) يَعنى: العَدوَّ، في تَركِهم اتِّباعَكم قَبلَكم حتى اتَّخذتُم الفِرارَ عادةً للنَّجاةِ، وطَلبِ الراحةِ من مُجالَدةِ الأقرانِ (٢).

стр. 12257

وقالَ الإمامُ أبو بَكرٍ الجَصاصُ ﵀ كما سبَقَ: فأمَّا إذا كانَ في تَلفِ نَفسِه مَنفَعةٌ عائِدةٌ على الدِّينِ فهذا مَقامٌ شَريفٌ مدَحَ اللهُ به أصحابَ النَّبيِّ ﷺ في قَولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة: ١١١] وقالَ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩] وقالَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ [البقرة: ٢٠٧] في نَظائِرِ ذلك من الآيِ التي مَدَح اللهُ فيها مَنْ بذَل نَفسَه للهِ (١). وقالَ العِزُّ بنُ عبدِ السَّلامِ ﵀: التَّولِّي يَومَ الزَّحفِ مَفسَدةٌ كَبيرةٌ، لكنَّه واجِبٌ إذا علِمَ أنَّه يُقتَلَ من غيرِ نِكايةٍ في الكُفارِ؛ لأنَّ التَّغريرَ بالنُّفوسِ إنَّما جازَ لما فيه من مَصلَحةِ إعزازِ الدِّينِ بالنِّكايةِ في المُشرِكينَ، فإذا لم تَحصُلِ النِّكايةُ وجَبَ الانهِزامُ؛ لما في الثُّبوتِ من فَواتِ النُّفوسِ مع شِفاءِ صُدورِ الكُفارِ وإرغامِ أهلِ الإسلامِ، وقد صارَ الثُّبوتُ ههنا مَفسَدةً مَحضةً ليسَ في طَيِّها مَصلَحةٌ (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإذا كانَ العَدوُّ أكثَرَ من ضِعفِ المُسلِمينَ فغلَبَ على ظَنِّ المُسلِمينَ الظَّفَرُ، فالأوْلى لهم الثَّباتُ لما في ذلك من المَصلَحةِ، وإنِ انصَرَفوا جازَ؛ لأنَّهم لا يأمَنون العَطَبَ والحُكمُ عُلِّق على

стр. 12258

مَظِنَّتِه، وهو كَونُهم أقَلَّ من نِصفِ عَددِهم، ولذلك لزِمَهم الثَّباتُ إذا كانُوا أكثَرَ من النِّصفِ، وإنْ غلَبَ على ظَنِّهم الهَلاكُ فيه. ويُحتمَلُ أنْ يَلزمَهم الثَّباتُ إنْ غلَبَ على ظَنِّهم الظَّفَرُ لما فيه من المَصلَحةِ، وإنْ غلَبَ على ظَنِّهم الهَلاكُ في الإقامةِ والنَّجاةُ في الانصِرافِ فالأوْلى لهم الانصِرافُ، وإنْ ثبَتوا جازَ؛ لأنَّ لهم غَرضًا في الشَّهادةِ، ويَجوزُ أنْ يَغلِبوا أيضًا، وإنْ غلَبَ على ظَنِّهم الهَلاكُ في الإقامةِ والانصِرافِ فالأوْلى لهم الثَّباتُ ليَنالوا دَرجةَ الشُّهداءِ المُقبِلينَ على القِتالِ مُحتسِبينَ، ويَكونونَ أفضَلَ من المُوَلِّينَ، ولأنَّه يَجوزُ أنْ يَغلِبوا أيضًا؛ فإنَّ اللهَ تَعالى يَقولُ: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾ [البقرة: ٢٤٩] (١). ورَوى مُسلِمٌ في صَحيحِه عن صُهَيبٍ في قِصةِ أصحابِ الأُخدودِ وفيه: « … فجيءَ بالراهِبِ فقيلَ له: ارجِعْ عن دينِكَ، فأبَى، فدَعا بالمِئشارِ فوضَع المِئشارَ في مَفرِقِ رَأسِه فشَقَّه حتى وقَعَ شِقَّاهُ، ثم جيءَ بجَليسَ المَلكِ فقيلَ له: ارجِعْ عن دينِكَ، فأبَى، فوضَعَ المِئشارَ في مَفرِقِ رَأسِه فشَقَّه به حتى وقَعَ شِقَّاهُ، ثم جيءَ بالغُلامِ فقيلَ له: ارجِعْ عن دينِكَ، فأبَى، فدفَعَه إلى نَفرٍ من أَصحابِه فقالَ: اذهَبوا به إلى جَبلِ كذا وكذا فاصْعَدوا به الجَبلَ، فإذا بَلَغتم ذُروَتهُ؛ فإنْ رجَعَ عن دينِه وإلا فاطرَحوهُ، فذَهَبوا به فصَعِدوا به الجَبلَ فقالَ: اللَّهمَّ اكفِنيهم بما شِئتَ. فرجَفَ بهم الجَبلُ فسَقَطوا، وجاءَ

стр. 12259

يمشى إلى المَلكِ فقالَ له المَلكُ: ما فعَلَ أصحابُك؟ قالَ: كَفانِيهم اللهُ. فدفَعَه إلى نَفرٍ من أَصحابِه فقالَ: اذهَبوا به فاحمِلوه في قُرقورٍ، فتَوسَّطوا به البَحرَ؛ فإن رجَعَ عن دينِه وإلا فاقذِفُوه. فذَهَبوا به فقالَ: اللَّهمَّ اكفِنيهم بما شِئتَ. فانكَفَأت بهم السَّفينةُ، فغَرِقوا، وجاءَ يَمشى إلى المَلكِ فقالَ له المَلِكُ: ما فعَلَ أصحابُك؟ قالَ: كَفانيهم اللهُ، فقالَ للمَلكِ: إنَّك لستَ بقاتِلي حتى تَفعَلَ ما آمُركَ به. قالَ: وما هو؟ قالَ: تَجمَعُ الناسَ في صَعيدٍ واحِدٍ وتَصلُبُني على جِذعٍ، ثم خُذْ سَهمًا من كِنانَتي ثم ضَعِ السَّهمَ في كَبدِ القَوسِ ثم قُلْ: باسمِ اللهِ ربِّ الغُلامِ، ثم ارمِني؛ فإنَّك إذا فعَلتَ ذلك قَتلتَني، فجمَعَ الناسَ في صَعيدٍ واحِدٍ وصلَبَه على جِذعٍ، ثم أخَذَ سَهمًا من كِنانَتِه ثم وضَعَ السَّهمَ في كَبدِ القَوسِ، ثم قالَ: باسمِ اللهِ ربِّ الغُلامِ، ثم رَماه، فوقَعَ السَّهمُ في صُدغِه فوضَع يَدَه في صُدغِه في مَوضعِ السَّهمِ فماتَ، فقالَ الناس: آمَنَّا برَبِّ الغُلامِ، آمَنَّا برَبِّ الغُلامِ، آمَنَّا برَبِّ الغُلامِ. فأتى المَلكُ فقيلَ له: أرَأيتَ ما كُنْتَ تَحذَرُ؟ قد واللهِ نزَلَ بكَ حذَرُك، قد آمَنَ الناسُ. فأمَرَ بالأُخدودِ في أفواه السِّكَكِ فخُدَّت وأضرَمَ النِّيرانَ وقالَ: مَنْ لم يَرجعْ عن دِينِه فأحْمُوه فيها، أو قيلَ له: اقتَحِمْ، ففعَلوا حتى جاءَتِ امرأةٌ ومعها صَبيٌّ لها فتقاعسَت أنْ تَقعَ فيها، فقالَ لها الغُلامُ: يا أُمَّهْ اصبِري؛ فإنكِ على الحَقِّ» (١). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: وقد رَوى مُسلِمٌ في صَحيحِه عن النَّبيِّ ﷺ قِصةَ أصحابِ الأُخدودِ، وفيها أنَّ الغُلامَ أمَرَ بقَتلِ

стр. 12260

نَفسِه لأجلِ مَصلَحةِ ظُهورِ الدِّينِ، ولِهذا جوَّزَ الأئِمةُ الأربَعةُ أنْ يَنغَمِسَ المُسلِمُ في صَفِّ الكُفارِ وإنْ غلَبَ على ظَنِّه أنَّهم يَقتُلونَه إذا كانَ في ذلك مَصلَحةٌ للمُسلِمينَ. وقد بسَطْنا القَولَ في هذه المَسألةِ في مَوضِعٍ آخرَ، فإذا كانَ الرَّجلُ يَفعَلُ ما يَعتقِدُ أنَّه يُقتَل به لأجلِ مَصلَحةِ الجِهادِ مع أنَّ قَتلَه نَفسَه أعظَمُ من قَتلِه لغيرِه كانَ ما يُفضي إلى قَتلِ غيرِه لأجلِ مَصلَحةِ الدِّينِ التي لا تَحصُلُ إلا بذلك، ودَفعُ ضَررِ العَدوِّ المُفسِدِ للدِّينِ والدُّنيا الذي لا يَندَفعُ إلا بذلك أوْلى (١). وقالَ جَوابًا عن سُؤالٍ: وأمَّا قَولُه: أُريدُ أنْ أقتُلَ نَفسي في اللهِ، فهذا كَلامٌ مُجمَلٌ؛ فإنَّه إذا فعَلَ ما أمَرَه اللهُ به فأفضى ذلك إلى قَتلِ نَفسِه فهذا مُحسِنٌ في ذلك، كالذي يَحمِلُ على الصَّفِّ وَحدَه حَملًا فيه مَنفَعةٌ للمُسلِمينَ وقد اعتقَد أنَّه يُقتَل فهذا حَسنٌ. وفي مِثلِه أنزَلَ اللهُ قَولَه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ [البقرة: ٢٠٧]، ومِثلَما كانَ بعضُ الصَّحابةِ يَنغمِسُ في العَدوِّ بحَضرةِ النَّبيِّ ﷺ . وقد رَوى الخَلَّالُ بإسنادِه عن عُمرَ بنِ الخَطابِ: أنَّ رَجلًا حمَلَ على العَدوِّ وَحدَه فقالَ الناسُ: ألقَى بيَدِه إلى التَّهلُكةِ. فقالَ عُمرُ: لا، ولكنَّه ممَّن قالَ اللهُ فيه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ [البقرة: ٢٠٧].

стр. 12261

ثم قالَ: إنَّ العِبادةَ المُفضيةَ إلى قَتلِ النَّفسِ بلا مَصلَحةٍ مَأمورٌ بها هي مِنْ قَتلِ النَّفسِ المَنهيِّ عنه. فيَنبَغي للمُؤمِن أنْ يُفرِّقَ بينَ ما نَهى اللهُ عنه مِنْ قَصدِ الإنسانِ قَتلَ نَفسِه أو تَسبُّبِه في ذلك وبينَ ما شرَعَه اللهُ من بَيعِ المُؤمِنينَ أنفُسَهم وأموالَهم له. كما قالَ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾ [التوبة: ١١١]. وقالَ تَعالى أيضًا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ [البقرة: ٢٠٧] أي: يَبيعُ نَفسَه. والاعتِبارُ في ذلك بما جاءَ به الكِتابُ والسُّنةُ لا بما يَستحسِنُه المَرءُ أو يَجدُه أو يَراه من الأُمورِ المُخالِفةِ للكِتابِ والسُّنةِ؛ بل قد يَكونُ أحَدُ هؤلاء جاهلًا، كما قالَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ: «مَنْ عبَد اللهَ بجَهلٍ أفسَد أكثَرَ ممَّا يُصلِحُ». ومما يَنبَغي أنْ يُعرَفَ أنَّ اللهَ ليسَ رِضاه أو مَحبَّتُه في مُجرَّدِ عَذابِ النَّفسِ وحَملِها على المَشاقِّ حتى يَكونَ العَملُ كُلَّما كانَ أشَقَّ كانَ أفضَلَ، كما يَحسَبُ كَثيرٌ من الجُهَّالِ أنَّ الأجرَ على قَدْرِ المَشقةِ في كلِّ شَيءٍ، لا، ولكنَّ الأجرَ على قَدرِ مَنفَعةِ العَملِ ومَصلَحتِه وفائِدتِه (١).

стр. 12262

فصل في الغَنائمِ وأحكامِها أحكامُ الأموالِ التي يَمتَلِكُها المُسلِمونَ من الكُفارِ: الأموالُ التي يَحوزُها المُسلِمونَ من الكُفارِ على ثَلاثةِ أحكامٍ: منها: ما يَجبُ فيه الخُمسُ الذي سَمَّى اللهُ تَعالى في سُورةِ الأنفالِ، ويَكونُ الباقي لأهلِ الجَيشِ الذين حازُوه، وهذه هي الغَنائمُ. ومنها: ما يَكونُ لمَن حازَه وَحدَه، وهو السَّلَبُ وما يُؤخَذُ على جِهةِ التَّلصُّصِ والاختِلاسِ من الحَربيِّ (١). ومنها: ما لا يَتعيَّنُ فيه حقٌّ لأحدٍ بعَينِه، وإنَّما يَكونُ جَميعُه لمَصالحِ المُسلِمينَ عُمومًا، وهذا هو الفَيءُ الذي قالَ اللهُ تَعالى فيه: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧] إلى آخِرِ الآياتِ.

стр. 12263

أولاً: الغَنائمُ: وهي التي يُستحقُّ فيها الخُمسُ، ويَكونُ باقيها للغانِمينَ، فإليكَ تَعريفَها: فالغَنيمةُ والمَغنَمُ والغَنيمُ والغُنمُ بالضَّمِّ في اللُّغةِ: الفَيءُ، يُقالُ: غنِمَ الشَّيء غُنمًا: فازَ به، وغنِمَ الغازي في الحَربِ: ظفِرَ بمالِ عَدوِّه (١). والغَنيمةُ في الاصطِلاحِ: كما يَقولُ الحَنفيةُ: اسمٌ للمَأخوذِ من أهلِ الحَربِ على سَبيلِ القَهرِ والغَلبةِ، إمَّا بحَقيقةِ المَنَعةِ أو بدِلالَتِها، وهي إذْنُ الإمامِ. وما يُؤخَذُ منهم هَديةً أو سَرقةً أو خِلسةً أو هِبةً فليسَ بغَنيمةٍ، وهو للآخِذِ خاصةً (٢). وعندَ المالِكيةِ أنَّه: كلُّ مالٍ حازَه المُسلِمونَ على المُشرِكينَ بالقَصدِ إليه، على سَبيلِ المُعالَجةِ بقِتالٍ أو احتيالٍ، فيَدخلُ في ذلك السَّرقةُ والتَّلصُّصُ، ويَخرجُ منه ما أُجلِيَ عنه الكُفارُ، أو قُدرَ عليه بغيرِ عِلاجٍ (٣). وعندَ الشافِعيةِ: هي اسمٌ للمَأخوذِ من أهلِ الحَربِ المُوجَفِ عليه بالخَيلِ والرِّكابِ لمَن حضَرَ من غَنيٍّ وفَقيرٍ (٤). وقالَ الحَنابِلةُ: ما أُخذَ بالقَهرِ والقِتالِ من الكُفارِ (٥).

стр. 12264

حُكمُ الغَنيمةِ: الغَنيمةُ مَشروعةٌ بالكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ؛ أحَلَّها اللهُ تَعالى لهذه الأُمةِ، وجعَلَها لها حَلالًا طَيِّبًا، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)﴾ [الأنفال: ٦٩]. وحِلُّها مُختَصٌّ بهذه الأُمةِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «أُعطيتُ خَمسًا لم يُعطَهُنَّ أحَدٌ قَبلي: نُصِرتُ بِالرُّعبِ مَسيرةَ شَهرٍ وجُعِلَت لي الأرضُ مَسجِدًا وطَهورًا، فأيُّما رَجلٍ من أُمَّتي أدرَكَته الصَّلاةُ فليُصَلِّ، وأُحِلَّت لي المَغانمُ ولم تَحِلَّ لأحَدٍ قَبلي … » (١). ولا خِلافَ بينَ الأُمةِ في استِباحةِ أموالِ الكُفارِ بالاغتِنامِ، وصِحةِ تَملُّكِ المُسلِمينَ ما حازُوه منها على وَجهِ الغَزوِ والجِهادِ (٢). وكانَت الغَنيمةُ في أولِ الإسلامِ لرَسولِ اللهِ ﷺ خاصةً يَصنَعُ فيها ما يَشاءُ، ثم نُسخَ ذلك بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١] فجعَلَ خُمسَها مَقسومًا على هذه الأسهُمِ الخَمسةِ، وجعَلَ أربَعةَ أَخماسِها للغانِمينَ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى أضافَ الغَنيمةَ إلى الغانِمينَ في قَولِه: ﴿غَنِمْتُمْ﴾ وجعَلَ الخُمسَ لغيرِهم، فدلَّ ذلك على أنَّ سائِرَها لهم.

стр. 12265

وقد أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الغَنيمةَ تُخمَّسُ خَمسةَ أقسامٍ، أربَعةٌ منها للمُجاهِدينَ وقِسمٌ يُقسَّمُ خَمسةَ أَخماسٍ (١). قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: فالغَنيمةُ والفَيءُ يَجتمِعانِ في أنَّ فيهما معًا الخُمسَ من جَميعِهما لمَن سمَّاه اللهُ تَعالى له، ومَن سمَّاه اللهُ له في الآيتَيْن معًا سَواءً، مُجتمِعَيْن غيرَ مُفترِقَيْن، قالَ: ثم يُتعرَّفَ الحُكمُ في الأربَعةِ الأخْمُسِ بما بيَّنَ اللهُ على لسانِ نَبيِّه ﷺ وفي فِعلِه؛ فإنَّه قسَّمَ أربَعةَ أَخماسِ الغَنيمةِ (٢). ما يُعتبَرُ من أموالِ الغَنيمةِ وما لا يُعتبَرُ: والمُستَولى عليه صِنفانِ: رِقابُ الكُفارِ، وأموالُهم. فأمَّا صِنفُ الرِّقابِ فنَوعانِ: أسرى -وهُم الرِّجالُ-، وسَبيٌ -وهُم النِّساءُ والذُّرِّيةُ- فأمَّا الأسرَى فقد تَقدَّمَ القَولُ فيهم. وأمَّا السَّبيُ من النِّساءِ والصِّبيانِ؛ فإنَّهم بنَفسِ الاستِيلاءِ عليهم يُرَقُّون بما أحكَمَتْه السُّنةُ من ذلك، فيَصيرُ حُكمُهم إلى حُكمِ سائرِ أموالِ الغَنائمِ في وُجوبِ القَسْمِ والتَّخميسِ من غيرِ اختيارٍ يَكونُ في ذلك للإمامِ؛ لأنَّ التَّخييرَ الذي ثبَتَ للإمامِ بالأدِلةِ المُنتزَعةِ على ذلك من القُرآنِ والسُّنةِ إنَّما هو خاصٌّ بأسرى الرِّجالِ، لكنْ يَكونُ لمَن صارَ إليه شَيءٌ من السَّبيِ إمَّا بالقَسمِ أو بالشِّراءِ أو غيرِ ذلك من وُجوهِ التَّملُّكِ أنْ يَفديَ بهم أو يُفاديَ

стр. 12266

ويَمُنَّ بالعِتقِ، ويَتصرَّفَ في ذلك بما أباحَ له الشَّرعُ منه، وكذلك لو استَطابَ الإمامُ عنهم نُفوسَ الغانِمينَ. وكلُّ من يَتوَجَّه له فيهم حقٌّ كانَ له أنْ يَفعَلَ فيهم مِنْ ذلك ما شاءَ على وَجهِ النَّظرِ والمَصلَحةِ. وممَّا جاءَ في المَنِّ على السَّبيِ -النِّساءِ والذُّرِّيةِ- ما رَواه أبو عُبيدٍ في كِتابِ «الأموالِ» قالَ: حدَّثَنا عبدُ اللهِ بنُ صالِحٍ، عن اللَّيثِ بنِ سَعدٍ، قالَ: حَدَّثني عَقيلُ بنُ خالدٍ، عن ابنِ شِهابٍ، قالَ: أخبَرَني سَعيدُ بنُ المُسيِّبِ، وعُروةُ بنُ الزُّبيرِ، أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ رَدَّ سِتةَ آلافٍ من سَبي هَوازِنَ -من النِّساءِ والصِّبيانِ والرِّجالِ- إلى هَوازِنَ حينَ أسلَموا … الحَديثَ؛ وفيه قالَ: وزعَم عُروةُ أنَّ مَروانَ بنَ الحَكمِ والمِسوَرَ بنَ مَخرَمةَ أخبَراه أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قامَ حينَ جاءَه وَفدُ هَوازِنَ مُسلِمينَ، فسأَلوه أنْ يَرُدَّ إليهم أموالَهم وسَبيَهم، فقالَ لهم رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَعي مَنْ تَرَونَ، وأحَبُّ الحَديثِ إلَيَّ أصدَقُه، فاختَاروا إحدى الطَّائفَتينِ: إمَّا السَّبيَ وإمَّا المالَ، وقد كُنْتُ استأنَيتُ بهم». قالَ: وكانَ رَسولُ اللهِ ﷺ قد انتَظَرهم بِضعَ عَشرةَ ليلةً حينَ قفَلَ من الطائِفِ، فلمَّا تَبيَّنَ لهم أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ غيرُ رادٍّ إليهم إلا إحدى الطائِفَتينِ، قالُوا: نَختارُ سَبْيَنا. فإذا تَقرَّرَ ذلك يَجيءُ على مَذهبِ من رأى تَخييرَ الإمامِ في الأسرَى، منهم: مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ وغيرُهم، أنَّه متى حكَمَ الإمامُ باستِرقاقِهم تَوجَّهت عليهم أحكامُ الغَنائمِ في القَسمِ والتَّخميسِ، هذا لا إشكالَ فيه،

стр. 12267

ومهما قتَلَ الإمامُ مَنْ رأى قَتْلَه من الرِّجالِ خرَجَ من جُملةِ الغَنيمةِ، وكانَ له حُكمُ الاستِثناءِ والتَّخصيصِ في عُمومِ الآيةِ في القَسمِ والتَّخميسِ (١). وأمَّا الصِّنفُ الثانِي، وهو الأموالُ المُستَولَى عليها، فنَوعانِ: عَقارٌ، وأَصنافُ المالِ غيرِ العَقارِ. الأرضُ المَغنومةُ عَنوةً: فأمَّا العَقارُ، فاختَلفَ أهلُ العِلمِ في العَقارِ، وهو الأرضُ الصالِحةُ لزِراعةِ الحَبِّ والمَبنيةُ دُورًا ونَحوَها المَغنومةُ عَنوةً: هل ذلك ممَّا يُخمَّسُ ويُقسَّمُ على الجَيشِ كسائرِ أصنافِ المالِ، أو حُكمُ الأرضِينَ حُكمُ الفَيءِ لا حقَّ فيها للجَيشِ يَخُصُّهم، وإنَّما تَكونُ وَقفًا على مَصالحِ المُسلِمينَ؟ ففي ذلك ثَلاثةُ أقوالٍ لأهلِ العِلمِ: القَولُ الأولُ: تُقسَّمُ كسائرِ أموالِ الغَنيمةِ خَمسةَ أَخماسٍ، وإليهِ ذهَبَ الشافِعيةُ وأبو ثَورٍ وأحمدُ في رِوايةٍ، ودَليلُهم عُمومُ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، فدخَلَ في ذلك الأرضُ وغيرُها، وما ثبَتَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قسَّمَ خَيبَرَ على الغانِمينَ، وهذه أدِلةٌ ظاهِرةٌ قَويةٌ، فوُجوبُ القِسمةِ يَتَّفقُ مع فِعلِه ﷺ الذي يَجري مَجرى البَيانِ للمُجمَلِ، فَضلًا على العامِّ. وأمَّا آيةُ الحَشرِ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ [الحشر: ٦، ٥٩] فهي في الفَيءِ على ما هو الظاهِرُ منها.

стр. 12268

وإذا لمْ يُقسِّمِ الإمامُ الأرضَ، فعليه أنْ يَستطيبَ الغانِمينَ، كما استَطابَ رَسولُ اللهِ ﷺ أنْفُسَ الغانِمينَ يَومَ حُنَينٍ ممَّن صار في يَدَيْه سَبيُ هَوَازِنَ، وكما فعَلَ في خَيبَرَ وبَني قُريظةَ، وكما استَطابَ عُمرُ بنُ الخَطابِ الغانِمينَ بعدَ فَتحِ سَوادِ العِراقِ بعِوضٍ أو بغيرِه، فصارَت الأرضُ وَقفًا، أي: فَيئًا للمَصالحِ العامةِ بعدَ أنْ كانَت غَنيمةً، فقد أعطى عُمرُ جَريرًا البَجليَّ عِوضًا من سَهمِه، وأعطى امرأةً بَجَليةً عِوضًا من سَهمِ أبيها؛ لأنَّ حقَّ الغانِمينَ قد ثبَتَ في الغَنيمةِ بعدَ الفَتحِ بالاستِيلاءِ، فلا يَملِكُ الإمامُ إبطالَ هذا الحَقِّ بتَركِ الأرضِ في أيدي أهلِها كالمَنقولِ، ومَن لم يَطبْ نَفسًا منهم فهو أحقُّ بحَقِّه. والقَولُ الثانِي: الأرضُ لا تُقسَّمُ، بل تَكونُ وَقفًا في مَصالحِ المُسلِمينَ على حُكمِ الفَيءِ، لا يَستأثِرُ أحَدٌ بمِلكِ أعيانِها، بل هي لكلِّ مَنْ حضَرَ ذلك، ومَن لم يَحضُرْه، ومَن يَجيءُ بَعدُ من المُسلِمينَ إلى يَومِ القيامةِ، وهو قَولُ المالِكيةِ في المَشهورِ وأحمدَ في رِوايةٍ. واستدَلُّوا في ذلك بفِعلِ عُمرَ حيثُ وقَفَ الأراضيَ التي افتَتَحها كسَوادِ العِراقِ، وذكَرُوا احتِجاجَه على ذلك بالآيةِ من سُورةِ الحَشرِ، بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧] الآيةَ كلَّها إلى قَولِه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨]، وإلى قَولِه: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] إلى آخِرِ الآياتِ. قالَ عُمرُ لمَّا قرَأَ هذه الآياتِ: «فاستَوعَبتْ هذه الآيةُ الناسَ فلمْ يَبقَ أحَدٌ من المُسلِمينَ إلا له فيها حقٌّ -أو قالَ: حَظٌّ- إلا بعضَ من تَملِكون

стр. 12269

من أرِقَّائِكم، وإنْ عِشتُ إنْ شاءَ اللهُ ليُؤتَينَّ كلُّ مُسلمٍ حَقَّه -أو قالَ: حَظَّه- حتى يأتيَ الراعي بسَرْوِ حِميرَ (١) ولم يَعرَقْ فيه جَبينُه». قالَ أبو عُبيدٍ: السَّروُ الخَيفُ والنَّغفُ كلُّ مَوضِعٍ بينَ انحِدارٍ وارتِفاعٍ (٢). وقَولُ عُمرَ ﵁: ما أحَدٌ إلا وله في هذا المالِ حتى الراعي بعدَنَ. قالُوا: وكانَ فِعلُ عُمرَ في تَوقيفِ الأرضِ بمَحضَرَ الصَّحابةِ من غيرِ نَكيرٍ، فدلَّ ذلك على أنَّ مَعنى قَولِه : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]: فيما عدا الأرضِينَ، وأنَّ الأرضَ لا تَدخُلُ في عُمومِ ذلك. ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ قد غنِمَ غَنائمَ وأراضيَ لم يُنقَلَ أنَّه قسَّمَ منها إلا خَيبَرَ. وهذا إجماعُ السَّلَفِ، ولتَكونَ الأرضُ لنُوَّابِ المُسلِمينَ ومَرافِقِهم. قالَ المالِكيةُ: ووُقِفتِ الأرضُ غيرُ المَواتِ، وهي الأرضُ الصالِحةُ لزِراعةِ الحَبِّ والمَبنيةُ دُورًا ونَحوَها بمُجرَّدِ الاستِيلاءِ عليها، ولا يَحتاجُ إلى صيغةٍ من الإمامِ ولا لتَطييبِ نَفسِ المُجاهِدينَ بشَيءٍ من المالِ، وفائِدةُ

стр. 12270

وَقفِ الدُّورِ أنَّها لا تُباعُ ولا يُتصرَّفُ فيها تَصرُّفَ المُلَّاكِ ولا يُؤخَذُ للدُّورِ كِراءٌ بخِلافِ أرضِ الزِّراعةِ، ثم إنَّ مَحلَّ عَدمِ أخذِ كِراءٍ لها وعَدمِ بَيعِها -ما دامَت ببُنيانِ الكُفارِ التي صادَفَها الفَتحُ- مَوجودٌ، أمَّا إذا انهدَمَت وجدَّدَ الناسُ أبنيةً جازَ حينَئذٍ أخذُ الكِراءِ والبَيعُ والأخْذُ بالشُّفعةِ والإرثُ كما هو الآنَ في مَكةَ ومِصرَ وغيرِهما. وأمَّا غيرُ الأرضِ من سائرِ أموالِ الحَربيِّين فيُخمَّسُ، أي: يُقسَّمُ أَخماسًا، خُمسًا لبَيتِ مالِ المُسلِمينَ، وأربَعةَ أَخماسٍ للمُجاهِدينَ تُقسَّمُ على ما سيأتي. ومَحلُّ وَقفِ الأرضِ وتَخميسِ غيرِها إنْ أُوجِفَ -أي: قُوتِل- عليها ولو حُكمًا، كهَربِهم قبلَ المُقاتَلةِ بعدَ نُزولِ الجَيشِ بِلادَهم على أحدِ القَولَينِ، وأمَّا لو هرَبوا قبلَ خُروجِ الجَيشِ من بِلادِ الإسلامِ يَكونُ ما انجَلَوا عنه فَيئًا مَوضِعُه بَيتُ المالِ. والقَولُ الثالِثُ: الإمامُ مُخيَّرٌ بينَ أنْ يَقسِمَها في المَغانمِ كما فعَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ بخَيبَرَ، أو يَقِفَها لمَصالحِ المُسلِمينَ كما فعَلَ عُمرُ ﵁ بأرضِ السَّوادِ، وهو قَولُ الحَنفيةِ وأحمدَ في أظهَرِ الرِّواياتِ عنه، وكأنَّهم رَأوُا الآيتَينِ -آيةَ الغَنيمةِ من سُورةِ الأنفالِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]، وآيةَ الفَيءِ من سُورةِ الحَشرِ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ الآيَة [الحشر: ٦]، وارِدتَينِ مَورِدَ التَّخييرِ في حُكمِ الأرضِ بخاصةٍ. أو واردةً في مَوضوعٍ واحِدٍ، ولكنَّ آيةَ الحَشرِ مُخصِّصةٌ لآيةِ الأَنفالِ، أي أنَّه بعدَ أنْ

стр. 12271

كانَت الثانِيةُ شامِلةً للأَرضِ والمَنقولِ، خَصَّصتها آيةُ الحَشرِ بما عَدا الأرضَ. أمَّا الأرضُ فقد أَعطَت آيةُ الحَشرِ الحَقَّ للإمامِ في أنْ يَتصرَّفَ بما يَجدُه من المَصلَحةِ: إمَّا أنْ يَقفَ الأرضَ، أو يُقِرَّها في أيدي أهلِها ويَضَعَ عليها الخَراجَ؛ لأنَّ آيةَ الأنفالِ تُوجِبُ التَّخميسَ وآيةَ الحَشرِ تُوجِبُ القِسمةَ بينَ المُسلِمينَ جَميعًا دونَ التَّخميسِ، وبذلك يُجمَعُ بينَ الآيتَينِ، والجَمعُ بينَ الأدِلةِ عندَ كَثيرٍ من الأُصوليِّينَ مُقدَّمٌ على القَولِ بالنَّسخِ، أي: بنَسخِ آيةِ الحَشرِ لآيةِ الأنفالِ، كما قالَ بَعضُهم. ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ قد ترَكَ قُرًى لم يُقسِّمْها، وقد ظهَرَ على مَكةَ عَنوةً، وفيها أموالٌ، فلم يُقسِّمْها، وظهَرَ على قُريظةَ والنَّضيرِ، وعلى غيرِ دارٍ من دُورِ العَربِ، فلم يُقسِّمْ شَيئًا من الأرضِ غيرَ خَيبَرَ. فكانَ الإمامُ بالخيارِ: إنْ شاءَ قسَّمَ كما قسَّمَ ﷺ خَيبَرَ، وإنْ شاءَ تَرَك كما ترَك رَسولُ اللهِ غيرَ خَيبَرَ. وقد قيلَ عن عُمرَ: إنَّه لم يَفعَلْ في أرضِ السَّوادِ ما فعَلَ حتى استَطابَ على ذلك نُفوسَ أهلِ الجَيشِ، قالَه الشافِعيُّ، قالَ: وكذلك الآنَ إذا غَنِموا أرضًا فخُمِّست، ثم استَطابَ الإمامُ نُفوسَ أهلِ الجَيشِ عن الأَخماسِ الأربَعةِ، فترَكوا ذلك بطِيبِ نُفوسِهم، فالإمامُ يُوقِفُها لمَصالحِ المُسلِمينَ كما فعَلَ عُمرُ. قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ: إنَّ الأرضَ إذا فُتِحت عَنوةً ففيها للعُلَماءِ ثَلاثةُ أقوالٍ:

стр. 12272

أحدُها: وهو مَذهبُ الشافِعيِّ أنَّه يَجبُ قَسمُها بينَ الغانِمينَ إلا أنْ يَستطيبَ أنفُسَهم فيُوقِفَها، وذكَرَ في «الأُمِّ»: أنَّه لو حكَمَ حاكِمٌ بوَقفِها من غيرِ طِيبِ أنفُسِهم نُقِض حُكمُه؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قسَّمَ خَيبَرَ بينَ الغانِمينَ، لكنَّ جُمهورَ الأئِمةِ خالَفوا الشافِعيَّ في ذلك، ورأوْا أنَّ ما فعَلَه عُمرُ بنُ الخَطابِ مِنْ جَعْلِ الأرضِ المَفتوحةِ عَنوةً فَيئًا حَسنٌ جائِزٌ، وأنَّ عُمرَ حبَسَها بدونِ استِطابةِ أنفُسِ الغانِمينَ، ولا نِزاعَ أنَّ كلَّ أرضٍ فتَحَها عُمرُ بالشامِ عَنوةً والعِراقِ ومِصرَ وغيرِها لم يُقسِّمْها عُمرُ بينَ الغانِمينَ وإنَّما قسَّمَ المَنقولاتِ. لكنْ قالَ مالِكٌ وطائِفةٌ وهو القَول الثانِي: مُختصةٌ بأهلِ الحُدَيبيةِ، وقد صنَّفَ إسماعيلُ بنُ إسحاقَ -إمامُ المالِكيةِ- في ذلك بما نازَع به الشافِعيَّ في هذه المَسألةِ وتَكلَّم على حُجَجِه. وعن الإمامِ أحمدَ كالقَولَينِ، لكنَّ المَشهورَ في مَذهبِه هو القَولُ الثالِثُ، وهو مَذهبُ الأكثَرينَ -أبي حَنيفةَ وأصحابِه والثَّوريِّ وأبي عُبيدٍ- وهو أنَّ الإمامَ يَفعَلُ فيها ما هو أصلَحُ للمُسلِمينَ من قَسمِها أو حَبسِها؛ فإنْ رأى قَسمَها كما قسَّمَ النَّبيُّ ﷺ خَيبَرَ فعَل، وإنْ رأى أنْ يَدَعَها فَيئًا للمُسلِمينَ فعَلَ كما فعَلَ عُمرُ، وكما رُوي أنَّ النَّبيَّ ﷺ فعَلَ بنِصفِ خَيبَرَ وأنَّه قسَّمَ نِصفَها وحبَسَ نِصفَها لنَوائِبِه، وأنَّه فتَحَ مَكةَ عَنوةً ولم يَقسِمْها بينَ الغانِمينَ، فعلِمَ أنَّ أرضَ العَنوةِ يَجوزُ قَسمُها ويَجوزُ تَركُ قَسمِها (١).

стр. 12273

وهذا الخِلافُ في غيرِ أرضِ المَواتِ، أمَّا أرضُ المَواتِ فقالَ المالِكيةُ والشافِعيةُ: لا كَلامَ لأحدٍ عليها، ولا تُملَكُ بالاستِيلاءِ؛ لأنَّهم لم يَملِكوه إذ لا يُملَكُ إلا بالإِحياءِ فمَن أَحيا منها شَيئًا فهو له مِلكٌ؛ لحَديثِ سَعِيدِ بنِ زَيدٍ ﵁ مَرْفُوعًا: «مَنْ أَحيا أرضًا مَيْتةً فهي له وليسَ لعِرقٍ ظالِمٍ حَقٌّ» (١). وقالَ المالِكيةُ في المَشهورِ: ولِلإمامِ تَمليكُها لمَن يَشاءُ (٢). وأمَّا أصنافُ المالِ غيرِ العَقارِ، وهي: الذَّهبُ، والفِضةُ، والعُروضُ: من الأثاثِ، والحَيوانِ، والأطعِمةِ، وغيرِ ذلك من سائرِ الأعيانِ التي أباحَ الشَّرعُ تَملُّكَها، فهي على وَجهَينِ: أَسلابٍ، وغيرِ أَسلابٍ. فأمَّا الأَسلابُ فسَيأتي حُكمُها قَريبًا. وأمَّا غيرُ الأَسلابِ فضَربانِ: الأولُ: ما تَقدَّمَ عليه مِلكٌ للكُفارِ، وهو جَميعُ ما حازُوه، ووَضَعوا اليَدَ عليه من ضُروبِ الأموالِ.

стр. 12274

والثانِي: ما كانَ على حُكمِ الأصلِ قبلَ أنْ يَحوزوه بالتَّملُّكِ، نَحوَ ما يَقذِفُ به البَحرُ من العَنبَرِ وغيرِه، وما يُوجَدَ من الجَواهِرِ والأَحجارِ في أرضِهم، ونَحوَ الخَشَبِ والصَّيدِ وغيرِ ذلك. فأمَّا الضَّربُ الأولُ -وهو ما تَقدَّمَ عليه مِلكُ الكُفارِ- فنَوعانِ: طَعامٌ، وما يَكونُ له حُكمُ الطَّعامِ: من العَلوفةِ، والأنعامِ التي تُذبَحُ، وما أشبَهَ ذلك ممَّا تَدعو الجَيشَ حاجةٌ في الغالِبِ إليه. والنَّوعُ الثانِي: سائِرُ الأموالِ ممَّا عَدا ذلك، وهذا النَّوعُ لا يَحتاجُ إلى بَيانٍ، فهو ممَّا يَستحِقُّ قَسْمَه باتِّفاقٍ، ويَحرُمُ أخذُ شَيءٍ منه قبلَ القَسْمِ بلا خِلافٍ. وأمَّا نَوعُ الطَّعامِ، فالتَّبسُّطُ فيه بالأكلِ، والارتِفاقُ للغِنيِّ والفَقيرِ من الغُزاةِ جائِزٌ، وذلك بشَرطَيْن: أحدُهما: الاقتِصارُ بذلك على دارِ الحَربِ. والثانِي: أَخذُ قَدرِ الحاجةِ هناك دونَ ما زادَ. لِما أخرَجَه البُخاريُّ (١)، عن ابنِ عُمرَ قالَ: «كُنَّا نُصِيبُ في مَغازينا العَسلَ والعِنبَ فنأكُلُه ولا نَرفَعُه». قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعَ جُمهورُ عُلماءِ المُسلِمينَ على إباحةِ أكلِ الطَّعامِ إذا كانَ للحَربيِّينَ ما دامَ المُسلِمونَ في أرضِ الحَربِ، يأخُذونَ منه قَدرَ حاجَتِهم.

стр. 12275

وجُملةُ قَولِ مالِكٍ، والشافِعيِّ، وأبي حَنيفةَ، والثَّوريِّ، والأَوزاعيِّ، واللَّيثِ بنِ سَعدٍ: أنَّه لا بأسَ أنْ يُؤكَلَ الطَّعامُ والعَلفُ في دارِ الحَربِ بغيرِ إذنِ الإمامِ، وكذلك ذَبحُ الأنعامِ للأكلِ، وهو قَولُ أحمدَ، وإسحاقَ، وأبي عُبيدٍ، وأبي ثَورٍ. وكانَ ابنُ شِهابٍ لا يَرى ذلك إلا بإذنِ الإمامِ. قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: «لا أعلَمُ أحَدًا قالَه غيرُه». فأمَّا أنْ يُخرِجَ أحَدٌ من ذلك شَيئًا إلى أرضِ الإسلامِ، فجُمهورُ العُلماءِ كَرِهوا ذلك، إذا كانَ لذلك الطَّعامِ قِيمةٌ، أو كانَت للناسِ فيه هناك رَغبةٌ، وحَكَموا له بحُكمِ الغَنميةِ، فمَن أخرَجَ شَيئًا من ذلك رَدَّه إلى المُقاسِم إنْ أمكَنَه، وإلا باعَه وتَصدَّقَ بثَمَنِه. وخالَفَ في ذلك الأَوزاعيُّ، فجعَلَ ما أخرَجَه من ذلك إلى دارِ الإسلامِ، فهو له أيضًا (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ إلا مَنْ شَذَّ منهم على أنَّ للغُزاةِ إذا دخَلوا أرضَ الحَربِ أنْ يَأكُلوا ممَّا وجَدوا من الطَّعامِ ويَعلِفوا دَوابَّهم من أَعلافِهم، منهم سَعيدُ بنُ المُسيِّبِ وعَطاءٌ والحَسنُ والشَّعبيُّ والقاسِمُ وسالِمٌ والثَّوريُّ والأَوزاعيُّ ومالِكٌ والشافِعيُّ وأصحابُ الرأيِ،

стр. 12276

وقالَ الزُّهريُّ لا يُؤخَذُ إلا بإذنِ الإمامِ، وقالَ سُلَيمانُ بنُ موسى: لا يُترَكُ إلا أنْ يَنهَى عنه الإمامُ فيُتَّقى نَهيُه (١). قالَ الإمامُ مُحمدُ بنُ أصبَغَ الأزديُّ القُرطبيُّ ﵀: وإنَّما يَكونُ أَخذُ الناسِ لما أخَذوا من ذلك على الوَجهِ المَعروفِ؛ فإنْ كانَ انتِهابًا فهو حَرامٌ، وقد كفَأَ النَّبيُّ ﷺ قُدورَ ناسٍ كانُوا معه في سَفرٍ فأَصابوا غُنمًا، وقد اشتَدَّت حاجَتُهم وجَهدُهم، فانتَهبوها، ثم جعَلَ يُرمِّلُ اللَّحمَ بالتُّرابِ، ثم قالَ: «إنَّ النُّهبةَ ليسَت بأحَلَّ من المَيْتةِ أو إنَّ المَيْتةَ ليسَت بأحَلَّ من النُّهْبةِ» ذكره أبو داودَ (٢). وخرَّجَ التِّرمذيُّ (٣) عن أنَسٍ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنِ انتَهبَ فليسَ مِنَّا». قالَ فيه: حَسنٌ صَحيحٌ. وتَفصيلُ ذلك فيما يَلي: قالَ الحَنفيةُ: لا بأسَ أنْ يَعلِفَ العَسكَرُ في دارِ الحَربِ ويَأكُلوا ممَّا وَجَدوه من الطعامِ كالخُبزِ واللَّحمِ والسَّمنِ والعَسلِ والزَّيتِ ويَستَعمِلوا ويدَّهِنوا بالدُّهنِ. وإنْ دخَلَ التُّجارُ مع العَسكَرِ لا يُريدون القِتالَ لم يَجزْ لهم أنْ يأكُلوا منه شَيئًا ولا يَعلِفوا دَوابَّهم إلا بالثَّمنِ؛ لأنَّ التاجِرَ لا حقَّ له في الغَنيمةِ؛ فإنْ

стр. 12277

أكَلَ شَيئًا منه أو علَف فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ حقَّ المُسلِمينَ لم يُستقَرَّ فيه، وأمَّا العَسكَرُ فلهم أنْ يُطعِموا عَبيدَهم ونِساءَهم وصِبيانَهم؛ لأنَّ نَفَقةَ هؤلاء واجِبةٌ عليهم، فكانُوا مِثلَهم، وأمَّا الأجيرُ للخِدمةِ فلا يأكُلُ؛ لأنَّ نَفَقتَه لا تَجِبُ عليه، وإنَّما يَستحِقُّ الأُجرةَ وإنْ دخَلَ النِّساءُ لمُداواةِ الجَرحى والمَرضى أكَلْن وعَلَفْن وأطعَمْن رَقيقَهُنَّ؛ لأنَّ لهن حَقًّا في الغَنيمةِ، ألَا تَرى أنَّه يَرضَخُ لهُنَّ فصِرْن كالرِّجالِ ولو أنَّ العَسكرَ ذَبَحوا البَقرَ والغَنمَ والإبِلَ فأكَلوا اللَّحمَ رَدُّوا الجُلودَ إلى المَغنَمِ؛ لأنَّهم لا يَحتاجونَ إليه في الأكلِ والعَلفِ فهي كالثِّيابِ. ويُقاتِلون بما يَجِدونه من السِّلاحِ، كلُّ ذلك بغيرِ قِسمةٍ إذا احتاجَ إليه بأنِ انقطَعَ سَيفُه أو انكَسَر رُمحُه أو لم يَكنْ له سِلاحٌ، وكذا إذا دَعَتْه حاجةٌ إلى رُكوبِ فَرسٍ من المَغنَمِ ليُقاتِلَ عليه فلا بأسَ بذلك، فإذا زالت الحاجةُ رَدَّه في الغَنيمةِ ولا يَنبَغي أنْ يَستعمِلَ من الدَّوابِّ والثِّيابِ والسِّلاحِ شَيئًا ليَقيَ به دابَّتَه وثيابَه وسِلاحَه؛ لأنَّ هذا انتِفاعٌ من غيرِ حاجةٍ، لكنْ ليَصونَ ثيابَه وفَرسَه وسِلاحَه؛ فإنْ فعَلَ ذلك فلا ضَمانَ عليه إذا هلَكَ منه شَيءٌ؛ لأنَّ الحَقَّ فيه لم يَستقِرَّ للغانِمينَ. ولا يَجوزُ أنْ يَبيعوا شَيئًا من ذلك ولا يَتمَوَّلوه، يَعني لكَيْ يَتمَوَّلوه حتى لو باع شَيئًا بطَعامٍ جاز بشَرطِ أنْ يَأكلَه ولا يَبيعَه بالذهَبَ والفِضةِ والعُروضِ.

стр. 12278

وسُئلَ النَّبيُّ ﷺ هل أحدٌ أحقُّ بشَيءٍ من المَغنَمِ؟ قالَ: «لا، حتى السَّهمُ يَأخذُه أحدُكم من جَنبِه فليسَ هو أحَقَّ به من أخيه» (١)، وأخَذَ النَّبيُّ ﷺ وَبَرةً من سِنامِ بَعيرٍ فقالَ: «إنَّ هذه من غَنائمِكم، وإنَّه ليسَ لي فيها إلَّا نَصيبِي معكم إلَّا الخُمُسَ، والخُمُسُ مَردودٌ عليكم فأدُّوا الخَيطَ والمَخيطَ وأكبَرَ من ذلك وأصغَرَ، لا تَغُلُّوا؛ فإنَّ الغُلولَ نارٌ وعارٌ على أصحابِه في الدُّنيا والآخِرةِ» (٢). وإذا خرَجَ المُسلِمونَ من دارِ الحَربِ لم يَجزْ أنْ يَعلِفوا من الغَنيمةِ ولا أنْ يَأكُلوا منها شَيئًا؛ لأنَّ الضَّرورةَ والحاجةَ إلى ذلك قد ارتفَعَت؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّهم يَجِدونَ في دارِ الإسلامِ الطَّعامَ والعَلَفَ فلا يُباحُ لهم التَّناوُلُ من الغَنيمةِ. ومَن فضَلَ معه علَفٌ أو طَعامٌ رَدَّه إلى الغَنيمةِ؛ لأنَّ الضَّرورةَ قد ارتفَعَت؛ فإنِ انتَفَعوا بشَيءٍ من أكلٍ أو عَلفٍ فيَنبَغي لمَن كانَ غَنيًّا أنْ يَتصدَّقَ بقيمَتِه إنْ كانَ بعدَ القِسمةِ أو رَدَّ قيمَتَه في المَغنَمِ إنْ كانَ قبلَ القِسمةِ، وإنْ كانَ فَقيرًا رَدَّه قبلَ القِسمةِ ولم يَلزمْه بعدَ القِسمةِ شَيءٌ وإنَّما يَردُّه الغَنيُّ إذا كانَ قبلَ القِسمةِ؛ لأنَّه يُمكِنُ رَدُّه إلى الغَنيمةِ، وأمَّا بعدَ القِسمةِ فقد يُعذَرَ إيصالُه إلى مُستحِقِّه لتَفرُّقِ الغانِمينَ فيُتصدَّقَ به، وأمَّا

стр. 12279

الفَقيرُ فيَرُدُّه قبلَ القِسمةِ؛ لأنَّه حقُّ الغيرِ، وأمَّا بعدَها فمُوجِبُه التَّصدُّقُ وهو مَحلٌّ للتَّصدُّقِ؛ لأنَّه فَقيرٌ (١). وقالَ المالِكيةُ: يَجوزُ للمُحتاجِ من الغانِمينَ ولو لم تَبلُغْ حاجَتُه حَدَّ الضَّرورةِ وسَواءٌ أذِنَ له الإمامُ أو لا، أنْ يَأخذَ من الغَنيمةِ قبلَ القِسمةِ -لا على وَجهِ الغُلولِ- نَعلًا يَنتعِلُ به، وحِزامًا يَشُدُّ به ظَهرَه، وطَعامًا يَأكلُه، ونَحوَه، كعلَفٍ لدابَّتِه وإبرةٍ ومِخياطٍ وخَيطٍ وقَصعةٍ ودَلوٍ، ونَعَمٍ يَذبَحُه ليَأكُلَه، أو يَحمِلَ عليه مَتاعًا، ويُرَدُّ جِلدُه للغَنيمةِ إنْ لم يَحتَجْ إليه. ومن الجائِزِ ثَوبٌ يَحتاجُ للُبسِه أو يَتغَطَّى به، وسِلاحٌ يُحارِبُ به إنِ احتاجَ ودابةٌ يَركَبُها أو يُقاتِلُ عليها، ويأخُذُ الثَّوبَ وما ذكَرْناه بعدَه إنِ احتاجَ وقصَد الرَّدَّ لها بعدَ قَضاءِ حاجَتِه، لا إنْ قصَد التَّملُّكَ فلا يَجوزُ. وكلُّ ما فضَلَ عن حاجَتِه من كلِّ ما أخَذَه -سَواءٌ اشتَرَط في أَخذِه الحاجةَ أو لا- يَجبُ رَدُّ ما زاد منه إنْ كثُرَ بأنْ ساوَى دِرهَمًا فأعلى، لا إنْ كانَ تافِهًا، فإنْ تَعذَرَ رَدُّه تَصدَّقَ به كلَّه عن الجَيشِ وُجوبًا بعدَ إِخراجِ خُمُسِه، ولا يَجوزُ تَملُّكُه وجازَ المُبادَلةُ فيه: أي فيما أخَذَه المُحتاجُ منهم قبلَ القَسمِ، وإنْ بطَعامٍ رِبَويٍّ فلِمَن أخَذَ لحمًا أو شَعيرًا أو قَمحًا أو نَحوَ ذلك لحاجَتِه فاستَغنى عنه، أو عن بَعضِه أنْ يُبدِّلَه ممَّن أخَذَ لحاجَةِ غيرِه لذلك الغيرِ، ولو بتَفاضُلٍ في رِبَويٍّ مُتَّحدِ الجِنسِ؛ لأنَّه ليسَ بمَملوكٍ

стр. 12280

حَقيقةً، وإنَّما أُخذَ للحاجةِ ويُرَدُّ ما فضَل، ولذا لا يَجوزُ مُبادَلةٌ بعدَ القَسمِ إلا إذا خَلا عن الرِّبا والمَوانِعِ الشَّرعيةِ (١). وقالَ الشافِعيةُ: وللغانِمينَ ممَّن يُسهَمُ لهم أو يُرضَخُ -ولو بغيرِ إذنِ الإمامِ- التَّبسُّطُ في الغَنيمةِ قبلَ اختيارِ التَّملُّكِ بأكلِ القُوتِ والأُدمِ والفاكِهةِ ونَحوِها ممَّا يُعتادُ أكلُه للآدَميِّ عُمومًا كالشَّحمِ واللَّحمِ، على سَبيلِ الإباحةِ لا التَّمليكِ، يَنتفِعُ به الآخِذُ ولا يَتصرَّفُ فيه. ولا يَجوزُ أخْذُ شَيءٍ من الأموالِ كسِلاحٍ ودابةٍ ولا الانتِفاعُ بها؛ فإنِ احتاجَ إلى المَلبوسِ لبَردٍ أو حَرٍّ ألبَسَه الإمامُ له إمَّا بالأُجرةِ مُدةَ الحاجةِ ثم يَرُدُّه إلى المَغنَمِ أو يَحبِسُه عليه من سَهمِه. فإنِ احتاجَ شَخصٌ منهم إلى القِتالِ بالسِّلاحِ جازَ للضَّرورةِ ولا أُجرةَ عليه، ويَرُدُّه إلى المَغنَمِ بعدَ زَوالِها؛ فإنْ لم يَكنْ ضَرورةً لم يَجزْ له استِعمالُه ولو اضطُرَّ إلى المَركوبِ في القِتالِ فله رُكوبُه بلا أجْرٍ. ولهم عَلفُ الدَّوابِّ التي لا يُستغنَى عنها في الحَربِ كفَرسِه ودابةٍ تَحمِلُ سِلاحَه تِبْنًا وشَعيرًا ونَحوَهما كفُولٍ؛ لأنَّ الحاجةَ تَمسُّ إليه كمُؤنةِ نَفسِه. أمَّا ما يَستصحِبُه من الدَّوابِّ الزِّينةِ أو الفُرجةِ كفُهودٍ ونُمورٍ فليسَ له علَفُها من مالِ الغَنيمةِ قَطعًا.

стр. 12281

والأصَحُّ المَنصوصُ أنَّه لا يَجوزُ التَّبسُّطُ المَذكورُ لمَن لحِقَ الجَيشَ بعدَ انقِضاءِ الحَربِ، وبعدَ الحِيازةِ؛ لأنَّه أجنَبيٌّ عنهم كغيرِ الضَّيفِ مع الضَّيفِ، والثانِي يَجوزُ لمَظِنةِ الحاجةِ وعِزةِ الطَّعامِ هناك. والصَّحيحُ أنَّ مَنْ رجَعَ إلى دارِ الإسلامِ ومعه بَقيةٌ ممَّا تَبسَّطَ به لزِمَه رَدُّها إلى المَغنَمِ لزَوالِ الحاجةِ، والثانِي: لا يَلزمُه؛ لأنَّ المَأخوذَ مُباحٌ. ومَحلُّ الرَّدِّ إلى المَغنَمِ ما لمْ تُقسَّمِ الغَنيمةُ؛ فإنْ قُسِّمت رُدَّ إلى الإمامِ، ثم إنْ كثُرَ قُسِّم، وإلا جُعِل في سَهمِ المَصالحِ. ولو كانَ القِتالُ في دارِنا في مَوضعٍ يَعِزُّ الطَّعامُ فيه ولا يَجِدونَه بشِراءٍ جازَ لهم التَّبسُّطُ أيضًا بحسَبِ الحاجةِ كما قالَه القاضي، ولا يَجوزُ لهم التَّصرُّفُ بالبَيعِ ونَحوِه فيما تَزوَّدوه من المَغنَمِ لما مَرَّ أنَّهم لا يَملِكونَهم (١). وقالَ الحَنابِلةُ: إذا وجَدَ المُسلِمونَ بدارِ الحَربِ طَعامًا أو عَلفًا فلهم الأكلُ منه وعَلفُ دَوابِّهم مع الحاجةِ وعَدمِها من غيرِ إذنِ الإمامِ لما رَوى أبو داودَ عن مُحمدِ بنِ أبي مُجالِدٍ عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي أوْفَى قالَ: قُلتُ: هل كُنتم تُخمِّسون -يَعني الطَّعامَ- في عَهدِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ فقالَ: «أصَبنا طَعامًا يَومَ خَيبَرَ فكانَ الرَّجلُ يَجيءُ فيَأخذُ منه مِقدارَ ما يكفِيهِ ثم يَنصرِفُ» (٢) ورُوي (أنَّ صاحبَ جَيشِ الشامِ كتَبَ إلى عُمرَ: إنَّا فتَحَنا أرضًا

стр. 12282

كَثيرةَ الطَّعامِ والعَلفِ وكَرِهنا أنْ نُقدِمَ في شَيءٍ من ذلك، فكتَبَ إليه: دَعِ الناسَ يَعلِفونَ ويَأكُلونَ فمَن باعَ منه شَيئًا بذَهبٍ أو فِضةٍ ففيه خُمسُ اللهِ وسِهامُ المُسلِمينَ (١)، ولأنَّ الحاجةَ تَدعو إليه، ففي المَنعِ ضَرَرٌ بالجَيشِ؛ لأنَّه يَشُقُّ عليهم حَملُ الزادِ والعَلفِ ولِآخِذِه أنْ يُعطيَه لمَن يَحتاجُ إليه، فيَكونَ أحَقَّ به وليسَ له بَيعُه؛ لأنَّ الحاجةَ تَدعو إلى الأكلِ دونَ البَيعِ؛ فإنْ باعَه لبَعضِ الغانِمينَ صارَ الآخِذُ أحَقَّ به؛ لأنَّه صارَ في يَدِه وهو مِنْ الغانِمينَ الذين لهم الأكلُ منه، وله أخْذُ ما دفَعَ من ثَمَنِه؛ لأنَّه دفَعَه إلى مَنْ لا يَستحِقُّ؛ فإنْ رَدَّ الطَّعامَ إلى البائِعِ صار البائِعُ أحَقَّ به؛ لأنَّه صارَ إليه، وإنْ باعَه لغيرِ الغانِمينَ فالبَيعُ باطلٌ ويُرَدُّ المَبيعُ إلى الغَنيمةِ؛ لأنَّه لا يَملِكُ بَيعَه، وإنْ تَعذَرَ رَدُّه رَدَّ ثَمَنَه لخبَرِ عُمرَ، ولأنَّه تَعذَرَ رَدُّ المَبيعِ فوجَبَ رَدُّ قيمتِه كالمَغصوبِ، وإنْ وجَدَ دُهنًا مأكولًا فله أَكلُه؛ لأنَّه من الطَّعامِ، وليسَ له إطعامُ الجَوارِحِ كالفَهدِ والكَلبِ والصَّقرِ؛ لأنَّه لا حاجةَ إليه وما يَحتاجُ إليه من المَشروباتِ للدَّواءِ أُبيحَ له تَناوُلُه؛ لأنَّه طَعامٌ احتاج إليه فأشبَهَ الفاكِهةَ. وإنْ أُحرزَت الغَنيمةُ فلا يُؤكَلُ منها إلا أنْ تَدعوَ الضَّرورةُ بألَّا يَجِدوا ما يَأكُلونَ؛ لأنَّ المُسلِمينَ مَلَكوها بحِيازَتِها فلم يَجزِ الأكلُ منها كما لو حِيزت إلى بَلدِ الإسلامِ (٢).

стр. 12283

قالَ الإمامُ الأزديُّ القُرطبيُّ ﵀: وأمَّا الضَّربُ الثانِي: وهو ما أُلقي في أرضِ الكُفارِ على حُكمِ الأصلِ قبلَ أنْ يَحوزوه، أو يَضَعوا عليه يَدَ التَّملُّكِ؛ فهذا الضَّربُ مَنْ رآه لواجِدِه، وأنَّه ليسَ على حُكمِ الغَنائمِ؛ لأنَّه لم يَكنْ مِلكًا للكُفارِ قبلُ، فهو ظاهِرٌ، ولا يَحتاجُ إلى تَفصيلٍ، ونَحوُ ذلك هو المَرويُّ عن الشافِعيِّ (١). وأمَّا بعضُ المالِكيةِ فقَسَّموا ذلك على نَوعَينِ: منه ما يَكونُ له في جِنسِه بالٌ: كالجَوهَرِ، والياقوتِ، والعَنبَرِ. قالَ أبو الوَليدِ الباجيُّ: فهذا قياسُه على مَذهبِ أصحابِنا أنَّه فَيءٌ كلُّه كالنِّساءِ والصِّبيانِ (٢). يَعني بالفَيءِ: الغَنيمةَ، وأنَّه يُقسَّمُ على حُكمِ الغَنائمِ بعدَ التَّخميسِ، ولا يَكونُ لواجِدِه فيه حقٌّ يَختصُّ به إلا ما أوجَبَه القَسْمُ. والنَّوعُ الثانِي: ما لا خطَرَ له في جِنسِه، كطُيورِ الصَّيدِ: البازيِّ، والصَّقرِ، ونَحوِ ذلك، وكذلك الخَشَبُ تُنحَتُ منه السِّهامُ، والقَتبُ، والسُّرجُ، وكالحَجرِ من الرُّخامةِ، والمِسنِّ، وشِبهِ ذلك؛ فالذي عليه أكثَرُ المالِكيةِ: أنَّ ما كانَ له من ذلك قيمةٌ بأرضِ العَدوِّ لخِفةِ حَملِه والاغتِباطِ به فهو في المَغانمِ، ويُحكى نَحوُ ذلك عن مالِكٍ، وما لا كَبيرَ قيمةٍ له فلم يَرَ به بأسًا.

стр. 12284

رُوي عن مالِكٍ في أخذِ العَصا والدَّواءِ من الشَّجرِ، قالَ: لا أَرى بأسًا، وفي الرُّخامِ والمِسنِّ شَكٌّ، قالَ: لأنَّه لم يَنلْ ذلك المَوضعَ إلا بجَماعةِ الجَيشِ فلا أُحِبُّه، وسهَّل في السَّرجِ يَصنعُه من ذلك والنَّشابِ، وقالَ في صَيدِ الطَّيرِ من أرضِ العَدوِّ: إذا باعَه أدَّى ثَمنَه إلى صاحِبِ المَقاسمِ، وأباحَ القاسِمُ وسالِمٌ في صَيدِ الطَّيرِ والحِيتانِ أنْ يَبيعَه ويَأكلَ ثَمنَه. وقالَ أحمدُ بنُ حَنبَلٍ: ما أصابَ ببِلادِ الرُّومِ ممَّا ليسَ له هناك قيمةٌ فلا بأسَ بأخْذِه. قالَ الشافِعيُّ: ما كانَ مُباحًا ليسَ مِلكُه لآدَميٍّ، أو كانَ صَيدًا من بَرٍّ أو بَحرٍ فأخذُه مُباحٌ، يَدخلُ في ذلك القَوسُ يَقطعُها الرَّجلُ من الصَّحراءِ أو الجَبلِ، والقَدَحُ يَنحِتُه، وما شاء من الخَشبِ، وما شاء من الحِجارةِ للبِرامِ وغيرِها، فكلُّ ما أُصيبَ من هذا فهو لمَن أخَذَه (١). وقالَ أصحابُ الرأيِ: كلُّ شَيءٍ أصابَه المُسلِمونَ في دارِ الحَربِ له ثَمنٌ ممَّا في عَسكَرِ أهلِ الحَربِ، أو ممَّا في الصَّحارِي والغِيطانِ والغِياضِ فهو في الغَنيمةِ، لا يَحِلُّ لرَجلٍ كَتمُه من قِبَلِ أنَّه لم يَقدِرْ على أخذِه إلا بالجُندِ، ولا على مَبلَغِه حيثُ بلَغَ إلا بجَماعةِ أصحابِه (٢).

стр. 12285

حُكمُ أموالِ المُسلِمينَ إذا استرَدُّوها من الحَربيِّين: إذا استَولى الحَربيُّونَ على أموالٍ للمُسلِمينَ وحازُوها في بِلادِهم ثم استرَدَّها المُسلِمونَ، فهل تُعتبَرُ هذه الأموالُ غَنيمةً أو لا؟ وإذا وُجدَ منها شَيءٌ بعَينِه عُرِف صاحِبُه، فهل يأخُذُه قبلَ القِسمةِ وبعدَها عَينًا بدونِ بَدلٍ أو يَدفَعُ قِيمتَه؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ إلى أنَّ هذه الأموالَ تُعتبَرُ غَنيمةً. واتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه إذا وُجدَ منها شَيءٌ بعَينِه عُرِف صاحِبُه يأخُذُه عَينًا بدونِ بَدلٍ إذا كانَ ذلك قبلَ قِسمةِ الغَنيمةِ. وإنْ علِمَ الإمامُ بمالِ المُسلِمِ قبلَ قَسمِه فقسَمَه وجَبَ رَدُّه وكانَ صاحِبُه أحَقَّ به بغيرِ شَيءٍ؛ لأنَّ قِسمَتَه كانَت باطِلةً من أصلِها (١)، وذلك لما رَواه البُخاريُّ في صَحيحِه: بابُ إذا غنِمَ المُشرِكونَ مالَ المُسلمِ ثمَّ وجَدَه المُسلِمُ. عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمرَ ﵄ قالَ: «ذهَبَ فَرسٌ له فأخذَه العَدوُّ فظهَرَ عليه المُسلِمونَ فرُدَّ عليه في زَمنِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ وأبَقَ عَبدٌ له فلَحِق بالرُّومِ فظهَرَ عليهم المُسلِمونَ فرَدَّه عليه خَالِدُ بنُ الوَليدِ بعدَ النَّبيِّ ﷺ » (٢). ولِما رَواه سَعيدٌ في «سُنَنِه» عن رَجاءِ بنِ حَيَوةَ أنَّ أبا عُبَيدةَ بنَ الجَراحِ

стр. 12286

كتَبَ إلى عُمرَ بنِ الخَطابِ فيما أحرَزَ المُشرِكونَ ثم ظهَرَ المُسلِمونَ عليهم بعدُ، قالَ: «ومَن وجَدَ مالَه بعَينِه فهو أحقُّ به ما لم يُقسَمْ» (١). أمَّا من وجَدَ مَتاعَه بعَينِه بعدَ القِسمةِ فقد اختَلفَ أهلُ العِلمِ فيه: فقالَ الحَنفيةُ: لا خِلافَ في أنَّ الكُفارَ إذا دخَلوا دارَ الإسلامِ واستَولَوْا على أموالِ المُسلِمينَ، ولم يُحرِزوها بدارِهم، لا يَملِكونَها حتى لو ظهَرَ عليهم المُسلِمونَ، وأخَذوا ما في أيديهم، لا يَصيرُ مِلكًا لهم، وعليهم رَدُّها إلى أربابِها بغيرِ شَيءٍ، وكذا لو قسَموها في دارِ الإسلامِ ثم ظهَرَ عليهم المُسلِمونَ، فأخَذوها من أيديهم، أخَذَها أصحابُها بغيرِ شَيءٍ؛ لأنَّ قِسمَتَهم لم تَجزْ لعَدمِ المِلكِ، فكانَ وُجودُها والعَدمُ بمَنزِلةٍ واحِدةٍ. ولا خِلافَ في أنَّهم أيضًا إذا استَولَوْا على رِقابِ المُسلِمينَ، أنَّهم لا يَملِكونَهم، وإنْ أحرَزوهُم بالدارِ. وأمَّا إذا دخَلوا دارَ الإسلامِ فاستَولَوا على أموالِ المُسلِمينَ، وأحرَزوهَا بدارِ الحَربِ؛ فإنَّهم يَملِكونَها؛ لأنَّهم استَولَوا على مالٍ مُباحٍ غيرِ مَملوكٍ، ومَنِ استَولى على مالٍ مُباحٍ غيرِ مَملوكٍ يَملِكُه، كمَنِ استَولى على الحَطبِ والحَشيشِ والصَّيدِ، ودِلالةُ أنَّ هذا الاستِيلاءَ على مالٍ مُباحٍ غيرِ مَملوكٍ أنَّ مِلكَ المالِكِ يَزولُ بعدَ الإحرازِ بدارِ الحَربِ، فتَزولُ العِصمةُ ضَرورةً بزَوالِ المِلكِ، والدَّليلُ على زَوالِ المِلكِ أنَّ المِلكَ هو الاختِصاصُ بالمَحلِّ في

стр. 12287

حَقِّ التَّصرُّفِ، أو شُرعَ للتَّمكُّنِ من التَّصرُّفِ في المحَلِّ، وقد زالَ ذلك بالإحرازِ بالدارِ؛ لأنَّ المالِكَ لا يُمكِنُه الانتِفاعُ به إلا بعدَ الدُّخولِ، ولا يُمكِنُه الدُّخوُل بنَفسِه لما فيه مِنْ مُخاطرةِ الرُّوحِ، وإلقاءِ النَّفسِ في التَّهلُكةِ، وغيرُه قد لا يُوافِقُه ولو وافَقه فقد لا يَظفَرُ به، ولو ظفِرَ به فقَلَّما يُمكِنُهم الاستِردادُ؛ لأنَّ الدارَ دارُهم، ولأنَّ أهلَ الدارِ يَذبُّونَ عن دارِهم، فإذا زالَ مَعنى المِلكِ أو ما شُرعَ له المِلكُ يَزولُ المِلكُ ضَرورةً. وإذا ثبَتَ أنَّ مِلكَ المُسلِمِ يَزولُ عن مالِه باستِيلاءِ الكُفارِ عليه، إلا أنَّه يَثبُتُ على وَجهٍ له حقُّ الإعادةِ، إمَّا بعِوضٍ، أو بغيرِ عِوضٍ، حتى لو ظهَرَ عليهم المُسلِمونَ فأخَذوها وأحرَزوها بدارِ الإسلامِ؛ فإنْ وجَده المالِكُ القَديمُ قبلَ القِسمةِ أخَذَه بغيرِ شَيءٍ، سَواءٌ كانَ من ذَواتِ القيَمِ أو من ذَواتِ الأمثالِ، وإنْ وجَدَه بعدَ القِسمةِ؛ فإنْ كانَ من ذَواتِ الأمثالِ لا يأخُذُه؛ لأنَّه لو أخَذَه لأخَذَه بمِثلِه فلا يُفيدُ. وإنْ لم يَكنْ من ذَواتِ الأمثالِ يأخُذُه بقيمَتِه إنْ شاءَ؛ لأنَّ الأخذَ بالقيمةِ مُراعاةُ الجانبَينِ: جانِبِ المِلكِ القَديمِ بإيصالِه إلى قَديمِ مِلكِه الخاصِّ المَأخوذِ منه بغيرِ عِوَضٍ، وجانِبِ الغانِمينَ بصيانةِ مِلكِهم الخاصِّ عن الزَّوالِ من غيرِ عِوَضٍ، فكانَ الأخذُ بالقيمةِ نَظَرًا للجانِبَيْن ومُراعاةً للحَقَّيْن، بخِلافِ ما إذا وجَده قبلَ القِسمةِ، فإنَّه يأخُذُه بغيرِ شَيءٍ؛ لأنَّ الثابِتَ للغانِمينَ قبلَ القِسمةِ بعدَ الإحرازِ ليسَ إلا الحَقَّ المُتأكَّدَ، أو المِلكَ العامَّ.

стр. 12288

فكانَت الإعادةُ إلى قَديمِ المِلكِ رِعايةً للمِلكِ الخاصِّ أوْلى، وقد رُوي أنَّ بَعيرًا لرَجلٍ من المُسلِمينَ استَولى عليه أهلُ الحَربِ، ثم ظهَرَ عليهم المُسلِمونَ فوجَدَه صاحِبُه في المَغنَمِ، فسألَ رَسولَ اللهِ ﷺ عنه فقالَ: «إنْ وجَدتَه قبلَ القِسمةِ فهو لك بغيرِ شَيءٍ، وإنْ وجَدتَه بعدَ القِسمةِ فهو لكَ بالقيمةِ» (١). وكذلك لو كانَ الحَربيُّ باعَ المأخوذَ من المُسلِمينَ، ثم ظهَرَ عليه المُسلِمونَ؛ فإنَّ المالِكَ القَديمَ يأخُذُه قبلَ القِسمةِ بغيرِ شَيءٍ، وبعدَ القِسمةِ بالقيمةِ؛ لأنَّه باعَه مُستحِقُّ الإعادةِ إلى قَديمِ المِلكِ فبَقيَ كذلك. ولو وهَبَ الحَربيُّ ما ملَكَه بالاستِيلاءِ لرَجلٍ من المُسلِمينَ، أخَذَه المالِكُ القَديمُ بالقيمةِ إنْ شاء؛ لأنَّ فيه نَظرًا للجانبَينِ. وكذلك لو باعَه من مُسلمٍ بعِوضٍ فاسِدٍ، ولو لم يَكنِ العِوضُ فاسِدًا أخَذَه بالثَّمنِ الذي اشتَراه به إنْ شاءَ، إنْ كانَ اشتَراه بخِلافِ جِنسِه؛ لأنَّ الأَخذَ عندَ اختِلافِ الجِنسِ مُفيدٌ، وكذلك لو كانَ اشتَراه بجِنسِه لكنْ بأقَلَّ منه؛ فإنَّه يَأخذُه بمِثلِ ما اشتَراه، ولا يَكونُ هذا رِبًا؛ لأنَّ الرِّبا فَضلُ مالٍ قُصدَ استِحقاقُه بالبَيعِ من غيرِ عِوضٍ يُقابِلُه والمالِكُ القَديمُ لا يَأخذُه بطَريقِ

стр. 12289

البَيعِ، بل بطَريقِ الإعادةِ إلى قَديمِ مِلكِه، فلا يَتحقَّقُ الرِّبا، وإنْ كانَ اشتَراه بجِنسِه بمِثلِه قَدْرًا لا يَأخذُه؛ لأنَّه لا يُفيدُ. ولو اشتَراه رَجلٌ من العَدوِّ ثم باعَه من رَجلٍ آخَرَ، ثم حضَرَ المالِكُ القَديمُ أخَذَه من الثانِي بالثَّمنِ الثانِي، وليسَ له أنْ يَنقُضَ البَيعَ الثانِي، ويَأخذَ بالثَّمنِ الأولِ من المُشتَري الأولِ (١). أمَّا المالِكيةُ فقالُوا: إنَّ المُسلِمَ والذِّميَّ إذا وجَدَ أحدُهما من مَتاعِه في الغَنيمةِ شَيئًا قبلَ قَسمِها وشَهِدت له البَيِّنةُ بذلك؛ فإنَّه يَأخذُه بغيرِ عِوضٍ لكنْ بعدَ أنْ يَحلِفَ اليَمينَ الشَّرعيةَ أنَّه ما باعَ ولا وهَبَ ولا خرَجَ عن مِلكِه بناقِلٍ شَرعيٍّ وأنَّه باقٍ على مِلكِه إلى الآنَ فيَستحِقُّ قَبضَه وأخذَه بالطَّريقِ الشَّرعيِّ كالاستِحقاقِ لا بدَّ من ثُبوتِ مِلكِه مع يَمينِه وتُسمَّى هذه اليَمينُ يَمينَ الاستِظهارِ، وهي مُكمِّلةٌ للحُكمِ، ولا فَرقَ في ذلك بينَ المُسلِمِ والذِّميِّ للعِصمةِ، وهذا كلُّه إذا كانَ صاحِبُه حاضِرًا في الغَنيمةِ. وإنْ عُرفَ شَيءٌ لشَخصٍ غائِبٍ حُملَ له إنْ كانَ الحَملُ خَيرًا له، وإلا بِيعَ له وأنفَذَ الإمامُ بَيعَه وليسَ لرَبِّه غيرُ ثَمنِه. وإذا قسَّمَ الإمامُ ما تَعيَّنَ مالِكُه على المُجاهِدينَ لم يَمضِ قَسمُه جَهلًا أو عَمدًا ولرَبِّه أَخذُه بلا ثَمَنٍ إلا أنْ يَكونَ قَسمَ ذلك المَتاعَ مُتأوِّلًا

стр. 12290

بأنْ يَأخذَ بقَولِ بعضِ العُلماءِ إنَّ الكافِرَ يَملِكُ مالَ المُسلِمِ فيَمضيَ على صاحِبِه وليسَ له أَخذُه إلا بالثَّمنِ؛ لأنَّه حكَمَ بما اختَلفَ فيه الناسُ فلا يَنتقِضُ بخِلافِ الجاهِلِ؛ لأنَّه لا يُعتَدُّ بمُوافَقةِ الجَهلِ للمَذاهبِ. وإنْ وُجدَ في الغَنيمةِ مالُ مُسلمٍ أو ذِميٍّ ولكنْ لم يُعرفْ عَينُ صاحِبِه ولا ناحيَتُه؛ فإنَّه لا يُوقَفَ ويُقسَمُ بينَ المُجاهِدينَ لتَعلُّقِ حَقِّهم، وهذا هو المَشهورُ. وهذا بخِلافِ اللُّقطةِ فإذا وُجِدت عندَهم لُقطةٌ مَكتوبٌ عليها ذلك أو وجَدها أحَدٌ من جَماعةِ الجَيشِ في دارِ الحَربِ؛ فإنَّها لا تُقسَمُ، بل تُوقَفَ بلا خِلافٍ، ومِثلُ اللُّقطةِ الحَبسُ الثابِتُ تَحبيسُه وإلا فقَولانِ (١). وأمَّا الشافِعيةُ فقالُوا: إذا أحرَزَ المُشرِكونَ أموالَ المُسلِمينَ بغارةٍ، أو سَرِقةٍ لم يَملِكوه؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [لقمان: ٢٧]. فامتَنَّ علينا بأنْ جعَلَ أموالَهم لنا، ولو جعَلَ أموالَنا لهم لَساوَيْناهم وبطَلَ فيه الامتِنانُ. ولأنَّهم استَولَوْا على مالٍ مَعصومٍ، والاستِيلاءُ على مالٍ مَعصومٍ لا يُفيدُ المِلكَ، كاستِيلاءِ المُسلِمِ على مالِ المُسلِمينَ واستِيلائِهم على الرِّقابِ، وإنَّما قُلنا ذلك؛ لأنَّ عِصمةَ مالِ المُسلِمِ ثابِتةٌ في حَقِّهم؛ لأنَّهم
следующие страницы →