← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 12286–12325 · переход к 12291.

стр. 12286

كتَبَ إلى عُمرَ بنِ الخَطابِ فيما أحرَزَ المُشرِكونَ ثم ظهَرَ المُسلِمونَ عليهم بعدُ، قالَ: «ومَن وجَدَ مالَه بعَينِه فهو أحقُّ به ما لم يُقسَمْ» (١). أمَّا من وجَدَ مَتاعَه بعَينِه بعدَ القِسمةِ فقد اختَلفَ أهلُ العِلمِ فيه: فقالَ الحَنفيةُ: لا خِلافَ في أنَّ الكُفارَ إذا دخَلوا دارَ الإسلامِ واستَولَوْا على أموالِ المُسلِمينَ، ولم يُحرِزوها بدارِهم، لا يَملِكونَها حتى لو ظهَرَ عليهم المُسلِمونَ، وأخَذوا ما في أيديهم، لا يَصيرُ مِلكًا لهم، وعليهم رَدُّها إلى أربابِها بغيرِ شَيءٍ، وكذا لو قسَموها في دارِ الإسلامِ ثم ظهَرَ عليهم المُسلِمونَ، فأخَذوها من أيديهم، أخَذَها أصحابُها بغيرِ شَيءٍ؛ لأنَّ قِسمَتَهم لم تَجزْ لعَدمِ المِلكِ، فكانَ وُجودُها والعَدمُ بمَنزِلةٍ واحِدةٍ. ولا خِلافَ في أنَّهم أيضًا إذا استَولَوْا على رِقابِ المُسلِمينَ، أنَّهم لا يَملِكونَهم، وإنْ أحرَزوهُم بالدارِ. وأمَّا إذا دخَلوا دارَ الإسلامِ فاستَولَوا على أموالِ المُسلِمينَ، وأحرَزوهَا بدارِ الحَربِ؛ فإنَّهم يَملِكونَها؛ لأنَّهم استَولَوا على مالٍ مُباحٍ غيرِ مَملوكٍ، ومَنِ استَولى على مالٍ مُباحٍ غيرِ مَملوكٍ يَملِكُه، كمَنِ استَولى على الحَطبِ والحَشيشِ والصَّيدِ، ودِلالةُ أنَّ هذا الاستِيلاءَ على مالٍ مُباحٍ غيرِ مَملوكٍ أنَّ مِلكَ المالِكِ يَزولُ بعدَ الإحرازِ بدارِ الحَربِ، فتَزولُ العِصمةُ ضَرورةً بزَوالِ المِلكِ، والدَّليلُ على زَوالِ المِلكِ أنَّ المِلكَ هو الاختِصاصُ بالمَحلِّ في

стр. 12287

حَقِّ التَّصرُّفِ، أو شُرعَ للتَّمكُّنِ من التَّصرُّفِ في المحَلِّ، وقد زالَ ذلك بالإحرازِ بالدارِ؛ لأنَّ المالِكَ لا يُمكِنُه الانتِفاعُ به إلا بعدَ الدُّخولِ، ولا يُمكِنُه الدُّخوُل بنَفسِه لما فيه مِنْ مُخاطرةِ الرُّوحِ، وإلقاءِ النَّفسِ في التَّهلُكةِ، وغيرُه قد لا يُوافِقُه ولو وافَقه فقد لا يَظفَرُ به، ولو ظفِرَ به فقَلَّما يُمكِنُهم الاستِردادُ؛ لأنَّ الدارَ دارُهم، ولأنَّ أهلَ الدارِ يَذبُّونَ عن دارِهم، فإذا زالَ مَعنى المِلكِ أو ما شُرعَ له المِلكُ يَزولُ المِلكُ ضَرورةً. وإذا ثبَتَ أنَّ مِلكَ المُسلِمِ يَزولُ عن مالِه باستِيلاءِ الكُفارِ عليه، إلا أنَّه يَثبُتُ على وَجهٍ له حقُّ الإعادةِ، إمَّا بعِوضٍ، أو بغيرِ عِوضٍ، حتى لو ظهَرَ عليهم المُسلِمونَ فأخَذوها وأحرَزوها بدارِ الإسلامِ؛ فإنْ وجَده المالِكُ القَديمُ قبلَ القِسمةِ أخَذَه بغيرِ شَيءٍ، سَواءٌ كانَ من ذَواتِ القيَمِ أو من ذَواتِ الأمثالِ، وإنْ وجَدَه بعدَ القِسمةِ؛ فإنْ كانَ من ذَواتِ الأمثالِ لا يأخُذُه؛ لأنَّه لو أخَذَه لأخَذَه بمِثلِه فلا يُفيدُ. وإنْ لم يَكنْ من ذَواتِ الأمثالِ يأخُذُه بقيمَتِه إنْ شاءَ؛ لأنَّ الأخذَ بالقيمةِ مُراعاةُ الجانبَينِ: جانِبِ المِلكِ القَديمِ بإيصالِه إلى قَديمِ مِلكِه الخاصِّ المَأخوذِ منه بغيرِ عِوَضٍ، وجانِبِ الغانِمينَ بصيانةِ مِلكِهم الخاصِّ عن الزَّوالِ من غيرِ عِوَضٍ، فكانَ الأخذُ بالقيمةِ نَظَرًا للجانِبَيْن ومُراعاةً للحَقَّيْن، بخِلافِ ما إذا وجَده قبلَ القِسمةِ، فإنَّه يأخُذُه بغيرِ شَيءٍ؛ لأنَّ الثابِتَ للغانِمينَ قبلَ القِسمةِ بعدَ الإحرازِ ليسَ إلا الحَقَّ المُتأكَّدَ، أو المِلكَ العامَّ.

стр. 12288

فكانَت الإعادةُ إلى قَديمِ المِلكِ رِعايةً للمِلكِ الخاصِّ أوْلى، وقد رُوي أنَّ بَعيرًا لرَجلٍ من المُسلِمينَ استَولى عليه أهلُ الحَربِ، ثم ظهَرَ عليهم المُسلِمونَ فوجَدَه صاحِبُه في المَغنَمِ، فسألَ رَسولَ اللهِ ﷺ عنه فقالَ: «إنْ وجَدتَه قبلَ القِسمةِ فهو لك بغيرِ شَيءٍ، وإنْ وجَدتَه بعدَ القِسمةِ فهو لكَ بالقيمةِ» (١). وكذلك لو كانَ الحَربيُّ باعَ المأخوذَ من المُسلِمينَ، ثم ظهَرَ عليه المُسلِمونَ؛ فإنَّ المالِكَ القَديمَ يأخُذُه قبلَ القِسمةِ بغيرِ شَيءٍ، وبعدَ القِسمةِ بالقيمةِ؛ لأنَّه باعَه مُستحِقُّ الإعادةِ إلى قَديمِ المِلكِ فبَقيَ كذلك. ولو وهَبَ الحَربيُّ ما ملَكَه بالاستِيلاءِ لرَجلٍ من المُسلِمينَ، أخَذَه المالِكُ القَديمُ بالقيمةِ إنْ شاء؛ لأنَّ فيه نَظرًا للجانبَينِ. وكذلك لو باعَه من مُسلمٍ بعِوضٍ فاسِدٍ، ولو لم يَكنِ العِوضُ فاسِدًا أخَذَه بالثَّمنِ الذي اشتَراه به إنْ شاءَ، إنْ كانَ اشتَراه بخِلافِ جِنسِه؛ لأنَّ الأَخذَ عندَ اختِلافِ الجِنسِ مُفيدٌ، وكذلك لو كانَ اشتَراه بجِنسِه لكنْ بأقَلَّ منه؛ فإنَّه يَأخذُه بمِثلِ ما اشتَراه، ولا يَكونُ هذا رِبًا؛ لأنَّ الرِّبا فَضلُ مالٍ قُصدَ استِحقاقُه بالبَيعِ من غيرِ عِوضٍ يُقابِلُه والمالِكُ القَديمُ لا يَأخذُه بطَريقِ

стр. 12289

البَيعِ، بل بطَريقِ الإعادةِ إلى قَديمِ مِلكِه، فلا يَتحقَّقُ الرِّبا، وإنْ كانَ اشتَراه بجِنسِه بمِثلِه قَدْرًا لا يَأخذُه؛ لأنَّه لا يُفيدُ. ولو اشتَراه رَجلٌ من العَدوِّ ثم باعَه من رَجلٍ آخَرَ، ثم حضَرَ المالِكُ القَديمُ أخَذَه من الثانِي بالثَّمنِ الثانِي، وليسَ له أنْ يَنقُضَ البَيعَ الثانِي، ويَأخذَ بالثَّمنِ الأولِ من المُشتَري الأولِ (١). أمَّا المالِكيةُ فقالُوا: إنَّ المُسلِمَ والذِّميَّ إذا وجَدَ أحدُهما من مَتاعِه في الغَنيمةِ شَيئًا قبلَ قَسمِها وشَهِدت له البَيِّنةُ بذلك؛ فإنَّه يَأخذُه بغيرِ عِوضٍ لكنْ بعدَ أنْ يَحلِفَ اليَمينَ الشَّرعيةَ أنَّه ما باعَ ولا وهَبَ ولا خرَجَ عن مِلكِه بناقِلٍ شَرعيٍّ وأنَّه باقٍ على مِلكِه إلى الآنَ فيَستحِقُّ قَبضَه وأخذَه بالطَّريقِ الشَّرعيِّ كالاستِحقاقِ لا بدَّ من ثُبوتِ مِلكِه مع يَمينِه وتُسمَّى هذه اليَمينُ يَمينَ الاستِظهارِ، وهي مُكمِّلةٌ للحُكمِ، ولا فَرقَ في ذلك بينَ المُسلِمِ والذِّميِّ للعِصمةِ، وهذا كلُّه إذا كانَ صاحِبُه حاضِرًا في الغَنيمةِ. وإنْ عُرفَ شَيءٌ لشَخصٍ غائِبٍ حُملَ له إنْ كانَ الحَملُ خَيرًا له، وإلا بِيعَ له وأنفَذَ الإمامُ بَيعَه وليسَ لرَبِّه غيرُ ثَمنِه. وإذا قسَّمَ الإمامُ ما تَعيَّنَ مالِكُه على المُجاهِدينَ لم يَمضِ قَسمُه جَهلًا أو عَمدًا ولرَبِّه أَخذُه بلا ثَمَنٍ إلا أنْ يَكونَ قَسمَ ذلك المَتاعَ مُتأوِّلًا

стр. 12290

بأنْ يَأخذَ بقَولِ بعضِ العُلماءِ إنَّ الكافِرَ يَملِكُ مالَ المُسلِمِ فيَمضيَ على صاحِبِه وليسَ له أَخذُه إلا بالثَّمنِ؛ لأنَّه حكَمَ بما اختَلفَ فيه الناسُ فلا يَنتقِضُ بخِلافِ الجاهِلِ؛ لأنَّه لا يُعتَدُّ بمُوافَقةِ الجَهلِ للمَذاهبِ. وإنْ وُجدَ في الغَنيمةِ مالُ مُسلمٍ أو ذِميٍّ ولكنْ لم يُعرفْ عَينُ صاحِبِه ولا ناحيَتُه؛ فإنَّه لا يُوقَفَ ويُقسَمُ بينَ المُجاهِدينَ لتَعلُّقِ حَقِّهم، وهذا هو المَشهورُ. وهذا بخِلافِ اللُّقطةِ فإذا وُجِدت عندَهم لُقطةٌ مَكتوبٌ عليها ذلك أو وجَدها أحَدٌ من جَماعةِ الجَيشِ في دارِ الحَربِ؛ فإنَّها لا تُقسَمُ، بل تُوقَفَ بلا خِلافٍ، ومِثلُ اللُّقطةِ الحَبسُ الثابِتُ تَحبيسُه وإلا فقَولانِ (١). وأمَّا الشافِعيةُ فقالُوا: إذا أحرَزَ المُشرِكونَ أموالَ المُسلِمينَ بغارةٍ، أو سَرِقةٍ لم يَملِكوه؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [لقمان: ٢٧]. فامتَنَّ علينا بأنْ جعَلَ أموالَهم لنا، ولو جعَلَ أموالَنا لهم لَساوَيْناهم وبطَلَ فيه الامتِنانُ. ولأنَّهم استَولَوْا على مالٍ مَعصومٍ، والاستِيلاءُ على مالٍ مَعصومٍ لا يُفيدُ المِلكَ، كاستِيلاءِ المُسلِمِ على مالِ المُسلِمينَ واستِيلائِهم على الرِّقابِ، وإنَّما قُلنا ذلك؛ لأنَّ عِصمةَ مالِ المُسلِمِ ثابِتةٌ في حَقِّهم؛ لأنَّهم

стр. 12291

يُخاطَبونَ بالحُرُماتِ إذا بلَغَتْهم الدَّعوةُ، وإنِ اختَلفَا في العِباداتِ، والاستِيلاءُ يَكونُ مَحظورًا، والمَحظورُ لا يَصلُحُ سَببًا للمِلكِ. وسَواءُ أدخَلوه دارَ الحَربِ أو لم يُدخِلوه؛ فإنْ باعُوه على مُسلمٍ كانَ صاحِبُه أحَقَّ به من مُشتَريه بغيرِ ثَمنٍ، وإنْ غَنِمها المُسلِمونَ استَرجَعه صاحِبُه بغيرِ بَدلٍ، وسَواءٌ قبلَ القِسمةِ أو بعدَها، وعلى الإمامِ أنْ يُعوِّضَ مَنْ حصَلَ ذلك في سَهمِه بعدَ القِسمةِ قيمَتَه من سَهمِ المَصالحِ -أي: من خُمسِ الخُمسِ- لما في نَقصِ القِسمةِ من لُحوقِ المَشقةِ؛ فإنْ لمْ تَلحَقْ منه مَشقةٌ نقَصَها ولمْ يُعوَّضْ. قالَ المُزَنيُّ ﵀: قالَ الشافِعيُّ ﵀: لا يَملِكُ المُشرِكونَ ما أحرَزُوه على المُسلِمينَ بحالٍ أباحَ اللهُ لأهلِ دِينِه مِلكَ أحرارِهم ونِسائِهم وذَراريِّهم وأموالِهم فلا يُساوُونَ المُسلِمينَ في شَيءٍ من ذلك أبدًا، قد أحرَزوا ناقةَ النَّبيِّ ﷺ وأحرَزَتْها منهم الأَنصاريةُ فلمْ يَجعَلَ لها النَّبيُّ ﵊ شَيئًا وجعَلها على أصلِ مِلكِه فيها، وأبَقَ لابنِ عُمرَ عَبدٌ وعازَ له فَرسٌ فأحرَزَهما المُشرِكونَ ثم أحرَزَهما عليهم المسُلمِون فَرُدَّا عليه، وقالَ أبو بَكرٍ الصِّديقُ ﵁: «مالِكُه أحقُّ به قبلَ القَسمِ وبعدَه». ولا أعلَمُ أحَدًا خالَفَ في أنَّ المُشرِكينَ إذا أحرَزُوا عَبدًا لمُسلمٍ فأدرَكه وقد أوجَف عليه قبلَ القَسمِ أنَّه لمالِكِه بلا قيمةٍ ثم اختَلفُوا بعدَما وقَعَ في المَقاسِمِ فقالَ منهم قائِلٌ بقَولِنا، وعلى الإمامِ أنْ يُعوِّضَ من صارَ في سَهمِه

стр. 12292

مِثلَ سَهمِه من خُمسِ الخُمسِ وهو سَهمُ النَّبيِّ ﷺ وهذا يُوافِقُ الكِتابَ والسُّنةَ والإجماعَ (١). وأمَّا الحَنابِلةُ فقالُوا: ما أخَذَه أهلُ الحَربِ من أموالِ المُسلِمينَ فأدرَكه صاحِبُه قبلَ قَسمِه فهو أحقُّ به، أمَّا إنْ أدرَكه مَقسومًا ففيه رِوايَتانِ: إحداهُما، وهي المَذهبُ: أنَّ صاحبَه أحقُّ به بالثَّمنِ الذي حسَب به على مَنْ أخَذَه من المَغنَمِ، وكذلك إنْ بِيعَ ثم قسَّمَ ثَمنَه فهو أحقُّ به بالثَّمنِ؛ لِما رَوى ابنُ عَباسٍ ﵄ أنَّ رَجلًا وجَدَ بَعيرًا له كانَ المُشرِكونَ أصابوه، فقالَ له النَّبيُّ ﷺ : «إنْ وجَدَه صاحِبُه قبلَ أنْ يُقسَمَ فهو أحقُّ به، وإنْ وجَدَه قد قُسِمَ؛ فإنْ شَاءَ أخَذَه بالثَّمنِ» (٢) ولأنَّه إنَّما امتنَعَ أخْذُه له بغيرِ شَيءٍ كَيلا يُفضيَ إلى حِرمانِ أخْذِه من الغَنيمةِ أو يَضيعَ الثَّمنُ على المُشتَري، وحَقُّهما يَنجبِرُ بالثَّمنِ فيَرجعُ صاحِبُ المالِ في عَينِ مالِه بمَنزِلةِ مُشتَري الشِّقصِ المَشفوعِ. والرِّوايةُ الثانِيةُ عن أحمدَ: أنَّه إذا قُسمَ فلا حقَّ له فيه بحالٍ كما لو وجَده بيَدِ المُستَولي عليه وقد أسلَمَ أو أتانا بأمَانٍ، ولِما رُوي أنَّ عُمرَ ﵁ كتَبَ إلى السائِبِ: «أيُّما رَجلٍ من المُسلِمينَ أصابَ رَقيقَه ومَتاعَه

стр. 12293

بعَينِه فهو أحقُّ به من غيرِه، وإنْ أصابَه في أيدي التُّجارِ بعدَما اقتُسِم فلا سَبيلَ له إليه» (١) وقالَ سَلمانُ بنُ رَبيعةَ: «إذا قُسمَ فلا حقَّ له فيه» (٢) رَواهُما سَعيدٌ في «سُنَنِه» ولأنَّه إجماعٌ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: قالَ أحمدُ: إنَّما قالَ الناسُ فيها قَولَينِ إذا قُسمَ فلا شَيءَ له. وقالَ قَومٌ: إذا قُسمَ فهو له بالثَّمنِ، فإمَّا أنْ يَكونَ له بعدَ القِسمةِ بغيرِ ذلك فلم يَقلْه أحَدٌ، ومَتى انقَسَم أهلُ العَصرِ على قَولَينِ في حُكمٍ لم يَجزْ إحداثُ قَولٍ ثالِثٍ؛ لأنَّه يُخالِفُ الإجماعَ فلم يَجزِ المَصيرُ إليه، وقد رَوى أصحابُنا عن ابنِ عُمرَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «مَنْ أدرَكَ مالَه قبلَ أنْ يُقسمَ فهو له، وإنْ أدرَكَه بعدَ أنْ قُسمَ فليسَ له فيه شَيءٌ» والمَعمولُ على ما ذكَرْنا من الإجماعِ، وقَولُهم لم يَزلْ مِلكُ صاحِبِه عنه غيرَ مُسلَّمٍ. وإنْ أخَذه أحدُ الرَّعيةِ بهبةٍ أو سَرِقةٍ أو بغيرِ شَيءٍ فصاحِبُه أحقُّ به بغيرِ شَيءٍ. وقالَ أبو حَنيفةَ ﵀: لا يَأخذُه إلا بالقيمةِ؛ لأنَّه صارَ مِلكًا لواحِدٍ بعَينِه فأشبَهَ ما لو قُسِم. ولنا: ما رُويَ أنَّ قَومًا أغاروا على سَرحِ النَّبيِّ ﷺ فأخَذوا ناقَتَه وجاريةً من الأنصارِ، فأقامَت عندَهم أيَّامًا ثم خرَجَت في بعضِ اللَّيلِ قالَت: فما وَضعتُ يَدي على ناقةٍ إلا رَغَتْ حتى وَضَعتُها على ناقةٍ ذَلُولٍ

стр. 12294

فامتَطَيتُها ثم تَوجَّهتُ إلى المَدينةِ ونَذَرتُ إنْ نجَّاني اللهُ عليها أنْ أنحَرَها، فلمَّا قَدِمتُ المَدينةَ استَعرَفتُ الناقةَ فإذا هي ناقةُ رَسولِ اللهِ ﷺ فأخَذَها. فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ إنِّي نَذرتُ أنْ أنحَرَها، فقالَ: «بِئسَما جازَيتِها، لا نَذرَ في مَعصيةٍ»، وفي رِوايةٍ: «لا نذَرَ فيما لا يَملِكُ ابنُ آدمَ» رَواه أحمَدُ ومُسلِمٌ، ولأنَّه لم يَحصُلْ في يَدِه بعِوَضٍ فكانَ صاحِبُه أحَقَّ به كما لو أدرَكَه في الغَنيمةِ قبلَ قَسمِه. فأمَّا إنِ اشتَراه رَجلٌ من العَدوِّ فليسَ لصاحِبِه أخذُه إلا بثَمَنِه … وقالَ القاضي: ما حصَلَ في يَدِه بهبةٍ أو سَرِقةٍ أو شِراءٍ فهو كما لو وجَده صاحِبُه بعدَ القِسمةِ هل يَكونُ صاحِبُه أحَقَّ به بالقيمةِ على رِوايتَينِ والأوْلى ما ذكَرْناه (١). إذا استَولى الحَربيُّونَ على أموالٍ للمُسلِمينَ وحازُوها في بِلادِهم ثم استرَدَّها المُسلِمونَ، فهل تُعتبَرُ هذه الأموالُ غَنيمةً أو لا؟ وإذا وُجدَ منها شَيءٌ بعَينِه عُرفَ صاحِبُه، فهل يَأخذُه قبلَ القِسمةِ وبعدَها عَينًا بدونِ بَدلٍ أو يَدفعُ قِيمتَه؟ وخُلاصةُ ما سبَق: أنَّ العُلماءَ اتَّفَقوا على أنَّه إذا وُجدَ منها شَيءٌ بعَينِه عُرفَ صاحِبُه من المُسلِمينَ أو الذِّميِّين -كما نَصَّ على ذلك المالِكيةُ- يَأخذُه عَينًا بدونِ بَدَلٍ إذا كانَ ذلك قبلَ قِسمةِ الغَنيمةِ. أمَّا بعدَ القِسمةِ

стр. 12295

فيَأخذُه مالِكُه بالقيمةِ ممَّن وقَعَ في سَهمِه أو بثَمنِه الذي بِيعَ به، عندَ الحَنفيةِ، وأحمدَ في رِوايةٍ. أمَّا المالِكيةُ فقد ذهَبوا إلى أنَّ المالَ الذي يُعرَفُ صاحِبُه المُسلِمُ أو الذِّميُّ لا يُقسَمُ أصلًا، فإذا قُسمَ لمْ تَنفُذِ القِسمةُ، ولِرَبِّه أخذُه بدونِ ثَمنٍ. والرِّوايةُ الثانِيةُ عن أحمدَ: أنَّه إذا قُسمَت الغَنيمةُ فلا حَقَّ للمُسلِمِ في مالِه الذي وُجدَ في الغَنيمةِ بحالٍ. وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ هذا المالَ يَجبُ رَدُّه إلى صاحِبِه المُسلمِ قبلَ القِسمةِ؛ فإنْ لم يَعلَمْ به حتى قُسمَ دُفِع إلى مَنْ وقَعَ في سَهمِه العِوَضُ من خُمسِ الخُمسِ، ورُدَّ المالُ إلى صاحِبِه؛ لأنَّه يَشُقُّ نَقضُ القِسمةِ. قُلتُ: والسَّببُ في اختِلافِ العُلماءِ في هذا هو: هل الكُفارُ يَملِكونَ أموالَ المُسلِمينَ التي استَولَوْا عليها من المُسلِمينَ إذا حازُوها في دارِهم أو لا؟ فمَن قالَ منهم: إنَّهم بمُجرَّدِ استِيلائِهم عليها مَلَكوها كما هو قَولُ الحَنفيةِ، قالُوا: إذا وجَدَها صاحِبُها بعدَ القِسمةِ أخَذَها بالقيمةِ ممَّن وقَعَت في سَهمِه أو بثَمَنِه الذي بِيعَ به، ومَن قالَ: إنَّ الكُفارَ لا يَملِكونَ أموالَ المُسلِمينَ إذا استَولَوا عليها بحالٍ كما هو قَولُ المالِكيةِ والشافِعيةِ ومَن وافَقَهم، قالُوا: يَجبُ رَدُّها إلى صاحِبِها المُسلمِ بعدَ القِسمةِ، واللهُ أعلَمُ.

стр. 12296

شُروطُ استِحقاقِ الغَنيمةِ: يَستحِقُّ الغَنيمةَ مَنْ اجتمَعَت فيه الشُّروطُ التاليةُ: أولًا: أنْ يَكونَ المُستحِقُّ صَحيحًا، أي: مِنْ أهلِ القِتالِ، وإنْ كانَ يُسهَمُ للمَريضِ الذي شهِدَ ابتِداءَ القِتالِ صَحيحًا ثم مرِضَ واستمَرَّ يُقاتِلُ، ولم يَمنعْه مَرَضُه من القِتالِ؛ فإنْ لم يَشهَدْه فلا يُسهَمْ له، إلا أنْ يَكونَ ذا رأيٍ، كمُقعَدٍ أو أعرَجَ أو أشَلَّ أو أعمى له رأيٌ. وكذلك مَنْ منَعَه الشَّرعُ من الجِهادِ لدَينٍ عليه، أو منَعَه أبواه منه فحضَرَ، فيُسهَمُ له لتَعيُّنِ الجِهادِ بحُضورِه، أي: لصَيرورةِ الجِهادِ فَرضَ عَينٍ بحُضورِه، فلا يَتوقَفَ على الإذنِ (١). ثانيًا: أنْ يَدخُلَ دارَ الحَربِ على قَصدِ القِتالِ، سَواءٌ قاتَلَ أو لم يُقاتِلْ؛ لأنَّ الجِهادَ والقِتالَ إرهابٌ للعَدُوِّ، وهذا كما يَحصُلُ بمُباشَرةِ القَتلِ يَحصُلُ بثَباتِ القَدمِ في صَفِّ القِتالِ رَدًّا للمُقاتِلةِ خَشيةَ كَرِّ العَدوِّ عليهم. وكذلك إذا حضَرَ بنِيةٍ أُخرى وقاتَلَ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ؛ لقَولِ عُمرَ ﵁: «إنَّما الغَنيمةُ لمَن شهِدَ الوَقعةَ» (٢). ولا مُخالِفَ له من الصَّحابةِ؛ لأنَّ في شُهودِ القِتالِ تَكثيرَ سَوادِ المُسلِمينَ؛ فعلِمَ أنَّه لو هرَبَ أَسيرٌ من كُفارٍ فحضَرَ بنِيَّةِ خَلاصِ نَفسِه دونَ القِتالِ لم يَستحِقَّ إلا إنْ قاتَلَ.

стр. 12297

وقالَ الحَنفيةُ: لا حَقَّ لأهلِ سُوقِ العَسكرِ في الغَنيمةِ إلا أنْ يُقاتِلوا، وكذا لا يُسهَمُ لِلتاجرِ ولا لِلأجيرِ؛ لأنَّ سَببَ استِحقاقِ الغَنيمةِ المُجاوَزةُ على قَصدِ القِتالِ ولم يُوجَدْ؛ لأنَّهم قصَدوا التِّجارةَ لا إِعزازَ الدِّينِ وإِرهابَ العَدوِّ؛ فإنْ قاتَلَ التاجِرُ مع العَسكرِ أُسهِم له إنْ كانَ فارِسًا ففارِسٌ، أو راجِلًا فراِجلٌ، وكذا الأَجيرُ إنْ ترَكَ خِدمةَ صاحِبِه وقاتَلَ مع العَسكرِ استحَقَّ السَّهمَ، وإنْ لمْ يَترُكِ الخِدمةَ فلا شَيءَ له. والأصلُ أنَّ مَنْ دخَلَ على نيةِ القِتالِ استحَقَّ السَّهمَ سَواءٌ قاتَلَ أو لا، ومَن دخَلَ لغيرِ القِتالِ لا يُسهَمُ له إلا أنْ يُقاتِلَ وهو من أهلِ القِتالِ ومَن دخَلَ ليُقاتِلَ فلم يُقاتلْ لمَرضٍ أو غيرِه فله سَهمُه إنْ كانَ فارِسًا ففارِسٌ أو راجِلًا فراجِلٌ، وكذا إذا دخَلَ مُقاتِلًا فأُسرَ ثم تخلَّصَ قبلَ إخراجِ الغَنيمةِ فله سَهمُه (١). ولا شَيءَ لمَن حضَرَ بعدَ انقِضاءِ القِتالِ وحيازةِ المالِ، أمَّا مَنْ حضَرَ قبلَ حيازةِ المالِ وبعدَ انقِضاءِ القِتالِ فيُعطَى عندَ الحَنفيةِ والشافِعيةِ في قَولٍ، للُحوقِه قبلَ تَمامِ الاستِيلاءِ. والأصَحُّ عندَ الشافِعيةِ المَنعُ؛ لأنَّه لم يَشهَدْ شَيئًا من الوَقعةِ. أمَّا الأجيرُ لسياسةِ الدَّوابِّ وحِفظِ الأمتِعةِ، والتاجرُ والمُحتَرِفُ فيُسهَمُ لهم إذا قاتَلُوا؛ لشُهودِ الوَقعةِ وقِتالِهم في الأظهَرِ عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ والمالِكيةِ.

стр. 12298

وقالَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في مُقابِلِ الأظهَرِ: إنَّه لا يُسهَمُ لهم؛ لأنَّهم لم يَقصِدوا الجِهادَ. وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ: «ويُسهَمُ للتاجِرِ إذا قاتَلَ». قالَ الماوَرديُّ: ولِلتاجِرِ إذا خرَجَ مع المُجاهِدينَ ثَلاثةُ أحوالٍ: أحَدُها: أنْ يَقصِدَ الجِهادَ بخُروجِه، وتَكونَ التِّجارةُ تَبعًا لجِهادِه، فهذا يُسهَمُ له إذا حضَرَ الوَقعةَ، وسَواءٌ قاتَلَ أو لمْ يُقاتلْ كانَ كغيرِه من المُجاهِدينَ الذين لم يَتَّجِروا، كما لو قصَدَ الحَجَّ فاتَّجَر كانَ ذلك له حَجةً، ولا تُؤثِّرُ فيه تِجارَتِه. والحالُ الثانِيةُ: أنْ يَقصِدَ التِّجارةَ، ويَتخلَّفَ في المُعسكَرِ تَشاغُلًا بها، فهذا لا يُسهَمُ اعتِبارًا بقَصدِه وعَدمِ أثَرِه في الوَقعةِ. والحالُ الثالِثةُ: أنْ يَقصِدَ التِّجارةَ ويَشهَدَ الوَقعةَ، فهذا على ضَربَينِ: أحدُهما: أنْ يُقاتِلَ فيُسهَمَ له، نَصَّ عليه الشافِعيُّ لبَلائِه في الحَربِ. والضَّربُ الثانِي: ألَّا يُقاتِلَ ففيه قَولانِ: أحدُهما: يُسهَمُ له لقَولِه: «الغَنيمةُ لمَن شهِدَ الوَقعةَ». ولأنَّه قد كثَّرَ وهِيبَ وتِجارَتُه مَنفَعةٌ تَعودُ على المُجاهِدينَ، فلم يُحرَمْ بها سَهمَه معهم. والقَولُ الثانِي: لا يُسهَمُ له ولا يُعطَى رَضخًا كالأتباعِ؛ لقَولِ رَسولِ اللهِ ﷺ في مُهاجِرِ أمِّ قَيسٍ: «مَنْ كانَت هِجرَتُه لدُنيا يُصيبُها أو امرأةٍ يَتزَوَّجُها فهِجرَتُه إلى ما هاجَرَ إليه».

стр. 12299

ولأنَّ ما قصَدَه بالخُروجِ من فَضلِ التِّجارةِ قد وصَلَ إليه، فلَم يَزدْ عليه فيَصيرُ به مُفضَّلًا على ذَوي النِّيَّاتِ في الجِهادِ، وهذا لا يَجوزُ (١). ثالِثًا: أنْ يَكونَ ذَكرًا، فلا يُسهَمُ للأُنثى ولو قاتَلَت. رابِعًا: أنْ يَكونَ مُسلمًا، فلا يُسهَمُ لكافرٍ ولو قاتَلَ. خامِسًا: أنْ يَكونَ حُرًّا، فلا يُسهَمُ لعَبدٍ ولو قاتَلَ. سادِسًا: أنْ يَكونَ عاقِلًا بالِغًا، فلا يُسهَمُ لمَجنونٍ أو لصَبيٍّ. قالَ الإمامُ الأزديُّ القُرطبيُّ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ كانَ حُرًّا، ذكَرَا، بالِغًا، عاقِلًا، مُسلمًا، صَحيحًا؛ فإنَّه يَستحِقُّ أنْ يُسهَمَ له في المَغنَمِ إذا شهِدَ مع الناسِ، ولم يَكنْ تاجِرًا ولا أجيرًا (٢). وجُمهورُ العُلماءِ يَقولونَ: يُرضَخُ لمَن سبَقَ ذِكرُهم -الذِّميِّ والمَرأةِ والصَّبيِّ والمَجنونِ- بحسَبِ رأيِ الإمامِ على ألَّا يَبلُغَ ما يُعطيه الإمامُ سَهمَ المُجاهِدِ الذي استَوفَى الشُّروطَ (٣).

стр. 12300

قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: يُفاوِتُ الإمامُ بينَ أهلِ الرَّضخِ بحسَبِ نَفعِهم، فيُرجِّحُ المُقاتِلَ ومَن قِتالُه أكثَرُ على غيرِه، والفارِسَ على الراجِلِ، والمَرأةَ التي تُداوي الجَرحى وتَسقي العِطاشَ على التي تَحفَظُ الرِّحالَ، بخِلافِ سَهمِ الغَنيمةِ؛ فإنَّه يَستَوي فيه المُقاتِلُ وغيرُه؛ لأنَّه مَنصوصٌ عليه، والرَّضخُ بالاجتِهادِ، كدِيةِ الحُرِّ وقيمةِ العبدِ (١). مَحَلُّ الرَّضخِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في مَحلِّ الرَّضخِ هل هو من أصلِ الغَنيمةِ أو من أربَعةِ أَخماسِ الغَنيمةِ أو من الخُمسِ أو من خُمسِ الخُمسِ على أقوالٍ: فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في مُقابِلِ الأظهَرِ والحَنابِلةُ في وَجهٍ إلى أنَّ مَحلَّ الرَّضخِ هو أصلُ الغَنيمةِ قبلَ إخراجِ الخُمسِ؛ لأنَّه استُحِقَّ بالمُعاوَنةِ في تَحصيلِ الغَنيمةِ، فأشبَه أُجرةَ النَّقالِينَ والحافِظينَ لها. ويَرى الشافِعيةُ في أظهَرِ الأقوالِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ أنَّ الرَّضخَ يَكونُ من أربَعةِ أَخماسِ الغَنيمةِ بعدَ إخراجِ خُمسِ الغَنيمةِ؛ لأنَّه استُحِقَّ بحُضورِ الوَقعةِ فأشبَهَ سِهامَ الغانِمينَ. وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّ مَحلَّ الرَّضخِ هو خُمسُ الخُمسِ. وقالَ المالِكيةُ: مَحلُّ الرَّضخِ الخُمسُ كالنَّفلِ (٢).

стр. 12301

حقُّ الغائِبِ عن القِتالِ لمَصلَحةٍ في الغَنيمةِ: قالَ الحَنابِلةُ: يُعطي الأميرُ لمَن بعَثَه لمَصلَحةٍ -كرَسولٍ وجاسوسٍ ودَليلٍ وشِبهِهم- وإنْ لم يَشهَدوا، ولمَن خلَّفَه الأميرُ في بِلادِ العَدوِّ، فكلُّ هؤلاء يُسهَمُ لهم؛ لأنَّهم في مَصلَحةِ الجَيشِ، وهم أوْلى بالإسهامِ ممَّن شهِد ولم يُقاتلْ. ولا يُسهَمُ لمَن لا يُمكِنُه قِتالٌ لمَرضٍ ولا لدابةٍ لا يُمكِنُه قِتالٌ عليها لمَرضٍ كزَمانةٍ وشَللٍ لخُروجِه عن أهليةِ الجِهادِ بخِلافِ حُمَّى يَسيرةٍ وصُداعٍ ووَجعِ ضِرسٍ ونَحوِها فيُسهَمُ له؛ لأنَّه لم يَخرجْ عن أهليةِ الجِهادِ ولا يُسهَمُ لمُخذِلٍ ومُرجِفٍ ونَحوِهما، كَرامٍ بينَنا بفِتَنٍ ومُكاتِبٍ بأخبارِنا؛ لأنَّه مَمنوعٌ من الدُّخولِ مع الجَيشِ أشبَهَ الفَرسَ العَجيفَ ولو ترَكَ ذلك -أي: التَّخذيلَ والإرجافَ ونَحوَهما- وقاتَلَ لا يُرضَخُ له، أي: المُخذِلِ والمُرجِفِ ونَحوِهما، لما تَقدَّم، ولا يُسهَمُ ولا يُرضَخُ لمَن نَهاه الأميرُ أنْ يَحضُرَ فلمْ يَنتَهِ؛ لأنَّهم عُصاةٌ (١). أمَّا المالِكيةُ فقالُوا: إنَّ المُغيَّبَ على ثَلاثةِ أوجُهٍ: إمَّا بمَرضٍ أو بضَلالٍ أو بأسْرٍ.

стр. 12302

فأمَّا المَريضُ: فإنْ شهِدَ الوَقعةَ فالمَذهبُ أنَّه يُسهَمُ له وإنْ لم يُقاتِلْ بالفِعلِ؛ لأنَّه قد شهِدَ الوَقعةَ وحصَلَ منه التَّكثيرُ وقد قيلَ في قَول اللهِ تَعالى: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ [آل عمران: ١٦٧] أي كَثِّروا، ولِما رُوي عن أبي بَكرٍ الصِّديقِ وعُمرَ أنَّهما قالَا: «إنَّما الغَنيمةُ لمَن شهِدَ الوَقعةَ» ولا مُخالِفَ لهما من الصَّحابةِ مع انتِشارِ أقوالِهما فثبَتَ أنَّه إجماعٌ. فإنْ منَعَه مَرَضُه من حُضورِ القِتالِ لم يُسهَمْ له إلا أنْ يَكونَ ذا رأيٍ، والمُقعَدُ الذي له رأيٌ كذلك، بل أوْلى منه، وكذا سائرُ من قُلنا: لا يُسهَمُ له ممَّن يُتصوَّرُ منه الرأيُ، كالأعرَجِ والأشَلِّ. وأمَّا الضَّالُّ: فمُختلَفٌ فيه على قَولَينِ أشهَرُهما أنَّه يُسهَمُ له وإنْ ضَلَّ بأرضِنا؛ لأنَّه مَغلوبٌ على أمرِه. وأمَّا الأسيرُ: فقالَ أشهَبُ: يُسهَمُ للأسيرِ وإنْ كانَ في الحَديدِ. وقالَ ابنُ العَربيِّ: والصَّحيحُ ألَّا سَهمَ له؛ لأنَّه مِلكٌ يُستحقُّ بالقِتالِ، فمَن غابَ خابَ. وأمَّا الغائِبُ لغيرِ مَصلَحةِ الجَيشِ فلا سَهمَ له؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يُسهِمْ قَطُّ لغائِبٍ إلا يَومَ خَيبَرَ قسَمَ لأهلِ الحُدَيبيةِ مَنْ حضَرَ منهم ومَن غابَ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح: ٢٠]. وأمَّا مَنْ تَخلَّف عن الجَيشِ لحاجةٍ بالجَيشِ أو بعَثَ الأميرُ قَومًا من الجَيشِ قبلَ أنْ يَصِلَ إلى البَلدِ العَدوِّ في أمرٍ من مَصلَحةِ الجَيشِ

стр. 12303

من حَشدٍ أو إقامةِ سُوقٍ أو غيرِ ذلك، فاشتَغَلوا في ذلك حتى غنِمَ الجَيشُ فلهم معهم سَهمُهم. وكذلك لو أرسلوه قبلَ خُروجِهم فيما يَخُصُّهم من أمرِ غَزوِهم على أنْ يَلحَقَهم فلم يُدرِكَهم إلا بعدَ أنْ غَنِموا لوجَبَ أنْ يَكونَ له سَهمُه معهم في ذلك. وقد قسَمَ النَّبيُّ ﷺ لعُثمانَ يَومَ بَدرٍ وقد خلَّفَه على بِنتِه كما رَواه البُخاريُّ في صَحيحِه: بابُ إذا بعَثَ الإمامُ رَسولًا في حاجةٍ أو أمَرَه بالمُقامِ هل يُسهَمُ له. ثم رَوى عن ابنِ عُمرَ ﵄ قالَ: «إنَّما تغيَّبَ عُثمانُ عن بَدرٍ؛ فإنَّه كانَت تَحتَه بِنتُ رَسولِ اللَّهِ ﷺ كانَت مَريضةً، فقالَ له النَّبيُّ ﷺ : إنَّ لكَ أجرَ رَجلٍ ممن شهِدَ بَدرًا وسَهمَه» (١). وقسَمَ لطَلحةَ وسَعيدِ بنِ زَيدٍ وهُما غائِبانِ بالشامِ عقِبَ غَزوةِ بَدرٍ. قالَ ابنُ المَوَّازِ: إذا أرسَلَ الإمامُ أحَدًا في مَصلَحةِ الجَيشِ؛ فإنَّه يُشرَكُ مَنْ غنِمَ بسَهمِه، قالَه ابنُ وَهبٍ وابنُ نافِعٍ عن مالِكٍ، وقيلَ عنه أيضًا: لا شَيءَ له. لكنْ قالَ ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ: لا يُسهَمُ له؛ فإنَّ الإمامَ يَرضَخُ له ولا يُعطَى من الغَنيمةِ لعَدمِ السَّببِ الذي يَستحِقُّ به عِندَه وأمَّا عُثمانُ وسَعيدٌ

стр. 12304

وطَلحةُ فيُحتمَلُ أنْ يَكونَ أسهَمَ لهم من الخُمسِ؛ لأنَّ الأُمةَ أجمَعت على أنَّه مَنْ بَقيَ لعُذرٍ فلا شَيءَ له (١). وقالَ الحَنفيةُ: إنَّ المُقاتِلَ وغيرَه سَواءٌ حتى يَستحِقَّ الجُنديُّ الذي لم يُقاتلْ لمَرضٍ أو غيرِه، وأنَّه لا يَتميَّزُ واحِدٌ على آخَرَ بشَيءٍ حتى أميرُ العَسكرِ، وهذا بلا خِلافٍ، لاستِواءِ الكلِّ في سَببِ الاستِحقاقِ (٢). إذا ماتَ الغازِي أو قُتلَ هل يَأخذُ من الغَنيمةِ أو لا؟ اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الغازيَ إذا ماتَ بعدَ إحرازِ الغَنيمةِ في دارِ الإسلامِ فإنَّه يُسهَمُ له. ثم اختَلفُوا في الغازي يَموتُ في المَعركةِ أو بعدَها قبلَ حِيازةِ الغَنيمةِ. فقالَ أبو حَنيفةَ ﵀: إنْ ماتَ قبلَ إحرازِ الغَنيمةِ في دارِ الإسلامِ أو قسَمَها في دارِ الحَربِ فلا شَيءَ له؛ لأنَّ مِلكَ المُسلِمينَ لا يَتمُّ عليها إلا بذلك (٣). وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ والحَنابِلةُ في قَولٍ: إنْ حضَرَ القِتالَ أُسهمَ له سَواءٌ ماتَ قبلَ حِيازةِ الغَنيمةِ أو بعدَها، وإنْ لم يَحضُرْ فلا سَهمَ له، ونَحوَه قالَه مالِكٌ واللَّيثُ.

стр. 12305

وقالَ الحَنابِلةُ: إذا ماتَ الغازِي أو قُتِل؛ فإنْ كانَ قبلَ حِيازةِ الغَنيمةِ ففيه قَولانِ: أحدُهما: لا سَهمَ له؛ لأنَّه ماتَ قبلَ ثُبوتِ مِلكِ المُسلِمينَ عليها، وثُبوتِ اليَدِ عليها، فلم يَستحِقَّ شَيئًا، وسَواءٌ ماتَ حالَ القِتالِ أو قبلَه. والثانِي: أنَّه يُسهَمُ له؛ لأنَّه حضَرَ الوَقعةَ وهو من أهلِ القِتالِ فيُسهَمُ له كغيرِه. وإنْ ماتَ بعدَ حِيازةِ الغَنيمةِ فسَهمُه لوَرثتِه؛ لأنَّه ماتَ بعدَ الاستِيلاءِ عليها في حالِ لو قُسِمت صَحَّت قِسمَتُها وكانَ له سَهمُه منها، فيَجبُ أنْ يَستحِقَّ سَهمَه فيها كما لو ماتَ بعدَ إحرازِها في دارِ الإسلامِ إذا ثبَتَ أنَّه يَستحِقُّه فيَكونَ لوَرثتِه كسائرِ أملاكِه وحُقوقِه. وإنْ أُسرَ فله سَهمُه كذلك، وإنْ أُسرَ أو ماتَ قبلَ أنْ تُقضَى الحَربُ فلا شَيءَ له؛ لأنَّه لم يَملِكْ شَيئًا (١). أمَّا المالِكيةُ: إنْ ماتَ قبلَ التِقاءِ الصَّفَينِ، ولو بعدَ دُخولِ بَلدِ العَدوِّ؛ فإنَّه لا يُسهَمُ له على المَشهورِ، ولو ماتَ بعدَ اللِّقاءِ أُسهِم له، والمُرادُ باللِّقاءِ القِتالُ. ولو كانَ هناك غَنيمةٌ بعدَ غَنيمةٍ فما كانَ مُتَتابِعًا فله سَهمُه في الجَميعِ مِثلَ أنْ يَفتتِحَ حِصنًا فيَموتَ ثم يَفتتِحَ آخَرَ على جِهةِ الأمرِ الأولِ.

стр. 12306

قالَ عبدُ المَلكِ بنُ حَبيبٍ ﵀: «اجتمَعَ أصحابُ مالِكٍ على أنَّ مَنْ ماتَ قبلَ مُشاهَدةِ القِتالِ فلا حَظَّ له في الغَنيمةِ، وإنْ ماتَ بعدَ الإيجافِ، إلا ابنَ الماجِشونِ؛ فإنِّي سَمِعتُه يَقولُ: مَنْ ماتَ بعدَ الإيجافِ فحَظُّه قائِمٌ يُورَثُ عنه ويُقضَى به دَينُه». وحَدُّه: الإدرابُ، وهو: أنْ يُفارِقَ أرضَ الإسلامِ، ويَدخُلَ أرضَ الشِّركِ، ويُزايلَ الأمنَ ويَدخُلَ في المَخافةِ؛ لأنَّه صارَ في جُملةِ مَنْ اعتُدَّ به في الدُّخولِ لذلك، وما لعلَّه بسَببِ ذلك نِيلَ الفَتحُ الذي كانَ بعدُ. ومِن مَذهبِ ابنِ الماجِشونِ أنَّه يُقسَمُ له في كلِّ ما غنِمَ الجَيشُ إلى حين قُفولِهم، وإنْ لم يَحضُرْ شَيئًا من ذلك، وكانَ مَوتُه قَبلَ لقاءِ العَدوِّ، إذا ماتَ بعدَ الإدْرابِ. قالَ سحنُونٌ ﵀: إذا شهِدَ أوَّلَ القِتالِ، أو كانُوا قد ناشَبوا القِتالَ وهو حَيٌّ، ثم ماتَ بعدَ المُناشَبةِ؛ فحَقُّه فيه ثابِتٌ، وكلُّ قِتالٍ ابتَدؤُوه في حِصنٍ ثانٍ أو مَغارٍ أحدَثوه بعدَ مَوتِه فلا حَقَّ للمَيِّتِ فيه (١). وقالَ الإمامُ الأزديُّ القُرطبيُّ ﵀: ومَنشَأُ الخِلافِ عِندي في جَميعِ ذلك، والذي إليه تَرجِعُ المَسائلُ على تَبدُّدِها هو: هل يُوجَدَ دَليلٌ على أنَّ للقَصدِ والنِّيةِ أثَرًا إذا أخَذَ في الشُّروعِ، ثم قَطعُه عن تَمامِ العَملِ في ذلك أمرٌ غالِبٌ لا اختيارَ له فيه؟

стр. 12307

فهل هناك دَليلٌ أنَّه يَستحِقُّ بذلك صاحِبُه ما يَستحِقُّه بالعَملِ، أو لا؟ فمَن تَوجَّهَ عندَه أنَّ ذلك يَقومُ مَقامَ العَملِ شَرعًا وإنْ لم يُكمِلْه، بما ثبَتَ أنَّ له في ذلك مِثلَ أجرِ العامِلِ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠]. وخرَجَ أبو داودَ عن أبي مالِكٍ الأشعريِّ: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «مَنْ فصَلَ في سَبيلِ اللهِ، فماتَ، أو قُتلَ؛ فهو شَهيدٌ». فمَن سلَكَ هذا المَسلَكَ، وبخاصةٍ في بابِ الإسهامِ من الغَنيمةِ؛ فإنَّ ذلك يَستحِقُّه مَنْ قاتَلَ من الجَيشِ ومَن لم يُقاتلْ، والكَثيرُ الغَناءِ، ومَن لا كَبيرَ غَناءٍ عِندَه، والقَويُّ والضَّعيفُ على حَدٍّ سَواءٍ، ومَن فَهِم بذلك من الشَّرعِ سُقوطَ المُشاحةِ في هذا البابِ؛ رأى أنَّ هذه الأعذارَ المانِعةَ عن الإتمامِ بعدَ وُجودِ العَزمِ والشُّروعِ لا تُحبِطُ حَظَّهم من الأسهُمِ. ومَن لم يَرَ ذلك فحُجَّتُه أنَّ العَملَ لا يُعادَلُ بمُجرَّدِ النِّيةِ على الإطلاقِ، وهو -وإنْ جعَلَ الشَّرعُ النِّيةَ حُكمًا- جعَلَ لوُجودِ العَملِ مَزيةً وفَضلًا؛ كما ثبَتَ في الفَرقِ بينَ مِقدارِ ما يُكتَبَ لمَن همَّ بحَسنةٍ فلم يَعمَلْها، وما كُتبَ لمَن همَّ بذلك فعَمِل؛ ولقَولِه ﷺ للمُهاجِرين -وقد اجتَهدوا في إدراكِ ما فاتَهم به الأَنصارُ من أجرِ الصَّدقةِ، حينَ لم يَجِدوا مالًا ليَتصدَّقُوا كما يَتصدَّقُونَ-: «ذلك فَضلُ اللهِ يُؤتيه مَنْ يَشاءُ» فكانَ للعَملِ مَزيَّةٌ وحَظٌّ لا يُدرَكُ بمُجرَّدِ النِّيةِ. وأيضًا فإنَّ اللهَ تَعالى أضافَ الغَنيمةَ إلى مَنْ غنِمَها، وملَّكَها لهم بذلك دونَ مَنْ سِواهم، فكانَ الحقُّ في ذلك لمَن عمِلَ فغنِمَ، دونَ من اعتُرِضَ، فلم يتَّصِفْ بذلك، فنَقولُ -واللهُ تَعالى المُوفِّقُ بمَنِّه-:

стр. 12308

الخارِجون في الجَيشِ على أربَعةِ أحوالٍ، كما يلي: ١ - رَجلٌ نَوى الغَزوَ، وعمِلَ في مَشاهدِ الحَربِ، إمَّا في أضعَفِها رُتبةً كمُلازَمةِ الجَيشِ، وتَكثيرِ السَّوادِ، وإمَّا فوقَ ذلك إلى أعلاها رُتبةً: وهو مُباشَرةُ القِتالِ، فهذا لا خِلافَ ولا إشكالَ أنَّه يُسهَمُ له؛ للأدِلةِ التي قدَّمْنا، ويَدخلُ في ذلك المَريضُ إذا حضَرَ القِتالَ، وإنْ لم يُقاتلْ. ٢ - رَجلٌ لم يَنوِ الغَزوَ، ولا عَمِل في شَيءٍ من مَشاهدِه، كالتاجِرِ والأجيرِ يَشتغِلان بالكَسبِ والاحتِرافِ فقط، فهذا لا خِلافَ ولا إشكالَ أنَّه لا حقَّ له. ٣ - رَجلٌ لم يَنوِ في خُروجِه غَزوًا، فلمَّا حضَرَ القِتالَ قاتَلَ، أو شهِدَ من مَواطِنِ الحَربِ المَخصوصةِ، بعَملٍ من أعمالِ الجِهادِ على حسَبِ ما فصَّلنا ما يَكونُ له فيه عَملٌ مع المُجاهِدينَ، فالظاهِرُ أنَّ لهذا سَهمَه، وإنْ كانَ في ذلك خِلافٌ تَقدَّمَ ذِكرُه في (فَصلِ: التاجِرِ والأجيرِ)؛ لأنَّه لمَّا حضَرَ القِتالَ فعمِلَ فيه؛ حصَلَ منه ساعتَئذٍ النِّيةُ والعَملُ، وذلك هو حَقيقةُ الجِهادِ، ودخَلَ بذلك في جُملةِ من تُنسَبُ الغَنيمةُ إليهم، فكانَ الوَجهُ أنْ يُسهَمَ له. ٤ - رَجلٌ نَوى الغَزوَ فانقُطِعَ به قبلَ مَشاهدِ القِتالِ، فهذا الذي جرَى فيه ذِكرُ الخِلافِ في هذا الفَصلِ، والذي يَترجَّحُ -إنْ شاء اللهُ- ألَّا يَكونَ له في الغَنيمةِ حقٌّ إنْ لم يَحضُرْ مِنْ مَشاهدِ الحَربِ شَيئًا، ويَدخلُ في ذلك المَريضُ الذي لا يَستطيعُ شَيئًا من الحُضورِ والتَّكثيرِ فما فوقَ ذلك؛ فإنْ شهِدَ هؤلاء شَيئًا من ذلك -وإنْ قلَّ زَمانُه- فلَهم سَهمُهم، أعني: فيما غنِمَ عن ذلك المَوطِنِ، أو كانَ لذلك المَوطِنِ في أسبابِ اغتِنامِه أَثرٌ؛ وذلك أنَّ

стр. 12309

الذي أثبَتَه الشَّرعُ للنِّياتِ من الحَظِّ، وإدراكِ بَعضِها رُتبةَ العَملِ، إنَّما جاءَ النَّصُّ به فيما يَرجعُ إلى ثَوابِ اللهِ تَعالى وجَزيلِ ما عندَه. وأمَّا أَحكامُ الدُّنيا وما يُستحقُّ فيها بالعَملِ، فلم يَردِ الشَّرعُ في شَيءٍ من ذلك بأنَّ للناوي فيه مِثلَ ما للعامِلِ، بل لعلَّه ممَّا يَستحيلُ التَّكليفُ به؛ لأنَّ الاطِّلاعَ على النِّيةِ لا يَعلَمُه إلا اللهُ . ولمَّا جعَلَ اللهُ تَعالى الغَنائمَ لمَن غَنِمها دونَ مَنْ سِواهم من المُسلِمينَ، وكانَ هذا لم يَغنَمْ، ولم يُشارِكْ في شَيءٍ من أسبابِ الاغتِنامِ؛ بطَلَ أنْ يَكونَ له معهم فيما مَلَّكهم اللهُ من ذلك شَيءٌ، ونيَّتُه على اللهِ الذي وَسِع كلَّ مَخلوقٍ فَضْلًا، واللهُ أعلَمُ. وأمَّا مَنْ فرَّقَ من الفُقهاءِ بينَ الإدْرابِ وما قبلَه، فأوجَبَ لمَن دخَلَ مع الجَيشِ أرضَ العَدوِّ، وحيثُ تَبتَدِئُ الشِّدةُ والمَخافةُ أنْ يُسهَمَ له، وإنْ صَدَّه عن التَّمامِ أمرٌ غالِبٌ، ولم يُوجِبْ ذلك لمَن اعتُرِضَ قبلَه، فسَببُه: أنَّ الإدرابَ عندَه نَوعٌ مِنْ مَشاهدِ الحَربِ التي يَنتفِعُ الناسُ فيها بَعضُهم ببَعضٍ في القُوةِ على التَّقدُّمِ؛ فإنَّ الجَمعَ هناك إنَّما يَحمِلُهم على الدُّخولِ: الاعتِدادُ بمَن معهم، فيَكونُ ذلك سَببَ الجُرأةِ على الإقدامِ، الذي هو سَبَبُ الغَنيمةِ، فرأى مَنْ ذهَبَ إلى ذلك أنَّ لدُخولِه معهم حَظًّا في الإعانةِ، وتَسبيبًا للمَغنَمِ، فهذا وَجهُ مَنْ فرَّقَ، وعلى هذا المَسلَكِ والقانونِ الذي ذكَرْناه تَدورُ جُملةُ المَسائلِ المُبدَّدةِ -في هذا الفَصلِ- عنهم، وتَرجِعُ أسبابُ الخِلافِ في ذلك عندَهم، واللهُ أعلَمُ (١).

стр. 12310

حقُّ الأسيرِ في الغَنيمةِ: نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ على أنَّ المُسلمَ إذا خرَجَ مع الجَيشِ أو السَّريةِ فأُسرَ فله نَصيبُه في الغَنيمةِ. قالَ الحَنفيةُ: لو بعَثَ الإمامُ سَريةً فأصابوا غَنائمَ ثم أسلَمَ رَجلٌ في دارِ الحَربِ فقتَلَ قَومًا منهم وأخَذَ أموالَهم والتحَقَ بالسَّريةِ ثم خرَجُوا إلى دارِ الإسلامِ ولم يَلقَوا قِتالًا فللسَّريةِ شَرِكةٌ مع الرَّجلِ فيما أصابَ؛ لأنَّه أحرَزَه بمَنَعتِهم وشارَكوه في إحرازِ ذلك بدارِ الإسلامِ. ولا شَرِكةَ للرَّجلِ مع السَّريةِ فيما أصَابوا؛ لأنَّه التحَقَ بهم على قَصدِ النَّجاةِ من المُشرِكينَ، فكانَ حالُه كحالِ التاجِرِ يَلتحِقُ بالسَّريةِ بعدَ إصابةِ الغَنيمةِ. وإنْ لقُوا قِتالًا بعدَما التحَقَ بهم الرَّجلُ اشتَرَكوا في المُصابِ كلِّه؛ لأنَّ الرَّجلَ قاتَلَ عن غَنائمِهم فيُشرِكُهم فيها كالتاجِرِ. وكذلك لو كانَ الرَّجلُ الذي التحَقَ بهم أَسيرًا في دارِ الحَربِ أُسرَ قبلَ ذلك بزَمانٍ؛ لأنَّ حالَه كحالِ الذي أسلَمَ منهم؛ فإنَّه لا يَنعقِدُ له سَببُ الاستِحقاقِ معهم، وإنَّما قصَدَ النَّجاةَ بالالتِحاقِ بهم. وإنْ كانَ مَأسورًا من هذه السَّريةِ والمَسألةِ بحالِها. فإنَّه يُشارِكُهم فيما أَصابوا وإنْ لم يَلقَوْا قِتالًا؛ لأنَّه كانَ انعقَدَ له سَببُ الاستِحقاقِ معهم ثم عرَضَ له عارِضٌ غيرُ قادِحٍ في ذلك السَّببِ فإذا

стр. 12311

زالَ صارَ كانَ لم يَكنْ؛ فإنْ لم يَلتحِقْ هذا الأَسيرُ بهم حتى خرَجُوا إلى دارِ الإسلامِ فلا شَرِكةَ للسَّريةِ مع الأَسيرِ فيما أصابَ؛ لأنَّهم ما شارَكوه في الإصابةِ ولا في الإحرازِ. ولا شَرِكةَ له معهم فيما أَصابوا بعدَما أُسِر هو؛ لأنَّه شارَكهم في الإصابةِ ولا في الإحرازِ. ولكنَّه يُشارِكُهم فيما كانُوا أَصابوا قبلَ أنْ يُؤسَرَ؛ لأنَّه شارَكَهم في الإصابةِ فثبَتَ حَقُّه فيها. ثم بالأسرِ لا يَبطُلُ ما كانَ ثابِتًا في حَقِّه وحالُه في ذلك كحالِ السَّريةِ التي امتنَعَت في دارِ الحَربِ بعدَ إصابةِ الغَنيمةِ (١). أمَّا المالِكيةُ: فقالَ عبدُ المَلكِ بنُ حَبيبٍ: وسَمِعتُ أصحابَ مالِكٍ يَقولون فيمَن أُسِرَ في القِتالِ: فله سَهمُه فيما غنِمَ قبلَ القِتالِ وبعدَه، بمَنزِلةِ مَنْ ماتَ أو قُتِل، ومَن أُسرَ قبلَ القِتالِ فلا سَهمَ له فيما غنِمَ بعدَه، إلَّا أنْ تَكونَ الغَنيمةُ في فَورةِ ذلك وبحَضرتِه، ومَن أُسرَ بعدَ القِتالِ فله سَهمُه فيما غنِمَ قبلَه وبعدَه، يُقسَمُ له ولفَرسِه: أُصيبَ معه، أو عُقرَ تحتَه، أو خلَّفه عندَ أصحابِه، ومُشاهدةُ القَريةِ أو الحِصنِ أو العَسكرِ بمَنزِلةِ القِتالِ، وإنْ لم يَكنْ قِتالٌ (٢).

стр. 12312

وقالَ الحَنابِلةُ: مَنْ أُسرَ بعدَ إحرازِ الغَنيمةِ قامَ وارِثُه مَقامَه في سَهمِه؛ لأنَّه ثبَتَ مِلكُه فيه فقامَ وارِثُه مَقامَه كما بعدَ القِسمةِ، وإنْ أُسرَ أو ماتَ قبلَ أنْ تُقضَى الحَربُ فلا شَيءَ له؛ لأنَّه لم يَملِكْ شَيئًا (١). ولم أقِفْ على كَلامٍ للشافِعيةِ في هذه المَسألةِ. هل تَرُدُّ السَّرايا ما تَغنَمُ على الجَيشِ ويَرُدُّ الجَيشُ ما يَغنَمُ على السَّرايا؟ لا خِلافَ بينَ العُلماءِ أنَّ السَّريةَ إذا خرَجَت من العَسكرِ بعدَ أنْ خرَجَ الإمامُ بالجَيشِ فغنِمَت أنَّ أهلَ العَسكرِ شُركاؤُهم فيما غَنِموا وكذلك العَسكرُ إذا غَنِموا ولم تَغنَمِ السَّريةُ أنَّ أهلَ السَّريةِ شُركاؤُهم فيما غَنِموا؛ ولأنَّهم جَيشٌ واحِدٌ فلم يَختَصَّ بَعضُهم بالغَنيمةِ وكلُّ واحِدٍ منهما رَدٌّ لصاحِبِه، ألَا تَرى أنَّ الجَيشَ إنِ احتاجَ إليها رجَعَت إليه، وإنِ احتاجَت إليه لحِقَ بها. وإنْ أنفَذَ الأميرُ سَريةً من الجَيشِ وأقامَ هو مع الجَيشِ فغنِمَت السَّريةُ لم يُشارِكْها الجَيشُ المُقيمُ مع الأميرِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ بعَثَ السَّرايا من المَدينةِ فلم يُشارِكْهم أهلُ المَدينةِ فيما غَنِموا، ولأنَّ الغَنيمةَ للمُجاهِدينَ، ولأنَّ الجَيشَ مُقيمٌ مع الأميرِ ما جاهَدُوا فلمْ يُشارِكِ السَّريةَ فيما غنِمَت.

стр. 12313

وإنْ نفَّذَ الإمامُ من دارِ الإسلامِ جيشَينِ أو سَريَّتينِ فأكثَرَ انفرَدَ كلٌّ بما غنِمَه لانفِرادِه بالجِهادِ بخِلافِ ما إذا فصَل الجَيشُ فدخَلَ بجُملَتِه بِلادَ الكُفارِ؛ فإنَّ جَميعَهم اشتَركوا في الجِهادِ فاشتَركوا في الغَنيمةِ. قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: ولو أنَّ قائِدًا فرَّقَ جُنودَه في وَجهَينِ، فغنِمَت إحدى الفِرقتَينِ ولمْ تَغنَمِ الأُخرى، أو بعَثَ سَريةً من عَسكرٍ أو خرَجَت هي، فغَنِمت في بِلادِ العَدوِّ ولم يَغنَمِ العَسكرُ، أو غنِمَ العَسكرُ ولمْ تَغنَمِ السَّريةُ، شارَكَ كلُّ واحِدٍ من الفَريقَينِ صاحِبَه؛ لأنَّهما جَيشٌ واحِدٌ (١). وقالَ الإمامُ الشِّيرازيُّ ﵀: وإنْ خرَجَ أميرٌ في جَيشٍ وأنفَذَ سَريةً من الجَيشِ إلى الجِهةِ التي يَقصِدُها أو إلى غيرِها فغنِمَت السَّريةُ شارَكَهم الجَيشُ، وإنْ غنِمَ الجَيشُ شارَكَتْهم السَّريةُ. لأنَّ النَّبيَّ ﷺ حينَ هزَمَ هَوازِنَ بحُنَينٍ أسرى قِبَلَ أَوْطاسٍ سَريةً وغنِمَت فقسَمَ غَنائمَهم بينَ الجَميعِ، ورَوى عَمرُو بنُ شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «المُسلِمونَ يَدٌ على مَنْ سِواهم، يُجيرُ عليهم أدناهُم، ويَرُدُّ عليهم أَقصاهم، وتُردُّ سَراياهم على قاعِدِهم» (٢). ولأنَّ الجَميعَ جَيشٌ واحِدٌ لمْ يَختَصَّ بعضُهم بالغَنيمةِ. وإنْ أنفَذَ سَريَّتَينِ إلى جِهةٍ واحِدةٍ من طَريقٍ أو طَريقَينِ اشتَركَ الجَيشُ والسَّريتانِ فيما يَغنَمُ كلُّ واحِدٍ منهم؛ لأنَّ الجَميعَ جَيشٌ واحِدٌ.

стр. 12314

وإنْ أنفَذَ سَريَّتَينِ إلى جهَتَينِ شارَكَ السَّريتانِ الجَيشَ فيما يَغنَمُه وشارَكَ الجَيشُ السَّريتَينِ فيما يَغنَمان. وهل تُشارِكُ كلُّ واحِدةٍ من السَّريتَينِ السَّريةَ الأُخرى فيما تَغنَمُه؟ فيه وَجهانِ: أحدُهما: أنَّها لا تُشارِكُ؛ لأنَّ الجَيشَ أصلُ السَّريتَينِ وليسَت إحدى السَّريتَينِ أصلًا للأُخرى. والثاني: (وهو الصَّحيحُ) أنَّها تُشارِكُ؛ لأنَّهما من جَيشٍ واحِدٍ. وإنْ أنفَذَ الأميرُ سَريةً من الجَيشِ وأقامَ هو مع الجَيشِ فغنِمَت السَّريةُ لمْ يُشارِكْها الجَيشُ المُقيمُ مع الأميرِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ بعَثَ السَّرايا من المَدينةِ فلمْ يُشارِكْهم أهلُ المَدينةِ فيما غَنِموا، ولأنَّ الغَنيمةَ للمُجاهِدينَ ولأنَّ الجَيشَ مُقيمٌ مع الأميرِ ما جاهَدُوا فلم يُشارِكِ السَّريةَ فيما غنِمَت، واللهُ أعلَمُ (١). وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: «لمْ يَختلِفِ العُلماءُ على أنَّ السَّريةِ إذا خرَجَت من العَسكرِ فغنِمَت أنَّ أهلَ العَسكرِ شُركاؤُهم فيما غَنِموا» (٢). وقالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: واختَلفُوا فيما تُصيبُ السَّرايا، فقالَ كَثيرٌ من أهلِ العِلمِ: إذا خرَجَ الإمامُ أو القائِدُ إلى بِلادِ العَدوِّ، فأقامَ بمَكانٍ وبعَثَ سَريةً، أو سَرايا في وُجوهٍ شَتَّى، فأصابَتِ السَّرايا مَغنَمًا؛ أنَّ ما أصابَت بينَها

стр. 12315

وبينَ العَسكرِ، وكذلك لو أصابَ العَسكرُ شَيئًا، شرَكَهم مَنْ خرَجَ في السَّريةِ؛ لأنَّ كلَّ فَريقٍ منهم رِدْءٌ لصاحِبِه أو لأَصحابِه، ففي قَولِ مالِكٍ، والشافِعيِّ، والثَّوريِّ، والأَوزاعيِّ، واللَّيثِ، وأحمدَ، وإسحاقَ، وأبي ثَورٍ، وأصحابِ الرأيِ: أنَّ ما أصابَت السَّريةُ دونَ الجَيشِ أو أصابَه الجَيشُ دونَ السَّريةِ؛ هُمْ كلُّهم في ذلك شُركاءُ؛ لأنَّ كلَّ فَريقٍ رِدْءٌ لصاحِبِه» (١). حقُّ الرِّدْءِ في الغَنيمةِ: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في أنَّ الرِّدْءَ والمُقاتِلَ المُباشِرَ للقِتالِ سَواءٌ في الغَنيمةِ لا يَتميَّزُ واحِدٌ عن آخَرَ بشَيءٍ لاستِواءِ الكُلِّ في سَببِ الاستِحقاقِ. قالَ الإمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: أجمَعَ المُسلِمونَ على أنَّ حُكمَ الرِّدْءِ حُكمُ المُباشِرِ في الجِهادِ ولا يُشترطُ في قِسمةِ الغَنيمةِ ولا في الثَّوابِ مُباشَرةُ كلِّ واحِدٍ القِتالَ (٢). وقالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: والرِّدْءُ أي: العَونُ، والمُقاتِلُ أي: المُباشِرُ للقِتالِ مع الكُفارِ، وكذا أميرُ العَسكَرِ سَواءٌ في الغَنيمةِ لا يَتميَّزُ واحِدٌ منهم على آخَرِ بشَيءٍ، وهذا بلا خِلافٍ لاستِواءِ الكُلِّ في سَببِ الاستِحقاقِ (٣).

стр. 12316

وقالَ الإمامُ الأزديُّ القُرطبيُّ ﵀: الأصلُ في استِحقاقِ الغَنيمةِ ما به تُحازُ وتُغنَمُ، وهو: القِتالُ، إلا أنَّ القِتالَ يَكونُ من لواحِقِه وضَروراتِه أعمالٌ يَتقسَّمُها الجَيشُ، كلُّها تَرجِعُ إلى إنجادِهم وإعانَتِهم وتَدبيرِ أحوالِهم وتَفرُّغِهم للإِقبالِ على القِتالِ؛ فمِن ذلك الوُقوفُ في الساقةِ رِدْءًا لهم، ومن ذلك الخُروجُ في الكَمينِ لانتِهازِ الفُرصةِ والدَّفعِ في مَوضِعِ الحاجةِ، ومن ذلك التَّقدُّمُ في السَّرايا والمَسالِحِ أمامَهم وخَلفَهم، ومن ذلك حِراسَتُهم في رِحالِهم وأحوالِهم، والنَّظرُ فيما يُصلِحُهم من العَلوفةِ وغيرِها، ممَّا فيه مَعونَتُهم على ما هم بصَدَدِه، فكانَ جَميعُ هؤلاءِ شُركاءَ في المَغنَمِ؛ لأنَّه بذلك تمَّ أمرُهم. قالَ القاضي عبدُ الوَهَّابِ ﵀: من شهِدَ القِتالَ فله سَهمُه، قاتَلَ أو لم يُقاتلْ؛ لأنَّه قد حضَرَ سَببَ الغَنميةِ وهو القِتالُ؛ ولأنَّه ليسَ كلُّ الجَيشِ يُقاتِلُ؛ لأنَّ ذلك خِلافُ مَصلَحةِ الحَربِ؛ لأنَّه يَحتاجُ إلى أنْ يَكونَ بَعضُهم في الرِّدْءِ، وبَعضُهم يَحفَظونَ السَّوادَ، وبَعضُهم في العَلوفةِ، على حسَبِ ما يُحتاجُ إليه في الحَربِ. فلو قُلنا: إنَّهم يُقاتِلونَ كلُّهم لم يَستمِرَّ؛ لما بيَّنَّاه، ولو قُلنا: إنَّه لا يَستحِقُّ إلا مَنْ قاتَلَ لكانَ كلُّ الجَيشِ يُقاتِلُ فيَبطُلَ التَّدبيرُ. قالَ: وقيلَ في قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ [آل عمران: ١٦٧]، أي: كَثِّروا. قُلتُ: فإذا تَقرَّرَ ذلك، فمَن خرَجَ في الجَيشِ برَسمِ الجِهادِ، فكانَ من فَريقِ مَنْ ذكَرْنا للتَّعاوُنِ على الحَربِ، فلا خِلافَ أعلَمُه في أنَّه يُسهَمُ

стр. 12317

له، إذا كانَ في نَفسِه على الصِّفاتِ التي قَدَّمنا، حَسبَما مَضى في بَعضِها من الخِلافِ (١). كَيفيةُ قِسمةِ الغَنيمةِ: يَبدأُ الإمامُ في القِسمةِ بالأسلابِ فيَدفَعُها إلى أهلِها؛ لأنَّ القاتِلَ يَستحِقُّها غيرَ مُخمَّسةٍ عندَ الجُمهورِ -كما سيأتي-؛ فإنْ كانَ في الغَنيمةِ مالٌ لمُسلمٍ أو ذِميٍّ دُفِع إليه؛ لأنَّ صاحبَه مُتعيَّنٌ. ثم يَبدأُ بمُؤنةِ الغَنيمةِ من أُجرةِ نَقالَ وحَمَّالٍ وحافِظِ مَخزَنٍ وحاسِبٍ؛ لأنَّه مِنْ مَصلَحةِ الغَنيمةِ، وإعطاءِ جُعلِ مَنْ دلَّه على مَصلَحةٍ كطَريقٍ أو قَلعةٍ. ثم يُرضَخُ من الغَنيمةِ لمَن لا سَهمَ له من الحاضِرينَ بحسَبِ غَنائِه ولا يَبلَغُ بالرَّضخِ سَهمَ فارِسٍ ولا رَاجلٍ، ثم يُقسَمُ الباقي بينَ من شهِدَ الوَقعةَ (٢). ويَنبَغي للإمامِ أو نائِبِه أنْ يَعرِضَ الجَيشَ عندَ دُخولِه دارَ الحَربِ ليَعلَمَ الفارِسَ من الراجِلِ ليَقسِمَ بينَهم بقَدْرِ استِحقاقِهم، فمَن دخَلَ فارِسًا ثم ماتَ فَرَسُه بعدَ ذلك فله سَهمُ فارِسٍ، وكذا لو أخَذَه العَدوُّ قبلَ حُصولِ الغَنيمةِ أو بعدَها؛ لأنَّ الفارِسَ مَنْ أوجَفَ على بِلادِ العَدوِّ بفَرسٍ فدخَلَ فارِسًا؛ لأنَّ المَقصودَ إرهابُ العَدوِّ دونَ القِتالِ عليها، حتى إنَّ مَنْ دخَلَ

стр. 12318

فارِسًا وقاتَلَ راجِلًا استحَقَّ سَهمَ فارِسٍ، وإرهابُ العَدوِّ إنَّما يَحصُلُ بالدُّخولِ؛ لأنَّ عندَه يَنتَشِرُ الخبَرُ ويَصِلُ إليهم أنَّه دخَلَ كذا وكذا فارِسًا، وكذا وكذا رَاجِلًا ويَتعذَرَ الوُقوفُ عليهم عندَ القِتالِ؛ لأنَّه وَقتُ التِقاءِ الصَّفَّينِ وتَعبِئةِ الجُيوشِ وتَرتيبِ الصُّفوفِ، والوَقتُ حينَئذٍ يَضيقُ عن اعتبارِ الفارِسِ من الراجِلِ ومَعرِفَتِهم وكَتْبِهم، وقد تَقعُ الحاجةُ إلى القِتالِ راجِلًا في المَضايِقِ وأبوابِ الحُصونِ وبينَ الشَّجرِ ونَحوِ ذلك، فوجَبَ أنْ يُعتبَرَ السَّببُ الظاهِرُ وهو المُجاوَزةُ لحُصولِ المَقصودِ به على ما بيَّنَّا، ولأنَّ اللهَ تَعالى جعَلَ الدُّخولَ في أرضِ العَدوِّ كإصابةِ العَدوِّ بقَولِه: ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٠] (١). ثم يَجعَلُها خَمسةَ أقسامٍ مُتساوِيةٍ: الخُمسُ الأولُ: قد اختَلفَ العُلماءُ في مَصرِفِه على ثَلاثةِ أقوالٍ: فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ هذا الخُمسَ يُقسَمُ خَمسةَ أقسامٍ، كما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]. الخُمسُ الأولُ: للهِ ولرَسولِه: ويُصرَفُ بعدَ مَوتِ النَّبيِّ ﷺ في الكُراعِ والسِّلاحِ ومَصالحِ المُسلِمينَ، يَضَعُه الإمامُ في كلِّ أمرٍ خُصَّ به

стр. 12319

الإسلامُ وأهلُه من سَدِّ ثَغرٍ وإعدادِ كُراعٍ أو سِلاحٍ، أو إعطائِه أهلَ البَلاءِ في الإسلامِ نَفلًا عندَ الحَربِ وغيرِ الحَربِ، وهذا قَولُ الشافِعيِّ والحَنابِلةِ في المَذهبِ، وهذا السَّهمُ كانَ لرَسولِ اللهِ ﷺ من الغَنيمةِ حضَرَ أو لمْ يَحضُرْ، كما أنَّ سَهمَ بَقيةِ أصحابِ الخُمسِ لهم حَضَروا أو لم يَحضُروا. وعن الإمامِ أحمدَ رِوايةٌ أُخرى: أنَّه يُصرَفُ إلى أهلِ الدِّيوانِ وهُم الذين نَصَبوا أنفُسَهم للقِتالِ وانفَردوا للثُّغورِ وسَدِّها، يُقسَمُ فيهم على قَدْرِ كِفاياتِهم. الخُمسُ الثانِي: لقَرابةِ النَّبيِّ ﷺ وآلِ بَيتِه الكِرامِ: وهُم بَنو هاشِمٍ وبَنو المُطَّلِبِ بنِ عبدِ مَنافٍ دونَ غيرِهم عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ، لما ثبَتَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يُعطِيهم. فرَوى جُبَيرُ بنُ مُطعِمٍ قالَ: «لمَّا كانَ يَومُ خَيبَرَ وضَعَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ سَهمَ ذي القُربَى في بَني هَاشمٍ وبَني المطَّلِبِ وترك بَني نَوفَلٍ وبَني عبدِ شَمسٍ، فانطلَقتُ أنا وعُثمانُ بنُ عَفَّانَ حتى أتَينا النَّبيَّ ﷺ فَقلْنَا: يا رَسولَ اللَّهِ، هَؤلَاءِ بَنو هَاشمٍ لا نُنكِرُ فَضلَهم للمَوضِعِ الذي وضَعَك اللهُ به منهم، فما بالُ إخوانِنا بَني المُطَّلِبِ أعطَيتَهم وتَرَكتَنا، وقَرابَتُنا وَاحِدةٌ؟ فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّا وبَنو المُطَّلِبِ لا نَفتَرِقُ في جَاهلِيةٍ ولا إسلامٍ، وإنَّما نحنُ وهم شَيءٌ واحِدٌ، وشبَّكَ بينَ أصَابعِه» (١) فرَعى لهم النَّبيُّ ﷺ نُصرَتَهم ومُوافَقتَهم بَني هاشِمٍ.

стр. 12320

ويشتَرِكُ فيه الذَّكرُ والأُنثى لدُخولِهم في اسمِ القَرابةِ، وغَنيُّهم وفَقيرُهم فيه سَواءٌ، للذَّكرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثيَينِ عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ في إحدى الرِّوايتَينِ؛ لأنَّه سَهمٌ استُحِقَّ بقَرابةِ الأبِ شَرعًا، ففُضِّلَ فيه الذَّكرُ على الأُنثى كالمِيراثِ. والرِّوايةُ الثانِيةُ: يُسوَّى بينَ الذَّكرِ والأُنثى؛ لأنَّهم أُعطوا باسمِ القَرابةِ، والذَّكرُ والأُنثى فيها سَواءٌ، فأشبَهَ ما لو أوصى لقَرابةِ فُلانٍ أو وقَفَ عليهم ألَا تَرى أنَّ الجَدَّ يَأخذُ مع الأبِ، وابنَ الابنِ يَأخذُ مع الابنِ؟ وهذا يَدلُّ على مُخالَفةِ المَواريثِ ولأنَّه سَهمٌ من خُمسِ الخُمسِ لجَماعةٍ فيَستَوي فيه الذَّكرُ والأُنثى كسائرِ سِهامِه ويُسوَّى بينَ الصَّغيرِ والكَبيرِ على الرِّوايتَينِ لاستِوائِهم في القَرابةِ فأشبَهَ المِيراثَ. الخُمسُ الثالِثُ: لليَتامى: وهُم الذين فقَدوا آباءَهم وهُم صِغارٌ دونَ البُلوغِ. لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا يُتمَ بعدَ احتِلامٍ» (١). واختُلِفَ هل يَختصُّ بفَقيرِهم أو يَستَوي فيه غَنيُّهم وفَقيرُهم؟ فذهَبَ الشافِعيةُ في المَشهورِ وبَعضُ الحَنابِلةِ إلى أنَّهم لا يَستحقُّونَ إلا مع الفَقرِ؛ لأنَّ صاحِبَ الأبِ لا يَستحِقُّ، والمالَ أنفَعُ من وُجودِ الأبِ، ولأنَّه صُرفَ إليهم لحاجَتِهم؛ فإنَّ اسمَ اليُتمِ يُطلَقُ عليهم في العُرفِ للرَّحمةِ ومَن كانَ إعطاؤُه لذلك اعتُبِرت الحاجةُ فيه وفارَقَ ذَوي القُربى؛ فإنَّهم

стр. 12321

استحَقُّوا لقُربِهم من رَسولِ اللهِ ﷺ تَكرِمةً لهم، والغَنيُّ والفَقيرُ في القُربِ سَواءٌ، فاستَوَيا في الاستِحقاقِ. وقالَ بعضُ الحَنابِلةِ وبَعضُ الشافِعيةِ: هُمْ سَواءٌ لعُمومِ النَّصِّ في كلِّ يَتيمٍ وقياسًا له على سَهمِ ذي القُربَى، ولأنَّه لو خَصَّ به الفَقيرَ لكانَ داخِلًا في جُملةِ المَساكينِ الذين هُمْ أصحابُ السَّهمِ الرابِعِ فكانَ يَستَغنِي عن ذِكرِهم وتَسميَتِهم. الخُمسُ الرابِعُ: للمَساكينِ: وهُم أهلُ الحاجةِ، ويَدخلُ فيهم الفُقراءُ، والفُقراءُ والمَساكينُ صِنفانِ في الزَّكاةِ، وصِنفٌ واحِدٌ ههنا وفي سائرِ الأحكامِ، وإنَّما يَقَعُ التَّمييزُ بينَهما إذا جُمعَ بينَهما بلَفظَينِ ولم يَردْ ذلك إلا في الزَّكاةِ. الخُمسُ الخامِسُ: لابنِ السَّبيلِ: وهو المُسافِرُ المُنقطِعُ الذي يَحتاجُ إلى مالٍ يُوصِّلُه إلى بَلدِه، فيُعطَى قَدرَ ما يُوصِّلُه إلى بَلدِه؛ لأنَّ دَفعَنا إليه لأجلِ الحاجةِ فأُعطيَ بقَدْرِها (١). والقَولُ الثانِي، وهو قَولُ الحَنفيةِ: أنَّه يُقسَّمُ الخُمسُ على ثَلاثةِ أسهُمٍ هي: ١ - سَهمٌ لليَتامى: ويُشترطُ فيهم الفَقرُ. ٢ - سَهمٌ للمَساكينِ.

стр. 12322

٣ - سَهمٌ لأبناءِ السَّبيلِ: وابنُ السَّبيلِ هو المُنقطِعُ عن مالِه. وأسقَطوا سَهمَ رَسولِ اللهِ ﷺ وسَهمَ قَرابَتِه أيضًا، وقالُوا: ويَدخُلُ فُقراءُ ذَوي القُربى فيهم، أي: أيتامُ ذَوي القُربى يَدخُلون في سَهمِ اليَتامى، ومَساكينُ ذَوي القُربى يَدخُلونَ في سَهمِ المَساكينِ، وأبناءُ السَّبيلِ من ذَوي القُربى، ويُقدَّمُ ذَوو القُربى على الطَوائفِ الثَّلاثةِ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى قدَّمَهم في الآيةِ فقالَ تَعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]، ولا يُدفَعُ إلى أَغنيائِهم شَيءٌ؛ لأنَّه إنَّما يُستحقُّ بالفَقرِ والحاجةِ. فأمَّا ما ذكَرَه اللهُ تَعالى لنَفسِه في كِتابِه من الخُمسِ؛ فإنَّما هو لافتِتاحِ الكَلامِ تبَرُّكًا باسمِه تَعالى، وسَهمُ النَّبيِّ ﷺ سقَطَ بمَوتِه كما سقَطَ الصَّفيُّ، وهو شَيءٌ كانَ يَصطَفيه النَّبيُّ ﷺ لنَفسِه من الغَنيمةِ مِثلَ دِرعٍ أو سَيفٍ أو جاريةٍ (١). وسَهمُ ذَوي القُربى كانُوا يَستحِقُّونَه في زَمنِ النَّبيِّ ﷺ بالنُّصرةِ وبمَوتِه زالَت النُّصرةُ. وبَعدَه بالفَقرِ فيُقسَمُ بينَهم للذَّكرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثَيَينِ ويَكونُ لبَني هاشِمٍ وبَني المطَّلِبِ دونَ غيرِهم من بَني عبدِ شَمسٍ وبَني نَوفَلٍ (٢).

стр. 12323

والقَولُ الثالِثُ: وهو قَولُ الإمامِ مالِكٍ: يُجعَلَ الخُمسُ في بَيتِ المالِ ويَجتهِدُ الإمامُ في قَسمِه إلا أنَّه لم يُسقِطْ سَهمَ ذي القُربى وقالَ: يُعطيهم الإمامُ ويَجتهِدُ في ذلك. وقالَ: قِسمةُ الخُمسِ كقِسمةِ الفَيءِ، وهُما جَميعًا يُجعَلانِ في بَيتِ المالِ. ويُعطَى أقرِباءُ رَسولِ اللهِ ﷺ منهما على ما يَرى الإمامُ ويَجتهِدُ في ذلك؛ فإنْ تَكافَأ أهلُ البُلدانِ في الحاجةِ بدَأَ بالذين المالُ فيهم وإنْ كانَ بعضُ البُلدانِ أشَدَّ حاجةً نُقلَ إليهم أكثَرُ المالِ (١). أمَّا الأَخماسُ الأربَعةُ الباقيةُ فتُوزَّعُ على الغانِمينَ كما يلي: فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ إلى أنَّ للراجِلِ سَهمًا وللفارِسِ سَهمَينِ. وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ وأبو يُوسفَ ومُحمدٌ من الحَنفيةِ وغيرُهم إلى أنَّ المُقاتِلَ إذا كانَ راجِلًا فله سَهمٌ واحِدٌ، وإنْ كانَ فارِسًا فله ثَلاثةُ أسهُمٍ: سَهمٌ له وسَهمان لفَرَسِه؛ وذلك لما رَواه ابنُ عُمرَ ﵄: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ جعَلَ للفَرَسِ سَهمَينِ ولصاحِبِه سَهمًا» (٢).

стр. 12324

قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وهذا مَذهبُ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ، وبه قالَ الحَسنُ البَصريُّ، ومُحمدُ بنُ سِيرينَ، ومَكحولٌ، وحَبيبُ بنُ أبي ثابِتٍ، وهذا قَولُ عَوامِّ عُلماءِ الأمصارِ في القَديمِ والحَديثِ، وممَّن قالَ ذلك مالِكُ بنُ أنَسٍ ومَن مَعه من أهلِ المَدينةِ، وكذلك قالَ الأَوزاعيُّ ومَن وافَقَه من أهلِ الشامِ، وبه قالَ سُفيانُ الثَّوريُّ ومَن وافَقَه من أهلِ العِراقِ، وهو قَولُ اللَّيثِ بنِ سَعدٍ ومَن تَبِعه من أهلِ مِصرَ، وكذلك قالَ الشافِعيُّ وأصحابُه، وبه قالَ أحمدُ بنُ حَنبَلٍ، وإسحاقُ بنُ راهَويْهِ، وأبو ثَورٍ، ويَعقوبُ، ومُحمدٌ. ولا نَعلَمُ أحَدًا في القَديمِ والحَديثِ خالَفَ ذلك، ولا عدَلَ عن القَولِ بما يَثبُتُ به الأخبارُ عن رَسولِ اللهِ، وما كانَ عليه جُملةُ أهلِ العِلمِ في كلِّ وَقتٍ، إلا النُّعمانَ -أي: أبا حَنيفةَ-؛ فإنَّه خالَفَ كلَّ ما ذكَرْناه، فقالَ: لا يُسهَمُ للفَرسِ إلا سَهمٌ واحِدٌ، وخالَفَه أَصحابُه فبَقيَ قَولُه مَهجورًا مُخالِفًا للأَخبارِ التي ذكَرْناها عن رَسولِ اللهِ ﷺ ، وعمَّن بعدَ رَسولِ اللهِ ﷺ . وقالَ الشافِعيُّ: فأمَّا ما حَكى أبو يُوسفَ عن أبي حَنيفةَ أنَّه قالَ: لا أُفضِّلُ بَهيمةً على مُسلمٍ، فلو لم يَكنْ في هذا خَبَرٌ عن رَسولِ اللهِ ﷺ يَكونُ مَحجوجًا بخِلافِه، كانَ قَولُه: (لا أُفضِّلُ بَهيمةً على مُسلمٍ) خَطأً من جِهتَينِ: إحداهُما: أنَّه إنْ كانَ إنَّما أُعطي بسَببِ الفَرسِ سَهمَينِ كانَ مُفضِّلًا له على المُسلِمِ؛ إذْ كانَ إنَّما يُعطي المُسلِمَ سَهمًا انبَغى له ألَّا يُسوِّيَ البَهيمةَ

стр. 12325

بالمُسلِمِ، ولا يُقرِّبَها منه، وإنْ كانَ هذا كَلامًا عَربيًّا، وإنَّما معناه أنْ يُعطيَ الفارِسَ سَهمًا له، وسَهمَينِ بسَببِ فَرسِه؛ لأنَّ اللهَ ندَبَ إلى اتِّخاذِ الخَيلِ، فقالَ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] الآيةَ، وأعطاهم رَسولُ اللهِ ﷺ كما وصَفْنا؛ فإنَّما سَهما الفَرسِ لراكِبِه لا للفَرسِ، والفَرسُ لا يَملِكُ شَيئًا، إنَّما يَملِكُه فارِسُه بغِذاءِ الفَرسِ والمُؤنةِ عليه فيه، وما ملَّكَه به رَسولُ اللهِ ﷺ (١). الإسهامُ لأكثرَ من فَرَسٍ: اختَلفَ الفُقهاءُ هل يَجوزُ الإسهامُ لأكثَرَ من فَرسٍ أو لا؟ فقالَ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ وزُفَرُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ: لا يُسهَمُ لأكثَرَ من فَرسٍ واحِدٍ؛ لأنَّ الإسهامَ للخَيلِ في الأصلِ ثبَتَ على مُخالَفةِ القياسِ، إلا أنَّ الشَّرعَ ورَد به لفَرسٍ واحِدٍ، فالزِّيادةُ على ذلك تُرَدُّ إلى أصلِ القياسِ. ولأنَّه مَعلومٌ أنَّ الجَيشَ قد كانُوا يَغزونَ مع رَسولِ اللهِ ﷺ بعدَما
следующие страницы →