← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 12321–12360 · переход к 12326.

стр. 12321

استحَقُّوا لقُربِهم من رَسولِ اللهِ ﷺ تَكرِمةً لهم، والغَنيُّ والفَقيرُ في القُربِ سَواءٌ، فاستَوَيا في الاستِحقاقِ. وقالَ بعضُ الحَنابِلةِ وبَعضُ الشافِعيةِ: هُمْ سَواءٌ لعُمومِ النَّصِّ في كلِّ يَتيمٍ وقياسًا له على سَهمِ ذي القُربَى، ولأنَّه لو خَصَّ به الفَقيرَ لكانَ داخِلًا في جُملةِ المَساكينِ الذين هُمْ أصحابُ السَّهمِ الرابِعِ فكانَ يَستَغنِي عن ذِكرِهم وتَسميَتِهم. الخُمسُ الرابِعُ: للمَساكينِ: وهُم أهلُ الحاجةِ، ويَدخلُ فيهم الفُقراءُ، والفُقراءُ والمَساكينُ صِنفانِ في الزَّكاةِ، وصِنفٌ واحِدٌ ههنا وفي سائرِ الأحكامِ، وإنَّما يَقَعُ التَّمييزُ بينَهما إذا جُمعَ بينَهما بلَفظَينِ ولم يَردْ ذلك إلا في الزَّكاةِ. الخُمسُ الخامِسُ: لابنِ السَّبيلِ: وهو المُسافِرُ المُنقطِعُ الذي يَحتاجُ إلى مالٍ يُوصِّلُه إلى بَلدِه، فيُعطَى قَدرَ ما يُوصِّلُه إلى بَلدِه؛ لأنَّ دَفعَنا إليه لأجلِ الحاجةِ فأُعطيَ بقَدْرِها (١). والقَولُ الثانِي، وهو قَولُ الحَنفيةِ: أنَّه يُقسَّمُ الخُمسُ على ثَلاثةِ أسهُمٍ هي: ١ - سَهمٌ لليَتامى: ويُشترطُ فيهم الفَقرُ. ٢ - سَهمٌ للمَساكينِ.

стр. 12322

٣ - سَهمٌ لأبناءِ السَّبيلِ: وابنُ السَّبيلِ هو المُنقطِعُ عن مالِه. وأسقَطوا سَهمَ رَسولِ اللهِ ﷺ وسَهمَ قَرابَتِه أيضًا، وقالُوا: ويَدخُلُ فُقراءُ ذَوي القُربى فيهم، أي: أيتامُ ذَوي القُربى يَدخُلون في سَهمِ اليَتامى، ومَساكينُ ذَوي القُربى يَدخُلونَ في سَهمِ المَساكينِ، وأبناءُ السَّبيلِ من ذَوي القُربى، ويُقدَّمُ ذَوو القُربى على الطَوائفِ الثَّلاثةِ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى قدَّمَهم في الآيةِ فقالَ تَعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]، ولا يُدفَعُ إلى أَغنيائِهم شَيءٌ؛ لأنَّه إنَّما يُستحقُّ بالفَقرِ والحاجةِ. فأمَّا ما ذكَرَه اللهُ تَعالى لنَفسِه في كِتابِه من الخُمسِ؛ فإنَّما هو لافتِتاحِ الكَلامِ تبَرُّكًا باسمِه تَعالى، وسَهمُ النَّبيِّ ﷺ سقَطَ بمَوتِه كما سقَطَ الصَّفيُّ، وهو شَيءٌ كانَ يَصطَفيه النَّبيُّ ﷺ لنَفسِه من الغَنيمةِ مِثلَ دِرعٍ أو سَيفٍ أو جاريةٍ (١). وسَهمُ ذَوي القُربى كانُوا يَستحِقُّونَه في زَمنِ النَّبيِّ ﷺ بالنُّصرةِ وبمَوتِه زالَت النُّصرةُ. وبَعدَه بالفَقرِ فيُقسَمُ بينَهم للذَّكرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثَيَينِ ويَكونُ لبَني هاشِمٍ وبَني المطَّلِبِ دونَ غيرِهم من بَني عبدِ شَمسٍ وبَني نَوفَلٍ (٢).

стр. 12323

والقَولُ الثالِثُ: وهو قَولُ الإمامِ مالِكٍ: يُجعَلَ الخُمسُ في بَيتِ المالِ ويَجتهِدُ الإمامُ في قَسمِه إلا أنَّه لم يُسقِطْ سَهمَ ذي القُربى وقالَ: يُعطيهم الإمامُ ويَجتهِدُ في ذلك. وقالَ: قِسمةُ الخُمسِ كقِسمةِ الفَيءِ، وهُما جَميعًا يُجعَلانِ في بَيتِ المالِ. ويُعطَى أقرِباءُ رَسولِ اللهِ ﷺ منهما على ما يَرى الإمامُ ويَجتهِدُ في ذلك؛ فإنْ تَكافَأ أهلُ البُلدانِ في الحاجةِ بدَأَ بالذين المالُ فيهم وإنْ كانَ بعضُ البُلدانِ أشَدَّ حاجةً نُقلَ إليهم أكثَرُ المالِ (١). أمَّا الأَخماسُ الأربَعةُ الباقيةُ فتُوزَّعُ على الغانِمينَ كما يلي: فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ إلى أنَّ للراجِلِ سَهمًا وللفارِسِ سَهمَينِ. وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ وأبو يُوسفَ ومُحمدٌ من الحَنفيةِ وغيرُهم إلى أنَّ المُقاتِلَ إذا كانَ راجِلًا فله سَهمٌ واحِدٌ، وإنْ كانَ فارِسًا فله ثَلاثةُ أسهُمٍ: سَهمٌ له وسَهمان لفَرَسِه؛ وذلك لما رَواه ابنُ عُمرَ ﵄: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ جعَلَ للفَرَسِ سَهمَينِ ولصاحِبِه سَهمًا» (٢).

стр. 12324

قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وهذا مَذهبُ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ، وبه قالَ الحَسنُ البَصريُّ، ومُحمدُ بنُ سِيرينَ، ومَكحولٌ، وحَبيبُ بنُ أبي ثابِتٍ، وهذا قَولُ عَوامِّ عُلماءِ الأمصارِ في القَديمِ والحَديثِ، وممَّن قالَ ذلك مالِكُ بنُ أنَسٍ ومَن مَعه من أهلِ المَدينةِ، وكذلك قالَ الأَوزاعيُّ ومَن وافَقَه من أهلِ الشامِ، وبه قالَ سُفيانُ الثَّوريُّ ومَن وافَقَه من أهلِ العِراقِ، وهو قَولُ اللَّيثِ بنِ سَعدٍ ومَن تَبِعه من أهلِ مِصرَ، وكذلك قالَ الشافِعيُّ وأصحابُه، وبه قالَ أحمدُ بنُ حَنبَلٍ، وإسحاقُ بنُ راهَويْهِ، وأبو ثَورٍ، ويَعقوبُ، ومُحمدٌ. ولا نَعلَمُ أحَدًا في القَديمِ والحَديثِ خالَفَ ذلك، ولا عدَلَ عن القَولِ بما يَثبُتُ به الأخبارُ عن رَسولِ اللهِ، وما كانَ عليه جُملةُ أهلِ العِلمِ في كلِّ وَقتٍ، إلا النُّعمانَ -أي: أبا حَنيفةَ-؛ فإنَّه خالَفَ كلَّ ما ذكَرْناه، فقالَ: لا يُسهَمُ للفَرسِ إلا سَهمٌ واحِدٌ، وخالَفَه أَصحابُه فبَقيَ قَولُه مَهجورًا مُخالِفًا للأَخبارِ التي ذكَرْناها عن رَسولِ اللهِ ﷺ ، وعمَّن بعدَ رَسولِ اللهِ ﷺ . وقالَ الشافِعيُّ: فأمَّا ما حَكى أبو يُوسفَ عن أبي حَنيفةَ أنَّه قالَ: لا أُفضِّلُ بَهيمةً على مُسلمٍ، فلو لم يَكنْ في هذا خَبَرٌ عن رَسولِ اللهِ ﷺ يَكونُ مَحجوجًا بخِلافِه، كانَ قَولُه: (لا أُفضِّلُ بَهيمةً على مُسلمٍ) خَطأً من جِهتَينِ: إحداهُما: أنَّه إنْ كانَ إنَّما أُعطي بسَببِ الفَرسِ سَهمَينِ كانَ مُفضِّلًا له على المُسلِمِ؛ إذْ كانَ إنَّما يُعطي المُسلِمَ سَهمًا انبَغى له ألَّا يُسوِّيَ البَهيمةَ

стр. 12325

بالمُسلِمِ، ولا يُقرِّبَها منه، وإنْ كانَ هذا كَلامًا عَربيًّا، وإنَّما معناه أنْ يُعطيَ الفارِسَ سَهمًا له، وسَهمَينِ بسَببِ فَرسِه؛ لأنَّ اللهَ ندَبَ إلى اتِّخاذِ الخَيلِ، فقالَ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] الآيةَ، وأعطاهم رَسولُ اللهِ ﷺ كما وصَفْنا؛ فإنَّما سَهما الفَرسِ لراكِبِه لا للفَرسِ، والفَرسُ لا يَملِكُ شَيئًا، إنَّما يَملِكُه فارِسُه بغِذاءِ الفَرسِ والمُؤنةِ عليه فيه، وما ملَّكَه به رَسولُ اللهِ ﷺ (١). الإسهامُ لأكثرَ من فَرَسٍ: اختَلفَ الفُقهاءُ هل يَجوزُ الإسهامُ لأكثَرَ من فَرسٍ أو لا؟ فقالَ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ وزُفَرُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ: لا يُسهَمُ لأكثَرَ من فَرسٍ واحِدٍ؛ لأنَّ الإسهامَ للخَيلِ في الأصلِ ثبَتَ على مُخالَفةِ القياسِ، إلا أنَّ الشَّرعَ ورَد به لفَرسٍ واحِدٍ، فالزِّيادةُ على ذلك تُرَدُّ إلى أصلِ القياسِ. ولأنَّه مَعلومٌ أنَّ الجَيشَ قد كانُوا يَغزونَ مع رَسولِ اللهِ ﷺ بعدَما

стр. 12326

ظهَرَ الإسلامُ بفَتحِ خَيبَرَ ومَكةَ وحُنَينٍ وغيرِها من المَغازي، ولم يَكنْ يَخلو الجَماعةُ منهم من أنْ يَكونَ معه فَرَسانِ أو أكثَرُ، ولم يُنقَلَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ ضرَبَ لأكثرَ من فَرَسٍ واحِدٍ، وأيضًا فإنَّ الفَرسَ آلةٌ وكانَ القياسُ ألَّا يُضرَبَ له بسَهمٍ كسائرِ الآلاتِ فلمَّا ثبَتَ بالسُّنةِ والاتِّفاقِ سَهمُ الفَرسِ الواحِدِ أثبَتْناه ولم نُثبِتِ الزِّيادةَ إلا بتَوقيفٍ؛ إذْ كانَ القياسُ يَمنعُه. وقالَ الحَنابِلةُ وأبو يُوسفَ ومالِكٌ في رِوايةٍ: يُسهَمُ للفَرسَينِ ولا يُسهَمُ لأكثَرَ منهما؛ لأنَّ الغازيَ تَقعُ الحاجةُ له إلى فَرسَينِ، يَركَبُ أحَدَهما ويُجنِبُ الآخَرَ حتى إذا أَعيا المَركوبُ عن الكَرِّ والفَرِّ تَحوَّلَ إلى الآخَرِ. وإنْ غَزا اثنانِ على فَرسٍ مُشتَرَكٍ بينَهما أُعطيا سَهمَه شَرِكةً بينَهما (١). ثانيًا: الأسلابُ: وهي ما يأخُذُه المُقاتِلُ المُسلِمُ من قَتيلِه الكافِرِ في الحَربِ ممَّا عليه من ثِيابٍ وآلاتِ حَربٍ ومالٍ ومن مَركوبِه الذي يُقاتِلُ عليه، وما عليه من سَرجٍ ولِجامٍ. وكذا ما معه على الدَّابةِ من مالِه في حَقيبَتِه أو في وَسَطِه وما عدا ذلك فليسَ بسَلبٍ (٢).

стр. 12327

والفَرقُ بين السَّلبِ والغَنيمةِ: أنَّ السَّلبَ يَكونُ زيادةً على سَهمِ المُقاتِلِ ممَّا مع القَتيلِ. وقد اختَلفَ العُلماءُ في السَّلبِ هل لا بدَّ من أنْ يَشرُطَه الإمامُ للقاتِلِ أو يَجوزُ أخذُه وإنْ لم يَشرُطْه الإمامُ له؟ فقالَ أبو حَنيفةَ ﵀: إنْ شرَطَه الإمامُ للقاتِلِ فهو له، وإنْ لم يَشرُطْ ذلك له لم يَنفرِدْ به. وقالَ مالِكٌ ﵀: إنْ شرَطَه الإمامُ كانَ له من الخُمسِ؛ فإنْ كانَت قيمَتُه تَفي بقَدْرِ الخُمسِ استحَقَّ جَميعَه، وإنْ كانَت قيمَتُه أكثَرَ منه استحَقَّ منه بقَدْرِ الخُمسِ ولا يَستحِقُّه من أصلِ الغَنيمةِ وإنْ لم يشتَرِطْه الإمامُ فلا حَقَّ له. وقالَ الشافِعيُّ وأحمدُ في إحدى رِوايتَيه: يَستحِقُّ القاتِلُ سَلبَ مَقتولِه من أصلِ الغَنيمةِ سَواءٌ شرَطَ الإمامُ ذلك أو لم يَشرُطْه. وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخرى وهي: اعتِبارُ إذنِ الإمامِ وأنَّه للقاتِلِ مع إذْنِه؛ فإنْ لم يأذَنْ فيه لم يَنفرِدْ به. تَخميسُ السَّلبِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في السَّلبِ إنِ استحَقَّه القاتِلُ هل يُخمَّسُ أو يَكونُ كلُّه لصاحِبِه ولا يُخمَّسُ؟ فذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ إلى أنَّ السَّلبَ إنِ استحَقَّه القاتِلُ لا يُخمَّسُ؛ لما رَواه عَوفُ بنُ مالِكٍ وخالِدُ بنُ الوَليدِ ﵄ «أنَّ

стр. 12328

رسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضى بالسَّلَبِ للقَاتِلِ ولم يُخمِّسِ السَّلَبَ» (١)، ولقَولِه ﷺ : «مَنْ قتَلَ قَتيلًا له عليه بيِّنةٌ فله سلَبُه» (٢)، فهو بعُمومِه يَقتَضي أنَّ السَّلبَ كلَّه للقاتِلِ ولو خُمِّس لم يَكنْ كلُّه له. ومُقابِلُ المَشهورِ عندَ الشافِعيةِ أنَّ السَّلبَ يُخمَّسُ، فيُدفَعُ خُمسُه لأهلِ الفَيءِ، والباقي للقاتِلِ؛ لعُمومِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]. وأمَّا الإمامُ مالِكٌ فرُوِي عنه أنَّ السَّلبَ يُخمَّسُ. ورُوي عنه: أنَّ الإمامَ مُخيَّرٌ فيه إنْ شاءَ خمَّسَه وإنْ شاءَ لم يُخمِّسْه. وقالَ الحَنفيةُ: إذا لم يُنفَلَ بالسَّلبِ فهو من جُملةِ الغَنيمةِ، يُخمَّسُ ولا يَستحِقُّه القاتِلُ، فإذا جعَلَ الإمامُ السَّلبَ للقاتِلِ انقطَعَ حقُّ الباقِينَ عنه، ولا يُخمَّسُ السَّلبُ إلا أنْ يَقولَ: مَنْ قتَلَ قَتيلًا فله سَلَبُه بعدَ الخُمسِ؛ فإنَّه يُخمَّسُ (٣).

стр. 12329

ثالِثًا: الفَيءُ: وهو المالُ الحاصِلُ للمُسلِمينَ من أموالِ الكُفارِ بغيرِ قِتالٍ ولا إيجافِ خَيلٍ ولا رِكابٍ. والأصلُ في الفَيءِ قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٦، ٧]. والفَرقُ بينَ الغَنيمةِ والفَيءِ: أنَّ الغَنيمةَ ما أُخذَ من أهلِ الحَربِ عَنوةً والحَربُ قائِمةٌ، والفَيءُ ما أُخذَ من أهلِ الحَربِ بغيرِ قِتالٍ ولا إيجافِ خَيلٍ. ويَشمَلُ الفَيءُ: ما أُجلِي عنه الكُفارُ، وما أخَذَه العاشِرُ منهم، ويَشملُ الجِزيةَ، والخَراجَ، وتَرِكةَ ذِميٍّ أو نَحوِه ماتَ بلا وارِثٍ (١). قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦]، أي: ما حَرَّكتُم ولا سُقتُم خَيلًا ولا إبِلًا، ولِهذا قالَ الفُقهاءُ: إنَّ الفَيءَ هو ما أُخذَ من الكُفارِ بغيرِ قِتالٍ؛ لأنَّ إيجافَ الخَيلِ والرِّكابِ هو مَعنى القِتالِ، وسُمِّي فَيئًا لأنَّ اللهَ أفاءَه على

стр. 12330

المُسلِمينَ، أي: رَدَّه عليهم من الكُفارِ؛ فإنَّ الأصلَ أنَّ اللهَ تَعالى إنَّما خلَقَ الأموالَ إعانةً على عِبادَتِه؛ لأنَّه إنَّما خلَقَ الخَلقَ لعِبادَتِه، فالكافِرونَ به أباحَ أنفُسَهم التي لمْ يَعبُدوه بها، وأموالَهم التي لم يَستَعينوا بها على عِبادَتِه لعِبادِه المُؤمِنينَ الذين يَعبُدونه، وأفاءَ إليهم ما يَستحقُّونه كما يُعادُ على الرَّجلِ ما غصَبَ من مِيراثِه وإنْ لم يَكنْ قبَضَه قبلَ ذلك، وهذا مِثلُ الجِزيةِ التي على اليَهودِ والنَّصارى والمالِ الذي يُصالَحُ عليه العَدوُّ أو يُهدونَه إلى سُلطانِ المُسلِمينَ كالحِملِ الذي يُحمَلُ من بِلادِ النَّصارى ونَحوِهم وما يُؤخَذُ من تُجَّارِ أهلِ الحَربِ وهو العُشرُ ومن تُجارِ أهلِ الذِّمةِ إذا اتَّجَروا في غيرِ بِلادِهم وهو نِصفُ العُشرِ. هكذا كانَ عُمرُ بنُ الخَطابِ ﵁: يَأخذُ ما يُؤخَذُ من أموالِ مَنْ يَنقُضُ العَهدَ منهم والخَراجَ الذي كانَ مَضروبًا في الأصلِ عليهم، وإنْ كانَ قد صارَ بَعضُه على بعضِ المُسلِمينَ. ثم إنَّه يَجتمِعُ من الفَيءِ جَميعُ الأموالِ السُّلطانيةِ التي لبَيتِ مالِ المُسلِمينَ كالأموالِ التي ليسَ لها مالِكٌ مُعيَّنٌ، مِثلَ من ماتَ من المُسلِمينَ وليسَ له وارِثٌ مُعيَّنٌ وكالمَغصوبِ والعَوارِي والوَدائِعِ التي تَعذَّرت مَعرِفةُ أصحابِها، وغيرِ ذلك من أموالِ المُسلِمينَ العَقارِ والمَنقولِ، فهذا ونَحوُه مالُ المُسلِمينَ، وإنَّما ذكَرَ اللهُ تَعالى في القُرآنِ الفَيءَ فقط؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ ما كانَ يَموتُ على عَهدِه مَيِّتٌ إلا وله وارِثٌ مُعيَّنٌ لظُهورِ الأنسابِ في أصحابِه (١).

стр. 12331

وقد اختَلفَ الفُقهاءُ في الفَيءِ هل يُخمَّسُ أو لا؟ فذهَبَ عامةُ أهلِ العِلمِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ -وهو ما رجَّحَه القاضي من رِوايتَينِ عن أحمدَ- وغيرِهم إلى أنَّ الفَيءَ لا يُخمَّسُ، ومَحلُّه بَيتُ مالِ المُسلِمينَ، ويَصرِفُه الإمامُ باجتِهادِه في مَصالحِ المُسلِمينَ كسَدِّ الثُّغورِ وبِناءِ القَناطِرِ والجُسورِ، وكِفايةِ العُلماءِ والمُتعلِّمين والقُضاةِ والعُمَّالِ، ورِزقِ المُقاتِلةِ وذَراريِّهم. وقالَ المالِكيةُ: يَبدأُ بآلِ النَّبيِّ ﷺ نَدبًا. وقالَ الشافِعيةُ في الأظهَرِ، وهو ما رجَّحَه الخِرقيُّ من رِوايتَي أحمدَ: يُخمَّسُ الفَيءُ، وخُمسُه لأصحابِ خُمسِ الغَنيمةِ -وقد تَقدَّمَ بَيانُهم- والأَخماسُ الأربَعةُ للمُرتَزقةِ، وهُم الأجنادُ المُرصَدونَ للجِهادِ. ومُقابِلُ الأظهَرِ عندَ الشافِعيةِ: أنَّها تُصرَفُ في مَصالحِ المُسلِمينَ ولا يَختصُّ بها المُرتَزقةُ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وذكَرَ القاضي أنَّ أهلَ الفَيءِ هُمْ مِنْ أهلِ الجِهادِ من المُرابِطينَ في الثُّغورِ وجُندِ المُسلِمينَ ومَن يَقومُ بمَصالحهم؛ لأنَّ ذلك كانَ للنَّبيِّ ﷺ في حَياتِه لحُصولِ النُّصرةِ والمَصلَحةِ به، فلمَّا ماتَ صارَت للجُندِ وما يَحتاجُ إليه المُسلِمونَ، فصارَ ذلك لهم دونَ غيرِهم، وأمَّا الأعرابُ ونَحوُهم ممَّن لا يُعِدُّ نَفسَه للجِهادِ فلا حَقَّ لهم فيه، والذين يَغزونَ إذا نَشِطوا يُعطَوْن من سَهمِ سَبيلِ اللهِ من الصَّدقةِ.

стр. 12332

قالَ: ومَعنى كَلامِ أحمدَ (أنَّه بينَ الغَنيِّ والفَقيرِ) يَعني الغَنيَّ الذي فيه مَصلَحةُ المُسلِمينَ من المُجاهِدينَ والقُضاةِ والفُقهاءِ، ويُحتمَلُ أنْ يَكونَ معنى كَلامِه أنَّ لجَميعِ المُسلِمينَ الانتِفاعَ بذلك المالِ لكَونِه يُصرَفُ إلى مَنْ يَعودُ نَفعُه على جَميعِ المُسلِمينَ، وكذلك يَنتفِعونَ بالعُبورِ على القَناطِرِ والجُسورِ المَعقودةِ بذلك المالِ وبالأنهارِ والطُّرُقاتِ التي أُصلِحت به. وسياقُ كَلامِه يَدلُّ على أنَّه ليسَ مُختَصًّا بالجُندِ، وإنَّما هو مَصروفٌ في مَصالحِ المُسلِمينَ، لكنْ يَبدأُ بجُندِ المُسلِمينَ؛ لأنَّهم أهَمُّ المَصالحِ لكَونِهم يَحفَظونَ المُسلِمينَ فيُعطَونَ كِفاياتِهم، فما فضَلَ قُدِّمَ الأهَمُّ فالأهَمُّ من عِمارةِ الثُّغورِ وكِفايَتِها، فالأسلِحةُ والكُراعُ وما يُحتاجُ إليه، ثم الأهَمُّ فالأهَمُّ من عِمارةِ المَساجِدِ والقَناطِرِ وإصلاحِ الطُّرُقِ وكِراءِ الأنهارِ وسَدِّ بُثوقِها وأرزاقِ القُضاةِ والأئِمةِ والمُؤذِّنين والفُقهاءِ ونَحوِ ذلك ممَّا للمُسلِمينَ فيه نَفعٌ. ولِلشافِعيِّ قَولانِ كنَحوٍ ممَّا ذكَرْنا (١). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: وأمَّا مَصرِفُه -أي: الفَيءِ- بعدَ مَوتِه -أي: النَّبيِّ ﷺ فقد اتَّفقَ العُلماءُ على أنْ يُصرَفَ منه أرزاقُ الجُندِ المُقاتِلينَ الذين يُقاتِلونَ الكُفارَ؛ فإنَّ تَقويَتَهم تُذِلُّ الكُفارَ، فيُؤخَذُ منهم الفَيءُ.

стр. 12333

وتَنازَعوا هل يُصرَفُ في سائرِ مَصالحِ المُسلِمينَ أو تُختَصُّ به المُقاتِلةُ، على قَولَينِ للشافِعيِّ، ووَجهَينِ في مَذهبِ الإمامِ أحمدَ، لكنَّ المَشهورَ في مَذهبِه وهو مَذهبُ أبي حَنيفةَ ومالِكٍ: أنَّه لا يَختصُّ به المُقاتِلةُ، بل يُصرَفُ في المَصالحِ كلِّها، وعلى القَولَين: يُعطَى مَنْ فيه مَنفَعةٌ عامةٌ لأهلِ الفَيءِ؛ فإنَّ الشافِعيَّ قالَ: يَنبَغي للإمامِ أنْ يَخُصَّ مَنْ في البُلدانِ من المُقاتِلةِ وهو مَنْ بلَغَ، ويُحصي الذُّريةَ وهي مَنْ دونَ ذلك والنِّساءُ، إلى أنْ قالَ: ثم يُعطي المُقاتِلةَ في كلِّ عامٍ عَطاءَهم، ويُعطي الذُّريةَ والنِّساءَ ما يَكفيهم لسَنَتِهم، قالَ: والعَطاءُ من الفَيءِ لا يَكونُ إلا لبالِغٍ يُطيقُ القِتالَ، قالَ: ولم يَختلِفْ أحَدٌ مِمَّنْ لقِيَه في أنَّه ليسَ للمماليكِ في العَطاءِ حَقٌّ، ولا للأعرابِ الذين هُمْ أهلُ الصَّدقةِ. قالَ: فإنْ فَضَل من الفَيءِ شَيءٌ وضَعه الإمامُ في أهلِ الحُصونِ والازديادِ في الكُراعِ والسِّلاحِ، وكلِّ ما يَقوَى به المُسلِمونَ؛ فإنِ استَغنَوْا عنه وحصَلَت كلُّ مَصلَحةٍ لهم فرَّقَ ما يَبقَى عنهم بينَهم على قَدرِ ما يَستحقُّونَ من ذلك المالِ. قالَ: ويُعطَى من الفَيءِ رِزقُ العُمالِ والوُلاةِ وكلُّ مَنْ قامَ بأمرِ الفَيءِ من والٍ، وحاكِمٍ، وكاتِبٍ، وجُنديٍّ ممَّن لا غِنى لأهلِ الفَيءِ عنهم. وهذا مُشكِلٌ مع قَولِه: إنَّه لا يُعطَى من الفَيءِ صَبيٌّ، ولا مَجنونٌ، ولا عَبدٌ، ولا امرأةٌ، ولا ضَعيفٌ لا يَقدِرُ على القِتالِ؛ لأنَّه للمُجاهِدينَ. وهذا إذا كانَ للمَصالحِ يُصرَفُ منه إلى كلِّ مَنْ للمُسلِمينَ به مَنفَعةٌ عامةٌ؛ كالمُجاهِدينَ، وكوُلاةِ أُمورِهم من وُلاةِ الحَربِ، ووُلاةِ الدِّيوانِ، ووُلاةِ الحُكمِ، ومَن يُقرِئُهم القُرآنَ، ويُفتيهم، ويُحدِّثُهم، ويَؤُمُّهم في صَلواتِهم، ويُؤذِّنُ لهم.

стр. 12334

ويُصرَفُ منه في سَدادِ ثُغورِهم، وعِمارةِ طُرُقاتِهم وحُصونِهم، ويُصرَفُ منه إلى ذَوي الحاجاتِ منهم أيضًا، ويُبدَأُ فيه بالأهَمِّ فالأهَمِّ، فيَتقدَّمُ ذَوو المَنافِعِ الذين يَحتاجُ المُسلِمونَ إليهم على ذَوي الحاجاتِ الذين لا مَنفَعةَ فيهم، هكذا نَصَّ عليه عامةُ الفُقهاءِ من أصحابِ أحمدَ، والشافِعيِّ، وأبي حَنيفةَ، وغيرِهم. قالَ أصحابُ أبي حَنيفةَ: يُصرَفُ في المَصالحِ ما يُعَدُّ به الثُّغورُ من القَناطِرِ والجُسورِ، ويُعطَى قُضاةُ المُسلِمينَ ما يَكفيهم، ويُدفَعُ منه أرزاقُ المُقاتِلةِ، ويُعطَى ذَوو الحاجاتِ من الزَّكَواتِ ونَحوِها، وما فضَلَ عن مَنافِعِ المُسلِمينَ قُسِّم بينَهم، لكنَّ مَذهبَ الشافِعيِّ وبَعضِ أصحابِ أحمدَ أنَّه ليسَ للأغنياءِ الذين لا مَنفَعةَ للمُسلِمينَ بهم فيه حقٌّ إذا فضَلَ المالُ واتَّسعَ عن حاجاتِ المُسلِمينَ كما فعَلَ عُمرُ بنُ الخَطابِ ﵁ لمَّا كثُرَ المالُ أعطَى منهم عامةَ المُسلِمينَ، فكانَ لجَميعِ أصنافِ المُسلِمينَ فَرضٌ في دِيوانِ عُمرَ بنِ الخَطابِ، غَنيِّهم وفَقيرِهم، لكنْ كانَ أهلُ الدِّيوانِ نَوعَينِ، هُما: مُقاتِلةٌ، وهُم البالِغونَ، وذُريةٌ وهُم الصِّغارُ والنِّساءُ الذين ليسُوا مِنْ أهلِ القِتالِ، ومع هذا قالُوا: يَجبُ تَقديمُ الفُقراءِ على الأغنياءِ الذين لا مَنفَعةَ فيهم، فلا يُعطَى غَنيٌّ شَيئًا حتى يَفضُلَ عن الفُقراءِ، هذا مَذهبُ الجُمهورِ؛ كمالِكٍ، وأحمدَ في الصَّحيحِ من الرِّوايتَينِ عنه، ومَذهبُ الشافِعيِّ -كما تَقدَّم- تَخصيصُ الفُقراءِ بالفاضِلِ (١).

стр. 12335

رابِعًا: التَّنفيلُ: وهو في اللُّغةِ من النَّفلِ وهو الغَنيمةُ: يُقالُ: نفَّلَه: أعطاه النَّفلَ، ونَفَلَه بالتَّخفيفِ نَفلًا وأنفَلَه إياه، ونفَلَ الإمامُ الجُندَ: إذا جعَلَ لهم ما غَنِموا، ونفَّلَ فُلانًا على فُلانٍ: فضَّلَه على غيرِه. قالَ أهلُ اللُّغةِ: جِماعُ مَعنى النَّفلِ والنافِلةِ: ما كانَ زيادةً على الأصلِ. وهو في الاصطِلاحِ: زيادةُ مالٍ على سَهمِ الغَنيمةِ يَشترِطُه الإمامُ أو أميرُ الجَيشِ لمَن يَقومُ بما فيه نِكايةٌ زائِدةٌ على العَدوِّ (١). والأصلُ فيه ما رُوي عن ابنِ عُمرَ ﵄: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ بعَثَ سَريةً فيها عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ قِبَلَ نَجدٍ فغَنِموا إبِلًا كَثيرةً فكانَت سِهامُهم اثنَي عشَرَ بَعيرًا أو أحدَ عشَرَ بَعيرًا وَنُفِّلوا بَعيرًا بَعيرًا» (٢). قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: فيه إثباتُ النَّفلِ، وهو مُجمَعٌ عليه (٣). وللتَّنفيلِ صُورٌ ثَلاثٌ: إحْداها: أنْ يَبعَثَ الإمامُ أمامَ الجَيشِ سَريةً تُغيرُ على العَدوِّ، ويَجعَلَ لهم شَيئًا ممَّا يَغنَمونَ كالرُّبعِ أو الثُّلثِ.

стр. 12336

ثانيَتُها: أنْ يَنفُلَ الإمامُ أو الأميرُ بعضَ أفرادِ الجَيشِ لمَا أبداه في القِتالِ من شَجاعةٍ وإقدامٍ، أو أيِّ عَملٍ مُفيدٍ فاقَ به غيرَه من غيرِ سَبقِ شَرطٍ. ثالثَتُها: أنْ يَقولَ الإمامُ: مَنْ قامَ بعَمَلٍ مُعيَّنٍ فله كذا، كهَدمِ سُورٍ أو نَقبِ جِدارٍ ونَحوِ ذلك، وكلُّ هذه الصُّورِ جائِزةٌ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ. وكرِهَ مالِكٌ وأصحابُه الصُّورةَ الأخيرةَ: قالُوا: لأنَّ ذلك يَصرِفُ نِيةَ المُجاهِدينَ لقِتالِ الدُّنيا، ويُؤدِّي إلى التَّحامُلِ على القِتالِ، ورُكوبِ المَخاطِرِ، وقالَ عُمرُ الفاروقُ ﵁: «لا تُقدِّموا جَماجِمَ المُسلِمينَ إلى الحُصونِ، لَمُسلِمٌ أستَبقِيه أحَبُّ إلَيَّ من حِصنٍ أفتَحَه»، وقالُوا: يَنفُذُ الشَّرطُ وإنْ كانَ مَمنوعًا إنْ لم يُبطِلْه الإمامُ قبلَ حَوزِ المَغنَمِ. قالَ في «الشَّرحِ الصَّغيرِ»: ولا يَجوزُ للإمامِ قبلَ انقِضاءِ القِتالِ أنْ يَقولَ: مَنْ قتَلَ قَتيلًا فله سلَبُه؛ لأنَّه يَصرِفُ نِيتَهم لقِتالِ الدُّنيا، ولذا جازَ بعدَ القُدرةِ عليهم، وإنْ وقَعَ ذلك منه مَضى وعُملَ بمُقتَضاه، إنْ لمْ يُبطِلْه قبلَ حَوزِ المَغنَمِ بأنْ لم يُبطِلْه أصلًا أو أبطَلَه بعدَ الحَوزِ؛ فإنْ أبطَلَه قبلَ حَوزِه بطَلَ واعتُبِر إبطالُه فيما بعدَ الإبطالِ لا فيما قبلَه (١). مَحَلُّ التَّنفيلِ: يَجوزُ التَّنفيلُ من بَيتِ المالِ الذي عندَ الإمامِ، ويُشترطُ في هذه الحالةِ أنْ يَكونَ النَّفلُ مَعلومًا نَوعًا وقَدرًا، كما يَجوزُ أنْ يُنفِّلَ ممَّا سيَغنَمُ من الأعداءِ، والجَهالةُ تُغتفَرُ فيها للحاجةِ.

стр. 12337

واختَلفَ الفُقهاءُ: من أيِّ شَيءٍ يَكونُ النَّفلُ إذا كانَ من الغَنيمةِ؟ فقالَ الحَنابِلةُ -وهو قَولٌ للشافِعيةِ-: يَكونُ النَّفلُ من أربَعةِ أَخماسِ الغَنيمةِ مُطلَقًا لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا نَفلَ إلا بعدَ الخُمُسِ» (١) ولحَديثِ حَبيبِ بنِ مَسلَمةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ «كانَ يُنفِّلُ الرُّبعَ بعدَ الخُمُسِ والثُّلُثَ بعدَ الخُمُسِ إذا قَفَل» (٢). ولحَديثِ جَريرٍ حينَ قالَ له عُمرُ: «ولكَ الثُّلثُ بعدَ الخُمسِ» ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ نفَّلَ الثُّلثَ ولا يُتصوَّرُ إخراجُه من الخُمسِ، ولأنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، يَقتَضي أنْ يَكونَ الخُمسُ خارِجًا من الغَنيمةِ كلِّها. وعندَ الحَنفيةِ يَكونُ من أربَعةِ أَخماسِ الغَنيمةِ إذا نفَّلَ الإمامُ في أثناءِ القِتالِ، أمَّا إذا نفَّلَ بعدَ الإحرازِ فلا يُنفِّلُ إلا مِنْ الخُمسِ. وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّه يَكونُ من الخُمسِ، وإنَّما جعَلَ الإمامُ مالِكٌ النَّفلَ من الخُمسِ لا من رأسِ الغَنيمةِ؛ لأنَّ الخُمسَ مَردودٌ قِسمَتُه إلى اجتِهادِ الإمامِ، وأهلُه غيرُ مُعيَّنينَ، ولم يَرَ النَّفلَ من رأسِ الغَنيمةِ؛ لأنَّ أهلَها مُعيَّنونَ، وهُم المُخوِّفونَ وهُم المُوجِفونَ. وذهَبَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ إلى أنَّه يَكونُ من خُمسِ الخُمسِ، وهو حَظُّ الإمامِ؛ لأنَّه مَبذولٌ في المَصالحِ فأشبَهَ سائِرَ المَصالحِ، ولأنَّه لمَّا تَقدَّر

стр. 12338

بشَرطِ الإمامِ واجتِهادِه بخِلافِ السَّلبِ كانَ مأخوذًا من سَهمِ المَصالحِ؛ لأنَّ أصلَ الغَنيمةِ بخِلافِ السَّلبِ. وفي قَولٍ آخَرَ لهم: يَكونُ من أصلِ الغَنيمةِ. وفي قَولٍ ثالِثٍ: يَكونُ من أربَعةِ أَخماسِها، وهذا الخِلافُ محَلُّه إنْ نفَلَ ممَّا سيَغنَمُ في هذا القِتالِ وَفاءً بالشَّرطِ أو الوَعدِ ويُغتفَرُ الجَهلُ به للحاجةِ، فيُشترطُ الرُّبعُ أو الثُّلثُ أو غيرُهما. حُكمُ قَولِ الإمامِ: مَنْ أخَذَ شَيئًا فهو له: لا يَجوزُ -عندَ الشافِعيةِ في الأصَحِّ والحَنابِلةِ في قَولٍ- أنْ يَقولَ: مَنْ أخَذَ شَيئًا فهو له، ولا يَصِحُّ هذا الشَّرطُ، قالُوا: وما نُقلَ أنَّه ﷺ فعَلَه لم يَثبُتْ. ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَقسِمُ الغَنائمَ وكذلك الخُلفاءُ بعدَه، ولأنَّ ذلك يُفضي إلى اشتِغالِهم بالنَّهبِ عن القِتالِ وظَفرِ العَدوِّ بهم، فلا يَجوزُ، ولأنَّ الاغتِنامَ سَببٌ لاستِحقاقِهم لها على سَبيلِ التَّساوي، فلا يَزولُ ذلك بقَولِ الإمامِ كسائرِ الاكتِسابِ، وأمَّا قَضيةُ بَدرٍ؛ فإنَّها مَنسوخةٌ؛ فإنَّهم اختَلفُوا فيها، فأنزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]. ويَصِحُّ هذا الشَّرطُ عندَ أبي حَنيفةَ والشافِعيِّ وأحمدَ في رِوايةٍ عنهما، وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ: وهو الصَّحيحُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ في يَومِ بَدرٍ: «مَنْ أخَذَ شَيئًا فهو له» (١)، ولأنَّهم على هذا غَزَوا ورَضُوا به.

стр. 12339

وقالَ الإمامُ مالِكٌ ﵀: يَكونُ له ذلك كَيْلا يَشوبَ فَضلَ المُجاهِدينَ في جِهادِهم إرادةُ الدُّنيا، وذلك يَكونُ من الخُمسِ لا من أصلِ الغَنيمةِ. قَدْرُ النَّفلِ: ليسَ للنَّفلِ حَدٌّ أدْنى، فلِلإمامِ أنْ يَنفُلَ الثُّلثَ أو الرُّبعَ أو أقَلَّ من ذلك، كما يَجوزُ له ألَّا يَنفُلَ أصلًا. هذا مَحَلُّ اتِّفاقٍ بينَ الفُقهاءِ، واختَلفُوا: هل للتَّنفيلِ حَدٌّ أعلى؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّه ليسَ للتَّنفيلِ حَدٌّ أعلى، فلِلإمامِ أنْ يَنفُلَ السَّريةَ كلَّ ما تَغنَمُه، أو بقَدرٍ منه، كانَ يَقولَ: ما أصَبتُم فهو لكم، أو لكم ثُلثُه أو رُبعُه بعدَ الخُمسِ أو قبلَه. وقالَ الحَنفيةُ: ليسَ للإمامِ أنْ يَقولَ ذلك للعَسكرِ كلِّه، وقالَ ابنُ الهُمامِ من الحَنفيةِ: لا يَجوزُ أنْ يَقولَ ذلك للسَّريةِ أيضًا. وليسَ للتَّنفيلِ حَدٌّ أعلى عندَ الشافِعيةِ، بل هو مَوكولٌ إلى اجتِهادِ الإمامِ وتَقديرِه حسَبَ قيمةِ العَملِ وخَطرِه، واستدَلُّوا بما رُوي عن حَبيبِ ابنِ مَسلَمةَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ : «كانَ يُنفِّلُ الرُّبعَ بعدَ الخُمُسِ والثُّلثَ بعدَ الخُمسِ إذا قفَلَ» (١)، وهذا يدُلُّ على أنَّه مَوكولٌ لاجتِهادِ الإمامِ. وقالَ الحَنابِلةُ: لا يَجوزُ تَنفيلُ أكثَرَ من الثُّلثِ؛ لأنَّ نَفلَ النَّبيِّ ﷺ لم يَتجاوَزِ الثُّلثَ.

стр. 12340

وَقتُ التَّنفيلِ: ذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ التَّنفيلَ يَكونُ قبلَ إصابةِ المَغنَمِ، أمَّا بعدَ إصابةِ المَغنَمِ فيُمتنَعُ أنْ يَخُصَّ بَعضًا ببَعضِ ما أصابوه؛ لأنَّ حَقَّ الغانِمينَ قد تأكَّد بالإصابةِ والإحرازِ. وقالَ الحَنفيةُ: للإمامِ أنْ يَنفُلَ بعدَ الإحرازِ من الخُمسِ؛ لأنَّه لا حَقَّ للغانِمينَ فيه بشَرطِ أنْ يَكونَ المُنفَّلُونَ من أصنافِ الخُمسِ. وقالَ المالِكيةُ: لا نَفلَ إلا بعدَ إحرازِ الغَنيمةِ (١). الذي يَقومُ بقَسمِ الغَنيمةِ: الذي يَقومُ بقَسمِ الغَنيمةِ الإمامُ أو مَنْ يَنوبُ عنه في قيادةِ الجَيشِ باتِّفاقِ العُلماءِ؛ فإنْ لم يَكنْ إمامٌ للناسِ وجَبَ على الناسِ الرُّجوعُ للعُلماءِ وذَوي الأحلامِ والنُّهَى من قادةِ الكَتائِبِ وغيرِهم من أهلِ الرأيِ.

стр. 12341

قالَ الإمامُ الجُوينيُّ ﵀: وقد قالَ العُلماءُ: لو خَلا الزَّمانُ عن السُّلطانِ فحقٌّ على قُطَّانِ كلِّ بَلدٍ وسُكانَ كلِّ قَريةٍ أنْ يُقدِّموا من ذَوي الأحلامِ والنُّهى وذَوي العُقولِ والحِجَا مَنْ يَلتزِمونَ امتِثالَ إشارَتِه وأوامِرِه ويَنتَهونَ عن مَناهِيه ومَزاجِرِه؛ فإنَّهم لو لم يَفعَلوا ذلك تَردَّدوا عندَ إلمامِ المُهِمَّاتِ وتَبلَّدوا عندَ إظلالِ الواقِعاتِ (١). ثم قالَ: ثم كلُّ أمرٍ يَتعاطاه الإمامُ في الأموالِ المُفوَّضةِ إلى الأئِمةِ، فإذا شغَرَ الزَّمانُ عن الإمامِ وخَلا عن سُلطانٍ ذي نَجدةٍ واستِقلالٍ وكِفايةٍ ودِرايةٍ فالأُمورُ مَوكولةٌ إلى العُلماءِ، وحقٌّ على الخَلائقِ على اختِلافِ طَبقاتِهم أنْ يَرجِعوا إلى عُلمائِهم ويَصدُروا في جَميعِ قَضايا الوِلاياتِ عن رأيِهم؛ فإنْ فعَلوا ذلك فقد هُدوا إلى سَواءِ السَّبيلِ، وصارَ عُلماءُ البِلادِ وُلاةَ العِبادِ؛ فإنْ عسُرَ جَمعُهم على واحِدٍ استبَدَّ أهلُ كلِّ صُقعٍ وناحيةٍ باتِّباعِ عالِمِهم. وإنْ كثُرَ العُلماءُ في الناحيةِ فالمُتَّبعُ أعلَمُهم، وإنْ فُرضَ استِواؤُهم ففَرضُهم نادِرٌ لا يَكادُ يَقعُ؛ فإنِ اتَّفقَ فإصدارُ الرأيِ عن جَميعِهم مع تَناقُضِ المَطالِبِ والمَذاهبِ مُحالٌ، فالوَجهُ أنْ يَتَّفِقوا على تَقديمِ واحِدٍ منهم؛ فإنْ تَنازَعوا وتَمانَعوا وأفضَى الأمرُ إلى شِجارٍ وخِصامٍ فالوَجهُ عندي في قَطعِ النِّزاعِ الإقراعُ، فمَن خرَجَت له القُرعةُ قُدِّمَ (٢).

стр. 12342

حُكمُ الغُلولِ والأخذِ من الغَنيمةِ قبلَ قِسمَتِها: أجمَع أهلُ العِلمِ على حُرمةِ الغُلولِ (١) وهو الأخذُ من الغَنيمةِ خُفيةً قبلَ قِسمَتِها بدونِ إذنِ الإمامِ. ومِن الأدِلةِ على تَحريمِ الغُلولِ: ما رَواه سَالِمٌ مَولى ابنِ مُطِيعٍ أَنَّهُ سمِعَ أَبَا هُريرةَ ﵁ يَقولُ: «افتتَحْنا خَيبَرَ ولمْ نَغنمْ ذَهبًا ولا فِضةً إنَّما غَنِمنا البَقرَ والإِبلَ والمَتاعَ والحَوائطَ، ثم انصَرَفنا مع رَسولِ اللهِ ﷺ إلى وَادِي القُرَى ومعه عبدٌ له يُقالُ له مِدعَمٌ، أهداه له أحَدُ بَني الضِّبابِ، فبَينَما هو يَحُطُّ رَحلَ رَسولِ اللهِ ﷺ إذ جاءَه سَهمٌ عائِرٌ حتى أصابَ ذلك العبدَ، فقالَ الناسُ: هَنيئًا له الشَّهادةُ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ بل والَّذي نَفسي بيَدِه إنَّ الشَّملةَ التي أصابَها يَومَ خَيبَرَ من المَغانمِ لم تُصبْها المَقاسِمُ لتَشتعِلُ عليه نارًا، فجاء رَجلٌ حينَ سمِعَ ذلك من النَّبيِّ ﷺ بِشِراكٍ أو بِشِراكَين، فقالَ: هذا شَيءٌ كنتُ أصَبتُه، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ شِراكٌ أو شِراكانَ من نارٍ» (٢). وبما رَواه أبو هُريرةَ ﵁ قالَ: قامَ فِينَا النَّبيُّ ﷺ فذكَرَ الغُلولَ فعظَّمَه وعظَّمَ أمرَه، قالَ: «لا أُلفيَنَّ أحَدَكم يَومَ القيامةِ على رَقَبتِه شاةٌ لها ثُغاءٌ، على رَقَبتِه فَرسٌ لها حَمحَمةٌ يَقولُ: يا رَسولَ اللهِ أغِثْني،

стр. 12343

فأقولُ: لا أملِكُ لكَ من اللهِ شَيئًا، قد أبلَغتُك، وعلى رَقَبتِه بَعيرٌ له رُغاءٌ، يَقولُ: يا رَسولَ اللهِ أغِثْني، فأقولُ: لا أملِكُ لكَ شَيئًا، قد أبلَغتُك، وعلى رَقَبتِه صامِتٌ، فيَقولُ: يا رَسولَ اللهِ، أغِثْني، فَأقولُ: لا أملِكُ لك شَيئًا قد أبلَغتُك، أو على رَقَبتِه رِقاعٌ تَخفِقُ، فيَقولُ: يا رَسولَ اللهِ أغِثْني، فَأقولُ: لا أملِكُ لكَ شَيئًا، قد أبلَغتُك» (١). قالَ ابنُ بَطالٍ ﵀: قالَ المُهلَّبُ: هذا الحَديثُ على سَبيلِ الوَعيدِ من اللهِ لمَن أنفَذَه عليه من أهلِ الغُلولِ، وقد تَكونُ العُقوبةُ حَملَ البَعيرِ وسائرِ ما غَلَّه على رَقَبتِه على رُؤوسِ الأشهادِ وفَضيحَتَه به، ثم اللهُ مُخيَّرٌ بعدَ ذلك في تَعذيبِه بالنارِ أو العَفوِ عنه؛ فإنْ عذَّبَه بنارِه أدرَكَتْه الشَّفاعةُ، إنْ شاء اللهُ، وإنْ لم يُعذِّبْه بنارِه فهو واسِعُ المَغفِرةِ. وقَولُه: «لا أملِكُ لكَ من اللهِ شَيئًا»، أي: من المَغفِرةِ والشَّفاعةِ حتى يَأذَنَ اللهُ في الشَّفاعةِ لمَن أرادَ، كما قالَ تَعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. وفيه: أنَّ العُقوباتِ قد تَكونُ من جِنسِ الذُّنوبِ. وهذا الحَديثُ يُفسِّرُ قَولَه: ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] أنَّه يأتي يَحمِلُه على رَقبتِه ليَكونَ أبلَغَ في فَضيحَتِه وليَتبيَّنَ للأشهادِ جِنايَتُه، وحَسبُكَ بهذا تَعظيمًا لإثمِ الغُلولِ ولتَحذيرِ أُمَّتِه. وقَولُه: «صَامِتٌ» هو الذَّهبَ والفِضةُ.

стр. 12344

وقالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعَ العُلماءُ على أنَّ على الغالِّ أنْ يَردَّ ما غَلَّ إلى صاحِبِ المُقسَمِ ما لم يفتَرِقِ الناسُ (١). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: أجمَع المُسلِمونَ على تَغليظِ تَحريمِ الغُلولِ وأنَّه من الكَبائِرِ وأجمَعوا على أنَّ عليه رَدَّ ما غَلَّه؛ فإنْ تَفرَّقَ الجَيشُ وتَعذَرَ إيصالُ حَقِّ كلِّ واحِدٍ إليه ففيه خِلافٌ للعُلماءِ. قالَ الشافِعيُّ وطائِفةٌ: يَجبُ تَسليمُه إلى الإمامِ أو الحاكِمِ كسائرِ الأموالِ الضائِعةِ. وقالَ ابنُ مَسعودٍ وابنُ عَباسٍ ومُعاويةُ والحَسنُ والزُّهريُّ والأَوزاعيُّ ومالِكٌ والثَّوريُّ واللَّيثُ وأحمدُ والجُمهورُ: يَدفَعُ خُمسَه إلى الإمامِ ويَتصدَّقَ بالباقي. واختَلفُوا في صِفةِ عُقوبةِ الغالِّ؛ فقالَ جُمهورُ العُلماءِ وأئِمةُ الأمصارِ: يُعزَّرُ على حسَبِ ما يَراه الإمامُ، ولا يُحرَقُ مَتاعُه، وهذا قَولُ مالِكٍ والشافِعيِّ وأبي حَنيفةَ ومَن لا يُحصَى من الصَّحابةِ والتابِعينَ ومَن بعدَهم. وقالَ مَكحولٌ والحَسنُ والأَوزاعيُّ: يُحرَقُ رَحلُه ومَتاعُه كلُّه، قالَ الأَوزاعيُّ: إلا سِلاحَه وثيابَه التي عليه، وقالَ الحَسنُ: إلا الحَيَوانَ والمُصحَفَ، واحتَجُّوا بحَديثِ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ في تَحريقِ رَحلِه، قالَ

стр. 12345

الجُمهورُ: وهذا حَديثٌ ضَعيفٌ؛ لأنَّه ممَّا انفرَدَ به صالِحُ بنُ مُحمدٍ عن سالِمٍ وهو ضَعيفٌ، قالَ الطَّحاويُّ: ولو صَحَّ يُحمَلُ على أنَّه كانَ إذا كانَتِ العُقوبةُ بالأموالِ كأخذِ شَطرِ المالِ من مانِعِ الزَّكاةِ وضالةِ الإبِلِ وسارِقِ التَّمرِ، وكلُّ ذلك مَنسوخٌ، واللهُ أعلَمُ (١). وقالَ الإمامُ السُّبكيُّ ﵀: قالَ العُلماءُ: الغُلولُ عَظيمٌ؛ لأنَّ الغَنيمةَ للهِ تَصدَّقَ بها علينا من عِندِه في قَولِه تَعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] فمَن غلَّ فقد عانَدَ اللهَ ، وإنَّ المُجاهِدينَ تَقوَى نُفوسُهم على الجِهادِ والثَّباتِ في مَواقِفِهم عِلمًا منهم بأنَّ الغَنيمةَ تُقسَمُ عليهم، فإذا غَلَّ منها خافُوا ألَّا يَبقى منها نَصيبُهم فيَفرُّوا إليها، فيَكونَ ذلك تَخذيلًا للمُسلِمينَ وسَببًا لانهِزامِهم كما جَرى لمَّا ظَنُّوا يَومَ أُحدٍ؛ فلذلك عُظِّمَ قَدرُ الغُلولِ وليسَ كغيرِه من الخِيانةِ والسَّرقةِ، وسُمِّي غُلولًا؛ لأنَّ الأيدي فيه مَغلولةٌ، ولأنَّه يُؤخَذُ في خُفيةٍ، وأصلُه الغَلَلُ: وهو الماءُ الذي يَجري تحتَ الشَّجرِ لخَفائِه، ومنه غِلُّ الصَّدرِ (٢). لكنَّ هذا إذا كانَ الإمامُ يَقسِمُ الغَنيمةَ على وَجهِها الشَّرعيِّ؛ فإنْ كانَ لا يَقسِمُها على وَجهِها الشَّرعيِّ وإلا جازَ لمَن ظفِرَ بقَدرِ حَقِّه أنْ يَأخذَه.

стр. 12346

قالَ الإمامُ الرَّمليُّ ﵀: وفي كَلامِ التاجِ بنِ الفِرْكاحِ أنَّ الغُلولَ في الغَنيمةِ يَحرمُ، ما كانَتِ الغَنيمةُ تُقسَمُ على الوَجهِ المَشروعِ، فإذا تَغيَّرَ الحالُ جازَ لمَن ظفِرَ بقَدرِ حَقِّه وبما دونَه أنْ يَختَزِله ويَكتُمَه. اه ومُقتَضاه جَوازُ الأخذِ ظَفرًا في الغَنيمةِ فَضلًا على بَيتِ المالِ، لكنَّ المُصنِّفَ نقَلَ في المَجموعِ عن الغَزاليِّ وأقَرَّه أنَّه لو لم يَدفعِ السُّلطانُ إلى كلِّ المُستحِقِّينَ حُقوقَهم من بَيتِ المالِ فهل يَجوزُ لأحَدِهم أخذُ شَيءٍ من بَيتِ المالِ؟ قالَ: فيه أربَعةُ مَذاهبَ: أحَدُها: لا يَجوزُ؛ لأنَّه مُشترِكٌ ولا يَدرى حِصَّتَه منه، أهي حَبةٌ أو دانَقٌ أو غيرُهما، قالَ الغَزاليُّ وهذا غُلوٌّ لا يَجوزُ. والثانِي: يَأخذُ كلَّ يَومٍ ما يَكفيه. والثالِثُ: يَأخذُ كِفايةَ سَنةٍ. والرابِعُ: ما يُعطى وهو حَقُّه، والباقونَ مَظلومونَ، قالَ: وهذا هو القياسُ؛ لأنَّه ليسَ مشتَرِكًا كالغَنيمةِ والمِيراثِ؛ لأنَّ ذلك مِلكٌ لهم، حتى لو ماتوا قسَّمَ بينَ ورَثتِهم، وهنا لا يَستحِقُّ وارِثُه شَيئًا، وهذا إذا صرَفَ إليه ما يَليقُ صَرفُه إليه. اه. وبالأولِ جزَمَ ابنُ عبدِ السَّلامِ في قَواعِدِه، ومُقتَضاه إلحاقُ ذلك بالأموالِ المُشترَكةِ، وأنَّ الأخذَ ظَفرًا مما يَستحِقُّه في بَيتِ المالِ لا يَجوزُ وإنْ مُنِعَ المُتكلَّمُ في أمرِه المُستحَقَّ.

стр. 12347

ونقَلَ الزَّركشيُّ عن ابنِ عبدِ السَّلامِ مَنْعَ ذلك، وهو مُوافِقٌ لما سبَقَ عنه من مَنعِ الأخذِ حيثُ لم يَدفعِ السُّلطانُ إلى كلِّ المستحِقِّينَ حُقوقَهم. وفي فَتاوى المُصنِّفِ: أنَّ السُّلطانَ إذا أعطَى رَجُلًا من الجُندِ من المَغنَمِ شَيئًا؛ فإنْ لم يَكنِ السُّلطانُ خمَّسَه ولم يَقسِمِ الباقيَ قِسمةً شَرعيةً وجَبَ الخُمسُ في الذي صارَ إلى هذا، ولا يَحِلُّ له الانتِفاعُ بالباقي حتى يَعلَمَ أنَّه حصَلَ لكلٍّ من الغانِمينَ قَدرُ حِصَّتِه من هذا، فإنْ تَعذَرَ عليه صَرفُ ما صار إليه إلى مُستحِقِّه لزِمَه دَفعُه إلى القاضي كسائرِ الأموالِ الضائِعةِ، هذا إذا لم يُعطِه ذلك على سَبيلِ النَّفلِ بشَرطِه. اه. ويُؤخَذُ ممَّا سبَقَ عن المَجموعِ نَقلًا عن الغَزاليِّ الفَرقُ بينَ مالِ الغَنيمةِ وبينَ مالِ بَيتِ المالِ، قالَ بَعضُهم: وهو ظاهِرٌ (١). هل الأخذُ من الغَنيمةِ يَنقُصُ أجرَ الغازي أو لا؟ اختَلفَ العُلماءُ في الغازي في سَبيلِ اللهِ إذا أصابَ من الغَنيمةِ هل يَكونُ له الأجرُ كامِلًا أو أنَّ ذلك يَنقُصُ من أجرِه؟ اختَلفُوا في ذلك على قَولَينِ؛ وذلك لاختِلافِ ألفاظِ الأحاديثِ الوارِدةِ في ذلك. فذهَبَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ والقُرطبيُّ وغيرُهما إلى أنَّ ذلك لا يَنقُصُ من أجرِه شَيئًا. وذهَبَ الإمامُ النَّوويُّ والقاضي عِياضٌ وشَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ إلى أنَّ ذلك يَنقُصُ من أجرِه.

стр. 12348

وسأذكُر الأحاديثَ التي استَدلَّ بها كلٌّ من الفَريقَينِ، ثم أذكُرُ كَلامَ الحافِظِ ابنِ حَجرٍ؛ لأنَّه جمَع في كَلامِه هذه الأقوالَ ومُناقشَتَها. عَنْ عبدِ الله بنِ عَمرٍو، أنَّ رَسولَ الله ﷺ قالَ: «ما مِنْ غازيَةٍ تَغزو في سَبيلِ الله فيُصيبونَ الغَنيمةَ، إلا تَعجَّلوا ثُلثَيْ أجرِهِم مِنْ الآخِرةِ، ويَبقَى لهمُ الثُّلثُ، وإن لم يُصيبوا غَنيمَةً تمَّ لهُم أجرُهم». وفي لفظٍ: «ما مِنْ غازيَةٍ، أو سَريةٍ، تَغزو فتَغنمُ وتَسلمُ إلا كانُوا قد تَعجَّلوا ثُلثَيْ أُجورِهم، وما مِنْ غازيَةٍ، أو سَريةٍ، تُخفِقُ وتُصابُ إلا تمَّ أُجورُهم» (١). وعن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ الله ﷺ : «تَضمَّنَ اللهُ لمَن خرَجَ في سَبيلِه لا يُخرِجُه إلا جِهادٌ في سَبيلي وإيمانٌ بي وتَصديقٌ برُسُلي فهو علَيَّ ضامِنٌ أن أُدخِلَه الجَنةَ أو أرجِعَه إلى مَسكَنِه الذي خرَجَ منه نائِلًا ما نالَ من أجرٍ أو غَنيمةٍ» (٢). وعن سَعيدِ بنِ المُسيَّبِ أنَّ أبا هُريرةَ ﵁ قالَ: سمِعتُ رَسولَ الله ﷺ يَقولُ: «مَثلُ المُجاهدِ في سَبيلِ الله -واللهُ أعلَمُ بمَن يُجاهِدُ في سَبيلِهِ- كمَثلِ الصائِمِ القائِمِ، وتَوكَّلَ اللهُ للمُجاهِدِ في سَبيلِه بأنْ يَتوَفاه أنْ يُدخِلَه الجَنةَ، أو يَرجِعَه سالِمًا مع أجرٍ أو غَنيمَةٍ» (٣).

стр. 12349

قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: قَولُه: «أو يَرجِعَه» بفَتحِ أوَّلِه، وهو مَنصوبٌ بالعَطفِ على يَتوفَّاه، قَولُه: «مع أجرٍ أو غَنِيمَةٍ» أي: مع أجرٍ خالِصٍ إنْ لم يَغنَمْ شَيئًا، أو مع غَنيمةٍ خالِصةٍ معها أجرٌ، وكأنَّه سكَتَ عن الأجرِ الثانِي الذي مع الغَنيمةِ لنَقصِه بالنِّسبةِ إلى الأجرِ الذي بلا غَنيمةٍ، والحامِلُ على هذا التَّأويلِ أنَّ ظاهِرَ الحَديثِ أنَّه إذا غنِمَ لا يَحصُلُ له أجرٌ، وليسَ ذلك مُرادًا، بل المُرادُ: أو غَنيمةٍ معها أجرٌ أنقَصُ من أجْرِ مَنْ لم يَغنَمْ؛ لأنَّ القَواعِدَ تَقتَضي أنَّه عندَ عَدمِ الغَنيمةِ أفضَلُ منه وأتَمُّ أجرًا عندَ وُجودِها، فالحَديثُ صَريحٌ في نَفيِ الحِرمانِ، وليسَ صَريحًا في نَفيِ الجَمعِ. وقالَ الكرمانِيُّ ﵀: مَعنى الحَديثِ أنَّ المُجاهِدَ إمَّا أنْ يُستشهَدَ أو لا، والثانِي لا يَنفَكُّ من أجرٍ أو غَنيمةٍ مع إمكانِ اجتِماعِهما، فهي قَضيةٌ مانِعةُ الخُلوِّ لا الجَمعِ، وقد قيلَ في الجَوابِ عن هذا الإشكالِ: إنَّ «أو» بمَعنى الواوِ، وبه جزَمَ ابنُ عبدِ البَرِّ والقُرطبيُّ ورجَّحَه التُّوربَشتيُّ، والتَّقديرُ: (بأجرٍ وغَنيمةٍ). وقد وقَعَ كذلك في رِوايةٍ لمُسلمٍ من طَريقِ الأعرجِ عن أبي هُريرةَ، رَواه كذلك عن يَحيى بنِ يَحيى عن مُغيرةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ عن أبي الزِّنادِ، وقد رَواه جَعفَرٌ الفِريابيُّ وجَماعةٌ عن يَحيَى بنِ يَحيى فقالُوا: (أجرٍ أو غَنيمةٍ) بصِيغةِ «أو».

стр. 12350

وقد رَواه مالِكٌ في المُوطَّأِ بلَفظِ: (أو غَنيمةٍ) ولم يُختلَفْ عليه إلا في رِوايةِ يَحيى بنِ بُكَيرٍ عنه، فوقَع فيه بلَفظِ: (وغَنيمةٍ) ورِوايةُ يَحيى بنِ بُكَيرٍ عن مالِكٍ فيها مَقالَ، ووقَعَ عندَ النِّسائيِّ من طَريقِ الزُّهريِّ عن سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ عن أبي هُريرةَ بالواوِ أيضًا، وكذا من طَريقِ عَطاءِ بنِ ميناءَ عن أبي هُريرةَ، وكذلك أخرَجَه أبو داودَ بإسنادٍ صَحيحٍ عن أبي أُمامةَ بلَفظِ: (بما نال مِنْ أجرٍ وغَنيمةٍ). فإنْ كانَت هذه الرِّواياتُ مَحفوظةً تَعيَّنَ القَولُ بأنَّ «أو» في هذا الحَديثِ بمَعنى الواوِ، كما هو مَذهبُ نُحاةِ الكُوفيِّينَ، لكنَّ فيه إشكالًا صَعبًا؛ لأنَّه يَقتَضي من حيثُ المَعنى أنْ يَكونَ الضَّمانُ وقَعَ بمَجموعِ الأمرَينِ لكلِّ مَنْ رجَعَ، وقد لا يَتَّفِقُ ذلك؛ فإنَّ كَثيرًا من الغُزاةِ يَرجِعُ بغيرِ غَنيمةٍ. فما فَرَّ منه الذي ادَّعى أنَّ «أو» بمَعنى الواوِ وقَعَ في نَظيرِه؛ لأنَّه يَلزمُ على ظاهِرِها أنَّ مَنْ رجَعَ بغَنيمةٍ رجَعَ بغيرِ أجرٍ، كما يَلزمُ على أنَّها بمَعنى الواوِ أنَّ كلَّ غازٍ يُجمَعُ له بينَ الأجرِ والغَنيمةِ معًا. وقد رَوى مُسلِمٌ من حَديثِ عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ مَرفوعًا: «ما مِنْ غازيَةٍ تَغزو في سَبيلِ الله فيُصيبونَ الغَنيمةَ، إلا تَعجَّلوا ثُلثَيْ أجرِهِم مِنْ الآخِرةِ، ويَبقَى لهمُ الثُّلثُ، وإن لم يُصيبوا غَنيمَةً تمَّ لهُم أجرُهم» (١).

стр. 12351

وهذا يُؤيِّدُ التَّأويلَ الأولَ، وهو: أنَّ الذي يَغنَمُ يَرجعُ بأجرٍ، لكنَّه أنقَصُ من أجرِ مَنْ لم يَغنمْ، فتَكونُ الغَنيمةُ في مُقابلةِ جُزءٍ من أجرِ الغَزوِ، فإذا قُوبلَ أجرُ الغانِمِ بما حصَلَ له من الدُّنيا وتَمتُّعِه بأجرِ مَنْ لم يَغنمْ مع اشتِراكِهما في التَّعبِ والمَشقةِ كانَ أجرُ مَنْ غنِمَ دونَ أجرِ مَنْ لم يَغنمْ، وهذا مُوافِقٌ لقَولِ خَبابٍ في الحَديثِ الصَّحيحِ الآتي: «فمِنَّا مَنْ ماتَ ولم يَأكلْ من أجرِه شَيئًا … » الحَديثَ. واستَشكَلَ بعضُهم نَقصَ ثَوابِ المُجاهدِ بأخذِه الغَنيمةَ، وهو مُخالِفٌ لما يَدلُّ عليه أكثَرُ الأحاديثِ، وقد اشتُهِرَ تَمدُّحُ النَّبيِّ ﷺ بِحِلِّ الغَنيمةِ وجعَلَها من فَضائِلِ أُمَّتِه، فلو كانَت تَنْقُصُ الأجرَ ما وقَعَ التَّمدحُ بها. وأيضًا: فإنَّ ذلك يَستلزِمَ أنْ يَكونَ أجرُ أهلِ بَدرٍ أنقَصَ من أجرِ أهلِ أُحدٍ مَثلًا مع أنَّ أهلَ بَدرٍ أفضَلُ بالاتِّفاقِ، وسبَقَ إلى هذا الإشكالِ ابنُ عبدِ البَرِّ وحَكاه عِياضٌ، وذكَرَ أنَّ بعضَهم أجابَ عنه بأنَّه ضعَّفَ حَديثَ عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو؛ لأنَّه مِنْ رِوايةِ حُمَيدِ بنِ هانِئٍ وليسَ بمَشهورٍ، وهذا مَردودٌ؛ لأنَّه ثِقةٌ يُحتَجُّ به عندَ مُسلمٍ وقد وثَّقَه النَّسائيُّ وابنُ يُونسَ وغيرُهما، ولا يُعرَفُ فيه تَجريحٌ لأحدٍ. ومنهم مَنْ حمَل نَقصَ الأجرِ على غَنيمةٍ أُخذَت على غيرِ وَجهِها، وظُهورُ فَسادِ هذا الوَجهِ يُغني عن الإطنابِ في رَدِّه؛ إذْ لو كانَ الأمرُ كذلك لم يَبقَ لهم ثُلثُ الأجرِ ولا أَقلُّ منه.

стр. 12352

ومنهم مَنْ حمَلَ نَقصَ الأجرِ على مَنْ قصَدَ الغَنيمةَ في ابتِداءِ جِهادِه، وحمَلَ تَمامَه على مَنْ قصَدَ الجِهادَ مَحضًا، وفيه نَظرٌ؛ لأنَّ صَدرَ الحَديثِ مُصرِّحٌ بأنَّ المُقسَمَ راجعٌ إلى مَنْ أخلَصَ؛ لقَولِه في أوَّلِه: «لا يُخرِجُه إلَّا إيمانٌ بي وتَصديقٌ برُسُلي». وقالَ عِياضٌ ﵀: الوَجهُ عِندي إجراءُ الحَديثَينِ على ظاهرِهما واستِعمالُهما على وَجهِهما، ولم يُجبْ عن الإشكالِ المُتعلِّقِ بأهلِ بَدرٍ. وقالَ ابنُ دَقيقِ العيدِ ﵀: لا تَعارُضَ بينَ الحَديثَينِ، بل الحُكمُ فيهما جارٍ على القياسِ؛ لأنَّ الأُجورَ تَتفاوَتُ بحسَبِ زِيادةِ المَشقةِ فيما كانَ أجرُه بحسَبِ مَشقَّتِه؛ إذْ للمَشقةِ دُخولٌ في الأجرِ، وإنَّما المُشكِلُ العَملُ المُتَّصلُ بأخذِ الغَنائمِ، يَعني: فلو كانَت تَنقصُ الأجرَ لما كانَ السَّلفُ الصالِحُ يُثابِرونَ عليها، فيُمكِنُ أنْ يُجابَ بأنَّ أخَذَها من جِهةِ تَقديمِ بعضِ المَصالحِ الجُزئيةِ على بَعضٍ؛ لأنَّ أخَذَ الغَنائمِ أوَّلَ ما شُرعَ كانَ عَونًا على الدِّينِ وقُوةً لضُعفاءِ المُسلِمينَ، وهي مَصلَحةٌ عُظمى يُغتفَرُ لها بعضُ النَّقصِ في الأجرِ من حيثُ هو. وأمَّا الجَوابُ عمَّن استشكَلَ ذلك بحالِ أهلِ بَدرٍ؛ فالذي يَنبَغي هو أنْ يَكونَ التَّقابلُ بينَ كَمالِ الأجرِ ونُقصانِه لمَن يَغزو بنَفسِه إذا لم يَغنَمْ، أو لمَن يَغزُو فيَغنَمُ، فغايَتُه أنَّ حالَ أهلِ بَدرٍ مَثلًا عندَ عَدمِ الغَنيمةِ أفضَلُ منه عندَ وُجودِها، ولا يَنفي ذلك أنْ يَكونَ حالُهم أفضَلَ من حالِ غيرِهم من جِهةٍ أُخرى، ولم يَردْ فيهم نَصٌّ أنَّهم لو لم يَغنَموا كانَ أجرُهم بحالِه من غيرِ

стр. 12353

زِيادةٍ، ولا يَلزمُ من كَونِه مَغفورًا لهم، وأنَّهم أفضَلُ المُجاهِدينَ ألَّا يَكونَ وَراءَهم مَرتَبةٌ أُخرى. وأمَّا الاعتِراضُ بحِلِّ الغَنائمِ فغيرُ وارِدٍ؛ إذْ لا يَلزمُ من الحِلِّ ثُبوتُ وَفاءِ الأجرِ لكلِّ غازٍ، والمُباحُ في الأصلِ لا يَستلزِمَ الثَّوابَ بنَفسِه، لكنْ ثبَتَ أنَّ أخْذَ الغَنيمةِ واستِيلاءَها من الكُفارِ يُحصِّلُ الثَّوابَ، ومع ذلك مَع صِحةِ ثُبوتِ الفَضلِ في أخذِ الغَنيمةِ وصِحةِ التَّمدُّحِ بأخْذِها لا يَلزمُ من ذلك أنَّ كلَّ غازٍ يَحصُلُ له من أجرِ غَزاتِه نَظيرُ مَنْ لم يَغنَمْ شَيئًا ألبَتةَ. قُلتُ: والذي مثَّل بأهلِ بَدرٍ أرادَ التَّهويلَ، وإلا فالأمرُ على ما تَقرَّرَ آخِرًا؛ بأنَّه لا يَلزمُ من كَونِهم مع أَخذِ الغَنيمةِ أنقَصُ أجرًا ممَّا لو لمْ يَحصُلْ لهم أجرُ الغَنيمةِ أنْ يَكونوا في حالِ أَخذِهم الغَنيمةَ مَفضولِينَ بالنِّسبةِ إلى مَنْ بعدَهم كمَن شهِد أُحدًا لكَونِهم لم يَغنَموا شَيئًا، بل أجرُ البَدريِّ في الأصلِ أضعافُ أجرِ مَنْ بعدَه، مِثالُ ذلك أنْ يَكونَ لو فُرضَ أنَّ أجرَ البَدريِّ بغيرِ غَنيمةٍ سِتُّمئةٍ، وأنَّ أجرَ الأُحديِّ مَثلًا بغيرِ غَنيمةٍ مِئةٌ، فإذا نَسَبنا ذلك باعتبارِ حَديثِ عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو كانَ للبَدريِّ لكَونِه أخَذَ الغَنيمةَ مِئتان -وهي ثُلثُ السِّتِّمئةِ- فيَكونُ أكثَرَ أجرًا من الأُحديِّ، وإنَّما امتازَ أهلُ بَدرٍ بذلك لكَونِها أوَّلَ غَزوةٍ شَهِدها النَّبيُّ ﷺ في قِتالِ الكُفارِ، وكانَت مَبدَأَ اشتِهارِ الإسلامِ وقُوةِ أهلِه، فكانَ لمَن شَهِدها مِثلُ أجرِ مَنْ شهِدَ المَغازيَ التي بعدَها جَميعًا، فصارَت لا يُوازيها شَيءٌ في الفَضلِ، واللهُ أعلَمُ.

стр. 12354

واختار ابنُ عبدِ البَرِّ أنَّ المُرادَ بنَقصِ أجرِ مَنْ غنِمَ أنَّ الذي لا يَغنَمُ يَزدادُ أجرُه لحُزنِه على ما فاتَه مِنْ الغَنيمةِ كما يُؤجَرُ مَنْ أُصيبَ بمالِه فكانَ الأجرُ لِما نقَصَ عن المُضاعَفةِ بسَبَبِ الغَنيمةِ عندَ ذلك كالنَّقصِ من أصلِ الأجرِ، ولا يَخفى مُبايَنةُ هذا التأويلِ لسياقِ حَديثِ عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو الذي تَقدَّمَ ذِكرُه. وذكَرَ بعضُ المُتأخِّرينَ للتَّعبيرِ بثُلثَيِ الأجرِ في حَديثِ عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو حِكمةً لطيفةً بالِغةً، وذلك أنَّ اللهَ أعَدَّ للمُجاهِدينَ ثَلاثَ كَراماتٍ، منها كَرامَتان دُنيويِّتانِ وكَرامةٌ أُخرَويةٌ، فالدُّنيويَّتانِ السَّلامةُ والغَنيمةُ، والأُخرويةُ دُخولُ الجَنةِ، فإذا رجَعَ سالِمًا غانِمًا فقد حصَلَ له ثُلثا ما أعدَّ اللهُ له وبَقيَ له عندَ اللهِ الثُّلثُ، وإنْ رجَعَ بغيرِ غَنيمةٍ عوَّضَه اللهُ عن ذلك ثَوابًا في مُقابَلةِ ما فاتَه. وكانَ مَعنى الحَديثِ أنَّه يُقالُ للمُجاهِدِ إذا فات عليكَ شَيءٌ من أمرِ الدُّنيا عوَّضتُك عنه ثَوابًا، وأمَّا الثَّوابُ المُختصُّ بالجِهادِ فهو حاصِلٌ للفَريقَينِ معًا. قالَ: وغايةُ ما فيه عَدُّ ما يَتعلَّقُ بالنِّعمتَينِ الدُّنيويَّتينِ أجرًا بطَريقِ المَجازِ، واللهُ أعلَمُ. وفي الحَديثِ: أنَّ الفَضائِلَ لا تُدرَكُ دائِمًا بالقياسِ، بل هي بفَضلِ اللهِ، وفيه استِعمالُ التَّمثيلِ في الأحكامِ، وأنَّ الأعمالَ الصالِحةَ لا تَستلزمُ الثَّوابَ لأعيانِها، وإنَّما تَحصُلُ بالنِّيةِ الخالِصةِ إجمالًا وتَفصيلًا، واللهُ أعلَمُ (١).

стр. 12355

حُكمُ إقامةِ الحُدودِ في بِلادِ الحَربِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في إقامةِ الحَدِّ على مَنْ زَنى من المُسلِمينَ أو سرَقَ أو قذَفَ مُسلمًا أو شرِبَ خَمرًا في دارِ الحَربِ؟ فقالَ المالِكيةُ والشافِعيةُ واللَّيثُ وأبو ثَورٍ: يَجبُ على الإمامِ إقامةُ الحَدِّ عليه؛ لأنَّ إقامةَ الحُدودِ فَرضٌ كالصَّلاةِ والصَّومِ والزَّكاةِ، ولا تُسقِطُ دارُ الحَربِ عنه شَيئًا من ذلك (١). فإذا قتَلَ مُسلمٌ مُسلمًا في دارِ الحَربِ يُستَوفى منه القِصاصُ، ويَكونُ الحُكمُ كما لو كانُوا في دارِ الإسلامِ. جاء في «المُدوَّنةِ الكُبرى»: (قُلتُ): أرأيتَ أميرَ الجَيشِ إذا دخَلَ أرضَ الحَربِ فسرَقَ بعضُهم من بعضٍ في أرضِ الحَربِ أو شرِبوا الخُمورَ أو زَنَوا أيُقيمُ عليهم أميرُهم الحُدودَ في قَولِ مالِكٍ؟ (قالَ): قالَ لي مالِكٌ: يُقيمُ عليهم الحُدودَ في أرضِ الحَربِ أميرُ الجَيشِ، وهو أقوى له على الحَقِّ كما تُقامُ الحُدودُ في أرضِ الإسلامِ (قُلتُ): أرأيتَ لو أنَّ تُجَّارًا من المُسلِمينَ دخَلوا أرضَ الحَربِ بأمانٍ فسرَقَ بَعضُهم من بعضٍ ثم شهِدوا على السارِق بالسَّرقةِ حينَ خرَجُوا إلينا أيُقامُ الحَدُّ على السارِق أو لا في قَولِ مالِكٍ؟

стр. 12356

(قالَ) قالَ مالِكٌ في الجَيشِ إذا كانُوا في أرضِ الحَربِ: إنَّه يُقامُ على السارِق الحَدُّ، فكذلكَ هؤلاءِ الذينَ دخَلوا بأمانٍ، ولأنَّ مالِكًا لا يَلتفِتُ إلى اختِلافِ الدارَينِ، وهؤلاء مُسلِمونَ مُقرُّونَ بأحكامِ الإسلامِ، ليسُوا بمَنزِلةِ المُشرِكينَ الذين لا يُقرُّون بأحكامِ المُسلِمينَ. (قُلتُ): وكذلك إنْ زَنى في دار الحَربِ بعضُ هؤلاء التُّجَّارِ أو شرِب الخَمرَ فشهِدوا عليه بعدَما خرَجَ أيُقيمُ عليه الإمامُ الحَدَّ؟ (قالَ): نَعمْ في رَأيِي (١). وقالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: إذا كانَ المُسلِمونَ مُستأمَنينَ أو أسرى في دارِ الحَربِ، فقتَلَ بَعضُهم بَعضًا، أو زَنَوا بغيرِ حَربيةٍ، فالحُكمُ عليهم كما يَكونُ عليهم في بِلادِ الإسلامِ، وإنَّما أُسقِط عنهم لو زَنى أحَدُهم بحَربيةٍ إذا ادَّعى الشُّبهةَ، ولا تُسقِطُ دارُ الحَربِ عنهم فَرضًا، كما لا تُسقِطُ صَومًا ولا صَلاةً ولا زَكاةً، وإذا أصابَ الرجُلُ حَدًّا وهو مُحاصَرَ للعَدوِّ أُقيمَ عليه الحَدُّ، ولا يَمنعُنا الخَوفُ عليه من اللُّحوقِ بالمُشرِكينَ أنْ نُقيمَ حَدَّ اللهِ تَعالى ولو فعَلنا تَوقِّيًا أنْ يَغضَبَ ما أقَمْنا عليه الحَدَّ أبدًا؛ لأنَّه يُمكِنُه من أيِّ مَوضِعٍ أنْ يَلحَقَ بدارِ الحَربِ فيُعطَّلَ عنه حُكمُ اللهِ جلَّ ثَناؤُه ثم حكَمَ رَسولُ اللهِ ﷺ وقد أقامَ رَسولُ اللهِ ﷺ الحَدَّ بالمَدينةِ، والشِّركُ قَريبٌ منها، وفيها شِركٌ كَثيرٌ، مُوادِعونَ، وضرَبَ الشارِبَ بحُنَينٍ، والشِّركُ قَريبٌ منه.

стр. 12357

وقالَ اللَّيثُ بنُ سَعدٍ ﵀: ما رأيتُ أحَدًا ولا سَمِعتُ أنَّه يَردُّ حَدًّا أنْ يُقيمَه في أرضِ العَدوِّ قَديمًا ولا حَديثًا إذا وجَبَ على صاحِبِه. وقالَ في الأُسارى من المُسلِمينَ: يَجعَلون عليهم رَجُلًا منهم يُقيمُ الحُدودَ فيهم إذا خُلِّي بينَهم وبينَ ذلك. وقالَ أبو ثَورٍ ﵀: الدارُ لا تُحِلُّ شَيئًا ولا تُحرِّمُه، والزِّنا والسَّرِقةُ والخَمرُ وجميعُ ما حرَّمَ اللهُ عليهم في دارِ الإسلامِ [حرِّمَ عليهم] في دارِ الحَربِ، ويُحكَمَ على مَنْ أتَى شَيئًا من ذلك حُكمُ اللهِ في كلِّ دارٍ ومَكانٍ كانَ ذلك منه، لا يَبطُلُ حُكمُ اللهِ إلا بكِتابٍ أو سُنةٍ أو إجماعٍ (١). وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه لا يُقامُ عليه الحَدُّ ولو بعدَ رُجوعِه إلى دارِ الإسلامِ؛ لأنَّ الإمامَ لا يَقدِرُ على إقامةِ الحُدودِ في دارِ الحَربِ لعَدمِ الوِلايةِ، ولا يُقامُ عليه بعدَ الرُّجوعِ إلى دارِ الإسلامِ؛ لأنَّ الفِعلَ لمْ يَقعْ مُوجِبًا أصلًا، وكذلك إذا قتَلَ مُسلمًا فيها لا يُؤخَذُ بالقِصاصِ وإنْ كانَ القَتلُ عَمدًا، لتَعذُّرِ الاستيفاءِ، ولأنَّ كَونَه في دارِ الحَربِ أورَثَ شُبهةً في الوُجوبِ، والقِصاصُ لا يَجبُ مع الشُّبهةِ، ويَضمَنُ الدِّيةَ وتَكونُ في مالِه لا على العاقِلةِ؛ لأنَّ الدِّيةَ تَجبُ على القاتِلِ ابتِداءً، ثم العاقِلةُ تُتحمَّلُ عنه لما بينَهم من التَّناصُرِ، ولا تَناصُرَ عندَ اختِلافِ الدارِ (٢).

стр. 12358

قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: إنَّ المُسلمَ إذا زَنى في دارِ الحَربِ، أو سرَقَ، أو شرِبَ الخَمرَ، أو قذَفَ مُسلمًا؛ لا يُؤخَذُ بشَيءٍ من ذلك؛ لأنَّ الإمامَ لا يَقدِرُ على إقامةِ الحُدودِ في دارِ الحَربِ لعَدمِ الوِلايةِ. ولو فعَلَ شَيئًا من ذلك ثم رجَعَ إلى دارِ الإسلامِ لا يُقامُ عليه الحَدُّ أيضًا؛ لأنَّ الفِعلَ لمْ يَقعْ مُوجِبًا أصلًا، ولو فعَلَ في دارِ الإسلامِ ثم هرَبَ إلى دارِ الحَربِ يُؤخذُ به؛ لأنَّ الفِعلَ وقَعَ مُوجِبًا للإقامةِ، فلا يَسقُطُ بالهَربِ إلى دارِ الحَربِ، وكذلك إذا قتَلَ مُسلمًا لا يُؤخذُ بالقِصاصِ وإنْ كانَ عَمدًا، لتَعذُّرِ الاستيفاءِ إلا بالمَنَعةِ؛ إذِ الواحِدُ يُقاوِمُ الواحِدَ والمَنَعةُ مُنعدِمةٌ، ولأنَّ كَونَه في دارِ الحَربِ أورَثَ شُبهةً في الوُجوبِ، ولا يَجبُ القِصاصُ مع الشُّبهةِ، ويَضمَنُ الدِّيةَ خَطَأً كانَ أو عَمدًا، وتَكونُ في مالِه لا على العاقِلةِ؛ لأنَّ الدِّيةَ تَجِبُ على القاتِلِ ابتِداءً، أو لأنَّ القَتلَ وُجدَ منه، ولِهذا وجَبَ القِصاصُ والكَفارةُ على القاتِلِ لا على غيرِه، فكذا الدِّيةُ تَجِبُ عليه ابتِداءً -وهو الصَّحيحُ- ثم العاقِلةُ تَتحمَّلُ عنه بطَريقِ التَّعاوُنِ لما يَصِلُ إليه بحَياتِه من المَنافِعِ من النُّصرةِ والعِزِّ والشَّرفِ بكَثرةِ العَشائِرِ والبِرِّ والإحسانِ لهم ونَحوِ ذلك، وهذه المَعاني لا تَحصُلُ عندَ اختِلافِ الدارَينِ، فلا تَتحمَّلُ عنه العاقِلةُ، وكذلك لو كانَ أميرًا على سَريةٍ، أو أميرَ جَيشٍ وزَنى رَجلٌ منهم، أو سرَقَ، أو شرِبَ الخَمرَ، أو قتَلَ مُسلمًا خَطأً أو عَمدًا، لمْ يَأخذْه الأميرُ بشَيءٍ من ذلك؛ لأنَّ الإمامَ ما فُوِّض إليه إقامةُ الحُدودِ والقِصاصِ؛ لعِلمِه بأنَّه لا يَقدِرُ على إقامَتِها في دارِ الحَربِ، إلا أنَّه يُضمِّنُه السَّرقةَ إنْ كانَ استهلَكها ويُضمِّنُه الدِّيةَ في بابِ القَتلِ؛ لأنَّه يَقدِرُ على استيفاءِ ضَمانِ المالِ.

стр. 12359

ولو غَزا الخَليفةُ أو أميرُ الشامِ، ففعَلَ رَجلٌ من العَسكرِ شَيئًا من ذلك أقامَ عليه الحَدَّ واقتَصَّ منه في العَمدِ وضمَّنَه الدِّيةَ في مالِه في الخَطأِ؛ لأنَّ إقامةَ الحُدودِ إلى الإمامِ، وتُمكِنُه الإقامةُ بما له من القُوةِ والشَّوكةِ باجتِماعِ الجُيوشِ وانقيادِها له، فكانَ لعَسكرِهَ حُكمُ دارِ الإسلامِ. ولو شذَّ رَجلٌ من العَسكَرِ ففعَلَ شَيئًا من ذلك دُرِئ عنه الحَدُّ والقِصاصُ؛ لاقتِصارِ وِلايةِ الإمامِ على المُعَسكَرِ، وعلى هذا يَخرجُ الحَربيُّ إذا أسلَمَ في دارِ الحَربِ، ولمْ يُهاجِرْ إلينا فقتَلَه مُسلِمٌ عَمدًا أو خَطأً؛ لأنَّه لا قِصاصَ عليه عندَنا على ما ذكَرْنا، وهذا مَبنيٌّ على أنَّ التَّقوُّمَ عندَنا يَثبُتُ بدارِ الإسلامِ؛ لأنَّ التَّقوُّمَ بالعِزةِ، ولا عِزةَ إلا بمَنَعةِ المُسلِمينَ (١). وقالَ الحَنابِلة أيضًا: تَجِبُ الحُدودُ والقِصاصُ، ولكنَّها لا تُقامُ في دارِ الحَربِ، وتُقامُ عليه بعدَ رُجوعِه من دارِ الحَربِ. واستدَلُّوا بما رَواه سَعيدٌ في «سُنَنِه» (٢)، أنَّ عُمرَ ﵁ كتَبَ إلى الناسِ أنْ: لا يَجلِدنَّ أميرُ جَيشٍ ولَا سَريةٍ رَجُلًا من المُسلِمينَ حَدًّا وهو غازٍ حتى يَقطَعَ الدَّربَ قافِلًا لئلَّا تَحمِلَه حَميَّةُ الشَّيطانِ فيَلحَقَ بالكُفارِ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأمَّا إذا رجَعَ؛ فإنَّه يُقامُ الحَدُّ عليه لعُمومِ الآياتِ والأخبارِ، وإنَّما أُخِّرَ لعارِضٍ كما يُؤخَّرُ لمَرضٍ أو شُغلٍ، فإذا زالَ العارِضُ أُقيمَ الحَدُّ لوُجودِ مُقتَضيه وانتِفاءِ مُعارِضِه؛ ولهذا قالَ عُمرُ ﵁: حتى يَقطعَ الدَّربَ قافِلًا.

стр. 12360

وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلفُوا هل تَثبُتُ الحُدودُ في دارِ الحَربِ على مَنْ وُجِدت منه أسبابُها؟ فقالَ أحمدُ ومالِكٌ والشافِعيُّ: تَثبُتُ عليهم الحُدودُ إذا فعَلوا أسبابَها سَواءٌ كانَ في دارِ الحَربِ إمامٌ أو لم يَكنْ. وقالَ أبو حَنيفةَ ﵀: لا تَثبُتُ إلا أنْ يَكونَ في دارِ الحَربِ إمامٌ. ثم اختَلفَ مُوجِبو الحَدِّ على مَنْ أتى سَببَه في دارِ الحَربِ في استِيفائِه. فقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ: يُستوفَى في دارِ الحَربِ. وقالَ أحمدُ ﵀: لا يُستوفَى في دارِ الحَربِ حتى يَرجِعَ إلى دارِ الإسلامِ. وقالَ أبو حَنيفةَ ﵀: إنْ كانَ في دارِ الحَربِ إمامٌ مع جَيشٍ من المُسلِمينَ أقامَ عليهم الحُدودَ في عَسكرِهَ قبلَ القُفولِ؛ فإنْ كانَ هناك أميرُ سَريةٍ لمْ يُقمِ الحُدودَ؛ فإنْ لمْ يُقمِ الحُدودَ على مَنْ فعَلَ أسبابَها في دارِ الحَربِ حتى دخَلوا دارَ الإسلامِ؛ فإنَّها تَسقُطُ عنهم كلُّها، إلا القَتلَ؛ فإنَّه يَضمَنُ القاتِلُ الدِّيةَ في مالِه عَمدًا كانَ أو خَطأً (١). إقامةُ الحُدودِ في الثُّغورِ: قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فَصلٌ: وتُقامُ الحُدودُ في الثُّغورِ بغيرِ خِلافٍ نَعلَمُه؛ لأنَّها من بِلادِ الإسلامِ، والحاجةُ داعيةٌ إلى زَجرِ أهلِها كالحاجةِ إلى
следующие страницы →