الدَّليلُ الثَّالثُ: ما رَواه مُسلِمٌ في صَحيحِه عن عَبد اللهِ بنِ مَسعودٍ ﵁ قالَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلقَى اللَّهَ غَدًا مُسلِمًا، فَليُحَافِظ على هَؤُلَاءِ الصَّلواتِ حيثُ يُنَادَى بِهنَّ؛ فإنَّ اللَّهَ شرعَ لِنَبِيِّكُم ﷺ سُننَ الهُدَى، وَإِنَّهنَّ مِنْ سُننِ الهُدَى، وَلَو أَنَّكُمْ صلَّيتُم في بُيُوتِكُم كما يُصلِّي هذا المُتَخلِّفُ في بَيتِه، لَتَرَكتُم سُنَّةَ نَبِيِّكُم، وَلَو تَرَكتُم سُنَّةَ نَبِيِّكُم لَضَلَلتُم، ومَا مِنْ رَجلٍ يَتطهَّرُ فَيُحسِنُ الطُّهُورَ، ثم يَعمِدُ إلى مَسجدٍ مِنْ هذه المَساجِدِ، إلا كَتَبَ اللهُ له بِكلِّ خُطوَةٍ يَخطُوهَا حَسَنَةً، وَيَرفَعُه بها دَرَجةً، وَيَحُطُّ عنه بها سيِّئَةً، وَلَقَدْ رَأَيتُنَا وما يَتَخَلَّفُ عنها إلا مُنَافِقٌ معلومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كان الرَّجلُ يُؤتى بِه يُهَادَى بينَ الرَّجلَينِ حتى يُقامَ في الصَّفِّ». وفي لَفظٍ قالَ: «إِنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ علَّمنَا سُننَ الهُدَى، وَإِنَّ مِنْ سُننِ الهُدَى الصَّلاةَ في المَسجدِ الذي يُؤَذَّنُ فيه» (١).
قال ابنُ القَيِّمِ ﵀: فوَجهُ الدِّلالةِ أَنَّه جعلَ التَّخلُّفَ عن الجَماعةِ مِنْ عَلاماتِ المُنافِقينَ المَعلومِ نِفاقُهم، وعَلاماتُ النِّفاقِ لا تَكونُ بتَركِ مُستحَبٍّ، ولا بفِعلِ مَكروهٍ، ومَنِ استَقرَأَ عَلاماتِ النِّفاقِ في السُّنةِ وجدَها إمَّا تَركَ فَريضةٍ أو فِعلَ مُحَرمٍ، وقد أكَّدَ هذا المَعنى بقولِه: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلقَى اللَّهَ غَدًا مُسلِمًا، فَليُحَافِظ على هَؤُلَاءِ الصَّلواتِ حيثُ يُنَادَى بِهنَّ». وسُمِّيَ تاركُها المُصلِّي في بَيتِه مُتَخلِّفًا، تاركًا لِلسُّنَّةِ التي هي طَريقةُ رَسولِ اللهِ ﷺ التي كانَ عليها، وشَريعَتُه التي شَرَعها لأُمَّتِه، وليس المُرادُ بها السُّنةَ التي مَنْ شاءَ فعلَها،
стр. 1262
ومَن شاءَ تركَها، فإنَّ تَركَها لا يَكونُ ضَلالًا، ولا مِنْ عَلاماتِ النِّفاقِ، كتَركِ الضُّحَى، وقِيامِ اللَّيلِ، وصَومِ الاثنَينِ والخَميسِ (١).
وأمَّا عن تَوارُثِ الأمَّةِ: فقالَ الكاسانيُّ: فلأنَّ الأُمةَ مِنْ لَدُن رَسولِ اللهِ ﷺ إلى يَومِنا هذا واظَبَت عليها، وعلى النَّكيرِ على تاركِها، والمُواظَبةُ على هذا الوَجهِ دَليلُ الوُجوبِ، وليس هذا اختِلافًا في الحَقيقةِ مِنْ حيثُ العِبارةُ، لأنَّ السُّنةَ المُؤكَّدةَ والواجِبَ سَواءٌ، خُصوصًا ما كانَ مِنْ شَعائرِ الإسلامِ، ألَا تَرى أنَّ الكَرخِيَّ سَمَّاها سُنَّةً، ثم فسَّرها بالواجِبِ، فقالَ: الجَماعةُ سُنَّةٌ لا يُرخَّصُ لِأحَدٍ التَّأخُّرُ عنها إلا لِعُذرٍ؟ وهو تَفسيرُ الواجِبِ عندَ العامَّةِ.
القولُ الثَّاني: ذَهب المالِكيَّةُ وبَعضُ الشافِعيَّةِ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ صَلاةَ الجَماعةِ سُنَّةٌ مُؤكَّدةٌ.
واحتَجوا على ذلك بمَا رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أَنَّه قال: «صَلاةُ الجَمَاعَةِ تَفضُلُ صَلاةَ الفَذِّ بِخَمسٍ وَعِشرِينَ دَرَجةً، أو بِسَبعٍ وَعِشرِينَ دَرَجةً» (٢)؛ جعلَ الجَماعةَ لِإحرازِ الفَضلِيَّةِ، وذا آيةُ السُّننِ، أي: عَلامَةُ السُّننِ (٣).
وقالَ ابنُ عَبد البرِّ ﵀: لا يَخلُو قولُه ﷺ : «صَلاةُ الجَمَاعَةِ
стр. 1263
تَفضُلُ صَلاةَ الفَذِّ»، مِنْ أحَدِ ثَلاثَةِ أوجُهٍ: إمَّا أن يَكونَ المُرادُ بذلك صَلاةَ النافِلةِ، أو يَكونَ المُرادُ بذلك مَنْ تَخلَّف بعُذرٍ، أو يَكونَ المُرادُ بذلك مَنْ تَخلَّف مِنْ غيرِ عُذرٍ.
وقد ثَبت عن النَّبيِّ ﷺ أَنَّه قال: «صَلاةُ المَرءِ في بَيتِه أَفضَلُ مِنْ صَلاتِه في مَسجدِي هذا، إلا المَكتُوبَةَ»، فعَلِمنا بذلك أَنَّه لم يَرد بحَديثِ هذا البابِ صَلاةُ النَّافِلةِ؛ لأنَّه قد فَضَّلَ صَلاةَ المُنفرِدِ النَّافِلةَ في بَيتِه.
وكذلك لمَا قالَ ﷺ : «مَنْ كانَ له صَلاةٌ بِلَيلٍ، فَغلَبه عَلَيهَا نَومٌ، كُتِبُ له أَجرُ صَلاتِه، وَكانَ نَومُه عليه صَدَقَةً» (١).
وقالَ ﷺ : «إِذَا شَغَلَ العَبدَ عَنْ عمَلٍ كانَ يَعمَلُه مرَضٌ ابتَلَاهُ اللَّهُ بِه، كُتِبَ له أَجرُ ذلك العملِ مَا دَامَ في وَثَاقِ مرَضِهِ» (٢)، عَلِمنا بذلك أنَّ مَنْ تَخلَّف مِنْ عُذرٍ لم يَدخُل في مَعنى الحَديثِ، وإذا بطَل هذانِ الوَجهانِ صحَّ أنَّ المُرادَ بذلك هو المُتخَلِّفُ عمَّا نُدِبَ إليه، وجبَ وُجوبَ سُنَّةٍ عليه بغيرِ عُذرٍ، وعَلِمنا أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يُفاضِل بينَهما إلا وهما جائِزانِ، إلا أنَّ أحَدهما أفضَلُ مِنْ الآخَرِ (٣).
قالوا: ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يُنكِر على اللَّذَينِ قالَا: صلَّينا في رِحالِنا، ولو كانَت واجِبةً لَأنكَرَ عليهما؛ فعَنِ الأسوَدِ بنِ يَزيدَ عن أبيه أَنَّه صلى مع رَسولِ اللهِ ﷺ وهو غُلَامٌ شَابٌّ، فلمَّا صلَّى إذا رَجلَانِ لم يُصلِّيَا
стр. 1264
في نَاحِيَةِ المَسجدِ، فَدَعا بِهمَا، فَجِيءَ بِهمَا تُرعَدُ فَرائِصُهما، فقالَ: «ما منعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا معَنَا؟ قالَا: قد صلَّينَا في رِحَالِنَا. فقالَ: لَا تَفعَلُوا، إذا صلَّى أحَدُكم في رَحلِه ثم أَدرَكَ الإِمَامَ ولم يُصلِّ، فَليُصلِّ معه، فَإنَّها له نَافِلَةٌ» (١).
القولُ الثَّالثُ: أَنَّها فَرضُ كِفايةٍ، وإلى هذا ذَهب الشافِعيَّةُ في المَذهبِ، وبَعضُ المالِكيَّةِ، ووَجهٌ لِلحَنَابِلةِ ذكرَه ابنُ مُفلِحٍ عن الشَّيخِ تَقِيِّ الدِّين -أي: ابنِ تيميَّةَ (٢).
واستدَلُّوا على ذلك بقولِ النَّبيِّ ﷺ : «ما مِنْ ثَلاثةٍ في قَريَةٍ، ولا بَدوٍ، لَا تُقامُ فيهمُ الصَّلاةُ، إلا قدِ استَحوَذَ عليهمُ الشَّيطَانُ؛ فعلَيكَ بِالجَمَاعَةِ؛ فَإنَّما يَأكُلُ الذِّئبُ القاصِيَةَ» (٣).
قالَ الشافِعيَّةُ: فتَجِبُ بحيثُ يَظهرُ شِعارُ الجَماعةِ بإقامَتِها بمَحَلٍّ في القَريةِ الصَّغيرةِ، وفي الكَبيرةِ، والبَلَدِ، بمَحالَّ يَظهرُ بها الشِّعارُ، وذلك يختلِفُ باختِلافِ البِلادِ وسُكَّانِها فيَكفي في القَريةِ الصَّغيرةِ إقامَتُها في مَوضِعٍ واحدٍ، وفي البَلَدِ الكَبيرِ إقامَتُها في مَحَالَّ، ولا يسقطُ بفِعلِها في البُيوتِ في الأصَحِّ، ولو أظهَرَها طَوائفُ وتَخلَّف عنها الجُمهورُ، حصَلت،
стр. 1265
وأقَلُّ جَماعةٍ يسقطُ بها الفَرضُ عن الباقِينَ ثَلاثَةٌ، أوِ اثنانِ، فيه وَجهانِ، أظهَرُهما الثَّاني، فَإِنِ امتنَعُوا كُلُّهم قُوتِلُوا؛ لأنَّ هذا شَأنُ فُروضِ الكِفاياتِ إذا عُطِّلت، والمُقاتِلُ لهمُ الإمامُ، ويسقطُ الطَّلَبُ بطائِفةٍ، وإن قَلَّت؛ فلو أطبَقوا على إقامَتِها في البُيوتِ، ولم يَظهَر بها شِعارٌ، لم يسقُطِ الفَرضُ؛ فإنِ امتنَعوا كلُّهم مِنْ إقامَتِها على ما ذُكر، قاتَلَهمُ الإمامُ أو نائِبُه، دونَ آحادِ النَّاسِ، وهكذا لو تركَها أهلُ محَلِّةٍ في القَريةِ الكَبيرةِ أوِ البَلَدِ (١).
حكمُ صَلاةِ الجَماعةِ لِلنِّساءِ:
قد ذكَرنا فيما سبقَ حُكمَ صَلاةِ الجَماعةِ لِلرِّجالِ، أمَّا بِالنِّسبةِ لِلنِّساءِ فعندَ الشافِعيَّةِ والحَنابلَةِ يُسنُّ لَهنَّ الجَماعةُ مُنفرِداتٍ عن الرِّجالِ، سَواءٌ أمَّهُنَّ رَجلٌ أو امرأةٌ؛ لِفِعلِ عائِشةَ وأُمِّ سَلمةَ، فعَن رَيطَةَ الحَنفيَّةِ قالَت: «أَمَّتنَا عائِشَةُ ﵂، فَقامَت بينَهُنَّ في الصَّلاةِ المَكتُوبَةِ» (٢).
وعَن حُجَيرَةَ بِنتِ حُصَينٍ قالَت: «أَمَّتنَا أُمُّ سَلمةَ ﵂ في صَلاةِ العَصرِ، فَقامَت بينَنَا» (٣).
وقد: «أَمرَ النَّبيُّ ﷺ أُمَّ وَرَقَةَ بِأَنْ تَجعَلَ لَهَا مُؤذِّنًا يُؤذِّنُ لَهَا،
стр. 1266
وَأَمرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهلَ دَارِهَا» (١)، ولأنَّ كلَّ صَلاةٍ استُحِبَّ لِلرِّجالِ الجَماعةُ فيها استُحِبَّ الجَماعةُ فيها لِلنِّساءِ؛ فَريضةً كانَت أو نَافِلةً (٢).
وَذَهب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ جَماعةَ النِّساءِ مَكروهةٌ، وتُجزِئُهنَّ، قالوا: لأنَّ خُروجَهُنَّ إلى الجَماعاتِ قد يؤدِّي إلى الفِتنةِ (٣).
أمَّا المالِكيَّةُ فقد ذَهَبوا إلى مَنعِ جَماعةِ النِّساءِ؛ لأنَّ مِنْ شُروطِ الإمامِ عندَهم أن يَكونَ ذَكَرًا؛ فلا تَصحُّ إمامةُ المَرأةِ لِلرِّجالِ، ولا لِنساءٍ مِثلِها، ولو في نَافِلةٍ، وإنَّما يَصحُّ لِلمَرأةِ حُضورُ جَماعةِ الرِّجالِ إذا لم تكُن مَخشِيَّةَ الفِتنةِ (٤).
مَنْ تَجِبُ عليه الجَماعةُ:
الجَماعةُ إنَّما تَجِبُ على الرِّجالِ العاقِلينَ الأحرارِ القادِرينَ عليها مِنْ غيرِ حَرجٍ، فلا تَجِبُ على النِّساءِ والصِّبيانِ والمَجانِينِ وذَوي الأعذارِ، ومع ذلك تَصحُّ منهم صَلاةُ الجَماعةِ وتَنعقِدُ بهم (٥).
стр. 1267
العدد الذي تَنعقِد به الجَماعةُ:
اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّ أقَلَّ عددٍ تَنعقِدُ به الجَماعةُ اثنانِ، إذا كانا مِنْ أهلِ التَّكليفِ، وهو أن يَكونَ مع الإمامِ واحدٌ، فيَحصلَ لهما فَضلُ الجَماعةِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ في حَديثِ مالِكِ بنِ الحُوَيرِثِ ﵁: «إذا حَضرَتِ الصَّلاةُ فَأَذِّنَا، ثم أَقِيمَا، وليؤُمَّكما أَكبَرُكُمَا» (١)، ولحَديثِ أبي مُوسى الأشعَريِّ ﵁ مَرفرعًا قالَ: «اثنَانِ فمَا فوقَهُمَا جَمَاعَةٌ» (٢).
وسواءٌ أكانَ هذا في المَسجدِ أم في غيرِه، كالبَيتِ والصَّحراءِ، وسَواءٌ أكانَ المَأمومُ رَجلًا أم امرأةً، فمَن صلَّى إمامًا لزَوجَتِه أو ابنَتِه أو غيرِهما حصَل لهما فَضلُ الجَماعةِ التي هي مِنْ خَمسٍ وعِشرِينَ، أو سَبعٍ وعِشرينَ دَرَجةً، وهذا بالإجماعِ؛ لأنَّ الجَماعةَ مَأخُوذةٌ مِنْ مَعنى الاجتِماعِ، وأقَلُّ ما يَتحقَّقُ به الاجتِماعُ اثنانِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ سَمَّى الاثنَينِ مُطلَقًا جَماعةً، ولِحُصولِ مَعنى الاجتِماعِ بانضِمامِ كلِّ واحدٍ من هؤلاء إلى الإمامِ (٣).
إلا أنَّ العُلماءَ قدِ اختَلَفوا فيما إذا كان المَأمومُ صَبيًّا مُميِّزًا، هل تَنعقِدُ به الجَماعةُ في صَلاةِ الفَريضةِ أو لَا؟ أمَّا الصَّبيُّ غيرُ المُميِّزِ فلا تَنعقِدُ به الجَماعةُ باتِّفاقٍ.
стр. 1268
فذَهب الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى انعِقادِ الجَماعةِ باقتِداءِ الصَّبِيِّ مع حُصولِ فَضلِ الجَماعةِ؛ لأنَّه يَصحُّ أن يَكونَ إمامًا -عندَ الشافِعيَّة-؛ لأنَّه مُتنَفِّلٌ؛ فجازَ أن يَكونَ مَأمومًا بالمُفتَرِضِ كالبالِغِ؛ ولِذا قالَ النَّبيُّ ﷺ في الرَّجلِ الذي فاتَته الجَماعةُ: «مَنْ يَتصدَّقُ على هذا فَيُصلِّيَ معَه؟» (١).
وَذَهب المالِكيَّةُ والإمامُ أحمدُ في الرِّوايةِ الثَّانيةِ إلى أَنَّه لا يَحصلُ فَضلُ الجَماعةِ باقتِداءِ الصَّبِيِّ في الفَرضِ؛ لأنَّ صَلاةَ الصَّبِيِّ نَفلٌ، فكَأَنَّ الإمامَ صلَّى مُنفرِدًا.
وأمَّا في التَّطوُّعِ فيَصحُّ بلا خِلافٍ ويَحصلُ فَضلُ الجَماعةِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أَمَّ ابنَ عبَّاسٍ مرَّةً وهو صَبيٌّ، وأَمَّ حُذَيفةَ مرَّةً أُخرى (٢).
وقالَ المالِكيَّةُ: إنَّ الإمامَ الرَّاتبَ -أي: الذي رتَّبه السُّلطانُ أو نائِبُه، أو الواقِفُ، أو جَماعةُ المُسلِمينَ لِلإمامةِ بمَحَلٍّ مُعَدٍّ لِصَلاةِ الجَماعةِ، مَسجدًا كانَ أو غيرَه، في الصَّلواتِ الخَمسِ أو بعضِها- إذا جاءَ في وقتِه المُعتَادِ له، أي: وقتِ الصَّلاةِ، فلَم يَجِد أحَدًا يُصلِّي معه، فصلَّى مُنفرِدًا بعدَ أن أذَّنَ
стр. 1269
وأقامَ، فإِنَّه يُعَدُّ كالجَماعةِ، فَضلًا وحُكمًا، ويَحصلُ له فَضلُ الجَماعةِ إذا نَوى الإمامةَ؛ لأنَّه لا تَتَمَيَّزُ صَلاتُه مُنفرِدًا عن صَلاتِه إمامًا إلا بالنِّيةِ؛ ولذلك لا يُعيدُ في أُخرى، ولا يُصلِّي بعدَه جَماعةً في مَحَلِّه الذي هو مُرتبٌ فيه، ويُعيدُ معه مَنْ صلَّى فَذًّا، ويَجمَعُ وَحدَه لَيلَةَ المَطَرِ ونحوِه، إن أذَّنَ وأقامَ وانتظَرَ النَّاسَ في وقتِهمُ المُعتادِ، فلَم يَأتِه أحَدٌ (١).
وهذه الأحكامُ إنَّما هي بالنِّسبةِ لِلعددِ الذي تَنعقِدُ به الجَماعةُ في غيرِ الجمُعةِ والعِيدِ، أمَّا في الجمُعةِ والعِيدِ فإنَّ العددَ يختلِفُ مِنْ مَذهبٍ لِآخرَ، كما سيأتي -إن شاءَ اللهُ- في أحكامِ صَلاتَيِ الجمُعةِ والعِيدِ.
مَكانُ صَلاةِ الجَماعةِ:
تَجوزُ إقامةُ صَلاةِ الجَماعةِ في أيِّ مَكانٍ طاهِرٍ، في البَيتِ أو الصَّحراءِ أو المَسجدِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «أُعطِيتُ خَمسًا لَم يُعطَهُنَّ أَحدٌ قَبلِي». وذَكَر فيها: «وَجُعلت لِيَ الأَرضُ مَسجدًا وَطَهُورًا؛ فَأَيُّمَا رَجلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدرَكَتهُ الصَّلاةُ فَليُصلِّ» (٢).
وقالَت عائِشةُ ﵂: «صلَّى رَسولُ اللهِ ﷺ في بَيتِه وهو شَاكٍ، فَصلَّى جالسًا، وَصلَّى وَراءَهُ قَومٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيهِم أَنِ اجلِسُوا» (٣)، وقالَ النَّبيُّ ﷺ لِرَجلَينِ: «إذا صلَّيتُمَا في رِحَالِكُمَا ثم أَتَيتُمَا مَسجدَ
стр. 1270
جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا معَهم؛ فَإِنَّها لَكُمَا نَافِلَةٌ» (١).
إلَّا أنَّ الجَماعةَ لِلفَرائِضِ في المَسجدِ أفضَلُ منها في غيرِ المَسجدِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «صَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ في بُيُوتِكُم؛ فإنَّ أَفضَلَ الصَّلاةِ صَلاةُ المَرءِ في بَيتِه، إلا المَكتُوبَةَ» (٢)، أي: فهي في المَسجدِ أفضَلُ؛ لأنَّ المَسجدَ مُشتمِلٌ على الشَّرَفِ والطَّهَارةِ وإظهارِ الشَّعائرِ وكَثرَةِ الجَماعةِ.
وفِعلُ الصَّلاةِ في المَساجِدِ التي يَكثُرُ فيها النَّاسُ أفضَلُ مِنْ الصَّلاةِ في المَساجِدِ التي يَقِلُّ فيها النَّاسُ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «صَلاةُ الرَّجلِ مع الرَّجلِ أَزكَى مِنْ صَلاتِه وَحدَهُ، وَصَلاتُه مع الرَّجلَينِ أَزكَى مِنْ صَلاتِه مع الرَّجلِ، ومَا كَثُرَ فَهو أَحبُّ إلى اللَّهِ تَعالَى» (٣).
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: فإن كانَ في جِوارِه أو غيرِ جِوارِه مَسجدٌ لا تَنعقِدُ الجَماعةُ فيه إلا بحُضورِه، ففِعلُها فيه أولى؛ لأنَّه يَعمُرُه بإقامةِ الجَماعةِ فيه، ويُحَصِّلها لِمَنْ يُصلِّي فيه، وإن كانَت تُقامُ فيه، وكانَ في قَصدِه كَسرُ قَلبِ إمامِه أو جَماعتِه، فجَبرُ قُلوبِهم أولى، وإن لم يكن كذلك فهلِ الأفضَلُ قَصدُ الأبعَدِ أو قَصدُ الأقرَبِ؟ فيه رِوايتانِ:
إحداهما: قَصدُ الأبعَدِ؛ لِتَكثُرَ خُطاهُ مِنْ طَلَبِ الثَّوابِ؛ فتكثُرَ حسَناتُه.
والأُخرى: قَصدُ الأقرَبِ؛ لأنَّ له جِوارًا؛ فكانَ أحَقَّ بصَلاتِه، كما أنَّ
стр. 1271
الجارَ أحقُّ بهَديَّةِ جارِه ومَعروفِه مِنْ البَعيدِ (١).
وقالَ النَّوويُّ ﵀: فإن كان هناك مَساجِدُ فذَهابُه إلى أكثَرِها جَماعةً أفضَلُ؛ لِلحَديثِ المَذكورِ، فلو كانَ بجِوارِه مَسجدٌ قَليلُ الجَمعِ، وبالبُعدِ منه مَسجدٌ أكثرُ جَمعًا، فالمَسجدُ البَعيدُ أولى، إلا في حالَتَينِ:
إحداهما: أن تَتعطَّلَ جَماعةُ القَريبِ؛ لِعُدولِه عنه؛ لكَونِه إمامًا، أو لكَونِه يَحضُرُ النَّاسُ بحُضورِه؛ فحينئِذٍ يَكونُ القَريبُ أفضَلَ.
الأُخرى: أن يَكونَ إمامُ البَعيدِ مُبتَدِعًا، كالمُعتزِليِّ أو غيرِه، أو فاسِقًا، أو لا يَعتقدُ وُجوبَ بعضِ الأركانِ؛ فالقَريبُ أفضَلُ.
فإن كان مَسجدُ الجِوارِ لا جَماعةَ فيه، لو حَضرَ هذا الإنسانُ فيه لَم يَحصل جَماعةٌ، ولم يَحضُره غيرُه؛ فالذَّهابُ إلى مَسجدِ الجَماعةِ أفضَلُ بالاتِّفاقِ (٢).
وإذا صلَّى في البَيتِ جَماعةً فهو أفضَلُ مِنْ الانفِرادِ بمَسجدٍ -لِلخَبرِ السابقِ-؛ لأنَّ الفَضيلةَ المُتعلِّقةَ بنَفسِ العِبادةِ أفضَلُ مِنْ الفَضيلةِ المُتعلِّقةِ بمَكانِها أو زَمانِها.
ولو كانَ إذا ذَهب إلى المَسجدِ وتركَ أهلَ بَيتِه لَصَلُّوا فُرادى، أو لتَهاوَنوا، أو بَعضُهم في الصَّلاة، أو لو صلَّى في بَيتِه لَصلَّى جَماعةً، وإذا صلَّى في المَسجدِ صلَّى وَحدَه، فصَلاتُه في بَيتِه أفضَلُ (٣).
стр. 1272
وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: وإن كانَ البَلدُ ثَغرًا، فالأفضَلُ اجتِماعُ النَّاسِ في مَسجدٍ واحدٍ؛ ليَكونَ أعلى لِلكَلِمةِ، وأوقَعَ لِلهَيبَةِ، وإذا جاءَهُم خَبرٌ عن عَدُوِّهم سمِعه جَميعُهم، وإن أرادوا التَّشاوُرَ في أمرٍ حَضرَ جَميعُهم، وإن جاءَ عَينُ الكُفَّارِ رآهُم فأخبَرَ بكَثرَتِهم.
وقالَ الأوزاعيُّ: لو كانَ الأمرُ إلَيَّ لسمَّرتُ أبوابَ المَساجِدِ التي في الثَّغرِ أو نحوِ هذا؛ ليَجتَمعَ النَّاسُ في مَسجدٍ واحدٍ (١).
والصَّلاةُ في المَساجِدِ الثَّلاثةِ -المَسجدِ الحَرامِ، والمَسجدِ النَّبَويِّ، والمَسجدِ الأقصى-، وإن قَلَّت، أفضَلُ منها في غيرِها، وإن كَثُرَت، بل قالَ المُتولِّي مِنْ الشافِعيَّةِ: الانفِرادُ فيها أفضَلُ مِنْ الجَماعةِ في غيرِها (٢).
وما سبقَ مِنْ أفضَليَّةِ صَلاةِ الجَماعةِ في المَسجدِ إنَّما هو بالنِّسبةِ لِلرِّجالِ، أمَّا النِّساءُ فالجَماعةُ لَهنَّ في البُيوتِ أفضَلُ منها في المَسجدِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «صَلاةُ المَرأَةِ في بَيتِهَا أَفضَلُ مِنْ صَلاتِهَا في حُجرَتِها، وَصَلاتُهَا في مَخدَعِها أَفضَلُ مِنْ صَلاتِهَا في بَيتِهَا» (٣).
стр. 1273
تَكرارُ الجَماعةِ في مَسجدٍ واحدٍ:
ذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ إلى كَراهةِ تَكرارِ الجَماعةِ في مَسجدِ الحَيِّ الذي له إمامٌ راتِبٌ، وجَماعةٌ مَعلومونَ، وليس المَسجدُ مَطروقًا، فإن دخلَ قَومٌ في مَسجدٍ قد صلَّى فيه أهلُه فإِنَّهم يُصَلُّونَ وُحدانًا؛ لمَا رَوى أبو بَكرةَ ﵁: «أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أَقبَلَ مِنْ نَوَاحِي المَدِينَةِ يُرِيدُ الصَّلاةَ، فَوجدَ النَّاسَ قَدْ صَلوا، فَمَالَ إِلَى مَنزِلِه، فَجَمعَ أَهلَهَ، فَصلَّى بِهم» (١)، فلو كانَ يَجوزُ إعادةُ الجَماعةِ في المَسجدِ لَمَا تركَ الصَّلاةَ في المَسجدِ، والصَّلاةُ فيه أفضَلُ؛ ولأنَّنا مَأمورونَ بتَكثيرِ الجَماعةِ، وفي تَكرارِ الجَماعةِ في مَسجدٍ واحدٍ تَقليلٌ لها؛ لأنَّ النَّاسَ إذا عَرَفوا أَنَّهم تَفوتُهمُ الجَماعةُ يُعجِّلونَ لِلحُضورِ؛ فتَكثُرَ الجَماعةُ، وإذا عَلِموا أَنَّه لا تَفوتُهم، يُؤخِّرونَ؛ فيؤدِّيَ إلى تَقليلِ الجَماعاتِ.
وهذا في الجُملةِ، إلَّا أنَّ هناكَ بَعضَ التَّفاصيلِ لِكلِّ مَذهبٍ، فالحَنفيَّةُ يُقَيِّدونَ كَراهةَ التَّكرارِ -وهي عندَهم تَحريمِيَّةٌ- فيما إذا صلَّى في مَسجدِ الحَيِّ أهلُه بأذانٍ وإقامةٍ، فإذا صلَّى فيه أوَّلًا غيرُ أهلِه بدُونِ أذانٍ وإقامةٍ لا يُكرَه تَكرارُ الجَماعةِ فيه.
والكَراهةُ عندَ أبي يُوسفَ فيما إذا كانَتِ الجَماعةُ الثَّانيةُ كَثيرةً، فأمَّا إذا كانوا ثَلاثَةً أو أربَعةً فقاموا في زاويةٍ مِنْ زَوايا المَسجدِ وصَلوا بجَماعةٍ، فلا يُكرَه.
стр. 1274
وقال ابنُ عابدينَ ﵀: وعن أبي يُوسفَ: إذا لم تكُنِ الجَماعةُ على الهَيئةِ الأُولى، لا تُكرَه، وإلَّا تُكرَه، وهو الصَّحيحُ، وبالعُدولِ عن المِحرابِ تَختلِفُ الهَيئةُ.
ورُويَ عن مُحمدٍ أَنَّه إنَّما يُكرَه إذا كانَتِ الثَّانيةُ على سَبيلِ التَّداعي والاجتِماعِ، فأمَّا إذا لم يكن، فلا يُكرَهُ (١).
ويَقولُ المالِكيَّةُ: يَجوزُ لِلإمامِ الرَّاتبِ أن يَجمعَ ثانيًا -يَعني أن يُصلِّيَ جَماعةً- في مَسجدِه، إذا جَمعَ غيرُه -مِنْ مُؤذِّنٍ ونحوِه- قبلَه بغيرِ إذنِه، إلا أن يُؤَخر كَثيرًا؛ بحيثُ يَضُرُّ بهمُ انتِظارُه، ومِثلُه إذا أذِنَ لهمُ الجَمعُ؛ فليس له حينئِذٍ أن يَجَمعَ بعدَهم، أي: يُكرَه له ذلك؛ لِسُقوطِ مُراعاةِ حقِّه.
وإذا دخلَ جَماعةٌ المَسجدَ بعدَ الجَماعةِ يُندَبُ لهمُ الخُروجُ مِنْ المَسجدِ؛ لِيَجمَعوا في خارِجِه، أو مع إمامٍ راتِبٍ، أو في مَسجدٍ لا راتِبَ له، ولا يُصَلُّونَ في المَسجدِ أفذاذًا؛ لِفَواتِ فَضلِ الجَماعةِ، إلا أن يَكونَ اجتِماعُهم بأحَدِ المَساجِدِ الثَّلاثةِ (الحَرامِ، النَّبوِيِّ، الأقصى) فيُصَلُّونَ بها أفذاذًا؛ لِفَضلِ فَذِّها على جَماعةِ غيرِها، هذا إذا دَخَلوها فوَجَدوا إمامَها صلَّى، وأمَّا إن عَلِموا بصَلاتِه قبلَ دُخولِهم فإنَّهم يَجمَعونَ في خارِجِها، ولا يَدخُلونَها لِيُصَلُّوا أفذاذًا (٢).
стр. 1275
والشافِعيَّةُ بعدَما ذَكَروا كَراهةَ إعادةِ صَلاةِ الجَماعةِ في المَسجدِ الذي له إمامٌ راتِبٌ قالوا: ومَن حَضرَ ولم يَجِد إلا مَنْ صلَّى، استُحِبَّ لبعضِ مَنْ حَضرَ أن يُصلِّيَ معه؛ لِتَحصُلَ له فَضيلةُ الجَماعةِ؛ لمَا رَوى أبو سَعيدٍ الخُدرِيُّ ﵁ أنَّ رَجلًا جاءَ وقد صلَّى النَّبيُّ ﷺ ، فقالَ: «أَلَا رَجلٌ يَتصدَّقُ على هذا يُصلِّي معَه، فَقامَ رَجلٌ فَصلَّى معه» (١). وهذا بالنِّسبةِ لِمَسجدِ الحَيِّ الذي له إمامٌ راتِبٌ.
أمَّا المَسجدُ الذي ليس له إمامٌ راتِبٌ، أو المَسجدُ الذي في السُّوقِ، أو الطُّرقِ ومَمرِّ النَّاسِ، فلا كَراهةَ في الجَماعةِ الثَّانيةِ والثَّالثةِ، وأكثرَ، قالَ النَّوويُّ: بالإجماعِ (٢).
أمَّا الحَنابلَةُ فقد ذَهَبوا إلى عدمِ كَراهةِ تَكرارِ الجَماعةِ في مَسجدٍ واحدٍ، ولو كان مَسجدَ الحَيِّ، وله إمامٌ راتِبٌ، بل قالوا: إذا صلَّى إمامُ الحَيِّ، وحَضرَ جَماعةٌ أُخرى استُحِبَّ لهم أن يُصَلُّوا جَماعةً؛ لعُمومِ قولِه ﷺ : «صَلاةُ الجَمَاعَةِ تَفضُلُ صَلاةَ الفَذِّ بِخَمسٍ وَعِشرِينَ دَرَجةً» (٣). وفي رِوايةٍ أُخرى: «بِسَبعٍ وَعِشرِينَ دَرَجةً» (٤)، ولمَا رَوى أبو
стр. 1276
سَعيدٍ أنَّ رَجلًا دخلَ المَسجدَ وقد صلَّى رَسولُ اللهِ ﷺ بِأصحَابِه، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ يَتصدَّقُ على هذا فيُصلِّيَ معه»، فَقامَ رَجلٌ مِنْ القَومِ فَصلَّى معه (١)، ولِأَنَّه قادِرٌ على الجَماعةِ فاستُحِبَّ له فِعلُها كما لو كانَ المَسجدُ في مَمرِّ النَّاسِ، وهذا في غيرِ المَساجِدِ الثَّلاثَةِ.
فأمَّا إعادةُ الجَماعةِ في المَساجِدِ الثَّلاثَةِ فقد رُويَ عن أحمدَ كَراهةُ إعادةِ الجَماعةِ فيها؛ لئلَّا يَتوانَى النَّاسُ في حُضورِ الجَماعةِ مع الإمامِ الرَّاتبِ فيها إذا أمكَنَتهم الصَّلاةُ في الجَماعةِ مع غيرِه.
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: وظاهرُ خَبرِ أبي سَعيدٍ وأبي أُمامةَ -أي: الحَديثِ المُتقدِّمِ- أنَّ ذلك لا يُكرَه؛ لأنَّ الظاهِرَ: أنَّ هذا كان في مَسجدِ النَّبيِّ ﷺ ، والمَعنى يَقتَضيه أيضًا؛ فإنَّ فَضيلةَ الجَماعةِ تَحصُلُ فيها كحُصولِها في غيرِها (٢).
إقامةُ جَماعتَينِ في مَسجدٍ في وَقتٍ واحدٍ:
ذَهب الفُقهاءُ إلى أَنَّه إذا كانَ لِلمَسجدِ إمامٌ راتِبٌ فأقامَ لِلصَّلاةِ، فلا يَجوزُ لِإمامٍ آخرَ أن يُقيمَ مَعه ويُصلِّيَ بآخَرينَ في الوقتِ نَفسِه، فقد نقلَ الحطَّابُ عن الإمامِ أبي القاسِمِ بنِ عَبد الرَّحمنِ بنِ الحُسَينِ بنِ عَبد اللَّهِ بنِ الحُبابِ أَنَّه قالَ بعدَ أن ذكرَ كَلامًا: وأمَّا حُضورُ جَماعتَينِ أو أكثرَ في مَسجدٍ
стр. 1277
واحدٍ، ثم تُقامُ الصَّلاةُ، فيَتقدَّمُ الإمامُ الرَّاتبُ فيُصلِّي وأولئكَ عُكوفٌ مِنْ غيرِ ضَرورةٍ تَدعوهم إلى ذلك، تاركونَ لِإقامةِ الصَّلاةِ مع الإمامِ الرَّاتبِ، مُتشاغِلونَ بالنَّوافِلِ والحَديثِ حتى تَنقَضيَ صَلاةُ الأوَّلِ، ثم يَقومُ الذي يَليهِ وتَبقى الجَماعةُ الأُخرى على نحوِ ما ذكَرنا، ثم يُصَلُّونَ، أو تَحضُرُ الصَّلاةُ الواحدةُ، كالمَغربِ، فيُقيمُ كلُّ إمامٍ الصَّلاةَ جَهرًا يَسمَعُها الجَميعُ، ووُجوهُهم مُتَرائِيةٌ، والمُقتَدونَ بهم مُختَلِطونَ في الصُّفوفِ، ويَسمَعُ كلُّ واحدٍ مِنْ الأئمَّةِ قِراءةَ الآخَرينَ، ويَركَعونَ ويَسجُدونَ، فَيَكونُ أحَدُهم في الرُّكوعِ والآخَرُ في الرَّفعِ منه، والآخَرُ في السُّجودِ، فالأمَّةُ مُجمِعةٌ على أنَّ هذه الصَّلاةَ لا تَجوزُ، وأقَلُّ أحوالِها أن تَكونَ مَكروهةً.
ثم قالَ في مَوضِعٍ آخرَ: فأمَّا إقامةُ صَلاةٍ واحدةٍ بإمامَين راتِبَينِ يَحضُرُ كلُّ واحدٍ مِنْ الإمامَينِ فيَتقدَّمُ أحَدُهما، وهو الذي رُتِّبَ لِيُصلِّيَ أوَّلَ، وتَجلِسُ الجَماعةُ الأُخرى وإمامُهم عُكوفًا حتى يَفرُغَ الأوَّلُ، ثم يُقيمونَ صَلاتَهم، فهذا ممَّا لم يَقُل به أحَدٌ، ولا يُمكِنُ أحدًا أن يَحكيَ مثلَ هذا القولِ عن أحَدٍ مِنْ الفُقهاءِ، لا فِعلًا ولا قَولًا، فكيف بإمامَينِ يُقيمانِ الصَّلاةَ في وَقتٍ واحدٍ، يَقولُ كلُّ واحدٍ منهما: حَيَّ على الصَّلاةِ، ويُكبِّرُ كلُّ واحدٍ منهما، وأهلُ القُدوةِ مُختَلِطونَ، ويَسمَعُ كلُّ واحدٍ قِراءةَ الآخَرِ، فهؤلاء زادوا على الخِلافِ الذي لِسَلفِ الأمَّةِ وخَلَفِها، وخالَفُوا قولَ رَسولِ اللهِ ﷺ : «لَا يَجهَر بَعضُكُم على بَعضٍ بِالقُرآنِ» (١)، واللهِ لم
стр. 1278
يَرضَ هذا رَسولُ اللهِ ﷺ لِلمُتنَفِّلينَ تنَفُّلًا في المَسجدِ، بل لم يَرضَه لِمُقتَدٍ اقتَدَى به فصلَّى خلفَه، فكيفَ يَرضَى ذلك لِلإمامَينِ مُنفرِدَينِ، هذا ممَّا لم نَعلم له نَظيرًا في قَديمٍ ولا حَديثٍ.
ثم قالَ في مَوضِعٍ آخرَ: فأمَّا إقامةُ صَلاةِ المَغربِ وصَلاةِ العِشاءِ في شَهرِ رَمضانَ في وَقتٍ واحدٍ فلم يَستَحسِنها أحَدٌ مِنْ العُلماءِ، بل استَقبَحَها كلُّ مَنْ سُئلَ عَنها، ومنهم مَنْ بادَرَ بالإنكارِ مِنْ غيرِ سُؤالٍ.
ثم قالَ: وأمَّا إذنُ الإمامِ في ذلك فلا يُصَيِّرُه جائِزًا، كما لو أذِنَ الإمامُ لِلمالِكِيِّ في بَيعِ النَّبيذِ، أو التَّوَضِّي به، أو في أن يَؤُمَّ قَومًا ولا يَقرأَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، أو في النِّكاحِ بغيرِ وَلِيٍّ، وأطالَ في ذلك، وذكرَ أنَّ الشَّيخَ أبا بَكرٍ الطُّرطُوشيَّ، والشَّيخَ يَحيَى الزَّناتِيَّ أنكَرا هذه الصَّلاةَ، وأَنَّهما لم يُصلِّيَا خلفَ إمامِ المالِكيَّةِ في الحَرمِ الشَّريفِ رَكعةً واحدةً.
قالَ: وكانَ إمامُ المالِكيَّةِ في ذلك الوقتِ غيرَ مَغمُوصٍ عليه بوَجهٍ مِنْ وُجوهِ الفَسادِ، وهو رَزينٌ في أيَّامِ الزَّناتيِّ، والقابِسِيُّ في أيَّامِ الطُّرطُوشيِّ.
ثم قالَ: وحالُ هذَينِ الرَّجلَينِ مَشهورٌ عن أقرانِنا، ومَن قبلَنا بيَسيرٍ.
ثم ذكرَ عن جَماعةٍ مِنْ عُلماءِ المالِكيَّةِ والحَنفيَّةِ، وَرَدُوا إلى مَكةَ في سَنَةِ إحدى وخَمسينَ وخَمسِمِئةٍ، أَنَّهم أنكَروا صَلاةَ الأئمَّةِ الأربَعةِ مُتَرَتِّبِينَ على الصِّفةِ المَعهودةِ، وأَنَّه عَرَضَ ما أملَاه في عدمِ جَوازِ هذه الصَّلاةِ، وأنكَرَ إقامَتَها على جَماعةٍ مِنْ العُلماءِ، وأَنَّهم وافَقوه على أنَّ المَنعَ مِنْ ذلك
стр. 1279
هو مَذهبُ مالِكٍ والشافِعيِّ، وأبي حَنِيفَةَ، انتَهى مُختَصَرًا أغلَبُه بالمَعنى.
وقال الشَّيخُ أبو عَلِيٍّ الغَسانِيُّ ﵀: إنِ افتَرَقَ الجَماعةُ عندَ الإقامةِ على أئِمَّةٍ مُتَعَدِّدةٍ، إمامٍ ساجِدٍ، وإمامٍ راكِعٍ، وإمامٍ يَقولُ: سمِع اللهُ لِمَنْ حَمِدَه، لم يُوجَد مَنْ ذكرَه مِنْ الأئمَّةِ، ولا أذِنَ به أحَدٌ بعدَ الرَّسولِ ﵊، لا مَنْ صحَّت عَقيدَتُه، ولا مَنْ فَسَدَت، لا في سَفرٍ، ولا في حَضرٍ، ولا عندَ تَلَاحُمِ السُّيوفِ وتَضامِّ الصُّفوفِ في سَبيلِ اللهِ، ولا يُوجَدُ في ذلك أثَرٌ لِمَنْ تَقدَّم، فيَكونَ له به أُسوةٌ. انتَهى.
وسُئلَ القاضي جَمالُ الدِّينِ بنُ ظُهَيرةَ: عن إقامةِ الأئمَّةِ الأربَعةِ لِصَلاةِ المَغربِ في وَقتٍ واحدٍ، وقالَ القائِلُ في السُّؤالِ: إنَّ ذلك لم يكن في زَمنِ النُّبُوَّةِ، ولا الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ، ولا في زَمنِ الأئمَّةِ الأربَعةِ.
فأجابَ: بأنَّ صَلاةَ الأئمَّةِ الأربَعةِ المَغربَ دُفعةً واحدةً مِنْ البِدَعِ الفَظيعةِ، والأُمورِ الشَّنيعةِ التي لم يَزَلِ العُلماءُ يُنكِرُونَها في الحَديثِ والقَديمِ، ويَرُدُّونَها على مُختَرِعِها، القادِمِ منهم والمُقيمِ.
ثم ذكرَ كَلامَ ابنِ الحُبابِ الذي ذكَرناه، وكَلامَ الغَسانيِّ، ثم قالَ: وقد كَفانا هذانِ الرَّجلانِ في هذه المَسألةِ، وفيما نقلَه الأوَّلُ منهما مِنْ إجماعِ الأمَّةِ وكَلامِ الأئمَّةِ كِفايةٌ.
قالَ: وقد أخبَرَني بَعضُ أهلِ العِلمِ أَنَّه اجتَمعَ مع الشَّيخِ الإمامِ العَلَّامةِ عالِمِ المَغربِ في وقتِه المُجمَعِ على عِلمِه ودِينِه وفَضيلَتِه، أبي عَبد اللهِ بنِ عَرَفةَ في حَجَّتِه عامَ اثنَينِ وتِسعِينَ وسَبعِمِئةٍ بالمَسجدِ الحَرامِ، فإِنَّه لمَّا رَأى اجتِماعَ الأئمَّةِ الأربَعةِ في صَلاةِ المَغربِ أنكَرَ ذلك، وقالَ: إنَّ ذلك لا يَجوزُ
стр. 1280
بإجماعِ المُسلِمينَ، لا أعلَمُ بينَهم في ذلك اختِلافًا. انتَهى. وقالَ الحَطَّابُ بعدَ أن ذكرَ باقيَ كَلامِه نَقلًا عن والِدِه: فإنَّه لمَّا سُئلَ عن ذلك بما صُورتُه: أمَّا اجتِماعُ إمامَينِ بجَمَاعَتَينِ في صَلاةٍ واحدةٍ وفي وَقتٍ واحدٍ في مَسجدٍ واحدٍ فهذا لا يَجوزُ … إلخ (١).
وجاءَ في كِفايةِ الطَّالِبِ الرَّبَّانِيِّ: (ويُكرَهُ) كَراهةَ تَنزيهٍ (في كلِّ مَسجدٍ له إمامٌ راتِبٌ أن تُجمعَ فيه الصَّلاةُ مرَّتينِ) قبلَ الإمامِ الرَّاتبِ، أو معَه، أو بعدَه؛ لأنَّ ذلك يؤدِّي إلى التَّباغُضِ والتَّشاجُرِ بينَ الأئمَّةِ.
قالَ العدويُّ في «حاشِيَتِه»: قولُه: (أو معَه) ضَعيفٌ؛ لمَا ذكرَه (أي: الشَّيخُ علِيُّ بنُ مُحمدٍ الجَوهَريُّ) مِنْ أنَّ المَذَهب أَنَّه يَحرمُ أن يُصلِّيَ أحَدٌ صَلاةً حالَ صَلاةِ الإمامِ الرَّاتبِ لها، سَواءٌ صلَّاها مُنفرِدًا، أو جَماعةً. أه (٢).
وقالَ الدُّسوقيُّ ﵀: إذا أقامَ أحَدُهمُ الصَّلاةَ مع صَلاةِ الآخَرِ فهذا لا نِزاعَ في حُرمَتِه (٣).
وما ذكرَه هؤلاء العُلماءُ مِنْ عدمِ جَوازِ جَماعتَينِ في وَقتٍ واحدٍ في مَسجدٍ واحدٍ، إنَّما ذلك إذا كانَ لِلمَسجدِ إمامٌ راتِبٌ، أو كانتِ الجماعَتانِ عن قَصدٍ، وهُما يَعلَمانِ ذلك، أمَّا إذا كانتِ الجماعَتانِ في مَسجدٍ ليس له إمامٌ راتِبٌ أو كانَتا مِنْ غيرِ قَصدٍ، أو كانَ المَسجدُ مَطروقًا؛ فإنَّ لِلعُلماءِ في ذلك أقوالًا.
стр. 1281
فقد قالَ الحطَّابُ: لو صلَّى جَماعتانِ بإمامَينِ في مَسجدٍ واحدٍ أساؤُوا، وصحَّت صَلاتُهم، قالَه في التَّوضيحِ (١).
وقالَ أيضًا: قالَ البُرزُلِيُّ في مسائِلِ الصَّلاةِ في سُؤالِ قَصرِ المَسيرِ، وجَوابِ أبي مُحمدٍ لِأهلِه … فمِن جُملةِ ذلك.
وأمَّا الذين يُصَلُّونَ في وَقتٍ واحدٍ بإمامَينِ، ويَتبَعُ كلَّ إمامٍ طائِفةٌ، وهُما مُتقارِبانِ، فيُشكِلُ على كلِّ طائِفةٍ هل يَتبَعُونَ إمامَهم أو غيرَه فيما يَسمَعونَ مِنْ التَّكبيرِ وغيرِه، فهذا لا يَجوزُ، وصَلاةُ مَنْ صلَّى ممَّن صارَ في شَكٍّ: هلِ اتَّبعَ إمامَه أو غيرَه، فاسِدةٌ، ولو أيقَنَ أَنَّه اتَّبعَ إمامَه إلا أَنَّه في شُغُلٍ عن مُراعاةِ ذلك، قد شَغَلَه التَّكلُّفُ فيه، فهذا لا يَنبَغي، ولكلِّ إمامٍ أن يَتحَرجَ مِنْ هذا، إن تَعيَّن بفِعلِه في فَسادِه لِصَلاةِ النَّاسِ، ولكِن يُقدَّمُ أحَدُهما فيُصلِّي قبلَ الآخَرِ، ثم يُصلِّي الآخَرُ إن كانَ في الوقتِ سَعَةٌ، وإن كانَ في الوقتِ ضِيقٌ مثلَ صَلاةِ المَغربِ وكان يُشكِلُ عليهم ذلك فلا يَنبَغي ذلك، وليَنضَمُّوا إلى إمامٍ واحدٍ، ويَتحَاشَوا إلى المَسجدِ الكَبيرِ، ولا تُدخِل نَفسَكَ فيما تَشُكُّ فيه، انتَهى. قُلتُ: أي: الحَطَّابُ: وهذا في غيرِ المَسجدِ الذي له إمامٌ راتِبٌ، واللهُ أعلَمُ (٢).
أمَّا الشافِعيَّةُ فقد سُئلَ شِهابُ الدِّينِ الرَّملِيُّ ﵀: هل تُكرَهُ إقامةُ جَماعتَينِ في حالةٍ واحدةٍ في مَسجدٍ مَطروقٍ، إذا كانَ له إمامٌ راتِبٌ بغيرِ إذنِه أو لا؟
стр. 1282
فأجابَ: لا تُكرَهُ، وهو مَفهومٌ بالأَولى مِنْ نَفيِ كَراهةِ إقامةِ جَماعةٍ فيه قبلَ إمامِه، وعِبارةُ التَّحقيقِ إن كانَ لِلمَسجدِ إمامٌ راتِبٌ وليس مَطروقًا كُرِهَ لغيرِ إمامِه إقامةُ الجَماعةِ فيه، ويُقالُ: لا، إن أُقيمَت بعدَ فَراغِ الإمامِ، وإلَّا فلا، وعِبارةُ الرَّوضِ: ويُكرَهُ أن تُقامَ جَماعةٌ في مَسجدٍ بغيرِ إذنِ إمامِه، إلا إذا كانَ مَطروقًا، وعبارةُ جامِع المُختصَراتِ: وتُكرَهُ الجَماعةُ بذي راتِبٍ لا يُطرَقُ، ولو بعدَه في الأصَحِّ. اه.
ومَا صرَّح به في التَّتمَّةِ مِنْ كَراهةِ عَقدِ جَماعتَينِ في حالةٍ واحدةٍ مَحَلُّه في غيرِ المَطروقِ؛ فإنَّ أكثرَهم صرَّح بكَراهةِ القَبليَّةِ والبَعدِيَّةِ، وسكتَ عن المُقارَنةِ (١).
стр. 1283
إذا وقفَتِ المَرأةُ في صَفِّ الرِّجالِ، هل تبطُلُ صَلاةُ مَنْ يَليها؟
إنَّ وُقوفَ المَرأةِ خلفَ الرِّجالِ سُنَّةٌ مَأمُورٌ بها، ولو وقفَت في صَفِّ الرِّجالِ فإنَّ ذلك مَكروهٌ، وهل تبطُلُ صَلاةُ مَنْ يُحاذيها؟ فيه قَولانِ لِلعُلماءِ:
الأوَّل: وهو مَذهبُ الحَنفيَّةِ وأبي بَكرٍ وأبي حَفصٍ مِنْ أصحابِ الإمامِ أحمدَ أنَّ المَرأةَ إذا وقفت في صَفِّ الرِّجالِ لا تفسُدُ صَلاتُها، وتفسُدُ صَلاةُ رَجلٍ عن يَمينِها، ورَجلٍ عن يَسارِها، ورَجلٍ خلفَها، ورَجلٍ بحِذائِها، وقالَ الحَنفيَّةُ: ولو كانَ في صَفِّ الرِّجالِ ثِنتَانِ مِنْ النِّساءِ، وخلفَ هذا الصَّفِّ صُفوفٌ أُخَرُ، تفسُدُ صَلاةُ رَجلٍ عن يَمينِها، وصَلاةُ رَجلٍ عن يَسارِها، وصَلاةُ رَجلَينِ خلفَهما.
وإن كُنَّ ثَلاثًا اختَلفَ المَشايِخُ فيه، قالَ بَعضُهم: تفسُدُ صَلاةُ ثَلاثةِ
стр. 1284
رِجالٍ خلفَهنَّ، لا غيرُ، وقالَ بَعضُهم: تفسُدُ صَلاةُ الرِّجالِ كلِّهم خلفَهنَّ، ويَصيرُ الثَّلاثُ مِنْ النِّسوانِ بمَنزِلةِ صَفٍّ على حِدَةٍ.
القولُ الآخَرُ: ذَهب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المَرأةَ إذا وقفَت في صَفِّ الرِّجالِ لا تفسُدُ صَلاتُها، ولا صَلاةُ مَنْ يَليها، ولا مَنْ خلفَها؛ لِأَنَّها لو وقفت في غيرِ صَلاةٍ لم تبطُل صَلاتُه، فكذلك في الصَّلاةِ، وقد ثَبت أنَّ عائِشةَ ﵂: «كانَت تَعتَرِضُ بينَ يَدي رَسولِ اللهِ ﷺ نَائِمَةً وَهو يُصلِّي» (١).
وعنِ الإمامِ أحمدَ رِوايةٌ فيمَن يَليها بالبُطلانِ، قال ابنُ مُفلِحٍ: وذكرَ ابنُ عَقيلٍ فيمَن يَليها رِوايةً تُبطِلُ، وفي الفُصولِ أَنَّه الأشبَه، وأنَّ أحمدَ تَوقَّف، وذكرَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ -أي: ابنُ تيميَّةَ- أَنَّه المَنصوصُ، وقيلَ: ومَن خلفَها (٢).
وجاءَ في «المُدوَّنةِ الكُبرى»: في صَلاةِ المَرأةِ بينَ الصُّفوفِ:
(قُلتُ) لابنِ القاسِمِ: إذا صلَّتِ المَرأةُ وَسَطَ الصُّفوفِ بينَ الرِّجالِ
стр. 1285
أتُفسِدُ على أحَدٍ مِنْ الرِّجالِ صَلاتَه في قولِ مالِكٍ؟ قالَ: لا أرَى أن تُفسِدَ على أحَدٍ مِنْ الرِّجالِ، ولا على نَفسِها. (قالَ) وسألتُ مالِكًا عن قَومٍ أتَوُا المَسجدَ فوَجَدوا الرَّحَبةَ، رَحَبةَ المَسجدِ، قدِ امتَلَأت مِنْ النِّساءِ، وقدِ امتَلَأَ المَسجدُ مِنْ الرِّجالِ، فصلَّى الرِّجالُ خلفَ النِّساءِ لِصَلاةِ الإمامِ، (قالَ) صَلاتُهم تَامَّةٌ ولا يُعيدونَ. (قالَ ابنُ القاسِمِ): فهذا أشَدُّ مِنْ الذي يُصلِّي في وَسَطِ النِّساءِ (١).
صَلاةُ المُنفرِدِ خلفَ الصَّفِّ:
الأصلُ في صَلاةِ الجَماعةِ أن يَكونَ المَأمُومونَ صُفوفًا مُتراصَّةً، إلا أنَّ العُلماءَ اختَلَفوا فيما لو صلَّى إنسانٌ خلفَ الصَّفِّ وَحدَه، هل تَصحُّ صَلاتُه أو لا؟
فذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ إلى صحَّةِ صَلاتِه مع الكَراهةِ؛ لمَا رُويَ أنَّ أبا بَكرةَ ﵁ انتَهى إلى النَّبيِّ ﷺ وهو رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قبلَ أَنْ يَصلَ إلى الصَّفِّ، فذكرَ ذلك لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فقالَ: «زادَكَ اللهُ حِرصًا، ولا تَعُد» (٢)، فقد جوَّز اقتِداءَه به خلفَ الصَّفِّ، ولم يَأمُره بالإعادةِ، وإذا جازَ الرُّكوعُ خلفَ الصَّفِّ وَحدَه أجزَأَ ذلك عنه، فكَذلك سائِرُ صَلاتِه؛ لأنَّ الرُّكوعَ مِنْ أركانِها، فإذا جازَ لِلمُصلِّي أن يَركَعَ خلفَ الصَّفِّ وَحدَه، جازَ أن يَسجُدَ، وأن يُتمَّ صَلاتَه، والدَّليلُ عليه أيضًا أَنَّه
стр. 1286
لو تَبيَّن أنَّ مَنْ جَنبَه كانَ مُحدِثًا تَجوزُ صَلاتُه بالإجماعِ، وإن كانَ مُنفرِدًا خلفَ الصَّفِّ حَقيقةً.
وحَمَلوا أحاديثَ الأمرِ بالإعادةِ -الآتي ذِكرُها- إن صحَّت على الاستِحبابِ، جَمعًا بينَ الأدلَّةِ.
قالَ ابنُ عَبد البرِّ ﵀: الذي عليه جُمهورٌ مِنْ الفُقهاءِ، كمالِكٍ والشافِعيِّ والثَّورِيِّ وأبي حَنِيفَةَ فيمَنِ اتَّبعَهم وسَلكَ سَبيلَهم إجازَةُ صَلاةِ المُنفرِدِ خلفَ الصَّفِّ وَحدَه، وحَديثُ وَابِصةَ مُضطَرِبُ الإسنادِ، لا يُثبِتُه جَماعةٌ مِنْ أهلِ الحَديثِ (١).
وقالَ الإمامُ الكاسانيُّ ﵀: انفِرادُ المُقتَدي خلفَ الإمامِ عن الصَّفِّ لا يَمنَعُ صحَّةَ الاقتِداءِ عندَ عامَّةِ العُلماءِ.
وقالَ أصحابُ الحَديثِ منهم أحمدُ بنُ حَنبَلٍ: يَمنَعُ، واحتَجوا بما رُويَ عن النَّبيِّ أَنَّه قال: «لَا صَلاةَ لِمُنفرِدٍ خلفَ الصَّفِّ»، وعن وابِصةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ رَأى رَجلًا يُصلِّي في حُجرةٍ مِنْ الأرضِ، فقالَ: «أعِد صَلاتَكَ؛ فإنَّه لا صَلاةَ لِمُنفرِدٍ خلفَ الصَّفِّ».
ولنا: ما رُويَ عن أنَس بنِ مالِكٍ ﵁ أَنَّه قال: «أقامَني النَّبيُّ واليَتيمَ وَراءَه، وأقامَ أُمِّي أُمَّ سُلَيمٍ وَراءَنا»، فجوَّز اقتِداءَها به عن انفِرادِها خلفَ الصُّفوفِ، ودلَّ الحَديثُ على أنَّ مُحاذاةَ المَرأةِ مُفسِدةٌ صَلاةَ الرَّجلِ؛ لأنَّه أقامَها خلفَهما، مع نَهيِه عن الانفِرادِ خلفَ الصَّفِّ، فعُلم أَنَّه إنَّما فعلَ
стр. 1287
صِيانةً لِصَلاتِهما، ورُويَ أنَّ أبا بَكرةَ ﵁ دخلَ المَسجدَ ورَسولُ اللهِ ﷺ راكِعٌ، فكبَّر ورَكَعَ ودَبَّ، حتى التَحَقَ بالصُّفوفِ، فلمَّا فرغَ النَّبيُّ مِنْ صَلاتِه قالَ: «زادَكَ اللهُ حِرصًا، ولا تَعُد»، أو قالَ: «لَا تَعدُ»، جوَّز اقتِداءَه به خلفَ الصَّفِّ، والدَّليلُ عليه أَنَّه لو تَبيَّن أنَّ مَنْ بجَنبِه كانَ مُحدِثًا تَجوزُ صَلاتُه بالإجماعِ، وإن كانَ هو مُنفرِدًا خلفَ الصَّفِّ حَقيقةً.
والحَديثُ مَحمولٌ على نَفيِ الكَمالِ، والأمرُ بالإعادةِ شَاذٌّ.
ولو ثَبت فيُحتَملُ أَنَّه كانَ بينَه وبينَ الإمامِ ما يَمنَعُ الاقتِداءَ، وفي الحَديثِ ما يدلُّ عليه، فإِنَّه قالَ في حُجرةٍ مِنْ الأرضِ، أي: ناحيةٍ، لكنَّ الأَولَى عندَنا أن يَلتَحِقَ بالصَّفِّ إن وجدَ فُرجةً ثم يُكبِّرَ، ويُكرَهُ له الانفِرادُ مِنْ غيرِ ضَرورةٍ.
ووَجهُ الكَراهةِ نَذكرُه في بَيانِ ما يُكرَه فِعلُه في الصَّلاةِ.
ولو انفَرَدَ ثم مَشَى لِيَلحَقَ بالصَّفِّ، ذُكر في الفَتاوى عن مُحمدِ بنِ سَلمةَ أَنَّه إن مَشَى في صَلاتِه مِقدارَ صَفٍّ واحدٍ لا تفسُدُ، وإن مَشَى أكثرَ مِنْ ذلك فَسَدَت، وكذلك المَسبوقُ إذا قامَ إلى قَضاءِ ما سبقَ به، فتَقدَّم حتى لا يمُرَّ النَّاسُ بينَ يَديهِ، أَنَّه إن مَشَى قَدرَ صَفٍّ لا تفسُدُ، وإن كانَ أكثرَ مِنْ ذلك فَسَدت، وهو اختيارُ الفَقيهِ أبي اللَّيثِ، سَواءٌ كانَ في المَسجدِ، أو في الصَّحراءِ، ولو مَشَى مِقدارَ صَفٍّ ووقفَ، لا تفسُدُ صَلاتُه، وقدَّرَ بَعضُ أصحابِنا بمَوضِعِ سُجودِه، وبَعضُهم بمِقدارِ الصَّفَّينِ، إن زادَ على ذلك فَسَدت صَلاتُه (١).
стр. 1288
وَذَهب الحَنابلَةُ إلى أنَّ مَنْ صلَّى وَحدَه رَكعةً كامِلةً خلفَ الصَّفِّ لم تَصحَّ صَلاتُه؛ لمَا رَوى وابِصةُ بنُ مَعبَدٍ: «أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ رَأى رَجلًا يُصلِّي خلفَ الصَّفِّ وَحدَهُ، فَأَمرَهُ أَنْ يُعِيدَ» (١).
وعن علِيِّ بنِ شَيبانَ: «خرَجنَا حتى قَدِمنَا على النَّبيِّ ﷺ فَبايَعنَاهُ، وَصلَّينَا خلفَه، ثم صلَّينَا وَراءَهُ صَلاةً أُخرَى، فَقَضى الصَّلاةَ، فَرَأى رَجلًا فَردًا يُصلِّي خلفَ الصَّفِّ، قالَ: فَوقفَ عليه نَبِيُّ اللهِ ﷺ حينَ انصَرفَ قالَ: استَقبِل صَلاتَكَ، لَا صَلاةَ لِلَّذِي خلفَ الصَّفِّ» (٢).
ولأَنَّه خالَفَ المَوقِفَ فلم تَصحَّ صَلاتُه، كما لو وقفَ أمامَ الإمامِ، فأمَّا حَديثُ أبي بَكرةَ، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قد نَهاه فقالَ: «لَا تَعُد»، والنَّهيُ يَقتَضي الفَسادَ، وعُذرُه فيما فعلَ جَهلُه بتَحريمِه، ولِلجَهلِ تأثيرٌ في العَفوِ (٣).
وسُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ ﵀: عمَّن صلَّى خلفَ الصَّفِّ مُنفرِدًا، هل تَصحُّ صَلاتُه أو لا؟ والأحاديثُ الوارِدةُ في ذلك هل هي صَحيحةٌ أو لا؟
стр. 1289
فأجابَ: الحَمدُ للهِ، الصَّحيحُ مِنْ قولِ العُلماءِ أَنَّه لا تَصحُّ صَلاةُ المُنفرِدِ خلفَ الصَّفِّ؛ لأنَّ في ذلك حَديثَينِ عن النَّبيِّ ﷺ أَنَّه «أَمرَ المُصلِّي خلفَ الصَّفِّ بِالإِعادَةِ» وقالَ: «لَا صَلاةَ لِفَذٍّ خلفَ الصَّفِّ»، وقد صحَّح الحَديثَينِ غيرُ واحدٍ مِنْ أئِمَّةِ الحَديثِ، وأسانيدُهما ممَّا تَقومُ به الحُجَّةُ، بلِ المُخالِفونَ لهما يَعتمِدونَ في كَثيرٍ مِنْ المَسائِلِ على ما هو أضعَفُ إسنادًا منهما، وليس فيهما ما يُخالِفُ الأُصولَ، بل ما فيهما هو مُقتضَى النُّصوصِ المَشهورةِ والأُصولِ المُقرَّرةِ؛ فإنَّ صَلاةَ الجَماعةِ سُمِّيت جَماعةً؛ لِاجتِمَاعِ المُصلِّينَ في الفِعلِ مَكانًا وزَمانًا، فإذا أخَلُّوا بالاجتِماعِ المَكانيِّ، أو الزَّمانيِّ، مثلَ أن يَتقدَّموا -أو بَعضُهم- على الإمامِ، أو يَتخلَّفوا عنه تَخلُّفًا كَثيرًا؛ لغيرِ عُذرٍ، كانَ ذلك مَنهيًّا عنه باتِّفاقِ الأئمَّةِ، وكذلك لو كانوا مُفترِقينَ غيرَ مُنتَظمِينَ، مثلَ أن يَكونَ هذا خلفَ هذا، وهذا خلفَ هذا، كانَ هذا مِنْ أعظَمِ الأُمورِ المُنكَرَةِ، بل قد أُمِروا بالاصطِفافِ، بل أمرَهمُ النَّبيُّ ﷺ بتَقويمِ الصُّفوفِ وتَعديلِها، وتَراصِّ الصُّفوفِ، وسَدِّ الخَلَلِ، وسَدِّ الأوَّلِ فالأوَّلِ، كلُّ ذلك مُبالَغةٌ في تَحقيقِ اجتِماعِهم على أحسَنِ وَجهٍ بحَسَبِ الإمكانِ، ولو لم يكن الاصطِفافُ واجِبًا لجَازَ أن يَقِفَ واحدٌ خلفَ واحدٍ، وهَلُمَّ جَرًّا، وهذا ممَّا يَعلَمُ كلُّ أحَدٍ عِلمًا عامًّا أنَّ هذه ليست صَلاةَ المُسلِمينَ، ولو كان هذا ممَّا يَجوزُ لَفعلَه المُسلِمونَ، ولو مرَّةً، بل وكذلك إذا جعلوا الصَّفَّ غيرَ مُنتَظِمٍ، مثلَ أن يَتقدَّم هذا على هذا، ويَتأخرَ هذا عن هذا، لكان ذلك شَيئًا قد عُلم نَهيُ النَّبيِّ ﷺ عنه، والنَّهيُ يَقتَضي التَّحريمَ، بل إذا صَلوا قُدَّامَ الإمامِ كانَ
стр. 1290
أحسَنَ مِنْ مِثلِ هذا، فإذا كان الجُمهورُ لا يُصَحِّحونَ الصَّلاةَ قُدَّامَ الإمامِ، إمَّا مُطلَقًا، وإمَّا لغيرِ عُذرٍ، فكيفَ تَصحُّ الصَّلاةُ بدُونِ الاصطِفافِ؟ فقياسُ الأُصولِ يَقتَضي وُجوبَ الاصطِفافِ، وأنَّ صَلاةَ المُنفرِدِ لا تَصحُّ، كما جاءَ به هذانِ الحَديثانِ، ومَن خالَفَ ذلك مِنْ العُلماءِ فلا رَيبَ أَنَّه لم تَبلُغه هذه السُّنةُ مِنْ وَجهٍ يَثِقُ به، بل قد يَكونُ لم يَسمَعها، وقد يَكونُ ظَنَّ أنَّ الحَديثَ ضَعيفٌ، كما ذكرَ ذلك بَعضُهم.
والذين عارَضوه احتَجوا بصحَّةِ صَلاةِ المَرأةِ مُنفرِدةً، كما ثَبت في الصَّحيحِ: «أَنَّ أَنَسًا وَاليَتِيمَ صفَّا خلفَ النَّبيِّ ﷺ ، وَصفَّتِ العَجوزُ خلفَهمَا»، وقدِ اتَّفق العُلماءُ على صحَّةِ وُقوفِها مُنفرِدةً إذا لم يكن في الجَماعةِ امرأةٌ غيرُها، كما جاءَت به السُّنةُ، واحتَجوا أيضًا بوُقوفِ الإمامِ مُنفرِدًا، واحتَجوا بحَديثِ أبي بَكرةَ لمَّا ركَع دونَ الصَّفِّ، ثم دخلَ في الصَّفِّ فقالَ له النَّبيُّ ﷺ : «زادَكَ اللَّهُ حِرصًا، ولا تَعُد»، وهذه حُجَّةٌ ضَعيفةٌ لا تُقاوِمُ حُجَّةَ النَّهيِ عن ذلك، وذلك مِنْ وُجوهٍ:
أحَدُها: أنَّ وُقوفَ المَرأةِ خلفَ صَفِّ الرِّجالِ سُنَّةٌ مَأمُورٌ بها، ولو وقفت في صَفِّ الرِّجالِ لَكانَ ذلك مَكروهًا، وهل تبطُلُ صَلاةُ مَنْ يُحاذيها؟ فيه قَولانِ لِلعُلماءِ في مَذهبِ أحمدَ وغيرِه:
القولُ الأوَّلُ: تبطُلُ، كقولِ أبى حَنِيفَةَ، وهو اختيارُ أبي بَكرٍ، وأبي حَفصٍ، مِنْ أصحابِ أحمدَ.
والقولُ الآخَرُ: لا تبطُلُ، كقولِ مالِكٍ والشافِعيِّ، وهو قولُ ابنِ حامِدٍ
стр. 1291
والقاضي، وغيرِهما، مع تَنازُعِهم في الرَّجلِ الواقِفِ معها، هل يَكونُ فَذًّا أو لا؟ والمَنصوصُ عن أحمدَ بُطلانُ صَلاةِ مَنْ يَليها في المَوقِفِ.
وأمَّا وُقوفُ الرَّجلِ وَحدَه خلفَ الصَّفِّ فَمَكروهٌ، وتَركٌ للسُّنَّةِ باتِّفاقِهم، فكيفَ يُقاسُ المَنهيُّ عنه بالمَأمُورِ به؟ وكذلك وُقوفُ الإمامِ أمامَ الصَّفِّ هو السُّنةُ، فكيفَ يُقاسُ المَأمُورُ به بالمَنهيِّ عنه، والقياسُ الصَّحيحُ إنَّما هو قِياسُ المَسكوتِ على المَنصوصِ، أمَّا قياسُ المَنصوصِ على مَنصوصٍ يُخالِفُه فهو باطِلٌ باتِّفاقِ العُلماءِ، كقياسِ الرِّبا على البَيعِ، وقد أحَلَّ اللهُ البَيعَ وحَرمَ الرِّبا.
والوَجهُ الثَّاني: أنَّ المَرأةَ وقفت خلفَ الصَّفِّ؛ لأنَّه لم يكن لها مَنْ تُصَافُّه، ولم يُمكِنها مُصافَّةُ الرِّجالِ، ولهذا لو كانَ معها في الصَّلاةِ امرأةٌ لكانَ مِنْ حقِّها أن تَقومَ معها، وكان حكمُها حُكمَ الرَّجلِ المُنفرِدِ عن صَفِّ الرِّجالِ، ونَظيرُ ذلك ألَّا يَجِدَ الرَّجلُ مَوقِفًا إلا خلفَ الصَّفِّ؛ فهذا فيه نِزاعٌ بينَ المُبطِلينَ لِصَلاةِ المُنفرِدِ، والأظهَرُ صحَّةُ صَلاتِه في هذا المَوضِعِ؛ لأنَّ جَميعَ واجِباتِ الصَّلاةِ تَسقُطُ بالعَجزِ، وطَرَدَ هذا صحَّةُ صَلاةِ المُتقدِّمِ على الإمامِ لِلحاجةِ، كقولِ طائِفةٍ، وهو قَولٌ في مَذهبِ أحمدَ.
وإذا كانَ القيامُ والقِراءةُ وإتمامُ الرُّكوعِ والسُّجودِ والطَّهارةِ بالماءِ وغيرِ ذلك يسقطُ بالعَجزِ، فكذلك الاصطِفافُ وتَركُ التَّقدُّمِ، وطَرَدَ هذا بَقيَّةَ مسائِلِ الصُّفوفِ، كمَسألةِ مَنْ صلَّى ولم يَرَ الإمامَ، ولا مَنْ وَراءَه، مع سَماعِه لِلتَّكبِيرِ، وغيرِ ذلك، وأما الإمامُ فإنَّما قُدِّمَ لِيَراهُ المَأمُومونَ، فيَأتَمُّوا به، وهذا مُنتَفٍ في المَأمُومِ.
стр. 1292
وأمَّا حَديثُ أبي بَكرَةَ فليس فيه أَنَّه صلَّى مُنفرِدًا خلفَ الصَّفِّ قبلَ رَفعِ الإمامِ رَأسَه مِنْ الرُّكوعِ، فقد أدرَكَ مِنْ الاصطِفافِ المَأمُورِ به ما يَكونُ به مُدرِكًا لِلرَّكعةِ، فهو بمَنزِلةِ أن يَقِفَ وَحدَه، ثم يَجيءَ آخَرُ فيُصَافَّه في القِيامِ؛ فإنَّ هذا جائِزٌ باتِّفاقِ الأئمَّةِ، وحَديثُ أبي بَكرَةَ فيه النَّهيُ بقولِه: «ولا تَعُد»، وليس فيه أَنَّه أمرَه بإعادةِ الرَّكعةِ، كما في حَديثِ الفَذِّ؛ فإنَّه أمرَه بإعادةِ الصَّلاةِ، وهذا مُبيَّنٌ مُفسَّرٌ، وذلك مُجمَلٌ حتى لو قُدِّرَ أَنَّه صرَّح في حَديثِ أبي بَكرةَ بأَنَّه دخلَ في الصَّفِّ بعدَ اعتِدالِ الإمامِ، كما يَجوزُ ذلك في أحَدِ القولَينِ في مَذهبِ أحمدَ وغيرِه؛ لكانَ سائِغًا في مِثلِ هذا دونَ ما أمرَ فيه بالإعادةِ؛ فهذا له وَجهٌ، وهذا له وَجهٌ.
وأمَّا التَّفريقُ بينَ العالِمِ والجاهِلِ، كقَولٍ في مَذهبِ أحمدَ، فلا يَسوغُ؛ فإنَّ المُصلِّي المُنفرِدَ لم يكن عالِمًا بالنَّهي، وقد أمرَه بالإِعادَةِ، كما أمرَ الأعرابِيَّ المُسيءَ في صَلاتِه بالإعادةِ (١).
الأعذارُ التي تُبيحُ التَّخلُّفَ عن صَلاةِ الجَماعةِ:
الأعذارُ التي تُبيحُ التَّخلُّفَ عن الجَماعةِ منها ما هو عامٌّ، ومنها ما هو خاصٌّ، وبَيانُ ذلك فيما يَلي:
أولًا: الأعذارُ العامَّةُ:
أ- المَطَرُ الشَّديدُ الذي يَشُقُّ معه الخُروجُ لِلجَماعةِ، ويَحمِلُ النَّاسَ على تَغطيةِ رُؤُوسِهم.
стр. 1293
ب- الرِّيحُ الشَّديدةُ في اللَّيلةِ المُظلِمةِ دونَ النَّهارِ.
ج- البَردُ الشَّديدُ لَيلًا أو نَهارًا، والحَرُّ الشَّديدُ في الظُّهرِ، والمُرادُ البَردُ أو الحَرُّ الذي يَخرُجُ عمَّا ألِفَه النَّاسُ، أو ألِفَه أصحابُ المَناطقِ الحارَّةِ أو البارِدةِ.
د- الوَحلُ الشَّديدُ الذي يَتأَذَّى به الإنسانُ في نَفسِه وثِيابِه، ولا يَأمَنُ معه التَّلوُّثَ.
هـ- الظُّلمةُ الشَّديدةُ، والمُرادُ بها كَونُ الإنسانِ لا يُبصِرُ طَريقَه إلى المَسجدِ.
قال ابنُ عابدينَ ﵀: والظَّاهرُ أَنَّه لا يُكلَّفُ إيقادَ نحوِ سِراجٍ، وإن أمكَنَه ذلك.
والدَّليلُ على كَونِ هذه الأعذارِ تُبيحُ التَّخلُّفَ عن الجَماعةِ ما رَواه نافِعٌ عن ابنِ عمرَ أَنَّه نَادَى بِالصَّلاةِ في لَيلَةٍ ذَاتِ بَردٍ وَرِيحٍ وَمَطَرٍ، فقالَ في آخرِ نِدَائِهِ: ألَا صَلُّوا في رِحَالِكُم، ألَا صَلُّوا في الرِّحَالِ. ثم قالَ: إِنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ يَأمُرُ المُؤذِّنَ إذا كانَت لَيلَةٌ بارِدَةٌ، أو ذَاتُ مَطَرٍ في السَّفرِ أَنْ يَقولَ: «ألَا صَلُّوا في رِحَالِكُم» (١).
وعن جابرٍ ﵁ قالَ: خرَجنَا مع رَسولِ اللهِ ﷺ في سَفرٍ، فَمُطِرنَا، فقالَ: «لِيُصلِّ مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ في رَحلِه» (٢). وعن عَبد اللهِ بنِ الحارِثِ عن عَبد اللهِ بنِ عباسٍ أَنَّه قالَ لِمُؤذِّنِه في يَومٍ مَطيرٍ: «إذا قُلتَ: أَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللهُ، أَشهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللهِ، فلا تَقُلْ: حَيَّ على الصَّلاةِ، قُلْ: صَلُّوا
стр. 1294
في بُيُوتِكُم. قالَ: فَكَأَنَّ النَّاسَ استَنكَرُوا ذَاكَ، فقالَ: أَتَعجَبُونَ من ذَا؟! قد فعلَ ذَا مَنْ هو خَيرٌ مِنِّي، إِنَّ الجمُعَةَ عَزمَةٌ، وَإِنِّي كَرِهتُ أَنْ أُحرِجَكم فَتَمشُوا في الطِّينِ وَالدَّحضِ» (١).
ثانيًا: الأعذارُ الخاصَّةُ:
أ- المرَضُ: وهو المرَضُ الذي يَشُقُّ معه الإتيانُ إلى المَسجدِ لِصَلاةِ الجَماعةِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: هو قولُ عامَّةِ أهلِ العِلمِ.
وقال ابنُ المُنذرِ ﵀: لا أعلَمُ خِلافًا بينَ أهلِ العِلمِ أنَّ لِلمَريضِ أن يَتخَلَّفَ عن الجَماعاتِ مِنْ أجلِ المرَضِ؛ ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا مَرِضَ تَخلَّف عن المَسجدِ، وقالَ: «مُرُوا أَبا بَكرٍ فَليُصلِّ بِالنَّاسِ» (٢).
وقالَ النَّوويُّ ﵀: قالَ أصحابُنا: ومِنَ الأعذارِ في تَركِ الجَماعةِ أن يَكونَ به مرَضٌ يَشُقُّ معه القَصدُ، وإن كانَ يُمكِنُ؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا في ذلك وحَرجًا، وقد قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]؛ فإن كانَ به مرَضٌ يَسيرٌ لا يَشُقُّ معه القَصدُ: كوَجَعِ ضِرسٍ، وصُداعٍ يَسيرٍ، وحُمَّى
стр. 1295
خَفيفةٍ، فليس بعُذرٍ، وضَبَطوه بأن تَلحَقَه مَشقَّةٌ كمَشقَّةِ المَشيِ في المَطَرِ (١).
ب- الخَوفُ: وهو ثَلاثةُ أنواعٍ: خَوفٌ على النَّفسِ، وخَوفٌ على المالِ، وخَوفٌ على الأهلِ.
فالأوَّلُ: أن يَخافَ على نَفسِه سُلطانًا يَأخُذُه، أو عَدُوًّا أو لِصًّا أو سَبُعًا أو دابَّةً أو سَيلًا، أو نحوَ ذلك ممَّا يُؤذِيه في نَفسِه، وفي مَعنى ذلك أن يَخافَ غَريمًا له يُلازِمُه، ولا شَيءَ معَه يُوَفِّيه، فإن حَبَسَه بدَينٍ فهو مُعسِرٌ به ظالِمٌ له، فإن كانَ قادِرًا على أداءِ الدَّينِ لم يكن عُذرًا له.
النَّوعُ الثَّاني: أن يَخافَ على مالِه مِنْ ظالِمٍ أو لِصٍّ وأشباهِهما، أو يَخافَ أن يُسرَقَ مَنزِلُه، أو يُحرَقَ، أو شَيءٌ منه، أو يَكونَ له خُبزٌ في تَنُّورٍ، أو طَبيخٌ على نارٍ، ويَخافَ حَريقَه باشتِغالِه عنه، أو يَكونَ له غَريمٌ إن تركَ مُلازَمتَه ذَهب مالُه، أو يَكونَ له بِضاعةٌ أو وَديعةٌ عندَ رَجلٍ إن لم يُدرِكه ذَهب، فهذا وأشباهُهُ عُذرٌ في التَّخلُّفِ عن الجمُعةِ والجمُعاتِ.
والنَّوعُ الثَّالثُ: الخَوفُ على وَلَدِه وأهلِه أن يَضيعوا، أو أن يَكونَ وَلَدُه ضائِعًا فيَرجو وُجودَه في تلك الحالِ، أو يَكونَ له قَريبٌ يَخافُ إن تَشاغَلَ بها ماتَ، فلم يَشهَده.
ومِن ذلك القيامُ بتَمريضِ الأجنَبيِّ إذا لم يكن له مَنْ يَقومُ بتَمرِيضِه، وكانَ يُخشَى عليه الضَّياعُ لو تركَه.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: قالَ ابنُ المُنذرِ: ثَبت أنَّ ابنَ عمرَ: «استَصرَخَ
стр. 1296
على سَعِيدِ بنِ زَيدٍ بعدَ ارتِفَاعِ الضُّحَى، فَأَتَاهُ بِالعَقِيقِ وَتركَ الجمُعَةَ» (١)، وهو مَذهب عَطاءٍ والحَسنِ والأوزاعِيِّ والشافِعيِّ (٢).
ج- حُضورُ الطَّعامِ:
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا حَضرَ العَشاءُ في وقتِ الصَّلاةِ فالمُستحَبُّ أن يَبدَأَ بالعَشاءِ قَبَل الصَّلاةِ، ليَكونَ أفرَغَ لِقَلبِه، وأحضَرَ لِبالِه، ولا يُستحبُّ أن يَعجَلَ عن عَشائِه أو غَدائِه، فإنَّ أنَسًا رَوى عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «إذا قُرِّبَ العَشَاءُ وَحَضرَتِ الصَّلاةُ فابدَؤُوا بِه قبلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلاةَ المَغربِ، ولَا تَعجَلُوا عن عَشَائِكُم» (٣). وقالَت عائِشةُ ﵂ إنِّي سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «لَا صَلاةَ بِحَضرَةِ الطَّعامِ، ولا وهو يُدَافِعُهُ الأَخبَثَانِ» (٤). رَواهُما مُسلِمٌ وغيرُه، ولا فَرقَ بينَ أن يَحضُرَ صَلاةَ الجَمَاعةِ وهو يَخافَ فَواتَها في الجَماعةِ، أو وهو لا يَخافُ ذلك، فإنَّ في بعضِ ألفاظِ حَديثِ أنَسٍ: «إذا حَضرَ العَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ فابدَؤُوا بِالعَشَاءِ» (٥). وعنِ ابنِ عمرَ ﵄ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إذا وُضِعَ عَشَاءُ أَحدِكُم وَأُقِيمَتِ
стр. 1297
الصَّلاةُ فابدَؤُوا بِالعَشَاءِ، ولا يَعجَلَنَّ حتى يَفرُغَ منه» (١) رواهُما مُسلِمٌ. وقولُه: «وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ»، يَعني الجَماعةَ، وتَعشَّى ابنُ عمرَ وهو يَسمَعُ قِراءةَ الإمامِ.
قالَ أصحابُنا: إنَّما يُقدَّمُ العَشاءُ على الجَماعةِ إذا كانَت نَفسُه تَتُوقُ إلى الطَّعامِ كَثيرًا، وقالَ الشافِعيُّ نحوَ ذلك، وقالَ مالِكٌ: يَبدَؤُونَ بِالصَّلاةِ إلا أن يَكونَ طَعامًا خَفيفًا، وقالَ بظاهِرِ الحَديثِ عمرُ وابنُه وإسحاقُ وابنُ المُنذرِ، وقالَ ابنُ عباسٍ: لا نَقومُ إلى الصَّلاةِ وفي أنفُسِنا شَيءٌ.
قال ابنُ عَبد البرِّ ﵀: أجمَعوا على أَنَّه لو صلَّى بحَضرةِ الطَّعامِ فأكمَلَ صَلاتَه أنَّ صَلاتَه تُجزِئُه (٢).
وقالَ النَّوويُّ ﵀: وحُضورُ الشَّرابِ الذي يَتُوقُ إليه مِنْ ماءٍ وغيرِه كحُضورِ الطَّعامِ (٣).
د- مُدافَعةُ أحَدِ الأخبَثَينِ:
لمَا رَوَت عائِشةُ ﵂ قالَت: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «لَا يُصلِّيَنَّ أحَدُكم بِحَضرَةِ الطَّعامِ، ولا وهو يُدَافِعُهُ الأَخبَثَانِ».
قالَ النَّوويُّ ﵀: وهذانِ الأمرانِ عُذرانِ، يُسقِطُ كلُّ واحدٍ منهما الجَماعةَ بالاتِّفاقِ، وكذا ما كانَ في مَعناهما، ومُدافَعةُ الرِّيحِ كمُدافَعةِ البَولِ أو الغائِطِ (٤).
стр. 1298
هـ- أكلُ ذي رائِحةٍ كَريهةٍ:
مَنْ أكلَ ثُومًا أو بَصَلًا أو فِجلًا أو نحوَه، إذا تَعَذَّرَ زَوالُ رائِحَتِه فإنَّ ذلك عُذرٌ يُبيحُ التَّخلُّفَ عن الجَماعةِ حتى لا يَتأَذَّى به النَّاسُ والمَلائِكةُ؛ لِحَديثِ: «مَنْ أَكلَ مِنْ هذه البَقلَةِ، الثُّومِ -وقالَ مرَّةً: مَنْ أَكلَ البَصلَ وَالثُّومَ وَالكُرَّاثَ- فلَا يَقربَنَّ مَسجدَنَا، فإنَّ المَلَائِكَةَ تَتأذَّى ممَّا يَتأذَّى منه بَنُو آدَمَ» (١).
والمُرادُ أكلُ هذه الأشياءِ نَيِّئةً، وكذلك مَنْ كانَت حِرفَتُه لها رائِحةٌ مُؤذِيةٌ، كالجَزَّارِ والزَّيَّاتِ، ومَن له صُنانٌ، وكلُّ مَنْ له رائِحةٌ مُنتِنَةٌ.
ومِثلُ ذلك مَنْ كانَ به مرَضٌ يتَأذَّى به النَّاسُ، كالبَرَصِ والجُذامِ؛ ففي كلِّ ذلك يُباحُ التَّخلُّفُ عن الجَماعةِ (٢).
و- العمى:
ذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ -خِلافًا لِأبي حَنِيفَةَ- إلى أنَّ الأعمى إذا وجدَ قائِدًا، فإنَّ هذا ليس بعُذرٍ له أن يَتخلَّفَ عن الجَماعةِ، فإن لم يَجِد قائِدًا، ولم يَهتَدِ للطَّرِيقِ بنَفسِه، فإنَّ هذا عُذرٌ يُبيحُ له التَّخلُّفَ عن الجَماعةِ.
قالَ الكاسانيُّ ﵀: الأعمى أجمَعوا على أَنَّه إذا لم يَجِد قائِدًا لا تَجِبُ عليه، وإن وجدَ قائِدًا فكذلك عندَ أبي حَنِيفَةَ، وعندَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ تَجِبُ (٣).
стр. 1299
ز- إرادةُ السَّفرِ:
مَنْ تأهَّبَ لِسَفرٍ مُباحٍ يُريدُه مع رُفقةٍ، ثم أُقيمَتِ الجَماعةُ، وكانَ يَخشى إن حَضرَ الجَماعةَ أن تَفوتَه الرُّفقةُ، فإنَّه يُباحُ له التَّخلُّفُ عن الجَماعةِ (١).
ح- غَلَبةُ النُّعاسِ والنَّومِ:
مَنْ غلَبه النُّعاسُ والنَّومُ إن خَشِي النَّومَ إنِ انتظَرَ صَلاةَ الجَماعةِ فقد عَدَّ الفُقهاءُ هذا عُذرًا مِنْ أعذارِ الصَّلاةِ، وكذلك لو غلَبه النُّعاسُ مع الإمامِ، فله أن يُصلِّيَ وَحدَه.
لمَا رَواه البُخاريُّ (٢) وغيرُه: «أنَّ رَجلًا صلَّى مع مُعاذٍ ﵁ فلمَّا رآه قد أطالَ انفَرَدَ، وصلَّى وَحدَه». ولم يَعِب عليه النَّبيُّ ﷺ ذلك، قالَ البُهوتيُّ: والصَّبرُ والتَّجلُّدُ على دَفعِ النُّعاسِ ويُصلِّي جَماعةً أفضَلُ؛ لمَا فيه مِنْ نَيلِ فَضلِ الجَماعةِ (٣).
ط- زِفافُ الزَّوجةِ:
ذَهب الشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّ زِفافَ الزَّوجةِ عُذرٌ يُبيحُ لِلزَّوجِ التَّخلُّفَ
стр. 1300
عن صَلاةِ الجَماعةِ، لكنَّ الشافِعيَّةَ قَيَّدوه بالتَّخلُّفِ عن الجَماعةِ عن الصَّلواتِ اللَّيليَّةِ فقط.
قالَ شَيخُ الإسلامِ زَكريا الأنصاريُّ ﵀: لا يَتخَلَّفُ بسَببِ حقِّ الزِّفافِ عن الخُروجِ لِلجَماعاتِ ولِسائرِ أعمالِ البرِ، كعيادةِ المَرضى، وتَشييعِ الجَنائِزِ مدَّةَ الزِّفافِ، إلا لَيلًا؛ فيَتخلَّفُ وُجوبًا؛ تَقديمًا للواجبِ.
قالَ الأذرَعِيُّ: وهذه طَريقةٌ شَاذَّةٌ لِبعضِ العِراقيِّينَ، وقَضيةُ نُصوصِ الشافِعيِّ، وكَلامِ القاضي والبغَويِّ وغيرِهما أنَّ اللَّيلَ كالنَّهارِ في استِحبابِ الخُروجِ لذلك، وممَّن صرَّح به مِنْ المَراوِزةِ الجوينِيُّ في تَبصِرَتِه، والغَزالِيُّ في خُلاصَتِه، نَعم، العادةُ جارِيةٌ بزِيادةِ الإقامةِ في مدَّةِ الزِّفافِ على أيَّامِ القَسمِ؛ فيُراعَى ذلك.
وأمَّا لَيالي القَسمِ فتَجِبُ التَّسويةُ بينَهُنَّ في الخُروجِ لذلك وعدمِه، بأن يَخرُجَ في لَيلةِ الجَميعِ، أو لا يَخرُجَ أصلًا؛ فإن خصَّ لَيلةَ بعضِهِنَّ بالخُروجِ إلى ذلك أثِمَ (١).
أمَّا المالِكيَّةُ فلم يَعُدُّوا ذلك عُذرًا، فقالوا: ليس العُرسُ والابتِناءُ بالمرأةِ عُذرًا وسَببًا مِنْ أسبابِ التَّخَلُّفِ عن حُضورِ الجمُعةِ، ولا عن الصَّلواتِ الخَمسِ، فلا يَتخلَّفُ العَروسُ عن حُضورِ الجمُعةِ ولا عن الصَّلواتِ الخَمسِ في جَماعةٍ؛ إذ لا حَقَّ لِلزَّوجةِ في إقامةِ زَوجِها عندَها