← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 12356–12395 · переход к 12361.

стр. 12356

(قالَ) قالَ مالِكٌ في الجَيشِ إذا كانُوا في أرضِ الحَربِ: إنَّه يُقامُ على السارِق الحَدُّ، فكذلكَ هؤلاءِ الذينَ دخَلوا بأمانٍ، ولأنَّ مالِكًا لا يَلتفِتُ إلى اختِلافِ الدارَينِ، وهؤلاء مُسلِمونَ مُقرُّونَ بأحكامِ الإسلامِ، ليسُوا بمَنزِلةِ المُشرِكينَ الذين لا يُقرُّون بأحكامِ المُسلِمينَ. (قُلتُ): وكذلك إنْ زَنى في دار الحَربِ بعضُ هؤلاء التُّجَّارِ أو شرِب الخَمرَ فشهِدوا عليه بعدَما خرَجَ أيُقيمُ عليه الإمامُ الحَدَّ؟ (قالَ): نَعمْ في رَأيِي (١). وقالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: إذا كانَ المُسلِمونَ مُستأمَنينَ أو أسرى في دارِ الحَربِ، فقتَلَ بَعضُهم بَعضًا، أو زَنَوا بغيرِ حَربيةٍ، فالحُكمُ عليهم كما يَكونُ عليهم في بِلادِ الإسلامِ، وإنَّما أُسقِط عنهم لو زَنى أحَدُهم بحَربيةٍ إذا ادَّعى الشُّبهةَ، ولا تُسقِطُ دارُ الحَربِ عنهم فَرضًا، كما لا تُسقِطُ صَومًا ولا صَلاةً ولا زَكاةً، وإذا أصابَ الرجُلُ حَدًّا وهو مُحاصَرَ للعَدوِّ أُقيمَ عليه الحَدُّ، ولا يَمنعُنا الخَوفُ عليه من اللُّحوقِ بالمُشرِكينَ أنْ نُقيمَ حَدَّ اللهِ تَعالى ولو فعَلنا تَوقِّيًا أنْ يَغضَبَ ما أقَمْنا عليه الحَدَّ أبدًا؛ لأنَّه يُمكِنُه من أيِّ مَوضِعٍ أنْ يَلحَقَ بدارِ الحَربِ فيُعطَّلَ عنه حُكمُ اللهِ جلَّ ثَناؤُه ثم حكَمَ رَسولُ اللهِ ﷺ وقد أقامَ رَسولُ اللهِ ﷺ الحَدَّ بالمَدينةِ، والشِّركُ قَريبٌ منها، وفيها شِركٌ كَثيرٌ، مُوادِعونَ، وضرَبَ الشارِبَ بحُنَينٍ، والشِّركُ قَريبٌ منه.

стр. 12357

وقالَ اللَّيثُ بنُ سَعدٍ ﵀: ما رأيتُ أحَدًا ولا سَمِعتُ أنَّه يَردُّ حَدًّا أنْ يُقيمَه في أرضِ العَدوِّ قَديمًا ولا حَديثًا إذا وجَبَ على صاحِبِه. وقالَ في الأُسارى من المُسلِمينَ: يَجعَلون عليهم رَجُلًا منهم يُقيمُ الحُدودَ فيهم إذا خُلِّي بينَهم وبينَ ذلك. وقالَ أبو ثَورٍ ﵀: الدارُ لا تُحِلُّ شَيئًا ولا تُحرِّمُه، والزِّنا والسَّرِقةُ والخَمرُ وجميعُ ما حرَّمَ اللهُ عليهم في دارِ الإسلامِ [حرِّمَ عليهم] في دارِ الحَربِ، ويُحكَمَ على مَنْ أتَى شَيئًا من ذلك حُكمُ اللهِ في كلِّ دارٍ ومَكانٍ كانَ ذلك منه، لا يَبطُلُ حُكمُ اللهِ إلا بكِتابٍ أو سُنةٍ أو إجماعٍ (١). وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه لا يُقامُ عليه الحَدُّ ولو بعدَ رُجوعِه إلى دارِ الإسلامِ؛ لأنَّ الإمامَ لا يَقدِرُ على إقامةِ الحُدودِ في دارِ الحَربِ لعَدمِ الوِلايةِ، ولا يُقامُ عليه بعدَ الرُّجوعِ إلى دارِ الإسلامِ؛ لأنَّ الفِعلَ لمْ يَقعْ مُوجِبًا أصلًا، وكذلك إذا قتَلَ مُسلمًا فيها لا يُؤخَذُ بالقِصاصِ وإنْ كانَ القَتلُ عَمدًا، لتَعذُّرِ الاستيفاءِ، ولأنَّ كَونَه في دارِ الحَربِ أورَثَ شُبهةً في الوُجوبِ، والقِصاصُ لا يَجبُ مع الشُّبهةِ، ويَضمَنُ الدِّيةَ وتَكونُ في مالِه لا على العاقِلةِ؛ لأنَّ الدِّيةَ تَجبُ على القاتِلِ ابتِداءً، ثم العاقِلةُ تُتحمَّلُ عنه لما بينَهم من التَّناصُرِ، ولا تَناصُرَ عندَ اختِلافِ الدارِ (٢).

стр. 12358

قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: إنَّ المُسلمَ إذا زَنى في دارِ الحَربِ، أو سرَقَ، أو شرِبَ الخَمرَ، أو قذَفَ مُسلمًا؛ لا يُؤخَذُ بشَيءٍ من ذلك؛ لأنَّ الإمامَ لا يَقدِرُ على إقامةِ الحُدودِ في دارِ الحَربِ لعَدمِ الوِلايةِ. ولو فعَلَ شَيئًا من ذلك ثم رجَعَ إلى دارِ الإسلامِ لا يُقامُ عليه الحَدُّ أيضًا؛ لأنَّ الفِعلَ لمْ يَقعْ مُوجِبًا أصلًا، ولو فعَلَ في دارِ الإسلامِ ثم هرَبَ إلى دارِ الحَربِ يُؤخذُ به؛ لأنَّ الفِعلَ وقَعَ مُوجِبًا للإقامةِ، فلا يَسقُطُ بالهَربِ إلى دارِ الحَربِ، وكذلك إذا قتَلَ مُسلمًا لا يُؤخذُ بالقِصاصِ وإنْ كانَ عَمدًا، لتَعذُّرِ الاستيفاءِ إلا بالمَنَعةِ؛ إذِ الواحِدُ يُقاوِمُ الواحِدَ والمَنَعةُ مُنعدِمةٌ، ولأنَّ كَونَه في دارِ الحَربِ أورَثَ شُبهةً في الوُجوبِ، ولا يَجبُ القِصاصُ مع الشُّبهةِ، ويَضمَنُ الدِّيةَ خَطَأً كانَ أو عَمدًا، وتَكونُ في مالِه لا على العاقِلةِ؛ لأنَّ الدِّيةَ تَجِبُ على القاتِلِ ابتِداءً، أو لأنَّ القَتلَ وُجدَ منه، ولِهذا وجَبَ القِصاصُ والكَفارةُ على القاتِلِ لا على غيرِه، فكذا الدِّيةُ تَجِبُ عليه ابتِداءً -وهو الصَّحيحُ- ثم العاقِلةُ تَتحمَّلُ عنه بطَريقِ التَّعاوُنِ لما يَصِلُ إليه بحَياتِه من المَنافِعِ من النُّصرةِ والعِزِّ والشَّرفِ بكَثرةِ العَشائِرِ والبِرِّ والإحسانِ لهم ونَحوِ ذلك، وهذه المَعاني لا تَحصُلُ عندَ اختِلافِ الدارَينِ، فلا تَتحمَّلُ عنه العاقِلةُ، وكذلك لو كانَ أميرًا على سَريةٍ، أو أميرَ جَيشٍ وزَنى رَجلٌ منهم، أو سرَقَ، أو شرِبَ الخَمرَ، أو قتَلَ مُسلمًا خَطأً أو عَمدًا، لمْ يَأخذْه الأميرُ بشَيءٍ من ذلك؛ لأنَّ الإمامَ ما فُوِّض إليه إقامةُ الحُدودِ والقِصاصِ؛ لعِلمِه بأنَّه لا يَقدِرُ على إقامَتِها في دارِ الحَربِ، إلا أنَّه يُضمِّنُه السَّرقةَ إنْ كانَ استهلَكها ويُضمِّنُه الدِّيةَ في بابِ القَتلِ؛ لأنَّه يَقدِرُ على استيفاءِ ضَمانِ المالِ.

стр. 12359

ولو غَزا الخَليفةُ أو أميرُ الشامِ، ففعَلَ رَجلٌ من العَسكرِ شَيئًا من ذلك أقامَ عليه الحَدَّ واقتَصَّ منه في العَمدِ وضمَّنَه الدِّيةَ في مالِه في الخَطأِ؛ لأنَّ إقامةَ الحُدودِ إلى الإمامِ، وتُمكِنُه الإقامةُ بما له من القُوةِ والشَّوكةِ باجتِماعِ الجُيوشِ وانقيادِها له، فكانَ لعَسكرِهَ حُكمُ دارِ الإسلامِ. ولو شذَّ رَجلٌ من العَسكَرِ ففعَلَ شَيئًا من ذلك دُرِئ عنه الحَدُّ والقِصاصُ؛ لاقتِصارِ وِلايةِ الإمامِ على المُعَسكَرِ، وعلى هذا يَخرجُ الحَربيُّ إذا أسلَمَ في دارِ الحَربِ، ولمْ يُهاجِرْ إلينا فقتَلَه مُسلِمٌ عَمدًا أو خَطأً؛ لأنَّه لا قِصاصَ عليه عندَنا على ما ذكَرْنا، وهذا مَبنيٌّ على أنَّ التَّقوُّمَ عندَنا يَثبُتُ بدارِ الإسلامِ؛ لأنَّ التَّقوُّمَ بالعِزةِ، ولا عِزةَ إلا بمَنَعةِ المُسلِمينَ (١). وقالَ الحَنابِلة أيضًا: تَجِبُ الحُدودُ والقِصاصُ، ولكنَّها لا تُقامُ في دارِ الحَربِ، وتُقامُ عليه بعدَ رُجوعِه من دارِ الحَربِ. واستدَلُّوا بما رَواه سَعيدٌ في «سُنَنِه» (٢)، أنَّ عُمرَ ﵁ كتَبَ إلى الناسِ أنْ: لا يَجلِدنَّ أميرُ جَيشٍ ولَا سَريةٍ رَجُلًا من المُسلِمينَ حَدًّا وهو غازٍ حتى يَقطَعَ الدَّربَ قافِلًا لئلَّا تَحمِلَه حَميَّةُ الشَّيطانِ فيَلحَقَ بالكُفارِ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأمَّا إذا رجَعَ؛ فإنَّه يُقامُ الحَدُّ عليه لعُمومِ الآياتِ والأخبارِ، وإنَّما أُخِّرَ لعارِضٍ كما يُؤخَّرُ لمَرضٍ أو شُغلٍ، فإذا زالَ العارِضُ أُقيمَ الحَدُّ لوُجودِ مُقتَضيه وانتِفاءِ مُعارِضِه؛ ولهذا قالَ عُمرُ ﵁: حتى يَقطعَ الدَّربَ قافِلًا.

стр. 12360

وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلفُوا هل تَثبُتُ الحُدودُ في دارِ الحَربِ على مَنْ وُجِدت منه أسبابُها؟ فقالَ أحمدُ ومالِكٌ والشافِعيُّ: تَثبُتُ عليهم الحُدودُ إذا فعَلوا أسبابَها سَواءٌ كانَ في دارِ الحَربِ إمامٌ أو لم يَكنْ. وقالَ أبو حَنيفةَ ﵀: لا تَثبُتُ إلا أنْ يَكونَ في دارِ الحَربِ إمامٌ. ثم اختَلفَ مُوجِبو الحَدِّ على مَنْ أتى سَببَه في دارِ الحَربِ في استِيفائِه. فقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ: يُستوفَى في دارِ الحَربِ. وقالَ أحمدُ ﵀: لا يُستوفَى في دارِ الحَربِ حتى يَرجِعَ إلى دارِ الإسلامِ. وقالَ أبو حَنيفةَ ﵀: إنْ كانَ في دارِ الحَربِ إمامٌ مع جَيشٍ من المُسلِمينَ أقامَ عليهم الحُدودَ في عَسكرِهَ قبلَ القُفولِ؛ فإنْ كانَ هناك أميرُ سَريةٍ لمْ يُقمِ الحُدودَ؛ فإنْ لمْ يُقمِ الحُدودَ على مَنْ فعَلَ أسبابَها في دارِ الحَربِ حتى دخَلوا دارَ الإسلامِ؛ فإنَّها تَسقُطُ عنهم كلُّها، إلا القَتلَ؛ فإنَّه يَضمَنُ القاتِلُ الدِّيةَ في مالِه عَمدًا كانَ أو خَطأً (١). إقامةُ الحُدودِ في الثُّغورِ: قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فَصلٌ: وتُقامُ الحُدودُ في الثُّغورِ بغيرِ خِلافٍ نَعلَمُه؛ لأنَّها من بِلادِ الإسلامِ، والحاجةُ داعيةٌ إلى زَجرِ أهلِها كالحاجةِ إلى

стр. 12361

زَجرِ غيرِهم، وقد كتَبَ عُمرُ إلى أبي عُبَيدةَ أنْ يَجلِدَ من شَربَ الخَمرَ ثَمانينَ وهو بالشامِ وهو من الثُّغورِ (١). مَنْ الذي يُقيمُ الحَدَّ: من المُتَّفقِ عليه بينَ الفُقهاءِ أنَّه لا يَجوزُ أنْ يُقيمَ الحَدَّ إلا الإمامُ أو نائِبُه؛ سَواءٌ كانَ الحدُّ حقًّا للهِ تَعالى كحَدِّ الزِّنا، أو لآدميٍّ كحَدِّ القَذفِ؛ لأنَّه يَفتقِرُ إلى الاجتِهادِ، ولا يُؤمَنُ فيه الحَيفُ، فوجَبَ أنْ يُفوَّضَ إلى الإمامِ، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يُقيمُ الحُدودَ في حَياتِه، وكذا خُلفاؤُه مِنْ بَعدِه، ويَقومُ نائِبُ الإمامِ فيه مَقامَه (٢). لكنْ ما الحُكمُ إذا لم يُوجَدَ إمامٌ للناسِ، أو وُجدَ لكنَّه كافِرٌ فهل يَجوزُ حينَئذٍ للقُضاةِ الشَّرعيِّينَ إذا تَوافَرت شُروطُهم أنْ يُقيموا الحُدودَ أو لا؟ قد نَصَّ بعضُ الفُقهاءِ على أنَّ مَنْ تَمكَّن مِنْ فِعلِ ذلك جازَ له أنْ يُقيمَ الحُدودَ. قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: خاطَب اللهُ المُؤمِنينَ بالحُدودِ والحُقوقِ خِطابًا مُطلَقًا، كقَولِه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٣٨] وقَولِه: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] وقَولِه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ

стр. 12362

لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤] وكذلك قَولُه: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] لكنْ قد عُلمَ أنَّ المُخاطَب بالفِعلِ لا بدَّ أنْ يَكونَ قادِرًا عليه، وأنَّ العاجِزينَ لا يَجبُ عليهم، وقد عُلمَ أنَّ هذا فَرضٌ على الكِفايةِ، وهو مِثلُ الجِهادِ بل هو نَوعٌ من الجِهادِ، فقَولُه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ وقَولُه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٠] وقَولُه: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ﴾ [التوبة: ٣٩] ونَحوُ ذلك هو فَرضٌ على الكِفايةِ من القادِرينَ. والقُدرةُ هي السُّلطانُ، فلِهذا وجَبَ إقامةُ الحُدودِ على ذي السُّلطانِ ونُوابِه، والسُّنةُ أنْ يَكونَ للمُسلِمينَ إمامٌ واحِدٌ والباقونَ نُوابُه، فإذا فُرضَ أنَّ الأُمةَ خرَجَت عن ذلك لمَعصيةٍ من بَعضِها وعَجزٍ مِنْ الباقِينَ أو غيرِ ذلك، فكانَ لها عِدةُ أئِمةٍ؛ لكانَ يَجبُ على كلِّ إمامٍ أنْ يُقيمَ الحُدودَ ويَستوفيَ الحُقوقَ، ولِهذا قالَ العُلماءُ: إنَّ أهلَ البَغيِ يَنفُذُ من أحكامِهم ما يَنفُذُ من أحكامِ أهلِ العَدلِ، وكذلك لو شارَكوا الإمارةَ وصاروا أحزابًا لوجَبَ على كلِّ حِزبٍ فِعلُ ذلك في أهلِ طاعَتِهم، فهذا عندَ تَفرُّقِ الأُمراءِ وتَعدُّدِهم، وكذلك لو لمْ يَتفرَّقوا لكنَّ طاعَتَهم للأميرِ الكَبيرِ ليسَت طاعةً تامةً؛ فإنَّ ذلك أيضًا إذا أُسقِطَ عنه إلزامُهم بذلك لمْ يَسقُطْ عنهم القيامُ بذلك، بل عليهم أنْ يُقيموا ذلك، وكذلك لو فُرضَ عَجزُ بعضِ الأُمراءِ عن إقامةِ الحُدودِ والحُقوقِ، أو إضاعَتُه لذلك، لكانَ ذلك الفَرضُ على القادِرِ عليه، وقَولُ من قالَ: لا يُقيمُ الحُدودَ إلا السُّلطانُ ونُوَّابُه إذا كانُوا قادِرينَ فاعِلينَ بالعَدلِ، كما يَقولُ الفُقهاءُ: الأمرُ إلى الحاكِمِ إنَّما هو العادِلُ القادِرُ، فإذا كانَ مُضيِّعًا لأموالِ اليَتامى أو عاجِزًا عنها لم يَجبْ تَسليمُها إليه مع إمكانِ

стр. 12363

حِفظِها بدُونِه، وكذلك الأميرُ إذا كانَ مُضيِّعًا للحُدودِ أو عاجِزًا عنها لم يَجبْ تَفويضُها إليه مع إمكانِ إقامَتِها بدونِه. والأصلُ أنَّ هذه الواجباتِ تُقامُ على أحسَنِ الوُجوهِ؛ فمَتى أمكَن إقامَتُها من أميرٍ لمْ يُحتَجْ إلى اثنَينِ، ومَتى لمْ تَقمْ إلا بعَددٍ ومِن غيرِ سُلطانٍ أُقيمَت إذا لمْ يَكنْ في إقامَتِها فَسادٌ يَزيدُ على إضاعَتِها؛ فإنَّها من بابِ الأمرِ بالمَعروفِ والنَّهيِ عن المُنكَرِ؛ فإنْ كانَ في ذلك من فَسادِ وُلاةِ الأمرِ أو الرَّعيةِ ما يَزيدُ على إضاعَتِها لم يُدفَعْ فَسادٌ بأفسَدَ منه، واللهُ أعلَمُ (١). مَنْ له حقٌّ في بَيتِ المالِ أو الغَنيمةِ وظفِرَ بشَيءٍ من بَيتِ المالِ أو الغَنيمةِ هل يَحِلُّ له أخْذُه أو لا؟ نَصَّ جَماهيرُ العُلماءِ من فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ مَنْ له حقٌّ في بَيتِ المالِ أو الغَنيمةِ وظفِرَ بشَيءٍ منه؛ فإنَّه يَحِلُّ له أخْذُه دِيانةً. وإليكَ نَصَّ كَلامِ الفُقهاءِ بالتَّفصيلِ في هذه المَسألةِ: قالَ الإمامُ ابنُ عابدِين ﵀: مَطلَبٌ فيمَن له حقٌّ في بَيتِ المالِ وظفِرَ بشَيءٍ من بَيتِ المالِ. ونُقلَ في «القنيةِ» عن الإمامِ الوَبريِّ: أنَّ مَنْ له حَظٌّ في بَيتِ المالِ ظفِرَ بما له وَجهٌ لبَيتِ المالِ فله أنْ يأخُذَه دِيانةً. اه. ونَظَمه في «الوَهبانيةِ» وفي «البَزَّازيةِ» قالَ الإمامُ الحَلوانيُّ: إذا كانَ عِندَه وَديعةٌ فماتَ المُودِعُ بلا وارِثٍ فله أنْ يَصرِفَ الوَديعةَ إلى نَفسِه في زَمانِنا؛

стр. 12364

لأنَّه لو أعطاها لبَيتِ المالِ لضاعَتْ؛ لأنَّهم لا يَصرِفونَه مَصارِفَه، فإذا كانَ مِنْ أهلِه صرَفه إلى نَفسِه وإلا صرَفَه إلى المَصرِفِ. اه. وقدَّمَ الشارِحُ هذا في بابِ العُشرِ من كِتابِ الزَّكاةِ وظاهِرُه أنَّ مَنْ له حَظٌّ في بَيتِ المالِ بكَونِه فَقيرًا أو عالِمًا أو نَحوَ ذلك ووُجدَ ما مَرجِعُه إلى بَيتِ المالِ من أيِّ بَيتٍ من البُيوتِ الأربَعةِ الآتيةِ في آخِرِ الجِزيةِ له أخْذُه دِيانةً بطَريقِ الظَّفرِ في زَمانًا، ولا يَتقيَّدُ أخْذُه بأنْ يَكونَ مَرجِعُ المأخوذِ إلى البَيتِ الذي يَستحِقُّ منه وإلا فمَصرِفُ تَركِه بلا وارِثٍ، ولُقَطةٌ هو لقِيطُ فَقيرٍ وفَقيرٌ لا وَليَّ له. وقَولُه: فإذا كانَ مِنْ أهلِه، أي: مِنْ أهلِ بَيتِ المالِ غيرَ مُقيَّدٍ بكَونِه مِنْ أهلِ ذلك البَيتِ كما هو ظاهِرُ كَلامِ الوَبريِّ أيضًا؛ لأنَّه لو تَقيَّدَ بذلك لزِمَ ألَّا يَأخذَ مُستحِقٌّ شَيئًا؛ لأنَّ بَيتَ المالِ في زَمانِنا غيرُ مُنتظِمٍ وليسَ فيه بُيوتٌ مُرتَّبةٌ ولو رَدَّ ما وجَده إلى بَيتِ المالِ لزِمَ ضياعُه لعَدمِ صَرفِه الآنَ في مَصارِفِه كما حَرَّرناه في بابِ العُشرِ من الزَّكاةِ. فعلى هذا إذا اشتَرى جاريةً من الغَنيمةِ؛ فإنْ كانَ ممَّن يَستحِقُّ من الخُمسِ جازَ له صَرفُها إلى نَفسِه بطَريقِ استِحقاقِه من الخُمسِ، وإنْ لمْ يَكنْ مُستحِقًّا منه وله استِحقاقٌ من غيرِه كالعالِمِ الغَنيِّ يَنبَغي له أنْ يُملِّكَها لفَقيرٍ مُستحِقٍّ من الخُمسِ ثم يَشتريَها منه أو يُملِّكَه خُمسَها فقط ثم يَشتريَه منه؛ لأنَّه لو صرَفها إلى نَفسِه يَبقى فيها الخُمسُ فلا يَحِلُّ له وَطؤُها لكنْ قد يُقالُ: إنَّ الغَنيمةَ بعدَ الإحرازِ صارَت مُشترَكةً بينَ الغانِمينَ وأصحابِ الخُمسِ، وقد مَرَّ أنَّ مَنْ ماتَ بعدَ الإحرازِ يُورَثُ نَصيبُه ولكنْ لمَّا جُهِل

стр. 12365

أصحابُ الحُقوقِ وانقطَعَ الرَّجاءُ من مَعرِفَتِهم صارَ مَرجِعُها إلى بَيتِ المالِ وانقطَعَت الشَّركةُ الخاصةُ وصارَت من حُقوقِ بَيتِ المالِ كسائرِ أموالِ بَيتِ المالِ المُستحَقةِ لعامةِ المُسلِمينَ استِحقاقًا لا بطَريقِ المِلكِ؛ لأنَّ من ماتَ وله حقٌّ في بَيتِ المالِ لا يُورَثُ حَقُّه منه بخِلافِ الغَنيمةِ المُحرَزةِ قبلَ جَهالةِ مُستحِقِّيها وتَفرُّقِهم؛ فإنَّها شَرِكةٌ خاصةٌ، وحيثُ صار مَرجِعُها بَيتَ المالِ لم يَبقَ فيها حقُّ الخُمسِ أيضًا، فلِمَن يَستحِقُّ من بَيتِ المالِ أنْ يَتملَّكَها لنَفسِه هذا ما ظهَرَ لي. وقد رأيتُ رِسالةً لمُحقِّقِ الشافِعيةِ السَّيِّدِ السَّمهوديِّ قالَ فيها: وقد كانَ شَيخُنا الوالِدُ قد شَرى لي أمَةً للتَّسرِّي فذاكَرَ شَيخَنا العَلَّامةَ مُحقِّقَ العَصرِ الجَلالَ المَحليَّ في أمرِ الغَنائمِ والشِّراءِ من وَكيلِ بَيتِ المالِ فقالَ له شَيخُنا الوالِدُ: نحن نَتملَّكُها بطَريقِ الظَّفرِ لما لنا من الحَقِّ الذي لا نَصِلُ إليه في بَيتِ المالِ؛ لأنَّ تلك الجاريةَ على تَقديرِ كَونِها من غَنيمةٍ لم تُقسَمْ قِسمةً شَرعيةً قد آلَ الأمرُ فيها إلى بَيتِ المالِ لتَعذُّرِ العِلمِ بمُستحِقِّيها، فقالَ شَيخُنا المَحليُّ: نَعمْ، لكم فيه حُقوقٌ من وُجوهٍ. اه. وهذا مُوافِقٌ لما نَقَلناه عن القِنيةِ وعن البَزَّازيةِ، واللهُ أعلَمُ (١). وأمَّا المالِكيةُ، فقالَ الدَّرديرُ في «الشَّرحِ الكَبيرِ»: وليسَ منه -أي: من الغُلولِ المُحرَّمِ- أخْذُ قَدرِ ما يَستحِقُّ منها إذا كانَ الأميرُ جائِرًا لا يَقسِمُ قِسمةً شَرعيةً؛ فإنَّه يَجوزُ إنْ أمِنَ على نَفسِه، ثم قالَ بعدَ ذلك: وجازَ أخذُ

стр. 12366

مُحتاجٍ من الغانِمينَ ولو لمْ تَبلغْ حاجَتُه الضَّرورةَ، سَواءٌ أذِنَ له الإمامُ أو لم يَأذنْ، ما لم يَمنَعِ الإمامُ من ذلك. قالَ الدُّسوقيُّ مُعلِّقًا على قَولِه: فلا يَجوزُ أنْ يَأخذَ إذا مَنَع الإمامُ: لكنَّ الذي في المُدوَّنةِ: ولو نَهاهم الإمامُ ثم اضطُرُّوا إليه جازَ لهم أخْذُه، ولا عِبرةَ بنَهيِه، قالَ أبو الحَسَنِ: لأنَّ الإمامَ إذ ذاك عاصٍ، قالَ البَنانيُّ: وأخْذُ المُحتاجِ من الغَنيمةِ مَحَلُّ جَوازِه إذا أخَذَه على وَجهِ الاحتياجِ، لا على وَجهِ الخِيانةِ، وكانَ أخَذَ على نِيَّةِ رَدِّه، وأنْ يَكونَ المَأخوذُ مُعتادًا لمِثلِه، لا حِزامًا كأحزِمةِ المُلوكِ فلا يَجوزُ أخْذُه (١). وأمَّا الشافِعيةُ فقالَ منهم الجَملُ في «حاشِيَتِه»: وظاهِرُ أنَّ مَنْ له حقٌّ في بَيتِ المالِ يَجوزُ له تَملُّكُ الأمَةِ بطَريقِ الظَّفرِ؛ لأنَّ المَرجِعَ فيها حينَئذٍ إلى بَيتِ المالِ للجَهلِ بالمُستحِقِّين، وفي كَلامِ التاجِ ابنِ الفِركاحِ: أنَّ الغُلولَ في الغَنيمةِ يَحرُمُ ما دامَت الغَنيمةُ تُقسَمُ على الوَجهِ المَشروعِ، فإذا تَغيَّر الحالُ جازَ لمَن ظفِرَ بقَدرِ حَقِّه وبما دونَه أنْ يَأخذَ به ويَكتُمَه. اه. ومُقتَضاه جَوازُ الأخذِ ظَفرًا في الغَنيمةِ فَضلًا على بَيتِ المالِ. لكنَّ المُصنِّفَ نقَلَ في المَجموعِ عن الغَزاليِّ وأقرَّه أنَّه لو لم يَدفَعِ السُّلطانُ إلى كلِّ المُستحِقِّين حُقوقَهم من بَيتِ المالِ فهل يَجوزُ لأحدِهم أخْذُ شَيءٍ من بَيتِ المالِ؟ فيه أربَعةُ مَذاهبَ:

стр. 12367

أحَدُها: لا يَجوزُ؛ لأنَّه مُشترِكٌ ولا يَدري حِصَّتَه منه أهو حَبَّةٌ أو دانَقٌ أو غيرُهما، قالَ الغَزاليُّ: وهذا غُلوٌّ لا يَجوزُ. والثانِي: يَأخذُ لكُلِّ يَومٍ ما يَكفيه. والثالِثُ: كِفايةُ سَنةٍ. والرابِعُ: يَأخذُ ما يُعطَى وهو حَقُّه والباقونَ مَظلومونَ، قالَ: وهذا هو القياسُ؛ لأنَّه ليسَ مشتَرَكًا كالغَنيمةِ والمِيراثِ؛ لأنَّ ذلك مِلكٌ له حتى لو ماتوا قُسِم بينَ ورَثتِهم، وهذا لا يَستحِقُّ وارِثُه شَيئًا، وهذا إذا صرَفَ إليه ما يَليقُ صَرفُه إليه. اه. وبالأوَّلِ جزَمَ ابنُ عبدِ السَّلامِ في قَواعِدِه، ومُقتَضاه إلحاقُ ذلك بالأموالِ المُشترَكةِ وأنَّ الأخْذَ ظَفرًا ممَّا يُستحَقُّ في بَيتِ المالِ لا يَجوزُ وإنْ مُنعَ المُتكلَّمُ في أمرِه المُستحَقَّ، ونقَلَ الزَّركشيُّ عن ابنِ عبدِ السَّلامِ مَنعَ ذلك، وهو مُوافِقٌ لما سبَقَ عنه مِنْ مَنعِ الأخْذِ حيثُ لمْ يَدفَعِ السُّلطانُ إلى كلِّ المُستحِقِّين حُقوقَهم. وفي فَتاوى المُصنِّفِ أنَّ السُّلطانَ إذا أَعطى رَجلًا من الجُندِ من المَغنَمِ شَيئًا؛ فإنْ لم يَكنِ السُّلطانُ خمَّسَه ولمْ يَقسِمِ الباقيَ قِسمةً شَرعيةً وجَبَ الخُمسُ في الذي صارَ إلى هذا، ولا يَحِلُّ له الانتِفاعُ بالباقي حتى يُعلَمَ أنَّه حصَلَ لكلٍّ من الغانِمينَ قَدرُ حِصَّتِه من هذا؛ فإنْ تَعذَّرَ عليه صَرفُ ما صارَ إليه إلى مُستحِقِّه لزِمَه دَفعُه إلى القاضي كسائرِ الأموالِ الضائِعةِ، هذا إذ لم يُعطِه ذلك على سَبيلِ النَّفلِ بشَرطِه. اه.

стр. 12368

ويُؤخذُ ممَّا سبَقَ عن المَجموعِ نَقلًا عن الغَزاليِّ الفَرقُ بينَ مالِ الغَنيمةِ وبينَ مالِ بَيتِ المالِ، قالَ بَعضُهم: وهو ظاهِرٌ. اه (١). وقالَ ابنُ حَجرٍ الهَيتَميُّ ﵀: فتَقريرُ النَّوويِّ والغَزاليِّ رحِمَهما اللهُ ﵎ على تَرجيحِ الرابِعِ -يأخُذُ ما يُعطى وهو حَقُّه والباقونَ مَظلومونَ- لكَونِ القياسِ ظاهِرًا في اعتِمادِه لذلك فيَتفرَّعُ عليه جَوازُ الأخذِ ظَفَرًا، سَواءٌ أكانَ هناك أحوَجُ منه كما اقتَضاه كَلامُ البَغَويِّ أو لا، خِلافًا للسُّبكيِّ، وبه صرَّحَ ابنُ الفِركاحِ وابنُ جُماعةَ، حيثُ قالَ في المالِ الضائِعِ: ولمَن كانَ في يَدِه إذا عُدمَ الحاكِمُ العادِلُ أنْ يَصرِفَه لنَفسِه إذا كانَ بهذه الصِّفةِ وهو عالِمٌ بالأحكامِ الشَّرعيةِ، أي: واقتصَرَ على ما يَليقُ أنْ يُصرَفَ إليه من ذلك، وبالجَوازِ أيضًا صرَّحَ الأذرَعيُّ بَحثًا قياسًا على مالِ الغَريمِ، قالَ: بل أوْلى، ونُقلَ عن مُحقِّق عَصرِه الجَلالِ المَحليِّ ما يَقتَضي الجَوازَ أيضًا، فهو المُعتمَدُ. ويَدلُّ له أيضًا قَولُ ابنِ عبدِ السَّلامِ: إنْ قيلَ: الجِزيةُ للأَجنادِ على قَولٍ، أو المَصالحِ العامةِ على قَولٍ، وقد رأَيْنا جَماعةً من أهلِ العِلمِ والصَّلاحِ لا يَتورَّعونَ عنها ولا يَخرُجونَ من الخِلافِ فيها مع ظُهورِه. فالجَوابُ: أنَّ الجُندَ قد أكَلوا من مالِ المَصالحِ التي يَستحِقُّها أهلُ العِلمِ والوَرعِ وغيرُهم ممَّن يَجبُ تَقديمُه أكثَرَها فيُؤخَذُ من الجِزيةِ ما يَكونُ قِصاصًا ببَعضِ ما أخَذوه وأكَلوه فتَصيرُ كمَسألةِ الظَّفرِ. اه.

стр. 12369

فما نقَله عنه الزَّركشيُّ من إطلاقِ مَنعِ الأخذِ ظَفَرًا من بَيتِ المالِ يُحمَلُ على ما إذا كانَ الآخِذُ غيرَ عالِمٍ بالأحكامِ الشَّرعيةِ أو أخَذَ فوقَ حَقِّه وإلا فإطلاقُه ضَعيفٌ، وإنِ اقتَضى كَلامُ السُّبكيِّ في فَتاوِيه المَيلَ إليه، وفي بعضِ كُتُبِ الحَنفيةِ أنَّ مَنْ له حَظٌّ في بَيتِ المالِ فظفِرَ بما هو لبَيتِ المالِ فله أخْذُه دِيانةً (١). وأمَّا الحَنابِلةُ، فقالَ الرُّحيبانِيُّ ﵀: فأمَّا وَقفُ الأُمراءِ والسَّلاطينِ فلا يَتبَعُ شُروطَهم؛ لأنَّهم لا مِلكَ لهم؛ إذْ ما بأيديهم إمَّا مُجتمَعٌ من المَظالِمِ، أو من الغَنائمِ، أو من الجِزيةِ، أو مِنْ مالٍ لا وارِثَ له، ونَحوِ ذلك، وعلى كلِّ حالٍ ليسَ لهم ممَّا بأيديهم شَيءٌ، وإنَّما هو للمُسلِمينَ، يُصرَفُ في المَصالحِ العامةِ. فلو اشتَرَوا ممَّا بأيديهم عَقاراتٍ ووَقَفوها، وشَرَطوا في أوقافِهم شُروطًا؛ فلا يَجبُ العَملُ بها، فمَن كانَ له حقٌّ في بَيتِ المالِ ومُنعَ منه؛ فله أنْ يَتناوَلَ من أوقافِهم كِفايَتَه، ولو لم يَعمَلْ بما شَرَطوه (٢).

стр. 12370

فصل في الاستِعانةِ بغيرِ المُسلِمينَ وبالمُسلِمينَ حُكمُ الاستِعانةِ بغيرِ المُسلِمينَ على قِتالِ العَدوِّ: اختَلفَ الفُقهاءُ في جَوازِ الاستِعانةِ بغيرِ المُسلِمينَ على قِتالِ العَدوِّ على قَولَين: فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ -في الصَّحيحِ من المَذهبِ- والشافِعيةُ -ما عدا ابنَ المُنذِرِ-، وابنُ حَبيبٍ من المالِكيةِ، وهو رِوايةٌ عن الإمامِ مالِكٍ، إلى جَوازِ الاستِعانةِ بغيرِ المُسلِمينَ في قِتالِ العَدوِّ إذا كانَ حُكمُ الإسلامِ هو الغالِبَ، وإنَّما تُكرَهُ الاستِعانةُ بهم إذا كانَ حُكمُ الشِّركِ هو الظاهِرَ. ومِن الأدِلةِ التي استدَلُّوا بها على جَوازِ الاستِعانةِ بالمُشرِكينَ ما يَلي: ١ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ استَعانَ بصَفوانَ بنِ أُمَيةَ يومَ حُنَينٍ وكانَ لا يَزالُ مُشرِكًا، فعن أُمَيةَ بنِ صَفوانَ بنِ أُمَيةَ عن صَفوانَ بنِ أُمَيةَ: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ استَعارَ منه أَدراعًا يومَ حُنَينٍ، فقالَ: أغَصبٌ يا مُحمدُ؟ فقالَ: لا، بَلْ عارِيةٌ مَضمُونةٌ» (١).

стр. 12371

٢ - أنَّ خُزاعةَ خرَجَت مع النَّبيِّ ﷺ على قُريشٍ عامَ الفَتحِ وهُم مُشرِكونَ. ٣ - وبقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «ستُصالِحونَ الرُّومَ صُلحًا آمِنًا وتَغزونَ أنتم وهُم عَدوًّا مِنْ وَرائِكم» (١). جاء في «السِّيرِ الكَبيرِ وشَرحِه»: ولا بأسَ بأنْ يَستعينَ المُسلِمونَ بأهلِ الشِّركِ على أهلِ الشِّركِ إذا كانَ حُكمُ الإسلامِ هو الظاهِرَ عليهم (٢). قالَ الإمامُ السَّرخسيُّ ﵀: لا بأسَ للمُسلِمينَ أنْ يَستَعينوا بأهلِ الذِّمةِ في القِتالِ مع المُشرِكينَ، وقد كرِهَ ذلك بعضُ الناسِ، فقالُوا: فِعلُ المُشرِكينَ لا يَكونُ جِهادًا، فلا يَنبَغي أنْ يُخلَطَ بالجِهادِ ما ليسَ بجِهادٍ، واستدَلُّوا على ذلك بما رُوي: «أنَّ رَجلَينِ من المُشرِكينَ خرَجَا مع رَسولِ اللهِ ﷺ يَومَ بَدرٍ فقالَ: لا يَغزُ مَعنا إلا مَنْ كانَ على دِينِنا، فأسلَمَا». ولكِنَّا نَقولُ: في الاستِعانةِ بهم زِيادةُ كَبتٍ وغَيظٍ لهم، والاستِعانةُ بهم كالاستِعانةِ بالكِلابِ عليهم، وإنَّما قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ ذلك لعِلمِه أنَّ الرَّجلَينِ يُسلِمان إذا أبى ذلك عليهما.

стр. 12372

ألا تَرى أنَّه قالَ في الحَديثِ: «فأسلَمَا» وقيلَ: كانَ يَخافُ الغَدرَ منهما لضَعفٍ كانَ بالمُسلِمينَ يَومَ بَدرٍ كما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣]، وإذا خافَ الإمامُ ذلك فلا يَنبَغي أنْ يَستَعينَ بهم، وأنْ يُمَكِّنَهم من الاختِلاطِ بالمُسلِمينَ … ، وعندَنا: إنَّما يَستَعينُ بهم إذا كانُوا يُقاتِلونَ تحتَ رَايةِ المُسلِمينَ، فأمَّا إذا انفَرَدوا برايةِ أنفُسِهم فلا يُستَعانُ بهم (١). وقالَ الإمامُ الكَرابيسيُّ ﵀: يَجوزُ للمُسلِمينَ الاستِعانةُ بأهلِ الذِّمةِ على الكُفارِ إذا لم يَكنْ لهم شَوكةٌ، ولا يَجوزُ الاستِعانةُ بأهلِ الذِّمةِ إذا كانَت لهم شَوكةٌ. والفَرقُ أنَّ الشَّرطَ في مُخالَطتِهم أنْ يَكونوا تحتَ قَهرِنا وحُكمِنا، فإذا كانَ فيهم قِلةٌ كانُوا تحتَ قَهرِنا، فلم يَكنْ بالاستِعانةِ بهم ضَررٌ بالمُسلِمينَ فجازَت الاستِعانةُ بهم. وليسَ كذلك إذا كانَت لهم شَوكةٌ؛ لأنَّهم رُبَّما لا يَكونونَ تحتَ قَهرِنا، ولا يُؤمَنُ أنْ يَخرُجوا علينا، ويَظهَرَ دِينُهم، وإذا لم يُؤمَنْ في الاستِعانةِ بهم الإضرارُ لا يُستَعانُ بهم. والأصلُ فيه ما رُوي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ في الخَبرِ المَعروفِ: «إنَّا لا نَستَعينُ بالكُفارِ» لمَّا رأى كَتيبةَ حَسناءَ، ورُوي أنَّه استَعانَ بيَهودِ بَني قَينُقاعَ لمَّا كانَ فيهم قِلةٌ (٢).

стр. 12373

وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: وإنْ كانَ مُشرِكٌ يَغزو مع المُسلِمينَ وكانَ معه في الغَزوِ مَنْ يُطيعُه من مُسلمٍ أو مُشرِكٍ وكانَت عليه دَلائِلُ الهَزيمةِ والحِرصِ على غَلبةِ المُسلِمينَ وتَفريقِ جَماعَتِهم لم يَجزْ أنْ يَغزُوَ به، وإنْ غَزا به لم يَرضَخْ له. ومَن كانَ مِنْ المُشرِكينَ على خِلافِ هذه الصِّفةِ فكانَت فيه مَنفَعةٌ للمُسلِمينَ بدِلالةٍ على عَورةِ عَدوٍّ أو طَريقٍ أو ضَيعةٍ أو نَصيحةٍ للمُسلِمينَ فلا بأسَ أنْ يَغزُوَ به، وأحَبُّ إلَيَّ ألَّا يُعطَى من الفَيءِ شَيئًا وأنْ يَستأجِرَ إجارةً من مالٍ لا مالِكَ له بعَينِه، وهو غيرُ سَهمِ النَّبيِّ ﷺ ؛ فإنْ أغفَلَ ذلك أُعطيَ من سَهمِ النَّبيِّ ﷺ . ورَدَّ النَّبيُّ ﷺ يَومَ (بَدرٍ) مُشرِكًا -قيلَ: هو نُعَيمٌ- فأسلَمَ، ولَعلَّه رَدَّه رَجاءَ إسلامِه، وذلك واسِعٌ للإمامِ أنْ يَرُدَّ المُشرِكَ فيَمنعَه الغَزوَ ويأذَنَ له، وكذلك الضَّعيفُ من المُسلِمينَ، ويأذَنَ له، ورَدُّ النَّبيِّ ﷺ مِنْ جِهةِ إباحةِ الرَّدِّ، والدَّليلُ على ذلك -واللهُ تَعالى أعلَمُ- أنَّه قد غَزا بيَهودِ بَني قَينُقاعٍ بعدَ بَدرٍ وشهِدَ صَفوانُ بنُ أُمَيةَ معه حُنَينًا بعدَ الفَتحِ وصَفوانُ مُشرِكٌ (١). وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀ في بابِ (الاستِعانةِ بأهلِ الذِّمةِ على قِتالِ العَدوِّ): الذي رَوى مالِكٌ كما رَوى: رَدَّ رَسولُ اللهِ ﷺ مُشرِكًا أو مُشرِكَينِ في غَزاةِ بَدرٍ وأبَى أنْ يَستعينَ إلَّا بمُسلمٍ، ثم استَعان

стр. 12374

رَسولُ اللهِ ﷺ بعدَ بَدرٍ بسنَتينِ في غَزاةِ خَيبَرَ بعَددٍ من يَهودِ بَني قَينُقاعٍ كانُوا أشِدَّاءَ. واستَعانَ رَسولُ اللهِ ﷺ في غَزاةِ حُنَينٍ سَنةَ ثَمانٍ بصَفوانَ بنِ أُمَيةَ وهو مُشرِكٌ؛ فالرَّدُّ الأوَّلُ إنْ كانَ؛ لأنَّ له الخيارَ أنْ يَستعينَ مُشرِكٌ بمُسلمٍ أو يَرُدَّه كما يَكونُ له رَدُّ المُسلِمِ من مَعنًى يَخافُه منه أو لشِدةٍ به، فليسَ واحِدٌ من الحَديثَينِ مُخالِفًا للآخَرِ، وإنْ كانَ رَدُّه لأنَّه لم يَرَ أنْ يَستعينَ بمُشرِكٍ فقد نسَخَه ما بعدَه من استِعانَتِه بمُشرِكينَ؛ فلا بأسَ أنْ يُستَعانَ بالمُشرِكينَ على قِتالِ المُشرِكينَ إذا خرَجُوا طَوعًا ويُرضَخُ لهم ولا يُسهَمُ لهم، ولم يَثبُتْ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه أسهَمَ لهم، ولا يَجوزُ أنْ يُترَكَ العَبيدُ من المُسلِمينَ بلا سَهمٍ، وغيرُ البالِغينَ وإنْ قاتَلُوا، والنِّساءُ وإنْ قاتَلْن، لتَقصيرِ هؤلاء عن الرَّجُليةِ والحُرِّيةِ والبُلوغِ والإسلامِ، ويُسهَمُ للمُشرِكِ، وفيه التَّقصيرُ الأكثَرُ من التَّقصيرِ عن الإسلامِ، وهذا قَولُ مَنْ حَفِظتُ عنه، وإنْ أُكرِهَ أهلُ الذِّمةِ على أنْ يَغزُوا فلهم أجْرُ مِثلِهم في مِثلِ مُخرجِهم من أهلِهم إلى أنْ تَنقَضيَ الحَربُ ويَتمَّ إرسالُهم إيَّاهم، وأحَبُّ إلَيَّ إذا غَزا بهم لو استُؤجِروا (١). قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: فإذا ثبَتَ جَوازُ الاستِعانةِ بهم فعَلى ثَلاثةِ شُروطٍ: أحَدُها: أنْ يَكونَ بالمُسلِمينَ إليهم حاجةٌ؛ فإنِ استَغنَوْا عنهم لم يَجزْ.

стр. 12375

والثانِي: أنْ يَأمَنَهم المُسلِمونَ بحُسنِ نيَّاتِهم؛ فإنْ خافُوا لم يَجزْ. والثالِثُ: أنْ يُخالِفوا مُعتقَدَ المُشرِكينَ كاليَهودِ مع النَّصارى وعَبدةِ الأوثانِ؛ فإنْ وافَقوهم لم يَجزْ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويُشترطُ أنْ يَكونَ مَنْ يُستَعانُ به حَسنَ الرأيِ في المُسلِمينَ؛ فإنْ كانَ غيرَ مَأمونٍ عليهم لم تُجزِئْه الاستِعانةُ به؛ لأنَّنا إذا مَنَعنا الاستِعانةَ بمَن لا يُؤمَنُ من المُسلِمينَ مِثلَ المُخذِلِ والمُرجِفِ فالكافِرُ أوْلى (٢). وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀ في «الزادِ» في مَعرِضِ كَلامِه عمَّا في قِصةِ الحُدَيبيةِ من الفَوائِدِ الفِقهيةِ: «ومنها: أنَّ الاستِعانةَ بالمُشرِكِ المَأمونِ في

стр. 12376

الجِهادِ جائِزةٌ عندَ الحاجةِ؛ لأنَّ عَيْنَه الخُزاعيَّ كانَ كافرًا إذْ ذاك -يُشيرُ المُصنِّفُ إلى أنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا كانَ بذي الحُلَيفةَ أرسَل عَينًا له مُشرِكًا مِنْ خُزاعةَ يَأتيه بخَبرِ قُريشٍ- وفيه في المَصلَحةِ أنَّه أقرَبُ إلى اختِلاطِه بالعَدوِّ وأخْذِه أخبارَهم» (١). وذهَبَ المالِكيةُ -ما عدا ابنَ حَبيبٍ- وجَماعةٌ من أهلِ العِلمِ منهم ابنُ المُنذِرِ، والجُوزَجانيُّ: إلى أنَّه لا تَجوزُ الاستِعانةُ بالمُشرِكينَ. واستدَلُّوا على ذلك بما يَلي: ١ - بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] وفي ذلك جَعلُ سَبيلٍ للكافِرِ على المُسلِمِ. ٢ - وبما رَوَت عائِشةُ ﵂ أنَّها قالَت: «خرَجَ رَسولُ اللهِ ﷺ قِبَلَ بَدرٍ فلمَّا كانَ بحَرَّةِ الوَبَرةِ أدرَكَه رَجلٌ قد كانَ يُذكَرُ منه جُرأةٌ ونَجدةٌ، ففرِحَ أصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ حينَ رَأوهُ، فلمَّا أدرَكَه قالَ لرَسولِ اللهِ ﷺ : جِئتُ لأتَّبِعَك وأُصيبَ معك، قالَ له رَسولُ اللهِ ﷺ : تُؤمنُ بِالله ورَسولِه؟ قالَ: لا، قالَ: فارجِعْ فلن أستَعينَ بمُشرِكٍ، قالَت: ثم مَضى حتى إذا كُنا بالشَّجَرةِ أدرَكَه الرَّجلُ، فقالَ له كما قالَ أوَّلَ مَرةٍ، فقالَ له النَّبيُّ ﷺ كما قالَ أوَّلَ مَرةٍ، قالَ: فارجِعْ فلن أستَعينَ بِمُشرِكٍ، قالَ: ثم رجَعَ فأدرَكَه بالبَيداءِ فقالَ له كما قالَ أوَّلَ مَرةٍ: تُؤمنُ بِاللهِ ورَسولِه، قالَ: نَعمْ، فقالَ له رَسولُ اللهِ ﷺ فانطَلِقْ» (٢).

стр. 12377

وعن خُبَيبِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ خُبَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه قالَ: «أتَيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ وهو يُريدُ غَزوًا أنا ورَجلٌ من قَومي ولم نُسلِم، فقُلنا: إنَّا نَستَحْيِي أنْ يَشهَدَ قَومُنا مَشهَدًا لم نَشهَدْه معهم، قالَ: أوَأسلَمتُما؟ قُلنا: لا، قالَ: فإنَّا لا نَستَعينُ بالمُشرِكينَ على المُشرِكينَ» (١). ففي هذه الأدِلةِ دِلالةٌ على أنَّه لا يَجوزُ الاستِعانةُ بكافرٍ؛ ولأنَّ ما يُخافُ من الضَّررِ بحُضورِه أكثَرُ ممَّا يُرجى من المَنفَعةِ، وهو لا يُؤمَنُ مَكرُه وغائِلتُه لخُبثِ طَويَّتِه، والحَربُ تَقتَضي المُناصَحةَ، والكافِرُ ليسَ مِنْ أهلِها. الجَمعُ بينَ الأحاديثِ المُتعارِضةِ: وقد جُمِع بينَ الأحاديثِ المُتعارِضةِ بأوجُهٍ، منها: ١ - ما ذكَرَه البَيهَقيُّ عن نَصِّ الشافِعيِّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ تَفرَّسَ الرَّغبةَ في الذين رَدَّهم فرَدَّهم رَجاءَ أنْ يُسلِموا، فصدَّقَ اللهُ ظَنَّه، وفيه نَظَرٌ؛ لأنَّ قَولَه: «لا نَستَعينُ بمُشرِكٍ»، نَكِرةٌ في سياقِ النَّفيِ تُفيدُ العُمومَ. ٢ - ومنها: أنَّ الأمرَ في ذلك إلى رأيِ الإمامِ، وفيه النَّظرُ المَذكورُ بعَينِه. ٣ - ومنها: أنَّ الاستِعانةَ كانَت مَمنوعةً ثم رُخِّصَ فيها، قالَ الحافِظُ في التَّلخيصِ: وهذا أقرَبُها وعليه نَصُّ الشافِعيِّ (٢).

стр. 12378

حُكمُ الاستِعانةِ بالمُسلِمينَ في قِتالِ غيرِ المُسلِمينَ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كانَ فَريقان من الكُفارِ يُقاتِلُ بَعضُهم بَعضًا هل يَجوزُ للمُسلِمينَ أنْ يُقاتِلوا مع إحدى الطائِفتَين من الكُفارِ الطائِفةَ الأُخرى أو لا؟ فنَصَّ فُقهاءُ الحَنفيةِ والمالِكيةِ على عَدمِ جَوازِ إعانةِ المُسلِمينَ لإحدى الطائِفتَينِ من الكُفارِ على قِتالِ الأُخرى. وإذا كانَ قَومٌ من المُسلِمينَ مُستأمَنينِ في دارِ الحَربِ فأغارَ على تلك الدارِ قَومٌ من أهلِ الحَربِ لم يَحِلَّ لهؤلاء المُسلِمينَ أنْ يُقاتِلوهم؛ لأنَّ في القِتالِ تَعريضَ النَّفسِ للخَطرِ، فلا يَحِلُّ ذلك إلا على وَجهِ إعلاءِ كَلِمةِ اللهِ وإعزازِ الدِّينِ، وذلك لا يُوجَدَ ههنا؛ لأنَّ أحكامَ أهلِ الشِّركِ غالِبةٌ فيهم، فلا يَستطيعُ المُسلِمونَ أنْ يَحكُموا بأحكامِ أهلِ الإسلامِ، فكانَ قِتالُهم في الصُّورةِ لإعلاءِ كَلِمةِ الشِّركِ وذلك لا يَحِلُّ إلا أنْ يَخافُوا على أنفُسِهم من أولئك، فحينَئذٍ لا بأسَ بأنْ يُقاتِلوهم للدَّفعِ عن أنفُسِهم لا لإعلاءِ كَلِمةِ الشِّركِ، والأصلُ فيه حَديثُ جَعفَرٍ ﵁؛ فإنَّه قاتَلَ بالحَبشةِ مع العَدوِّ الذي كانَ قصَدَ النَّجاشيَّ وإنَّما فعَلَ ذلك لأنَّه لمَّا كانَ مع

стр. 12379

المُسلِمينَ يَومَئذٍ آمِنًا عندَ النَّجاشيِّ فكانَ يَخافُ على نَفسِه وعلى المُسلِمينَ من غيرِه فعَرَفنا أنَّه لا بأسَ بذلك عندَ الخَوفِ (١). وجاءَ في كِتابِ السِّيَرِ الكَبيرِ وشَرحِه للإمامِ مُحمدِ بنِ الحَسنِ الشَّيبانِيِّ ﵀: بابُ قِتالِ أهلِ الإسلامِ أهلَ الشِّركِ مع أهلِ الشِّركِ. قالَ: لا يَنبَغي للمُسلِمينَ أنْ يُقاتِلوا أهلَ الشِّركِ مع أهلِ الشِّركِ؛ لأنَّ الفِئتَين حِزبُ الشَّيطانِ وحِزبُ الشَّيطانِ هُمْ الخاسِرونَ، فلا يَنبَغي للمُسلِمِ أنْ يَنضَمَّ إلى إحدى الفِئتَينِ فيَكثُرَ سَوادُهم، ويُقاتِلَ دَفعًا عنهم، وهذا لأنَّ حُكمَ الشِّركِ هو الظاهِرُ، والمُسلِمُ إنَّما يُقاتِلُ لإظهارِ أهلِ الحَقِّ، لا لإظهارِ حُكمِ الشِّركِ، ولا يَنبَغي أنْ يُقاتِلَ أحَدٌ من أهلِ العَدلِ أحَدًا من الخَوارِجِ، مع قَومٍ آخَرينَ من الخَوارِجِ، إذا كانَ حُكمُ الخَوارِجِ هو الظاهِرَ؛ لأنَّه إباحةُ القِتالِ مع الفِئةِ الباغيةِ من المُسلِمينَ إنْ رجَعوا إلى أمرِ اللهِ لا يَحصُلُ هذا المَقصودُ بهذا القِتالِ إذا كانَ حُكمُ الخَوارِجِ هو الظاهِرَ. ولا بأسَ بأنْ يُقاتِلَ المُسلِمونَ مِنْ أهلِ العَدلِ مع الخَوارِجِ، المُشرِكينَ من أهلِ الحَربِ؛ لأنَّهم يُقاتِلون الآنَ لدَفعِ فِتنةِ الكُفرِ، ولإظهارِ الإسلامِ، فهذا قِتالٌ على الوَجهِ المَأمورِ به، وهو إعلاءُ كَلِمةِ اللهِ تَعالى، بخِلافِ ما سبَقَ، فالقِتالُ هناك لإظهارِ ما هو مائِلٌ عن طَريقِ الحَقِّ، وههنا لإثباتِ أصلِ الطَّريقِ، ثم إنَّما يُباحُ ذلك إذا لم يَكنْ فيه نَقضُ عَهدٍ منهم. فأمَّا إذا أمِنوا قَومًا ثم غَدَروا بهم فإنَّه لا يَسَعُهم القِتالُ معهم لأهلِ

стр. 12380

العَدلِ؛ لأنَّ الوَفاءَ بالأمانِ واجِبٌ، فقد كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَكتُبُ في كلِّ عَهدٍ وَفاءً لا غَدرَ فيه، وإذا كانَ المَنعُ لأهلِ العَدلِ يَختصُّ بذلك المحَلِّ حتى يَجوزَ أنْ يُقاتِلَ معهم قَومًا آخَرينَ من أهلِ الحَربِ ممَّن لم يُؤمِّنوهم؛ لأنَّه ليسَ في هذا القِتالِ مَعنى الغَدرِ، بل فيه إظهارُ الإسلامِ. ولو قالَ أهلُ الحَربِ لأُسَراءَ فيهم: «قاتِلوا معنا عَدوَّنا من المُشرِكينَ»، وهم لا يَخافونَهم على أنفُسِهم إنْ لم يَفعَلوا فليسَ يَنبَغي أنْ يُقاتِلوهم معهم؛ لأنَّ في هذا القِتالِ إظهارَ الشِّركِ، ولأنَّ المُقاتِلَ يُخاطِرُ بنَفسِه فلا رُخصةَ في ذلك إلا على قَصدِ إعزازِ الدِّينِ، أو الدَّفعِ عن نَفسِه. فإذا كانُوا يَخافونَ أولئك الآخَرينَ على أنفُسِهم فلا بأسَ بأنْ يُقاتِلوهم؛ لأنَّهم يَدفَعون الآنَ شَرَّ القَتلِ عن أنفُسِهم؛ فإنَّهم يَأمَنونَ الذين هُمْ في أيديهم على أنفُسِهم، ولا يَأمَنونَ الآخَرينَ إنْ وقَعوا في أيديهم، فحَلَّ لهم أنْ يُقاتِلوا دَفعًا عن أنفُسِهم. وإنْ قالُوا لهم: «قاتِلوا معَنا عَدوَّنا من المُشرِكينَ وإلا قتَلناكم» فلا بأسَ بأنْ يُقاتِلوا دَفعًا لهم؛ لأنَّهم يَدفَعونَ الآنَ أشَرَ القَتلِ عن أنفُسِهم، وقَتلُ أولئك المُشرِكينَ لهم حَلالٌ، ولا بأسَ بالإقدامَ على ما هو حَلالٌ عندَ تَحقُّقِ الضَّرورةِ بسَببِ الإكراهِ، ورُبَّما يَجبُ ذلك كما في تَناوُلِه المَيتةَ وشُربِ الخَمرِ، وإنْ قالُوا لهم: «قاتِلوا مَعنا المُسلِمينَ وإلا قتَلناكم» لم يَسَعْهم القِتالُ مع المُسلِمينَ؛ لأنَّ ذلك حَرامٌ على المُسلِمينَ بعَينِه، فلا يَجوزُ الأقدامَ عليه بسَببِ التَّهديدِ بالقَتلِ، كما لو قالَ له: «اقتُلْ هذا المُسلِمَ وإلا قتَلتُك»؛ فإنْ هَدَّدوهم يَقِفونَ معهم في صَفِّهم ولا يُقاتِلونَ المُسلِمينَ، رَجَوتُ أنْ يَكونوا في سَعةٍ؛ لأنَّهم الآنَ لا يَصنَعونَ بالمُسلِمينَ شَيئًا، فهذا ليسَ مِنْ جُملةِ

стр. 12381

المَظالِمِ، أكبَرُ ما فيه أنْ يَلحَقَ المُسلِمينَ هَمٌّ لكَثرةِ سَوادِ المُشرِكينَ في أعيُنِهم، فهو بمَنزِلةِ ما لو أُكرِه على إتلافِ مالِ المُسلِمينَ بوَعيدٍ مُتلِفٍ، فإنْ كانُوا لا يَخافونَ المُشرِكينَ على أنفُسِهم فليسَ لهم أنْ يَقِفوا معهم في صَفٍّ وإنْ أمَرُوهم بذلك؛ لأنَّ فيه إرهابَ المُسلِمينَ وإلقاءَ الرُّعبِ والفَشلِ فيهم، وبدونِ تَحقُّقِ الضَّرورةِ لا يَسعُ المُسلِمَ الأقدامَ على شَيءٍ منه. ولو قالُوا للأُسَراءِ: «قاتِلوا مَعنا عَدوَّنا من أهلِ حَربٍ آخَرينَ، على أنْ نُخَلِّيَ سَبيلَكم إذا انقَضَت حَربُنا» لو وقَعَ في قُلوبِهم أنَّهم صادِقونَ فلا بأسَ بأنْ يُقاتِلوا معهم؛ لأنَّهم يَدفَعونَ بهذا الأسْرَ عن أنفُسِهم، ولا يَكونُ هذا دونَ ما إذا كانُوا يَخافونَ على أنْفُسِهم من أولئك المُشرِكينَ، فكما يَسَعُهم الإقدامَ هناك، فكَذلك يَسَعُهم ههنا؛ فإنْ قيل: كيف يَسَعُهم هذا وفيه قُوةٌ لهم على المُسلِمينَ؟ لأنَّهم إذا ظَفِروا بعَدوِّهم فأمِنوا جانِبَهم أقبَلوا على قِتالِ المُسلِمينَ، ورُبَّما يأخُذونَ منهم الكُراعَ والسِّلاحَ فيَتقوَّونَ بها على المُسلِمينَ، قُلنا: ذلك مَوهومٌ، وما يَحصُلُ لهم الآنَ من النَّجاةِ من أسْرِ المُشرِكينَ بهذا القِتالِ مَعلومٌ، فيَترجَّحُ هذا الجانِبُ، ألَا تَرى أنَّهم لو طلَبوا من إمامِ المُسلِمينَ أنْ يُفاديَهم بأعدادِهم من المُشرِكينَ أو بالكُراعِ والسِّلاحِ جازَ له أنْ يَفعلَ لتَخلُّصِهم به من الأسْرِ وإنْ كانُوا يَتقوَّوْن بما يأخُذون على المُسلِمينَ. ولو قالُوا: أعينونا على المُسلِمينَ بقِتالٍ أو بتَكثيرِ سَوادٍ على أنْ نُخلِّيَ سَبيلَكم لم يَحِلَّ لهم هذا؛ لأنَّه لا رُخصةَ لهم في قِتالِ المُسلِمينَ بحالٍ، ولا في إلقاءِ الرُّعبِ في قُلوبِهم ما لم تَتحقَّقِ الضَّرورةُ، بخَوفِ الهَلاكِ على أنفُسِهم، وذلك غيرُ مَوجودٍ ههنا، ولو قالُوا: «قاتِلوا مَعنا عَدوَّنا من

стр. 12382

المُشرِكينَ على أنْ نُخلِّيَكم في بِلادِنا وألَّا نَدَعَكم تَرجِعونَ إلى أهليكم» فليسَ يَنبَغي لهم أنْ يُقاتِلوا معهم؛ لأنَّهم إنْ كانُوا آمِنينَ على أنفُسِهم، لا يَخافونَ من جانِبِهم تَلَف نَفسٍ أو عُضوٍ فلا فَرقَ بينَ أنْ يَكونوا مَحبوسينَ في بِلادِهم، وبينَ أنْ يَكونوا في سُجونِهم؛ لأنَّهم في الوَجهَينِ يَلحَقُهم هَمٌّ بالانقِطاعِ عن أهاليهم، وعن إخوانِهم من المُؤمِنينَ، فلا يَنبَغي لهم أنْ يُقاتِلوا لإظهارِ حُكمِ الشِّركِ، بدونِ مَنفَعةٍ ظاهِرةٍ لهم في ذلك. وإنْ كانُوا في ضُرٍّ وبَلاءٍ يَخافونَ على أنفُسِهم الهَلاكَ، فلا بأسَ بأنْ يُقاتِلوا معهم المُشرِكينَ، إذا قالُوا: نُخرِجُكم من ذلك؛ لأنَّ لهم في هذا القِتالِ غَرضًا صَحيحًا، وهو دَفعُ البَلاءِ والضُرِّ الذي نزَلَ بهم. ولو أنَّهم خَلَّوْا سَبيلَهم ليَرجِعوا إلى دارِ المُسلِمينَ فظَفِروا بمالٍ من أموالِهم، فلا بأسَ بأنْ يَأخذوها سِرًّا منهم، فيُخرِجوها إلى دارِ الإسلامِ؛ لأنَّهم أُسراءُ في أيديهم ما لم يَخرُجوا، وإنْ خَلَّوْا سَبيلَهم فليسَ في أخذِ أموالِهم وقَتلِ نُفوسِهم إنْ تَمكَّنوا من ذلك غَدرٌ بأمانٍ بَينَهم وبينَ أهلِ الحَربِ، وإنَّما هو إصابةٌ من الحَلالِ، فحالُهم في ذلك كحالِ المُتلصِّصينَ في دارِ الحَربِ، حتى إذا أخرَجُوا ذلك فإنْ كانُوا أهلَ مَنَعةٍ خُمِّسَ، والباقي بينَهم على سِهامِ الغَنيمةِ؛ لأنَّهم إنَّما تَمَّ إحرازُهم لذلك بالإخراجِ إلى دارِ الإسلامِ (١). وجاء في «المُدوَّنةِ الكُبرى»: (قُلتُ): أرأيتَ لو أنَّ قَومًا من المُسلِمينَ أُسارى في بِلادِ الشِّركِ، أو أنَّ تُجارًا استَعانَ بهم صاحِبُ تلك البِلادِ على

стр. 12383

قَومٍ من المُشرِكينَ ناوَؤوه من أهلِ مَملَكتِه أو مِنْ غيرِ أهلِ مَملَكتِه أتَرى أنْ يُقاتِلوا معه أو لا؟ (قالَ): سَمِعتُ مالِكًا يَقولُ في الأُسارى يَكونونَ في بِلادِ المُشرِكينَ يَستَعينُ بهم المَلِكُ على أنْ يُقاتِلوا عَدوًّا له ويُخلِّيَهم إلى بِلادِ الإسلاِم (قالَ): قالَ مالِكٌ: لا أَرى أنْ يُقاتِلوا على هذا، ولا يَحِلُّ لهم أنْ يَسفِكوا دِماءَهم على هذا (قالَ مالِكٌ): وإنَّما يُقاتَلَ الناسُ ليَدخُلوا في الإسلامِ من الكُفرِ، فأمَّا أنْ يُقاتِلوا الكُفارَ ليُدخِلوهم من الكُفرِ إلى الكُفرِ ويَسفِكوا في ذلك دِماءَهم فهذا ممَّا لا يَنبَغي لمُسلمٍ أنْ يَسفِكَ دَمَه على هذا (١). وذهَبَ الإمامُ ابنُ حَجرٍ الهَيتَميُّ إلى جَوازِ قِتالِ المُسلِمينَ مع الكُفارِ لقِتالِ فِئةٍ أُخرى من الكُفارِ. سُئلَ ﵀: هل يَجوزُ حُضورُ المُسلِمينَ الحُروبَ التي تَقَعُ فيما بينَ الكَفرةِ للمُشاهَدةِ والتَّفرُّجِ أو لا يَجوزُ لما في ذلك من تَكثيرِ جَمعِهم وإعانَتِهم على ظُلمِهم وتَحسينِ طائِفةٍ وتَقبيحِ أُخرى ووُجودِ الخَطرِ؛ فإنَّه رُبَّما تَصِلُ أسهُمُهم إلى الناظِرينَ وكانَ مَشايِخُنا من أهلِ مَلِّيبارَ يَمنَعونَ المُسلِمينَ من حُضورِ حُروبِهم. وهل يَجوزُ قِتالُ المُسلِمِ مع إحدى الطائِفتَينِ من الكُفارِ حتى يُقتَلَ مَثلًا أو يَقتُلَ من غيرِ حاجةٍ إلى ذلك، أو لا؟ وهل يُؤجَرُ؛ لأنَّه إمَّا أنْ يَقتُلَ كافرًا أو يَقتُلَه كافِرٌ، وهل يُعامَلُ به مُعامَلةَ الشَّهيدِ؟

стр. 12384

فأجاب ﵀ ﵎ بقَولِه: إذا وقَعَ قِتالٌ بينَ طائِفتَينِ من الحَربيِّينَ لم يَحرُمِ الحُضورُ؛ لأنَّ كُلًّا من الطائِفتَينِ مُهدَرٌ فالقَتلُ فيهما واقِعٌ في مَحَلِّه فليسَ ثَمَّ مَعصيةٌ أُقِرَّ عليها المُتفرِّجُ بحُضورِه. نَعمْ إنْ خُشِي -لا على نُدورِ عَودٍ- ضَررٌ عليه من الحُضورِ حرُمَ عليه ولَعلَّ مَنعَ المَشايخِ المَذكورينَ الحُضورَ كانَ لأجلِ ذلك. ولِلمُسلِمينَ أنْ يُقاتِلوا كُلًّا من الطائِفتَينِ وأنْ يُقاتِلوا إحداهُما -أي: مع الأُخرى- لا بقَصدِ نُصرةِ الطائِفةِ الأُخرى، بل بقَصدِ إعلاءِ كَلِمةِ الإسلامِ وإلحاقِ النِّكايةِ بأعداءِ اللهِ تَعالى، ومَن فعَلَ ذلك بهذا القَصدِ حصَلَ له أجرُ المُجاهِدِ لقَولِه ﷺ في خبَرِ البُخاريِّ وغيرِه: «مَنْ قاتَلَ لتَكونَ كَلِمةُ اللهِ هي العُليا فهو في سَبيلِ اللهِ»، ولا شَكَّ أنَّ من قاتَلَ إحدى الطائفَتَينِ بقَصدِ ذلك كانَ كذلك حتى إذا قُتلَ في الحَربِ أو انقَضَت وحَرَكتُه حَركةُ مَذبوحٍ أو ليسَ به حَياةٌ مُستقِرةٌ عُومِل مُعامَلةَ الشَّهيدِ في الدُّنيا والآخِرةِ فلا يُغسَّلُ ولا يُصلَّى عليه، نَعمْ يُشترطُ أنْ يَعلَمَ مُريدُ القِتالِ أنَّه يَبلُغُ نَوعَ نِكايةٍ فيهم. أمَّا لو علِمَ أنَّه بمُجرَّدِ أنْ يَبرُزَ للقِتالِ بادَرَه بالقَتلِ من غيرِ أدْنى نِكايةٍ فيهم فلا يَجوزُ له قِتالُهم حينَئذٍ؛ لأنَّه يَقتُلُ نَفسَه من غيرِ فائِدةٍ ألبَتةَ فيَكونُ عليه إثْمُ قاتِلِ نَفسِه واللهُ أعلَمُ (١). فالأمرُ كلُّه راجِعٌ إلى نِيَّةِ المُجاهِدِ، فأغلَبَ أحاديثِ الجِهادِ الأمرُ فيها راجِعٌ على نِيةِ المُجاهِدِ، فالجَميعُ في المَعركةِ يُقاتِلونَ لكنْ تَختلِفُ نيَّةُ كلِّ واحِدٍ منهم، فمِنهم مَنْ يُقاتِلُ رِياءً وسُمعةً، ومنهم مَنْ يُقاتِلُ مِنْ أجلِ

стр. 12385

الغَنيمةِ ومنهم مَنْ يُقاتِلُ دِفاعًا عن المَظلومينَ، ومنهم مَنْ يُقاتِلُ لتَكونَ كَلِمةُ اللهِ هي العُليا. فمِن أجلِ هذا قالَ النَّبيُّ ﷺ : «مَنْ قاتَلَ لتَكونَ كَلِمةُ اللهِ هي العُليا فهو في سَبيلِ اللهِ»، ويَدخُلُ في هذا كلُّ مَنْ جاهَدَ لإيصالِ كَلِمةِ اللهِ العُليا للناسِ. وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: وقد يُقاتِلونَ وفيهم مُؤمِنٌ يَكتُمُ إيمانَه يَشهَدُ القِتالَ معهم -أي: مع الكُفارِ ضِدَّ المُؤمِنينَ- ولا يُمكِنُه الهِجرةُ وهو مُكرَهٌ على القِتالِ ويُبعَثَ يَومَ القيامةِ على نِيَّتِه كما في الصَّحيحِ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «يَغزو جَيشٌ هذا البَيتَ فبينَما هُمْ ببَيداءَ من الأرضِ إذْ خُسِف بهم، فقيل: يا رَسولَ اللهِ، وفيهم المُكرَهُ؟ فقالَ: يُبعَثونَ على نِيَّاتِهم»، وهذا في ظاهِرِ الأمرِ، وإنْ قُتلَ وحُكِم عليه بما يُحكَمَ على الكُفارِ فاللهُ يَبعَثَه على نِيَّتِه كما أنَّ المُنافِقينَ مِنَّا يُحكَمَ لهم في الظاهِرِ بحُكمِ الإسلامِ ويُبعَثونَ على نِيَّاتِهم فالجَزاءُ يَومَ القيامةِ على ما في القُلوبِ لا على مُجرَّدِ الظَّواهِرِ. ولِهذا رُوي أنَّ العَبَّاسَ قالَ: يا رَسولَ اللهِ: كُنْتُ مُكرَهًا، قالَ: «أمَّا ظاهِرُك فكانَ علَينا، وأمَّا سَريرَتُك فإلى اللهِ». وبالجُملةِ لا خِلافَ بينَ المُسلِمينَ أنَّ مَنْ كانَ في دارِ الكُفرِ وقد آمَنَ وهو عاجِزٌ عن الهِجرةِ لا يَجبُ عليه مِنْ الشَّرائِعِ ما يَعجِزُ عنها، بل الوُجوبُ بحسَبِ الإمكانِ» (١).

стр. 12386

كتاب الهدنة والصلح مع أهل الحرب

стр. 12387

كتاب الهدنة والصلح مع أهل الحرب الهُدنةُ: لَفظٌ مُشتَقٌ من الهُدونِ، وهو: اللِّينُ والسُّكونُ، ومنه قيلَ للمُصالَحةِ: المُهادَنةُ؛ لأنَّها مُلايَنةُ أحَدِ الفَريقَينِ، ومنه قَولُهم: هُدنةٌ على دَخَنٍ. قالَ الجاحِظُ: وهذا مِنْ كَلِمات النَّبيِّ ﷺ لم يُسبَقَ إليها. وهي في الشَّرعِ: مُعاقَدةُ أهلِ الحَربِ على تَركِ القِتالِ مُدةً مَعلومةً بعِوَضٍ أو غيرِه، وتُسَمَّى: مُوادَعةً، ومُعاهَدةً، ومُسالَمةً (١). حُكمُ المُوادَعةِ والمُهادَنةِ والصُّلحِ مع أهلِ الحَربِ: أجمَع أهلُ العِلمِ على جَوازِ المُوادَعةِ والمُهادَنةِ مع أهلِ الحَربِ والصُّلحِ معهم إذا كانَ في ذلك مَصلحةٌ للمُسلِمينَ ورَأى الإمامُ ذلك؛

стр. 12388

لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١] أي: إنْ مالوا إلى المُصالَحةِ فمِلْ إليهم وصالِحْهم، والمُعتبَرُ في ذلك مَصلَحةُ الإسلامِ والمُسلِمينَ، فيَجوزُ عندَ وُجودِ المَصلَحةِ دونَ عَدمِها، ولأنَّ عليهم حِفظَ أنفُسِهم بالمُوادَعةِ، ألَا تَرى أنَّه ﷺ صالَحَ أهلَ مَكةَ عامَ الحُديبيةِ على وَضعِ الحَربِ عَشرَ سِنينَ، ولأنَّ المُوادَعةَ إذا كانَت مَصلَحةً للمُسلِمينَ كانَ جِهادًا مَعنًى؛ لأنَّ المَقصودَ دَفعُ الشَّرِّ وقد حصَلَ. وقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤]. ورَوى مَروانُ والمِسوَرُ بنُ مَخرَمةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ صالَحَ سُهَيلَ بنَ عَمرٍو بالحُديبيةِ على وَضعِ القِتالِ عَشرَ سِنينَ وكانَ في ذلك نَظرٌ للمُسلِمينَ لمُواطأةٍ كانَت بينَهم وبينَ أهلِ خَيبَرَ ووادَعَ النَّبيُّ ﷺ قَبائِلَ من المُشرِكينَ، ووادَعَ قُريظةَ والنَّضيرِ. ولأنَّ الصُّلحَ جِهادٌ في المَعنى إذا كانَ فيه مَصلَحةٌ؛ إذِ المَقصودُ من الجِهادِ دَفعُ الشَّرِّ ولأنَّه قد تَكونُ المَصلَحةُ في الهُدنةِ لضَعفِ المُسلِمينَ عن قِتالِهم أو لطَمعٍ في إسلامِهم أو التِزامِهم الجِزيةَ والتِزامِهم أَحكامَ المِلةِ أو غيرَ ذلك من المَصالحِ، فيُهادِنُهم حتى يَقوَى المُسلِمونَ وما زالت الخُلفاءُ والصَّحابةُ على هذه السَّبيلِ التي شرَعَناها سالِكينَ وبالوُجوهِ التي شَرَحناها عامِلينَ.

стр. 12389

فإذا وقَعَ الصُّلحُ أمِنوا على أنفُسِهم وأموالِهم وذَراريِّهم وأمِنَ مَنْ أمِنوه وصارَ في حُكمِهم. وإنْ لم تَكنْ فيه مَصلَحةٌ للمُسلِمينَ وكانَ بالمُسلِمينَ قُوةٌ لا يَجوزُ لهم مُوادَعةُ أهلِ الحَربِ بالإجماعِ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [محمد: ٣٥] ولأنَّ هُدنَتَهم من غيرِ حاجةٍ تَركٌ للجِهادِ الواجِبِ أو تأخيرُه لغيرِ فائِدةٍ؛ لأنَّ المُوادَعةَ طَلبُ الأمانِ وطَلبُ تَركِ الجِهادِ؛ لأنَّ قِتالَ المُشرِكينَ فَرضٌ، ولأنَّ تَركَ ما هو الفَرضُ من غيرِ عُذرٍ لا يَجوزُ، وفي هذا تَركُ الجِهادِ صُورةً ومَعنًى) ش: أمَّا صُورةً فظاهِرٌ حيثُ تَركُ القِتالِ. وأمَّا مَعنًى فلأنَّه لمَّا لم يَكنْ فيه مَصلَحةٌ للمُسلِمينَ لم يَكنْ في تلك المُوادَعةِ دَفعُ الشَّرِّ فلم يَحصُلِ الجِهادُ مَعنًى أيضًا (١). رُكنُ المُوادَعةِ: أمَّا رُكنُها فهو لفظةُ المُوادَعةِ أو المُسالَمةِ أو المُصالَحةِ أو المُعاهَدةِ أو ما يُؤدِّي مَعنى هذه العِباراتِ (٢).

стр. 12390

شُروطُ صِحةِ المُوادَعةِ والمُهادَنةِ: ذكَرَ الفُقهاءُ لصِحةِ عَقدِ المُوادَعةِ أربَعةَ شُروطٍ، وهي: الشَّرطُ الأولُ: أنْ تَكونَ هناك حاجةٌ أو ضَرورةٌ للمُسلِمينَ إليها: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ مِنْ شُروطِ صِحةِ عَقدِ الهُدنةِ والصُّلحِ مع الكُفارِ أنْ يَكونَ بالمُسلِمينَ ضَرورةٌ، وهي على هذا التَّفصيلِ: قالَ الحَنفيةُ: وشَرطُها الضَّرورةُ: وهي ضَرورةُ استِعدادِ القِتالِ بأنْ كانَ بالمُسلِمينَ ضَعفٌ، وبالكَفَرةِ قُوةُ المُجاوَزةِ إلى قَومٍ آخَرينَ فلا تَجوزُ عندَ عَدمِ الضَّرورةِ؛ لأنَّ المُوادَعةَ تَركُ القِتالِ المَفروضِ فلا يَجوزُ إلا في حالٍ وُقوعِها وَسيلةً إلى القِتالِ؛ لأنَّها حينَئذٍ تَكونُ قِتالًا مَعنًى، قالَ اللهُ ﵎: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] أي: لا تَضعُفوا عن قِتالِ الكُفارِ، وتَدعوهم إلى الصُّلحِ وأنتُم الأعلَونَ بما وَعَدكم اللهُ من النَّصرِ في الدُّنيا والكَرامةِ في الآخِرةِ. وقيلَ: وأنتُم الغالِبونَ، واللهُ معكم بالعَونِ والنَّصرِ (١). وقالَ المالِكيةُ: يُشترطُ لصِحةِ الصُّلحِ الحاجةُ إليه؛ فإنْ كانَ لغيرِ حاجةِ مَصلَحتِه لا يَجوزُ لوُجوبِ القِتالِ إلى غايةِ إعطاءِ الجِزيةِ وإنْ كانَ لمَصلَحةٍ، نَحوَ العَجزِ عن القِتالِ مُطلَقًا، أو في الوَقتِ الحاضِرِ فيَجوزُ

стр. 12391

بعِوضٍ أو بغيرِ عِوضٍ على وَفقِ الرأيِ السَّديدِ للمُسلِمينَ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١] وصالَحَ ﵇ أهلَ مَكةَ (١). وقالَ الشافِعيةُ: يُشترطُ لصِحةِ الصُّلحِ والهُدنةِ أنْ يَكونَ للمُسلِمينَ إليه حاجةٌ، وفيه مَصلَحةٌ بأنْ يَكونَ في المُسلِمينَ ضَعفٌ لقِلةِ عَددٍ أو مالٍ أو أُهبةٍ أو بُعدِ العَدوِّ، كما عقَدَها النَّبيُّ ﷺ في الحُديبَيةِ لكَثرةِ عَددِ المُشرِكينَ إذْ ذاك، ومَنعِهم من دُخولِ مَكةَ. أو أنْ يَطمَعَ في إسلامِهم لمُخالَطَتِهم المُسلِمينَ؛ لأنَّه ﷺ هادَنَ صَفوانَ بنَ أُمَيةَ أربَعةَ أشهُرٍ عامَ الفَتحِ وقد كانَ مُستظهِرًا عليه، ولكنَّه فعَلَ ذلك لرَجاءِ إسلامِه، فأسلَمَ قبلَ مُضِيِّها. ولأنَّه لمَّا هادَن أهلَ مَكةَ اتَّسَع الناسُ في التَّصرُّفِ وتَلاقَى المُسلِمونَ والمُشرِكونَ، فسمِعَ المُشرِكونَ القُرآنَ، فذكَرَ أهلُ المَغازي أنَّه أسلَمَ في تلك السِنينَ من المُشرِكينَ أكثَرُ ممَّا أسلَمَ قبلَ ذلك. أو في قَبولِهم الجِزيةَ أو في أنْ يُعينوه على قِتالِ غيرِهم، ولا يَكفي انتِفاءُ المَفسَدةِ لما فيه مِنْ مُوادَعَتِهم بلا مَصلَحةٍ. وإذا طلَب الكُفارُ الهُدنةَ فإنْ كانَ فيها ضَرَرٌ على المُسلِمينَ فلا يَخفَى أنَّهم لا يُجابونَ وإلا فوَجهانِ: أحدُهما: تَجِبُ إجابَتُهم، والصَّحيحُ: لا تَجِبُ، بل يَجتهِدُ الإمامُ ويَفعَلُ الأصلَحَ.

стр. 12392

قالَ الإمامُ: وما يَتعلَّقُ باجتِهادِ الإمامِ لا يُعدُّ واجِبًا وإنْ كانَ يَتعيَّنُ عليه رِعايةُ الأصَحِّ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: شَرطُ جَوازِ المُصالَحةِ والهُدنةِ أنْ يَكونَ في ذلك نَظرٌ للمُسلِمينَ فلا تَصحُّ الهُدنةُ إلا حيثُ جازَ تَأخيرُ الجِهادِ لمَصلَحةٍ، فمَتى رأى الإمامُ أو نائِبُه المَصلَحةَ في عَقدِها لضَعفٍ في المُسلِمينَ عن القِتالِ، أو لمَشقةٍ في الغَزوِ غيرِ مُحتمَلةٍ، أو طَمَعِه في أدائِهم الجِزيةَ والتِزامِهم أحكامَ المِلةِ أو غيرِ ذلك من المَصالحِ جازَ له عَقدُها؛ لأنَّه ﷺ هادَن قُرَيشًا. واختُلِفَ فيما لو طمِعَ الإمامُ في إسلامِهم هل يَجوزُ له عَقدُها أو لا؟ على قَولَينِ في المَذهبِ: أحدُهما: يَجوزُ، والآخَرُ: لا يَجوزُ عَقدُها لذلك؛ لأنَّه لا يَجوزُ عَقدُها إلا حيثُ يَجوزُ تأخيرُ الجِهادِ، ولا يَجوزُ تأخيرُ الجِهادِ لذلك على الصَّحيحِ (٢). الشَّرطُ الثانِي: أنْ يَتولَّاه الإمامُ أو نائِبُه: اختَلفَ الفُقهاءُ هل يُشترطُ لصِحةِ المُهادَنةِ مع الكُفارِ إذْنُ الإمامِ أو نائِبِة أو لا يُشترطُ وتَصِحُّ من جَماعةِ المُسلِمينَ؟

стр. 12393

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يُشترطُ لصِحَّتِها أنْ يَقومَ بَعقدِها الإمامُ أو نائِبُه؛ لأنَّه عَقدٌ يَقتَضي الأمانَ لجَميعِ المُشرِكينَ فلَم يَجزْ لغيرِهما كعَقدِ الذِّمةِ، ولأنَّه يَتعلَّقُ بنَظرٍ واجتِهادٍ، ولِما فيها من الخَطرِ، والإمامُ أو نائِبُه هو الذي يَتوَلَّى الأُمورَ العِظامَ وهو أعرَفُ بالمَصالحِ من الآحادِ وأقدَرُ على التَّدبيرِ منهم، وليسَ غيرُهما مَحلًّا لذلك لعَدمِ وِلايَتِه، ولو جُوِّزَ ذلك للآحادِ للزِمَ تَعطيلُ الجِهادِ؛ فإنْ تعاطَاها الآحادُ لم يَصحَّ لكنَّ المُستأمَنينَ لا يُغتالونَ، بل يُبلَّغونَ المأمَنَ؛ لأنَّهم دخَلوا على اعتِقادِ صِحةِ أمانِه (١). وقالَ الحَنفيةُ: لا يُشترطُ إذنُ الإمامِ بالمُوادَعةِ حتى لو وادَعهم الإمامُ أو فَريقٌ من المُسلِمينَ من غيرِ إذنِ الإمامِ جازَت مُوادَعتُهم؛ لأنَّ المُعوَّلَ عليه كَونُ عَقدِ المُوادَعةِ مَصلَحةً للمُسلِمينَ وقد وُجِد. ولأنَّ مُوادَعةَ المُسلِمِ أهلَ الحَربِ جائِزةٌ كإعطائِه الأمانَ؛ فإنْ كانَ على مالٍ ولم يَعلَمِ الإمامُ ذلك؛ فإنْ مضَت المُدةُ أخَذه وجعَلَه في بَيتِ المالِ وإنْ علِمَ بها قبلَ مُضيِّها؛ فإنْ كانَ فيها خَيرٌ أمضاها وأخَذَ المالَ، وإلا أبطَلَها ورَدَّ المالَ ونبَذَ

стр. 12394

إليهم وإنْ كانَ بعدَ مُضيِّ بَعضٍ رَدَّ كلَّ المالِ استِحسانًا بخِلافِ ما إذا وادَعَهم ثَلاثَ سِنينَ، كلَّ سَنةٍ بكَذا، وقبَضَ المالَ كلَّه ثم أرادَ الإمامُ نقَضَها بعدَ مُضيِّ سَنةٍ؛ فإنَّه يَرُدُّ الثُّلثَينِ لتَفريقِ العُقودِ هنا بتَفريقِ التَّسميةِ بخِلافِ الأولِ؛ فإنَّ العَقدَ واحِدٌ (١). الشَّرطُ الثالِثُ: المُدةُ: اختَلفَ الفُقهاءُ في المُدةِ التي يَصحُّ أنْ يُصالِحَ الإمامُ الكُفارَ عليها، هل يَجوزُ أنْ يُصالِحَهم مُطلَقًا من غيرِ مُدةٍ أو بمُدةٍ مُحدَّدةٍ؟ وما هي؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه تَجوزُ المُوادَعةُ على الإطلاقِ إذا كانَت مُدةً مَعلومةً مُعيَّنةً ولو زادَت على أكثَرَ من عَشرِ سِنينَ، إذا كانَ بالمُسلِمينَ حاجةٌ إليها على ما يَراه الإمامُ مِنْ المَصلَحةِ؛ لأنَّ تَحقيقَ المَصلَحةِ والخَيرِ لا يَتوقَّتُ بمُدةٍ دونَ مُدةٍ، ولأنَّه عَقدٌ يَجوزُ في العَشرِ جازَت الزِّيادةُ عليها كعَقدِ الإجارةِ، والعامُّ مَخصوصٌ في العَشرِ لمَعنًى مَوجودٍ فيما زادَ عليها، وهو أنَّ المَصلَحةَ قد تَكونُ في الصُّلحِ أكثَرَ منها في الحَربِ. وقالَ المالِكيةُ: لا حَدَّ لمُدةِ المُهادَنةِ بطُولٍ أو قِصَرٍ بل على حسَبِ اجتِهادِ الإمامِ وعلى قَدْرِ الحاجةِ، ولا تَصحُّ أنْ تَكونَ على التأبيدِ ولا على الإبهامِ، بل لا بدَّ أنْ تَكونَ مُدةً مُعيَّنةً لكنْ غيرَ مُحدَّدةٍ بطُولٍ أو قِصَرٍ وإنَّما حسَبَ ما يَراه الإمامُ، ونُدبَ ألَّا تَزيدَ المُدةُ على أربَعةِ أشهُرٍ إلا مع العَجزِ

стр. 12395

لاحتِمالِ حُصولِ زيادةِ قُوةٍ للمُسلِمينَ أو نَحوِها، أي: حيثُ كانَت المَصلَحةُ في ذلك وفي غيرِه على السَّواءِ وإلا تَعيَّنَ ما فيه المَصلَحةُ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا تَجوزُ الهُدنةُ أكثَرَ من عَشرِ سِنينَ إذا كانَ بالمُسلِمينَ ضَعفٌ؛ لأنَّ ذلك أقصى ما يُحفَظُ عن رَسولِ اللهِ ﷺ أنَّه هادَنَ قَومًا، وذلك أنَّ اللهَ فرَضَ قِتالَ المُشرِكينَ، فلمَّا هادَن رَسولُ اللهِ ﷺ مُشرِكي أهلِ مَكةَ، كانَت تلك المُدةُ مع العُذرِ المَوجودِ أقصى مُدةٍ يَجوزُ للإمامِ أنْ يُهادِنَ إلى مِثلِها على الصَّلاحِ لأهلِ الإسلامِ، ولأنَّ قَولَ اللهِ تَعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] عامٌّ خُصَّ منه مُدةُ العَشرِ لمُصالَحةِ النَّبيِّ ﷺ قُرَيشًا يَومَ الحُدَيبيةِ عَشرًا ففيما زاد يَبقى على مُقتَضى العُمومِ. فعلى هذا إنْ زادَت المُدةَ على عَشرٍ بطَلَ في الزِّيادةِ، وهل تَبطُلُ في العَشرِ؟ على وَجهَينِ بِناءً على تَفريقِ الصَّفقةِ؛ لأنَّه جمَع بينَ ما يَجوزُ وما لا يَجوزُ في عَقدٍ واحِدٍ، فيَبطُلُ القَدرُ الزائِدُ بلا خِلافٍ.
следующие страницы →