← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 12391–12430 · переход к 12396.

стр. 12391

بعِوضٍ أو بغيرِ عِوضٍ على وَفقِ الرأيِ السَّديدِ للمُسلِمينَ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١] وصالَحَ ﵇ أهلَ مَكةَ (١). وقالَ الشافِعيةُ: يُشترطُ لصِحةِ الصُّلحِ والهُدنةِ أنْ يَكونَ للمُسلِمينَ إليه حاجةٌ، وفيه مَصلَحةٌ بأنْ يَكونَ في المُسلِمينَ ضَعفٌ لقِلةِ عَددٍ أو مالٍ أو أُهبةٍ أو بُعدِ العَدوِّ، كما عقَدَها النَّبيُّ ﷺ في الحُديبَيةِ لكَثرةِ عَددِ المُشرِكينَ إذْ ذاك، ومَنعِهم من دُخولِ مَكةَ. أو أنْ يَطمَعَ في إسلامِهم لمُخالَطَتِهم المُسلِمينَ؛ لأنَّه ﷺ هادَنَ صَفوانَ بنَ أُمَيةَ أربَعةَ أشهُرٍ عامَ الفَتحِ وقد كانَ مُستظهِرًا عليه، ولكنَّه فعَلَ ذلك لرَجاءِ إسلامِه، فأسلَمَ قبلَ مُضِيِّها. ولأنَّه لمَّا هادَن أهلَ مَكةَ اتَّسَع الناسُ في التَّصرُّفِ وتَلاقَى المُسلِمونَ والمُشرِكونَ، فسمِعَ المُشرِكونَ القُرآنَ، فذكَرَ أهلُ المَغازي أنَّه أسلَمَ في تلك السِنينَ من المُشرِكينَ أكثَرُ ممَّا أسلَمَ قبلَ ذلك. أو في قَبولِهم الجِزيةَ أو في أنْ يُعينوه على قِتالِ غيرِهم، ولا يَكفي انتِفاءُ المَفسَدةِ لما فيه مِنْ مُوادَعَتِهم بلا مَصلَحةٍ. وإذا طلَب الكُفارُ الهُدنةَ فإنْ كانَ فيها ضَرَرٌ على المُسلِمينَ فلا يَخفَى أنَّهم لا يُجابونَ وإلا فوَجهانِ: أحدُهما: تَجِبُ إجابَتُهم، والصَّحيحُ: لا تَجِبُ، بل يَجتهِدُ الإمامُ ويَفعَلُ الأصلَحَ.

стр. 12392

قالَ الإمامُ: وما يَتعلَّقُ باجتِهادِ الإمامِ لا يُعدُّ واجِبًا وإنْ كانَ يَتعيَّنُ عليه رِعايةُ الأصَحِّ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: شَرطُ جَوازِ المُصالَحةِ والهُدنةِ أنْ يَكونَ في ذلك نَظرٌ للمُسلِمينَ فلا تَصحُّ الهُدنةُ إلا حيثُ جازَ تَأخيرُ الجِهادِ لمَصلَحةٍ، فمَتى رأى الإمامُ أو نائِبُه المَصلَحةَ في عَقدِها لضَعفٍ في المُسلِمينَ عن القِتالِ، أو لمَشقةٍ في الغَزوِ غيرِ مُحتمَلةٍ، أو طَمَعِه في أدائِهم الجِزيةَ والتِزامِهم أحكامَ المِلةِ أو غيرِ ذلك من المَصالحِ جازَ له عَقدُها؛ لأنَّه ﷺ هادَن قُرَيشًا. واختُلِفَ فيما لو طمِعَ الإمامُ في إسلامِهم هل يَجوزُ له عَقدُها أو لا؟ على قَولَينِ في المَذهبِ: أحدُهما: يَجوزُ، والآخَرُ: لا يَجوزُ عَقدُها لذلك؛ لأنَّه لا يَجوزُ عَقدُها إلا حيثُ يَجوزُ تأخيرُ الجِهادِ، ولا يَجوزُ تأخيرُ الجِهادِ لذلك على الصَّحيحِ (٢). الشَّرطُ الثانِي: أنْ يَتولَّاه الإمامُ أو نائِبُه: اختَلفَ الفُقهاءُ هل يُشترطُ لصِحةِ المُهادَنةِ مع الكُفارِ إذْنُ الإمامِ أو نائِبِة أو لا يُشترطُ وتَصِحُّ من جَماعةِ المُسلِمينَ؟

стр. 12393

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يُشترطُ لصِحَّتِها أنْ يَقومَ بَعقدِها الإمامُ أو نائِبُه؛ لأنَّه عَقدٌ يَقتَضي الأمانَ لجَميعِ المُشرِكينَ فلَم يَجزْ لغيرِهما كعَقدِ الذِّمةِ، ولأنَّه يَتعلَّقُ بنَظرٍ واجتِهادٍ، ولِما فيها من الخَطرِ، والإمامُ أو نائِبُه هو الذي يَتوَلَّى الأُمورَ العِظامَ وهو أعرَفُ بالمَصالحِ من الآحادِ وأقدَرُ على التَّدبيرِ منهم، وليسَ غيرُهما مَحلًّا لذلك لعَدمِ وِلايَتِه، ولو جُوِّزَ ذلك للآحادِ للزِمَ تَعطيلُ الجِهادِ؛ فإنْ تعاطَاها الآحادُ لم يَصحَّ لكنَّ المُستأمَنينَ لا يُغتالونَ، بل يُبلَّغونَ المأمَنَ؛ لأنَّهم دخَلوا على اعتِقادِ صِحةِ أمانِه (١). وقالَ الحَنفيةُ: لا يُشترطُ إذنُ الإمامِ بالمُوادَعةِ حتى لو وادَعهم الإمامُ أو فَريقٌ من المُسلِمينَ من غيرِ إذنِ الإمامِ جازَت مُوادَعتُهم؛ لأنَّ المُعوَّلَ عليه كَونُ عَقدِ المُوادَعةِ مَصلَحةً للمُسلِمينَ وقد وُجِد. ولأنَّ مُوادَعةَ المُسلِمِ أهلَ الحَربِ جائِزةٌ كإعطائِه الأمانَ؛ فإنْ كانَ على مالٍ ولم يَعلَمِ الإمامُ ذلك؛ فإنْ مضَت المُدةُ أخَذه وجعَلَه في بَيتِ المالِ وإنْ علِمَ بها قبلَ مُضيِّها؛ فإنْ كانَ فيها خَيرٌ أمضاها وأخَذَ المالَ، وإلا أبطَلَها ورَدَّ المالَ ونبَذَ

стр. 12394

إليهم وإنْ كانَ بعدَ مُضيِّ بَعضٍ رَدَّ كلَّ المالِ استِحسانًا بخِلافِ ما إذا وادَعَهم ثَلاثَ سِنينَ، كلَّ سَنةٍ بكَذا، وقبَضَ المالَ كلَّه ثم أرادَ الإمامُ نقَضَها بعدَ مُضيِّ سَنةٍ؛ فإنَّه يَرُدُّ الثُّلثَينِ لتَفريقِ العُقودِ هنا بتَفريقِ التَّسميةِ بخِلافِ الأولِ؛ فإنَّ العَقدَ واحِدٌ (١). الشَّرطُ الثالِثُ: المُدةُ: اختَلفَ الفُقهاءُ في المُدةِ التي يَصحُّ أنْ يُصالِحَ الإمامُ الكُفارَ عليها، هل يَجوزُ أنْ يُصالِحَهم مُطلَقًا من غيرِ مُدةٍ أو بمُدةٍ مُحدَّدةٍ؟ وما هي؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه تَجوزُ المُوادَعةُ على الإطلاقِ إذا كانَت مُدةً مَعلومةً مُعيَّنةً ولو زادَت على أكثَرَ من عَشرِ سِنينَ، إذا كانَ بالمُسلِمينَ حاجةٌ إليها على ما يَراه الإمامُ مِنْ المَصلَحةِ؛ لأنَّ تَحقيقَ المَصلَحةِ والخَيرِ لا يَتوقَّتُ بمُدةٍ دونَ مُدةٍ، ولأنَّه عَقدٌ يَجوزُ في العَشرِ جازَت الزِّيادةُ عليها كعَقدِ الإجارةِ، والعامُّ مَخصوصٌ في العَشرِ لمَعنًى مَوجودٍ فيما زادَ عليها، وهو أنَّ المَصلَحةَ قد تَكونُ في الصُّلحِ أكثَرَ منها في الحَربِ. وقالَ المالِكيةُ: لا حَدَّ لمُدةِ المُهادَنةِ بطُولٍ أو قِصَرٍ بل على حسَبِ اجتِهادِ الإمامِ وعلى قَدْرِ الحاجةِ، ولا تَصحُّ أنْ تَكونَ على التأبيدِ ولا على الإبهامِ، بل لا بدَّ أنْ تَكونَ مُدةً مُعيَّنةً لكنْ غيرَ مُحدَّدةٍ بطُولٍ أو قِصَرٍ وإنَّما حسَبَ ما يَراه الإمامُ، ونُدبَ ألَّا تَزيدَ المُدةُ على أربَعةِ أشهُرٍ إلا مع العَجزِ

стр. 12395

لاحتِمالِ حُصولِ زيادةِ قُوةٍ للمُسلِمينَ أو نَحوِها، أي: حيثُ كانَت المَصلَحةُ في ذلك وفي غيرِه على السَّواءِ وإلا تَعيَّنَ ما فيه المَصلَحةُ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا تَجوزُ الهُدنةُ أكثَرَ من عَشرِ سِنينَ إذا كانَ بالمُسلِمينَ ضَعفٌ؛ لأنَّ ذلك أقصى ما يُحفَظُ عن رَسولِ اللهِ ﷺ أنَّه هادَنَ قَومًا، وذلك أنَّ اللهَ فرَضَ قِتالَ المُشرِكينَ، فلمَّا هادَن رَسولُ اللهِ ﷺ مُشرِكي أهلِ مَكةَ، كانَت تلك المُدةُ مع العُذرِ المَوجودِ أقصى مُدةٍ يَجوزُ للإمامِ أنْ يُهادِنَ إلى مِثلِها على الصَّلاحِ لأهلِ الإسلامِ، ولأنَّ قَولَ اللهِ تَعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] عامٌّ خُصَّ منه مُدةُ العَشرِ لمُصالَحةِ النَّبيِّ ﷺ قُرَيشًا يَومَ الحُدَيبيةِ عَشرًا ففيما زاد يَبقى على مُقتَضى العُمومِ. فعلى هذا إنْ زادَت المُدةَ على عَشرٍ بطَلَ في الزِّيادةِ، وهل تَبطُلُ في العَشرِ؟ على وَجهَينِ بِناءً على تَفريقِ الصَّفقةِ؛ لأنَّه جمَع بينَ ما يَجوزُ وما لا يَجوزُ في عَقدٍ واحِدٍ، فيَبطُلُ القَدرُ الزائِدُ بلا خِلافٍ.

стр. 12396

وفي القَدْرِ الجائِزِ قولٌ: تَفريقُ الصَّفقةِ. وقيلَ: يَصحُّ في غيرِ الزائِدِ قَطعًا، لعَدمِ العِوَضِ، ولسُهولةِ العَقدِ مع الكُفارِ. لكنْ إذا انقَضَت المُدةُ والحاجةُ باقيةٌ استُؤنِف العَقدُ. أمَّا إذا لم يَكنْ بالمُسلِمينَ ضَعفٌ جازَت الأشهُرُ الأربَعةُ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢]، وكذلك هادَنَ النَّبيُّ ﷺ صَفوانَ بنَ أُمَيةَ. قالَ الشافِعيُّ: وكانَت مُهادَنةُ النَّبيِّ ﷺ للمُشرِكينَ أربَعةَ أشهُرٍ أقوى ما كانَ عندَ مُنصَرَفِه مِنْ تَبوكَ. ولا تَجوزُ إلى سَنةٍ؛ لأنَّها مُدةٌ تَجِبُ فيها الجِزيةُ فلا يَجوزُ تَقريرُهم فيها بغيرِها، ولِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وهي عامةٌ إلا فيما خَصَّ الدَّليلَ، وهو أربَعةُ أشهُرٍ. وكذا لا تَصحُّ دونَ السَّنةِ وفَوقَ أربَعةِ أشهُرٍ في الأظهَرِ، لزِيادَتِها على مُدةِ السِّياحةِ. والثانِي: يَجوزُ؛ لنَقصِها عن مُدةِ الجِزيةِ. وهذا كلُّه بالنِّسبةِ إلى نُفوسِ المَعقودِ لهم، أمَّا أموالُهم فيَجوزُ العَقدُ لها مُؤبَّدًا، وفي جَوازِه -كذلك- للذُّريةِ وَجهانِ. وإذا طلَبَ الكافِرُ الأمانَ ليسَمَعَ كَلامَ اللهِ تَعالى وجَبَت إجابَتُه قَطعًا،

стр. 12397

ولا يُمهَلُ لذلك أربَعةَ أشهُرٍ على الأصَحِّ، بل لا بدَّ من مَجالِسَ يَحصُلُ فيها البَيانُ، ثم يُقالُ له: الحَقْ بمَأمَنِك (١). هل يَجوزُ أنْ تُعقَدَ المُدةُ على التَّأبيدِ؟ ذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهَبَ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَصِحُّ أنْ يُهادِنَهم الإمامُ مُطلَقًا بأنْ لم يُقيِّدْ بمُدةٍ؛ فإنْ فعَلَ لم يَصحَّ العَقدُ؛ لأنَّ الإطلاقَ يَقتَضي التَّأبيدَ، والهُدنةُ لا يَصحُّ عَقدُها على التأبيدِ؛ لأنَّ ذلك يُفضي إلى تَركِ الجِهادِ بالكُلِّيةِ وهو غيرُ جائِزٍ. وفي قَولٍ للشافِعيةِ يَصحُّ العَقدُ ولكنْ يَنصرِفُ ويَنزِلُ على عَشرِ سِنينَ إذا كانَ بالمُسلِمينَ ضَعفٌ، وإنْ كانَ بالمُسلِمينَ قُوةٌ ففيه قَولانِ: أحدُهما: يَنصرِفُ إلى أربَعةِ أشهُرٍ. والثانِي: إلى سَنةٍ (٢).

стр. 12398

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: تَصحُّ وتَكونُ جائِزةً ويُعمَلُ بالمَصلَحةِ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ بنَبذِ العُهودِ المُطلَقةِ وإتمامِ المُؤقَّتةِ (١). وذهَبَ الحَنفيةُ إلى جَوازِ العُقودِ المُطلَقةِ عن الوَقتِ ثم إنْ رأى الإمامُ بعدَ ذلك أنْ يَنقُضَها ويَنبِذَ إليهم فعَل؛ لأنَّه عَقدٌ غيرُ لازِمٍ (٢). الشَّرطُ الرابِعُ: خُلُوُّ عَقدِ الهُدنةِ عن شَرطٍ فاسِدٍ: نَصَّ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه يُشترطُ لصِحةِ عَقدِ الهُدنةِ مع الكُفارِ أنْ يَكونَ خاليًا عن شَرطٍ مُفسِدٍ، وهذه الشُّروطُ منها ما هو مُتفَقٌ على فَسادِه ومنها ما هو مُختلَفٌ فيه، وهي على التَّفصيلِ الآتي: ١ - ألَّا نَدفَعَ لهم مالًا على الهُدنةِ: ذهَبَ جُمهورُ أهلِ العِلمِ إلى أنَّه إذا لم تَدعُ ضَرورةٌ لدَفعِ مالٍ إلى الكُفارِ على عَقدِ الهُدنةِ فلا يَجوزُ دَفعُ المالِ إليهم وإنْ دَعَتْ ضَرورةٌ جازَ عندَهم جَميعًا على تَفصيلٍ عندَهم، لكنَّ المالِكيةَ والشافِعيةَ يَرَونَ أنَّ هذا شَرطٌ فاسِدٌ إذا وقَعَ من غيرِ ضَرورةٍ، وإليكَ نَصَّ أقوالِهم. قالَ المالِكيةُ: لا يَجوزُ شَرطُ أنْ يَأخذَ الكُفارُ من المُسلِمينَ مالًا على عَقدِ الهُدنةِ؛ لأنَّه عَكسُ مَصلَحةِ شَرعِ أخْذِ الجِزيةِ منهم إلا لخَوفٍ ممَّا هو أشَدُّ ضَررًا من دَفعِ المالِ لهم فيَجوزُ كاستِيلائِهم على المُسلِمينَ، فيَجوزُ دَفعُ المالِ لهم ولو لم يَكنْ ذلك جائِزًا ما شاوَر رَسولُ اللهِ ﷺ في

стр. 12399

إعطاءِ المُشرِكينَ في قَضيةِ الأحزابِ لمَّا أحاطُوا بالمَدينةِ وقد وقَعَ ذلك من مُعاويةَ وابنِ مَروانَ (١). وقالَ الشافِعيةُ: لا يَجوزُ عَقدُ الهُدنةِ على شَرطٍ فاسِدٍ كمُهادَنتِهم على مالٍ يَحمِلُه المُسلِمونَ إليهم، فلا يَجوزُ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى قد أعزَّ الإسلامَ وأهلَه، وأظهَرَه على الأديانِ كلِّها، وجعَلَ لهم الجَنةَ قاتِلينَ ومَقتولينَ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة: ١١١]. فلم يَجزْ مع ثَوابِ الشَّهادةِ وعِزِّ الإسلامِ أنْ يَدخُلوا في ذُلِّ البَذلِ وصَغارِ الدَّفعِ ما لم تَدعُ ضَرورةٌ إليه؛ فإنْ دعَت إليه الضَّرورةُ، وذلك في إحدى حالتَينِ: إمَّا أنْ يُحاطَ بطائِفةٍ من المُسلِمينَ في قِتالٍ أو وَطءٍ يَخافونَ معه الاصطِلامَ -أي: الاستِئصالَ-، فلا بأسَ أنْ يَبذُلوا في الدَّفعِ عن اصطِلامِهم مالًا، يَحقِنونَ به دِماءَهم، قد هَمَّ رَسولُ اللهِ ﷺ عامَ الخَندقِ أنْ يُصالِحَ المُشرِكينَ على الثُّلثِ مِنْ ثِمارِ المَدينةِ، وشاوَرَ الأنصارَ فقالُوا: إنْ كانَ هذا بأمرِ اللهِ سَمِعْنا وأطَعْنا، وإنْ كانَ بغيرِ أمرِه لم نَقبَلْه. ورَوى أبو سَلمةَ عن أبي هُريرةَ: أنَّ الحارِثَ بنَ عَمرٍو الغَطفانِيَّ رَئيسَ غَطَفانَ قالَ للنَّبيِّ ﷺ : إنْ جَعَلتَ لي شَطرَ ثِمارِ المَدينةِ وإلا مَلَأتُها عليكَ خَيلًا ورَجِلًا، فقالَ له النَّبيُّ ﷺ : «حتى أستأذِنَ

стр. 12400

السُّعودَ» يَعني سَعدَ بنَ مُعاذٍ، وسَعدَ بنَ عُبادةَ، وأسعَدَ بنَ زُرارةَ فاستأمَرَهم، فقالُوا: إنْ كانَ هذا بأمرٍ من السَّماءِ، نُسلِّمُ لأمرِ اللهِ، وإنْ كانَ برأيِكَ، فرأيُنا تَبعٌ لرأيِكَ، وإنْ لم يَكنْ بأمرٍ من السَّماءِ، ولا برأيِك فواللهِ ما كُنَّا نُعطيهم في الجاهِليةِ ثَمَرةً إلا بشِرًى أو قِرًى، فكيف وقد أعزَّنا اللهُ بكَ؟! فقالَ له: «هو ذا تَسمَعُ ما يَقولونَ»، ولم يُعطِه شَيئًا، فهو -وإنْ لم يُعطِهم- قد نبَّه بالرُّجوعِ إلى الأنصارِ على جَوازِ عَطائِهم عندَ الضَّرورةِ، ولأنَّ ما يَنالُ المُسلِمينَ من نِكايةِ الاصطِلامِ أعظَمُ ضَرَرًا من ذِلةِ البَذلِ، فافتَدَى به أعظَمَ الضَّرَرَين. والحالُ الأُخرى: افتِداءُ مَنْ في أيديهم من الأسرى إذا خِيفَ على نُفوسِهم، وكانُوا يَستذِلُّونهم بعَذابٍ أو امتِهانٍ، فيَجوزُ أنْ يَبذُلَ لهم الإمامُ في افتِكاكِهم مالًا ليسَتنقِذَهم به من الذُّلِّ والخَطرِ، ويَكونُ افتداؤُهم بأسرى أوْلى، ورَوى أبو المُهلَّبِ عن عِمرانَ بنِ الحُصَينِ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ فادَى رَجلًا برَجُلَينِ». وما بذَله المُسلِمونَ من مالٍ في اصطِلامٍ أو فِداءٍ هو كالمَغصوبِ لأخذِه منهم إجبارًا بغيرِ حقٍّ؛ فإنْ ظفِرَ به المُسلِمونَ عَنوةً لم يَغنَموه وأُعيدَ إلى مُستحِقِّه الذي خرَجَ منه من مالِ المُسلِمِ، أو مِنْ بَيتِ المالِ، وإنْ وجَدوه مع مُستأمَنٍ نُظِر فيه؛ فإنْ كانَ سَببُ بَذلِه باقيًا لم يُسترجَعَ منه، لما في استِرجاعِه من عَودِ الضَّررِ، وإنْ زالَ سَببُ بَذلِه استُرجعَ منه وأُعيد إلى مُستحِقِّه، ولم يُعترَضْ عليه في غيرِه من أموالِه لأمانِه (١).

стр. 12401

وقالَ الحَنفيةُ: ولا بأسَ أنْ يَطلُبَ المُسلِمونَ الصُّلحَ من الكَفَرةِ ويُعطُوا على ذلك مالًا إذا اضطُرُّوا إليه؛ لقَولِه : ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١] أباحَ لنا الصُّلحَ مُطلَقًا فيَجوزُ ببَدلٍ أو غيرِ بَدلٍ، ولأنَّ الصُّلحَ على مالٍ لدَفعِ شَرِّ الكَفرةِ للحالِ والاستِعدادِ للقِتالِ في الثانِي مِنْ بابِ المُجاهَدةِ بالمالِ والنَّفسِ فيَكونُ جائِزًا. ولا يَجوزُ هذا إلا عندَ الضَّرورةِ، وهي خَوفُ الهَلاكِ؛ لأنَّ دَفعَ الهَلاكِ واجِبٌ بأيِّ طَريقٍ كانَ؛ فإنَّه إذا لم يَكنْ بالمُسلِمينَ قُوةٌ ظهَرَ عليهم عَدُوُّهم فأخَذَ الأنفُسَ والأموالَ، وإنْ لم يَكنْ ضَرورةٌ لا يَجوزُ لما فيه مِنْ إلحاقِ الذِّلةِ بالمُسلِمينَ وإعطاءِ الدَّنيةِ: أي: الضَّعةِ في الدِّينِ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: لا يَجوزُ أنْ نُصالِحَهم على مالٍ نَبذُلُه لهم في غيرِ حالِ الضَّرورةِ؛ لأنَّ فيه صَغارًا للمُسلِمينَ. فأمَّا إنْ دعَت إليه ضَرورةٌ وهو أنْ يُخافَ على المُسلِمينَ الهَلاكُ أو الأسْرُ فيَجوزُ؛ لأنَّه يَجوزُ للأَسيرِ فِداءُ نَفسِه بالمالِ، فكذا ههنا، ولأنَّ بَذلَه المالَ إنْ كانَ فيه صَغارٌ؛ فإنَّه يَجوزُ تَحمُّلُه لدَفعِ صَغارٍ أعظَمَ منه، وهو القَتلُ، والأسْرُ وسَبيُ الذُّرِّيةِ الذين يُفضي سَبيُهم إلى كُفرِهم، وقد رَوى عبدُ الرَّزَّاقِ في المَغازي عن مَعمَرٍ عن الزُّهريِّ قالَ: أرسَلَ النَّبيُّ ﷺ إلى عُيَينةَ بنِ حِصنٍ وهو مع أبي سُفيانَ يَعني يَومَ الأحزابِ: «أرأيتَ إنْ جَعَلتُ لكَ ثُلثَ تَمرِ الأنصارِ أتَرجعُ

стр. 12402

بمَن معك من غَطفانَ، وتُخذِّلَ بينَ الأحزابِ؟» فأرسَل إليه عُيَينةُ: إنْ جعَلتَ لي الشَّطرَ فَعلتُ؟ قالَ مَعمَرٌ: فحَدَّثني ابنُ أبي نَجيحٍ أنَّ سَعدَ بنَ مُعاذٍ وسَعدَ بنَ عُبادةَ قالَا: يا رَسولَ اللهِ، واللهِ لقد كانَ يَجُرُّ سُرمَه في الجاهِليةِ في عامِ السَّنةِ حَولَ المَدينةِ ما يُطيقُ أنْ يَدخلَها، فالآنَ حينَ جاءَ اللهُ بالإسلامِ نُعطيهم ذلك؟! فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «فنِعمَ إذًا»، ولولا أنَّ ذلك جائِزٌ لما بذَله النَّبيُّ ﷺ . ورُوي أنَّ الحارِثَ بنَ عَمرٍو الغَطَفانيَّ بعَثَ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَ: إنْ جعَلتَ لي شَطرَ ثِمارِ المَدينةِ وإلا مَلأتُها عليكَ خَيلًا ورَجِلًا. فقالَ له النَّبيُّ ﷺ : «حتى أُشاوِرَ السُّعودَ» يَعني سَعدَ بنَ عُبادةَ وسَعدَ بنَ مُعاذٍ وأسَعَدَ بنَ زُرارةَ، فشاوَرَهم النَّبيُّ ﷺ فقالُوا: يا رَسولَ اللهِ، إنْ كانَ هذا أمرًا من السَّماءِ فتَسليمٌ لأمرِ اللهِ تَعالى، وإنْ كانَ برأيِكَ وهَواكَ اتَّبَعنا رأيَك وهَواك، وإنْ لم يَكنْ أمرًا من السَّماءِ ولا برأيِك وهَواك فوَاللهِ ما كُنَّا نُعطيهم في الجاهِليةِ بُسرةً ولا تَمرةً إلا شِراءً أو قِرًى، فكيف وقد أعزَّنا اللهُ بالإسلام؟ فقالَ النَّبيُّ ﷺ لرَسولِه: «أتَسمعُ؟» فعرَضَه النَّبيُّ ﷺ ليَعلَمَ ضَعفَهم من قُوَّتِهم فلولا جَوازُه عندَ الضَّعفِ لما عرَضه عليه (١). وأمَّا عَقدُ الهُدنةِ على أنْ يَدفَعوا هُمْ مالًا إلينا فجائِزٌ بإجماعِ العُلماءِ.

стр. 12403

٢ - ألَّا نَرُدَّ مُسلِمةً إلى الكُفارِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه لا يَجوزُ عَقدُ الهُدنةِ على رَدِّ من جاءَت من المُسلِماتِ منهم إلينا، وكذا لو أسلَمَت عندَنا بعدَ مَجيئِها من عِندِهم لما رُويَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ عقَدَ الصُّلحَ في الحُدَيبيةِ، ثم جاءَتْه بعدَ ذلك أمُّ كُلثومٍ بِنتُ عُقبةَ بنِ أبي مُعَيطٍ مُسلِمةً، فجاء أخَواها يَطلُبانِها، فأرادَ النَّبيُّ ﷺ أنْ يَرُدَّها عليهما. فمَنَعه اللهُ مِنْ رَدِّها بقَولِه : ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] (١) فأخبَرَ النَّبيُّ ﷺ أنَّ اللهَ تَعالَى قد منَع من الصُّلحِ في النِّساءِ، فامتنَعَ حينَئذٍ رَسولُ اللهِ ﷺ مِنْ رَدِّهن، ومِن رَدِّ النِّساءِ كلِّهِنَّ، ولأنَّه لا يُؤمَنُ أنْ تُفتَنَ عن دِينِها لنُقصانِ عَقلِها أو أنْ تُزوَّجَ بمُشرِكٍ؛ لأنَّ النِّساءَ ذَواتِ الأزواجِ يَحرُمْنَ

стр. 12404

على أزواجِهِنَّ من الكُفارِ، ولا يَقدِرْنَ على الامتِناعِ منهم، وأيضًا لرِقَّتِهِنَّ وضَعفِهِنَّ ولِحُرمةِ الإسلامِ، ويَدلُّ عليه قَولُه : ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]. فإنْ عُقِد بطَلَ الشَّرطُ باتِّفاقٍ؛ لأنَّه أحَلَّ حَرامًا، والشَّريعةُ استقَرَّت على مَنعِ الرَّدِّ سَواءٌ كانَ لها عَشيرةٌ أو لا. واختَلفُوا: هل يَبطُلُ العَقدُ؟ على قَولَينِ: والأصَحُّ عندَ الشافِعيةِ وهو أحَدُ الوَجهَينِ عندَ الحَنابِلةِ: أنَّه يَبطُلُ العَقدُ لفَسادِ الشَّرطِ. وقالَ الحَنفيةُ -وهو مُقابِلُ الأصَحِّ عندَ الشافِعيةِ والوَجهُ الثانِي للحَنابِلةِ-: لا يَبطُلُ العَقدُ؛ لأنَّها ليسَتْ بآكَدَ من النِّكاحِ، وهو لا يَفسُدُ بالشُّروطِ الفاسِدةِ. وأمَّا الكافِرةُ فيَجوزُ رَدُّها إليهم. قالَ الحَنفيةُ: فإنْ أعطاهم الإمامُ على هذا عَهدًا؛ فإنَّه لا يَنبَغي له أنْ يَفيَ بهذا الشَّرطِ؛ لأنَّه مُخالِفٌ لحُكمِ الشَّرعِ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «كلُّ شَرطٍ ليسَ في كِتابِ اللهِ تَعالى فهو باطِلٌ»، والأصلُ فيه ما رُوي أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ صالَحَ أهلَ مَكةَ يَومَ الحُدَيبيةِ على أنْ يَرُدَّ عليهم مَنْ جاءَ منهم مُسلمًا، ثم نسَخَ اللهُ تَعالى هذا الشَّرطَ بقَولِه : ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فصارَ هذا أصلًا أنَّ الصُّلحَ متى وقَعَ على شُروطٍ منها الجائِزُ الذي يُمكِنُ الوَفاءُ به، ومنها الفاسِدُ الذي لا يُمكِنُ الوَفاءُ به؛ فإنَّ الإمامَ يَنْظُرُ إلى الجائِزِ فيُجيزُه وإلى الفاسِدِ فيُبطِلُه (١).

стр. 12405

٣ - أنْ يُرَدَّ مُسلِمٌ إلى الكُفارِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ عَقدِ الصُّلحِ إنْ شُرطَ فيه رَدُّ مَنْ جاءَ مُسلمًا منهم إليهم هل يَصِحُّ هذا الشَّرطُ أو لا يَصحُّ ويَبطُلُ الشَّرطُ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ وبَعضُ المالِكيةِ -كسحنُونٍ وابنِ الماجِشونِ وابنِ حَبيبٍ وغيرِهم- إلى أنَّه لا يَصحُّ شَرطُ رَدِّ مَنْ جاءَ منهم مُسلمًا إلينا ويَبطُلُ هذا الشَّرطُ ولا يَجبُ الوَفاءُ به، وقالُوا: إنَّ قَولَ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] هو دَليلُ النَّسخِ في حَقِّ الرِّجالِ أيضًا، إذْ لا فَرقَ بينَ النِّساءِ والرِّجالِ في ذلك، بل مَفسَدةُ رَدِّ المُسلمِ إليهم أكثَرُ، وحينَ شُرعَ ذلك كانَ في قَومٍ مَنْ أسلَمَ منهم لا يُبالِغونَ في تَعذيبِه؛ فإنَّ كلَّ قَبيلةٍ لا تَتعرَّضُ لمَن فعَلَ ذلك من قَبيلةٍ أُخرى إنَّما يَتولَّى رَدعَه عَشيرَتُه وهُم لا يُبالِغونَ فيه أكثَرَ من القَيدِ والسَّبِّ والإهانةِ، ولقد كانَ بمَكةَ بعدَ هِجرةِ النَّبيِّ ﷺ جَماعةٌ من المُستضعَفينَ مِثلَ أبي بَصيرٍ وأبي جَندَلِ بنِ عَمرِو بنِ سُهَيلٍ إلى نَحوِ سَبعينَ لم يَبلُغوا فيهم النِّكايةَ لعَشائِرِهم والأمرُ الآنَ على خِلافِ ذلك.

стр. 12406

فإنْ أعطَاهم الإمامُ على هذا عَهدًا فإنَّه لا يَنبَغي له أنْ يَفيَ بهذا الشَّرطِ؛ لأنَّه مُخالِفٌ لحُكمِ الشَّرعِ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «كلُّ شَرطٍ ليسَ في كِتابِ اللهِ تَعالى فهو باطِلٌ»، والأصلُ فيه ما رُوي أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ صالَحَ أهلَ مَكةَ يَومَ الحُدَيبيةِ على أنْ يَرُدَّ عليهم مَنْ جاءَ منهم مُسلمًا، ثم نسَخَ اللهُ تَعالى هذا الشَّرطَ بقَولِه: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فصارَ هذا أصلًا أنَّ الصُّلحَ متى وقَعَ على شُروطٍ منها الجائِزُ الذي يُمكِنُ الوَفاءُ به، ومنها الفاسِدُ الذي لا يُمكِنُ الوَفاءُ به؛ فإنَّ الإمامَ يَنْظُرُ إلى الجائِزِ فيُجيزُه وإلى الفاسِدِ فيُبطِلُه. فإنْ قيلَ: أليسَ رَسولُ اللهِ ﷺ قد شرَط لأهلِ مَكةَ يَومَ الحُدَيبيةِ أنْ يَرُدَّ عليهم مَنْ جاءَ منهم مُسلمًا ووَفَّى بذلك الشَّرطِ؛ فإنَّه ردَّ أبا جَندَلِ بنَ سُهَيلِ بنِ عَمرٍو على أبيه سُهَيلِ بنِ عَمرٍو ورَدَّ أبا نُصَيرٍ على مَنْ جاءَ في طلَبِه حتى فعَلَ ما فعَل. قُلنا: نَعمْ، ولكنَّ هذا حُكمٌ قد نُسخَ بالكِتابِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠]. وكانَ ذلك لرَسولِ اللهِ ﷺ يَومَئذٍ خاصةً وقد علِمَ وَجهُ المَصلَحةِ فيه بطَريقِ الوَحيِ، فقالَ: «لا يَسألونَني اليَومَ شَيئًا إلا أعطَيتُهم إيَّاه»، فأمَّا اليَومَ فلا يَنبَغي أنْ نَردَّ على المُشرِكينَ مُسلمًا أو أنْ نتْرُكَ أخْذَ المُسلِمِ من أيديهم إذا قدِرَ المُسلِمونَ على ذلك بحالٍ؛ فإنْ أرادوا أخْذَهم فعَرَض لهم المُشرِكونَ في ذلك فليَنبِذوا إليهم، ثم ليُقاتِلوهم أشَدَّ القِتالِ دونَ أُسراءِ المُسلِمينَ حتى يَستَنقِذوهم (١).

стр. 12407

وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَصحُّ في عَقدِ الهُدنةِ اشتِراطُ رَدِّ مَنْ أسلَمَ من الكُفارِ إليهم سَواءٌ كانَ له عَشيرةٌ أو لم يَكنْ، كما نَصَّ على ذلك الحَنابِلةُ، لما رَواه أبو داودَ وغيرُه عن بُكَيرِ بنِ الأشَجِّ عن الحَسنِ بنِ علِيِّ بنِ أبي رافِعٍ أنَّ أبا رافِعٍ أخبَرَه قالَ: بَعثَتْني قُريشٌ إلى رَسولِ اللَّهِ ﷺ فلمَّا رأيتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ أُلقيَ في قَلبي الإسلامُ، فقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنِّي واللهِ لا أرجِعُ إليهم أبَدًا، فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «إنِّي لا أخِيسُ بِالعَهدِ ولا أحبِسُ البُرُدَ، ولكنِ ارجِعْ؛ فإنْ كانَ في نَفسِك الذي في نَفسِك الآنَ فارجِعْ»، قالَ: فذهَبتُ ثم أتَيتُ النَّبيَّ ﷺ فأسلَمتُ. قالَ بُكيرٌ: وأخبَرَني أنَّ أبَا رافِعٍ كانَ قِبطيًّا. قالَ أبو داودَ: هذا كانَ في ذلك الزَّمَانِ، فأمَّا اليَومَ فلا يَصلُحُ (١). ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ شرَط ذلك في صُلحِ الحُدَيبيةِ ووَفَّى لهم به، فرَدَّ أبا جَندَلٍ وأبا بُصَيرٍ ولم يَخُصَّ بالشَّرطِ ذا العَشيرةِ؛ لأنَّ ذا العَشيرةِ إذا كانَت عَشيرَتُه هي التي تَفتِنُه وتُؤذيه فهو كمَن لا عَشيرةَ له، لكنْ لا يَجوزُ هذا الشَّرطُ إلا عندَ شِدةِ الحاجةِ إليه وتَعيُّنِ المَصلَحةِ فيه، ومَتى شُرطَ لهم ذلك لزِمَ الوَفاءُ به، بمَعنى أنَّهم إذا جاؤُوا في طَلبِه لم يُمنَعوا أخْذَه ولا يُجبَرُ الإمامُ على المُضيِّ معهم.

стр. 12408

قالَ الحَنابِلةُ: وله أنْ يَأمرَه سِرًّا بالهَربِ منهم، ومُقاتَلتِهم؛ فإنَّ أبا بَصيرٍ لمَّا جاءَ النَّبيَّ ﷺ وجاءَ رَجلانِ في طَلبِه فقالُوا: العَهدَ الذي جَعَلتَ لنا. فدفَعَه إلى الرَّجُلَينِ، فخرَجَا بهِ حتى بلَغَا ذا الحُلَيفةِ فنزَلُوا يَأكلُونَ من تَمرٍ لهم فقالَ أبو بَصِيرٍ لأحَدِ الرَّجلَينِ: واللهِ إنِّي لأَرى سَيفَكَ هذا يا فُلانُ جَيِّدًا، فَاستَلَّهُ الآخَرُ فقالَ: أجَلْ واللهِ إنَّه لجَيِّدٌ، لقد جَرَّبتُ بهِ ثمَّ جَرَّبتُ. فقالَ أبو بَصِيرٍ: أرِني أنظُرْ إليه. فأمكَنَه منه، فضرَبه حتى برَد، وفَرَّ الآخَرُ حتى أتَى المَدينةَ فدخَلَ المَسجِدَ يَعدُو، فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ حينَ رآهُ: «لقد رأى هذا ذُعرًا»، فلمَّا انتَهَى إلى النَّبيِّ ﷺ قالَ: قُتلَ واللهِ صاحِبي وإنِّي لَمَقتولٌ. فجاء أبو بَصيرٍ فقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، قد واللهِ أوْفى اللهُ ذِمتَك، قد رَدَدتَني إليهم ثم أنجاني اللهُ منهم، قالَ النَّبيُّ ﷺ : «وَيلُ أمِّهِ مِسعَرُ حَربٍ لو كانَ له أحَدٌ»، فلمَّا سمِعَ ذلك عرَف أنَّه سيَرُدُّه إليهم، فخرَجَ حتى أتى سَيفَ البَحرِ، قالَ: ويَنفلِتُ منهم أبو جَندَلِ بنُ سُهَيلٍ فلَحِقَ بأبي بَصِيرٍ، فجعَلَ لا يَخرُجُ من قُريشٍ رَجلٌ قد أسلَمَ إلا لحِقَ بأبي بَصِيرٍ حتى اجتمَعَت منهم عِصابةٌ، فواللَّهِ ما يَسمَعونَ بعِيرٍ خرَجَت لقُريشٍ إلى الشامِ إلا اعتَرَضوا لها فقتَلوهم وأخَذوا أموالَهم. فأرسَلَت قُريشٌ إلى النَّبيِّ ﷺ تُناشِدُه باللَّهِ والرَّحِمِ لَما أرسَلَ، فمَن أتاهُ فهو آمِنٌ، فأرسَلَ النَّبيُّ ﷺ إليهم، فأنزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤] حتى بلَغ ﴿الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ وكانَت حَمِيَّتُهم

стр. 12409

أنَّهم لم يُقِرُّوا أنَّه نَبيُّ اللَّهِ، ولم يُقِرُّوا ببسم اللَّهِ الرحمنِ الرَّحيمِ، وحالوا بينَهم وبينَ البَيتِ (١). فيَجوزُ حينَئذٍ لمَن أسلَم من الكُفارِ أنْ يَتحَيَّزوا ناحيةً ويَقتُلوا مَنْ قدِرُوا عليه من الكُفارِ ويَأخُذوا أموالَهم ولا يَدخُلوا في الصُّلحِ، وإنْ ضَمَّهم الإمامُ إليه بإذنِ الكُفارِ دَخلوا في الصُّلحِ وحرُمَ عليهم قَتلُ الكُفارِ وأموالُهم، ورُوي عن عُمرَ بنِ الخَطابِ ﵁ أنَّه لمَّا جاءَ أبو جَندَلٍ إلى النَّبيِّ ﷺ هارِبًا من الكُفارِ يَرسُفُ في قُيودِه قامَ إليه أبوه فلطَمَه وجعَلَ يَرُدُّه. قالَ عُمرُ: فقُمتُ إلى جانِبِ أبي جَندَلٍ فقُلتُ: اصبِرْ أبَا جَندَلٍ؛ فإنَّما هُمْ المُشرِكونَ وإنَّما دَمُ أحَدِهم دمُ كَلبٍ، قالَ: ويُدْني قائِمَ السَّيفِ منه، قالَ: يَقولُ: رَجَوتُ أن يَأخذَ السَّيفَ فيَضرِبَ به إيَّاه، قالَ: فضَنَّ الرَّجلُ بأبِيهِ ونَفَذت القَضيةُ (٢). وقالَ الحَنابِلةُ: فإنْ لم تَكنْ حاجَةٌ كظُهورِ المُسلِمينَ وقُوَّتِهم فلا يَصحُّ اشتِراطُ رَدِّ المُسلِمِ إليهم (٣).

стр. 12410

وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ عَقدُ الهُدنةِ على رَدِّ مَنْ جاءَ من المُسلِمينَ منهم إلينا، ممَّن لا عَشيرةَ له تَمنَعُ عنه. ويَجوزُ عَقدُها على رَدِّ مَنْ جاءَ من المُسلِمينَ منهم إلينا، ممَّن له عَشيرةٌ تَمنَعُ عنه؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ (رَدَّ أبا جَندَلٍ على أبيه سُهَيلِ بنِ عَمرٍو) والمَعنى فيه أنَّهم يَذبُّونَ عنه ويَحمُونَه ولا يَجوزُ رَدُّه إلى غيرِ عَشيرَتِه إذا طلَبَه ذلك الغيرُ؛ لأنَّهم يُؤذونَه إلا أنْ يَقدِرَ المَطلوبُ على قَهرِ الطالِبِ له والهَرَبِ منه فيُرَدُّ إليه حينَئذٍ، وعليه حُملَ (رَدُّ النَّبيِّ ﷺ أبا بَصيرٍ لمَّا جاءَ في طَلبِه رَجلانِ فقتَلَ أحدَهما في الطَّريقِ وأفلَتَ الآخَرُ) أمَّا إذا لم يُطلَبْ أحَدٌ أو لم يُشترطْ فلا يَجبُ الرَّدُّ مُطلَقًا، ومَعنى الرَّدِّ أنْ يُخلَّى بَينَه وبَينَ طالِبِه عَملًا بقَضيةِ الشَّرطِ ولا يُجبَرُ المَطلوبُ على الرُّجوعِ إلى طالِبِه؛ لأنَّ إجبارَ المُسلِمِ على الإقامةِ بدارِ الحَربِ لا يَجوزُ، وعلى هذا حُمِل رَدُّ النَّبيِّ ﷺ أبا بَصيرٍ وأبا جَندَلٍ، ولا يَلزمُ المَطلوبَ الرُّجوعُ إليه؛ لأنَّ العَهدَ لم يَجْرِ معه، ولِهذا لم يُنكِرِ النَّبيُّ ﷺ امتِناعَه ولا قَتلَه طالِبَه بل سَرَّه ما فعَل، ولو كانَ واجِبًا لأمرِه بالرُّجوعِ إلى مَكةَ، وله قَتلُ الطالِبِ دَفعًا عن نَفسِه ودِينِه لقِصةِ أبي بَصيرٍ. ولنا التَّعريضُ له بقَتلِ طالِبِه ولو بحَضرةِ طالِبِه؛ لأنَّ عُمرَ ﵁ قالَ لأبي جَندَلٍ حينَ رُدَّ إلى أبيه: «اصبِرْ أبا جَندَلٍ؛ فإنَّما هُمْ المُشرِكونَ وإنَّما دَمُ أحَدِهم كدَمِ كَلبٍ، يُعرِّضُ له بقَتلِ أبيه» لا وليسَ لنا التَّصريحُ له به، فلا يَجوزُ؛ لأنَّهم في أمانٍ، نَعمْ لو أسلَمَ واحِدٌ منهم بعدَ عَقدِ الهُدنةِ له أنْ يُصرِّحَ بذلك؛ لأنَّه لم يشتَرِطْ على نَفسِه أمانًا لهم ولا تَناوَله شَرطٌ.

стр. 12411

ولا يَجوزُ عَقدُها على رَدِّ مَنْ جاءَ من المُسلِمينَ منهم إلينا مُطلَقًا؛ لأنَّه يَدخُلُ فيه مَنْ له عَشيرةٌ ومَن لا عَشيرةَ له؛ لأنَّ مَنْ لا عَشيرةَ له يُخافُ عليه أنْ يُفتَنَ عن دِينِه؛ ولهذا تَجِبُ عليه الهِجرةُ. ومَن له عَشيرةٌ تَمنَعُ عنه لا يُخافُ عليه أنْ يُفتَنَ عن دِينِه؛ ولهذا يُستحَبُّ له أنْ يُهاجِرَ ولا يَجبُ عليه؛ والضابِطُ أنَّ كلَّ مَنْ لو أسلَمَ في دارِ الحَربِ لم تَجِبْ عليه الهِجرةُ يَجوزُ شَرطُ رَدِّه في عَقدِ الهُدنةِ. ولِهذا المَعنى: (فادَى النَّبيُّ ﷺ العُقَيليَّ بعدَ أنْ أسلَمَ برَجُلَينِ من أصحابِه)؛ لأنَّ العُقَيليَّ كانَ له عَشيرةٌ تَمنَعُ منه. ورُوِي: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أرادَ أنْ يُنفِذَ أبا بَكرٍ ﵁ إلى مَكةَ عامَ الحُدَيبيةِ، فامتنَعَ وقالَ: ليسَ لي بها رَهطٌ ولا عَشيرةٌ، وأراد أنْ يُنفِذَ عُمرَ ﵁، فقالَ مِثلَ ذلك، فأنفَذَ عُثمانَ ﵁؛ لأنَّه كانَ له بها رَهطٌ وعَشيرةٌ، وهم: بَنو أُمَيةَ، فلمَّا دخَلَ مَكةَ أكرَمُوه، واستَمَعوا إلى رِسالَتِه، وقالُوا له: إنِ اختَرتَ أنْ تَطوفَ بالبَيتِ فطُفْ، فقالَ: لا أطُوفُ حتى يَطُوفَ رَسولُ اللهِ ﷺ ، فثَاروا عليه، وهَمُّوا بقَتلِه» (١). ٤ - بَقيَّةُ الشُّروطِ إجمالًا في كلِّ مَذهبٍ: اشتَرَط الفُقهاءُ أيضًا لصِحةِ العَقدِ أنْ يَخلوَ العَقدُ من شُروطٍ مَحظورةٍ منَعَ منها الشَّرعُ قد ذكَرَها الفُقهاءُ.

стр. 12412

قالَ الحَنفيةُ: لو طلَب قَومٌ من أهلِ الحَربِ الصُّلحَ على شَرطِ أنَّ المُسلِمينَ إنِ اتَّخذوا مِصرًا في أرضِهم لم يَمنَعوهم من أنْ يُحدِثوا فيه بِيعةً أو كَنيسةً، وأنْ يُظهِروا فيه بَيعَ الخَمرِ والخِنزيرِ فلا يَنبَغي للمُسلِمينَ أنْ يُصالِحوهم على ذلك؛ لأنَّ هذا في مَعنى إعطاءِ الدَّنيَّةِ في الدِّينِ، والتِزامِ ما يَرجِعُ إلى الاستِخفافِ بالمُسلِمينَ، فلا يَجوزُ المَصيرُ إليه إلا عندَ تَحقُّقِ الحاجةِ والضَّرورةِ. فإنْ أعطاهم الإمامُ على هذا عَهدًا؛ فإنَّه لا يَنبَغي له أنْ يَفيَ بهذا الشَّرطِ؛ لأنَّه مُخالِفٌ لحُكمِ الشَّرعِ فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «كلُّ شَرطٍ ليسَ في كِتابِ اللهِ تَعالى فهو باطِلٌ»، والأصلُ فيه ما رُوي أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ صالَحَ أهلَ مَكةَ يَومَ الحُدَيبيةِ على أنْ يَرُدَّ عليهم مَنْ جاءَ منهم مُسلمًا، ثم نسَخَ اللهُ تَعالى هذا الشَّرطَ بقَولِه: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ فصار هذا أصلًا أنَّ الصُّلحَ متى وقَعَ على شُروطٍ منها الجائِزُ الذي يُمكِنُ الوَفاءُ به، ومنها الفاسِدُ الذي لا يُمكِنُ الوَفاءُ به؛ فإنَّ الإمامَ يَنْظُرُ إلى الجائِزِ فيُجيزُه، وإلى الفاسِدِ فيُبطِلُه. ألَا تَرى أنَّهم لو شرَطوا في الصُّلحِ إظهارَ الزِّنا واستِئجارَ الزَّواني عَلانيةً، لا يَجوزُ الوَفاءُ لهم بهذا الشَّرطِ، بل يُقامُ الحَدُّ على مَنْ يَثبُتُ عليه الزِّنا منهم، فكذلك ما سبَقَ (١). وقالَ المالِكيةُ: يُشترطُ في عَقدِ الهُدنةِ أنْ يَخلوَ من شَرطٍ فاسِدٍ وإلا لم يَجزْ:

стр. 12413

كشَرطِ بَقاءِ مُسلمٍ أسيرًا بأيدِيهم. أو بَقاءِ قَريةٍ للمُسلِمينَ خاليةً منهم. أو أنْ يَحكُموا بينَ مُسلمٍ وكافرٍ. ونَحوِ ذلك من الشُّروطِ الفاسِدةِ. أو أنْ يَأخُذوا منَّا مالًا إلا لخَوفٍ منهم فيَجوزُ كلُّ ما مُنِع (١). وقالَ الشافِعيَّة: لا يَجوزُ للإمامِ أنْ يَعقِدَ الهُدنةَ على شُروطٍ مَحظورةٍ قد منَعَ الشَّرعُ منها. فمِنها: أنْ يُهادِنَهم على مالٍ يَحمِلُه إليهم، فهو مَحظورٌ لما قَدَّمناه. ومنها: أنْ يُهادِنَهم على خَراجٍ يَضرِبونه على بِلادِ الإسلامِ. ومنها: أنْ يُهادِنَهم على رَدِّ ما غُنِم من سَبيِ ذَراريِّهم؛ لأنَّها أموالٌ مَغنومةٌ؛ فإنْ قيلَ: فقد رَدَّ رَسولُ اللهِ ﷺ سَبيَ هَوازِنَ عليهم. قيلَ: إنَّما رَدَّهم عليهم بعدَ إسلامِهم عن طيبِ نَفسٍ منه تَفضُّلًا عليهم، فخالَفَ التِزامَه للمُشرِكينَ عن عَقدٍ. ومنها: أنْ يُهادِنَهم على دُخولِ الحَرمِ أو استِيطانِ الحِجازِ، فلا يَجوزُ. ومنها: أنْ يُهادِنَهم على تَركِ قِتالِهم على الأبَدِ، لما فيه مِنْ تَعطيلِ الجِهادِ. ومنها: أنْ يُهادِنَهم، وليسَ به حاجةٌ إلى مُهادَنتِهم؛ لقُوَّتِه عليهم وعَدمِ النَّفعِ بمُهادَنتِهم.

стр. 12414

ومنها: أنْ يُهادِنَهم أكثَرَ من عَشرِ سِنينَ، وإنْ كانَ مُحتاجًا إليها. ومنها: أنْ يُهادِنَهم على إظهارِ مَناكيرِهم في بِلادِنا من صُلبانِهم وخُمورِهم وخَنازيرِهم. ومنها: أنْ يُهادِنَهم على إسقاطِ الجِزيةِ عمَّن أقامَ في دارِ الإسلامِ منهم. ومنها: أنْ يُهادِنَهم على تَعشيرِ أموالِنا إذا دخَلنا إليهم. ومنها: أنْ يُهادِنَهم على ألَّا نَستنقِذَ أسْرانا منهم. ومنها: أنْ يُهادِنَهم على ما شَاؤوا، وهو لا يَصحُّ؛ لأنَّه يَجعَلَ الكُفارَ مُحكَّمينَ على المُسلِمينَ، وقد قالَ النَّبيُّ ﷺ : «الإسلامُ يَعلو ولا يُعلَى». ومنها: ألَّا يَرُدَّ مَنْ جاءَنا منهم إلينا وهو صَبيٌّ سَواءٌ طلَبَه أبوه الكافِرُ أو لا، إذا وصَفَ الإسلامَ، وكذا لا يُرَدُّ من جاءَنا منهم وهو مَجنونٌ ذَكرًا كانَ أو أُنثى، وكذا لا يُرَدُّ عَبدٌ مُسلِمٌ بالِغٌ عاقِلٌ، فهذه وما شاكَلَها مَحظورةٌ، قد منَعَ الشَّرعُ منها، فلا يَجوزُ اشتِراطُها في عَقدِ الهُدنةِ. فإنْ شُرِطت بطَلَت، ووجَبَ على الإمامِ نَقضُها؛ ولا تَبطُلُ الهُدنةُ، وإنْ كانَت شَرطًا فيها؛ لأنَّها ليسَت كالبُيوعِ من عُقودِ المُعاوَضاتِ التي تَبطُلُ بفَسادِ الشَّرطِ؛ لما يُؤدِّي إليه من جَهالةِ الثَّمنِ، وليسَت بأوكَدَ في عُقودِ المُناكَحاتِ التي لا تَبطُلُ بفَسادِ المَهرِ. ولا يَلزمُ الإمامَ أنْ يُعلِمَهم ببُطلانِ الشُّروطِ قبلَ مُطالَبتِهم بها؛ فإنْ طالَبوه بالتِزامِها أعلَمَهم حينَئذٍ ببُطلانِها في شَرعِنا، وأنَّه لا يَجوزُ لنا

стр. 12415

العَملُ بها؛ فإنْ دَعَوه إلى نَقضِ الهُدنةِ نقَضَها، إلا أنْ يَخافَ منهم الاصطِلامَ، فيَجوزَ للضَّرورةِ أنْ يَلتزِمَها ما كانَ على ضَرورَتِه كما قُلنا في بَذلِ المالِ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: يُشترطُ لصِحةِ عَقدِ الهُدنةِ أنْ يَخلُوَ العَقدُ من الشُّروطِ الفاسِدةِ. كشَرطِ نَقضِها لمَن شاءَ منهما فلا يَصحُّ ذلك؛ لأنَّه يُفضي إلى ضِدِّ المَقصودِ منها. وكذا إنْ قالَ: هادَنتُكم ما شِئتُم لم يَصحَّ؛ لأنَّه جعَلَ الكُفارَ مُتحكِّمين على المُسلِمينَ. وكذا إنْ قالَ: ما شِئْنا أو شاءَ فُلانٌ، أو شرَط ذلك لنفسِه دونَهم لم يَجزْ أيضًا لأنَّه يُنافي مُقتَضى العَقدِ فلم يَصحَّ كما لو شرَط ذلك في البَيعِ والنِّكاحِ. أو شرَط رَدَّ النِّساءِ المُسلِماتِ كما تَقدَّمَ مُفصَّلًا. أو شرَط ردَّ صَداقِهِنَّ بطَلَ الشَّرطُ لمُنافاتِه مُقتَضى العَقدِ، وأمَّا قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ فقالَ قَتادةُ: نُسخَ. وقالَ عَطاءٌ والزُّهريُّ والثَّوريُّ: لا يُعمَلُ بها اليَومَ، إنَّما نزَلَت في قَضيةِ الحُدَيبيةِ حينَ كانَ النَّبيُّ ﷺ شرَطَ ردَّ مَنْ جاءَه مُسلمًا.

стр. 12416

أو شرَط رَدَّ صَبيٍّ عاقِلٍ؛ لأنَّه بمَنزِلةِ المَرأةِ في ضَعفِ العَقلِ والعَجزِ عن التَّخلُّصِ والهَربِ. أو شرَط رَدَّ الرِّجالِ المُسلِمينَ مع عَدمِ الحاجةِ إليه. أو شرَط رَدَّ سِلاحِهم أو إعطاءَهم شَيئًا من سِلاحِنا أو من آلاتِ الحَربِ. أو شرَطَ لهم مالًا مِنَّا في مَوضِعٍ لا يَجوزُ بَذلُه فيه. أو شرَطَ إدخالَهم الحرَم؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]. فإنْ وقَعَ شَيءٌ من هذه الشُّروطِ الفاسِدةِ بطَلَ الشَّرطُ فلا يَجبُ الوَفاءُ به ولا يَجوزُ الوَفاءُ به لمُنافاتِه مُقتَضى العَقدِ دونَ العَقدِ فيَصحُّ وكذا عَقدُ الذِّمةِ كالشُّروطِ الفاسِدةِ في البَيعِ. وأمَّا الطِّفلُ الذي لا يَصحُّ إسلامُه وهو مَنْ دونَ التَّمييزِ فيَجوزُ شَرطُ رَدِّه؛ لأنَّه ليسَ بمُسلمٍ شَرعًا. ومتى وقَعَ العَقدُ للهُدنةِ باطِلًا دخَلَ ناسٌ من الكُفارِ العاقِدين له دارَ الإسلامِ مُعتقِدينَ الأمانَ كانُوا آمِنينَ ويرَدُّونَ إلى دارِ الحَربِ ولا يَقِرُّونَ في دارِ الإسلامِ لبُطلانِ الأمانِ (١).

стр. 12417

شَرطُ رَدِّ مَنِ ارتَدَّ من المُسلِمينَ: نَصَّ الشافِعيةُ على أنَّه لو شرَط الإمامُ عليهم في عَقدِ الهُدنةِ أنْ يَرُدُّوا مَنْ جاءَهم مُرتَدًّا منَّا لزِمَهم الوَفاءُ بالشَّرطِ عَملًا بالتِزامِهم، عَبدًا كانَ أو حُرًّا، ذكَرَا كانَ أو أُنثى؛ فإنْ أبَوْا فقد نقَضُوا العَهدَ لمُخالَفتِهم الشَّرطَ. والأظهَرُ أنَّه يَجوزُ شَرطُ ألَّا يَرُدُّوا مَنْ جاءَهم مُرتَدًّا من الرِّجالِ والنِّساءِ؛ لأنَّ المُشرِكينَ اشتَرطوا عليه ﷺ في صُلحِ الحُدَيبيةِ: أنَّ من جاءَ منكم لم نَرُدَّه عليكم، ومَن جاءَكم منَّا ردَدتُموه علينا، فقالُوا: يا رَسولَ اللَّهِ، أنَكتُبُ هذا؟ قالَ: «نَعمْ، إنَّه مَنْ ذهَبَ منَّا إليهم فأبعَدَه اللهُ، ومَن جاءَنا منهم سيَجعَلَ اللهُ له فرَجًا ومَخرَجًا» (١). وحينَئذٍ لا يَلزمُهم الرَّدُّ، وكذا إنْ أُطلِق العَقدُ لا يَلزمُهم الرَّدُّ، ولكنْ يُغرَّمون مَهرَ المُرتَدةِ؛ لأنَّهم فَوَّتوا علينا الاستِتابةَ الواجِبةَ علينا؛ وأيضًا المانِعُ جاءَ من جِهتِها والزَّوجُ غيرُ مُتمكِّنٍ منها، بخِلافِ المُسلِمةِ، فالزَّوجُ مُتمكِّنٌ منها بالإسلامِ. وكذلك يُغرَّمونَ قيمةَ الرَّقيقِ المُرتَدِّ. ويُغرَّمُ الإمامُ لزَوجِ المُرتَدةِ ما أنفَقَ من صَداقِها؛ لأنَّا بعَقدِ الهُدنةِ حُلْنا بينَه وبينَها ولولاه لقاتَلْناهم حتى يَرُدُّوها. والثانِي وهو مُقابِلُ الأظهَرِ: المَنعُ، بل لا بدَّ من استِردادِه لإقامةِ حُكمِ المُرتَدِّينَ عليه لإعلاءِ الإسلامِ.

стр. 12418

وقالَ الماوَرديُّ ﵀: الصَّحيحُ عندي صِحةُ الشَّرطِ في الرِّجالِ دونَ النِّساءِ؛ لأنَّ الأبضاعَ يُحتاطُ لها (١). حُكمُ عَقدِ الهُدنةِ هل يَلزمُ الوَفاءُ به أو يَجوزُ للإمامِ فَسخُه متى شاءَ؟ اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ عَقدِ الهُدنةِ هل هو عَقدٌ لازِمٌ إذا وقَعَ يَلزمُ الوَفاءُ به أو عَقدٌ جائِزٌ يَجوزُ للإمامِ أنْ يَفسَخَه متى شاءَ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ عَقدَ المُوادَعةِ غيرُ لازِمٍ، مُحتمِلٌ للنَّقضِ فلِلإمامِ أنْ يَنبِذَ إليهم إذا رأى القِتالَ أصلَحَ، وذلك بأنْ يُعلِمَهم أنَّه رجَعَ وفسَخ العَهدَ الذي بينَهم وبينَه؛ لأنَّ المُعتبَرَ المَصلَحةُ على ما بيَّنَّا، فإذا تَبدَّلت يَصيرُ النَّبذُ جِهادًا، وتَركُ النَّبذِ وإيفاءُ العَهدِ تَركُ الجِهادِ صُورةً ومَعنًى، ولا بدَّ من النَّبذِ تَحرُّزًا عن الغَدرِ المَنهيِّ عنه، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨]، وقد قالَ ﷺ في العُهودِ: «وَفاءٌ لا غَدرٌ» (٢) فإذا وصَلَ النَّبذُ إلى مَلِكِهم فلا بأسَ للمُسلِمينَ أنْ يَغزوا عليهم؛ لأنَّ المَلِكَ يُبلِغُ قَومَه ظاهِرًا إلا إذا استَيقَنَ المُسلِمونَ أنَّ خبَرَ النَّبذِ لم يَبلُغْ قَومَه ولم يَعلَموا به فلا أُحبُّ أنْ يَغزوا عليهم؛ لأنَّ الخبَرَ إذا لم يَبلُغْهم فهم على حُكمِ الأمانِ الأولِ، فكانَ قِتالُهم منَّا غَدرًا وتَغريرًا.

стр. 12419

وكذلك إذا كانَ النَّبذُ من جِهَتِهم بأنْ أرسَلوا إلينا رَسولًا بالنَّبذِ وأخبَروا الإمامَ بذلك فلا بأسَ للمُسلِمينَ أنْ يَغزوا عليهم لما قُلنا إلا إذا استَيقَن المُسلِمونَ أنَّ أهلَ ناحيةٍ منهم لم يَعلَموا بذلك لما بيَّنَّا. ولو وادَعَ الإمامُ على جُعلٍ أخَذَه منهم ثم بَدا له أنْ يَنقُضَ فلا بأسَ به لما بيَّنَّا أنَّه عَقدٌ غيرُ لازِمٍ فكانَ مُحتمِلًا للنَّقضِ ولكنْ يَبعَثَ إليهم بحِصةِ ما بَقيَ من المُدةِ من الجُعلِ الذي أخَذَه؛ لأنَّهم إنَّما أعطَوْه ذلك بمُقابَلةِ الأمانِ في كلِّ المُدةِ فإذا فاتَ بَعضُها لزِمَ الرَّدُّ بقَدْرِ الفائِتِ. هذا إذا وقَعَ الصُّلحُ على أنْ يَكونوا مُستَبقِينَ أحكامَ الكُفرِ، فأمَّا إذا وقَعَ الصُّلحُ على أنَّه يَجري عليهم أحكامُ الإسلامِ فهو لازِمٌ لا يَحتمِلُ النقضَ؛ لأنَّ الصُّلحَ الواقِعَ على هذا الوَجهِ عَقدُ ذِمةٍ فلا يَجوزُ للإمامِ أنْ يَنبِذَ إليهم (١). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه إذا تمَّ عَقدُ الهُدنةِ ولم يَنبِذْه الكُفارُ ولم يُشترطْ فيه شَرطٌ مُبطِلٌ له أنَّه يَلزمُ إمامَ المُسلِمينَ أنْ يُوَفِّيَ لهم بعَهدِهم إلى انقِضاءِ مُدَّتِها. لِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، ولقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤]، وقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧].

стр. 12420

وعن سُلَيمِ بنِ عامِرٍ قالَ: كانَ بينَ مُعاويةَ وبينَ الرُّومِ عَهدٌ، وكانَ يَسيرُ نَحوَ بِلادِهم حتى إذا انقَضى العَهدُ غَزاهم، فجاءَ رَجلٌ على فَرسٍ أو بِرذَونٍ وهو يَقولُ: اللهُ أكبَرُ اللهُ أكبَرُ، وَفاءٌ لا غَدرٌ. فنظَروا فإذا عَمرُو بنُ عَبَسةَ. فأرسَلَ إليه مُعاويةُ فسَألَه، فقالَ: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «مَنْ كانَ بَينَه وبَينَ قَومٍ عَهدٌ فلا يَشُدَّ عُقدةً ولا يَحُلَّها حتى يَنقَضيَ أمَدُها أو يَنبِذَ إليهم على سَواءٍ» فرجَعَ مُعاويةُ (١). وإذا عَقَد الإمامُ الهُدنةَ، ثم ماتَ أو عُزِل، ثم وَلي إمامٌ بعدَه وجَبَ عليه الوَفاءُ بما عقَده الإمامُ قَبلَه؛ لما رُوِيَ: أنَّ نَصارى نَجرانَ قالُوا لعَليٍّ ﵁: إنَّ الكِتابَ بيَدَيْك، والشَّفاعةَ إليكَ، وإنَّ عُمرَ قد أجْلَانا من أرضِنا، فرُدَّنا إليها، فقالَ علِيٌّ: «إنَّ عُمرَ كانَ رَشيدًا في أمرِه، وإنِّي لا أُغيِّرُ أمرًا فعَلَه عُمرُ». ولأنَّ الأولَ فعَلَه باجتِهادِه، فلم يَجزْ لمَن بعدَه نَقضُه باجتِهادِه كما لا يَنقُضُ حاكِمٌ حُكمَ غيرِه باجتِهادِه لكنْ إذا رأى الإمامُ الثانِي العَقدَ فاسِدًا؛ فإنْ كانَ فَسادُه بطَريقِ الاجتِهادِ لم يَفسَخْه، وإنْ كانَ بنَصٍّ أو إجماعٍ فسَخَه (٢).

стр. 12421

ما يَلزمُ الإمامَ فِعلُه إذا عقَد الهُدنةَ: إذا عقَد الإمامُ الهُدنةَ لقَومٍ من المُشرِكينَ فعليه أنْ يَمنعَ عنهم كلَّ من قصَدهم من المُسلِمينَ وأهلِ الذِّمةِ؛ لأنَّ عَقدَ الهُدنةِ اقتَضى ذلك. ويَجبُ على المُسلِمينَ وأهلِ الذِّمةِ ضَمانُ ما أتلَفوه عليهم من نَفسٍ ومالٍ، والتَّعزِيرُ بقَذفِهم. ولا يَجبُ على الإمامِ أنْ يَمنعَ بَعضَهم من بَعضٍ، وألا يَمنعَ عنهم أهلَ الحَربِ؛ لأنَّ الهُدنةَ لم تُعقَدْ على حِفظِهم، وإنَّما عُقِدت على تَركِ قِتالِهم، بخِلافِ أهلِ الذِّمةِ؛ فإنَّهم قد التَزَموا أحكامَ المُسلِمينَ، فلذلك وجَبَ على الإمامِ مَنعُ كلِّ مَنْ قصَدهم، وهؤلاء لم يَلتزِموا أحكامَ المُسلِمينَ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ أغارَ عليهم قَومٌ آخَرونَ فسَبَوْهم لم يَلزمْه استِنقاذُهم، وليسَ لمُسلِمينَ شِراؤُهم؛ لأنَّهم في عَهدِهم، فلا يَجوزُ لهم أذاهم ولا استِرقاقُهم، وذكَرَ الشافِعيُّ ما يَدلُّ على هذا، ويَحتمِلُ جَوازَ ذلك، وهو مَذهبُ أبي حَنيفةَ؛ لأنَّه لا يَجبُ أنْ يَدفَعَ عنهم فلا يَحرُمُ استِرقاقُهم بخِلافِ أهلِ الذِّمةِ، فعلى هذا إنِ استَولى المُسلِمونَ على الذين أسَروهم وأخَذُوا أموالَهم فاستَنقَذوا ذلك منهم لم يَلزمْ رَدُّه إليهم على هذا القَولِ، ومُقتَضى القَولِ الأولِ وُجوبُ رَدِّه كما تُرَدُّ أموالُ أهلِ الذِّمةِ إليهم (١).

стр. 12422

ما يَلزمُ أهلَ الكُفرِ فِعلُه إذا تمَّت الهُدنةُ: نَصَّ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّه يَجبُ على أهلِ الكُفرِ أنْ يَلتزِموا بأَحكامِها وأنَّ عَقدَ الهُدنِة يَقتَضي أمانَ المُسلِمينَ في النَّفسِ والمالِ والعِرضِ. قالَ الشافِعيةُ: الهُدنةُ تَقتَضى أمانَ المُسلِمينَ في النَّفسِ والمالِ والعِرضِ فلزِمَهم ما يَجبُ في ذلك، ومَن شَربَ منهم الخَمرَ أو زَنَى لم يَجبْ عليه الحَدُّ؛ لأنَّه حقٌّ للهِ تَعالى ولم يَلتزِمْ بالهُدنةِ حُقوقُ اللهِ تَعالى؛ فإنْ سرَقَ مالًا لمُسلمٍ ففيه قَولانِ: أحدُهما: أنَّه لا يَجبُ عليه القَطعُ؛ لأنَّه حَدٌّ خالِصٌ للهِ تَعالى فلَم يَجبْ عليه كحَدِّ الشُّربِ والزِّنا. والثانِي: أنَّه يَجبُ عليه؛ لأنَّه حَدٌّ يَجبُ لصيانةِ حَقِّ الآدَميِّ فوجَبَ عليه كحَدِّ القَذفِ. ويَجبُ عليهم الكَفُّ عن قَبيحِ القَولِ والعَملِ في حَقِّ المُسلِمينَ وبَذلُ الجَميلِ منهما، فلو كانُوا يُكرِمون المُسلِمينَ فصاروا يُهينونهم أو يُضيِّفون النَّزيلَ ويَصِلونَهم فصاروا يَقطَعونَهم أو يُعظِّمونَ كِتابَ الإمامِ فصاروا يَستخِفُّون به أو نقَصوا عما كانُوا يُخاطَبونَ به سألَهم الإمامُ عن سَببِ فِعلِهم؛ فإنِ اعتذَروا بما يَجوزُ قَبولُ مِثلِه قَبِله، وإنْ لم يَذكُروا عُذرًا أمَرَهم

стр. 12423

بالرُّجوعِ إلى عادَتِهم؛ فإنِ امتَنَعوا أعلَمَهم بنَقضِ الهُدنةِ ونقَضَها (١). وقالَ الحَنابِلةُ: يَلزمُ أهلَ الهُدنةِ أمانُ المُسلِمينَ منهم في النَّفسِ والمالِ والعِرضِ فمَن أتلَفَ منهم شَيئًا على مُسلمٍ فعليه ضَمانُه، وإنْ قتَلَه فعليه القِصَاصُ وإنْ قذَفه فعليه الحَدُّ؛ لأنَّ الهُدنةَ تَقتَضي أمانَ المُسلِمينَ منهم وأمانَهم من المُسلِمينَ في النَّفسِ والمالِ والعِرضِ فلزِمَهم ما يَجِب في ذلك. ومَن شرِبَ منهم خَمرًا أو زَنَى لم يُحَدَّ؛ لأنَّه حقٌّ للهِ تَعالى ولمْ يُلزِمُوه بالهُدنةِ. وإنْ سرَق مالَ مُسلمٍ ففيه وَجهانِ: أحدُهما: لا يُقطَعُ؛ لأنَّه حَدٌّ خالِصٌ للهِ تَعالى أشبَهَ حَدَّ الزِّنا. والثانِي: يُقطَعُ، وهو الصَّحيحُ؛ لأنَّه يَجبُ صِيانةً لحَقِّ الآدَميِّ فهو كحَدِّ القَذفِ. لكنْ يُقتَل إنْ زَنا بمُسلِمةٍ، ومِثلُه لِواطٌ بمُسلمٍ لنَقضِ العَهدِ. ويَجوزُ قَتلُ رَهائِنِهم إنْ قتَلوا رَهائِنَنا (٢). إذا انقَضَت المُدةُ هل يَجوزُ للإمامِ أنْ يَغزوهم؟ قالَ عامةُ الفُقهاءِ: إذا كانَ عَقدُ الهُدنةِ مُوقَّتًا بوَقتٍ مَعلومٍ يَنتَهي العَهدُ بانتِهاءِ الوَقتِ من غيرِ الحاجةِ إلى النَّبذِ حتى كانَ للمُسلِمينَ أنْ يَغزوا

стр. 12424

عليهم؛ لأنَّ العَقدَ المُؤقَّتَ إلى غايةٍ يَنتَهي بانتِهاءِ الغايةِ من غيرِ الحاجةِ إلى الناقِضِ ولو كانَ واحِدٌ منهم دخَلَ الإسلامَ بالمُوادَعةِ المُؤقَّتةِ فمَضى الوَقتُ وهو في دارِ الإسلامِ فهو آمِنٌ حتى يَرجِعَ إلى مَأمَنِه؛ لأنَّ التَّعرُّضَ له يُوهِمُ الغَدرَ والتَّغريرَ فيَجبُ التَّحرُّزُ عنه ما أمكَنَ (١). إلا أنَّه لا يَخرجُ إليهم إلا بعدَ انتِهائِها لما رَوى أبو داودَ وغيرُه عن سُلَيمِ بنِ عامِرٍ قالَ: كانَ بينَ مُعاويةَ وبينَ الرُّومِ عَهدٌ، وكانَ يَسيرُ نَحوَ بِلادِهم حتى إذا انقَضى العَهدُ غَزاهم، فجاءَ رَجلٌ على فَرسٍ أو بِرذَونٍ وهو يَقولُ: اللهُ أكبَرُ اللهُ أكبَرُ، وَفاءٌ لا غَدرٌ. فنظَروا فإذا عَمرُو بنُ عَبَسةَ. فأرسَلَ إليه مُعاويةُ فسَألَه، فقالَ: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «مَنْ كانَ بَينَه وبَينَ قَومٍ عَهدٌ فلا يَشُدَّ عُقدةً ولا يَحُلَّها حتى يَنقَضيَ أمَدُها أو يَنبِذَ إليهم على سَواءٍ» فرجَعَ مُعاويةُ (٢). متى يَجوزُ للإمامِ أنْ يَنقُضَ العَقدَ؟ اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الإمامَ إذا خافَ خيانَتَهم بظُهورِ أمارةٍ تَدلُّ على الخَوفِ لا بمُجرَّدِ الوَهمِ فله نَبذُ عَهدِهم إليهم؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٨] أباحَ اللهُ لرَسولِه إذا تَوقَّع من أعدائِه غائِلةً من مَكرٍ، أنْ يَنبِذَ إليهم على سَواءٍ، حتى لا يَقولَ المُبطِلُ: إنَّكَ نقَضتَ العَهدَ بنَصبِ الحَربِ.

стр. 12425

وعليه أنْ يُعلِمَهم بأنَّه يُريدُ أنْ يَغزُوَهم، وأنَّ الصُّلحَ الذي كانَ بينَهم قد ارتفَع، فيَكونَ الفَريقانِ في ذلك على السَّواءِ. ولا يَجوزُ أنْ يَبدأَهم بقِتالٍ ولا غارةٍ قبلَ إعلامِهم بنَقضِ العَهدِ للآيةِ ولأنَّهم آمِنونَ بحُكمِ العَهدِ فلا يَجوزُ قَتلُهم ولا أخذُ مالِهم. ولا تُنتقَضُ الهُدنةُ إلا أنْ يَحكُمَ الإمامُ بنَقضِها؛ لقَولِه : ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]، ولأنَّ نقضَها لخَوفِ الخِيانةِ، وذلك يَفتقِرُ إلى نَظرٍ واجتِهادٍ فافتَقَر إلى الحاكِمِ. فإنْ قيلَ: كيف يَجوزُ نَقضُ العَهدِ مع خَوفِ الخِيانةِ والخَوفُ ظَنٌّ لا يَقينَ معه فكيف يَسقُطُ يَقينُ العَهدِ بظَنِّ الخِيانةِ؟ فعنه جَوابانِ: أحدُهما: أنَّ الخَوفَ ههنا بمَعنى اليَقينِ كما يأتي الرَّجاءُ بمَعنى العِلمِ كقَولِه: ﴿لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]. الثانِي: أنَّه إذا ظهَرَت آثارُ الخِيانةِ وثبَتَت دَلائِلُها وجَبَ نَبذُ العَهدِ لئلَّا يُوقِعَ التَّمادي عليه في الهَلكةِ، وجازَ إسقاطُ اليَقينِ ههنا بالظَّنِّ للضَّرورةِ، وإذا كانَ العَهدُ قد وقَعَ فهذا الشَّرطُ عادةً وإنْ لم يُصرَّحَ به لفظًا إذْ لا يُمكِنُ أكثَرُ من هذا (١).

стр. 12426

حُكمُ نَقضِ العَهدِ من الكُفارِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الكُفارَ إذا نقَضُوا العَهدَ انتقَضَت هُدنَتُهم فيَجوزُ للإمامِ غَزوُهم وقِتالُهم ولم يَكنْ فاعِلُه في ذلك مَذمومًا استِدلالًا بالكِتابِ والسُّنةِ، فأمَّا الكِتابُ فقَولُه : ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧] فدلَّ على أنَّهم إذا لمْ يَستَقيموا لنا لمْ نَستَقِمْ لهم، ولقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٤] فدلَّ على: أنَّهم إذا ظاهَروا علينا لم نُتِمَّ لهم عَهدَهم إلى مُدَّتِهم. وأمَّا السُّنةُ فقد كانَ النَّبيُّ ﷺ عاقَدَ قُرَيشًا بالحُدَيبيةِ، فلمَّا نقَضَت قُريشٌ العَهدَ سارَ إليهم عامَ فَتحِ مَكةَ (١). ما يَنتقِضُ به العَهدُ: الذي يَنتقِضُ به نَوعانِ، نَصٌّ ودِلالةٌ. فالنَّصُّ: هو النَّبذُ من الجانبَيْن صَريحًا، وهذا مُتفَقٌ عليه بينَ الفُقهاءِ. وأمَّا الدِّلالةُ فهي أنْ يُوجَدَ منهم ما يَدلُّ على النَّبذِ وهو ما يَلي:

стр. 12427

١ - أنْ يُظاهِروا على المُسلِمينَ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الكُفارَ إذا ظاهَروا على المُسلِمينَ وعاوَنوا علينا عَدوًّا لنا فقد انتقَضَ عَهدُهم سَواءٌ ظاهَروا سِرًّا أو جَهرًا. لقَولِه : ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧] فدلَّ على أنَّهم إذا لمْ يَستَقيموا لنا لمْ نَستَقِمْ لهم؛ لقَولِه : ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٤] فدلَّ على أنَّهم إنْ ظاهَروا علينا أحَدًا لم نُتِمَّ إليهم عَهدَهم. ولأنَّ الهُدنةَ تَقتَضي الكَفَّ عنا فانتُقِضت بتَركِه ولا يَفتقِرُ نَقضُها إلى حُكمِ الإمامِ بنَقضِها؛ لأنَّ الحُكمَ إنَّما يُحتاجُ إليه في أمرٍ مُحتمَلٍ، وما تَظاهَروا به لا يَحتمِلُ غيرَ نَقضِ العَهدِ. وقد غَزا النَّبيُّ ﷺ أهلَ مَكةَ بعدَ الهُدنةِ من غيرِ أنْ يَنبِذَ إليهم؛ لأنَّهم كانُوا نقَضُوا العَهدَ بمُعاوَنتِهم بَني كِنانةَ على قِتالِ خُزاعةَ، وكانُوا حُلفاءَ للنَّبيِّ ﷺ ، ولذلك جاءَ أبو سُفيانَ إلى المَدينةِ يَسألُ النَّبيَّ ﷺ تَجديدَ العَهدِ بينَه وبينَ قُريشٍ فلم يُجِبْه النَّبيُّ ﷺ إلى ذلك، فمِن أجلِ ذلك لم يَحتَجْ إلى النَّبذِ إليهم إذْ كانُوا قد أظهَرُوا نقضَ العَهدِ بنَصبِ الحَربِ لحُلَفاءِ النَّبيِّ ﷺ . ولأنَّه كانَ مِنْ هَديِهِ وسُنَّتِه ﷺ إذا صالَحَ قَومًا وعاهَدَهم فانضافَ إليهم عَدوٌّ له سِواهم فدَخلوا معهم في عَقدِهم وانضافَ إليه قَومٌ

стр. 12428

آخَرونَ فدخَلوا معه في عَقدِه صارَ حُكمُ مَنْ حارَبَ مَنْ دخَلَ معه في عَقدِه مِنْ الكُفارِ حُكمَ مَنْ حارَبَه، وبهذا السَّببِ غَزا أهلَ مَكةَ؛ فإنَّه لمَّا صالَحَهم على وَضعِ الحَربِ بينَهم وبَينَه عَشرَ سِنينَ تَواثَبتْ بَنو بَكرِ بنِ وائِلٍ فدخَلَت في عَهدِ قُريشٍ وعَقدِها، وتَواثَبتْ خُزاعةُ فدخَلَت في عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وعَقدِه، ثم عدَت بَنو بَكرٍ على خُزاعةَ فبيَّتَتْهم وقتَلَت منهم وأعانَتْهم قُريشٌ في الباطِنِ بالسِّلاحِ، فعدَّ رَسولُ اللهِ ﷺ قُرَيشًا ناقِضينَ للعَهدِ بذلك واستَجازَ غَزوَ بَني بَكرِ بنِ وائِلٍ لتَعدِّيهم على حُلَفائِه. وبهذا أفتَى شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ بغَزوِ نَصارى المَشرِقِ لمَّا أعانوا عَدوَّ المُسلِمينَ على قِتالِهم فأمَدُّوهم بالمالِ والسِّلاحِ وإنْ كانُوا لم يَغزُونا ولم يُحارِبونا ورآهم بذلك ناقِضينَ للعَهدِ كما نقَضَت قُريشٌ عَهدَ النَّبيِّ ﷺ بإعانَتِهم بَني بَكرِ بنِ وائِلٍ على حَربِ حُلفائِه فكيفَ إذا أعانَ أهلُ الذِّمةِ المُشرِكينَ على حَربِ المُسلِمينَ. وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: ثم نقَضَ بعضُ قُريشٍ ولم يُنكِرْ عليه غيرُه إنكارًا يُعتَدُّ به عليه ولم يَعتزِلْ دارَه فغَزاهم رَسولُ اللهِ ﷺ عامَ الفَتحِ مُخفِيًّا وَجهَه ليُصيبَ منهم غِرةً (١).

стр. 12429

٢ - أنْ يُقاتِلوا المُسلِمينَ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ أهلَ الهُدنةِ والصُّلحِ من الكُفارِ إذا قاتَلُوا المُسلِمينَ انتقَضَ عَهدُهم إذا كانَ بإذنِ الإمامِ، أو قاتَلْنا جَماعةٌ من الكُفارِ وعلِمَ إمامُهم بهذا. فإنْ خرَجَ جَماعةٌ منهم لقِتالِنا ففيه تَفصيلٌ بينَ المَذاهبِ. قالَ الحَنفيةُ: إنْ خرَجَ قَومٌ من دارِ المُوادَعةِ بإذنِ الإمامِ وقطَعوا الطَّريقَ في دارِ الإسلامِ انتقَضَ عَهدُهم؛ لأنَّ إذْنَ الإمامِ بذلك دِلالةُ النَّبذِ. ولو خرَجَ قَومٌ من غيرِ إذنِ الإمامِ فقطَعوا الطَّريقَ في دارِ الإسلامِ؛ فإنْ كانُوا جَماعةً لا مَنَعةَ لهم لا يَكونُ ذلك نَقضًا للعَهدِ؛ لأنَّ قَطعَ الطَّريقِ بلا مَنَعةٍ لا يَصلُحُ دِلالةً للنَّقضِ؛ لأنَّ هؤلاء غيرُ مُمتنِعينَ، ولأنَّ أصحابَهم بصُنعِ هؤلاء غيرُ رَاضينَ، ألَا تَرى أنَّه لو نَصَّ واحِدٌ منهم على النَّقضِ لا يَنتقِضُ كما في الأمانِ المُؤبَّدِ وهو عَقدُ الذِّمةِ. وإنْ كانُوا جَماعةً لهم مَنَعةٌ فخرَجُوا وفعَلوا ذلك في دارِ الإسلامِ عَلانيةً بغيرِ أمرٍ مِنْ مَلِكِهم وأهلِ مَملَكتِه فهؤلاء ناقِضونَ للعَهدِ؛ لأنَّه ليسَت فائِدةُ العَهدِ إلا تَركَ القِتالِ، فإذا جاهَروا بالقِتالِ مُتقرِّرينَ بمَنَعتِهم كانُوا ناقِضينَ بمُباشَرتِهم ضِدَّ ما هو مُوجِبٌ للمُوادَعةِ. فأمَّا المَلِكُ وأهلُ مَملكتِه فهُم على مُوادَعتِهم؛ لأنَّهم ما باشَروا سَببَ نَقضِها ولا رَضُوا بصَنيعِ هؤلاء، فلا يُؤخَذونَ بذَنبِ غيرِهم، وإنْ كانُوا خرَجُوا بإذنِ مَلِكِهم فقد نقَضُوا جَميعًا العَهدَ، فلا بأسَ بقَتلِهم وسَبْيِهم

стр. 12430

حيثُما وُجِدوا؛ لأنَّ فِعلَهم بإذنِ المَلكِ كفِعلِ المَلكِ بنَفسِه. وأهلُ المَملكةِ تَبَعٌ للمَلِكِ في المُوادَعةِ والمُقاتَلَةِ لانقيادِهم له ورِضاهم بكَونِه رأسَهم، فإذا صار هو ناقِضًا للعَهدِ صار أهلُ المَملكةِ ناقِضينَ للعَهدِ تَبعًا له، سَواءٌ عَلِموا بما صنَع مَلِكُهم أو لم يَعلَموا إلَّا رَجلًا خرَجَ إلى دارِنا قبلَ إذنِ مَلِكِهم في الذي أذِنَ فيه؛ فإنَّ ذلك الرَّجلَ قد حصَلَ آمِنًا فينا فيَبقى آمِنًا ما لم يَعُدْ إلى مَنَعتِه. وإنْ كانَت الجَماعةُ التي خرَجَت إلى القِتالِ خرَجَت بعِلمِ مَلِكهم فلم يَنهَهم ولم يُخبِرِ المُسلِمينَ بأمرِهم، فهذا والأولُ سَواءٌ؛ لأنَّهم حَشَمُه يَنقادونَ له، والسَّفيهُ إذا لم يُنهَ مَأمورٌ، ولأنَّه كانَ الواجِبُ عليه بحُكمِ المُوادَعةِ مَنعُهم إنْ قدِرَ على ذلك، أو إخبارُ المُسلِمينَ بأمرِهم إنْ لم يَقدِرْ على ذلك، فإذا ترَك ما هو مُستحقٌّ عليه بتلك المُوادَعةِ كانَ ذلك بمَنزِلةِ أمرِه إيَّاهم بالقِتالِ (١). وقالَ الشافِعيةُ: نَقضُ الهُدنةِ إمَّا أنْ يَكونَ من جَميعِهم وإمَّا أنْ يَكونَ من بَعضِهم؛ فإنْ نقَضَ جَميعُهم الهُدنةَ صارَ جَميعُهم حَربًا، وليسَ لواحِدٍ منهم أمانٌ على نَفسٍ ولا مالٍ. وإنْ نقَضَه بَعضُهم، لم يَخلُ حالُ الذين لم يَنقُضوا منهم من ثَلاثةِ أقسامٍ: أحَدُها: أنْ يَظهرَ منهم الرِّضا بنَقضِه في قَولٍ أو فِعلٍ، فيُنتقَضُ عَهدُهم بالرِّضا كما انتقَضَ به عَهدُ المُباشَرةِ، ويَصيرُ جَميعُهم حَربًا.
следующие страницы →