← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 12426–12465 · переход к 12431.

стр. 12426

حُكمُ نَقضِ العَهدِ من الكُفارِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الكُفارَ إذا نقَضُوا العَهدَ انتقَضَت هُدنَتُهم فيَجوزُ للإمامِ غَزوُهم وقِتالُهم ولم يَكنْ فاعِلُه في ذلك مَذمومًا استِدلالًا بالكِتابِ والسُّنةِ، فأمَّا الكِتابُ فقَولُه : ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧] فدلَّ على أنَّهم إذا لمْ يَستَقيموا لنا لمْ نَستَقِمْ لهم، ولقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٤] فدلَّ على: أنَّهم إذا ظاهَروا علينا لم نُتِمَّ لهم عَهدَهم إلى مُدَّتِهم. وأمَّا السُّنةُ فقد كانَ النَّبيُّ ﷺ عاقَدَ قُرَيشًا بالحُدَيبيةِ، فلمَّا نقَضَت قُريشٌ العَهدَ سارَ إليهم عامَ فَتحِ مَكةَ (١). ما يَنتقِضُ به العَهدُ: الذي يَنتقِضُ به نَوعانِ، نَصٌّ ودِلالةٌ. فالنَّصُّ: هو النَّبذُ من الجانبَيْن صَريحًا، وهذا مُتفَقٌ عليه بينَ الفُقهاءِ. وأمَّا الدِّلالةُ فهي أنْ يُوجَدَ منهم ما يَدلُّ على النَّبذِ وهو ما يَلي:

стр. 12427

١ - أنْ يُظاهِروا على المُسلِمينَ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الكُفارَ إذا ظاهَروا على المُسلِمينَ وعاوَنوا علينا عَدوًّا لنا فقد انتقَضَ عَهدُهم سَواءٌ ظاهَروا سِرًّا أو جَهرًا. لقَولِه : ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧] فدلَّ على أنَّهم إذا لمْ يَستَقيموا لنا لمْ نَستَقِمْ لهم؛ لقَولِه : ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٤] فدلَّ على أنَّهم إنْ ظاهَروا علينا أحَدًا لم نُتِمَّ إليهم عَهدَهم. ولأنَّ الهُدنةَ تَقتَضي الكَفَّ عنا فانتُقِضت بتَركِه ولا يَفتقِرُ نَقضُها إلى حُكمِ الإمامِ بنَقضِها؛ لأنَّ الحُكمَ إنَّما يُحتاجُ إليه في أمرٍ مُحتمَلٍ، وما تَظاهَروا به لا يَحتمِلُ غيرَ نَقضِ العَهدِ. وقد غَزا النَّبيُّ ﷺ أهلَ مَكةَ بعدَ الهُدنةِ من غيرِ أنْ يَنبِذَ إليهم؛ لأنَّهم كانُوا نقَضُوا العَهدَ بمُعاوَنتِهم بَني كِنانةَ على قِتالِ خُزاعةَ، وكانُوا حُلفاءَ للنَّبيِّ ﷺ ، ولذلك جاءَ أبو سُفيانَ إلى المَدينةِ يَسألُ النَّبيَّ ﷺ تَجديدَ العَهدِ بينَه وبينَ قُريشٍ فلم يُجِبْه النَّبيُّ ﷺ إلى ذلك، فمِن أجلِ ذلك لم يَحتَجْ إلى النَّبذِ إليهم إذْ كانُوا قد أظهَرُوا نقضَ العَهدِ بنَصبِ الحَربِ لحُلَفاءِ النَّبيِّ ﷺ . ولأنَّه كانَ مِنْ هَديِهِ وسُنَّتِه ﷺ إذا صالَحَ قَومًا وعاهَدَهم فانضافَ إليهم عَدوٌّ له سِواهم فدَخلوا معهم في عَقدِهم وانضافَ إليه قَومٌ

стр. 12428

آخَرونَ فدخَلوا معه في عَقدِه صارَ حُكمُ مَنْ حارَبَ مَنْ دخَلَ معه في عَقدِه مِنْ الكُفارِ حُكمَ مَنْ حارَبَه، وبهذا السَّببِ غَزا أهلَ مَكةَ؛ فإنَّه لمَّا صالَحَهم على وَضعِ الحَربِ بينَهم وبَينَه عَشرَ سِنينَ تَواثَبتْ بَنو بَكرِ بنِ وائِلٍ فدخَلَت في عَهدِ قُريشٍ وعَقدِها، وتَواثَبتْ خُزاعةُ فدخَلَت في عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وعَقدِه، ثم عدَت بَنو بَكرٍ على خُزاعةَ فبيَّتَتْهم وقتَلَت منهم وأعانَتْهم قُريشٌ في الباطِنِ بالسِّلاحِ، فعدَّ رَسولُ اللهِ ﷺ قُرَيشًا ناقِضينَ للعَهدِ بذلك واستَجازَ غَزوَ بَني بَكرِ بنِ وائِلٍ لتَعدِّيهم على حُلَفائِه. وبهذا أفتَى شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ بغَزوِ نَصارى المَشرِقِ لمَّا أعانوا عَدوَّ المُسلِمينَ على قِتالِهم فأمَدُّوهم بالمالِ والسِّلاحِ وإنْ كانُوا لم يَغزُونا ولم يُحارِبونا ورآهم بذلك ناقِضينَ للعَهدِ كما نقَضَت قُريشٌ عَهدَ النَّبيِّ ﷺ بإعانَتِهم بَني بَكرِ بنِ وائِلٍ على حَربِ حُلفائِه فكيفَ إذا أعانَ أهلُ الذِّمةِ المُشرِكينَ على حَربِ المُسلِمينَ. وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: ثم نقَضَ بعضُ قُريشٍ ولم يُنكِرْ عليه غيرُه إنكارًا يُعتَدُّ به عليه ولم يَعتزِلْ دارَه فغَزاهم رَسولُ اللهِ ﷺ عامَ الفَتحِ مُخفِيًّا وَجهَه ليُصيبَ منهم غِرةً (١).

стр. 12429

٢ - أنْ يُقاتِلوا المُسلِمينَ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ أهلَ الهُدنةِ والصُّلحِ من الكُفارِ إذا قاتَلُوا المُسلِمينَ انتقَضَ عَهدُهم إذا كانَ بإذنِ الإمامِ، أو قاتَلْنا جَماعةٌ من الكُفارِ وعلِمَ إمامُهم بهذا. فإنْ خرَجَ جَماعةٌ منهم لقِتالِنا ففيه تَفصيلٌ بينَ المَذاهبِ. قالَ الحَنفيةُ: إنْ خرَجَ قَومٌ من دارِ المُوادَعةِ بإذنِ الإمامِ وقطَعوا الطَّريقَ في دارِ الإسلامِ انتقَضَ عَهدُهم؛ لأنَّ إذْنَ الإمامِ بذلك دِلالةُ النَّبذِ. ولو خرَجَ قَومٌ من غيرِ إذنِ الإمامِ فقطَعوا الطَّريقَ في دارِ الإسلامِ؛ فإنْ كانُوا جَماعةً لا مَنَعةَ لهم لا يَكونُ ذلك نَقضًا للعَهدِ؛ لأنَّ قَطعَ الطَّريقِ بلا مَنَعةٍ لا يَصلُحُ دِلالةً للنَّقضِ؛ لأنَّ هؤلاء غيرُ مُمتنِعينَ، ولأنَّ أصحابَهم بصُنعِ هؤلاء غيرُ رَاضينَ، ألَا تَرى أنَّه لو نَصَّ واحِدٌ منهم على النَّقضِ لا يَنتقِضُ كما في الأمانِ المُؤبَّدِ وهو عَقدُ الذِّمةِ. وإنْ كانُوا جَماعةً لهم مَنَعةٌ فخرَجُوا وفعَلوا ذلك في دارِ الإسلامِ عَلانيةً بغيرِ أمرٍ مِنْ مَلِكِهم وأهلِ مَملَكتِه فهؤلاء ناقِضونَ للعَهدِ؛ لأنَّه ليسَت فائِدةُ العَهدِ إلا تَركَ القِتالِ، فإذا جاهَروا بالقِتالِ مُتقرِّرينَ بمَنَعتِهم كانُوا ناقِضينَ بمُباشَرتِهم ضِدَّ ما هو مُوجِبٌ للمُوادَعةِ. فأمَّا المَلِكُ وأهلُ مَملكتِه فهُم على مُوادَعتِهم؛ لأنَّهم ما باشَروا سَببَ نَقضِها ولا رَضُوا بصَنيعِ هؤلاء، فلا يُؤخَذونَ بذَنبِ غيرِهم، وإنْ كانُوا خرَجُوا بإذنِ مَلِكِهم فقد نقَضُوا جَميعًا العَهدَ، فلا بأسَ بقَتلِهم وسَبْيِهم

стр. 12430

حيثُما وُجِدوا؛ لأنَّ فِعلَهم بإذنِ المَلكِ كفِعلِ المَلكِ بنَفسِه. وأهلُ المَملكةِ تَبَعٌ للمَلِكِ في المُوادَعةِ والمُقاتَلَةِ لانقيادِهم له ورِضاهم بكَونِه رأسَهم، فإذا صار هو ناقِضًا للعَهدِ صار أهلُ المَملكةِ ناقِضينَ للعَهدِ تَبعًا له، سَواءٌ عَلِموا بما صنَع مَلِكُهم أو لم يَعلَموا إلَّا رَجلًا خرَجَ إلى دارِنا قبلَ إذنِ مَلِكِهم في الذي أذِنَ فيه؛ فإنَّ ذلك الرَّجلَ قد حصَلَ آمِنًا فينا فيَبقى آمِنًا ما لم يَعُدْ إلى مَنَعتِه. وإنْ كانَت الجَماعةُ التي خرَجَت إلى القِتالِ خرَجَت بعِلمِ مَلِكهم فلم يَنهَهم ولم يُخبِرِ المُسلِمينَ بأمرِهم، فهذا والأولُ سَواءٌ؛ لأنَّهم حَشَمُه يَنقادونَ له، والسَّفيهُ إذا لم يُنهَ مَأمورٌ، ولأنَّه كانَ الواجِبُ عليه بحُكمِ المُوادَعةِ مَنعُهم إنْ قدِرَ على ذلك، أو إخبارُ المُسلِمينَ بأمرِهم إنْ لم يَقدِرْ على ذلك، فإذا ترَك ما هو مُستحقٌّ عليه بتلك المُوادَعةِ كانَ ذلك بمَنزِلةِ أمرِه إيَّاهم بالقِتالِ (١). وقالَ الشافِعيةُ: نَقضُ الهُدنةِ إمَّا أنْ يَكونَ من جَميعِهم وإمَّا أنْ يَكونَ من بَعضِهم؛ فإنْ نقَضَ جَميعُهم الهُدنةَ صارَ جَميعُهم حَربًا، وليسَ لواحِدٍ منهم أمانٌ على نَفسٍ ولا مالٍ. وإنْ نقَضَه بَعضُهم، لم يَخلُ حالُ الذين لم يَنقُضوا منهم من ثَلاثةِ أقسامٍ: أحَدُها: أنْ يَظهرَ منهم الرِّضا بنَقضِه في قَولٍ أو فِعلٍ، فيُنتقَضُ عَهدُهم بالرِّضا كما انتقَضَ به عَهدُ المُباشَرةِ، ويَصيرُ جَميعُهم حَربًا.

стр. 12431

والقِسمُ الثانِي: أنْ يَظهرَ منهم الكَراهةُ لنَقضِه بقَولٍ أو فِعلٍ، بأنْ يَعتزِلوهم أو يُعلِموا الإمامَ ببَقائِهم على العَهدِ فلا يُنقَضُ العَهدُ في حَقِّهم وإنْ كانَ الناقِضُ رَئيسَهم لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ [الأعراف: ١٦٥]؛ فإنِ اقتصَروا على الإنكارِ من غيرِ اعتِزالٍ أو إعلانِ الإمامِ بذلك فناقِضونَ بخِلافِ عَقدِ الذِّمةِ، والقَولُ قَولُ مُنكِرِ النَّقضِ بيَمينِه. والقِسمُ الثالِثُ: أنْ يُمسِكوا عنه، فلن يَظهرَ منهم رِضًا به، ولا كَراهةٌ له في قَولٍ، ولا فِعلٍ، فيَكونَ إمساكُهم نَقضًا لعَهدِهم، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] وكذلك كانَت سُنةُ اللهِ تَعالى في عاقِرِ ناقةِ صالِحٍ باشَرَ عَقرَها أُحَيمِرُ، وهو قُدارُ بنُ سالِفٍ، وأمسَكَ قَومُه عنه، فأخَذَ اللهُ جَميعَهم بذَنبِه، فقالَ تَعالى: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥)﴾ [الشمس: ١٤، ١٥]، وقد وادَعَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَهودَ بَني النَّضيرِ، وهَمَّ بَعضُهم بقَتلِه، فجعَله نَقضًا منهم لعَهدِه، فغَزاهم وأجلَاهم. ووادَع ﷺ يَهودَ بَني قُريظةَ، فأعانَ بَعضُهم أبا سُفيانَ بنِ حَربٍ على حَربِ رَسولِ اللهِ ﷺ في الخَندقِ، وقيلَ: إنَّ الذي أعانَه منهم ثَلاثةٌ: حُيَيُّ بنُ أخطَبَ وأخوه وآخَرُ على النَّبيِّ ﷺ يَومَ الخَندقِ، وسكَتَ الباقونَ، فجعَلَ النَّبيُّ ﷺ ذلك نَقضًا للهُدنةِ في حَقِّ جَميعِهم وسارَ إليهم، وغَزاهم فقتَلَ رِجالَهم وسَبى ذَراريَّهم. وأيضًا: «فإنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا صالَحَ مُشرِكي قُريشٍ عامَ الحُدَيبيةِ، دخَلَ بَنُو بَكرٍ في جُملةِ قُريشٍ وكانُوا حُلفاءَهم، ودخَلَت خُزاعةُ

стр. 12432

في جُملةِ رَسولِ اللهِ ﷺ وحالَفوه، فحارَبَ بَنُو بَكرٍ خُزاعةَ، وأعانَ نَفرٌ من قُريشٍ بَني بَكرٍ على خُزاعةَ، وأمسَكَ سائِرُ قُريشٍ، فجعَلَ النَّبيُّ ﷺ ذلك نَقضًا لعَهدِهم، وسارَ إلى مَكةَ وفتحَها». وقيلَ: لم يُعِنْ أحَدٌ من قُريشٍ بَني بَكرٍ، وإنَّما قتَلَ رَجلٌ من بَني بَكرٍ رَجلًا من خُزاعةَ، فسكتَت قُريشٌ ولم تُنكِرْ على بَني بَكرٍ، فجعَلَ النَّبيُّ ﷺ ذلك نَقضًا لعَهدِهم ودلَّ على أنَّ المُمسِكَ يَجري عليه في نَقضِ العَهدِ حُكمُ المُباشِرِ، ولأنَّه لمَّا كانَ عَقدُ الواحِدِ للهُدنةِ عَقدًا لجَميعِهم؛ بدَليلِ أنَّ سُهَيلَ بنَ عَمرٍو لمَّا عقَد الهُدنةَ له ولمُشرِكي قُريشٍ، وعقَد أبُو سُفيانَ الأمانَ له ولقُريشٍ، كانَ نَقضُ الواحِدِ نَقضًا له ولِلراضي بنَقضِه. ولا فَرقَ في الحُكمِ بينَ السُّوقةِ وغيرِهم على الصَّحيحِ وفي قَولٍ: لو نقَضَ السُّوقةُ ولم يَعلَمِ الرَّئيسُ والأشرافُ بذلك لا يُنتقَضُ عَقدُهم كما لا اعتبارَ بعَقدِهم فلا اعتبارَ بنَقضِهم. وكذا لو نقَضَ الرُّؤساءُ وامتنَعَ الأتْباعُ وأنكَروا ففي الانتِقاضِ في حَقِّهم قَولانِ، وَجهُ النَّقضِ أنَّه لم يَبقَ العَقدُ في حَقِّ المَتبوعِ فكذا التابِعُ. والصَّحيحُ أنَّهم إنْ أنكَروا بقَولٍ أو فِعلٍ بأنِ اعتزَلُوه أو بَعثوا إلى الإمامِ بأنَّا مُقيمون على العَهدِ لم يُنتقَضْ. وإذا انتقَضَ في حَقِّ بَعضِهم؛ فإنْ تَميَّزوا فذاك، وإلا لا يُبيِّتْهم الإمامُ، فلا يُغارُ عليهم إلا بعدَ الإنذارِ، ويُبعَثَ إلى الذين لم يَنقُضوا ليَتميَّزوا أو

стр. 12433

يُسلِّموهم؛ فإنْ لم يَفعَلوا مع القُدرةِ صاروا ناقِضينَ أيضًا، ومَن أخَذَ منهم واعترَف بأنَّه من الناقِضينَ أو قامَت عليه بَيِّنةٌ لم يَخْفَ حُكمُه، وإلا يُصدَّقَ بيَمينِه أنَّه لم يَنقُضْ. وإذا انتُقِضت الهُدنةُ وهو ببِلادِهم جازَت الإغارةُ عليهم وتَبييتُهم، وهو الإغارةُ عليهم ليلًا سَواءُ عَلِموا أنَّه ناقِضٌ أو لا؛ ولأنَّهم صاروا حينَئذٍ كما كانُوا قبلَ الهُدنةِ أمَّا إذا كانُوا ببِلادِنا فلا نُقاتِلُهم بل نُبلِغُهم المأمَنَ، أي: مَحلًّا يَأمَنونَ فيه مِنَّا ومِن أهلِ عَهدِنا ولو بطَرفِ بِلادِنا فيما يَظهرُ ومَن له مَأمَنانِ يَسكنُ بكلٍّ منهما يَتخيَّرُ الإمامُ بينَهما؛ فإنْ سكَنَ بأحَدِهما لزِمَه إبلاغُ مَسكنِه منهما على الأوجَهِ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: إذا نقَضَ الكُفارُ العَهدَ قاتَلَهم الإمامُ، وإنْ نقَضَ بَعضُهم العَهدَ دونَ بَعضٍ فلهم حَالتانِ: الأُولى: أنْ يَسكُتَ باقيهم عن الناقِضِ للعَهدِ ولم يُوجدْ منهم إنكارٌ على الناقِضِ ولا مُراسلةُ الإمامِ ولا تبَرُّؤٌ منه، فالكلُّ ناقِضونَ للعَهدِ لرِضاهم بفِعلِ أولئك وإقرارِهم لهم «لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا هادَن قُريشًا دخَلت خُزاعةُ مع النَّبيِّ ﷺ وبَنو بَكرٍ مع قُريشٍ فعدَت بَنو بَكرٍ على خُزاعةَ وأعانَهم بعضُ قُريشٍ، وسكَتَ الباقونَ، فكانَ ذلك نقضَ

стр. 12434

عَهدِهم، وسار إليهم رَسولُ اللهِ ﷺ فقاتَلَهم» ولأنَّ سُكوتَهم يَدلُّ على رِضاهم كما أنَّ عَقدَ الهُدنةِ مع بَعضِهم يَدخلُ فيه جَميعُهم لدِلالةِ سُكوتِهم على رِضاهم، كذلك في النَّقضِ. والثانِيةُ: أنْ يُنكِرَ مَنْ لم يَنقُضْ على الناقِضِ بقَولٍ أو فِعلٍ ظاهِرٍ أو اعتِزالٍ أو راسَلَ الإمامَ بأنِّي مُنكرٌ لما فعَلَه الناقِضُ مُقيمٌ على العَهدِ لم يَنتقِضْ في حَقِّه، ويأمُرُه الإمامُ بالتَّميُّزِ ليَأخذَ الناقِضَ وَحدَه؛ فإنِ امتنَعَ من التَّميُّزِ أو إسلامِ الناقِضِ صار ناقِضًا؛ لأنَّه منَعَ من أخذِ الناقِضِ، فصارَ بمَنزِلتِه وإنْ لم يُمكِنْه التَّمييزُ لم يَنتقِضْ عَهدُه؛ لأنَّه كالأسيرِ. فإنْ أسَرَ الإمامُ منهم قَومًا فادَّعى الأسيرُ أنَّه لم يَنقُضْ وأشكَلَ ذلك على الإمامِ قَبِل قَولَ الأسيرِ؛ لأنَّه لا يُتوصَّلُ إلى ذلك إلا مِنْ قِبَلِه (١). ٣ - التَّجسُّسُ والقَتلُ والسَّبُّ وغيرُها من الأشياءِ: قالَ الشافِعيةُ: يُنتقَضُ عَهدُهم مع ما مَرَّ آنِفًا بما يَلي: ١ - بتَصريحٍ منهم. ٢ - أو بقِتالِنا حيثُ لا شُبهةَ لهم كما تَقدَّم؛ فإنْ كانَ لهم شُبهةٌ كانَ أعانوا البُغاةَ مُكرَهينَ فلا يُنتقَضُ. ٣ - أو بكَونِهم آوَوْا عُيونَ المُشرِكينَ. ٤ - أو بمُكاتَبةِ أهلِ الحَربِ بعَورةٍ لنا.

стр. 12435

٥ - أو بقَتلِ مُسلمٍ أو ذِميٍّ. ٦ - أو أخَذوا مالًا. ٧ - أو سَبُّوا اللهَ تَعالى. ٨ - أو سَبُّوا القُرآنَ. ٩ - أو سَبُّوا رَسولَ اللهِ ﷺ . فمتى صَرَّحوا بنَقضِ العَهدِ، أو قاتَلُوا المُسلِمينَ، أو آوَوْا عُيونَ المُشرِكينَ، أو كاتَبوا أهلَ الحَربِ بعَورةِ المُسلِمينَ، أو قتَلوا مُسلمًا، أو أخَذوا مالًا، أو سَبُّوا رَسولَ اللهِ ﷺ ، انتقَضَ عَهدُهم كما تُنتقَضُ الذِّمةُ به، ولا يَفتقِرُ إلى أنْ يَحكُمَ الحاكِمُ بنَقضِه، وإنَّما يُنتقَضُ العَهدُ بقِتالِهم لنا إذا كانُوا مُختارينَ له، فلو أكرَهَهم عليه البُّغاةُ وثبَتَ ذلك فلا. ولا يَنحصِرُ الانتِقاضُ فيما ذُكِر بل بأشياءَ أُخرى، وكلُّ ما اختُلفَ في انتِقاضِ الذِّمةِ به تُنتقَضُ الهُدنةُ جَزمًا؛ لأنَّ الهُدنةَ ضَعيفةٌ غيرُ مُؤكَّدةٍ ببَذلِ الجِزيةِ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: يُنتقَضُ عَهدُ المُهادِنينَ بما يلي: ١ - بقِتالٍ. ٢ - أو بمُظاهرةٍ: أي مُعاونةِ عَدُوِّنا علينا. ٣ - أو بقَتلِ مُسلمٍ.

стр. 12436

٤ - أو بأخذِ مالٍ. فإذا فعَلوا واحِدةً من هذه انتقَضَ عَهدُهم وحلَّت دِماؤُهم وأموالُهم وسُبيَت ذَراريُّهم «لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قتَلَ رِجالَ بَني قُريظةَ حينَ نقَضُوا عَهدَه وسبَى ذَراريَّهم وأخَذَ أموالَهم»، «ولَما هادَنَ قُريشًا فنقَضُوا عَهدَه حلَّ له منهم ما كانَ حرُمَ عليه منهم»، وإنْ نقَضَ بَعضُهم فهو على التَّفصيلِ السابِقِ (١).

стр. 12437

تعريفل الهدنة

стр. 12438

كتاب أحكام أهل الذمة أصنافُ الكُفارِ: الكُفارُ؛ إمَّا أهلُ حَربٍ وإمَّا أهلُ عَهدٍ، وأهلُ العَهدِ ثَلاثةُ أصنافٍ كما يلي: ١ - أهلُ ذِمةٍ. ٢ - أهلُ هُدنةٍ. ٣ - أهلُ أمَانٍ. وقد عقَد الفُقهاءُ لكلِّ صِنفٍ بابًا، فقالُوا: «بابُ الهُدنةِ»، «بابُ الأمانِ»، «بابُ عَقدِ الذِّمةِ». ولَفظُ الذِّمةِ والعَهدِ يَتناوَلُ هؤلاء كلَّهم في الأصلِ، وكذلك لفظُ الصَّلحِ؛ فإنَّ الذِّمةَ من جِنسِ لفظِ العَهدِ والعَقدِ. وقَولُهم هذا في ذِمةِ فُلانٍ، أصلُه من هذا، أي: في عَهدِه وعَقدِه، أي:

стр. 12439

فألزَمه بالعَقدِ والميثاقِ، ثم صارَ يُستعمَلُ في كلِّ ما يُمكِنُ أخذُ الحَقِّ من جِهتِه، سَواءٌ وجَبَ بعَقدِه أو بغيرِ عَقدِه، كبَدلِ المُتلَفِ؛ فإنَّه يُقالُ: هو في ذِمتِه، وسَواءٌ وجَبَ بفِعلِه أو بفِعلِ وَليِّه أو وَكيلِه كوَليِّ الصَّبيِّ والمَجنونِ ووَليِّ بَيتِ المالِ والوَقفِ؛ فإنَّ بَيتَ المالِ والوَقفَ يُثبِتُ له حَقًّا، ويُثبِتُ عليه حَقًّا، كما يُثبِتُ للصَّبيِّ والمَجنونِ، ويُطالَبُ وَليُّه الذي له أنْ يَقبِضَ له، ويَقبِضُ ما عليه. وهكذا لفظُ الصُّلحِ عامٌّ في كلِّ صُلحٍ، وهو يَتناوَلُ صُلحَ المُسلِمينَ بَعضِهم مع بَعضٍ، وصُلحَهم مع الكُفارِ، ولكنْ صارَ أهلُ الذِّمةِ في اصطِلاحِ كَثيرٍ من الفُقهاءِ عِبارةً عمَّن يُؤدِّي الجِزيةَ. وهؤلاء لهم ذِمةٌ مُؤبَّدةٌ، وهؤلاء قد عاهَدوا المُسلِمينَ على أنْ يَجريَ عليهم حُكمُ اللهِ ورَسولِه، إذْ هُمْ مُقيمونَ في الدارِ التي يَجري فيها حُكمُ اللهِ ورَسولِه بخِلافِ أهلِ الهُدنةِ؛ فإنَّهم صالَحوا المُسلِمينَ على أنْ يَكونوا في دارِهم، سَواءٌ كانَ الصُّلحُ على مالٍ أو غيرِ مالٍ، لا تَجري عليهم أحكامُ الإسلامِ كما تَجري على أهلِ الذِّمةَ؛ لكنْ عليهم الكَفُّ عن مُحارَبةِ المُسلِمينَ، وهؤلاء يُسمَّونَ أهلَ العَهدِ وأهلَ الصُّلحِ وأهلَ الهُدنةِ. وأمَّا المُستأمَنُ: فهو الذي يَقدَمُ بِلادَ المُسلِمينَ من غيرِ استِيطانٍ لها، وهؤلاء أربَعةُ أقسامٍ: رُسلٌ وتُجَّارٌ ومُستَجيرونَ حتى يُعرَضَ عليهم الإسلامُ والقُرآنُ؛ فإنْ شاؤُوا دخَلوا فيه، وإنْ شاؤُوا رجَعوا إلى بِلادِهم، وكذلك طالِبُو حاجةٍ من زيارةٍ أو غيرِها، وحُكمُ هؤلاء ألَّا يُهاجِروا ولا يُقتَلوا ولا تُؤخذُ منهم الجِزيةُ، وأنْ يُعرَضَ على المُستَجيرِ منهم الإسلامُ

стр. 12440

والقُرآنُ؛ فإنْ دخَلَ فيه فذاك، وإنْ أحَبَّ اللَّحاقَ بمأمَنِه أُلحِق به، ولم يُعرَضْ له قبلَ وُصولِه إليه، فإذا وصَلَ مأمَنَه عادَ حَربيًّا كما كانَ (١). إلا أنَّني هنا سأتكَلَّمُ عن أهلِ الذِّمةِ مُفصِّلًا، وقد ذكَرَتُ أحكامَ أهلِ الحَربِ وأهلِ الهُدنةِ كما سبَقَ. أولاً: أهلُ الذِّمةِ: التَّعريفُ: الذِّمةُ في اللُّغةِ: الأمانُ والعَهدُ، فأهلُ الذِّمةِ أهلُ العَهدِ، والذِّميُّ: هو المُعاهَدُ (٢). والمُرادُ بأهلِ الذِّمةِ في اصطِلاحِ الفُقهاءِ: المُعاهَدونَ من اليَهودِ والنَّصارى وغيرِهم الذين يُقرُّونَ على كُفرِهم بشَرطِ بَذلِ الجِزيةِ والتِزامِ أحكامِ الإسلامِ في مُقابِلِ الأمنِ على أنفُسِهم وأموالِهم (٣). وتَحصُلُ الذِّمةُ لأهلِ الكِتابِ ومَن في حُكمِهم بالعَقدِ أو القَرائنِ أو التَّبعيةِ، فيُقرُّونَ على كُفرِهم في مُقابِلِ الجِزيةِ، كما سبَقَ تَفصيلُه. ولا تَلازُمَ بينَ أهلِ الذِّمةِ وأهلِ الكِتابِ، فقد يَكونُ ذِميًّا غيرَ كِتابيٍّ، وقد يَكونُ كِتابيًّا غيرَ ذِميٍّ، وهُم مَنْ كانَ في غيرِ دارِ الإسلامِ من اليَهودِ والنَّصارى.

стр. 12441

ثانيًا: أهلُ الأمانِ (المُستأمَنون): المُرادُ بالمُستأمَنِ عندَ الفُقهاءِ: مَنْ دخَلَ دارَ الإسلامِ على أمانٍ مُؤقَّتٍ من قِبَلِ الإمامِ أو أحَدِ المُسلِمينَ، وعلى ذلك فالفَرقُ بَينَه وبينَ أهلِ الذِّمةِ: أنَّ الأمانَ لأهلِ الذِّمةِ مُؤبَّدٌ، وللمُستأمَنينَ مُؤقَّتٌ (١)، وقد تَقدَّمَ الكَلامُ على ذلك في بابِ الأمانِ. ثالِثًا: أهلُ الحَربِ: المُرادُ بأهلِ الحَربِ: الكُفارُ من أهلِ الكِتابِ والمُشرِكينَ الذين امتنَعوا عن قَبولِ دَعوةِ الإسلامِ، ولم يُعقَدْ لهم عَقدُ ذِمةٍ ولا أمانٍ، ويَقطُنونَ في دارِ الحَربِ التي لا تُطبَّقُ فيها أحكامُ الإسلامِ، فهُم أعداءُ المُسلِمينَ الذين يُعلَنُ عليهم الجِهادُ مَرةً أو مَرتَينِ كل عامٍ (٢) كما سبَقَ حُكمُهم في كِتابِ الجِهادِ. وسيأتي بعدَ ذلك مَنْ يُعقَدُ لهم عَقدُ الذِّمةِ وما يَكونُ به غيرِ المُسلمِ ذِميًّا. حُرمةُ دِماءِ أهلِ الذِّمةِ والمُعاهَدين: أجمَع أهلُ العِلمِ على حُرمةِ دِماءِ أهلِ الذِّمةِ فيَحرُمُ قَتلُ الذِّميِّ بغيرِ حقٍّ، وكانَ ﷺ يُوصي كَثيرًا بأهلِ الذِّمةِ والمُستأمَنينَ وسائرِ

стр. 12442

المُعاهَدين، ويَدعو إلى مُراعاةِ حُقوقِهم وإنصافِهم والإحسانِ إليهم ويَنهَى عن إيذائِهم. رَوى أبو داودَ في السُّننِ عن صَفوانَ بنِ سُلَيمٍ عن عِدةٍ من أبناءِ أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ عن آبائِهم عن رَسولِ اللهِ ﷺ قالَ: «ألا مَنْ ظلَمَ مُعاهَدًا أو انتقَصه أو كلَّفه فوقَ طاقَتِه أو أخَذَ منه شَيئًا بغيرِ طِيبِ نَفسٍ فأنَا حَجِيجُه (أي: أنا الذي أُخاصِمُه وأُحَاجُّه) يَومَ القِيَامةِ» (١). وعن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو ﵄ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «مَنْ قتَلَ مُعاهَدًا لم يَرَحْ رائِحةَ الجَنةِ، وإنَّ رِيحَها تُوجَدَ من مَسِيرةِ أربَعينَ عامًا» (٢). وقالَ ابنُ حَزمٍ في «مَراتبِ الإجماعِ»: واتَّفَقوا على أنَّ دَمَ الذِّميِّ الذي لم يَنقُضْ شَيئًا من ذِمتِه حَرامٌ (٣). الفَرقُ بينَ البِرِّ بأهلِ الذِّمةِ وحُبِّهم والتَّودُّدِ لهم: قالَ الإمامُ القَرافِيُّ ﵀: الفَرقُ بينَ قاعِدةِ بِرِّ أهلِ الذِّمةِ وبينَ قاعِدةِ التَّودُّدِ لهم: اعلَمْ أنَّ اللهَ تَعالى منَع من التَّودُّدِ لأهلِ الذِّمةِ بقَولِه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة: ١] الآيةَ، فمنَعَ المُوالاةَ والتَّودُّدَ، وقالَ في الآيةِ الأُخرى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة: ٨].

стр. 12443

وقالَ في حَقِّ الفَريقِ الآخَرِ: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)﴾ [الممتحنة: ٩]. وقالَ ﷺ : «استَوصُوا بأَهلِ الذِّمةِ خَيرًا»، وقالَ في حَديثٍ آخَر: «استَوصُوا بالقِبطِ خَيرًا» (١) فلا بدَّ من الجَمعِ بينَ هذه النُّصوصِ، وإنَّ الإحسانَ لأهلِ الذِّمةِ مَطلوبٌ، وإنَّ التَّودُّدَ والمُوالاةَ مَنهيٌّ عنهما. والبابان مُلتبِسانِ فيَحتاجانِ إلى الفَرقِ، وسِرُّ الفَرقِ أنَّ عَقدَ الذِّمةِ يُوجِبُ حُقوقًا علينا لهم؛ لأنَّهم في جِوارِنا وفي خَفارَتِنا وذِمةِ اللهِ تَعالى وذِمةِ رَسولِه ﷺ ودِينِ الإسلامِ، فمَنِ اعتَدى عليهم ولو بكَلِمةِ سُوءٍ أو غِيبةٍ في عِرضِ أحَدِهم أو نَوعٍ من أنواعِ الأذيةِ أو أعانَ على ذلك فقد ضيَّع ذِمةَ اللهِ تَعالى وذِمةَ رَسولِه ﷺ وذِمةَ دِينِ الإسلامِ. وكذلك حَكى ابنُ حَزمٍ في مَراتِبِ الإجماعِ له أنَّ مَنْ كانَ في الذِّمةِ وجاءَ أهلُ الحَربِ إلى بِلادِنا يَقصِدونَه وجَبَ علينا أنْ نَخرُجَ لقتالِهم بالكُراعِ والسِّلاحِ ونَموتَ دونَ ذلك؛ صَونًا لمَن هو في ذِمةِ اللهِ تَعالى وذِمةِ رَسولِه ﷺ ؛ فإنَّ تَسليمَه دونَ ذلك إهمالٌ لعَقدِ الذِّمةِ.

стр. 12444

وحَكى في ذلك إجماعَ الأُمةِ، فقد يُؤدِّي إلى إتلافِ النُّفوسِ والأموالِ صَونًا لمُقتَضاه عن الضَّياعِ؛ إنَّه لعظيمٌ، وإذا كانَ عَقدُ الذِّمةِ بهذه المَثابةِ وتَعيَّنَ علينا أنْ نَبَرَّهم بكلِّ أمرٍ لا يَدلُّ ظاهِرُه على مَودَّاتِ القُلوبِ ولا على تَعظيمِ شَعائرِ الكُفرِ، فمَتى أدَّى إلى أحَدِ هذَينِ امتنَعَ وصارَ من قَبيلِ ما نُهي عنه في الآيةِ وغيرِها، ويتَّضِحُ ذلك بالمِثلِ. فإخلاءُ المَجالسِ لهم عندَ قُدومِهم علينا والقيامُ لهم حينَئذٍ ونِداؤُهم بالأسماءِ العَظيمةِ المُوجِبةِ لرَفعِ شأنِ المُنادَى بها هذا كلُّه حَرامٌ، وكذلك إذا تَلاقَينا معهم في الطَّريقِ وأخلَيْنا لهم واسِعَها ورَحبَها والسَّهلَ منها، وتَرَكنا أنفُسَنا في خَسيسِها وحَزنِها وضِيقِها كما جرَت العادةُ أنْ يَفعلَ ذلك المَرءُ مع الرَّئيسِ والوَلدُ مع الوالِدِ والحَقيرُ مع الشَّريفِ؛ فإنَّ هذا مَمنوعٌ لما فيه من تَعظيمِ شَعائِرِ الكُفرِ وتَحقيرِ شَعائرِ اللهِ تَعالى وشَعائرِ دِينِه واحتِقارِ أهلِه. ومن ذلك تَمكينُهم من الوِلاياتِ والتَّصرُّفِ في الأُمورِ المُوجِبةِ لقَهرِ مَنْ هي عليه، أو منه ظُهورُ العُلُوِّ وسُلطانِ المُطالَبةِ، فذلك كلُّه مَمنوعٌ، وإنْ كانَ في غايةِ الرِّفقِ والأناةِ أيضًا؛ لأنَّ الرِّفقَ والأناةَ في هذا البابِ نَوعٌ من الرِّئاسةِ والسِّيادةِ وعُلوِّ المَنزِلةِ في المَكارِمِ فهي دَرجةٌ رَفيعةٌ أوصَلناهم إليها وعَظَّمناهم بسَببِها ورَفَعنا قَدرَهم بإيثارِها، وذلك كلُّه مَنهيٌّ عنه. وكذلك لا يَكونُ المُسلِمُ عندَهم خادِمًا ولا أجيرًا يُؤمَرُ ويُنهَى، ولا يَكونُ أحَدٌ منهم وَكيلًا في المُحاكَماتِ على المُسلِمينَ عندَ وُلاةِ الأُمورِ؛ فإنَّ ذلك أيضًا إثباتٌ لسُلطانِهم على ذلك المُسلِمِ.

стр. 12445

وأمَّا ما أُمِرنا به من بِرِّهم ومن غيرِ مَودةٍ باطِنيةٍ؛ فالرِّفقُ بضَعيفِهم وسَدُّ خَلةِ فَقيرِهم وإطعامِ جائِعِهم وإكساءُ عاريهم ولينُ القَولِ لهم على سَبيلِ اللُّطفِ والرَّحمةِ لهم، لا على سَبيلِ الخَوفِ والذِّلةِ، وكذلك احتِمالُ إذايَتِهم في الجِوارِ مع القُدرةِ على إزالَتِه لُطفًا منَّا بهم، لا خَوفًا وتَعظيمًا، والدُّعاءُ لهم بالهِدايةِ وأنْ يُجعَلوا من أهلِ السَّعادةِ، ونَصيحتُهم في جَميعِ أُمورِهم في دِينِهم ودُنياهم، وحِفظُ غَيبَتِهم إذا تَعرَّض أحَدٌ لأذيَّتِهم، وصَونُ أَموالِهم وعيالِهم وأَعراضِهم وجَميعِ حُقوقِهم ومَصالحِهم، وأنْ يُعانوا على دَفعِ الظُّلمِ عنهم، وكذلك إِيصالُهم لجَميعِ حُقوقِهم، وكذلك كلُّ خَيرٍ يَحسُنُ من الأعلى مع الأسفَلِ أنْ يَفعَلَه ومِن العَدوِّ أنْ يَفعَلَه مع عَدوِّه؛ فإنَّ ذلك من مَكارمِ الأخلاقِ، فجَميعُ ما نَفعَلَه معهم من ذلك يَنبَغي أنْ يَكونَ من هذا القَبيلِ لا على وَجهِ العِزةِ والجَلالةِ منَّا، ولا على وَجهِ التَّعظيمِ لهم وتَحقيرِ أنفُسِنا بذلك الصَّنيعِ لهم. ويَنبَغي لنا أنْ نَستحضِرَ في قُلوبِنا ما جُبِلوا عليه من بُغضِنا وتَكذيبِ نَبيِّنا ﷺ وأنَّهم لو قدِرُوا علينا لاستأصَلوا شأْفتَنا واستَولَوْا على دِمائِنا وأموالِنا، وأنَّهم من أشَدِّ العُصاةِ لرَبِّنا ومالِكِنا، ثم نُعامِلَهم بعدَ ذلك بما تَقدَّمَ ذِكرُه امتِثالًا لأمرِ رَبِّنا وأمرِ نَبيِّنا ﷺ ، لا مَحبةً فيهم ولا تَعظيمًا لهم، ولا نُظهِرَ آثارَ تلك الأُمورِ التي نَستحضِرُها في قُلوبِنا من صِفاتِهم الذَّميمةِ؛ لأنَّ عَقدَ العَهدِ يَمنعُنا من ذلك فنَستحضِرُها، حتى يَمنعَنا من الوُدِّ الباطِنِ لهم والمُحرَّمِ علينا خاصةً، ولمَّا أتى الشَّيخُ أبو الوَليدِ الطُّرطوشيُّ ﵀ الخَليفةَ بمِصرَ وجَدَ عندَه وَزيرًا راهِبًا وسلَّمَ إليه قيادَه وأخَذَ يَسمَعُ رأيَه ويُنفِذُ كَلِماتِه

стр. 12446

المَسمومةَ في المُسلِمينَ، وكانَ هو ممَّن يَسمَعُ قَولَه فيه، فلمَّا دخَلَ عليه في صُورةِ المُغضَبِ وكانَ الوَزيرُ الراهِبُ بإزائِه جالِسًا، أنشَدَه: يا أيُّها المَلِكُ الذي جُودُه … يَطلُبُه القَاصِدُ والراغِبُ إنَّ الذي شُرِّفْتَ مِنْ أجلِه … يَزعُمُ هذا أنَّه كاذِبُ فاشتَدَّ غَضبُ الخَليفةِ عندَ سَماعِ الأبياتِ وأمَرَ بالراهِبِ فسُحبَ وضُربَ وقُتلَ، وأقبَلَ على الشَّيخِ أبي بَكرٍ فأكرَمَه وعظَّمَه بعدَ عَزمِه على إيذائِه، لكنَّه لمَّا استَحضَرَ تَكذيبَ الراهِبِ لرَسولِ اللهِ ﷺ الذي هو سَببُ شَرفِه وشَرفِ آبائِه وأهلِ السَّمَواتِ والأرضِينَ بَعثَه ذلك على البُعدِ عن السُّكونِ إليه والمَودةِ له وأبعَدَه عن مَنازلِ العِزِّ إلى ما يَليقُ به من الذُّلِّ والصَّغارِ، ويُروَى عن عُمرَ ﵁ أنَّه كانَ يَقولُ في أهلِ الذِّمةِ: «أَهِينُوهم ولَا تَظلِمُوهم»، وكتَبَ إليه أبو موسى الأشعَريُّ ﵁ أنَّ رَجُلًا نَصرانيًّا بالبَصرةِ لا يُحسِنُ ضَبطَ خَراجِها إلا هو، وقصَدَ وِلايتَه على جِبايةِ الخَراجِ لضَرورةِ تَعذُّرِ غيرِه، فكتَبَ إليه عُمرُ بنُ الخَطابِ يَنهاه عن ذلك، وقالَ له في الكِتابِ: «ماتَ النَّصرانِيُّ، والسَّلامُ». أي: افتَرِضْ أنَّه ماتَ، ماذا كُنْتَ تَصنَعُ حينَئذٍ فاصنَعْه الآنَ. وبالجُملةِ فبِرُّهم والإحسانُ إليهم مأمورٌ بهما، ووُدُّهم وتَولِّيهم مَنهيٌّ عنهما، فهُما قاعِدتانِ إحداهُما مُحرَّمةٌ والأُخرى مأمورٌ بها، وقد أوضَحتُ لك الفَرقَ بينَهما بالبَيانِ والمَثَلِ فتَأمَّلْ ذلك (١).

стр. 12447

وقالَ ابنُ الأزرَقِ ﵀: بِرُّ أهلِ الذِّمةِ مَأذونٌ فيه لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة: ٨] والتَّودُّدُ إليهم مَنهيٌّ عنه لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]. قالَ القَرافِيُّ ﵀: والبابانِ مُلتَبِسانِ فيَحتاجانِ إلى الفَرقِ. قُلتُ: اختصَرَ المُقري في قَواعِده ما فرَّقَ به بقَولِه: البِرُّ المَأذونُ لهم فيه ما يَرجِعُ إلى قُربِهم والإحسانِ إليهم مع حِفظِ المَرتبةِ وعُلُوِّ الإسلامِ، وهو مُستحَبٌّ وجائِزٌ، والإقساطُ: العَدلُ الواجِبُ فيهم، وهو مُستحقٌّ واجِبٌ، والتَّودُّدُ المَنهيُّ عنه ما يَرجِعُ إلى الإكرامِ واستِعمالِ الآدابِ التي يَستحِقُّها الرُّؤساءُ والأكْفاءُ من دونِهم أو هو في دَرجَتِهم وهو حَرامٌ (١). قالَ الإمامُ الغَزاليُّ ﵀: بَيانُ مَراتِبِ الذين يُبغَضونَ في اللهِ وكَيفيةِ مُعامَلتِهم: فإنْ قُلتَ: إظهارُ البُغضِ والعَداوةِ بالفِعلِ إنْ لم يَكنْ واجِبًا فلا شَكَّ أنَّه مَندوبٌ إليه، والعُصاةُ والفُساقُ على مَراتِبَ مُختلفةٍ فكيف يُنالُ الفَضلُ بمُعامَلتِهم؟ وهل يُسلَكُ بجَميعِهم مَسلكٌ واحِدٌ أو لا؟ فاعلَمْ أنَّ المُخالِفَ لأمرِ اللهِ سُبحانَه لا يَخلو إمَّا أنْ يَكونَ مُخالِفًا في عَقَدِه وإمَّا في عَملِه، والمُخالِفُ في العَقَدِ إمَّا مُبتدِعٌ وإمَّا كافِرٌ، والمُبتدِعُ إمَّا داعٍ إلى بِدعَتِه أو ساكِتٌ، والساكِتُ إمَّا بعَجزِه أو باختيارِه، فأقسامُ الفَسادِ في الاعتِقادِ ثَلاثةٌ:

стр. 12448

الأولُ: الكُفرُ: فالكافِرُ إنْ كانَ مُحارِبًا فهو يَستحِقُّ القَتلَ والإرقاقَ، وليسَ بعدَ هذَينِ إهانةٌ، وأمَّا الذِّميُّ فإنَّه لا يَجوزُ إيذاؤُه إلا بالإعراضِ عنه، والتَّحقيرِ له بالاضطِرارِ إلى أضيَقِ الطَّريقِ وبتَركِ المُفاتَحةِ بالسَّلامِ، فإذا قالَ: «السَّلامُ عليكَ» قُلتَ: «وعليكَ»، والأوْلى الكَفُّ عن مُخالَطتِه ومُعامَلتِه ومُواكَلتِه، وأمَّا الانبِساطُ معه والاستِرسالُ إليه كما يُسترسَلُ إلى الأصدِقاءِ فهو مَكروهٌ كَراهةً شَديدةً يَكادُ يَنتَهي ما يَقوى منها إلى حَدِّ التَّحريمِ فقالَ تَعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ﴾ الآية [المجادلة: ٢٢] وقالَ ﷺ : «المُسلِمُ والمُشرِكُ لا تَراءَى ناراهُما»، فحَديثُ «المُؤمِنُ والمُشرِكُ لا تتَراءَى ناراهما» رَواه أبو داودَ والتِّرمِذيُّ من حَديثِ جَريرٍ: «أنا بَريءٌ من كلِّ مُسلمٍ يُقيمُ بينَ أظهُرِ المُشرِكينَ»، قالُوا: يا رَسولَ اللهِ، لمَ؟ قالَ: «لا تَراءَى ناراهُما» (١) رَواه النَّسائيُّ مُرسَلًا، وقالَ البُخاريُّ: الصَّحيحُ أنَّه مُرسَلٌ. وقالَ ٥: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة: ١] الآيةَ (٢). وقالَ الفَخرُ الرازيُّ ﵀: واعلَمْ أنَّه تَعالى أنزَلَ آياتٍ كَثيرةً في هذا المَعنى، منها قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] وقَولُه: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ

стр. 12449

وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] وقَولُه: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١] وقَولُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [u: ١] وقالَ: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]. واعلَمْ أنَّ كَونَ المُؤمِنِ مُوالِيًا للكافِرِ يَحتمِلُ ثَلاثةَ أوجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَكونَ راضِيًا بكُفرِه ويَتولَّاه لأجلِه، وهذا مَمنوعٌ منه؛ لأنَّ كلَّ مَنْ فعَلَ ذلك كانَ مُصوِّبًا له في ذلك الدِّينِ، فتَصويبُ الكُفرِ كُفرٌ، والرِّضا بالكُفرِ كُفرٌ، فيَستحيلُ أنْ يَبقى مُؤمِنًا مع كَونِه بهذه الصِّفةِ. فإنْ قيلَ: أليسَ اللهُ تَعالى قالَ: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ٢٨] وهذا لا يُوجِبُ الكُفرَ فلا يَكونُ داخِلًا تحتَ هذه الآيةِ؛ لأنَّه تَعالى قالَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [محمد: ٣] فلا بدَّ أنْ يَكونَ خِطابًا في شَيءٍ يَبقى المُؤمِنُ معه مُؤمِنًا. وثانيها: المُعاشَرةُ الجَميلةُ في الدُّنيا بحسَبِ الظاهِرِ، وذلك غيرُ مَمنوعٍ منه. والوَجهُ الثالِثُ: وهو كالمُتوسِّطِ بينَ القِسمَينِ الأوَّلَينِ هو أنَّ مُوالاةَ الكُفارِ، بمَعنى الرُّكونِ إليهم والمَعونةِ والمُظاهَرةِ والنُّصرةِ إمَّا بسَببِ القَرابةِ أو بسَببِ المَحبةِ مع اعتِقادِ أنَّ دينَه باطِلٌ؛ فهذا لا يُوجِبُ الكُفرَ إلا أنَّه مَنهيٌّ عنه؛ لأنَّ المُوالاةَ بهذا المَعنى قد تَجُرُّه إلى استِحسانِ طَريقَتِه والرِّضا بدِينِه، وذلك يُخرِجُه عن الإسلامِ، فلا جرَمَ هَدَّد اللهُ تَعالى فيه فقالَ: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ٢٨].

стр. 12450

فإنْ قيلَ: لمَ لا يَجوزُ أنْ يَكونَ المُرادُ من الآيةِ النَّهيَ عن اتِّخاذِ الكافِرينَ أولياءَ بمَعنى أنْ يَتولَّوْهم دونَ المُؤمِنينَ، فأمَّا إذا تَولَّوْهم وتَولَّوُا المُؤمِنينَ معهم فذلك ليسَ بمَنهيٍّ عنه، وأيضًا فقَولُه: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ [آل عمران: ٢٨] فيه زيادةُ مَزيةٍ؛ لأنَّ الرَّجلَ قد يُوالي غيرَه ولا يَتَّخِذُه مُوالِيًا، فالنَّهيُ عن اتِّخاذِه مُوالِيًا لا يُوجِبُ النَّهيَ عن أصلِ مُوالاتِه. قُلنا: هذان الاحتِمالان -وإنْ قاما في الآيةِ- فإنَّ سائِرَ الآياتِ الدَّالةِ على أنَّه لا تَجوزُ مُوالاتُهم دلَّت على سُقوطِ هذَينِ الاحتِمالَينِ (١). وقالَ في مَوضِعٍ آخَرَ عندَ تَفسيرِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ٨٩]: دلَّت الآيةُ على أنَّه لا يَجوزُ مُوالاةُ المُشرِكينَ والمُنافِقينَ والمُشتهَرينَ بالزَّندقةِ والإلحادِ، وهذا مُتأكَّدٌ بعُمومِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾، والسَّببُ فيه أنَّ أعَزَّ الأشياءِ وأعظَمَها عندَ جَميعِ الخَلقِ هو الدِّينُ؛ لأنَّ ذلك هو الأمرُ الذي به يُتقرَّبُ إلى اللهِ تَعالى، ويُتوسَّلُ به إلى طَلبِ السَّعادةِ في الآخِرةِ، وإذا كانَ كذلك كانَت العَداوةُ الحاصِلةُ بسَببِه أعظَمَ أنواعِ العَداوةِ، وإذا كانَ كذلك امتنَعَ طَلبُ المَحبةِ والوِلايةِ في المَوضِعِ الذي يَكونُ أعظَمَ مُوجِباتِ العَداوةِ حاصِلًا فيه، واللهُ أعلَمُ (٢).

стр. 12451

وقالَ في «الفَواكِهِ العِذابِ»: ولكنْ في هاتَينِ الآيتَينِ صِنفانِ من الأعداءِ وقِسمانِ من المُعامَلةِ: الصِّنفُ الأولُ: عَدوٌّ لم يُقاتِلوا المُسلِمينَ في دِينِهم ولم يُخرِجوهم من دِيارِهم؛ فهؤلاء يَقولُ تَعالى في حَقِّهم: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ٨]. والصِّنفُ الثانِي: قاتَلُوا المُسلِمينَ وأخرَجُوهم من ديارِهم وظاهَروا على إخراجِهم، وهؤلاء يَقولُ تَعالى فيهم: إنَّما يَنهاكُم اللهُ أنْ تَولَّوْهم؛ إذًا فهُما قِسمانِ مُختلِفانِ وحُكمانِ مُتغايِرانِ، وإنْ كانَ القِسمانِ لم يَخرجَا عن عُمومِ «عَدُوِّي وعَدوَّكم» المُتقدِّمِ في أولِ السُّورةِ، وقد اعتبَر بعضُ المُفسِّرينَ الآيةَ الأُولى رُخصةً بعدَ النَّهيِ المُتقدِّم، ثم إنَّها نُسِخت بآيةِ السَّيفِ أو غيرِها على ما سيأتي. واعتبَرَ الآيةَ الثانِيةَ تأكيدًا للنَّهيِ الأولِ، وناقَشَ بعضُ المُفسِّرينَ دَعوى النَّسخِ في الأُولى، واختَلفُوا: مَنْ المَقصودُ منها؟ وفيمَن نزَلَت؟ والواقِعُ أنَّ الآيتَيْن تَقسيمٌ لعُمومِ العَدوِّ المُتقدِّمِ في قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]، مع بَيانِ كلِّ قِسمٍ وحُكمِه، كما تَدلُّ له قَرائِنُ في الآيةِ الأُولى، وقَرائِنُ في هاتَيْن الآيتَينِ على ما سيأتي إنْ شاءَ اللهُ تَعالى. أمَّا التَّقسيمُ فقِسمانِ: قِسمٌ مُسالِمٌ لم يُقاتِلِ المُسلِمينَ ولم يُخرِجْهم من ديارِهم، فلم يَنْهَ اللهُ المُسلِمينَ عن بِرِّهم والإقساطِ إليهم،

стр. 12452

وقِسمٌ غيرُ مُسالِمٍ يُقاتِلُ المُسلِمينَ ويُخرِجُهم من ديارِهم ويُظاهِرُ على إخراجِهم، فنَهى اللهُ المُسلِمينَ عن مُوالاتِهم، وفرَّقَ بينَ الإذنِ بالبِرِّ والقِسطِ، وبينَ النَّهيِ عن المُوالاةِ والمَودةِ، ويَشهَدُ لهذا التَّقسيمِ ما في الآيةِ الأُولى مِنْ قَرائنَ، وهي عُمومُ الوَصفِ بالكُفرِ، وخُصوصُ الوَصفِ بإخراجِ الرَّسولِ وإياكم. ومَعلومٌ أنَّ إخراجَ الرَّسولِ ﷺ والمُسلِمينَ من ديارِهم كانَ نَتيجةً لقِتالِهم وإيذائِهم، فهذا القِسمُ هو المَعنيُّ بالنَّهيِ عن مُوالاتِه لمَوقِفِه المُعادي؛ لأنَّ المُعاداةَ تُنافي المُوالاةَ؛ ولِذا عقَّبَ عليه بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٩] فأيُّ ظُلمٍ بعدَ مُوالاةِ الفَردِ لأعداءِ أُمَّتِه وأعداءِ اللهِ ورَسولِه. أمَّا القِسمُ العامُّ وهُم الذين كَفروا بما جاءَهم من الحَقِّ لكنَّهم لم يُعادوا المُسلِمينَ في دِينِهم لا بقِتالٍ ولا بإخراجٍ ولا بمُعاوَنةِ غيرِهم عليهم، ولا ظاهَروا على إخراجِهم، فهَؤلاء من جانِبٍ ليسُوا مَحلًّا للمُوالاةِ لكُفرِهم، وليسَ منهم ما يَمنعُ بِرَّهم والإقساطَ إليهم (١). وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: فإنَّ اللهَ سُبحانَه لمَّا نَهى في أوَّلِ السُّورةِ عن اتِّخاذِ المُسلِمينَ الكُفارَ أولياءَ، وأمر بقَطعِ المَودةِ بينَهم وبينَهم، تَوهَّمَ بَعضُهم أنَّ بِرَّهم والإحسانَ إليهم مِنْ المُوالاةِ والمَودةِ؛ فبيَّنَ اللهُ سُبحانَه أنَّ ذلك ليسَ من المُوالاةِ المَنهيِّ عنها، وأنَّه لم يَنهَ عن ذلك، بل هو مِنْ

стр. 12453

الإحسانِ الذي يُحبُّه ويَرضاه وكتَبه على كلِّ شَيءٍ، وإنَّما المَنهيُّ عنه تَولِّي الكُفارِ والإلقاءُ إليهم بالمَودةِ، ولا رَيبَ أنَّ جَعلَ الكُفرِ باللهِ وتَكذيبَ رَسولِه مُوجِبًا وشَرطًا في الاستِحقاقِ من أعظَمِ مُوالاةِ الكُفارِ المَنهيِّ عنها فلا يَصحُّ من المُسلِمِ (١).

стр. 12454

فصل في الجِزيةِ تَعريفُ الجِزيةِ: قالَ الجَوهَريُّ: الجِزيةُ ما يُؤخَذُ من أهلِ الذِّمةِ، والجَمعُ الجِزَى (بالكَسرِ)، مِثلَ لحيةٍ وَلِحًى. وهي عِبارةٌ عن المالِ الذي يَعقِدُ الكِتابيُّ عليه الذِّمةَ، وهي فَعلةٌ من الجَزاءِ كأنَّها جزَت عن قَتلِه. وقالَ ابنُ مَنظورٍ ﵀: الجِزيةُ أيضًا خَراجُ الأرضِ (١). وقالَ النَّوويُّ ﵀: الجِزيةُ (بكَسرِ الجِيمِ) جَمعُها جِزًى (بالكَسرِ) أيضًا كقِربةٍ وقِرَبٍ ونَحوِه، وهي مُشتقةٌ من الجَزاءِ كأنَّها جَزاءُ إسكانَنا إيَّاه في دارِنا، وعِصمَتِنا دَمَه ومالَه وعِيالَه، وقيلَ: هي مُشتقةٌ من جَزَى يَجزِي إذا قَضى، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] أي: لا تَقضي (٢). قد اختَلفَت وُجهاتُ نَظرِ الفُقهاءِ في تَعريفِ الجِزيةِ اصطِلاحًا تَبعًا لاختِلافِهم في طَبيعَتِها، وفي حُكمِ فَرضِها على المَغلوبينَ الذين فُتِحت أرضُهم عَنوةً (أي: قَهرًا لا صُلحًا).

стр. 12455

فعرَّفَها الحَنفيةُ بأنَّها: اسمٌ لما يُؤخَذُ من أهلِ الذِّمةِ؛ لأنَّها تُجزِئُ من القَتلِ، أي: تَعصِمُ. وعرَّفَها الإمامُ نَجمُ الدِّينِ الطُّرسوسيُّ ﵀ بقَولِه: هي اسمٌ لما يُؤخذُ من أهلِ الذِّمةِ كلَّ سَنةٍ، وهي شِبهُ ضَريبةٍ تَقومُ مَقامَ الزَّكاةِ التي يَلتزِمونَ بها لو كانُوا مُسلِمينَ، الجَمعُ جِزًى، كلِحيةٍ، لحًى، وهي ضَربانِ، ضَربٌ يُوضَعُ بالتَّراضي والصُّلحِ قبلَ انتِصارِ المُسلِمينَ، وقِسمٌ يُفرَضَ بعدَ النَّصرِ. وبدَفعِ هذه الجِزيةِ يُصبِحُ لهم الحقُّ في الأمانِ والحِمايةِ من الدَّولةِ الإِسلاميةِ، والحقُّ في مُمارَسةِ شُؤونِهم الدِّينيةِ بحُرِّيةٍ. وفي أحوالِهم الشَّخصيةِ لهم الاختيارُ بينَ القَضاءِ الإسلاميِّ وبينَ قَضاءِ طائِفَتِهم، كما أنَّ لهم حُقوقَ المُواطَنةِ والكَرامةِ الإنسانيةِ؛ فإنْ لم يُؤدُّوا الجِزيةَ وامتنَعوا عن ذلك لا تَسقُطُ حُقوقُهم عندَ أبي حَنيفةَ، وإنَّما تَبقى دَينًا في ذِمَّتِهم (١). وعرَّفَها المالِكيةُ بأنَّها: إذنُ الإمامِ لكافرٍ في سُكنى مَوضِعٍ مَخصوصٍ على إعطاءِ مالٍ مَخصوصٍ بشَرطِ كَونِ الكافِرِ على وَصفٍ مَخصوصٍ، ويَكونُ العاقِدُ الإمامَ لا غيرَه، فلو عَقدَها مُسلِمٌ ابتِداءً بغيرِ إذنِ الإمامِ لم تَصحَّ لكنْ يُمنَعُ الاغتيالُ، أي: من القَتلِ والأسْرِ (٢).

стр. 12456

وعرَّفَها الإمامُ الحِصنيُّ من الشافِعيةِ بأنَّها: المالُ المأخوذُ بالتَّراضي لإسكانَنا إيَّاهم في دِيارِنا، أو لحَقنِ دِمائِهم وذَراريِّهم وأموالِهم، أو لكَفِّنا عن قِتالِهم. ثم قالَ: واختارَ القاضي حُسَينٌ الأخيرَ، وضعَّفَ الأولَ بالمَرأةِ؛ فإنَّها تَسكُنُ دارَنا ولا جِزيةَ عليها، وضَعَّف الثانِي بأنَّها تُكرَّرُ، أي: الجِزيةُ، بتَكرُّرِ السِنينَ، وبَذلُ الحَقِّ لا يَتكرَّرُ. وقالَ إمامُ الحَرمَينِ: الوَجهُ أنْ يَجمَعَ مَقاصِدَهم ويَقولَ: هي -أي: مَقاصِدُهم- تُقابِلُ الجِزيةَ (١). وعرَّفَها الحَنابِلةُ بأنَّها: مالٌ يُؤخَذُ منهم على وَجهِ الصَّغارِ كلَّ عامٍ بَدلًا من قَتلِهم وإقامَتِهم بدارِنا (٢). وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: فالجِزيةُ هي الخَراجُ المَضروبُ على رُؤوسِ الكُفارِ إذلالًا وصَغارًا، والمَعنى: حتى يُعطُوا الخَراجَ عن رِقابِهم. واختُلفَ في اشتِقاقِها، فقالَ القاضي في «الأحكامِ السُّلطانيةِ»: اسمُها مُشتَقٌّ من الجَزاءِ؛ إمَّا جَزاءً على كُفرِهم لأخذِها منهم صَغارًا، أو جَزاءً على أمانِنا لهم لأخذِها منهم رِفقًا.

стр. 12457

قالَ صاحِبُ «المُغني» (١): هي مُشتقةٌ من جَزاه، بمَعنى قَضاه؛ لقَولِه : ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]، فتَكونُ الجِزيةُ مِثلَ الفِديةِ. قالَ شَيخُنا: والأولُ أصَحُّ، وهذا يَرجِعُ إلى أنَّها عُقوبةٌ أو أُجرةٌ (٢). متى شُرعَت الجِزيةُ في الإسلامِ؟ بعدَ أنْ تمَّ فَتحُ مَكةَ في أواخِرِ السَّنةِ الثامِنةِ للهِجرةِ، ودخَلَ الناسُ في دينِ اللهِ أفواجًا، واستقَرَّت الجَزيرةُ العَربيةُ على دينِ اللهِ تَعالى، أمَرَ اللهُ رَسولَه الكَريمَ بمُجاهَدةِ أهلِ الكِتابِ من اليَهودِ والنَّصارى في قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩] ولِهذا جهَّزَ رَسولُ اللهِ ﷺ لقتالِ الرُّومِ ودَعا المُسلِمينَ إلى ذلك، وندَبَ الأعرابَ الذين يَسكُنون حَولَ المَدينةِ المُنوَّرةِ إلى قِتالِهم، فأوعَبوا معه، واجتمَعَ من المُقاتِلةِ نَحوُ ثَلاثينَ ألفًا، وتَخلَّفَ بعضُ الناسِ من أهلِ المَدينةِ ومَن حَولَها من المُنافِقينَ وغيرِهم. وخرَجَ رَسولُ اللهِ ﷺ بمَن معه يُريدُ الشامَ في السَّنةِ التاسِعةِ للهِجرةِ، فبلَغ تَبوكَ ونزَلَ بها، وأقامَ فيها نَحوًا من عِشرينَ يَومًا، يُبايِعُ القَبائلَ

стр. 12458

العَربيةَ على الإسلامِ، ويَعقِدُ المُعاهَداتِ مع القَبائِلِ الأُخرى على الجِزيةِ إلى أنْ تَمَّ خُضوعُ تلك المِنطَقةِ لحُكمِ الإسلامِ (١). قالَ الإمامُ الطَّبريُّ ﵀ عندَ تَفسيرِ آيةِ الجِزيةِ: هذه الآيةُ نزَلَت على رَسولِ اللهِ ﷺ في أمرِه بحَربِ الرُّومِ، فغَزا رَسولُ اللهِ ﷺ بعدَ نُزولِها غَزوةَ تَبوكَ. ثم ذكَرَ أنَّ هذا القَولَ مَرويٌّ عن مُجاهِدِ بنِ جَبرٍ (٢). وقالَ الحافِظُ ابنُ كَثيرٍ ﵀: وهذه الآيةُ الكَريمةُ نزَلَت أوَّلَ الأمرِ بقِتالِ أهلِ الكِتابِ بعدَما تَهدَّمت أُمورُ المُشرِكينَ ودخَلَ الناسُ في دينِ اللهِ أفواجًا، فلمَّا استقامَت جَزيرةُ العَربِ أمَرَ اللهُ رَسولَه ﷺ بقِتالِ أهلِ الكِتابَينِ اليَهودِ والنَّصارى، وكانَ ذلك في سَنةِ تِسعٍ (٣). وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: والمَقصودُ أنَّ النَّبيَّ ﷺ لمْ يَأخذِ الجِزيةَ من أحَدِ من مُشرِكي العَربِ؛ لأنَّ آيةَ الجِزيةِ نزَلَت بعدَ عامِ تَبوكَ (٤). الأدِلةُ على مَشروعيةِ الجِزيةِ: ثبتَت مَشروعيةُ الجِزيةِ بالكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ. أمَّا الكِتابُ: فقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ

стр. 12459

الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩] فالآيةُ تَدلُّ على مَشروعيةِ أخذِ الجِزيةِ من أهلِ الكِتابِ الذين وصَفهم اللهُ تَعالى بالصِّفاتِ المَذكورةِ فيها. ولِهذا شرَعَ اللهُ مُجاهَدةَ الكافِرينَ ومُقاتَلَتَهم حتى يَرجِعوا عن تلك الصِّفاتِ ويَدخلوا الدِّينَ الحَقَّ أو يُعطُوا الجِزيةَ عن يَدٍ وهُم صاغِرونَ (١). قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: هذه الآيةُ هي الأصلُ في مَشروعيةِ الجِزيةِ (٢). وأمَّا السُّنةُ فقد ورَدت فيها أحاديثُ كَثيرةٌ، منها: ما رَواه مُسلِمٌ وغيرُه عن بُرَيدةَ ﵁ قالَ: كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذا أمَّرَ أميرًا على جَيشٍ أو سَرِيةٍ أوصاه في خاصَّةِ نَفسِه بتَقوى اللهِ ومن معه مِنْ المُسلِمينَ خَيرًا، ثم قالَ: «اغْزُوا باسمِ اللهِ في سَبيلِ اللهِ، قاتِلوا مَنْ كفَر باللهِ، اغزُوا ولا تَغُلُّوا ولا تَغدِروا ولا تُمثِّلوا ولا تَقتُلوا وَليدًا، وإذا لقيت عَدوَّك من المُشرِكينَ فادْعُهم إلى ثَلاثِ خِلالٍ، فأيَّتهُنَّ ما أجابوك إليها فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم؛ ثم ادْعُهم إلى الدُّخولِ في الإسلامِ؛ فإنْ فعَلوا فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم، ثم ادْعُهم إلى التَّحوُّلِ عن دارِهم إلى دارِ المُهاجِرينَ، وأخبِرْهم بأنَّهم إنْ فعَلوا ذلك فلهم ما للمُهاجِرينَ وعليهم ما على المُهاجِرينَ؛ فإنْ أبَوْا أنْ يَتحوَّلوا منها فأخبِرْهم أنَّهم يَكونونَ كأعرابِ

стр. 12460

المُسلِمينَ، يَجري عليهم حُكمُ اللهِ الذي يَجري على المُؤمِنينَ، ولا يَكونُ لهم في الغَنيمةِ والفَيءِ شَيءٌ إلا أنْ يُجاهِدوا مع المُسلِمينَ؛ فإنْ هُمْ أبَوْا فسَلْهم الجِزيةَ، وإنْ هُمْ أَجابوكَ فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم؛ فإنْ أبَوْا فاستَعِنْ باللهِ وقاتِلْهم» (١). فقَولُه ﷺ : «فإنْ هم أبَوْا فسَلْهم الجِزيةَ» يَدلُّ على مَشروعيةِ الجِزيةِ وإقرارِها. وأمَّا الإجماعُ: فقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَعَ المُسلِمونَ على جَوازِ أخذِ الجِزيةِ في الجُملةِ (٢). وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: أجمَعَ الفُقهاءُ على أنَّ الجِزيةَ تُؤخذُ من أهلِ الكِتابِ ومن المَجوسِ (٣). الحِكمةُ من مَشروعيةِ الجِزيةِ: قالَ ابنُ مَنظورٍ ﵀: قَولُه : ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩] قيلَ: مَعناه عن ذُلٍّ وعن اعتِرافٍ للمُسلِمينَ بأنَّ أيديَهم فوقَ أَيدِيهم، وقيلَ: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ أي: عن إنعامٍ عليهم بذلك؛ لأنَّ قَبولَ الجِزيةِ وتَركَ أنفُسِهم عليهم نِعمةٌ عليهم ويَدٌ من المَعروفِ جَزيلةٌ،

стр. 12461

وقيلَ: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ أي: عن قَهرٍ وذُلٍّ واستِسلامٍ كما تَقولُ: اليَدُ في هذا لفُلانٍ، أي: الأمرُ النافِذُ لفُلانٍ، ورُوي عن عُثمانَ البَزِّيِّ: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ قالَ: نَقدًا عن ظَهرِ يَدٍ ليسَ بنَسيئةٍ. وقالَ أبو عُبيدةَ: كلُّ مَنْ أطاعَ لمَن قهَرَه فأَعطاه عن غيرِ طِيبةِ نَفسِه، فقد أَعطاها عن يَدٍ (١). وقد ذكَرَ المُفسِّرونَ هذه المَعانيَ عندَ تَفسيرِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿عَنْ يَدٍ﴾: فقالَ الزَّمخشَريُّ ﵀: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ إمَّا أنْ يُرادَ يَدُ المُعطي أو الآخِذِ، فمَعناه: على إرادةِ يَدِ المُعطي حتى يُعطُوها عن يَدٍ: أي: عن يَدٍ مُؤاتيةٍ غيرِ مُمتنِعةٍ؛ لأنَّ مَنْ أبى وامتنَعَ لم يُعطِ يَدَه، بخِلافِ المُطيعِ المُنقادِ، ولذلك قالُوا: أعطى بيَدِه، إذا انقادَ وأصحَبَ، ألا تَرى إلى قَولِهم: نزَعَ يَدَه عن الطاعةِ، كما يُقالُ: خلَعَ رِبقةَ الطاعةِ عن عُنقِه، أو حتى يُعطُوها عن يَدٍ إلى يَدٍ نَقدًا غيرَ نَسيئةٍ، لا مَبعوثةً على يَدٍ أحدٍ. ولكنْ عن يَدِ المُعطي إلى يَدِ الآخِذِ، وأمَّا على إرادةِ يَدِ الآخِذِ فمَعناه: حتى يُعطُوها عن يَدٍ قاهِرةٍ مُستوليةٍ، أو عن إنعامٍ عليهم؛ لأنَّ قَبولَ الجِزيةِ منهم وتَرْكَ أرواحِهم لهم نِعمةٌ عَظيمةٌ عليهم (٢). وفسَّر الشافِعيُّ الصَّغارَ بإجراءِ حُكمِ الإسلامِ عليهم، حيثُ قالَ: سَمِعتُ رِجالًا من أهلِ العِلمِ يَقولون: الصَّغارُ أنْ يَجريَ عليهم حُكمُ

стр. 12462

الإسلامِ، وما أشبَهَ ما قالُوا بما قالُوا؛ لامتِناعِهم من الإسلامِ. فإذا جَرى عليهم حُكمُه فقد أصغَروا بما يَجري عليهم منه، فعلى هذا المَعنى يَكونُ دَفعُ الجِزيةِ من الكافِرينَ ويَكونُ الخُضوعُ لسُلطانِ المُسلِمينَ مُوجِبًا للصَّغارِ (١). وقالَ ابنُ كَثيرٍ ﵀: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ أي: عن قَهرٍ لهم وغَلبةٍ ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، أي: وهُم ذَليلونَ حَقيرونَ مُهانونَ؛ فلهذا لا يَجوزُ إعزازُ أهلِ الذِّمةِ ولا رَفعُهم على المُسلِمينَ، بل هُمْ أذِلَّاءُ صَغَرةٌ أشقياءُ (٢). وقالَ الفَخرُ الرازيُّ ﵀: ههنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأولُ: كانَ ابنُ الراوَنديِّ يَطعَنُ في القُرآنِ ويَقولُ: إنَّه ذكَرَ في تَعظيمِ كُفرِ النَّصارى قَولَه: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٠، ٩١]، فبيَّن أنَّ إظهارَهم لهذا القَولِ بلَغ إلى هذا الحَدِّ، ثم إنَّه لمَّا أخَذَ منهم دِينارًا واحِدًا قرَّرهم عليه وما منَعَهم منه. والجَوابُ: ليسَ المَقصودُ من أخْذِ الجِزيةِ تَقريرَه على الكُفرِ، بل المَقصودُ منها حَقنُ دَمِه وإمهالُه مُدةً، رَجاءَ أنَّه رُبَّما وقَفَ في هذه المُدةِ على مَحاسِنِ الإسلامِ وقُوةِ دَلائِلِه، فيَنتقِلُ من الكُفرِ إلى الإيمانِ. السُّؤالُ الثانِي: هل يَكفي في حَقنِ الدَّمِ دَفعُ الجِزيةِ أو لا؟

стр. 12463

والجَوابُ: أنَّه لا بدَّ معه من إلحاقِ الذُّلِّ والصَّغارِ للكُفرِ؛ والسَّببُ فيه أنَّ طَبعَ العاقِلِ يَنفِرُ عن تَحمُّلِ الذُّلِّ والصَّغارِ، فإذا أُمهِل الكافِرُ مُدةً وهو يُشاهِدُ عِزَّ الإسلامِ ويَسمَعُ دَلائِلَ صِحَّتِه، ويُشاهِدُ الذُّلَّ والصَّغارَ في الكُفرِ، فالظاهِرُ أنَّه يَحمِلُه ذلك على الانتِقالَ إلى الإسلامِ، فهذا هو المَقصودُ من شَرعِ الجِزيةِ (١). الجِزيةُ وَسيلةٌ لهِدايةِ أهلِ الذِّمةِ: قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: قالَ العُلماءُ: الحِكمةُ في وَضعِ الجِزيةِ بَيانُ الذُّلِّ الذي يَلحَقُهم ويَحمِلُهم على الدُّخولِ في الإسلامِ مع ما في مُخالَطةِ المُسلِمينَ من الاطِّلاعِ على مَحاسِنِ الإسلامِ (٢). قالَ الحَطابُ ﵀: وممَّا يَدلُّ على الحِكمةِ المَذكورةِ أنَّه لمَّا حصَلَ صُلحُ الحُدَيبيةِ وخالَط المُسلِمونَ الكُفارَ آمنِين أسلَم بسَببِ ذلك خَلقٌ كَثيرٌ، كما قالَ ذلك أيضًا في صُلحِ الحُدَيبيةِ، ونَصُّه: «ولقد دخَلَ في تَينِكَ السَّنتَينِ خَلقٌ كَثيرٌ مِثلَ مَنْ كانَ في الإسلامِ قبلَ ذلك، أو أكثَرَ، يَعني مِنْ صناديدِ قُريشٍ» (٣). وقالَ إلكيا الهِرَّاسيُّ في «أحكامِ القُرآنِ»: فكما يَقتَرِنُ بالزَّكاةِ المَدحُ والإعظامُ والدُّعاءُ له، فيَقتَرِنُ بالجِزيةِ الذُّلُّ والذَّمُّ، ومتى أُخِذت على

стр. 12464

هذا الوَجهِ كانَ أقرَبَ إلى ألَّا يَثبُتوا على الكُفرِ لما يَتداخَلُهم من الأنَفةِ والعارِ، وما كانَ أقرَبَ إلى الإقلاعِ عن الكُفرِ فهو أصلَحُ في الحِكمةِ وأوْلى بوَضعِ الشَّرعِ (١). وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: وأمَّا مَصلَحةُ أهلِ الشِّركِ فما في بَقائِهم من رَجاءِ إسلامِهم إذا شاهَدوا أعلامَ الإسلامِ وبَراهينَه -أو بلُغتِهم أخبارَه- فلا بدَّ أنْ يَدخُلَ في الإسلامِ بَعضُهم، وهذا أحَبُّ إلى اللهِ مِنْ قَتلِهم. والمَقصودُ إنَّما هو أنْ تَكونَ كَلِمةُ اللهِ هي العُليا، ويَكونَ الدِّينُ كلُّه للهِ، وليسَ في إبقائِهم بالجِزيةِ ما يُناقِضُ هذا المَعنى، كما أنَّ إبقاءَ أهلِ الكِتابِ بالجِزيةِ بينَ ظُهورِ المُسلِمينَ لا يُنافي كَونَ كَلِمةِ اللهِ هي العُليا وكَونَ الدِّينِ كلِّه للهِ ؛ فإنَّ مِنْ كَونِ الدِّينِ كلِّه للهِ إذلالَ الكُفرِ وأهلِه وصَغارَه وضَربَ الجِزيةِ على رُؤوسِ أهلِه وكذلك الرِّقُ على رِقابِهم، فهذا من دِينِ اللهِ ، ولا يُناقِضُ هذا إلا تَركُ الكُفارِ على عِزِّهم وإقامةِ دِينِهم كما يُحِبُّون؛ بحيثُ تَكونُ لهم الشَّوكةُ والكَلِمةُ، واللهُ أعلَمُ (٢). هل الجِزيةُ عِوضٌ على التَّمادي على الكُفرِ: قالَ الإمامُ القَرافِيُّ ﵀: الفَرقُ السابِعَ عشَرَ والمِئةُ بينَ قاعِدةِ أَخذِ الجِزيةِ على التَّمادي على الكُفرِ فيَجوزُ، وبينَ قاعِدةِ أَخذِ الأعواضِ على التَّمادي على الزِّنا وغيرِه من المَفاسِدِ؛ فإنَّه لا يَجوزُ إجماعًا.

стр. 12465

وقد أورَد بعضُ الطَّاعِنينَ في الدِّينِ سُؤالًا في الجِزيةِ، فقالَ: شَأنُ الشَّرائِعِ دَفعُ أعظَمِ المَفسدتَينِ بإيقاعِ أدناهما وتَفويتِ المَصلَحةِ الدُّنيا بدَفعِ المَفسدةِ العُليا، فمَفسَدةُ الكُفرِ تَربو على مَصلَحةِ المأخوذِ من الجِزيةِ من أموالِ الكُفارِ، بل على جُملةِ الدُّنيا وما فيها، فَضلًا على هذا النَّزرِ اليسَيرِ، فلمَ ورَدَت الشَّريعةُ المُحمَّديةُ بذلك؟ ولمَ حتَّمَ القَتلَ دَرءًا لمَفسَدةِ الكُفرِ؟ وجَوابُ هذا السُّؤالِ هو سِرُّ الفَرقِ بينَ القاعِدتَينِ، وذلك أنَّ قاعِدةَ الجِزيةِ من بابِ التِزامِ المَفسَدةِ الدُّنيا لدَفعِ المَفسدةِ العُليا وتَوقُّعِ المَصلَحةِ العُليا، وذلك هو شأنُ القَواعِدِ الشَّرعيةِ؛ بَيانُه أنَّ الكافِرَ إذا قُتلَ انسَدَّ عليه بابُ الإيمانِ وبابُ مَقامِ سَعادةِ الجِنانِ، وتَحتَّمَ عليه الكُفرُ والخُلودُ في النِّيرانِ وغَضبُ الدَّيانِ؛ فشرَعَ اللهُ تَعالى الجِزيةَ رَجاءَ أنْ يُسلِمَ في مُستقبَلِ الأزمانِ، لا سيَّما مع اطِّلاعِه على مَحاسنِ الإسلامِ والإلجاءِ إليه بالذُّلِّ والصَّغارِ في أخذِ الجِزيةِ. فإذا أسلَمَ لزِمَ من إسلامِه إسلامُ ذُرِّيتِه، فاتَّصلَت سِلسِلةُ الإسلامِ مِنْ قِبَلِه بَدلًا عن ذلك الكُفرِ، وإنْ ماتَ على كُفرِه ولم يُسلِمْ فنحن نتوَقَّعُ إسلامَ ذُرِّيتِه المُخلَّفينَ من بَعدِه، وكذلك يَحصُلُ التَّوقُّعُ من ذُرِّيةِ ذُرِّيتِه إلى يَومِ القِيامةِ، فساعةٌ من إيمانٍ تَعدِلُ دَهرًا من كُفرٍ، وكذلك خلَقَ اللهُ تَعالى آدَم على وَفقِ الحِكمةِ وأكثَرُ ذُرِّيتِه كُفارٌ، وعَدَ النَّبيُّ ﷺ خَلقَه من جُملةِ البَركاتِ المُوجِبةِ لتَعظيمِ يَومِ الجُمُعةِ فقالَ في تَعظيمِه لمَّا ساق تَعظيمَه والثَّناءَ عليه في الحَديثِ الصَّحيحِ: «أفضَلُ يَومٍ طَلَعتْ عليه الشَّمسُ
следующие страницы →