وقيلَ: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ أي: عن قَهرٍ وذُلٍّ واستِسلامٍ كما تَقولُ: اليَدُ في هذا لفُلانٍ، أي: الأمرُ النافِذُ لفُلانٍ، ورُوي عن عُثمانَ البَزِّيِّ: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ قالَ: نَقدًا عن ظَهرِ يَدٍ ليسَ بنَسيئةٍ.
وقالَ أبو عُبيدةَ: كلُّ مَنْ أطاعَ لمَن قهَرَه فأَعطاه عن غيرِ طِيبةِ نَفسِه، فقد أَعطاها عن يَدٍ (١).
وقد ذكَرَ المُفسِّرونَ هذه المَعانيَ عندَ تَفسيرِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿عَنْ يَدٍ﴾:
فقالَ الزَّمخشَريُّ ﵀: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ إمَّا أنْ يُرادَ يَدُ المُعطي أو الآخِذِ، فمَعناه: على إرادةِ يَدِ المُعطي حتى يُعطُوها عن يَدٍ: أي: عن يَدٍ مُؤاتيةٍ غيرِ مُمتنِعةٍ؛ لأنَّ مَنْ أبى وامتنَعَ لم يُعطِ يَدَه، بخِلافِ المُطيعِ المُنقادِ، ولذلك قالُوا: أعطى بيَدِه، إذا انقادَ وأصحَبَ، ألا تَرى إلى قَولِهم: نزَعَ يَدَه عن الطاعةِ، كما يُقالُ: خلَعَ رِبقةَ الطاعةِ عن عُنقِه، أو حتى يُعطُوها عن يَدٍ إلى يَدٍ نَقدًا غيرَ نَسيئةٍ، لا مَبعوثةً على يَدٍ أحدٍ.
ولكنْ عن يَدِ المُعطي إلى يَدِ الآخِذِ، وأمَّا على إرادةِ يَدِ الآخِذِ فمَعناه: حتى يُعطُوها عن يَدٍ قاهِرةٍ مُستوليةٍ، أو عن إنعامٍ عليهم؛ لأنَّ قَبولَ الجِزيةِ منهم وتَرْكَ أرواحِهم لهم نِعمةٌ عَظيمةٌ عليهم (٢).
وفسَّر الشافِعيُّ الصَّغارَ بإجراءِ حُكمِ الإسلامِ عليهم، حيثُ قالَ: سَمِعتُ رِجالًا من أهلِ العِلمِ يَقولون: الصَّغارُ أنْ يَجريَ عليهم حُكمُ
стр. 12462
الإسلامِ، وما أشبَهَ ما قالُوا بما قالُوا؛ لامتِناعِهم من الإسلامِ. فإذا جَرى عليهم حُكمُه فقد أصغَروا بما يَجري عليهم منه، فعلى هذا المَعنى يَكونُ دَفعُ الجِزيةِ من الكافِرينَ ويَكونُ الخُضوعُ لسُلطانِ المُسلِمينَ مُوجِبًا للصَّغارِ (١).
وقالَ ابنُ كَثيرٍ ﵀: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ أي: عن قَهرٍ لهم وغَلبةٍ ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، أي: وهُم ذَليلونَ حَقيرونَ مُهانونَ؛ فلهذا لا يَجوزُ إعزازُ أهلِ الذِّمةِ ولا رَفعُهم على المُسلِمينَ، بل هُمْ أذِلَّاءُ صَغَرةٌ أشقياءُ (٢).
وقالَ الفَخرُ الرازيُّ ﵀: ههنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأولُ: كانَ ابنُ الراوَنديِّ يَطعَنُ في القُرآنِ ويَقولُ: إنَّه ذكَرَ في تَعظيمِ كُفرِ النَّصارى قَولَه: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٠، ٩١]، فبيَّن أنَّ إظهارَهم لهذا القَولِ بلَغ إلى هذا الحَدِّ، ثم إنَّه لمَّا أخَذَ منهم دِينارًا واحِدًا قرَّرهم عليه وما منَعَهم منه.
والجَوابُ: ليسَ المَقصودُ من أخْذِ الجِزيةِ تَقريرَه على الكُفرِ، بل المَقصودُ منها حَقنُ دَمِه وإمهالُه مُدةً، رَجاءَ أنَّه رُبَّما وقَفَ في هذه المُدةِ على مَحاسِنِ الإسلامِ وقُوةِ دَلائِلِه، فيَنتقِلُ من الكُفرِ إلى الإيمانِ.
السُّؤالُ الثانِي: هل يَكفي في حَقنِ الدَّمِ دَفعُ الجِزيةِ أو لا؟
стр. 12463
والجَوابُ: أنَّه لا بدَّ معه من إلحاقِ الذُّلِّ والصَّغارِ للكُفرِ؛ والسَّببُ فيه أنَّ طَبعَ العاقِلِ يَنفِرُ عن تَحمُّلِ الذُّلِّ والصَّغارِ، فإذا أُمهِل الكافِرُ مُدةً وهو يُشاهِدُ عِزَّ الإسلامِ ويَسمَعُ دَلائِلَ صِحَّتِه، ويُشاهِدُ الذُّلَّ والصَّغارَ في الكُفرِ، فالظاهِرُ أنَّه يَحمِلُه ذلك على الانتِقالَ إلى الإسلامِ، فهذا هو المَقصودُ من شَرعِ الجِزيةِ (١).
الجِزيةُ وَسيلةٌ لهِدايةِ أهلِ الذِّمةِ:
قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: قالَ العُلماءُ: الحِكمةُ في وَضعِ الجِزيةِ بَيانُ الذُّلِّ الذي يَلحَقُهم ويَحمِلُهم على الدُّخولِ في الإسلامِ مع ما في مُخالَطةِ المُسلِمينَ من الاطِّلاعِ على مَحاسِنِ الإسلامِ (٢).
قالَ الحَطابُ ﵀: وممَّا يَدلُّ على الحِكمةِ المَذكورةِ أنَّه لمَّا حصَلَ صُلحُ الحُدَيبيةِ وخالَط المُسلِمونَ الكُفارَ آمنِين أسلَم بسَببِ ذلك خَلقٌ كَثيرٌ، كما قالَ ذلك أيضًا في صُلحِ الحُدَيبيةِ، ونَصُّه:
«ولقد دخَلَ في تَينِكَ السَّنتَينِ خَلقٌ كَثيرٌ مِثلَ مَنْ كانَ في الإسلامِ قبلَ ذلك، أو أكثَرَ، يَعني مِنْ صناديدِ قُريشٍ» (٣).
وقالَ إلكيا الهِرَّاسيُّ في «أحكامِ القُرآنِ»: فكما يَقتَرِنُ بالزَّكاةِ المَدحُ والإعظامُ والدُّعاءُ له، فيَقتَرِنُ بالجِزيةِ الذُّلُّ والذَّمُّ، ومتى أُخِذت على
стр. 12464
هذا الوَجهِ كانَ أقرَبَ إلى ألَّا يَثبُتوا على الكُفرِ لما يَتداخَلُهم من الأنَفةِ والعارِ، وما كانَ أقرَبَ إلى الإقلاعِ عن الكُفرِ فهو أصلَحُ في الحِكمةِ وأوْلى بوَضعِ الشَّرعِ (١).
وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: وأمَّا مَصلَحةُ أهلِ الشِّركِ فما في بَقائِهم من رَجاءِ إسلامِهم إذا شاهَدوا أعلامَ الإسلامِ وبَراهينَه -أو بلُغتِهم أخبارَه- فلا بدَّ أنْ يَدخُلَ في الإسلامِ بَعضُهم، وهذا أحَبُّ إلى اللهِ مِنْ قَتلِهم.
والمَقصودُ إنَّما هو أنْ تَكونَ كَلِمةُ اللهِ هي العُليا، ويَكونَ الدِّينُ كلُّه للهِ، وليسَ في إبقائِهم بالجِزيةِ ما يُناقِضُ هذا المَعنى، كما أنَّ إبقاءَ أهلِ الكِتابِ بالجِزيةِ بينَ ظُهورِ المُسلِمينَ لا يُنافي كَونَ كَلِمةِ اللهِ هي العُليا وكَونَ الدِّينِ كلِّه للهِ ؛ فإنَّ مِنْ كَونِ الدِّينِ كلِّه للهِ إذلالَ الكُفرِ وأهلِه وصَغارَه وضَربَ الجِزيةِ على رُؤوسِ أهلِه وكذلك الرِّقُ على رِقابِهم، فهذا من دِينِ اللهِ ، ولا يُناقِضُ هذا إلا تَركُ الكُفارِ على عِزِّهم وإقامةِ دِينِهم كما يُحِبُّون؛ بحيثُ تَكونُ لهم الشَّوكةُ والكَلِمةُ، واللهُ أعلَمُ (٢).
هل الجِزيةُ عِوضٌ على التَّمادي على الكُفرِ:
قالَ الإمامُ القَرافِيُّ ﵀: الفَرقُ السابِعَ عشَرَ والمِئةُ بينَ قاعِدةِ أَخذِ الجِزيةِ على التَّمادي على الكُفرِ فيَجوزُ، وبينَ قاعِدةِ أَخذِ الأعواضِ على التَّمادي على الزِّنا وغيرِه من المَفاسِدِ؛ فإنَّه لا يَجوزُ إجماعًا.
стр. 12465
وقد أورَد بعضُ الطَّاعِنينَ في الدِّينِ سُؤالًا في الجِزيةِ، فقالَ: شَأنُ الشَّرائِعِ دَفعُ أعظَمِ المَفسدتَينِ بإيقاعِ أدناهما وتَفويتِ المَصلَحةِ الدُّنيا بدَفعِ المَفسدةِ العُليا، فمَفسَدةُ الكُفرِ تَربو على مَصلَحةِ المأخوذِ من الجِزيةِ من أموالِ الكُفارِ، بل على جُملةِ الدُّنيا وما فيها، فَضلًا على هذا النَّزرِ اليسَيرِ، فلمَ ورَدَت الشَّريعةُ المُحمَّديةُ بذلك؟ ولمَ حتَّمَ القَتلَ دَرءًا لمَفسَدةِ الكُفرِ؟
وجَوابُ هذا السُّؤالِ هو سِرُّ الفَرقِ بينَ القاعِدتَينِ، وذلك أنَّ قاعِدةَ الجِزيةِ من بابِ التِزامِ المَفسَدةِ الدُّنيا لدَفعِ المَفسدةِ العُليا وتَوقُّعِ المَصلَحةِ العُليا، وذلك هو شأنُ القَواعِدِ الشَّرعيةِ؛ بَيانُه أنَّ الكافِرَ إذا قُتلَ انسَدَّ عليه بابُ الإيمانِ وبابُ مَقامِ سَعادةِ الجِنانِ، وتَحتَّمَ عليه الكُفرُ والخُلودُ في النِّيرانِ وغَضبُ الدَّيانِ؛ فشرَعَ اللهُ تَعالى الجِزيةَ رَجاءَ أنْ يُسلِمَ في مُستقبَلِ الأزمانِ، لا سيَّما مع اطِّلاعِه على مَحاسنِ الإسلامِ والإلجاءِ إليه بالذُّلِّ والصَّغارِ في أخذِ الجِزيةِ.
فإذا أسلَمَ لزِمَ من إسلامِه إسلامُ ذُرِّيتِه، فاتَّصلَت سِلسِلةُ الإسلامِ مِنْ قِبَلِه بَدلًا عن ذلك الكُفرِ، وإنْ ماتَ على كُفرِه ولم يُسلِمْ فنحن نتوَقَّعُ إسلامَ ذُرِّيتِه المُخلَّفينَ من بَعدِه، وكذلك يَحصُلُ التَّوقُّعُ من ذُرِّيةِ ذُرِّيتِه إلى يَومِ القِيامةِ، فساعةٌ من إيمانٍ تَعدِلُ دَهرًا من كُفرٍ، وكذلك خلَقَ اللهُ تَعالى آدَم على وَفقِ الحِكمةِ وأكثَرُ ذُرِّيتِه كُفارٌ، وعَدَ النَّبيُّ ﷺ خَلقَه من جُملةِ البَركاتِ المُوجِبةِ لتَعظيمِ يَومِ الجُمُعةِ فقالَ في تَعظيمِه لمَّا ساق تَعظيمَه والثَّناءَ عليه في الحَديثِ الصَّحيحِ: «أفضَلُ يَومٍ طَلَعتْ عليه الشَّمسُ
стр. 12466
يَومُ الجُمُعةِ، فيه خُلقَ آدَمُ وفيه تِيبَ عليه، وفيه تَقومُ الساعةُ» (١). فجعَلَ خلْقَ آدمَ ﵇ من جُملةِ فَضائلِه؛ لأنَّ خلْقَه سَببُ وُجودِ الأنبياءِ ﵈ والصالِحينَ وأهلِ الطاعةِ والمُؤمِنينَ، وإنْ كانَ مع كلِّ رَجلٍ مُسلمٍ المِئُون من الكُفارِ فلا عِبرةَ بهم لأجلِ ذلك المُسلمِ الواحِدِ ولذلك جاءَ في الحَديثِ الصَّحيحِ عن رَسولِ اللهِ ﷺ : «أنَّ اللهَ تَعالى يَقولُ لآدمَ ﵇ ابعَثَ بعْثَ النارِ، فيَخرجُ مِنْ كلِّ ألفٍ تِسْعُمئةٍ وتِسْعةٌ وتِسْعونَ» (٢) فيَبقَى من كلِّ ألْفٍ واحِدٌ والبَقيةُ كُفارٌ، فجازَ أهلُ النارِ والمعاصي والفُجورِ، ومع ذلك كانَ ذلك الواحِدُ تَربو مَصلَحةُ إسلامِه على مَفسَدةِ أولئك، وأنَّهم كالعَدمِ الصِّرفِ بالنِّسبةِ إلى نُورِ الإيمانِ وعِبادةِ الرَّحمنِ، فتأمَّلْ ذلك، فكذلك ههنا إيمانٌ يُتوقَّعُ من الأصلِ أو من آحادِ الذَّراريِّ لا يَعدِلُه شَيءٌ من ذلك الكُفرِ الواقِعِ من غيرِه فعَقدُ الجِزيةِ من آثارِ رَحمةِ اللهِ تَعالى ومِن الشَّرائعِ الواقِعةِ على وَفقِ الحِكمةِ ولم تُؤخَذِ الجِزيةُ من الكُفارِ لتَحصيلِ مَصلَحةِ تلك الدَّراهمِ المَأخوذةِ منه، بل لتَوقعِ هذه المَصلَحةِ أو المَصالحِ العَظيمةِ بالتِزامِ تلك المَفسَدةِ الحَقيرةِ بخِلافِ أخذِ المالِ على مُداومةِ الزِّنا أو غيرِه من المَفاسِدِ؛ فإنَّ ذلك تَرجيحٌ للمَصلحةِ الحَقيرةِ التي هي الدَّراهمُ على المَفسدةِ العَظيمةِ التي هي مَعصيةُ اللهِ تَعالى، نَعمْ لو عَجَزنا عن إزالةِ مُنكَرٍ من هذه المُنكَراتِ إلا بدَفعِ دَراهمَ دَفَعناها لمَن يأكُلُها حَرامًا حتى
стр. 12467
يتَرُكَ ذلك المُنكَرَ العَظيمَ كما يُدفَعُ المالُ في فِداءِ الأُسارى، والكُفارُ مُخاطَبونَ بفُروعِ الشَّريعةِ يَحرُمُ عليهم أكلُ ذلك المالِ ليُتوصَّلَ بذلك المُحرَّمِ لتَخليصِ الأسيرِ من أيدي العَدوِّ، ولذلك يُعطى المُحارِبُ المالَ اليَسيرَ كالثَّوبِ ونَحوِه ليَسلمَ صاحِبُه من المُقاتِلةِ معه فيَموتَ أحدُهما أو كِلاهما، أو يَكونَ المَأخوذُ من المالِ على وَجهِ التَّحريمِ والمَعصيةِ أكثَرَ.
وأمَّا دَفعُ المالِ لغَرضِ المُداوَمةِ على المَعصيةِ ليسَ إلا، فهذا لمْ يَقعْ في الشَّريعةِ بل الشَّريعةُ تُحرِّمُه ولا تُبيحُه، فهذه القاعِدةُ مَفسَدةٌ صِرفةٌ فلمْ تُشرَعْ، وقاعِدةُ الجِزيةِ مُشتمِلةٌ على التِزامِ المَفسَدةِ القَليلةِ لدَفعِ المَفسَدةِ العَظيمةِ وتَوقُّعِ المَصلَحةِ العَظيمةِ، فشُرعَت، فهذا هو الفَرقُ بينَ القاعِدتَينِ (١).
وقالَ ابنُ الأزرقِ ﵀: الفَرقُ بينَ جَوازِ أخذِ الجِزيةِ على الكُفرِ ومَنعِ أخذِ العِوَضِ عن المَعصيةِ -مُلخَّصًا بالمَعنى من كَلامِ القَرافيِّ- أنَّ الجِزيةَ مُشتمِلةٌ على العِوَضِ على التِزامِ مَفسَدةٍ قَليلةٍ لدَفع مَفسدةٍ عَظيمةٍ وتَوقُّعِ مَصلحةٍ عُليا، فأخذُ العِوَضِ عن المَعصيةِ مُتضمِّنٌ لتَرجيحِ مَصلَحةٍ حَقيرةٍ على مَفسَدةٍ عَظيمةٍ؛ وذلك لأنَّ الكافِرَ إذا قُتلَ فإنَّه فاتَه الإيمانُ.
فشُرعَت الجِزيةُ رَجاءَ أنْ يُسلِمَ في المُستقبَلِ، وإذْ ذاك تَتبَعُه ذُرِّيتُه وتَتِّصِلُ سِلسِلةُ الإسلامِ من قِبَلِه، وإنْ ماتَ على كُفرِه فإسلامُ ذُرِّيَّتِه مُتوقَّعٌ إلى يَومِ القيامةِ، فساعةٌ من الإيمانِ تَعدِلُ دُهورًا من الكُفرِ، ومِن ثَمَّ كانَ
стр. 12468
خَلقُ آدمَ ﵇ على وَفقِ الحِكمةِ، وأكثَرُ ذُرِّيتِه كُفارٌ، وعندَ ذلك لمْ تُشرَعْ الجِزيةُ لمَصلَحةِ المَأخوذِ فقط، بل لما أُشيرَ إليه، ولا كذلك أخذُ العِوضِ عن المَعصيةِ لرُجحانِ مَفسَدتِه بكلِّ اعتِبارٍ (١).
وقالَ العِزُّ بنُ عبدِ السَّلامِ: المِثالُ الخامِسُ والثَّلاثونَ: التَّقريرُ بالجِزيةِ، وهو مُختصٌّ بأهلِ الكِتابَينِ والمَجوسِ؛ لإيمانِهم بالكُتُبِ السَّماويةِ التي يُوافِقُ مُعظَمُ أحكامِها أحكامَ الإسلامِ، فخَفَّ كُفرُهم لإيمانِهم بتلك الأحكامِ، بخِلافِ مَنْ جحَدَها؛ فإنَّه كذَّبَ اللهَ سُبحانَه في مُعظمِ أَحكامِه وكَلامِه، فكانَ كُفرُه أغلَظ، بخِلافِ مَنْ آمَنَ بالأكثَرِ وكفَرَ بالأقَلِّ.
ولا تُؤخذُ الجِزيةُ عن تَقريرِهم على الكُفرِ؛ إذْ ليسَ مِنْ إِجلالِ الرَّبِّ أنْ تُؤخذَ الأَعواضُ على التَّقريرِ على سَبِّه وشَتمِه ونِسبَتِه إلى ما لا يَليقُ بعَظمَتِه، ومَن ذهَبَ إلى ذلك فقد أبعَدَ.
وإنَّما الجِزيةُ مأخوذةٌ عِوضًا عن حَقنِ دِمائِهم وصيانةِ أموالِهم وحُرَمِهم وأطفالِهم مع الذَّبِّ عنهم إنْ كانُوا في ديارِنا، وليسَت مَأخوذةً عن سُكنى دارِ الإسلامِ؛ إذْ يَجوزُ عَقدُ الذِّمةِ مع تَقريرِهم في ديارِهم (٢).
لِماذا وجَبَت الجِزيةُ؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في حَقيقةِ الجِزيةِ، هل هي عُقوبةٌ على الإصرارِ على الكُفرِ، أو أنَّها عِوضٌ عن مُعوَّضٍ، أو أنَّها صِلةٌ ماليةٌ وليسَت عِوضًا عن شَيءٍ؟
стр. 12469
فذهَبَ أبو حَنيفةَ وبَعضُ المالِكيةِ وابنُ القَيمِ من الحَنابِلةِ إلى أنَّها وجَبَت عُقوبةً على الإصرارِ على الكُفرِ، ولِهذا لا تُقبَلُ من الذِّميِّ إذا بعَثَ بها مع شَخصٍ آخَرَ، بل يُكلَّفُ أنْ يأتِيَ بها بنَفسِه، فيُعطيَ قائِمًا والقابِضُ منه يَكونُ قاعِدًا.
قالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: ولِأبي حَنيفةَ ﵀ أنَّها وجَبَت عُقوبةً على الإصرارِ على الكُفرِ على ما بَيَّناه ولِهذا لا تُقبَلُ منه لو بعَثَ على يَدِ نائِبِه في أصَحِّ الرِّواياتِ بل يُكلَّفُ أنْ يأتِيَ بها بنَفسِه فيُعطيَ قائِمًا والقابِضُ منه يَكونُ قاعِدًا، وفي رِوايةٍ يَأخذُ بتَلبيبِه ويَهُزُّه هَزًّا ويَقولُ: أعطِ الجِزيةَ يا ذِميُّ، فثبَتَ أنَّها عُقوبةٌ (١).
واستدَلُّوا لذلك بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩].
قالَ ابنُ عَباسٍ في تَفسيرِ قَولِه: ﴿عَنْ يَدٍ﴾: يَدفعُها بنَفسِه غيرَ مُستَنيبٍ فيها أحَدًا (٢)، فلا بدَّ من أداءِ الجِزيةِ وهو بحالةِ الذُّلِّ والصَّغارِ عُقوبةً له على الإصرارِ على الكُفرِ.
ولأنَّ الجِزيةَ مُشتقةٌ من الجَزاءِ، وهو إمَّا أنْ يُطلقَ على الثَّوابِ بسَببِ الطاعةِ، وإمَّا أنْ يُطلَقَ على العُقوبةِ بسَببِ المَعصيةِ، ولا شَكَّ في انتِفاءِ الأولِ؛ لأنَّ الكُفرَ مَعصيةٌ وشَرٌّ، وليسَ طاعةً، فيَتعيَّنُ الثانِي للجَزاءِ: وهو العُقوبةُ بسَببِ الكُفرِ.
стр. 12470
قالَ ابنُ العَربيِّ ﵀: واستَدلَّ عُلماؤُنا على أنَّها عُقوبةٌ بأنَّها وجَبَت بسَببِ الكُفرِ وهو جِنايةٌ، فوجَبَ أنْ يَكونَ مُسبِّبُها عُقوبةً، ولذلك وجَبَت على مَنْ يَستحِقُّ العُقوبةَ وهُم البالِغونَ العُقلاءُ المُقاتِلونَ (١).
ولأنَّ الواجِبَ في حَقِّ الكُفارِ ابتِداؤُهم القَتلَ عُقوبةً لهم على الكُفرِ، فلمَّا دفَعَ عنهم القَتلَ بعَقدِ الذِّمةِ الذي يَتضمَّنُ الجِزيةَ، صارَت الجِزيةُ عُقوبةً بَدلَ عُقوبةِ القَتلِ.
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ: إلى أنَّ الجِزيةَ تَجِبُ على أهلِ الذِّمةِ عِوضًا عن مُعوَّضٍ، ثم اختَلفُوا بعد ذلك في المُعوَّضِ الذي تَجِبُ الجِزيةُ بَدلًا منه.
فقالَ ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ ﵀: اختَلفَ العُلماءُ فيما وجَبَت الجِزيةُ عنه:
فقالَ عُلماءُ المالِكيةِ: وجَبَت بَدلًا من القَتلِ بسَببِ الكُفرِ.
وقالَ بعضُ الحَنفيَّة بقَولِنا، وقالَ الشافِعيُّ: بَدلًا من حَقنِ الدَّمِ وسُكنى الدارِ.
وقالَ بَعضُهم من أهلِ ما وَراءَ النَّهرِ: إنَّما وجَبَت بَدلًا من النُّصرةِ بالجِهادِ، واختارَه القاضي أبو زَيدٍ، وزعَمَ أنَّه سِرُّ اللهِ في المَسألةِ.
واستَدلَّ عُلَماؤُنا على أنَّها عُقوبةٌ بأنَّها وجَبَت بسَببِ الكُفرِ وهو جِنايةٌ، فوجَبَ أنْ يَكونَ مُسبِّبُها عُقوبةً، ولِذلك وجَبَت على مَنْ يَستحِقُّ العُقوبةَ وهُم البالِغونَ العُقَلاءُ المُقاتِلونَ.
стр. 12471
وقالَ أصحابُ الشافِعيِّ: الدَّليلُ على أنَّها وجَبَت بَدلًا من حَقنِ الدَّمِ وسُكنى الدارِ أنَّها تَجِبُ بالمُعاقَدةِ والتَّراضي، ولا تَقِفُ العُقوباتُ على الاتِّفاقِ والرِّضا، وأيضًا فإنَّها تَختلِفُ باليسَارِ والإعسارِ، ولا تَختلِفُ العُقوباتُ بذلك، وأيضًا فإنَّ الجِزيةَ تَجِبُ مُؤجَّلةً، والعُقوباتِ تَجِبُ مُعجَّلةً، وهذا لا يَصحُّ.
وأمَّا قَولُهم: إنَّها وجَبَت بالرِّضا فغيرُ مُسلَّمٍ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى أمَرَنا بقِتالِهم حتى يُعطوها قَهرًا.
وأمَّا إنكارُهم اختِلافَ العُقوباتِ بالقِلةِ واليسَارِ فذلك باطِلٌ من الإنكارِ؛ لأنَّ ذلك إنَّما يَبعدُ في العُقوباتِ البَدنيةِ دونَ الماليةِ، ألَا تَرى أنَّ العُقوباتِ البَدنيةَ تَختلِفُ بالثُّيوبةِ والبَكارةِ والإنكارِ، فكما اختَلفَت عُقوبةُ البَدنِ باختِلافِ صِفةِ المُوجَبَ عليه لا يُستنكَرُ أنْ تَختلِفَ عُقوبةُ المالِ باختِلافِ صِفةِ المالِ في الكَثرةِ والقِلةِ.
وأمَّا تأجيلُها فإنَّما هو بحسَبِ ما يَراهُ الإمامُ مَصلَحةً، وليسَ ذلك بضَربةِ لازِبٍ فيها، وقد استَوفَيناها في مَسائلِ الخِلافِ.
وفائِدتُها أنَّا إذا قُلنا: إنَّها بَدلٌ من القَتلِ فإذا أسلَمَ سقَطت عنه لسُقوطِ القَتلِ.
وعندَ الشافِعيِّ أنَّها دَينٌ استقَرَّ في الذِّمةِ فلا يُسقِطُه الإسلامُ كأُجرةِ الدارِ (١).
стр. 12472
وأمَّا الحَنابِلةُ فقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: الجِزيةُ عُقوبةٌ تَجِبُ بسَببِ الكُفرِ فيُسقِطُها الإسلامُ كالقَتلِ (١).
وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: سَببُ وَضعِ الجِزيةِ:
والمَسألةُ مَبنيةٌ على حَرفٍ، وهو أنَّ الجِزيةَ هل وُضِعت عاصِمةً للدَّمِ أو مَظهَرَا لصَغارِ الكُفرِ وإِذلالِ أهلِه، فهي عُقوبةٌ؟
فمَن راعى فيها المَعنى الأولَ قالَ: لا يَلزمُ من عَصمِها لدَمِ مَنْ خَفَّ كُفرُه بالنِّسبةِ إلى غيرِه وهُم أهلُ الكِتابِ أنْ تَكونَ عاصِمةً لدَمِ مَنْ يَغلُظُ كُفرُه.
ومَن راعَى فيها المَعنى الثانِي قالَ: المَقصودُ إظهارُ صَغارِ الكُفرِ وأهلِه وقَهرِهم، وهذا أمرٌ لا يَختصُّ بأهلِ الكِتابِ بل يَعُمُّ كلَّ كافرٍ.
قالُوا: وقد أَشارَ النَّصُّ إلى هذا المَعنى بعَينِه في قَولِه: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] فالجِزيةُ صَغارٌ وإذلالٌ؛ ولِهذا كانَت بمَنزِلةِ ضَربِ الرِّقِّ.
ثم قالَ: وسِرُّ المَسألةِ أنَّ الجِزيةَ من بابِ العُقوباتِ لا أنَّها كَرامةٌ لأهلِ الكِتابِ فلا يَستحِقُّها سِواهم.
وأمَّا مَنْ قالَ: إنَّ الجِزيةَ عِوَضٌ عن سُكنى الدارِ -كما يَقولُه أصحابُ الشافِعيِّ- فهذا القَولُ ضَعيفٌ من وُجوهٍ كَثيرةٍ سيأتي التَّعرُّضُ إليها فيما بَعدُ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
стр. 12473
قالُوا: ولأنَّ القَتلَ إنَّما وجَبَ في مُقابَلةِ الحِرابِ لا في مُقابَلةِ الكُفرِ، ولذلك لا يُقتَلُ النِّساءُ ولا الصِّبيانُ ولا الزَّمْنى والعُميانُ ولا الرُّهبانُ الذين لا يُقاتِلونَ، بل نُقاتِلُ مَنْ حارَبَنا.
وهذه كانَت سيرةَ رَسولِ اللهِ ﷺ في أهلِ الأرضِ، كانَ يُقاتِلُ مَنْ حارَبَه إلى أنْ يَدخُلَ في دِينِه أو يُهادِنَه أو يَدخُلَ تحتَ قَهرِه بالجِزيةِ، وبهذا كانَ يأمُرُ سَراياه وجُيوشَه إذا حارَبوا أَعداءَهم كما تَقدَّمَ من حَديثِ بُرَيدةَ، فإذا ترَكَ الكُفارُ مُحارَبةَ أهلِ الإسلامِ وسالَموهم وبذَلوا لهم الجِزيةَ عن يَدٍ وهُم صاغِرونَ كانَ في ذلك مَصلَحةٌ لأهلِ الإسلامِ ولِلمُشرِكينَ.
أمَّا مَصلَحةُ أهلِ الإسلامِ فما يأخُذونَه من المالِ الذي يَكونُ قُوةً للإسلامِ مع صَغارِ الكُفرِ وإِذلالِه، وذلك أنفَعُ لهم مِنْ تَركِ الكُفارِ بلا جِزيةٍ.
وأمَّا مَصلَحةُ أهلِ الشِّركِ فهي ما في بَقائِهم من رَجاءِ إسلامِهم إذا شاهَدوا أعلامَ الإسلامِ وبَراهينَه أو بَلغَتهم أخبارُه فلا بدَّ أنْ يَدخُلَ في الإسلامِ بَعضُهم، وهذا أحَبُّ إلى اللهِ مِنْ قَتلِهم.
والمَقصودُ إنَّما هو أنْ تَكونَ كَلِمةُ اللهِ هي العُليا ويَكونَ الدِّينُ كلُّه للهِ، وليسَ في إبقائِهم بالجِزيةِ ما يُناقِضُ هذا المَعنى، كما أنَّ إبقاءَ أهلِ الكِتابِ بالجِزيةِ بينَ ظُهورِ المُسلِمينَ لا يُنافي كَونَ كَلِمةِ اللهِ هي العُليا، وكَونَ الدِّينِ كلِّه للهِ ؛ فإنَّ مِنْ كَونِ الدِّينِ كلِّه للهِ إذلالَ الكُفرِ وأهلِه وصَغارَه وضَربَ الجِزيةِ على رُؤوسِ أهلِه ومنه الرِّقَّ على رِقابِهم، فهذا مِنْ دينِ اللهِ ، ولا يُناقِضُ هذا إلا تَركُ الكُفارِ على
стр. 12474
عِزِّهم وإقامةِ دِينِهم كما يُحبُّونَ؛ بحيثُ تَكونُ لهم الشَّوكةُ والكَلِمةُ، واللهُ أعلَمُ (١).
ثم قالَ ابنُ القَيمِ ﵀ وهو يَرُدُّ قَولَ الشافِعيِّ: فَصلٌ: ليسَت الجِزيةُ أُجرةً عن سُكنى الدارِ.
قد تَبيَّنَ بما ذكَرْنا أنَّ الجِزيةَ وُضِعت صَغارًا وإذلالًا للكُفارِ لا أُجرةً عن سُكنى الدارِ، وذكَرْنا أنَّها لو كانَت أُجرةً لوجَبَت على النِّساءِ والصِّبيانِ والزَّمنى والعُميانِ، ولو كانَت أُجرةً لما أنِفَت منها العَربُ من نَصارى بَني تَغلِب وغيرِهم، والتَزموا ضَعفَ ما يُؤخَذُ من المُسلِمينَ من زَكاةِ أموالِهم، ولو كانَت أُجرةً لكانَت مُقدَّرةَ المُدةِ كسائرِ الإجاراتِ، ولو كانَت أُجرةً لما وجَبَت بوَصفِ الإذلالِ والصَّغارِ.
ولو كانَت أُجرةً لكانَت مُقدَّرةً بحسَبِ المَنفَعةِ؛ فإنَّ سُكنى الدارِ قد تُساوي في السَّنةِ أضعافَ الجِزيةِ المُقدَّرةِ، ولو كانَت أُجرةً لما وجَبَت على الذِّميِّ أُجرةُ دارٍ أو أرضٍ يَسكُنُها إذا استَأجَرها من بَيتِ المالِ، ولو كانَت أُجرةً لكانَ الواجِبُ فيها ما يَتَّفِقُ عليه المُؤجِّرُ والمُستأجِرُ.
وبالجُملةِ ففَسادُ هذا القَولِ يُعلَمُ من وُجوهٍ كَثيرةٍ (٢).
وقالَ الإمامُ القَرافِيُّ ﵀: الجِزيةُ مأخوذةٌ من الجَزاءِ الذي هو المُقابَلةُ والمأخوذُ عندَ الأصحابِ مُقابِلٌ للدَّمِ، ويُرَدُّ عليه بأنَّه اقتَضى
стр. 12475
عِصمةَ الأموالِ والذَّراريِّ، وهي غيرُ مُستحَقةِ القَتلِ؛ فليسَ حَقنُ الدَّمِ هو كلَّ المَقصودِ، ويُعزَى للشافِعيةِ أنَّها أُجرةُ الدارِ، ويُرَدُّ عليه بأنَّ المَرأةَ تَنتفِعُ بالدارِ ولا جِزيةَ عليها، والمُتَّجَهُ أنْ يُقالُ: هي قُبالةُ جَميعِ المَقاصِدِ المُرتَّبةِ على العَقدِ (١).
وقالَ بعضُ فُقهاءِ الحَنفيةِ: الجِزيةُ تَجِبُ عِوضًا عن النُّصرةِ: ويَقصِدون بذلك نُصرةَ المُقاتِلةِ الذين يَقومونَ بحِمايةِ دارِ الإسلامِ والدِّفاعِ عنها.
قالَ البابَرتيُّ ﵀: إنَّ الجِزيةَ وجَبَت نُصرةً للمُقاتِلةِ؛ لأنَّها تَجِبُ بَدلًا عن النُّصرةِ للمُسلِمينَ ببَذلِ النَّفسِ والمالِ؛ لأنَّ كلَّ مَنْ كانَ مِنْ أهلِ دارِ الإسلامِ تَجِبُ عليه النُّصرةُ للدارِ بالنَّفسِ والمالِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١)﴾ [الصف: ١٠، ١١] لكنَّ الكافِرَ لمَّا لم يَصلُحْ لنُصرَتِنا لمَيلِه إلى دارِ الحَربِ اعتِقادًا قامَ الخَراجُ المأخوذُ منه المَصروفُ إلى الغَزاةِ مَقامَ النُّصرةِ بالنَّفسِ (٢).
وقالَ في مَوضِعٍ آخَرَ: وقالَ بَعضُهم: وجَبَت بَدلًا عن النُّصرةِ التي فاتَت بإصرارِهم على الكُفرِ وقد تَقدَّم، وأُعيدُه ههنا تَوضيحًا؛ وذلك لأنَّهم لمَّا صاروا من أهلِ دارِنا بقَبولِ الذِّمةِ، ولهذه الدارِ دارٌ مُعادِيةٌ وجَبَ عليهم القيامُ بنُصرَتِها، ولا تَصلُحُ أَبدانُهم لهذه النُّصرةِ؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّهم يَميلونَ
стр. 12476
إلى أهلِ الدارِ المُعادِيةِ لاتِّحادِهم في الاعتِقادِ، فأوجَبَ عليهم الشَّرعُ الجِزيةَ لتُؤخَذَ منهم فتُصرَفَ إلى المُقاتِلةِ فتَكونَ خَلَفًا عن النُّصرةِ.
قالَ شَمسُ الأئِمةِ السَّرخسيُّ ﵀: وهو الأصَحُّ؛ ألَا تَرى أنَّ الجِزيةَ لا تُؤخذُ من الأعمى والشَّيخِ الفاني والمَعتوهِ والمُقعَدِ مع أنَّهم مُشارِكونَ في السُّكنى؛ لأنَّه لم يَلزمْهم أصلُ النُّصرةِ بأبدانِهم لو كانُوا مُسلِمينَ، فكذلك لا يُؤخَذُ منهم ما هو خَلفٌ عنه (١).
وقالَ ﵀: ثم يَأخذُ المُسلِمونَ الجِزيةَ منه خَلفًا عن النُّصرةِ التي فاتَت بإصرارِه على الكُفرِ؛ لأنَّ مَنْ هو مِنْ أهلِ دارِ الإسلامِ عليه القيامُ بنُصرةِ الدارِ، فأبدانُهم لا تَصلُحُ لهذه النُّصرةِ؛ لأنَّهم يَميلونَ إلى أهلِ الدارِ المُعاديةِ فيُشوِّشونَ علينا أهلَ الحَربِ، فيُؤخَذُ منهم المالُ ليُصرَفَ إلى الغُزاةِ الذين يَقومونَ بنُصرةِ الدارِ، ولِهذا يَختلِفُ باختِلافِ حالِه في الغِنى والفَقرِ؛ فإنَّه مُعتبَرٌ بأصلِ النُّصرةِ، والفَقيرُ لو كانَ مُسلمًا كانَ يَنْصُرُ الدارَ رَاجِلًا، ومُتوسِّطُ الحالِ كانَ يَنْصُرُ الدارَ راكِبًا، والفائِقُ في الغِنى يَركَبُ ويُركِبُ غُلامًا، فما كانَ خَلفًا عن النُّصرةِ يَتفاوَتُ بتَفاوُتِ الحالِ أيضًا (٢).
واستدَلُّوا لذلك بأنَّ النُّصرةَ تَجبُ على جَميعِ رَعايا الدَّولةِ الإسلاميةِ ومنهم أهلُ الذِّمةِ.
стр. 12477
فالمُسلِمونَ يَقومونَ بنُصرةِ المُقاتِلةِ: إمَّا بأنفُسِهم وإمَّا بأموالِهم، فيَخرُجونَ معهم للجِهادِ في سَبيلِ اللهِ ، ويُنفِقونَ من أموالِهم في سَبيلِ اللهِ .
قالَ اللهُ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١)﴾ [الصف: ١٠، ١١].
ولمَّا فاتَت النُّصرةُ من أهلِ الذِّمةِ بأنفُسِهم بسَببِ إصرارِهم على الكُفرِ، تَعيَّنت عليهم النُّصرةُ بالمالِ: وهي الجِزيةُ.
لكنْ هنا سُؤالٌ، وهو: لو اشترَكَ الذِّمِّيونَ في القِتالِ مع المُسلِمينَ أو استَعانَ الإمامُ بأهلِ الذِّمةِ فقاتَلُوا معه، هل تَسقُطُ عنهم الجِزيةُ بذلك؟
والجَوابُ بعَونِ اللهِ: أنَّ الجِزيةَ لا تَسقُطُ عنهم بذلك؛ لأنَّ جُمهورَ العُلماءِ يَقولونَ بأنَّها وجَبَت بَدلًا عن عِوضٍ، سَواءٌ كانَ العِوضُ بَدلًا عن القَتلِ بسَببِ الكُفرِ كما يَقولُ المالِكيةُ والحَنابِلةُ وبَعضُ الحَنفيةِ، أو كانَ العِوضُ بَدلًا عن حَقنِ الدَّمِ وسُكنى الدارِ كما يَقولُ الشافِعيُّ؛ ففي هذه الحالِ لا تَسقُطُ عنهم الجِزيةُ؛ لأنَّها ليسَت بَدلًا عن النُّصرةِ عندَهم، ولأنَّه لا يَجوزُ الاستِعانةُ بمُشرِكٍ عندَهم لما رَوَت عَائِشةُ ﵂ زَوجُ النَّبِيِّ ﷺ أنَّها قالَت: «خرَجَ رَسولُ اللهِ ﷺ قِبَلَ بَدرٍ فلمَّا كانَ بحَرَّةِ الوَبَرةِ أدرَكَه رَجلٌ قد كانَ يُذكَرُ منه جُرأةٌ ونَجدةٌ، ففرِحَ أصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ حينَ رَأوهُ، فلمَّا أدرَكَه قالَ لرَسولِ اللهِ ﷺ :
стр. 12478
جِئتُ لأتَّبِعَك وأُصيبَ معك، قالَ له رَسولُ اللهِ ﷺ : تُؤمنُ بِالله ورَسولِه؟ قالَ: لا، قالَ: فارجِعْ فلن أستَعينَ بمُشرِكٍ، قالَت: ثم مَضى حتى إذا كُنا بالشَّجَرةِ أدرَكَه الرَّجلُ، فقالَ له كما قالَ أوَّلَ مَرةٍ، فقالَ له النَّبيُّ ﷺ كما قالَ أوَّلَ مَرةٍ، قالَ: فارجِعْ فلن أستَعينَ بمُشرِكٍ، قالَ: ثم رجَعَ فأدرَكَه بالبَيداءِ فقالَ له كما قالَ أوَّلَ مَرةٍ: تُؤمِنُ باللهِ ورَسولِه، قالَ: نَعمْ، فقالَ له رَسولُ اللهِ ﷺ فانطَلِقْ» (١).
وأمَّا على قَولِ بعضِ الحَنفيةِ الذين قالُوا بأنَّ الجِزيةِ تَجِبُ عِوضًا عن النُّصرةِ فلا تَسقُطُ عنهم الجِزيةُ أيضًا.
قالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: ولأنَّ الجِزيةَ إنَّما وجَبَت بَدلًا عن القَتلِ، ولِهذا لمْ تَجبْ على مَنْ لمْ يُجزْ قَتلَه بسَببِ الكُفرِ كالذَّراريِّ والنِّساءِ، وهذا المَعنى يَنتظِمُ فيه الغَنيُّ والفَقيرُ؛ لأنَّ كُلًّا منهم يُقتَل … ثم عارَضَ المُصنِّفُ معناه بقَولِه: ولأنَّه -أي: الجِزيةَ- وجَبَ نُصرةً للمُقاتِلةِ، أي: خَلفًا عن نُصرةِ مُقاتِلةِ أهلِ الدارِ؛ لأنَّ مَنْ هو مِنْ أهلِ دارِ الإسلامِ عليه نُصرتُهم، وقد فاتَتْ بمَيلِهم إلى أهلِ الدارِ المُعادينَ لنا لإصرارِهم على الكُفرِ، ولِهذا صُرِفت إلى المُقاتِلةِ ووُضِعت على الصالِحينَ للقِتالِ الذين يَلزمُهم القِتالُ لو كانُوا مُسلِمينَ فتَختلِفُ باختِلافِ حالِهم؛ لأنَّ نُصرةَ الغَنيِّ لو كانَ مُسلمًا فوقَ نُصرةِ المُتوسِّطِ والفَقيرِ؛ فإنَّه كانَ يَنْصُرُ راكِبًا ويَركَبُ معه غُلامُه، والمُتوسِّطُ يُقاتِلُ راكِبًا فقط، ويُقاتِلُ الفَقيرُ راجِلًا، وهذا مَعنى
стр. 12479
قَولِ المُصنِّفِ: وذلك -أي: النُّصرةُ- يَتفاوَتُ بكَثرةِ الوَفرِ وقِلَّتِه، فكذا ما هو بَدلُه يَعني الجِزيةَ وإلحاقًا بخَراجِ الأرضِ؛ فإنَّه وجَبَ على التَّفاوُتِ فأُورِدَ عليه، لو كانَت خَلفًا عن النُّصرةِ لزِمَ ألَّا تُؤخَذَ منهم لو قاتَلُوا مع المُسلِمينَ سَنةً مُتبرِّعينَ، أو بطَلبِ الإمامِ منهم ذلك، والحالُ أنَّها تُؤخذُ منهم مع ذلك.
أُجيبَ بأنَّ الشارِعَ جعَلَ نُصرَتَهم بالمالِ، وليسَ للإمامِ تَغييرُ المَشروعِ، وتَحقيقُه أنَّ النُّصرةَ التي فاتَت نُصرةُ المُسلِمينَ، فنُصرةُ الإسلامِ فاتَت بالكُفرِ فأُبدِلت بالمالِ، وليسَ نُصرتَهم في حالِ كُفرِهم تلك النُّصرةَ الفائِتةَ، فلا يَبطُلُ خَلَفُها، نَعمْ سَيجيءُ ما يُفيدُ بأنَّ الجِزيةَ خَلَفٌ عن قَتلِهم، والوَجهُ أنَّها خَلَفٌ عن قَتلِهم ونُصرتِهم جَميعًا (١).
وقالَ الإمامُ البابَرتيُّ ﵀: فإنْ قالَ قائِلٌ: كما أنَّه لا يَجوزُ أنْ تَكونَ بَدلًا من العِصمةِ والسُّكنى، فكذلك لا يَجوزُ أنْ تَكونَ بَدلًا من النُّصرةِ أيضًا، ألَا تَرى أنَّ الإمامَ لو استَعانَ بأهلِ الذِّمةِ فقاتَلُوا معه لا تَسقُطُ عنهم جِزيةُ تلك السَّنةِ، فلو كانَت بَدلًا منها لسقَطَت؛ لأنَّه قد نُصِرَ بنَفسِه؟ أُجيبَ بأنَّها إنَّما لم تَسقُطْ؛ لأنَّه حينَئذٍ يَلزمُ تَغييرُ المَشروعِ وليسَ للإمامِ ذلك، وهذا لأنَّ الشَّرعَ جعَلَ طَريقَ النُّصرةِ في حَقِّ الذِّميِّ المالَ دونَ النَّفسِ (٢).
стр. 12480
وكذلك قالَ بَدرُ الدِّينِ العَينيُّ ﵀: فإنْ قيلَ: لا نُسلِّمُ بأنَّ الجِزيةَ بَدلٌ من النُّصرةِ، ألَا تَرى أنَّ الإمامَ لو استَعانَ بأهلِ الذِّمةِ منه فقاتَلُوا معه لا تَسقُطُ عنهم جِزيةُ تلك السَّنةِ؟ فلو كانَت بَدلًا لسقَطَت. أُجيبَ بأنَّها لم تَسقُطْ لأنَّه يَلزمُ حينَئذٍ تَغييرُ الشَّرعِ، وليسَ للإمامِ ذلك. وهذا لأنَّ الشَّرعَ جعَلَ طَريقَ النُّصرةِ في حَقِّ الذِّميِّ المالَ دونَ النُّصرةِ (١).
فعلى هذا لا يَجوزُ للإمامِ أنْ يُسقِطَ الجِزيةَ عن أهلِ الذِّمةِ حتى وإنْ كانُوا يَقومونَ بنُصرةِ البَلدِ مع المُسلِمينَ.
ممَّن تُؤخذُ الجِزيةُ؟
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الجِزيةَ تُؤخذُ من أهلِ الكِتابِ وهُم اليَهودُ والنَّصارى ومَن اتَّخذَ التَّوراةَ والإنجيلَ كِتابًا كالسامِرةِ والفِرنجِ ونَحوِهم، فهؤلاء يُقاتَلونَ حتى يُسلِموا أو يُعطُوا الجِزيةَ عن يَدٍ وهُم صاغِرونَ.
وتُؤخذُ من المَجوسِ، وممَّن نقَلَ الإجماعَ على ذلك ابنُ رُشدٍ وابنُ القَيمِ وغيرُهما.
فقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: فأمَّا مَنْ يَجوزُ أخذُ الجِزيةِ منه؛ فإنَّ العُلماءَ مُجمِعونَ على أنَّه يَجوزُ أخذُها من أهلِ الكِتابِ العَجمِ ومن المَجوسِ (٢).
وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: أجمَعَ الفُقهاءُ على أنَّ الجِزيةَ تُؤخذُ من أهلِ الكِتابِ ومن المَجوسِ (٣).
стр. 12481
واستَدلَّ العُلماءُ على ذلك بقَولِ اللهِ : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩].
وبما رُوي أنَّ عُمرَ بنَ الخَطابِ ذكَرَ المَجوسَ فقالَ: ما أدري كَيفَ أصنَعُ في أمرِهم؟ فقالَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ: أشهَدُ لسَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «سُنُّوا بهم سُنةَ أهلِ الكِتابِ» (١).
ورَوى البُخاريُّ عن سُفيَانَ قالَ: «سَمِعتُ عَمرًا قالَ: كُنْتُ جالِسًا مع جابِرِ بنِ زَيدٍ وَعَمرِو بنِ أوسٍ، فحدَّثَهما بَجالَةُ -سَنةَ سَبعينَ عامَ حَجَّ مُصعَبُ بنُ الزُّبيرِ بِأهلِ البَصرةِ عندَ دَرجِ زَمزمَ- قالَ: كُنْتُ كاتِبًا لجَزءِ بنِ مُعاويةَ عَمِّ الأحنَفِ، فأتانا كِتابُ عُمرَ بنِ الخَطابِ قبلَ مَوتِه بسَنةٍ: فَرِّقوا بينَ كلِّ ذي مَحرَمٍ من المَجوسِ، ولم يَكُنْ عُمرُ أخَذَ الجِزيةَ من المَجوسِ حتى شهِدَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أخَذَها من مَجوسِ هَجَرَ» (٢).
وأمَّا مَنْ لا كِتابَ لهم ولا شُبهةَ كِتابٍ، وهُم مَنْ عَدا هذَينِ القِسمَينِ من عَبدةِ الأوثانِ والمُشرِكينَ ومَن عَبَد ما استَحسَن وسائرِ الكُفارِ، فقد
стр. 12482
اختَلفَ أهلُ العِلمِ في هؤلاء هل يُقاتَلونَ حتى يُسلِموا أو تُقبَلَ منهم الجِزيةُ كأهلِ الكِتابِ والمَجوسِ؛ فإنْ بذَلوا الجِزيةَ قُبِلت منهم؟ (١)
فقالَ الحَنفيةُ: لا يُقبَلُ من مُشرِكي العَربِ إلا الإسلامُ أو السَّيفُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نَشأَ بينَ أظهُرِهم ونزَلَ القُرآنُ بلُغَتِهم، فالمُعجِزةُ في حقِّهم أظهَرُ، وتُقبَلُ الجِزيةُ من عَبدةِ الأَوثانِ من العَجمِ؛ لأنَّه يَجوزُ استِرقاقُهم فيَجوزُ ضَربُ الجِزيةِ عليهم، إذ كلُّ واحِدٍ منهما يَشتمِلُ على سَلبِ النَّفسِ منهم؛ فإنَّه يَكتسِبُ ويُؤدِّي إلى المُسلِمينَ ونَفقَتُه في كَسبِه، وإنْ ظهَرَ عليهم قبلَ وَضعِ الجِزيةِ فهُم ونِساؤُهم وصِبيانُهم فَيءٌ لجَوازِ استِرقاقِهم لا فَرقَ في ذلك بينَ الأنواعِ الثَّلاثةِ (٢).
قالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: وتُوضَعُ على عَبدةِ الأوثانِ من العَجمِ وفيه خِلافُ الشافِعيِّ، هو يَقولُ: القِتالُ واجِبٌ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿قَاتِلُوا﴾ إلا أنَّا عرَفنا جَوازَ تَركِه إلى الجِزيةِ في حَقِّ أهلِ الكِتابِ بالقُرآنِ، أعني ما تَلوْناه من قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ وفي المَجوسِ بالخبَرِ الذي ذكَرْناه في صَحيحِ البُخاريِّ -السابِقِ ذِكرُه- فبَقي مَنْ وَراءَهم على الأصلِ.
ولنا: أنَّه يَجوزُ استِرقاقُهم، فيَجوزُ ضَربُ الجِزيةِ عليهم بجامِعِ أنَّ كلًّا من الاستِرقاقِ والجِزيةِ يَشتمِلُ على سَلبِ النَّفسِ منهم، أمَّا الاستِرقاقُ
стр. 12483
فظاهِرٌ أنَّه يَصيرُ مَنفعةً لنا وكذا الجِزيةُ؛ فإنَّه يَكتسِبُ ويُؤدِّي إلى المُسلِمينَ والحالُ أنَّ نَفقتَه في كَسبِه، فقد أدَّى حاجةَ نَفسِه إلينا أو بَعضَها، فهذا المَعنى يُوجِبُ تَخصيصَ عُمومِ وُجوبِ القِتالِ الذي استَدلَّ به، وذلك لأنَّه عامٌّ مَخصوصٌ بإخراجِ أهلِ الكِتابِ والمَجوسِ عندَ قَولِهم: الجِزيةُ، كما ذكَرَ، فجاز تَخصيصُه بعدَ ذلك بالمَعنى (١).
وعندَ المالِكيةِ أربَعةُ أقوالٍ:
الأولُ: أنَّها تُقبَلُ من أهلِ الكِتابِ عَربًا كانُوا أو غيرَ عَربٍ.
الثانِي: قالَ ابنُ القاسِمِ: إذا رَضِيَت الأُممُ كلُّها بالجِزيةِ قُبِلت منهم، وهو المَذهبُ.
الثالِثُ: قالَ ابنُ الماجِشونِ: لا تُقبَلُ.
الرابِعُ: قالَ ابنُ وَهبٍ: لا تُقبَلُ من مَجوسِ العَربِ وتُقبَلُ من غيرِهم.
قالَ ابنُ العَربيِّ ﵀: وَجهُ مَنْ قالَ إنَّها تُقبَلُ من أهلِ الكِتابِ عَربًا كانُوا أو غيرَ عَربٍ تَخصيصُ اللهِ بالذِّكرِ أهلَ الكِتابِ.
وأمَّا مَنْ قالَ: إنَّها تُقبَلُ من الأُمَمِ كلِّها، فالحَديثُ الصَّحيحُ في كِتابِ مُسلمٍ وغيرِه عن سُلَيمانَ بنِ بُرَيدةَ عن أبيه قالَ: كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ إذا أمَّرَ أميرًا على جَيشٍ أو سَريةٍ أوصَاه في خاصَّتِه بتَقوى اللهِ ومَن معه من المُؤمِنينَ خَيرًا، ثم قالَ: «اغْزُوا باسمِ اللهِ في سَبيلِ اللهِ، قاتِلوا مَنْ كفَر باللهِ، اغزُوا ولا تَغُلُّوا ولا تَغدِروا ولا تُمثِّلوا ولا تَقتُلوا وَليدًا، وإذا لقيت عَدوَّك من
стр. 12484
المُشرِكينَ فادْعُهم إلى ثَلاثِ خِلالٍ، فأيَّتَهُنَّ ما أَجابوكَ إليها فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم؛ ثم ادْعُهم إلى الدُّخولِ في الإسلامِ؛ فإنْ فعَلوا فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم، ثم ادْعُهم إلى التَّحوُّلِ عن دارِهم إلى دارِ المُهاجِرينَ، وأخبِرْهم بأنَّهم إنْ فعَلوا ذلك فلهم ما للمُهاجِرينَ وعليهم ما على المُهاجِرينَ؛ فإنْ أبَوْا أنْ يَتحوَّلوا منها فأخبِرْهم أنَّهم يَكونون كأعرابِ المُسلِمينَ، يَجري عليهم حُكمُ اللهِ الذي يَجري على المُؤمِنينَ، ولا يَكونُ لهم في الغَنيمةِ والفَيءِ شَيءٌ إلا أنْ يُجاهِدوا مع المُسلِمينَ؛ فإنْ هُمْ أبَوْا فسَلْهم الجِزيةَ، وإنْ هُمْ أَجابوكَ فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم؛ فإنْ أبَوْا فاستَعِنْ باللهِ وقاتِلْهم».
وذكَرْنا في الحَديثِ -في البُخاري وغيرِه من الصَّحيحِ- أنَّ عُمرَ تَوقَفَ في أخذِ الجِزيةِ من المَجوسِ حتى أخبَره عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أخَذَها من مَجوسِ هَجَرَ.
ووَجهُ قَولِ ابنِ وَهبٍ أنَّه ليسَ في العَربِ مَجوسٌ؛ لأنَّ جَميعَهم أسلَمَ، فمَن وجَدَ منهم بخِلافِ الإسلامِ فهو مُرتدٌّ يُقتَل بكلِّ حالٍ إنْ لم يُسلِمْ، ولا يُقبَلُ منه جِزيةٌ، والصَّحيحُ قَبولُها من كلِّ أُمةٍ، وفي كلِّ حالٍ عندَ الدُّعاءِ إليها والإجابةِ بها (١).
وقالَ الشافِعيةُ: لا يَجوزُ أخذُ الجِزيةِ ممَّن لا كِتابَ له ولا شُبهةَ كتابٍ كعَبَدةِ الأوثانِ بل يُقاتَلونَ حتى يُسلِموا؛ لقَولِه : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا
стр. 12485
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩] فخَصَّ أهلَ الكِتابِ بالجِزيةِ فدلَّ على أنَّها لا تُؤخذُ من غيرِهم، ويَجوزُ أخذُها من أهلِ الكِتابَينِ -وهُم اليَهودُ والنَّصارى - للآيةِ.
ويَجوزُ أخذُها ممَّن بَدَّل منهم دِينَه؛ لأنَّهم -وإنْ لم تَكنْ لهم حُرمةٌ بأنفُسِهم- لهم حُرمةٌ بآبائِهم، ويَجوزُ أخذُها من المَجوسِ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: لا تُقبَلُ الجِزيةُ إلا مِنْ يَهوديٍّ أو نَصرانِيٍّ أو مَجوسيٍّ، وما سِواهم لا يُقبَلُ منهم، لا تُقبَلُ منهم الجِزيةُ ولا يُقبَلُ منهم إلا الإسلامُ؛ فإنْ لم يُسلِموا قُتِلوا.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: هذا ظاهِرُ مَذهبِ أحمدَ، ورَوى عنه الحَسنُ ابنُ ثَوابٍ أنَّها تُقبَلُ من جَميعِ الكُفارِ إلا عَبَدةَ الأوثانِ من العَربِ؛ لأنَّ حَديثَ بُرَيدةَ يَدلُّ بعُمومِه على قَبولِ الجِزيةِ من كلِّ كافرٍ، إلا أنَّه خرَجَ منه عَبَدةُ الأوثانِ من العَربِ لتَغلُّظِ كُفرِهم (٢).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: واختَلفُوا فيما سِوى أهلِ الكِتابِ من المُشرِكينَ هل تُقبَلُ منهم الجِزيةُ أو لا؟
стр. 12486
فقالَ قَومٌ: تُؤخذُ الجِزيةُ من كلِّ مُشرِكٍ، وبه قالَ مالِكٌ.
وقَومُ استَثنَوا من ذلك مُشرِكي العَربِ. وقالَ الشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وجَماعةٌ: لا تُؤخذُ إلا مِنْ أهلِ الكِتابِ والمَجوسِ.
والسَّببُ في اختِلافِهم: مُعارَضةُ العُمومِ للخُصوصِ.
أمَّا العُمومُ: فقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] وقَولُ النَّبيِّ ﷺ : «أُمِرتُ أنْ أُقاتِلَ الناسَ حتى يَشهَدوا أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ مُحمدًا رَسولُ اللهِ ويُقيموا الصَّلاةَ ويُؤتوا الزَّكاةَ، فإذا فعَلوا ذلك عصَموا مِنِّي دِماءَهم وأموالَهم إلا بحَقِّ الإسلامِ وَحِسابُهم على اللهِ» (١).
وأمَّا الخُصوصُ: فقَولُه لأُمراءِ السَّرايا الذين كانَ يَبعَثَهم إلى مُشرِكي العَربِ -ومَعلومٌ أنَّهم كانُوا من غيرِ أهلِ الكِتابِ-: «اغْزُوا باسمِ اللهِ في سَبيلِ اللهِ، قاتِلوا مَنْ كفَر باللهِ، اغزُوا ولا تَغُلُّوا ولا تَغدِروا ولا تُمثِّلوا ولا تَقتُلوا وَليدًا، وإذا لَقيت عَدوَّك من المُشرِكينَ فادْعُهم إلى ثَلاثِ خِلالٍ، فأيَّتَهُنَّ ما أجابوك إليها فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم؛ ثم ادْعُهم إلى الدُّخولِ في الإسلامِ؛ فإنْ فعَلوا فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم، ثم ادْعُهم إلى التَّحوُّلِ عن دارِهم إلى دارِ المُهاجِرينَ، وأخبِرْهم بأنَّهم إنْ فعَلوا ذلك فلهم ما للمُهاجِرينَ وعليهم ما على المُهاجِرينَ؛ فإنْ أبَوْا أنْ يَتحوَّلوا منها فأخبِرْهم أنَّهم يَكونونَ كأعرابِ المُسلِمينَ، يَجري عليهم حُكمُ اللهِ الذي يَجري على
стр. 12487
المُؤمِنينَ، ولا يَكونُ لهم في الغَنيمةِ والفَيءِ شَيءٌ إلا أنْ يُجاهِدوا مع المُسلِمينَ؛ فإنْ هُمْ أبَوْا فسَلْهم الجِزيةَ، وإنْ هُمْ أجابوك فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم؛ فإنْ أبَوْا فاستَعِنْ باللهِ وقاتِلْهم»، وقد تَقدَّمَ الحَديثُ.
فمَن رأى أنَّ العُمومَ إذا تأخَّر عن الخُصوصِ فهو ناسِخٌ له، قالَ: لا تُقبَلُ الجِزيةُ من مُشرِكٍ ما عَدا أهلَ الكِتابِ؛ لأنَّ الآيةَ الآمِرةَ بقِتالِهم على العُمومِ مُتأخِّرةٌ عن ذلك الحَديثِ، وذلك أنَّ الأمرَ بقِتالِ المُشرِكينَ عامةً هو في سُورةِ: «بَراءةٌ»، ذلك عامَ الفَتحِ. وذلك الحَديثُ إنَّما هو قبلَ الفَتحِ، بدَليلِ دُعائِهم فيه للهِجرةِ.
ومَن رأى أنَّ العُمومَ يُبنى على الخُصوصِ تَقدَّمَ أو تأخَّرَ، أو جهِلَ التَّقدُّمَ والتأخُّرَ بينَهما - قالَ: تُقبَلُ الجِزيةُ من جَميعِ المُشرِكينَ، وأمَّا تَخصيصُ أهلِ الكِتابِ من سائرِ المُشرِكينَ فخرَجَ من ذلك العُمومُ باتِّفاقٍ بخُصوصِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩] (١).
أمَّا ابنُ القَيِّم ﵀ فقالَ: الجِزيةُ تُؤخذُ من كلِّ كافرٍ، هذا ظاهِرُ هذا الحَديثِ -يَقصِدُ حَديثَ بُرَيدةَ- ولم يَستَثنِ منه كافرًا من كافرٍ.
ولا يُقالُ: هذا مَخصوصٌ بأهلِ الكِتابِ خاصَّةً؛ فإنَّ اللَّفظَ يأبَى اختِصاصَهم بأهلِ الكِتابِ، وأيضًا فسرايا رَسولِ اللهِ ﷺ وجُيوشُه كانَ أكثَرُ ما تُقاتِلُهم عَبدةَ الأوثانِ من العَربِ.
стр. 12488
ولا يُقالُ: إنَّ القُرآنَ يَدلُّ على اختِصاصِها بأهلِ الكِتابِ؛ فإنَّ اللهَ سبحانَه أمَرَ بقِتالِ أهلِ الكِتابِ حتى يُعطُوا الجِزيةَ، والنَّبيُّ ﷺ أمَرَ بقِتالِ المُشرِكينَ حتى يُعطُوا الجِزيةَ، فيُؤخذُ من أهلِ الكِتابِ بالقُرآنِ، ومِن عُمومِ الكُفارِ بالسُّنةِ، وقد أخَذَها رَسولُ اللهِ ﷺ من المَجوسِ وهُم عُبَّادُ النارِ لا فَرقَ بينَهم وبينَ عَبدةِ الأوثانِ، ولا يَصحُّ أنَّهم من أهلِ الكِتابِ، ولا كانَ لهم كِتابٌ، ولو كانُوا أهلَ كِتابٍ عندَ الصَّحابةِ ﵃ لم يَتوقَفَ عُمرُ ﵁ في أمرِهم، ولم يَقلِ النَّبيُّ ﷺ : «سُنُّوا بِهِمْ سُنةَ أَهْلِ الكِتابِ»، بل هذا يَدلُّ على أنَّهم ليسُوا أهلَ كِتابٍ، وقد ذكَرَ اللهُ سُبحانَه أهلَ الكِتابِ في القُرآنِ في غيرِ مَوضِعٍ، وذكَرَ الأنبياءَ الذين أُنزِل عليهم الكُتبُ والشَّرائعُ العِظامُ ولم يَذكُرْ للمَجوسِ -مع أنَّها أُمةٌ عَظيمةٌ من أعظَمِ الأُممِ شَوكةً وعَددًا وبأسًا- كِتابًا ولا نَبيًّا، ولا أشارَ إلى ذلك؛ بل القُرآنُ يَدلُّ على خِلافِه كما تَقدَّمَ، فإذا أُخِذت مِنْ عُبَّادِ النِّيرانِ فأيُّ فَرقٍ بينَهم وبينَ عُبَّادِ الأوثانِ.
فإنْ قيلَ: فالنَّبيُّ ﷺ لم يأخُذْها من أحَدٍ من عُبَّادِ الأوثانِ مع كَثرةِ قِتالِه لهم، قيلَ: أجَلْ، وذلك؛ لأنَّ آيةَ الجِزيةِ، إنَّما نزَلَت عامَ تَبوكَ في السَّنةِ التاسِعةِ من الهِجرةِ بعدَ أنْ أسلَمَت جَزيرةُ العَربِ ولمْ يَبقَ بها أحَدٌ من عُبَّادِ الأوثانِ، فلمَّا نزَلَت آيةُ الجِزيِة أخَذَها النَّبيُّ ﷺ ممَّن بَقيَ على كُفرِه من النَّصارى والمَجوسِ، ولهذا لم يأخُذْها من يَهودِ المَدينةِ حينَ قدِمَ المَدينةَ ولا مِنْ يَهودِ خَيبَرَ؛ لأنَّه صالَحهم قبلَ نُزولِ آيةِ الجِزيةِ (١).
стр. 12489
شُروطُ مَنْ تُفرَضَ عليهم الجِزيةُ:
اشترَط الفُقهاءُ لفَرضِ الجِزيةِ على أهلِ الذِّمةِ عِدةَ شُروطٍ، منها: البُلوغُ، والعَقلُ، والذُّكورةُ، والحُرِّيةُ، والمَقدِرةُ الماليةُ، والسَّلامةُ من العاهاتِ المُزمِنةِ.
أولاً: البُلوغُ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الجِزيةَ لا تُضرَبُ ولا تُفرَضَ على صِبيانِ أهلِ الذِّمةِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: لا نَعلَمُ بينَ أهلِ العِلمِ خِلافًا في هذا، وبه قالَ مالِكٌ وأبو حَنيفةَ وأصحابُه والشافِعيُّ وأبو ثَورٍ، وقالَ ابنُ المُنذِرِ: ولا أعلَمُ عن غيرِهم خِلافَهم (١).
وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: ولا جِزيةَ على صَبيٍّ ولا امرأةٍ ولا مَجنونٍ، هذا مَذهبُ الأئِمةِ الأربَعةِ وأتباعِهم. قالَ ابنُ المُنذِرِ: ولا أعلَمُ عن غيرِهم خِلافَهم.
وقالَ أبو مُحمدٍ في «المُغني»: لا نَعلَمُ بينَ أهلِ العِلمِ خِلافًا في هذا (٢).
стр. 12490
واستَدلَّ العُلماءُ على هذا بقَولِ اللهِ : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآيَة [التوبة: ٢٩].
قالَ الكاسانِيُّ ﵀: أُوجِبت الجِزيةُ على مَنْ هو مِنْ أهلِ القِتالِ بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآيةَ، والمُقاتَلَةُ مُفاعَلةٌ من القِتالِ فتَستَدعي أهليةَ القِتالِ من الجانبَينِ، فلا تَجِبُ على مَنْ ليسَ مِنْ أهلِ القِتالِ، وهؤلاء ليسُوا من أهلِ القِتالِ فلا تَجِبُ عليهم (١).
وقالَ المَوصِليُّ ﵀: أصلُه أنَّ الجِزيةَ شُرعَت جَزاءً عن الكُفرِ وحَملًا له على الإسلامِ، فتَجري مَجرى القَتلِ، فمَن لا يُعاقَبْ بالقَتلِ لا يُؤاخَذَ بالجِزيةِ، فإذا حصَلَ الزاجِرُ في حَقِّ المُقاتِلةِ وهُم الأصلُ انزجَرَ التَّبَعُ، أو نَقولُ: وجَبَت لإسقاطِ القَتلِ، فمَن لا يَجبُ قَتلُه لا تُوضَعُ عليه الجِزيةُ، وهؤلاء لا يَجوزُ قَتلُهم فلا جِزيةَ عليهم، ولأنَّ عُمرَ ﵁ لمْ يَضَعْ على النِّساءِ جِزيةً (٢).
ورَوى أبو عُبيدٍ قالَ: حدَّثَنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ حدَّثَنا أيُّوبُ السَّختِيانِيُّ عن نافِعٍ عن أسلَمَ مَولَى عُمرَ، أنَّ عُمرَ كتَبَ إلى أُمراءِ الأجنادِ أنْ يُقاتِلوا في سَبيلِ اللهِ ولا يُقاتِلوا إلا مَنْ قاتَلَهم، ولا يَقتُلوا النِّساءَ ولا الصِّبيانَ، ولا يَقتُلوا إلا مَنْ جرَت عليه المُوسَى.
стр. 12491
وكتَبَ إلى أُمراءِ الأجنادِ أنْ يَضرِبوا الجِزيةَ، ولا يَضرِبوها على النِّساءِ والصِّبيانِ، ولا يَضرِبوها إلا على مَنْ جرَت عليه المُوسَى.
قالَ أبو عُبيدٍ: يَعني مَنْ أنبَت.
وهذا الحَديثُ هو الأصلُ فيمَن تَجِبُ عليه الجِزيةُ، ومَن لا تَجِبُ عليه، ألَا تَراه إنَّما جعَلها على الذُّكورِ المُدرِكينَ دونَ الإناثِ والأطفالِ، وذلك أنَّ الحُكمَ عليهم كانَ القَتلَ لو لمْ يُؤدُّوها، وأسقَطَها عمَّن لا يَستحِقُّ القَتلَ وهُم الذُّرِّيةُ.
وقد جاءَ في كِتابِ النَّبيِّ ﷺ إلى مُعاذٍ باليَمنِ -الذي ذكَرْناه: أنَّ على كلِّ حالِمٍ دِينارًا- ما فيه تَقويةٌ لقَولِ عُمرَ.
وقالَ أبو عُبيدٍ أيضًا: فلمَّا أُعفِيت الذُّرِّيةُ وهُم النِّساءُ والوِلدانُ من القَتلِ، أُسقِطت عنهم الجِزيةُ، وثبَتت على كلِّ مَنْ يَستحِقُّ القَتلَ إنْ منَعها، وهُم الرِّجالُ، ومَضت السُّنةُ بذلك، وعَمِل به المُسلِمونَ (١).
ثانيًا: العَقلُ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الجِزيةَ لا تُؤخذُ من مَجانينِ أهلِ الذِّمةِ، وممَّن نقَلَ الإجماعَ على هذا ابنُ المُنذِرِ والقُرطبيُّ وابنُ القَيمِ وابنُ قُدامةَ وغيرُهم.
стр. 12492
قالَ ابنُ القَيمِ ﵀: ولا جِزيةَ على صَبيٍّ ولا امرأةٍ ولا مَجنونٍ، هذا مَذهبُ الأئِمةِ الأربَعةِ وأتباعِهم.
قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: ولا أعلَمُ عن غيرِهم خِلافَهم.
وقالَ أبو مُحمدٍ في «المُغني»: لا نَعلَمُ بينَ أهلِ العِلمِ خِلافًا في هذا (١).
ثالِثًا: الذُّكورةُ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ أيضًا على أنَّ الجِزيةَ لا تُضرَبُ على نِساءِ أهلِ الذِّمةِ.
قالَ ابنُ القَيمِ ﵀: ولا جِزيةَ على صَبيٍّ ولا امرأةٍ ولا مَجنونٍ، هذا مَذهبُ الأئِمةِ الأربَعةِ وأتباعِهم. قالَ ابنُ المُنذِرِ: ولا أعلَمُ عن غيرِهم خِلافَهم.
وقالَ أبو مُحمدٍ في «المُغني»: لا نَعلَمُ بينَ أهلِ العِلمِ خِلافًا في هذا (٢).
стр. 12493
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: اتَّفَقوا على أنَّها (أي: الجِزيةَ) إنَّما تَجِبُ بثَلاثةِ أوصافٍ: الذُّكوريةِ، والبُلوغِ، والحُرِّيةِ، وأنَّها لا تَجِبُ على النِّساءِ ولا على الصِّبيانِ؛ إذْ كانَت إنَّما هي عِوضٌ من القَتلِ، والقَتلُ إنَّما هو مُتوجَّهٌ بالأمرِ نَحوَ الرِّجالِ البالِغينَ؛ إذْ قد نُهي عن قَتلِ النِّساءِ والصِّبيانِ (١).
رابِعًا: الحُرِّيةُ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الجِزيةَ لا تُؤخذُ من عَبيدِ أهلِ الذِّمةِ، وسَواءٌ كانَ العبدُ مَملوكًا لمُسلمٍ أو كافرٍ.
وقد نقَلَ جَماعةٌ من العُلماءِ اتِّفاقَ العُلماءِ على ذلك، منهم ابنُ المُنذِرِ وابنُ رُشدٍ وابنُ قُدامةَ وابنُ القَيمِ وغيرُهم.
قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: أجمَعوا على أنَّها لا تَجِبُ على العَبيدِ (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا على سَيِّدِ عَبدٍ عن عبدِه إذا كانَ السَّيِّدُ مُسلمًا لا خِلافَ في هذا نَعلَمُه، ولأنَّ ما لزِمَ العبدَ إنَّما يُؤدِّيه سَيِّدُه فيُؤدِّي إيجابُه على عبدِ المُسلِمِ إلى إيجابِ الجِزيةِ على مُسلمٍ.
فأمَّا إنْ كانَ العبدُ لكافرٍ، فالمَنصوصُ عن أحمدَ أنَّه لا جِزيةَ عليه أيضًا، وهو قَولُ عامةِ أهلِ العِلمِ.
قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه من أهلِ العِلمِ، على أنَّه لا جِزيةَ على العبدِ … ولأنَّه مَحقونُ الدَّمِ فأشبَهَ النِّساءَ والصِّبيانَ، أو لا
стр. 12494
مالَ له فأشبَهَ الفَقيرَ العاجِزَ، ويَحتمِلُ كَلامُ الخِرقيِّ إِيجابَ الجِزيةِ عليه يُؤدِّيها سَيِّدُه، ورُوي ذلك أيضًا عن أحمدَ، ورُوي عن عُمرَ بنِ الخَطابِ أنَّه قالَ: لا تَشتَروا رَقيقَ أهلِ الذِّمةِ، ولا ممَّا في أيديهم؛ لأنَّهم أهلُ خَراجٍ يَبيعُ بَعضُهم بَعضًا، ولا يُقرَّنَّ أحدُكم بالصَّغارِ بعدَ إذْ أنقَذه اللهُ منه.
قالَ أحمدُ: أرادَ أنْ يُوفِّرَ الجِزيةَ؛ لأنَّ المُسلمَ إذا اشتَراه سقَطَ عنه أداءُ ما يُؤخذُ منه، والذِّميُّ يُؤدِّي عنه وعن مَملوكِه خَراجَ جَماجِمهم، ورُوي عن علِيٍّ مِثلُ حَديثِ عُمرَ، ولأنَّه ذَكرٌ مُكلَّفٌ قَويٌّ مُكتسِبٌ فوجَبَت عليه الجِزيةُ كالحُرِّ، والأوَّلُ أوْلى (١).
وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: وأمَّا العبدُ فإنْ كانَ سَيِّدُه مُسلمًا فلا جِزيةَ عليه باتِّفاقِ أهلِ العِلمِ، ولو وجَبَت عليه لوجَبَت على سَيِّده؛ فإنَّه هو الذي يُؤدِّيها عنه.
وفي السُّننِ والمُسنَدِ من حَديثِ ابنِ عَباسٍ ﵄ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «لا تَصلُحُ قِبلَتانِ في أَرضٍ، وَليسَ على مُسلمٍ جِزيةٌ» (٢).
وإنْ كانَ العبدُ لكافرٍ فالمَنصوصُ عن أحمدَ أنَّه لا جِزيةَ عليه أيضًا، وهو قَولُ عامةِ أهلِ العِلمِ.
قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَع كلُّ من نَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّه لا جِزيةَ على العبدِ.
стр. 12495
وقد رُوي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «لَا جِزيةَ عَلَى عَبْدٍ» (١)، وفي رَفعِه نَظرٌ، وهو ثابِتٌ عن ابنِ عُمرَ، وإنَّ العبدَ مَحقونُ الدَّمِ فأشبَهَ النِّساءَ والصِّبيانَ، ولأنَّه لا مالَ له فهو أسوأُ حالًا من الفَقيرِ العاجِزِ، ولأنَّها لو وجَبَت عليه لوجَبَت على سَيِّده؛ إذْ هو المُؤدِّي لها عنه، فيَجبُ عليه أكثَرُ من جِزيةٍ، ولأنَّه تَبعٌ فلمْ تَجِبْ عليه الجِزيةُ كذُرِّيةٍ الرَّجلِ وامرأتِه، ولأنَّه مَملوكٌ فلمْ تَجِبْ عليه كبَهائِمِه ودَوابِّه.
وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخرى أنَّها تَجِبُ عليه (٢).
خامِسًا: المَقدرةُ الماليةُ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الجِزيةَ تُوضَعُ على الفَقيرِ المُعتمِلِ (المُتكسِّبِ) وهو القادِرُ على العَملِ.
واختَلفُوا في الفَقيرِ غيرِ المُعتمِلِ غيرِ القادِرِ على أدائِها:
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ والشافِعيُّ في قَولٍ إلى أنَّ الجِزيةَ لا تَجِبُ على الفَقيرِ العاجِزِ عن العَملِ (٣).
واستدَلُّوا لذلك بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ووَجهُ الاستِدلالِ من الآيةِ أنَّ الفَقيرَ العاجِزَ عن الكَسبِ ليسَ في وُسعِه أنْ يَدفعَ الجِزيةَ، ومتى كانَ الأمرُ كذلك فلا يُكلَّفُ بها.
стр. 12496
وقد وضَعَ عُمرُ بنُ الخَطابِ الجِزيةَ على رُؤوسِ الرِّجالِ، وضَعَها على الغَنيِّ ثَمانيةً وأربَعينَ دِرهمًا، وعلى المُتوسِّطِ أربَعةً وعِشرينَ دِرهمًا، وعلى الفَقيرِ المُكتسِبِ اثنَيْ عَشرَ دِرهمًا (١).
فقد فرَضَها عُمرُ ﵁ على طَبقاتٍ ثَلاثٍ، أَدناها الفَقيرُ المُعتمِلُ، فدلَّ بمَفهومِه على أنَّ الجِزيةَ لا تَجِبُ على الفَقيرِ غيرِ المُعتمِلِ، وقد كانَ ذلك بمَحضَرَ الصَّحابةِ رِضوانُ اللهِ عليهم، ولم يُنكِرْ عليه أحدٌ، فهو إجماعٌ (٢).
وقالُوا: إنَّ الجِزيةَ مالٌ يَجبُ بحُلولِ الحَولِ، فلا يَلزمُ الفَقيرَ العاجِزَ عن الكَسبِ كالزَّكاةِ والدِّيةِ (٣).
أمَّا الشافِعيةُ: فقالَ منهم الشِّيرازيُّ ﵀: وفي الفَقيرِ الذي لا كَسبَ له قَولانِ:
أحدُهما: أنَّه (لا تَجِبُ عليه الجِزيةُ)؛ لأنَّ عُمرَ ﵁ جعَلَ أهلَ الجِزيةِ طَبقاتٍ، وجعَلَ أدناهم الفَقيرَ المُعتمِلَ، فدلَّ على أنَّها لا تَجِبُ على غيرِ المُعتمِلِ، ولأنَّه إذا لم يَجبْ خَراجُ الأرضِ في أرضٍ لا نَباتَ لها لم
стр. 12497
يَجبْ خَراجُ الرِّقابِ في رَقبةٍ لا كَسبَ لها، فعلى هذا يَكونُ مع الأغنياءِ في عَقدِ الذِّمةِ، فإذا أيسَرَ استُؤنِفَ الحَولُ.
والثانِي: أنَّها تَجِبُ عليه؛ لأنَّها تَجِبُ على سَبيلِ العِوضِ فاستَوى فيه المُعتمِلُ وغيرُ المُعتمِلِ، كالثَّمنِ والأُجرةِ، ولأنَّ المُعتمِلَ وغيرَ المُعتمِلِ يَستويانِ في القَتلِ بالكُفرِ فاستَويا في الجِزيةِ، فعلى هذا يُنظَرُ إلى المَيسرةِ، فإذا أيسَرَ طُولِب بجِزيةِ ما مَضى.
ومِن أصحابِنا مَنْ قالَ: لا يُنظَرُ؛ لأنَّه يَقدِرُ على حَقنِ الدَّمِ بالإسلامِ، فلم يُنظَرْ كما لا يُنظَرُ من وجَبَت عليه كَفارةٌ ولا يَجدُ رَقبةً وهو يَقدِرُ على الصَّومِ، فعلى هذا يَقولُ له: إنْ تَوصَّلت إلى أداءِ الجِزيةِ خَلَّيناكَ، وإنْ لم تَفعَلَ نَبذْنا إليكَ العَهدَ (١).
وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: ولا جِزيةَ على فَقيرٍ عاجِزٍ عن أَدائِها، هذا قَولُ الجُمهورِ.
وللشافِعيِّ ثَلاثةُ أقوالٍ: هذا أحدُها.
والثانِي: يَجبُ عليه، وعلى هذا قَولانِ:
أحدُهما: أنَّه يَخرجُ من بِلادِ الإسلامِ أو لا سَبيلَ إلى إِقامَتِه في دارِ الإِسلامِ بغيرِ جِزيةٍ.
والثانِي: تَستقرُّ في ذِمَّتِه وتُؤخذُ منه إذا قدِرَ عليها.
стр. 12498
والصَّحيحُ أنَّها لا تَجِبُ على عاجِزٍ عنها؛ فإنَّ اللهَ لا يُكلِّفُ نَفسًا إلا وُسعَها، وإنَّما فرَضها عُمرُ ﵁ على الفَقيرِ المُعتمِلِ لأنَّه يَتمكَّنُ مِنْ أدائِها بالكَسبِ، فقَواعِدُ الشَّريعةِ كلُّها تَقتَضي ألَّا تَجِبَ على عاجِزٍ كالزَّكاةِ والدِّيةِ والكَفارةِ والخَراجِ و ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧] ولا واجِبَ مع عَجزٍ ولا حَرامَ مع ضَرورةٍ.
فإنْ قيلَ: نَحنُ لا نُكلِّفُه بها في حالِ إِعسارِه بل تَستقِرُّ دَينًا في ذِمتِه، فمَتى أيسَر طُولِبَ بها لما مَضى كسائرِ الدُّيونِ، قيلَ: هذا مَعقولٌ في دُيونِ الآدَميِّينَ، وأمَّا حُقوقُ اللهِ تَعالى؛ فإنَّه إنَّما أوجَبَها على القادِرينَ دونَ العاجِزينَ.
فإنْ قيلَ: الجِزيةُ أُجرةٌ عن سُكنى الدارِ فتَستقِرُّ في الذِّمةِ.
قيلَ: انتِفاءُ أحكامِ الإجارةِ عنها جَميعِها يَدلُّ على أنَّها ليسَت بأُجرةٍ، فلا يُعرَفُ حُكمٌ من أحكامِ الإجارةِ في الجِزيةِ، وقد تَقدَّمَ أنَّ عُمرَ ﵁ أَجرى على السائِلِ الذِّميِّ رِزقَه من بَيتِ المالِ، فكيفَ يُكلَّفُ أداءَ الجِزيةِ وهو يُرزَقُ من بَيتِ مالِ المُسلِمينَ (١).
سادِسًا: ألاَّ يَكونَ من الرُّهبانِ المُنقَطِعين للعِبادةِ في الصَّوامِعِ:
اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّ الرُّهبانَ إذا خالَطوا الناسَ في مَساكِنِهم ومَعايِشِهم فعليهم الجِزيةُ باتِّفاقِ المُسلِمينَ، وهُم أوْلى بها من عَوامِّهم؛ فإنَّهم رُؤوسُ الكُفرِ وهُم بمَنزِلةِ عُلمائِهم وشَمامِستِهم.
стр. 12499
وإنِ انقَطعوا في الصَّوامِعِ والدِّياراتِ ولمْ يُخالِطوا الناسَ في مَعايشِهم ومَساكنِهم، فهل تَجِبُ عليهم الجِزيةُ؟ فيه قَولانِ للفُقهاءِ:
القَولُ الأولُ: أنَّ الجِزيةَ لا تُفرضُ عليهم سَواءٌ كانُوا قادِرينَ على العَملِ والكَسبِ أو غيرَ قادِرينَ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ في رِوايةِ القُدوريِّ ومالِكٍ وأحمدَ في رِوايةٍ والشافِعيِّ في أحدِ قَولَيه.
واحتَجُّوا على ذلك بأنَّهم ليسُوا من أهلِ القِتالِ.
وقد أَوصى الصِّديقُ ﵁ بألَّا يُتعرَّضَ لهم، فقالَ في وَصيَّتِه ليَزيدَ بنِ أبي سُفيانَ حينَ وجَّهَه إلى الشامِ: «لا تَقتُلْ صَبيًّا وَلا امرأةً ولا هَرِمًا، وستَمرُّونَ على أقوامٍ في الصَّوامِعِ احتبَسوا أنفُسَهم فيها، فدَعْهم حتى يُميتَهم اللَّهُ على ضَلالَتِهم، وستَجِدونَ أقوامًا فحَصوا عن أوساطِ رُؤوسِهِم فاضرِبْ ما فحَصوا عنه بالسَّيفِ» (١).
فإذا كانَ الراهِبُ لا يُقتَلُ فهو محَقونُ الدَّمِ بدونِ عَقدِ الذِّمةِ، والجِزيةُ إنَّما وجَبَت لحَقنِ الدَّمِ، فلمْ تَجِبْ عليه، كما لا تَجِبُ على الصَّبيِّ والمَرأةِ، ولأنَّ الراهبَ من جُملةِ الفُقراءِ؛ لأنَّه إنَّما تُرِك له من المالِ اليسَيرُ (٢).
стр. 12500
وذهَبَ أبو حَنيفةَ في رِوايةٍ نقَلها عنه مُحمدُ بنُ الحَسنِ، وهو قَولُ أبي يُوسفَ وأحمدَ في رِوايةٍ وعُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ إلى أنَّ الجِزيةَ تَجِبُ على الرُّهبانِ إذا كانُوا قادِرينَ على العَملِ.
وقد استَدلَّ مَنْ قيَّدَ أخْذَ الجِزيةِ من الرُّهبانِ بالقُدرةِ على العَملِ بأمرَينِ:
الأولُ: أنَّ المُعتمِلَ إذا ترَك العَملَ تُؤخذُ منه الجِزيةُ، فكذلك الراهِبُ القادِرُ على العَملِ.
والثانِي: أنَّ الأرضَ الخَراجيةَ الصالِحةَ للزِّراعةِ لا يَسقُطُ عنها الخَراجُ بتَعطيلِ المالِكِ لها عن الزِّراعةِ، فكذلك الراهِبُ القادِرُ على العَملِ لا تَسقطُ عنه الجِزيةُ إذا ترَك العَملَ.
هذا بالإضافةِ إلى الأدِلةِ التي استَدلَّ بها أصحابُ المَذهبِ الأولِ على عَدمِ أخذِ الجِزيةِ من الراهِبِ، فقد استَدلَّ بها أصحابُ هذا المَذهبِ، وحمَلوها على الراهِبِ غيرِ المُعتمِلِ الذي يَعيشُ على صَدقاتِ المُوسِرينَ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ وأبو ثَورٍ، وإليه مالَ ابنُ القَيمِ إلى أنَّ الجِزيةَ تَجِبُ على الرُّهبانِ الذين يَنقطِعونَ للعِبادةِ في الأديرةِ والصَّوامعِ، سَواءٌ أكانُوا مُوسِرينَ أو غيرَ مُوسِرينَ، قادِرينَ على العَملِ أو غيرَ قادِرينَ.