← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 12496–12535 · переход к 12501.

стр. 12496

وقد وضَعَ عُمرُ بنُ الخَطابِ الجِزيةَ على رُؤوسِ الرِّجالِ، وضَعَها على الغَنيِّ ثَمانيةً وأربَعينَ دِرهمًا، وعلى المُتوسِّطِ أربَعةً وعِشرينَ دِرهمًا، وعلى الفَقيرِ المُكتسِبِ اثنَيْ عَشرَ دِرهمًا (١). فقد فرَضَها عُمرُ ﵁ على طَبقاتٍ ثَلاثٍ، أَدناها الفَقيرُ المُعتمِلُ، فدلَّ بمَفهومِه على أنَّ الجِزيةَ لا تَجِبُ على الفَقيرِ غيرِ المُعتمِلِ، وقد كانَ ذلك بمَحضَرَ الصَّحابةِ رِضوانُ اللهِ عليهم، ولم يُنكِرْ عليه أحدٌ، فهو إجماعٌ (٢). وقالُوا: إنَّ الجِزيةَ مالٌ يَجبُ بحُلولِ الحَولِ، فلا يَلزمُ الفَقيرَ العاجِزَ عن الكَسبِ كالزَّكاةِ والدِّيةِ (٣). أمَّا الشافِعيةُ: فقالَ منهم الشِّيرازيُّ ﵀: وفي الفَقيرِ الذي لا كَسبَ له قَولانِ: أحدُهما: أنَّه (لا تَجِبُ عليه الجِزيةُ)؛ لأنَّ عُمرَ ﵁ جعَلَ أهلَ الجِزيةِ طَبقاتٍ، وجعَلَ أدناهم الفَقيرَ المُعتمِلَ، فدلَّ على أنَّها لا تَجِبُ على غيرِ المُعتمِلِ، ولأنَّه إذا لم يَجبْ خَراجُ الأرضِ في أرضٍ لا نَباتَ لها لم

стр. 12497

يَجبْ خَراجُ الرِّقابِ في رَقبةٍ لا كَسبَ لها، فعلى هذا يَكونُ مع الأغنياءِ في عَقدِ الذِّمةِ، فإذا أيسَرَ استُؤنِفَ الحَولُ. والثانِي: أنَّها تَجِبُ عليه؛ لأنَّها تَجِبُ على سَبيلِ العِوضِ فاستَوى فيه المُعتمِلُ وغيرُ المُعتمِلِ، كالثَّمنِ والأُجرةِ، ولأنَّ المُعتمِلَ وغيرَ المُعتمِلِ يَستويانِ في القَتلِ بالكُفرِ فاستَويا في الجِزيةِ، فعلى هذا يُنظَرُ إلى المَيسرةِ، فإذا أيسَرَ طُولِب بجِزيةِ ما مَضى. ومِن أصحابِنا مَنْ قالَ: لا يُنظَرُ؛ لأنَّه يَقدِرُ على حَقنِ الدَّمِ بالإسلامِ، فلم يُنظَرْ كما لا يُنظَرُ من وجَبَت عليه كَفارةٌ ولا يَجدُ رَقبةً وهو يَقدِرُ على الصَّومِ، فعلى هذا يَقولُ له: إنْ تَوصَّلت إلى أداءِ الجِزيةِ خَلَّيناكَ، وإنْ لم تَفعَلَ نَبذْنا إليكَ العَهدَ (١). وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: ولا جِزيةَ على فَقيرٍ عاجِزٍ عن أَدائِها، هذا قَولُ الجُمهورِ. وللشافِعيِّ ثَلاثةُ أقوالٍ: هذا أحدُها. والثانِي: يَجبُ عليه، وعلى هذا قَولانِ: أحدُهما: أنَّه يَخرجُ من بِلادِ الإسلامِ أو لا سَبيلَ إلى إِقامَتِه في دارِ الإِسلامِ بغيرِ جِزيةٍ. والثانِي: تَستقرُّ في ذِمَّتِه وتُؤخذُ منه إذا قدِرَ عليها.

стр. 12498

والصَّحيحُ أنَّها لا تَجِبُ على عاجِزٍ عنها؛ فإنَّ اللهَ لا يُكلِّفُ نَفسًا إلا وُسعَها، وإنَّما فرَضها عُمرُ ﵁ على الفَقيرِ المُعتمِلِ لأنَّه يَتمكَّنُ مِنْ أدائِها بالكَسبِ، فقَواعِدُ الشَّريعةِ كلُّها تَقتَضي ألَّا تَجِبَ على عاجِزٍ كالزَّكاةِ والدِّيةِ والكَفارةِ والخَراجِ و ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧] ولا واجِبَ مع عَجزٍ ولا حَرامَ مع ضَرورةٍ. فإنْ قيلَ: نَحنُ لا نُكلِّفُه بها في حالِ إِعسارِه بل تَستقِرُّ دَينًا في ذِمتِه، فمَتى أيسَر طُولِبَ بها لما مَضى كسائرِ الدُّيونِ، قيلَ: هذا مَعقولٌ في دُيونِ الآدَميِّينَ، وأمَّا حُقوقُ اللهِ تَعالى؛ فإنَّه إنَّما أوجَبَها على القادِرينَ دونَ العاجِزينَ. فإنْ قيلَ: الجِزيةُ أُجرةٌ عن سُكنى الدارِ فتَستقِرُّ في الذِّمةِ. قيلَ: انتِفاءُ أحكامِ الإجارةِ عنها جَميعِها يَدلُّ على أنَّها ليسَت بأُجرةٍ، فلا يُعرَفُ حُكمٌ من أحكامِ الإجارةِ في الجِزيةِ، وقد تَقدَّمَ أنَّ عُمرَ ﵁ أَجرى على السائِلِ الذِّميِّ رِزقَه من بَيتِ المالِ، فكيفَ يُكلَّفُ أداءَ الجِزيةِ وهو يُرزَقُ من بَيتِ مالِ المُسلِمينَ (١). سادِسًا: ألاَّ يَكونَ من الرُّهبانِ المُنقَطِعين للعِبادةِ في الصَّوامِعِ: اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّ الرُّهبانَ إذا خالَطوا الناسَ في مَساكِنِهم ومَعايِشِهم فعليهم الجِزيةُ باتِّفاقِ المُسلِمينَ، وهُم أوْلى بها من عَوامِّهم؛ فإنَّهم رُؤوسُ الكُفرِ وهُم بمَنزِلةِ عُلمائِهم وشَمامِستِهم.

стр. 12499

وإنِ انقَطعوا في الصَّوامِعِ والدِّياراتِ ولمْ يُخالِطوا الناسَ في مَعايشِهم ومَساكنِهم، فهل تَجِبُ عليهم الجِزيةُ؟ فيه قَولانِ للفُقهاءِ: القَولُ الأولُ: أنَّ الجِزيةَ لا تُفرضُ عليهم سَواءٌ كانُوا قادِرينَ على العَملِ والكَسبِ أو غيرَ قادِرينَ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ في رِوايةِ القُدوريِّ ومالِكٍ وأحمدَ في رِوايةٍ والشافِعيِّ في أحدِ قَولَيه. واحتَجُّوا على ذلك بأنَّهم ليسُوا من أهلِ القِتالِ. وقد أَوصى الصِّديقُ ﵁ بألَّا يُتعرَّضَ لهم، فقالَ في وَصيَّتِه ليَزيدَ بنِ أبي سُفيانَ حينَ وجَّهَه إلى الشامِ: «لا تَقتُلْ صَبيًّا وَلا امرأةً ولا هَرِمًا، وستَمرُّونَ على أقوامٍ في الصَّوامِعِ احتبَسوا أنفُسَهم فيها، فدَعْهم حتى يُميتَهم اللَّهُ على ضَلالَتِهم، وستَجِدونَ أقوامًا فحَصوا عن أوساطِ رُؤوسِهِم فاضرِبْ ما فحَصوا عنه بالسَّيفِ» (١). فإذا كانَ الراهِبُ لا يُقتَلُ فهو محَقونُ الدَّمِ بدونِ عَقدِ الذِّمةِ، والجِزيةُ إنَّما وجَبَت لحَقنِ الدَّمِ، فلمْ تَجِبْ عليه، كما لا تَجِبُ على الصَّبيِّ والمَرأةِ، ولأنَّ الراهبَ من جُملةِ الفُقراءِ؛ لأنَّه إنَّما تُرِك له من المالِ اليسَيرُ (٢).

стр. 12500

وذهَبَ أبو حَنيفةَ في رِوايةٍ نقَلها عنه مُحمدُ بنُ الحَسنِ، وهو قَولُ أبي يُوسفَ وأحمدَ في رِوايةٍ وعُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ إلى أنَّ الجِزيةَ تَجِبُ على الرُّهبانِ إذا كانُوا قادِرينَ على العَملِ. وقد استَدلَّ مَنْ قيَّدَ أخْذَ الجِزيةِ من الرُّهبانِ بالقُدرةِ على العَملِ بأمرَينِ: الأولُ: أنَّ المُعتمِلَ إذا ترَك العَملَ تُؤخذُ منه الجِزيةُ، فكذلك الراهِبُ القادِرُ على العَملِ. والثانِي: أنَّ الأرضَ الخَراجيةَ الصالِحةَ للزِّراعةِ لا يَسقُطُ عنها الخَراجُ بتَعطيلِ المالِكِ لها عن الزِّراعةِ، فكذلك الراهِبُ القادِرُ على العَملِ لا تَسقطُ عنه الجِزيةُ إذا ترَك العَملَ. هذا بالإضافةِ إلى الأدِلةِ التي استَدلَّ بها أصحابُ المَذهبِ الأولِ على عَدمِ أخذِ الجِزيةِ من الراهِبِ، فقد استَدلَّ بها أصحابُ هذا المَذهبِ، وحمَلوها على الراهِبِ غيرِ المُعتمِلِ الذي يَعيشُ على صَدقاتِ المُوسِرينَ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ وأبو ثَورٍ، وإليه مالَ ابنُ القَيمِ إلى أنَّ الجِزيةَ تَجِبُ على الرُّهبانِ الذين يَنقطِعونَ للعِبادةِ في الأديرةِ والصَّوامعِ، سَواءٌ أكانُوا مُوسِرينَ أو غيرَ مُوسِرينَ، قادِرينَ على العَملِ أو غيرَ قادِرينَ.

стр. 12501

واستدَلُّوا لذلك بعُمومِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ فهو يَشمَلُ الرُّهبانَ القادِرينَ على العَملِ وغيرَ القادِرينَ، المُوسِرينَ وغيرَ المُوسِرينَ، وبعُمومِ الأحاديثِ القاضيةِ بأخذِ الجِزيةِ من كلِّ بالِغٍ كحَديثِ مُعاذٍ السابِقِ: أمَرَه أنْ يَأخذَ من كلِّ حالِمٍ دينارًا. وبحَديثِ عُمرَ السابِقِ: ولا يَضرِبوها إلا على من جرَت عليه المُوسَى، وبما رَوى أبو عُبيدٍ وغيرُه عن عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ: أنَّه فرَضَ على رُهبانِ الدِّياراتِ على كلِّ راهِبٍ دِينارَينِ (١). قالَ أبو عُبيدٍ ﵀: ولا أَرى عُمرَ فعَلَ هذا إلا لعِلمِه بطاقَتِهم له، وأنَّ أهلَ دِينِهم يَتحمَّلونَ ذلك لهم، كما أنَّهم يَكْفونهم جَميعَ مُؤْناتِهم (٢). وأمَّا المَعقولُ، فمِن وَجهَينِ: الأولُ: أنَّ الجِزيةَ عِوضٌ عن حَقنِ الدَّمِ، وأنَّ الراهِبُ غيرُ مَحقونِ الدَّمِ -وهذا عندَ الشافِعيةِ كما سبَقَ في كِتابِ الجِهادِ-، فتَجِبُ عليه الجِزيةُ لحَقنِ الدَّمِ. والثانِي: أنَّ الجِزيةَ عِوضٌ عن سُكنى دارِ الإسلامِ، وأنَّ الراهِبَ كغيرِه في الانتِفاعِ بالدارِ، فلا تَسقُطُ عنه الجِزيةُ (٣).

стр. 12502

وسُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀ عن الرُّهبانِ الذين يُشارِكونَ الناسَ في غالِبِ الدُّنيا فيَتَّجِرونَ ويَتَّخِذونَ المَزارِعَ وأبراجَ الحَمامِ وغيرَ ذلك من الأُمورِ التي يَتَّخِذُها سائِرُ الناسِ فيما هُمْ فيه الآنَ، وإنَّما ترهَّبَ أحدُهم في اللِّباسِ وتَرْكِ النِّكاحِ وأكْلِ اللَّحمِ والتَّعبُّدِ بالنَّجاسةِ ونَحوِ ذلك، وقد صارَ مَنْ يُريدُ إسقاطَ الجِزيةِ من النَّصارى يَترهَّبُ هذا التَّرهُّبَ لسُقوطِ الجِزيةِ عنه، ويَأخذونَ من الأموالِ المَحبوسةِ والمَنذورةِ ما يَأخذونَ، فهل يَجوزُ أخذُ الجِزيةِ من هؤلاء أو لا، وهل يَجوزُ إسكانُهم بِلادَ المُسلِمينَ مع رَفعِ الجِزيةِ عنهم أو لا؟ أفتُونا مَأجورينَ. فأجابَ ﵁: الحَمدُ للهِ، الرُّهبانُ الذين تنازَعَ العُلماءُ في قَتلِهم وأخذِ الجِزيةِ منهم هُمْ المَذكورونَ في الحَديثِ المأثورِ عن خَليفةِ رَسولِ اللهِ أبي بَكرٍ الصِّديقِ ﵁ أنَّه قالَ في وَصيَّتِه ليَزيدَ بنِ أبي سُفيانَ لمَّا بعَثَه أميرًا على فَتحِ الشامِ، فقالَ له في وَصيَّتِه: «وستَجِدونَ أقوامًا قد حبَسوا أنفُسَهم في الصَّوامعِ فذَروهم وما حبَسوا أنفُسَهم له، وستَجِدونَ أَقوامًا قد فحَصوا عن أَوساطِ رُؤوسِهم فاضرِبوا ما فحَصوا عنه بالسَّيفِ، وذلك بأنَّ اللهَ يَقولُ: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢]». وإنَّما نَهى عن قَتلِ هؤلاء؛ لأنَّهم قَومٌ مُنقطِعونَ عن الناسِ مَحبوسونَ في الصَّوامعِ، يُسمَّى أحدُهم حَبيسًا لا يُعاوِنونَ أهلَ دينِهم على أمرٍ فيه ضَررٌ

стр. 12503

على المُسلِمينَ أصلًا، ولا يُخالِطونهم في دُنياهم، ولكنْ يَكتفي أحدُهم بقَدرِ ما يَتبلَّغُ به، فتنازَعَ العُلماءُ في قَتلِهم كتَنازُعِهم في قَتلِ مَنْ لا يَضُرُّ المُسلِمينَ لا بيَدِه ولا بلِسانِه كالأَعمى والزَّمِنِ والشَّيخِ الكَبيرِ ونَحوِه كالنِّساءِ والصِّبيانِ. فالجُمهورُ يَقولونَ: لا يُقتَلُ إلا مَنْ كانَ من المُعاوِنينَ لهم على القِتالِ في الجُملةِ وإلا كانَ كالنِّساءِ والصِّبيانِ. ومنهم مَنْ يَقولُ: بل مُجرَّدُ الكُفرِ هو المُبيحُ للقَتلِ، وإنَّما استُثني النِّساءُ والصِّبيانُ لأنَّهم أموالٌ، وعلى هذا الأصلِ يَنبَني أخذُ الجِزيةِ. وأمَّا الراهِبُ الذي يُعاوِنُ أهلَ دِينِه بيَدِه ولِسانِه مِثلَ أنْ يَكونَ له رأيٌ يَرجِعونَ إليه في القِتالِ، أو نَوعٌ من التَّحضيضِ، فهذا يُقتَل باتِّفاقِ العُلماءِ إذا قُدِر عليه، وتُؤخذُ منه الجِزيةُ وإنْ كانَ حَبيسًا مُنفرِدًا في مُتعبَّدِه، فكيف بمَن هُمْ كسائرِ النَّصارى في مَعايشِهم ومُخالطتِهم الناسَ واكتِسابِ الأموالِ بالتِّجاراتِ والزِّراعاتِ والصِّناعاتِ واتِّخاذِ الدِّياراتِ الجامِعاتِ لغيرِهم، وإنَّما تَميَّزوا على غيرِهم بما يُغلِّظُ كُفرَهم ويَجعلُهم أئِمةً في الكُفرِ مِثلَ التَّعبُّدِ بالنَّجاساتِ وتَركِ النِّكاحِ واللَّحمِ واللِّباسِ الذي هو شِعارُ الكُفرِ، لا سيَّما وهُم الذين يُقيمونَ دِينَ النَّصارى بما يُظهِرونه من الحِيَلِ الباطِلةِ التي صنَّفَ الفُضلاءُ فيها مُصنَّفاتٍ، ومِن العِباداتِ الفاسِدةِ وقَبولِ نُذورِهم وأَوقافِهم.

стр. 12504

والراهِبُ عندَهم شَرطُه تَركُ النِّكاحِ فقط، وهُم مع هذا يُجوِّزونَ أنْ يَكونَ بَتركًا وبَطرقًا وقِسِّيسًا وغيرَهم من أئِمةِ الكُفرِ الذين يَصدُرونَ عن أمرِهم ونَهيِهم، ولهم أنْ يَكتسِبوا الأموالَ كما لغيرِهم مثلُ ذلك؛ فهؤلاء لا يَتنازَعُ العُلماءُ في أنَّهم من أحَقِّ النَّصارى بالقَتلِ عندَ المُحارَبةِ وبأخذِ الجِزيةِ عندَ المُسالَمةِ، وأنَّهم من جِنسِ أئِمةِ الكُفرِ الذين قالَ فيهم الصِّديقُ ﵁ ما قالَ، وتَلا قَولَ اللهِ تَعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢]. ويُبيِّنُ ذلك أنَّه قد قالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ا التوبة: ٣٤] وقد قالَ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١]. فهل يَقولُ عالِمٌ: إنَّ أئِمةَ الكُفرِ الذين يَصُدُّونَ عَوامَّهم عن سَبيلِ اللهِ، ويَأكلونَ أموالَ الناسِ بالباطِلِ ويَرضَونَ بأنْ يُتَّخَذوا أربابًا من دونِ اللهِ لا يُقاتِلونَ ولا تُؤخذُ منهم الجِزيةُ مع كَونِها تُؤخذُ من العامةِ الذين هُمْ أَقلُّ منهم ضَررًا في الدِّين وأَقلُّ أموالًا، لا يَقولُه مَنْ يَدرى ما يَقولُ، وإنَّما وقَعت الشُّبهةُ لما في لفظِ الراهِبِ من الإجمالِ والاشتِراكِ، وقد بيَّنَّا أنَّ الأثرَ الوارِدَ مُقيَّدٌ مَخصوصٌ وهو يُبيِّنُ المَرفوعَ في ذلك، وقد اتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ عِلةَ المَنعِ هي ما بيَّنَّاه.

стр. 12505

فهؤلاء المَوصوفونَ تُؤخذُ منهم الجِزيةُ بلا رَيبٍ ولا نِزاعٍ بينَ أئِمةِ العِلمِ؛ فإنَّه يُنتزَعُ منهم ولا يَحِلُّ أنْ يُترَكَ شَيءٌ من أرضِ المُسلِمينَ التي فتَحُوها عَنوةً وضُرِبت الجِزيةُ عليها؛ ولِهذا لم يَتنازَعْ فيه أهلُ العِلمِ من أهلِ المَذاهبِ المَتبوعةِ من الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ في أنَّ أرضَ مِصرَ كانَت خَراجيَّةً، وقد ثبَتَ ذلك في الحَديثِ الصَّحيحِ الذي في صَحيحِ مُسلمٍ حيثُ قالَ: «مَنَعتِ العِراقُ دِرهَمَها وقَفيزَها، ومَنَعتِ الشامُ مُدَّها ودِينارَها، ومَنَعتْ مِصرُ إردَبَّها ودِرهَمَها، وعُدتُمْ من حيثُ بَدأتُمْ»، لكنِ المُسلِمونَ لمَّا كَثُروا نقَلوا أرضَ السَّوادِ في أوائِلِ الدَّولةِ العَباسيةِ من المُخارَجةِ إلى المُقاسَمةِ، ولذلك نقَلوا مِصرَ إلى أنِ استَغلوها هُم، كما هو الواقِعُ اليَومَ، ولذلك رُفعَ عنها الخَراجُ. ومِثلُ هذه الأرضِ لا يَجوزُ باتِّفاقِ المُسلِمينَ أنْ تُجعلَ حَبسًا على مِثلِ هؤلاء، يَستغلُّونها بغيرِ عِوضٍ، فعلِمَ أنَّ انتِزاعَ هذه الأرضِينَ منهم واجِبٌ باتِّفاقِ عُلماءِ المُسلِمينَ، وإنَّما استَولَوْا عليها بكَثرةِ المُنافِقينَ من المُنتسِبينَ إلى الإسلامِ في الدَّولةِ الرافِضيةِ، واستمَرَّ الأمرُ على ذلك، وبسَببِ كَثرةِ الكُتَّابِ والدَّواوينِ منهم ومن المُنافِقينَ يَتصرَّفونَ في أموالِ المُسلِمينَ بمِثلِ هذا كما هو مَعروفٌ من عَملِ الدَّواوينِ من الكافِرينَ والمُنافِقينَ. ولِهذا يُوجَدَ لمَعابِدِ هؤلاء الكُفارِ من الأحباسِ ما لا يُوجَدَ لمَساجِدِ المُسلِمينَ ومَساكنِهم للعِلمِ والعِبادةِ، مع أنَّ الأرضَ كانَت خَراجيةً باتِّفاقِ

стр. 12506

عُلماءِ المُسلِمينَ، ومِثلُ هذا لا يَفعَلُه مَنْ يُؤمِنُ باللهِ ورَسولِه، وإنَّما يَفعلُه الكُفارُ والمُنافِقونَ ومَن لبَّسوا عليه ذلك مِنْ وُلاةِ أُمورِ المُسلِمينَ، فإذا عرَف وُلاةُ أُمورِ المُسلِمينَ الحالَ عَمِلوا في ذلك ما أمَرَ اللهُ بهِ ورَسولُه ﷺ ، واللهُ أعلَمُ، وصَلَّى اللهُ على مُحمدٍ (١). سابِعًا: السَّلامةُ من العاهاتِ المُزمِنةِ: إذا أُصيبَ المُطالَبُ بالجِزيةِ بعاهةٍ مُزمِنةٍ، كالمَرضِ أو العَمى أو الكِبَرِ المُقعِدِ عن العَملِ والقِتالِ، فهل تُؤخذُ منه الجِزيةُ أو لا؟ اختَلفَ الفُقهاءُ في ذلك: فظاهِرُ الرِّوايةِ عندَ الحَنفيةِ وما هو مَذهبُ المالِكيةِ والحَنابِلةِ، والشافِعيِّ في أحدِ قَولَيه: أنَّ الجِزيةَ لا تُؤخذُ من هؤلاء، ولو كانُوا مُوسِرينَ، واستدَلُّوا بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩]. ففَحوى الآيةِ يَدلُّ على أنَّ الجِزيةَ تُؤخذُ ممَّن كانَ منهم من أهلِ القِتالِ؛ لاستِحالةِ الخِطابِ بالأمرِ بقِتالِ مَنْ ليسَ من أهلِ القِتالِ؛ إذِ القِتالُ لا يَكونُ إلا بينَ اثنَينِ، ومَن يُمكِنُه أداؤُه من المحتَرِفينَ، ولذلك لا تُؤخذُ الجِزيةُ ممَّن لم يَكنْ من أهلِ القِتالِ: كالأعمى والزَّمِنِ والمَفلوجِ والشَّيخِ الكَبيرِ الفاني؛ سَواءٌ أكانَ مُوسِرًا أم غيرَ مُوسِرٍ؛ ولأنَّ الجِزيةَ تُؤخذُ ممَّن أُبيحَ قَتلُه من الحَربيِّينَ، وهؤلاء لا يُقتَلون (٢).

стр. 12507

وذهَبَ أبو يُوسفَ من الحَنفيةِ إلى أنَّ الجِزيةَ تُؤخذُ من الزَّمْنى والعُميانِ والشُّيوخِ الكِبارِ إذا كانَ لهم مالٌ ورأيٌ. واستَدلَّ لذلك بأنَّ هؤلاء المُصابين بالعاهاتِ المُزمِنةِ أهلٌ للقِتالِ؛ إذْ إنَّهم يُقتَلونَ إذا كانُوا ذَوي رأيٍ في الحَربِ والقِتالِ، فتَجِبُ عليهم الجِزيةُ كما تَجِبُ على غيرِهم. ولأنَّ الجِزيةَ تَجِبُ على الفَقيرِ المُعتمِلِ، ووُجودُ المالِ عندَ هؤلاء المُصابينَ أكثَرُ من القُدرةِ على العَملِ، فتَجِبُ عليهم الجِزيةُ إذا كانُوا مُوسِرينَ، ولا تَجِبُ عليهم إذا كانُوا مُعسِرينَ (١). ويَدلُّ على ذلك ما في كِتابِ الصُّلحِ بينَ خالِدِ بنِ الوَليدِ ﵁ وأهلِ الحِيَرةِ: (وجَعَلتُ لهم: أيُّما شَيخٍ ضعُفَ عن العَملِ، أو أصابَتْه آفةٌ من الآفاتِ، أو كانَ غَنيًّا فافتُقِر وصارَ أهلُ دِينِه يَتصدَّقُون عليه طُرحَت جِزيَتُه، وعِيلَ من بَيتِ مالِ المُسلِمينَ وعِيالُه ما أقامَ بدارِ الهِجرةِ ودارِ الإسلامِ؛ فإنْ خرَجُوا إلى غيرِ دارِ الهِجرةِ ودارِ الإسلامِ فليسَ على المُسلِمينَ النَّفقةُ على عيالِهم) (٢).

стр. 12508

ومَذهبُ الشافِعيةِ وأبي ثَورٌ أنَّ الجِزيةَ تُؤخذُ من المُصابينَ بالعاهاتِ المُزمِنةِ، ولو لمْ يَكونوا مُوسِرينَ. واستدَلُّوا لذلك بعُمومِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ فهو يَشمَلُ الزَّمْنى والعُميانَ والشُّيوخَ الكِبارَ. وبعُمومِ الأحاديثِ القاضيةِ بأخْذِ الجِزيةِ من كلِّ حالِمٍ، كحَديثِ مُعاذٍ السابِقِ، الذي أمَرَه فيه أنْ يَأخذَ من كلِّ حالِمٍ دِينارًا، وحَديثِ عُمرَ بنِ الخَطابِ السابِقِ: ولا يَضرِبوها إلا على مَنْ جرَت عليه المُوسى. واستدَلُّوا من المَعقولِ بأنَّ الجِزيةَ عِوضٌ عن حَقنِ الدَّمِ، وهؤلاء كغيرِهم في الانتِفاعِ بحَقنِ الدَّمِ، فلا تَسقُطُ عنهم الجِزيةُ بتلك الإصاباتِ، وأنَّ الجِزيةَ عِوضٌ عن سُكنى دارِ الإسلامِ، وهؤلاء كغيرِهم في الانتِفاعِ بالدارِ، فلا تَسقُطُ عنهم الجِزيةُ، كما أنَّ الأُجرةَ لا تَسقُطُ عن أصحابِ الأعذارِ، فعلى التَّقديرَينِ لا يُقَرُّونَ بغيرِ جِزيةٍ (١).

стр. 12509

مِقدارُ الجِزيةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في مِقدارِ الجِزيةِ: فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الجِزيةَ على ضَربَيْن، هُما: جِزيةٌ تُوضَعُ بالتَّراضي والصُّلحِ، وجِزيةٌ يَبتدِئُ الإمامُ بوَضعِها على الكُفارِ إذا فتَحَ بِلادَهم عَنوةً. فالضَّربُ الأولُ: الجِزيةُ الصُّلحيةُ، ليسَ لها حَدٌّ مُعيَّنٌ، بل تُقدَّرُ بحسَبِ ما يَقعُ عليه الاتِّفاقُ بينَ الإمامِ وأهلِ الذِّمةِ (١). واستدَلُّوا لذلك باختِلافِ مَقاديرِ الجِزيةِ الصُّلحيةِ من مَجموعةٍ إلى مَجموعةٍ أُخرى. فقد صالَحَ النَّبيُّ ﷺ أهلَ نَجرانَ على أَلفَي حُلةٍ، النِّصفُ في صَفَرَ، والبَقيةُ في رَجَبٍ يُؤدُّونَها إلى المُسلِمينَ (٢). وأمَرَ النَّبيُّ ﷺ مُعاذًا لمَّا وجَّهَه إلى اليَمنِ، «أنْ يَأخذَ مِنْ كلِّ حالِمٍ -يَعني مُحتَلِمًا- دِينارًا أو عَدلَهُ من المَعافِرِ -ثِيابٌ تَكونُ بِاليَمَنِ» (٣). وصالَحَ عُمرُ ﵁ بَني تَغلِبَ على أنْ يُؤدُّوا ضِعفَ زَكاةِ المُسلِمينَ. رَوى البَيهَقيُّ عن عُبادةَ بنِ النُّعمانِ التَّغلِبيِّ في حَديثٍ طَويلٍ أنَّ عُمرَ ﵁ لمَّا صالَحَهم -يَعني نَصارى بَني تَغلِبَ- على تَضعيفِ

стр. 12510

الصَّدقةِ قالُوا: نَحنُ عَرَبٌ ولا نُؤدِّي ما تُؤَدِّي العَجَمُ، ولكنْ خُذْ منَّا كما يَأخذُ بَعضُكم من بَعضٍ، يَعنُونَ الصَّدَقةَ، فقالَ عُمرُ ﵁: لا، هذا فَرضٌ على المُسلمِينَ. فقالُوا: فَزِدْ ما شِئْتَ بهذا الاسمِ، لا باسمِ الجِزيةِ، ففعَل، فتَراضى هو وهُم على أنْ ضعَّفَ عليهم الصَّدَقةَ. وفي بعضِ طُرُقِه: (سَمُّوها ما شِئتُم) (١). والضَّربُ الثانِي: الجِزيةُ العَنويةِ وهي جِزيةٌ يَبتدِئُ الإمامُ بوَضعِها إذا غلَبَ الإمامُ على الكُفارِ واستَولى عليهم وأقرَّهم على أملاكِهم. وهذا الضَّربُ من الجِزيةِ مُقدَّرٌ، الأَقلُّ والأكثَرُ. فيَضعُ على الغَنيِّ الظاهِرِ الغِنى في كلِّ سَنةٍ ثَمانيةً وأربَعينَ دِرهمًا يَأخذُ منه في كلِّ شَهرٍ أربَعةَ دَراهمَ، وعلى المُتوسِّطِ الحالِ أربَعةً وعِشرين دِرهمًا في كلِّ شَهرٍ دِرهَمينِ. وعلى الفَقيرِ المُعتمِلِ اثنَيْ عَشرَ دِرهمًا في كلِّ شَهرٍ دِرهمًا، والمُعتمِلُ هو الذي يَقدِرُ على تَحصيلِ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ بأيِّ وَجهٍ كانَ، وإنْ كانَ لا يُحسِنُ الحِرفةَ أصلًا. وأمَّا الفَقيرُ الذي ليسَ بمُعتمِلٍ فلا جِزيةَ عليه. وذلك لأنَّ عُمرَ بنَ الخَطابِ وضَعَ في الجِزيةِ على رُؤوسِ الرِّجالِ على

стр. 12511

الغَنيِّ ثَمانيةً وأربَعينَ دِرهمًا، وعلى المُتوسِّطِ أربَعةً وعِشرينَ دِرهمًا، وعلى الفَقيرِ اثنَيْ عشَر دِرهمًا (١). قالَ السَّرخسيُّ ﵀: ونَصبُ المَقاديرِ بالرأيِ لا يَكونُ، فعرَفْنا أنَّ عُمرَ اعتمَدَ السَّماعَ من النَّبيِّ ﷺ فأخذْنا به (٢). وقد فعَلَ عُمرُ ذلك بمَحضَرَ من الصَّحابةِ. واستدَلُّوا بقياسِ الجِزيةِ على خَراجِ الأرضِ، فقد جعَلَ الخَراجَ على مِقدارِ الطاقةِ، واختَلفَ بحسَبِ اختِلافِ الأرضِ وطاقَتِها الإنْتاجيةِ، فوجَبَ أنْ تَكونَ الجِزيةُ على قَدرِ الطاقةِ والإمكانِ، فتَختلِفَ بحسَبِ طاقةِ الشَّخصِ وإمْكاناتِه الماليةِ. وبأنَّ الجِزيةَ إنَّما وجَبَت عِوضًا عن النُّصرةِ للمُسلِمينَ، والنُّصرةُ من المُسلِمينَ تَتفاوتُ، فالفَقيرُ يَنصرُ دارَ الإسلامِ راجِلًا، ومُتوسِّطُ الحالِ يَنصرُها راجِلًا ورَاكِبًا، والمُوسِرُ يَنصرُها بالرُّكوبِ بنَفسِه وإِركابِ غيرِه، فوجَبَ أنْ تَكونَ الجِزيةُ على قَدرِ طاقةِ الشَّخصِ وإِمكاناتِه الماليةِ (٣).

стр. 12512

واختَلفَ الحَنفيةُ في المُرادِ بالغَنيِّ والمُتوسِّطِ والفَقيرِ على خَمسةِ أقوالٍ: المُختارُ عندَهم ما قالَه أبو جَعفَرٍ الطَّحاويُّ: يُنظَرُ إلى عادةِ كلِّ بَلدٍ في ذلك، فصاحِبُ خَمسينَ ألفًا ببَلخَ يُعَدُّ من المُكثِرينَ، وفي البَصرةِ لا يُعَدُّ مُكثِرًا، فيُعتبَرُ في كلِّ بَلدةٍ عُرفُها، فمَن عَدَّه الناسُ في بَلدِهم فَقيرًا أو وَسطًا أو غَنيًّا فهو كذلك، وهذا هو المُختارُ عندَ الحَنفيةِ. قالَ المَوصِليُّ ﵀: «والمُختارُ أنْ يُنظرَ في كل بَلدٍ إلى حالِ أهلِه، وما يَعتبِرونَه في ذلك؛ فإنَّ عادةَ البِلادِ في ذلك مُختلِفةٌ» (١). وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ الجِزيةَ ضَربان: صُلحيَّةٌ، وعَنويَّةٌ: فالضَّربُ الأولُ: الجِزيةُ الصُّلحيَّةُ: وهي التي عُقِدت مع الذين منَعوا أنفُسَهم وأموالَهم وبِلادَهم من أنْ يَستوليَ عليها المُسلِمونَ بالقِتالِ، وهي تُقدَّرُ بحسَبِ ما يَتَّفقُ عليه الطَّرفانِ، ولا حَدَّ لأقلِّها ولا أكثَرِها عندَ بعضِ المالِكيةِ، واستظهَرَ ابنُ رُشدٍ أنَّ الصُّلحيَّ إنْ بُذِل القَدرُ الذي على العَنويِّ يَلزمُ الإمامَ أنْ يَقبلَه منه، ويَحرُمُ على الإمامِ أنْ يُقاتِلَه، واستدَلُّوا بأدِلةِ الحَنفيةِ السابِقةِ. والضَّربُ الثانِي: الجِزيةُ العَنويَّةُ: وهي التي تُفرَضَ على أهلِ البِلادِ المَفتوحةِ عَنوةً، وتُقدَّرُ بأربَعةِ دَنانيرَ على أهلِ الذَّهَبِ، وأربَعينَ دِرهمًا على أهلِ الفِضةِ، بلا زِيادةٍ ولا نُقصانٍ.

стр. 12513

وقد استدَلُّوا لذلك بما رَوى الإمامُ مالِكٌ عن نَافِعٍ عن أسْلَمَ مَولى عُمرَ بنِ الخَطابِ «أنَّ عُمرَ بنَ الخَطابِ ضرَب الجِزيةَ على أهلِ الذَّهبِ أربَعةَ دَنانيرَ وعلى أهلِ الوَرِقِ أربَعينَ دِرهمًا، مع ذلك أرزاقُ المُسلِمينَ وضيافةُ ثَلاثةِ أيامٍ» (١). قالَ الباجيُّ ﵀: المُرادُ بأرزاقِ المُسلِمينَ أقواتُ مَنْ عِندَهم من أجنادِ المُسلِمينَ على قَدرِ ما جرَت عادةُ أهلِ تلك الجِهةِ من الاقتِياتِ، والمُرادُ بالضيافةِ ضيافةُ المُجتازِ من المُسلِمينَ على أهلِ الذِّمةِ (٢). وهو يَقتَضي أنَّه قدَّرَها بهذا المِقدارِ، وذلك لما رآهُ من الاجتِهادِ والنَّظرِ للمُسلِمينَ واحتِمالِ أحوالِ أهلِ الجِزيةِ. وأمَّا أرزاقُ المُسلِمينَ والضِّيافةُ، فقد قالَ مالِكٌ ﵀: «أَرى أنْ تُوضَعَ عنهم اليَومَ الضِّيافةُ والأَرزاقُ، لما حدَثَ عليهم من الجَورِ» وذلك سَدًّا للذَّريعةِ، ونقَلَ الدُّسوقيُّ عن الباجيِّ وأقرَّه أنَّه إنِ انتَفى الظُّلمُ لا تَسقُطُ (٣). وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ أقلَّ الجِزيةِ دِينارٌ ذَهبيٌّ خالِصٌ، ولا حَدَّ لأكثرِها، فلا يَجوزُ للإمامِ التَّراضي مع أهلِ الذِّمةِ على أقَلَّ من دينارٍ في حالةِ القُوةِ، وتَجوزُ الزِّيادةُ على الدِّينارِ.

стр. 12514

بل تُستحَبُّ المُماكَسةُ في الزِّيادةِ: بأنْ يَطلُبَ منهم أكثرَ من دِينارٍ إنْ ظَنَّ إجابتَهم إليها، أمَّا إذا علِمَ أو ظَنَّ أنَّهم لا يُجيبونه إلى تلك الزِّيادةِ، فلا مَعنى للمُماكَسةِ. وفي حالة الضَّعفِ يَجوزُ للإمامِ التَّراضي مع أهلِ الذِّمةِ على أقَلَّ من الدِّينارِ. واستدَلُّوا لذلك بحَديثِ مُعاذٍ السابِقِ، وأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ مُعاذًا لمَّا وَجَّهه إلى اليَمنِ «أنْ يَأخذَ مِنْ كلِّ حالِمٍ -يَعني مُحتَلِمًا- دِينارًا أو عَدلَهُ من المَعافِرِ -ثِيابٌ تَكونُ بِاليَمَنِ-» (١). فالحَديثُ يَدلُّ على تَقديرِ الجِزيةِ بالدِّينارِ من الذهَبَ على كلِّ حالِمٍ، وظاهِرُ إطلاقِه سَواءٌ أكانَ غَنيًّا أم مُتوسِّطًا أم فَقيرًا. وقد أخَذَها النَّبيُّ ﷺ من أهلِ «أيْلَةَ»، حيثُ قدِمَ يُوحَنَّا بنُ رُؤبةَ على رَسولِ اللهِ ﷺ في تَبوكَ، وصالَحه على كلِّ حالِمٍ بأرضِه في السَّنةِ دينارًا، واشتَرطَ عليهم قُرى مَنْ مرَّ بهم من المُسلِمينَ (٢). وقد أخَذَ رَسولُ اللهِ ﷺ من أهلِ نَجرانَ ألفَيْ حُلةٍ، أخَذَ نِصفَها في صَفَرَ والبَقيَّةَ في رَجَبٍ (٣).

стр. 12515

قالَ الشافِعيُّ ﵀: سَمِعتُ بعضَ أهلِ العِلمِ من المُسلِمينَ ومن أهلِ الذِّمةِ من أهلِ نَجرانَ يَذكُرُ أنَّ قيمةَ ما أُخذَ من كلِّ واحِدٍ دينارٌ (١). ورَوى الشافِعيُّ عن إبراهيمَ بنِ مُحمدٍ عن أبي الحُوَيرثِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ «ضرَبَ على نَصرانِيٍّ بمَكةَ يُقالُ له مَوهَبٌ دِينارًا كُلَّ سَنَةٍ» (٢) واستدَلُّوا لجَوازِ عَقدِها مع أهلِ الذِّمةِ على أقَلَّ من دينارٍ في حالةِ الضَّعفِ، بأنَّ من القَواعِدِ المُقرَّرةِ شَرعًا: (أنَّ تَصرُّفَ الإمامِ على الرَّعيةِ مَنوطٌ بالمَصلَحةِ) فإذا كانَ في عَقدِ الذِّمةِ على أقَلَّ من دينارٍ مَصلَحةٌ ظاهِرةٌ وجَبَ المَصيرُ إليه (٣). أمَّا الإمامُ أحمدُ فقد ضمَّنَ مَذهبَه أربَعَ رِواياتٍ: إحداها: أنَّه لا يُزادُ فيها ولا يُنْقَصُ على ما وضَعه عُمرُ ﵁. والثانِيةُ: تَجوزُ الزِّيادةُ دونَ النُّقصانِ. والثالِثةُ: أنَّ أهلَ اليَمنِ خاصةً لا يُزادُ عليهم ولا يُنْقَصُ. والرابِعةُ: وهي المَذهبُ -نقَلَها عنه الأثرَمُ-: أنَّ المَرجِعَ في الجِزيةِ إلى الإمامِ، فله أنْ يَزيدَ ويَنقُصَ على قَدرِ طاقةِ أهلِ الذِّمةِ، وعلى ما يَراه.

стр. 12516

قالَ الأثرَمُ: قيلَ لأبي عبدِ اللهِ: فيُزادُ اليَومَ فيه ويُنقَصُ -يعني الجِزيةَ- قالَ: نَعمْ يُزادُ فيه ويُنقَصُ على قَدرِ طاقَتِهم على قَدرِ ما يَرى الإمامُ، وذكَرَ أنَّه زِيدَ عليهم فيما مَضى دِرهَمان فجعَلَه خَمسينَ، قالَ الخَلَّالُ: العَملُ في قَولِ أبي عبدِ اللهِ على ما رَواه الجَماعةُ بأنَّه لا بأسَ للإمامِ أنْ يَزيدَ في ذلك ويَنقُصَ على ما رَواه عنه أصحابُه في عَشرةِ مَواضِعَ، فاستَقرَّ قَولُه على ذلك، وهذا هو المَذهبُ كما قالَ المَرداويُّ في الإنصافِ، وهذا قَولُ الثَّوريِّ وأبي عُبيدٍ. واستدَلُّوا لذلك بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. فلَفظُ الجِزيةِ في الآيةِ مُطلَقٌ غيرُ مُقيَّدٍ بقَليلٍ أو كَثيرٍ، فيَنبَغي أنْ يَبقى على إِطلاقِه، غيرَ أنَّ الإمامَ لمَّا كانَ وَليَّ أمرِ المُسلِمينَ جازَ له أنْ يَعقِدَ مع أَهلِ الذِّمةِ عَقدًا على الجِزيةِ بما يُحقِّقُ مَصلَحةَ المُسلِمينَ؛ لأنَّ تَصرُّفَ الإمامِ على الرَّعيةِ مَنوطٌ بالمَصلَحةِ. ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ مُعاذًا أنْ يَأخذَ من كلِّ حالِمٍ دينارًا، وصالَحَ أهلَ نَجرانَ على ألفَيْ حُلةٍ، نِصفُها في صَفَرَ والبَقيَّةُ في رَجَبٍ. وجعَلَ عُمرُ بنُ الخَطابِ الجِزيةَ على ثَلاثِ طَبَقاتٍ، جعَلَ على الغَنيِّ ثَمانيةً وأربَعينَ دِرهمًا، وعلى المُتوسِّطِ أربَعةً وعِشرينَ دِرهمًا، وعلى الفَقيرِ اثنَيْ عَشرَ دِرهمًا، وصالَحَ بَني تَغلِبَ على ضِعفِ ما على المُسلِمينَ من الزَّكاةِ.

стр. 12517

فهذا الاختِلافُ يَدلُّ على أنَّها إلى رأيِ الإمامِ، لولا ذلك لكانَت على قَدرٍ واحِدٍ في جَميعِ هذه المَواضِعِ ولم يَجزْ أنْ تَختلِفَ. ويُؤيِّدُ ذلك ما رَوى البُخاريُّ عن ابنِ عُيَينةَ عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، قُلتُ لمُجاهِدٍ: ما شَأنُ أهلِ الشامِ عليهم أربَعةُ دَنانِيرَ، وأهلُ اليَمنِ عليهم دِينَارٌ؟ قالَ: جُعِلَ ذلك من قِبَلِ اليسَارِ (١). ولأنَّ المالَ المَأخوذَ على الأمانِ ضَربانِ: هُدنةٌ وجِزيةٌ، فلمَّا كانَ المَأخوذُ هُدنةً إلى اجتِهادِ الحاكِمِ، فكذلك المَأخوذُ جِزيةً، ولأنَّ الجِزيةَ عِوضٌ فلم تُقدَّرْ بمِقدارٍ واحِدٍ في جَميعِ المَواضعِ كالأُجرةِ (٢). قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وسَببُ اختِلافِهم اختِلافُ الآثارِ في هذا البابِ، وذلك أنَّه رُوي أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ بعَثَ مُعاذًا إلَى اليَمنِ، وأمَرَه أنْ يَأخذَ مِنْ كُلِّ حالِمٍ دينارًا، أو عَدلَه مَعافِرَ، وهي ثِيابٌ باليَمنِ (٣). وثبَتَ عن عُمرَ أنَّه ضرَبَ الجِزيةَ على أهلِ الذَّهبِ أربَعةَ دَنانيرَ، وعلى أهلِ الوَرِقِ أربَعينَ دِرهمًا، مع ذلك أرزاقُ المُسلِمينَ، وضِيافَة ثَلاثةِ أيامٍ. ورُوي عنه أيضًا أنَّه بعَثَ عُثمانَ بنَ حُنَيفٍ فوضَعَ الجِزيةَ على أهلِ السَّوادِ ثَمانيةً وأربَعينَ، وأربَعةً وعِشرينَ واثنَيْ عَشرَ.

стр. 12518

فمَن حمَلَ هذه الأحاديثَ كلَّها على التَّخييرِ وتَمسَّكَ في ذلك بعُمومِ ما يُطلَقُ عليه اسمُ جِزيةٍ؛ إذْ ليسَ في تَوقيتِ ذلك حَديثٌ عن النَّبيِّ ﷺ مُتَّفقٌ على صِحَّتِه، وإنَّما ورَدَ الكِتابُ في ذلك عامًّا، قالَ: لا حَدَّ في ذلك، وهو الأظهَرُ، واللهُ أعلَمُ. ومَن جمَعَ بين حَديثِ مُعاذٍ والثابِتِ عن عُمرَ قالَ: أَقلُّه مَحدودٌ، ولا حَدَّ لأكثَرِه. ومَن رجَّحَ أحدَ حَديثَيْ عُمرَ قالَ: إمَّا بأربَعينَ دِرهمًا وأربَعةِ دَنانيرَ، وإمَّا بثَمانيةٍ وأربَعينَ دِرهمًا وأربَعةٍ وعِشرينَ واثنَيْ عَشرَ على ما تَقدَّم. ومن رجَّحَ حَديثَ مُعاذٍ؛ لأنَّه مَرفوعٌ قالَ: دِينارٌ فقط، أو عِدلُه مَعافِرَ، لا يُزادُ على ذلك ولا يُنْقَصُ منه (١). وَقتُ استِيفاءِ الجِزيةِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الجِزيةَ لا تُؤخذُ من الذِّميِّ إلا مَرةً واحِدةً في السَّنةِ ولا تَتكرَّرُ، والسَّنةُ المُعتبَرةُ شَرعًا هي السَّنةُ القَمريةُ؛ لأنَّها هي المُرادةُ شَرعًا عندَ الإطلاقِ، أمَّا إذا عيَّنَ الإمامُ كَونَها شَمسيةً أو قَمريةً فيَجبُ اتِّباعُ ما عيَّنَه. قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا المَسألةُ الرابِعةُ وهي: متى تَجِبُ الجِزيةُ؟ فإنَّهم اتَّفقوا على أنَّها لا تَجِبُ إلا بعدَ الحَولِ، وأنَّها تَسقُطُ عنه إذا أسلَمَ قبلَ انقِضاءِ الحَولِ (٢).

стр. 12519

مَصاريفُ الجِزيةِ: قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا المَسألةُ السادِسةُ وهي: في ماذا تُصرَفُ الجِزيةُ؟ فإنَّهم اتَّفقوا على أنَّها مشتَرَكةٌ لمَصالحِ المُسلِمينَ من غيرِ تَحديدٍ، كالحالِ في الفَيءِ عندَ مَنْ رأى أنَّه مَصروفٌ إلى اجتِهادِ الإمامِ، حتى لقد رأى كَثيرٌ من الناسِ أنَّ اسمَ الفَيءِ إنَّما يُطلَقُ على الجِزيةِ في آيةِ الفَيءِ، وإذا كانَ الأمرُ هكذا، فالأموالُ الإِسلاميةُ ثَلاثةُ أصنافٍ: صَدقةٌ وفَيءٌ وغَنيمةٌ (١). مُسقِطاتُ الجِزيةِ: تَسقُطُ الجِزيةُ بالإسلامِ أو المَوتِ أو التَّداخُلِ أو العَجزِ الماليِّ أو عَجزِ الدَّولةِ عن تَوفيرِ الحِمايةِ لأهلِ الذِّمةِ أو بالإصابةِ بالعاهاتِ المُزمِنةِ أو اشتِراكِ الذِّمِّيين في القِتالِ. وفي بعضِ هذه الأُمورِ خِلافٌ يَتبيَّنُ بما يَلي: الأولُ: الإسلامُ: اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّ الجِزيةَ تَسقطُ عمَّن دخَلَ في الإسلامِ من أهلِ الذِّمةِ في أثناءِ الحَولِ، فلا يُطالَبُ بها فيما يُستقبَلُ من الزَّمانِ. واختَلفُوا فيما إذا أسلَمَ بعدَ الحَولِ قبلَ أنْ تُؤخَذَ منه. فذهَبَ جَماهيرُ أهلِ العِلمِ -الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ- إلى أنَّها تَسقطُ عنه ولا يُطالَبُ بها.

стр. 12520

قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلفُوا فيما إذا وجَبَت عليه الجِزيةُ فلم يُؤدِّها حتى أسلَمَ. فقالَ مالِكٌ وأبو حَنيفةَ وأحمدُ: سقَطَت عنه الجِزيةُ بإسلامِه، وكذلك لو كانَت جِزيةَ سنتَينِ لم يُؤدِّها ثم أسلَمَ قبلَ الأداءِ؛ فإنَّها تَسقُطُ عنه، وسَواءٌ كانَ إسلامُه في أثناءِ الحَولِ أو بعدَ تَمامِه. وقالَ الشافِعيُّ ﵀: لا يُسقِطُها الإسلامُ بعدَ الحَولِ، وله في أثناءِ الحَولِ قَولانِ (١). قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ومَن وجَبَت عليه الجِزيةُ فأسلَمَ قبلَ أنْ تُؤخَذَ منه سقَطَت عنه الجِزيةُ. وجُملتُه أنَّ الذِّميَّ إذا أسلَمَ في أثناءِ الحَولِ لم تَجِبْ عليه الجِزيةُ، وإنْ أسلَمَ بعدَ الحَولِ سقَطت عنه، وهذا قَولُ مالِكٍ والثَّوريِّ وأبي عُبيدٍ وأصحابِ الرأيِ، وقالَ الشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وابنُ المُنذِرِ: إنْ أسلَمَ بعدَ الحَولِ لم تَسقُطْ؛ لأنَّها دَينٌ يَستحِقُّه صاحِبُه واستحَقَّ المُطالَبةَ به في حالِ الكُفرِ، فلم يَسقُطْ بالإسلامِ كالخَراجِ وسائرِ الدُّيونِ، وللشافِعيِّ فيما إذا أسلَمَ في أثناءِ الحَولِ قَولانِ، أحدُهما: عليه من الجِزيةِ بالقِسطِ كما لو أَفاقَ بعدَ الحَولِ.

стр. 12521

ولنا: قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وروى ابنُ عَباسٍ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «ليسَ على المُسلِمِ جِزيةٌ» (١) رَواه الخَلَّالُ وذكَرَ أنَّ أحمدَ سُئلَ عنه فقالَ ليسَ يَرويه غيرُ جَريرٍ، قالَ أحمدُ: وقد رُوي عن عُمرَ أنَّه قالَ: إنْ أخَذها في كَفِّه ثم أسلَمَ ردَّها عليه، ورُوي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «لا يَنبَغي للمُسلِمِ أنْ يُؤدِّيَ الخَراجَ» (٢) يَعني الجِزيةَ، ورُوي أنَّ ذِميًّا أسلَمَ فطُولبَ بالجِزيةِ، وقيلَ: إنَّما أسلَمَ تَعوُّذًا، قالَ: إنَّ في الإسلامِ مَعاذًا، فرُفعَ إلى عُمرَ، فقالَ عُمرُ: إنَّ في الإسلامِ مَعاذًا، وكتَبَ ألَّا تُؤخَذَ منه الجِزيةُ، رَواه أبو عُبيدٍ بنَحوٍ من هذا المَعنى (٣)، ولأنَّ الجِزيةَ صَغارٌ فلا تُؤخذُ منه كما لو أسلَمَ قبلَ الحَولِ، ولأنَّ الجِزيةَ عُقوبةٌ تَجِبُ بسَببِ الكُفرِ فيُسقِطُها الإسلامُ، كالقَتلِ، وبهذا فارَقَ سائِرَ الدُّيونِ (٤). وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: ومَن أسلَمَ سقَطت عنه الجِزيةُ، سَواءٌ أسلَمَ في أَثناءِ الحَولِ أو بعدَه. ولو اجتمَعَت عليه جِزيةُ سِنينَ ثم أسلَمَ سقَطَت كلُّها، هذا قَولُ فُقهاءِ المَدينةِ وفُقهاءِ الرأيِ وفُقهاءِ الحَديثِ إلا الشافِعيَّ وأصحابَه؛ فإنَّه قالَ:

стр. 12522

إنْ أسلَمَ بعدَ الحَولِ لم تَسقُطْ؛ لأنَّه دَينٌ استحَقَّه صاحِبُه واستحَقَّ المُطالَبةَ به في حالِ الكُفرِ فلم تَسقُطْ بالإسلامِ كالخَراجِ وسائرِ الدُّيونِ، وله فيما إذا أسلَمَ في أثناءِ الحَولِ قَولانِ: أحدُهما: أنَّها تَسقُطُ. والثانِي: أنَّها تُؤخذُ بقِسطِه. والصَّحيحُ الذي لا يَنبَغي القَولُ بغيرِه سُقوطُها، وعليه تَدلُّ سُنةُ رَسولِ اللهِ ﷺ وسُنةُ خُلفائِه، وذلك من مَحاسنِ الإسلامِ وتَرغيبِ الكُفارِ فيه، وإذا كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُعطي الكُفارَ على الإسلامِ حتى يُسلِموا يَتألَّفهم بذلك، فكيف يُنفِّرُ عن الدُّخولِ في الإسلامِ من أجلِ دينارٍ؟! فأينَ هذا مِنْ تَركِ الأموالِ للدُّخولِ في الإسلامِ. قالَ سُفيانُ الثَّوريُّ عن قابوسِ بنِ أبي ظَبيانَ عن أبيه قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «ليسَ على مُسلمٍ جِزيةٌ» (١). قالَ أبو عُبيدٍ: تأويلُ هذا الحَديثِ: لو أنَّ رَجلًا أسلَم في آخِرِ السَّنةِ وقد وجَبَت الجِزيةُ عليه إسلامُه يُسقِطُها عنه فلا تُؤخذُ منه. وإنْ كانَت قد لزِمَته قبلَ ذلك؛ لأنَّ المُسلِمَ لا يُؤدِّي الجِزيةَ ولا تَكونُ عليه دَينًا كما لا تُؤخذُ منه فيما يُستأنَفُ بعدَ الإسلامِ، وقد رُوي عن عُمرَ وعلِيٍّ وعُمَر بنِ عبدِ العَزيزِ ما يُحقِّقُ هذا المَعنى.

стр. 12523

ثم قالَ ابنُ القَيمِ ﵀: والجِزيةُ وُضِعت في الأصلِ إذلالًا للكُفارِ وصَغارًا فلا تُجامِعُ الإسلامَ بوَجهٍ، ولأنَّها عُقوبةٌ تَسقُطُ بالإسلامِ، وإذا كانَ الإسلامُ يَهدِمُ ما قبلَه من الشِّركِ والكُفرِ والمَعاصي، فكيفَ لا يَهدِمُ ذُلَّ الجِزيةِ وصَغارَها؟ وإنَّ المَقصودَ تألُّفُ الناسِ على الإسلامِ بأنواعِ الرَّغبةِ، فكيفَ لا يُتألَّفون بإسقاطِ الجِزيةِ؟ وكانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُعطي على الإسلامِ عَطاءً لا يُعطيه على غيرِه، وقد جعَلَ اللهُ سُبحانَه سَهمًا في الزَّكاةِ للمُؤلَّفةِ قُلوبُهم، فكيفَ لا يُسقِطُ عنهم الجِزيةَ بإسلامِهم؟ وكيفَ يُسلَّطُ الكُفارُ أنْ يَتحدَّثوا بَينَهم بأنَّ مَنْ أسلَمَ منهم أُخذَ بالضَّربِ والحَبسِ ومُنِع ما يَملِكُه حتى يُعطيَ ما عليه من الجِزيةِ؟ (١) ثانيًا: المَوتُ: اختَلفَ الفُقهاءُ في سُقوطِ الجِزيةِ بالمَوتِ: فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والقاضي من الحَنابِلةِ إلى أنَّ الجِزيةَ تَسقُطُ بالمَوتِ مُطلَقًا، سَواءٌ حصَلَ المَوتُ في أثناءِ الحَولِ أو بعدَ انتِهائِه، واستدَلُّوا على ذلك بأنَّ الجِزيةَ وجَبَت عُقوبةً على الكُفرِ، فتَسقُطُ بالمَوتِ كالحُدودِ، ولأنَّ الجِزيةَ وجَبَت وَسيلةً إلى الإسلامِ، وهذا المَعنى لا يَتحقَّقُ بعدَ المَوتِ (٢).

стр. 12524

وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الجِزيةَ لا تَسقُطُ بالمَوتِ إذا حصَلَ بعدَ انتِهاءِ الحَولِ (١). قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: لأنَّه دَينٌ وجَبَ عليه في حَياتِه فلم يَسقُطْ بمَوتِه كدُيونِ الآدَميِّينَ، والحَدُّ يَسقُطُ بفَواتِ محَلِّه وتَعذُّرِ استِيفائِه بخِلافِ الجِزيةِ، وفارَقَ الإسلامَ؛ فإنَّه الأصلُ، والجِزيةُ بَدلٌ عنه، فإذا أُتي بالأصلِ استُغنيَ عن البَدلِ، كمَن وجَدَ الماءَ لا يَحتاجُ معه إلى التَّيمُّمِ بخِلافِ المَوتِ، ولأنَّ الإسلامَ قُربةٌ وطاعةٌ يَصلُحُ أنْ يَكونَ مَعاذًا من الجِزيةِ كما ذكَرَ عُمرُ ﵁ والمَوتُ بخِلافِه (٢). أمَّا إذا ماتَ في أثناءِ الحَولِ، فتَسقُطُ عنه عندَ الحَنابِلةِ والشافِعيةِ في قَولٍ؛ لأنَّها لا تَجِبُ ولا تُؤخذُ قبلَ كَمالِ الحَولِ، والمُعتمَدُ عندَ الشافِعيةِ أنَّها لا تَسقُطُ وتُؤخذُ من تَرِكتِه بقِسطِ ما مَضى من الحَولِ. قالَ النَّوويُّ ﵀: ولو ماتَ أو أسلَمَ في أثناءِ السَّنةِ فهل يَجبُ قِسطُ ما مَضى كالأُجرةِ أو لا يَجبُ شَيءٌ كالزَّكاةِ؟ قَولانِ: أظهَرُهما: الأولُ، وقيلَ: تَجِبُ قَطعًا، وقيلَ عَكسُه، وقيلَ: لا تَجِبُ في المَوتِ، وفي الإسلامِ القَولانِ (٣).

стр. 12525

وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: فإنْ ماتَ الكافِرُ في أثناءِ الحَولِ سقَطَت عنه ولم تُؤخَذْ بقَدرِ ما أدرَكَ منه، وإنْ ماتَ بعدَ الحَولِ، ذهَبَ الشافِعيُّ إلى أنَّها لا تَسقُطُ وتُؤخذُ من تَرِكتِه وهو ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ. وقالَ أبو حَنيفةَ ﵀: تَسقُطُ بالمَوتِ وحَكاه أبو الخَطابِ عن شَيخِه القاضي. قالَ أبو عُبيدٍ ﵀: وأمَّا مَوتُ الذِّميِّ في آخِرِ السَّنةِ فقد اختُلِف فيه، فحدَّثَنا سَعيدُ بنُ عُفَيرٍ عن عبدِ اللهِ بنِ لهيعةَ عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ جُنادةَ كاتِبِ حَيَّانَ بنِ شُرَيجٍ، وكانَ حَيَّانُ بنُ شُرَيجٍ بعَثَ إلى عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ وكتَبَ إليه يَستَفتيه أيَجعَلَ جِزيةَ مَوتى القِبطِ على أحيائِهم؟ فسأَلَ عُمرُ عن ذلك عِراكَ بنَ مالِكٍ -وعبدُ الرَّحمنِ يَسمَعُ- فقالَ: ما سَمِعتُ لهم بعَقدٍ ولا عَهدٍ، إنَّما أُخِذوا عَنوةً بمَنزِلةِ الصَّيدِ، فكتَبَ عُمرُ إلى حَيَّانَ بنِ شُرَيجٍ يَأمُره أنْ يَجعلَ جِزيةَ الأمواتِ على الأحياءِ، وكانَ حَيَّانُ واليَه على مِصرَ. قالَ: وقد رُوي من وَجهٍ آخَر عن مَعقِلِ بنِ عُبَيدِ اللهِ عن عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ أنَّه قالَ: ليسَ على من ماتَ ولا مَنْ أبَقَ جِزيةٌ، يَقولُ: لا تُؤخذُ من وَرثَتِه بعدَ مَوتِه ولا يَجعَلُها بمَنزِلةِ الدَّينِ ولا تُؤخذُ من أهلِه إذا هرَبَ عنهم منها؛ لأنَّهم لمْ يَكونوا ضامِنينَ لذلك. قالَ الآخِذونَ لها: هي دَينٌ وجَبَ عليه في حَياتِه فلم يَسقُطْ بمَوتِه كدُيونِ الآدَميِّينَ.

стр. 12526

وقالَ المُسقِطونَ: هي عُقوبةٌ فتَسقُطُ بالمَوتِ كالحُدودِ، ولأنَّها صَغارٌ وإذلالٌ، فزال بزَوالِ مَحَلِّه، وقَولُكم: إنَّها دَينٌ فلا تَسقُطُ بالمَوتِ إنَّما يَتأتَّى على أصلِ مَنْ لا يُسقِطُها بالإسلامِ، وأمَّا من أسقَطها بالإسلامِ فلا يَصحُّ منه، هذا الاستِدلالُ ولا رَيبَ أنَّ الجِزيةَ عُقوبةٌ وحقٌّ عليه، ففيها الأَمرانِ، فمَن غلَبَ جانِبَ العُقوبةِ أسقَطها بالمَوتِ كما تَسقُطُ العُقوباتُ الدُّنيويةُ عن المَيِّتِ، ومن غلَبَ فيها جانِبَ الدَّينِ لم يُسقِطْها والمَسألةُ تَحتمِلُه، واللهُ أعلَمُ (١). ثالِثًا: اجتِماعُ جِزيةِ سَنتَينِ فأكثَرَ: اختَلفَ العُلماءُ في الذِّميِّ تَجتمِعُ عليه جِزيةُ سَنتَينِ أو أكثَرَ، هل تَتداخَلُ وتُؤخذُ منه جِزيةٌ واحِدةٌ أو تُستَوفى منه كلُّها؟ فذهَبَ جُمهورُ العُلماءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ والصاحِبانِ من الحَنفيةِ (أبو يُوسفَ ومُحمدٌ) إلى أنَّها لا تَتداخَلُ وتُستَوفى منه كلُّها. واستدَلُّوا على ذلك بأنَّ الجِزيةَ حقٌّ ماليٌّ يَجبُ في آخِرِ كلِّ حَولٍ، فلم تَتداخَلْ كالزَّكاةِ والدِّيةِ وغيرِهما. ولأنَّ المُدةَ لا تأثيرَ لها في إسقاطِ الواجِبِ كخَراجِ الأرضِ (٢).

стр. 12527

وذهَبَ أبو حَنيفةَ إلى أنَّه إذا مضَت على الجِزيةِ سَنةٌ ودخَلت ثانيةٌ؛ فإنَّ الجِزَى تَتداخَلُ، فتَسقُطُ جِزى السَّنواتِ الماضيةِ ويُطالَبُ بجِزيةِ السَّنةِ الحاليةِ (١). واستَدلَّ لذلك بما يأتي: بأنَّ الجِزيةَ وجَبَت عُقوبةً على الكُفرِ، فالعُقوباتُ إذا تَراكَمت تَداخَلت، خُصوصًا إذا كانَت من جِنسٍ واحِدٍ كالحُدودِ، ألَا تَرى أنَّ مَنْ زَنَى مِرارًا ثم رُفعَ أمرُه إلى الإمامِ لم يَستَوفِ منه إلا حَدًّا واحِدًا بجَميعِ الأفعالِ؟ ولأنَّ الجِزيةَ وجَبَت بَدلًا من حَقنِ الدَّمِ في المُستقبَلِ، فإذا صارَ دَمُه مَحقونًا في السَّنةِ الماضيةِ لا تُؤخذُ الجِزيةُ لأجلِها؛ لانعدامِ الحاجةِ إلى ذلك، كما إذا أسلَمَ أو ماتَ تَسقُطُ عنه الجِزيةُ؛ لعَدمِ الحاجةِ إلى الحَقنِ بالجِزيةِ. ولأنَّ الجِزيةَ ما وجَبَت إلا لرَجاءِ الإسلامِ، وإذا لم يُوجَدَ حتى دخَلَت سَنةٌ أُخرى انقطَعَ الرَّجاءُ فيما مَضى، وبَقي الرَّجاءُ في المُستقبَلِ فيُؤخَذُ للسَّنةِ المُستقبَلةِ (٢). وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: فإنِ اجتمَعت عليه جِزيةُ سِنينَ استُوفِيت كلُّها عند الجُمهورِ.

стр. 12528

وقالَ أبو حَنيفةَ ﵀: تَتداخَلُ وتُؤخذُ منه جِزيةٌ واحِدةٌ وأَجراها مَجرى العُقوبةِ، فتَتداخَلُ كالحُدودِ، والجُمهورُ جَعلوها بمَنزِلةِ سائرِ الحُقوقِ الماليةِ كالدِّيةِ والزَّكاةِ وغيرِهما. وقَولُ الجُمهورِ أصَحُّ، إلا أنْ يُناسِبَ الأمرَ التَّخفيفُ عنه بتَركِ أداءِ ما وجَبَ عليه للمُسلِمينَ ولا سيَّما إذا كانَ ممَّن لا يُعذَرَ بالتَّأخيرِ. ولو قيلِ بمُضاعَفتِه عليه عُقوبةً له، لكانَ أقوى من القَولِ بسُقوطِها، واللهُ أعلَمُ (١). رابِعًا: طُروءُ الإعسارِ. خامِسًا: التَّرهُّبُ والانعِزالُ عن الناسِ. سادِسًا: الجُنونُ. سابِعًا: العَمى والزَّمانةُ والشَّيخوخةُ. تَقدَّمَ الكَلامُ عن هذا كلِّه فيمَن تَجِبُ عليهم الجِزيةُ. ثامِنًا: عَدمُ حِمايةِ أهلِ الذِّمةِ: على المُسلِمينَ في مُقابِلِ الجِزيةِ تَوفيرُ الحِمايةِ لأهلِ الذِّمةِ، والذَّبُّ عنهم، ومَنعُ مَنْ يَقصِدُهم بالاعتِداءِ من المُسلِمينَ والكُفارِ، واستِنقاذُ مَنْ أُسرَ منهم، واستِرجاعُ ما أُخذَ من أموالِهم، سَواءٌ أكانُوا يَعيشونَ مع المُسلِمينَ أم كانُوا مُنفرِدينَ في بَلدٍ لهم؛ فإنْ لم تَتمكَّنِ الدَّولةُ الإِسلاميةُ من حِمايَتِهم والدَّفعِ عنهم حتى مَضى الحَولُ، فهل يُطالَبونَ بالجِزيةِ أو تَسقُطُ عنهم؟

стр. 12529

صرَّحَ الشافِعيةُ بأنَّ الجِزيةَ تَسقُطُ عن أهلِ الذِّمةِ إذا لمْ تَتمكَّنِ الدَّولةُ من حِمايةِ الذِّميِّينِ؛ لأنَّهم بذَلوا الجِزيةَ لحِفظِهم وحِفظِ أموالِهم؛ فإنْ لمْ تَدفَعِ الدَّولةُ عنهم لم تَجِبِ الجِزيةُ عليهم؛ لأنَّ الجِزيةَ للحِفظِ وذلك لمْ يُوجَدْ، فلم يَجبْ ما في مُقابَلتِه، كما لا تَجِبُ الأُجرةُ إذا لم يُوجَدَ التَّمكينُ من المَنفَعةِ. قالَ الإمامُ الشِّيرازيُّ ﵀: فَصلٌ: ويَجبُ على الإمامِ الذَّبُّ عنهم، ومَنعُ مَنْ يَقصِدُهم من المُسلِمينَ والكُفارِ، واستِنقاذُ مَنْ أُسرَ، منهم واستِرجاعُ ما أُخذَ من أموالِهم، سَواءٌ كانُوا مع المُسلِمينَ أو كانُوا مُنفرِدينَ عنهم في بَلدٍ لهم؛ لأنَّهم بذَلوا الجِزيةَ لحِفظِهم وحِفظِ أموالِهم. فإنْ لم يَدفَعْ عنهم حتى مَضى حَولٌ لم تَجِبِ الجِزيةُ عليهم؛ لأنَّ الجِزيةَ للحِفظِ، وذلك لم يُوجَدَ فلم يَجبْ ما في مُقابَلتِه كما لا تَجِبُ الأُجرةُ إذا لم يُوجَدَ التَّمكينُ من المَنفَعةِ (١). ولم أجِدْ لغيرِ الشافِعيةِ تَصريحًا بالسُّقوطِ إذا لم تَحصُلِ الحِمايةُ مع قَولِهم جَميعًا بوُجوبِ الحِمايةِ. وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: ويُلتزَمُ لهم -يَعني أهلَ الذِّمةِ- ببَذلِ الجِزيةِ حَقانِ: أحدُهما: الكَفُّ عنهم. والآخَرُ: الحِمايةُ لهم؛ ليَكونوا بالكَفِّ آمِنينَ، وبالحِمايةِ مَحروسينَ (٢).

стр. 12530

وقد حَكى ابنُ حَزمٍ في «مَراتِبِ الإجماعِ» له أنَّ مَنْ كانَ في الذِّمةِ وجاءَ أهلُ الحَربِ إلى بِلادِنا يَقصِدونَه وجَبَ علينا أنْ نَخرُجَ لقتالِهم بالكُراعِ والسِّلاحِ ونَموتَ دونَ ذلك؛ صَونًا لمَن هو في ذِمةِ اللهِ تَعالى وذِمةِ رَسولِه ﷺ ؛ فإنَّ تَسليمَه دونَ ذلك إهمالٌ لعَقدِ الذِّمةِ (١). ويَشهَدُ التاريخُ بكَثيرٍ من المَواقِفِ التي تَدلُّ على التِزامِ المُسلِمينَ بذلك، ومِن صُورِه الجَديرةِ بالتَّسجيلِ ما ذكَرَه أبو يُوسفَ ﵀ عن أبي عُبيدةَ بنِ الجَرَّاحِ ﵁ أنَّه صالَحَ أهلَ الشامِ على دَفعِ الجِزيةِ وأنْ يَردَّ المُسلِمونَ على أهلِ الذِّمةِ ما أخَذوه إذا لم يَستَطيعوا الدِّفاعَ عنهم، فلمَّا رأى أهلُ الذِّمةِ وَفاءَ المُسلِمينَ لهم وحُسنَ السِّيرةِ فيهم، صاروا أشِداءَ على عَدوِّ المُسلِمينَ وعَونًا للمُسلِمينَ على أعدائِهم؛ فبعَثَ أهلُ كلِّ مَدينةٍ ممَّن جرَى الصُّلحُ بينَهم وبينَ المُسلِمينَ رِجالًا من قِبَلِهم يَتجَسَّسون الأَخبارَ عن الرُّومِ وعن مَلكِهم وما يُريدونَ أنْ يَصنَعوا؛ فأتى أهلَ كلِّ مَدينةٍ رُسلُهم يُخبِرونَهم بأنَّ الرُّومَ قد جمَعوا جَمعًا لمْ يُرَ مِثلُه. فأتى رُؤساءُ أهلِ كلِّ مَدينةٍ إلى الأميرِ الذي خَلَّفه أبو عُبيدةَ عليهم فأخبَروه بذلك، فكتَبَ والي كلِّ مَدينةٍ ممَّن خلَّفَه أبو عُبيدةَ إلى أبي عُبيدةَ يُخبِرُه بذلك، وتتابَعت الأخبارُ على أبي عُبيدةَ.

стр. 12531

فاشتَدَّ ذلك عليه وعلى المُسلِمينَ؛ فكتَبَ أبو عُبيدةَ إلى كلِّ والٍ ممَّن خَلفَه في المُدنِ التي صالَحَ أهلَها يأمُرُهم أنْ يَرُدُّوا عليهم ما جُبِي منهم من الجِزيةِ والخَراجِ، وكتَبَ إليهم أنْ يَقولوا لهم: «إنَّما رَدَدنا عليكم أموالَكم لأنَّه قد بلَغَنا ما جُمِع لنا من الجُموعِ، وأنَّكم اشتَرطتُم علينا أنْ نَمنعَكم، وإنَّا لا نَقدِرُ على ذلك، وقد رَدَدنا عليكم ما أخَذنا منكم، ونحن لكم على الشَّرطِ وما كَتَبنا بينَنا وبينَكم إنْ نصَرنا اللهُ عليهم» فلمَّا قالُوا ذلك لهم ورَدُّوا عليهم الأموالَ التي جَبَوْها منهم، قالُوا: (رَدَّكم اللهُ علينا، ونصَركم عليهم، فلو كانُوا هُمْ لم يَردُّوا علينا شَيئًا وأخَذوا كلَّ شَيءٍ بَقي لنا حتى لا يَدعوا لنا شَيئًا) وإنَّما كانَ أبو عُبيدةَ يُجيبُهم إلى الصُّلحِ على هذه الشَّرائطِ ويُعطيهم ما سأَلوا، يُريدُ بذلك تألُّفَهم، وليسَمعَ بهم غيرُهم من أهلِ المُدنِ التي لم يَطلُبْ أهلُها الصُّلحَ فيُسارِعوا إلى طَلبِ الصُّلحِ. والتَقى المُسلِمونَ والمُشرِكونَ فاقتَتلوا قِتالًا شَديدًا، وقُتلَ من الفَريقَينِ خَلقٌ كَثيرٌ، ثم نصَر اللهُ المُسلِمينَ على المُشرِكينَ ومنَحَ أكتافَهم وهزَمَهم وقتَلَهم المُسلِمونَ قَتلًا لمْ يَرَ المُشرِكونَ مِثلَه. فلمَّا رَأى أهلُ المُدنِ التي لمْ يُصالِحْ عليها أبو عُبيدةَ ما لقي أصحابُهم من المُشرِكينَ من القَتلِ، بعَثوا إلى أبي عُبيدةَ يَطلُبون الصُّلحَ فأعطاهم الصُّلحَ على مِثلِ ما أعطى الأوَّلينَ، إلا أنَّهم اشتَرَطوا عليه إنْ كانَ عندَهم من الرُّومِ الذين جاؤُوا لقتالِ المُسلِمينَ وصاروا عندَهم؛ فإنَّهم آمِنونَ يَخرُجونَ بمَتاعِهم وأَموالِهم وأَهلِهم إلى الرُّومِ ولا يُتعرَّضُ لهم في شَيءٍ من ذلك؛ فأَعطاهم ذلك أبو عُبيدةَ فأدَّوا إليه الجِزيةَ وفتَحُوا له أبوابَ

стр. 12532

المُدنِ، وأقبَلَ أبو عُبيدةَ راجِعًا؛ فكُلَّما مَرَّ بمَدينةٍ مما لم يَكنْ صالَحَه أهلُها بعَثَ رُؤساؤُها يَطلُبونَ الصُّلحَ؛ فأَجابَهم إليه وأَعطاهم مِثلَ ما أَعطى الأوَّلينَ، وكتَبَ بينَه وبينَهم كِتابَ الصُّلحَِ. وكُلَّما مرَّ على مَدينةٍ ممَّا كانَ صالَحَ أهلَها، وكانَ واليه فيها قد رَدَّ عليهم ما كانَ أخَذَ منهم تَلقَّوْه بالأموالِ التي كانَ رَدَّها عليهم ممَّا كانُوا صُولِحوا عليه من الجِزيةِ والخَراجِ، وتَلقَّوْه بأسواقٍ وبِياعاتٍ فتَرَكهم على الشَّرطِ الذي كانَ قد شرَط لهم، لم يُغيِّرْه ولم يَنقُصْه (١). وهكذا يتَّضِحُ لنا بجَلاءٍ أنَّه تَجِبُ حِمايةُ أهلِ الذِّمةِ من كلِّ أذًى صغُرَ أو كبُرَ. قالَ الإمامُ القَرافِيُّ ﵀: إنَّ عَقدَ الذِّمةِ يُوجِبُ حُقوقًا علينا لهم؛ لأنَّهم في جِوارِنا وفي خِفارَتِنا وذِمةِ اللهِ تَعالى وذِمةِ رَسولِه ﷺ ودِينِ الإسلامِ، فمَن اعتَدى عليهم ولو بكَلِمةِ سُوءٍ أو غِيبةٍ في عِرضِ أحَدِهم أو نَوعٍ من أنواعِ الأذيةِ أو أعانَ على ذلك فقد ضيَّعَ ذِمةَ اللهِ تَعالى وذِمةَ رَسولِه وذِمةَ دِينِ الإسلامِ (٢). وقالَ الشَّروانِيُّ الشافِعيُّ ﵀: ويَجبُ علينا الذَّبُّ عن أهلِ الذِّمةِ منهم والصَّدقةُ عليهم جائِزةٌ وإطعامُ المُضطَرِّ منهم واجِبٌ (٣).

стр. 12533

فصل في أحكامِ المعابِدِ والبِيَعِ والكَنائسِ وأقسامِ المَعابِدِ مَكانُ عِبادةِ المُسلِمينَ هو المَسجِدُ والجامِعُ والمُصلَّى والزاويةُ. وأمَّا مَكانُ عِبادةِ غيرِ المُسلِمينَ فله أقسامٌ وتَسمياتٌ مُختلِفةٌ على النَّحوِ التالي: أ- الكَنيسةُ: تُطلَقُ الكَنيسةُ عندَ بعضِ اللُّغويِّين على مُتعبَّدِ اليَهودِ، وتُطلَقُ أيضًا على مُتعبَّدِ النَّصارى، وهي مُعرَّبةٌ (١). ونَصَّ بعضُ الفُقهاءِ كقاضي زاده وغيرِه على أنَّ الكَنيسةَ اسمٌ لمَعبَدِ اليَهودِ والنَّصارى مُطلَقًا في الأصلِ، ثم غُلِّبَ استِعمالُ الكَنيسةِ لمَعبَدِ اليَهودِ، قالَ ابنُ عابدِين: وأهلُ مِصرَ يُطلِقون الكَنيسةَ على مُتعبَّدِهم (٢).

стр. 12534

وأورَد البَركتيُّ أوجُهًا أربَعةً فقالَ: أ- الكَنيسةُ: مُتعبَّدُ اليَهودِ أو النَّصارى أو الكُفارِ، أو مَوضِعُ صَلاةِ اليَهودِ فقط (١). ونَصَّ زَكريَّا الأنصاريُّ من الشافِعيةِ على أنَّ الكَنيسةَ مُتعبَّدُ النَّصارى (٢). وقالَ الدُّسوقيُّ ﵀: الكَنيسةُ: مُتعبَّدُ الكُفارِ، سَواءٌ كانَت بِيعةً أو بَيتَ نارٍ (٣). وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: وأمَّا الكَنائسُ فجَمعُ كَنيسةٍ وهي لأهلِ الكِتابَينِ (٤). ب- البِيعةُ: البِيعةُ -بكَسرِ الباءِ- مُفرَدٌ جَمعُه بِيَعٌ -بكَسرِ الباءِ- مِثلَ سِدرةٍ وسِدَرٍ، وهي مُتعبَّدُ النَّصارى (٥). وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: إنَّ أهلَ اللُّغةِ والتَّفسيرِ على أنَّ البِيعةَ مَعبَدُ النَّصارى إلا ما حَكَيناه عن ابنِ عَباسٍ ﵄ أنَّه قالَ: «البِيَعُ مَساجِدُ اليَهودِ» (٦).

стр. 12535

ج - الصَّومعةُ: قالَ ابنُ عابدِين ﵀: الصَّومعةُ بَيتٌ يُبنى برأسٍ طَويلٍ ليَتعبَّدَ فيه بالانقِطاعِ عن الناسِ (١). وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: وأمَّا الصَّومعةُ فهي كالقَلَّايةِ تَكونُ للراهبِ وَحدَه. قالَ الأزهَريُّ ﵀: الصَّومعةُ من البِناءِ، سُمِّيت صَومعةً لتَلطُّفِ أعلاها، يُقالُ: صمَعَ الثَّريدةَ إذا رفَعَ رأسَها وحدَّدَه، وتُسمَّى الثَّريدةَ إذا كانَت كذلك صَومعةً، ومن هذا يُقالُ: رَجلٌ أصمَعُ القَلبِ إذا كانَ حادَّ الفِطنةِ. ومنهم مَنْ فرَّقَ بينَ الصَّومعةِ والقَلَّايةِ، بأنَّ القَلَّايةَ تَكونُ مُنقطِعةً في فَلاةٍ من الأرضِ، وأنَّ الصَّومعةَ تَكونُ على الطُّرُقِ (٢). د - الدِّيرُ: الدِّيرُ مَقامُ الرُّهبانِ والراهباتِ من النَّصارى، يَجتمِعونَ فيه للرَّهبانيةِ والتَّفرُّدِ عن الناسِ (٣). قالَ ابنُ عابدِين ﵀: وأهلُ مِصرَ والشامَ يَخصُّونَ الدِّيرَ بمَعبَدِ النَّصارى (٤).
следующие страницы →