← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 12531–12570 · переход к 12536.

стр. 12531

فاشتَدَّ ذلك عليه وعلى المُسلِمينَ؛ فكتَبَ أبو عُبيدةَ إلى كلِّ والٍ ممَّن خَلفَه في المُدنِ التي صالَحَ أهلَها يأمُرُهم أنْ يَرُدُّوا عليهم ما جُبِي منهم من الجِزيةِ والخَراجِ، وكتَبَ إليهم أنْ يَقولوا لهم: «إنَّما رَدَدنا عليكم أموالَكم لأنَّه قد بلَغَنا ما جُمِع لنا من الجُموعِ، وأنَّكم اشتَرطتُم علينا أنْ نَمنعَكم، وإنَّا لا نَقدِرُ على ذلك، وقد رَدَدنا عليكم ما أخَذنا منكم، ونحن لكم على الشَّرطِ وما كَتَبنا بينَنا وبينَكم إنْ نصَرنا اللهُ عليهم» فلمَّا قالُوا ذلك لهم ورَدُّوا عليهم الأموالَ التي جَبَوْها منهم، قالُوا: (رَدَّكم اللهُ علينا، ونصَركم عليهم، فلو كانُوا هُمْ لم يَردُّوا علينا شَيئًا وأخَذوا كلَّ شَيءٍ بَقي لنا حتى لا يَدعوا لنا شَيئًا) وإنَّما كانَ أبو عُبيدةَ يُجيبُهم إلى الصُّلحِ على هذه الشَّرائطِ ويُعطيهم ما سأَلوا، يُريدُ بذلك تألُّفَهم، وليسَمعَ بهم غيرُهم من أهلِ المُدنِ التي لم يَطلُبْ أهلُها الصُّلحَ فيُسارِعوا إلى طَلبِ الصُّلحِ. والتَقى المُسلِمونَ والمُشرِكونَ فاقتَتلوا قِتالًا شَديدًا، وقُتلَ من الفَريقَينِ خَلقٌ كَثيرٌ، ثم نصَر اللهُ المُسلِمينَ على المُشرِكينَ ومنَحَ أكتافَهم وهزَمَهم وقتَلَهم المُسلِمونَ قَتلًا لمْ يَرَ المُشرِكونَ مِثلَه. فلمَّا رَأى أهلُ المُدنِ التي لمْ يُصالِحْ عليها أبو عُبيدةَ ما لقي أصحابُهم من المُشرِكينَ من القَتلِ، بعَثوا إلى أبي عُبيدةَ يَطلُبون الصُّلحَ فأعطاهم الصُّلحَ على مِثلِ ما أعطى الأوَّلينَ، إلا أنَّهم اشتَرَطوا عليه إنْ كانَ عندَهم من الرُّومِ الذين جاؤُوا لقتالِ المُسلِمينَ وصاروا عندَهم؛ فإنَّهم آمِنونَ يَخرُجونَ بمَتاعِهم وأَموالِهم وأَهلِهم إلى الرُّومِ ولا يُتعرَّضُ لهم في شَيءٍ من ذلك؛ فأَعطاهم ذلك أبو عُبيدةَ فأدَّوا إليه الجِزيةَ وفتَحُوا له أبوابَ

стр. 12532

المُدنِ، وأقبَلَ أبو عُبيدةَ راجِعًا؛ فكُلَّما مَرَّ بمَدينةٍ مما لم يَكنْ صالَحَه أهلُها بعَثَ رُؤساؤُها يَطلُبونَ الصُّلحَ؛ فأَجابَهم إليه وأَعطاهم مِثلَ ما أَعطى الأوَّلينَ، وكتَبَ بينَه وبينَهم كِتابَ الصُّلحَِ. وكُلَّما مرَّ على مَدينةٍ ممَّا كانَ صالَحَ أهلَها، وكانَ واليه فيها قد رَدَّ عليهم ما كانَ أخَذَ منهم تَلقَّوْه بالأموالِ التي كانَ رَدَّها عليهم ممَّا كانُوا صُولِحوا عليه من الجِزيةِ والخَراجِ، وتَلقَّوْه بأسواقٍ وبِياعاتٍ فتَرَكهم على الشَّرطِ الذي كانَ قد شرَط لهم، لم يُغيِّرْه ولم يَنقُصْه (١). وهكذا يتَّضِحُ لنا بجَلاءٍ أنَّه تَجِبُ حِمايةُ أهلِ الذِّمةِ من كلِّ أذًى صغُرَ أو كبُرَ. قالَ الإمامُ القَرافِيُّ ﵀: إنَّ عَقدَ الذِّمةِ يُوجِبُ حُقوقًا علينا لهم؛ لأنَّهم في جِوارِنا وفي خِفارَتِنا وذِمةِ اللهِ تَعالى وذِمةِ رَسولِه ﷺ ودِينِ الإسلامِ، فمَن اعتَدى عليهم ولو بكَلِمةِ سُوءٍ أو غِيبةٍ في عِرضِ أحَدِهم أو نَوعٍ من أنواعِ الأذيةِ أو أعانَ على ذلك فقد ضيَّعَ ذِمةَ اللهِ تَعالى وذِمةَ رَسولِه وذِمةَ دِينِ الإسلامِ (٢). وقالَ الشَّروانِيُّ الشافِعيُّ ﵀: ويَجبُ علينا الذَّبُّ عن أهلِ الذِّمةِ منهم والصَّدقةُ عليهم جائِزةٌ وإطعامُ المُضطَرِّ منهم واجِبٌ (٣).

стр. 12533

فصل في أحكامِ المعابِدِ والبِيَعِ والكَنائسِ وأقسامِ المَعابِدِ مَكانُ عِبادةِ المُسلِمينَ هو المَسجِدُ والجامِعُ والمُصلَّى والزاويةُ. وأمَّا مَكانُ عِبادةِ غيرِ المُسلِمينَ فله أقسامٌ وتَسمياتٌ مُختلِفةٌ على النَّحوِ التالي: أ- الكَنيسةُ: تُطلَقُ الكَنيسةُ عندَ بعضِ اللُّغويِّين على مُتعبَّدِ اليَهودِ، وتُطلَقُ أيضًا على مُتعبَّدِ النَّصارى، وهي مُعرَّبةٌ (١). ونَصَّ بعضُ الفُقهاءِ كقاضي زاده وغيرِه على أنَّ الكَنيسةَ اسمٌ لمَعبَدِ اليَهودِ والنَّصارى مُطلَقًا في الأصلِ، ثم غُلِّبَ استِعمالُ الكَنيسةِ لمَعبَدِ اليَهودِ، قالَ ابنُ عابدِين: وأهلُ مِصرَ يُطلِقون الكَنيسةَ على مُتعبَّدِهم (٢).

стр. 12534

وأورَد البَركتيُّ أوجُهًا أربَعةً فقالَ: أ- الكَنيسةُ: مُتعبَّدُ اليَهودِ أو النَّصارى أو الكُفارِ، أو مَوضِعُ صَلاةِ اليَهودِ فقط (١). ونَصَّ زَكريَّا الأنصاريُّ من الشافِعيةِ على أنَّ الكَنيسةَ مُتعبَّدُ النَّصارى (٢). وقالَ الدُّسوقيُّ ﵀: الكَنيسةُ: مُتعبَّدُ الكُفارِ، سَواءٌ كانَت بِيعةً أو بَيتَ نارٍ (٣). وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: وأمَّا الكَنائسُ فجَمعُ كَنيسةٍ وهي لأهلِ الكِتابَينِ (٤). ب- البِيعةُ: البِيعةُ -بكَسرِ الباءِ- مُفرَدٌ جَمعُه بِيَعٌ -بكَسرِ الباءِ- مِثلَ سِدرةٍ وسِدَرٍ، وهي مُتعبَّدُ النَّصارى (٥). وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: إنَّ أهلَ اللُّغةِ والتَّفسيرِ على أنَّ البِيعةَ مَعبَدُ النَّصارى إلا ما حَكَيناه عن ابنِ عَباسٍ ﵄ أنَّه قالَ: «البِيَعُ مَساجِدُ اليَهودِ» (٦).

стр. 12535

ج - الصَّومعةُ: قالَ ابنُ عابدِين ﵀: الصَّومعةُ بَيتٌ يُبنى برأسٍ طَويلٍ ليَتعبَّدَ فيه بالانقِطاعِ عن الناسِ (١). وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: وأمَّا الصَّومعةُ فهي كالقَلَّايةِ تَكونُ للراهبِ وَحدَه. قالَ الأزهَريُّ ﵀: الصَّومعةُ من البِناءِ، سُمِّيت صَومعةً لتَلطُّفِ أعلاها، يُقالُ: صمَعَ الثَّريدةَ إذا رفَعَ رأسَها وحدَّدَه، وتُسمَّى الثَّريدةَ إذا كانَت كذلك صَومعةً، ومن هذا يُقالُ: رَجلٌ أصمَعُ القَلبِ إذا كانَ حادَّ الفِطنةِ. ومنهم مَنْ فرَّقَ بينَ الصَّومعةِ والقَلَّايةِ، بأنَّ القَلَّايةَ تَكونُ مُنقطِعةً في فَلاةٍ من الأرضِ، وأنَّ الصَّومعةَ تَكونُ على الطُّرُقِ (٢). د - الدِّيرُ: الدِّيرُ مَقامُ الرُّهبانِ والراهباتِ من النَّصارى، يَجتمِعونَ فيه للرَّهبانيةِ والتَّفرُّدِ عن الناسِ (٣). قالَ ابنُ عابدِين ﵀: وأهلُ مِصرَ والشامَ يَخصُّونَ الدِّيرَ بمَعبَدِ النَّصارى (٤).

стр. 12536

هـ - الفُهُرُ: الفُهُرُ بضَمِّ الفاءِ والهاءِ جَمعٌ، ومُفردُها فِهرٌ، لليَهودِ خاصَّةً، وهو بَيتُ المِدراسِ الذي يَتدارَسونَ فيه العِلمَ، وفيه قَولُ أنَسٍ ﵁: «وكأنَّهم اليَهودُ حينَ خَرجوا مِنْ فُهُرِهم» (١). والصَّلواتُ: كَنائسُ اليَهودِ، قالَ الزَّجاجُ: وهي بالعِبريةِ (صلوتا)، وقيلَ: للنَّصارى، وقيل: للصابِئينَ (٢). ز- بَيتُ النارِ والناووسِ: بَيتُ النارِ: هو مَوضِعُ عِبادةِ المَجوسِ (٣). وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: الناووسُ للمَجوسِ كالكَنيسةِ للنصارى، وهو من خَصائِصِ دِينِهم الباطِلِ (٤). الأحكامُ المُتعلِّقةُ بالمَعابِدِ: لا يُفرِّقُ الفُقهاءُ بينَ الكَنيسةِ والبِيعةِ والصَّومعةِ وبَيتِ النارِ والدِّيرِ وغيرِها في الأَحكامِ. قالَ ابنُ القَيمِ ﵀: وحُكمُ هذه الأمكِنةِ كلِّها حُكمُ الكَنيسةِ، ويَنبَغي التَّنبيهُ عليها (٥).

стр. 12537

إحداثُ المَعابِدِ في أمصارِ المُسلِمينَ: يَختلِفُ حُكمُ إحداثِ المَعابِدِ في أمصارِ المُسلِمينَ باختِلافِ الأمصارِ على النَّحوِ التالي: أولًا: بِلادٌ أنشأَها المُسلِمونَ في الإسلامِ. ثانيًا: بِلادٌ أُنشِئت قبلَ الإسلامِ فافتَتحها المُسلِمونَ عَنوةً وملَكوا أرضَها وساكِنيها. ثالِثًا: بِلادٌ أُنشِئت قبلَ الإسلامِ وفتَحَها المُسلِمونَ صُلحًا. فأمَّا القِسمُ الأولُ: بِلادٌ أنشأَها المُسلِمونَ في الإسلامِ: فهو مِثلُ البَصرةِ والكُوفةِ وواسِطَ وبَغدادَ والقاهِرةِ. قالَ ابنُ القَيمِ ﵀: فهذه البِلادُ صافيةٌ للإمامِ إنْ أرادَ الإمامُ أنْ يُقِرَّ أهلَ الذِّمةِ فيها ببَذلِ الجِزيةِ جاز، فلو أقَرَّهم الإمامُ على أنْ يُحدِثوا فيها بِيعةً أو كَنيسةً أو يُظهِروا فيها خَمرًا أو خِنزيرًا أو ناقوسًا لم يَجزْ، وإنْ شرَطَ ذلك وعقَدَ عليه الذِّمةَ كانَ العَقدُ والشَّرطُ فاسِدًا، وهو اتِّفاقٌ من الأُمةِ لا يُعلَمُ بينَهم فيه نِزاعٌ (١). وقد نقَلَ الإجماعَ على ذلك جَماعةٌ من أهلِ العِلمِ أيضًا، منهم السُّبكيُّ والطُّرطوشيُّ (٢).

стр. 12538

قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: وقد اتَّفقَ المُسلِمونَ على أنَّ ما بَناه المُسلِمونَ من المَدائنِ لم يَكنْ لأهلِ الذِّمةِ أنْ يُحدِثوا فيها كَنيسةً (١). وقالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: ما مصَّرَه المُسلِمونَ كالكُوفةِ والبَصرةِ وبَغدادَ وواسِطَ فلا يَجوزُ فيها إِحداثُ بِيعةٍ ولا كَنيسةٍ ولا مُجتمَعٍ لصَلاتِهم ولا صَومعةٍ بإجماعِ أهلِ العِلمِ، ولا يُمكَّنونَ فيه من شُربِ الخَمرِ واتِّخاذِ الخَنازيرِ وضَربِ الناقوسِ (٢). وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقوا على أنَّه لا يَجوزُ لهم إحداثُ كَنيسةٍ ولا بِيعةٍ في المُدنِ والأمصارِ في بِلادِ الإسلامِ (٣). وقد استَدلَّ العُلماءُ على هذا بما رَوى الإمامُ أحمدُ وغيرُه عن عِكرمةَ قالَ: سُئلَ ابنُ عَباسٍ ﵄ عن أَمصارِ العَربِ أو دارِ العَربِ، هل للعَجمِ أنْ يُحدِثوا فيها شَيئًا؟ فقالَ: «أيُّما مِصرٍ مصَّرَته العَربُ فليسَ للعَجمِ أنْ يَبنوا فيه بِيعةً ولا يَضرِبوا فيه ناقوسًا ولا يَشربوا فيه خَمرًا ولا يَتَّخِذوا فيه خِنزيرًا، وأيُّما مِصْرٍ مصَّرَته العَجمُ ففتَحَه اللهُ على العَربِ فنزَلُوا فيه؛ فإنَّ للعَجمِ ما في عَهدِهم، وعلى العَربِ أنْ يُوفوا بعَهدِهم ولا يُكلِّفوهم فوقَ طاقَتِهم» (٤).

стр. 12539

وبما رَوى عُمرُ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لا تُبنَى كَنيسةٌ في الإسلامِ وَلا يُجدَّدُ ما خُرِّبَ منها» (١).

стр. 12540

وعن عُمرَ بنِ الخَطابِ ﵁ أنَّه قالَ: «لا كَنيسةَ في الإسلامِ ولا خِصاءَ» (١). وعن سالِمٍ عن أبيه أنَّ عُمرَ بنَ الخَطابِ ﵁: «أمَرَ أنْ تُهدَمَ كلُّ كَنيسةٍ لم تَكنْ قبلَ الإسلامِ، ومنَع أنْ يُحدَث كَنيسةٌ، وأمَرَ ألَّا يَظهرَ صَليبٌ خارجًا من كَنيسةٍ إلَّا كُسرَ على رأسِ صاحِبِه» (٢).

стр. 12541

قالَ ابنُ القَيمِ ﵀: وهذا الذي جاءت به النُّصوصُ والآثارُ هو مُقتَضى أُصولِ الشَّرعِ وقَواعِدِه؛ فإنَّ إحداثَ هذه الأُمورِ إحداثُ شِعارِ الكُفرِ، وهو أغلَظُ من إحداثِ الخَمَّاراتِ والمَواخيرِ؛ فإنَّ تلك شِعارُ الكُفرِ وهذه شِعارُ الفِسقِ، ولا يَجوزُ للإمامِ أنْ يُصالِحَهم في دارِ الإسلامِ على إحداثِ شَعائرِ المَعاصي والفُسوقِ، فكيف بإِحداثِ مَوضعِ الكُفرِ والشِّركِ؟! فإنْ قيلَ: فما حُكمُ هذه الكَنائسِ التي في البِلادِ التي مصَّرَها المُسلِمونَ؟ قيل: هي على نَوعَينِ: أحدُهما: أنْ تُحدَثَ الكَنائسُ بعدَ تَمصيرِ المُسلِمينَ لمِصرٍ فهذه تُزالُ اتِّفاقًا. الثانِي: أنْ تَكونَ مَوجودةً بفَلاةٍ من الأرضِ ثم يُمصِّرُ المُسلِمونَ حَولَها الِمصرَ فهذه لا تُزالُ، واللهُ أعلَمُ (١). وقالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: واعلَمْ أنَّ البِيَعَ والكَنائسَ القَديمةَ في السَّوادِ لا تُهدَمُ على الرِّواياتِ كلِّها، وأمَّا في الأَمصارِ فاختَلفَ كَلامُ مُحمدٍ، فذكَرَ

стр. 12542

في العُشرِ والخَراجِ تَهدُّمَ القَديمةِ، وذكَرَ في الإِجارةِ أنَّها لا تُهدَمُ وعمِلَ الناسُ على هذا؛ فإنَّا رأينا كَثيرًا منها تَوالَت عليها أئِمةٌ وأزمانٌ، وهي باقيةٌ لمْ يَأمرْ بهَدمِها إمامٌ، فكانَ مُتوارَثًا من عَهدِ الصَّحابةِ ﵃. وعلى هذا لو مصَّرَنا برِّيةً فيها دَيرٌ أو كَنيسةٌ فوقَعَ في داخِلِ السُّورِ يَنبَغي ألَّا يُهدمَ؛ لأنَّه كانَ مُستحِقًّا للأَمانِ قبلَ وَضعِ السُّورِ، فيُحمَلُ ما في جَوفِ القاهِرةِ من الكَنائسِ على ذلك؛ لأنَّها كانَت فَضاءً فأدارَ العُبَيديُّون عليها السُّورَ ثم فيها الآنَ كَنائسُ، ويَبعدُ من إمامٍ تَمكينُ الكُفارِ من إِحداثِها جَهارًا في جَوفِ المُدنِ الإِسلاميةِ، فالظاهِرُ أنَّها كانَت في الضَّواحي فأُديرَ السُّورُ عليها فأحاطَ بها، وعلى هذا فالكَنائسُ المَوجودةُ الآنَ في دارِ الإِسلامِ غيرُ جَزيرةِ العَربِ كلُّها يَنبَغي ألَّا تُهدَمَ؛ لأنَّها إنْ كانَت في أمصارٍ قَديمةٍ فلا شَكَّ أنَّ الصَّحابةَ أو التابِعينَ حينَ فتَحُوا المَدينةَ عَلِموا بها وأبقَوْها، وبعدَ ذلك يُنظَرُ؛ فإنْ كانَت البَلدةُ فُتِحت عَنوةً حكَمْنا بأنَّهم أبقَوْها مَساكِنَ لا مُعابِدَ فلا تُهدَمُ، ولكنْ يُمنَعونَ من الاجتِماعِ فيها للتَّقرُّبِ، وإنْ عُرفَ أنَّها فُتحَت صُلحًا حكَمنا بأنَّهم أقَرُّوها مَعابِدَ فلا يُمنَعونَ من ذلك فيها بل من الإِظهارِ (١). وقالَ ابنُ القاسِمِ من المالِكيةِ: يُتْرَكُ لأهلِ الذِّمةِ كَنائسُهم القَديمةُ في بَلدِ العَنوةِ المُقِرِّ بها أهلُها وفيما اختَطَّه المُسلِمونَ فسكَنوه معهم، وأنَّه لا يَجوزُ إِحداثُها إلا أنْ يُعطَوْا ذلك.

стр. 12543

وقالَ عبدُ المَلكِ ﵀: لا يَجوزُ الإحداثُ مُطلَقًا ولا يُتْرَكُ لهم كَنيسةٌ (١). أمَّا الشافِعيةُ: فقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: فَصلٌ، وأمَّا ما يَلزمُهم فخَمسةُ أُمورٍ؛ الأولُ: في الكَنائسِ والبِيَعِ. فالبِلادُ التي في حُكمِ المُسلِمينَ قِسمانِ: أحدُهما: ما أحدَثَه المُسلِمونَ كبَغدادَ والكُوفةِ والبَصرةِ فلا يُمكَّنُ أهلُ الذِّمةِ من إِحداثِ بِيعةٍ وكَنيسةٍ وصَومعةِ راهِبٍ فيها ولو صالَحَهم على التَّمكُّنِ من إِحداثِها، فالعَقدُ باطِلٌ، والذي يُوجَدَ في هذه البِلادِ من البِيَعِ والكَنائسِ وبُيوتِ النارِ لا يُنقَضُ لاحتِمالِ أنَّها كانَت في قَريةٍ أو بَرِّيةٍ فاتَّصلَ بها عِمارةُ المُسلِمينَ؛ فإنْ عُرفَ إحداثُ شَيءٍ بعدَ بِناءِ المُسلِمينَ نُقضَ (٢). أمَّا الحَنابِلةُ؛ فقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ما مصَّرَه المُسلِمونَ كالبَصرةِ والكُوفةِ وبَغدادَ وواسِطَ فلا يَجوزُ فيه إِحداثُ كَنيسةٍ ولا بِيعةٍ ولا مُجتمَعٍ لصَلاتِهم، ولا يَجوزُ صُلحُهم على ذلك، بدَليلِ ما رُويَ عن عِكرِمةَ قالَ: قالَ ابنُ عَباسٍ: «أيُّما مِصرٍ مصَّرَتْه العَربُ فليسَ للعَجمِ أنْ يَبنوا فيه بِيعةً، ولا يَضرِبوا فيه ناقوسًا، ولا يَشرَبوا فيه خَمرًا، ولا يتَّخِذوا فيه خِنزيرًا» رَواه الإمامُ أحمدُ واحتَّجَ به، ولأنَّ هذا البَلدَ مِلكٌ للمُسلِمينَ فلا يَجوزُ أنْ يَبنوا

стр. 12544

فيه مَجامعَ للكُفرِ، وما وُجدَ في هذه البِلادِ من البِيَعِ والكَنائسِ مِثلَ كَنيسةِ الرُّومِ في بَغدادَ فهذه كانَت في قُرى أهلِ الذِّمةِ فأُقِرَّت على ما كانَت عليه (١). القِسمُ الثانِي: بِلادٌ أُنشِئت قبلَ الإسلامِ فافتتَحها المُسلِمونَ عَنوةً وملَكوا أرضَها وساكِنيها: فهذه البِلادُ لا يَجوزُ أنْ يُحدَثَ فيها شَيءٌ من البِيَعِ والكَنائسِ بإجماعِ أهلِ العِلمِ، ولا يَجوزُ أنْ يُصالِحوا على استِئنافِ بِيَعٍ وكَنائسَ فيها. قالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: ما فتَحَه المُسلِمونَ عَنوةً لا يَجوزُ فيه إحداثُ شَيءٍ بالإجماعِ (٢). وقالَ الإمامُ السُّبكيُّ ﵀: وهذا مُجمَعٌ عليه (٣). إلا أنَّ العُلماءَ قد اختلَفوا فيما كانَ فيها من البِيَعِ والكَنائسِ قبلَ الفَتحِ، هل يَجوزُ إبقاؤُه أو يَجبُ هَدمُه؟ على ثَلاثةِ أقوالٍ، هي: القَولُ الأولُ: لا يَجبُ هَدمُه، وهو قَولُ المالِكيةِ والشافِعيةِ في الصَّحيحِ -كما يَقولُ الماوَرديُّ- والحَنابِلةِ في المَذهبِ. فأمَّا المالِكيةُ فقالَ الدَّرديرُ ﵀: وليسَ لعَنويٍّ إِحداثُ كَنيسةٍ ببَلدِ العَنوةِ.

стр. 12545

قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: أي: التي أُقِرَّ بها ذلك، سَواءٌ كانَ فيها مُسلِمونَ أو لا، وأمَّا القَديمةُ المَوجودةُ قبلَ الفَتحِ؛ فإنَّها تَبقى ولو بلا شَرطٍ كما هو مَذهبُ ابنِ القاسِمِ (١). وأمَّا الشافِعيةُ فقالَ الماوَرديُّ ﵀: ما فتَحَه المُسلِمونَ عَنوةً من بِلادِ الشِّركِ لا يَجوزُ أنْ يُصالِحوا على استِئنافِ بِيَعٍ وكَنائسَ فيها، فأمَّا ما تَقدَّمَ من بِيَعِهم وكَنائسِهم، فما كانَ منها خَرابًا عندَ فَتحِها لم يَجزْ أنْ يَعمُرُوه؛ لدُروسِها قبلَ الفَتحِ، فصارَت كالمَواتِ، فأمَّا العامِرُ من البِيَعِ والكَنائسِ عندَ فَتحِها، ففي جَوازِ إقرارِها عليهم إذا صُولِحوا وَجهانِ: أحدُهما: يَجوزُ إقرارُها عليهم لخُروجِها عن أملاكِهم المَغنومةِ، وهو الصَّحيحُ، ولذلك أُقرَّت البِيَعُ والكَنائسُ في بِلادِ العَنوةِ. والوَجهُ الثانِي: يَملِكُها المُسلِمونَ عليهم، ويَزولُ عنها حُكمُ البِيَعِ والكَنائسِ وتَصيرُ مِلكًا لهم مَغنومًا لا حَقَّ فيها لأهلِ الذِّمةِ؛ لأنَّه ليسَ لما ابتَنَوْه منها حُرمةٌ، فدخَلَت في عُمومِ المَغانمِ، فعلى هذا إنْ بيعَت عليهم لتَكونَ على حالِها بِيَعًا وكَنائسَ لهم، ففي جَوازِه وَجهانِ: أحدُهما: يَجوزُ استِصحابًا لحالِها. والوَجهُ الآخَرُ: لا تَجوزُ لزَوالِها عنهم بمِلكِ المُسلِمينَ لها، فصارَت كالبِناءِ المُبتَدأِ (٢).

стр. 12546

وقالَ الإمامُ الشِّيرازيُّ ﵀: وهل يَجوزُ إقرارُهم على ما كانَ منها قبلَ الفَتحِ؟ يُنظَرُ فيه؛ فإنْ كانَ في بَلدٍ فُتحَ صُلحًا واستُثني فيه الكَنائسُ والبِيَعُ جازَ إقرارُهما؛ لأنَّه إذا جازَ أنْ يُصالِحوا على أنَّ لنا النِّصفَ ولهم النِّصفَ جازَ أنْ يُصالِحوا على أنَّ لنا البَلدَ إلا الكَنائسَ والبِيَعَ. وإنْ كانَ في بَلدٍ فُتِح عَنوةً أو فُتحَ صُلحًا ولمْ تُستثْنَ الكَنائسُ والبِيَعُ ففيه وَجهانِ: أحدُهما: أنَّه لا يَجوزُ كما لا يَجوزُ إقرارُ ما أحدَثوا بعدَ الفَتحِ. والثاني: أنَّه يَجوزُ؛ لأنَّه لمَّا جازَ إقرارُهم على ما كانُوا عليه من الكُفرِ جازَ إقرارُهم على ما يُبنى للكُفرِ (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ما فتَحَه المُسلِمونَ عَنوةً لا يَجوزُ إحداثُ شَيءٍ من ذلك فيه؛ لأنَّها صارت مِلكًا للمُسلِمينَ، وما كانَ فيه من ذلك ففيه وَجهانِ: أحدُهما: يَجبُ هَدمُه وتَحرُمُ تَبقيَتُه؛ لأنَّها بِلادٌ مَملوكةٌ للمُسلِمينَ فلم يَجزْ أنْ تَكونَ فيها بِيعةٌ كالبِلادِ التي اختَطَّها المُسلِمونَ. والآخَرُ: يَجوزُ؛ لأنَّ في حَديثِ ابنِ عَباسٍ: «أيُّما مِصرٍ مصَّرَته العَربُ فليسَ للعَجمِ أنْ يَبنوا فيه بِيعةً ولا يَضرِبوا فيه ناقوسًا ولا يَشربوا فيه خَمرًا ولا يتَّخِذوا فيه خِنزيرًا، وأيُّما مِصْرٍ مصَّرَته العَجمُ ففتَحَه اللهُ على العَربِ فنزَلُوا فيه؛ فإنَّ للعَجمِ ما في عَهدِهم، وعلى العَربِ أنْ يُوفوا بعَهدِهم

стр. 12547

ولا يُكلِّفوهم فوقَ طاقَتِهم» ولأنَّ الصَّحابةَ ﵃ فتَحُوا كَثيرًا من البِلادِ عَنوةً، فلم يَهدِموا شَيئًا من الكَنائسِ، ويَشهَدُ لصِحةِ هذا وُجودُ الكَنائسِ والبِيعِ في البِلادِ التي فُتِحت عَنوةً، ومَعلومٌ أنَّها ما أُحدِثت، فيَلزمُ أنْ تَكونَ مَوجودةً فأُبقِيت، وقد كتَبَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ ﵁ إلى عُمالِه: «ألَّا يَهدِمُوا بِيعةً ولا كَنيسةً ولا بَيتَ نارٍ» ولأنَّ الإجماعَ قد حصَلَ على ذلك؛ فإنَّها مَوجودةٌ في بِلادِ المُسلِمينَ من غيرِ نَكيرٍ (١). وقالَ ابنُ مُفلِحٍ ﵀: وفي وُجوبِ هَدمِ المَوجودِ وَجهانِ، والمَجزومُ به عندَ الأكثرِ إقرارُهم عليها (٢). وقالَ المِرداويُّ ﵀: فائِدةٌ في لُزومِ هَدمِ المَوجودِ منها: في العَنوةِ وَقتَ فَتحِها وَجهانِ، وهُما في التَّرغيبِ: إنْ لم يُقَرَّ به أُخذَ بجِزيةٍ، وإلا لم يَلزمْ، قالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ: وبَقاؤُه ليسَ تَمليكًا فيأخُذُه لمَصلحةٍ، وأطلَقَ الخِلافَ في المُغني والشَّرحِ والفُروعِ. أحدُهما: لا يَلزمُ، وهو المَذهبُ، صحَّحَه في النَّظمِ، وقدَّمَه في الكافي، وإليه مالَ في المُغني والشَّرحِ. والوَجهُ الثانِي: يَلزمُ، واختارَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ ﵀ جَوازَ هَدمِها مع عَدمِ الضَّررِ علينا. وقيلَ: يُمنَعُ من هَدمِها. قالَ في الرِّعايةِ الكُبرى: وهو أشهَرُ. قالَ في الفُروعِ: كذا قالَ (٣).

стр. 12548

القَولُ الثانِي: أنَّ البِيَعَ والكَنائسَ المَوجودةَ قبلَ الفَتحِ، يَجبُ هَدمُها وهو وَجهٌ عندَ الحَنابِلةِ والصَّحيحُ عندَ الشافِعيةِ كما يَقولُ النَّوويُّ وهو اختيارُ شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميَّةَ وابنِ القَيمِ. قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: الثانِي بِلادٌ لم يُحدِثوها ودخَلَت تحتَ أيديهم؛ فإنْ أسلَمَ أهلُها كالمَدينةِ واليَمنِ فحُكمُها كالقِسمِ الأولِ، وإلا فإمَّا أنْ تُفتَحَ عَنوةً أو صُلحًا، الضَّربُ الأولُ: ما فُتحَ عَنوةً؛ فإنْ لم يَكنْ فيها كَنيسةٌ أو كانَت وانهَدَمت أو هدَمَها المُسلِمونَ وَقتَ الفَتحِ أو بعدَه فلا يَجوزُ لهم بِناؤُها، وهل يَجوزُ تَقريرُهم على الكَنيسةِ القائِمةِ؟ وَجهان: أصَحُّهما لا، وبه قطَع جَماعةٌ (١). وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: وأمَّا ما كانَ فيها من ذلك قبلَ الفَتحِ، فهل يَجوزُ إبقاؤُه أو يَجبُ هَدمُه؟ فيه قَولانِ في مَذهبِ أحمدَ، وهما وَجهانِ لأَصحابِ الشافِعيِّ وغيرِه: أحدُهما: يَجبُ إزالَتُه وتَحرُمُ تَبقيَتُه؛ لأنَّ البِلادَ قد صارَت مِلكًا للمُسلِمينَ، فلم يَجزْ أنْ يُقَرَّ فيها أمكِنةُ شِعارِ الكُفرِ كالبِلادِ التي مصَّرَها المُسلِمونَ؛ ولقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا تَصلُحُ قِبلَتانِ ببَلَدٍ» (٢). وكما لا يَجوزُ إبقاءُ الأمكِنةِ التي هي شِعارُ الفُسوقِ كالخَمَّاراتِ والمَواخيرِ، ولأنَّ أمكِنةَ البِيَعِ والكَنائسِ قد صارَت مِلكًا للمُسلِمينَ، فتَمكينُ

стр. 12549

الكُفارِ من إقامةِ شِعارِ الكُفرِ فيها كبِيَعِهم وإجارَتِهم إِيّاها لذلك، ولأنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ بالجِهادِ حتى يَكونَ الدِّينُ كلُّه له، وتَمكينُهم من إِظهارِ شِعارِ الكُفرِ في تلك المَواطِنِ جعَلَ الدِّينَ له ولغيرِه، وهذا القَولُ هو الصَّحيحُ. والقَول الثانِي: يَجوزُ بِناؤُها لقَولِ ابنِ عَباسٍ ﵄: «أيُّما مِصرٍ مَصَّرتْه العَربُ فليسَ للعَجمِ أنْ يَبنوا فيه بِيعةً ولا يَضرِبوا فيه ناقوسًا ولا يَشربوا فيه خَمرًا ولا يَتَّخِذوا فيه خِنزيرًا، وأيُّما مِصْرٍ مصَّرَته العَجمُ ففتَحَه اللهُ على العَربِ فنزَلُوا فيه؛ فإنَّ للعَجمِ ما في عَهدِهم، وعلى العَربِ أنْ يُوفوا بعَهدِهم ولا يُكلِّفوهم فوقَ طاقَتِهم» (١). ولأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ فتَحَ خَيبَرَ عَنوةً وأَقرَّهم على مَعابِدِهم فيها ولمْ يَهدِمْها، ولأنَّ الصَّحابةَ ﵃ فتَحُوا كَثيرًا من البِلادِ عَنوةً فلمْ يَهدِموا شَيئًا من الكَنائسِ التي بها. ويَشهدُ لصِحةِ هذا وُجودُ الكَنائسِ والبِيَعِ في البِلادِ التي فُتحَت عَنوةً، ومَعلومٌ قَطعًا أنَّها ما أُحدِثت، بل كانَت مَوجودةً قبلَ الفَتحِ. وقد كتَبَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ إلى عُمَّالِه: «ألَّا تَهدِموا كَنيسةً ولا بِيعةً ولا بَيتَ نارٍ». ولا يُناقِضُ هذا ما حَكاه الإمامُ أحمدُ، أنَّه أمَرَ بهَدمِ الكَنائسِ؛ فإنَّها التي أُحدِثت في بِلادِ الإسلامِ، ولأنَّ الإجماعَ قد حصَلَ على ذلك؛ فإنَّها مَوجودةٌ في بِلادِ المُسلِمينَ من غيرِ نَكيرٍ.

стр. 12550

وفَصلُ الخِطابِ أنْ يُقالَ: إنَّ الإمامَ يَفعلُ في ذلك ما هو الأصلَحُ للمُسلِمينَ؛ فإنْ كانَ أَخذُها منهم، أو إِزالَتُها هو المَصلحةُ لكَثرةِ الكَنائسِ، أو حاجةِ المُسلِمينَ إلى بَعضِها وقِلةِ أهلِ الذِّمةِ، فله أَخذُها أو إِزالتُها بحسَبِ المَصلحةِ، وإنْ كانَ تَركُها أصلَحَ لكَثرتِهم وحاجتِهم إليها وغِنى المُسلِمينَ عنها، ترَكها، وهذا التَّركُ تَمكينٌ لهم من الانتِفاعِ بها، لا تَمليكٌ لهم رِقابَها؛ فإنَّها قد صارَت مِلكًا للمُسلِمينَ، فكيف يَجوزُ أنْ يَجعلَها مِلكًا للكُفارِ؟ وإنَّما هو امتِناعٌ بحسَبِ المَصلحةِ، فلِلإمامِ انتِزاعُها متى رأى المَصلحةَ في ذلك. ويَدلُّ عليه أنَّ عُمرَ بنَ الخَطابِ والصَّحابةَ معه، أجلَوْا أهلَ خَيبَرَ من دُورِهم ومَعابدِهم بعدَ أنْ أَقرَّهم رَسولُ اللهِ ﷺ فيها، ولو كانَ ذلك الإقرارُ تَمليكًا لم يَجزْ إِخراجُهم عن مِلكِهم إلا برِضًا أو مُعاوَضةٍ. ولِهذا لمَّا أرادَ المُسلِمونَ أخْذَ كَنائسِ العَنوةِ التي في خارجِ دِمَشقَ في زَمنِ الوَليدِ بنِ عبدِ المَلِكِ، صالَحَهم النَّصارى على تَركِها وتَعويضِهم عنها بالكَنيسةِ التي زيدَت في الجامعِ، ولو كانُوا قد ملَكوا تلك الكَنائسِ بالإقرارِ لقالُوا للمُسلِمينَ كيفَ تَأخُذونَ أَملاكَنا قَهرًا وظُلمًا؟ بل أذعَنوا إلى المُعاوضةِ لمَّا علِموا أنَّ للمُسلِمينَ أخذَ تلك الكَنائسِ منهم، وأنَّها غيرُ مِلكِهم كالأرضِ التي هي بها. فبهذا التَّفصيلِ تَجتمِعُ الأدِلةُ وهو اختيارُ شَيخِنا، وعليه يَدلُّ فِعلُ الخُلفاءِ الراشِدين ومَن بعدَهم من أئِمةِ الهُدى، وهدَم عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ منها ما رأى المَصلحةَ في هَدمِه، وأَقرَّ ما رأى المَصلحةَ في إقرارِه.

стр. 12551

وقد أَفتى الإِمامُ أحمدُ المُتوكِّلُ بهَدمِ كَنائسِ السَّوادِ، وهي أرضُ العَنوةِ (١). القَولُ الثالِثُ للحَنفيةِ: وهو ألَّا تُهدَمَ، ولكن تَبقى بأيديهم كمَساكنَ، ويُمنَعونَ من الاجتِماعِ فيها للتَّقرُّبِ. قالَ الإمامُ الكسانِيُّ ﵀: وكلُّ مِصرٍ من أمصارِ المُشرِكينَ ظهَرَ عليه الإمامُ عَنوةً، وجعَلَهم ذِمةً، فما كانَ فيه كَنيسةٌ قَديمةٌ منَعَهم من الصَّلاةِ في تلك الكَنائسِ؛ لأنَّه لمَّا فُتحَ عَنوةً استحَقَّه المُسلِمونَ، فيَمنعُهم من الصَّلاةِ فيها، ويَأمرُهم أنْ يتَّخِذوها مَساكنَ، ولا يَنبَغي أنْ يَهدِمها (٢). وقالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: فإنْ كانَت البَلدةُ فُتحَت عَنوةً حكَمنا بأنَّهم أبقَوْها مَساكنَ لا مَعابدَ فلا تُهدَمُ، ولكنْ يُمنَعون من الاجتِماعِ فيها للتَّقرُّبِ، وإنْ عُرِف أنَّها فُتِحت صُلحًا حكَمنا بأنَّهم أقَرُّوها مَعابدَ، فلا يُمنَعونَ من ذلك فيها بل من الإظهارِ (٣). القِسمُ الثالِثُ: بِلادٌ أُنشِئت قبلَ الإسلامِ وفتَحَها المُسلِمونَ صُلحًا. الأَراضي المَفتوحةُ صُلحًا لها ثَلاثهُ أنواعٍ: النَّوعُ الأولُ: أنْ يُصالِحَهم الإمامُ على أنْ تَكونَ الأرضُ للمُسلِمينَ ويُؤدُّون الجِزيةَ إلينا، فالحُكمُ في البِيَعِ والكَنائسِ على ما يَقعُ عليه الصُّلحُ باتِّفاقِ المَذاهبِ الأربَعةِ.

стр. 12552

قالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: وإنْ صالَحَهم على أنَّ الدارَ لنا ويُؤدُّونَ الجِزيةَ فالحُكمُ في الكَنائسِ على ما يُوقَّعُ عليه الصُّلحُ؛ فإنْ صالَحَهم على شَرطِ تَمكينِ الأحداثِ لا يَمنعُهم، إلا أنَّ الأوْلى ألَّا يُصالِحَهم إلا على ما وقَعَ عليه صُلحُ عُمرَ ﵁ من عَدمِ إحداثِ شَيءٍ منها (١). وقالَ الخَرشيُّ ﵀: (ص) وللصُّلحيِّ الإحداثُ (ش) يَعني أنَّ الصُّلحيَّ يَجوزُ له أنْ يُحدِثَ كَنيسةً في غيرِ بَلدِ المُسلِمينَ، ويَجوزُ به أيضًا أنْ يَرُمَّ ما انهَدمَ من الكَنائسِ القَديمةِ، وسَواءٌ شرَط ذلك على المُسلِمينَ عندَ ضَربِ الجِزيةِ عليه أو لا، على المَذهبِ (٢). وقالَ النَّوويُّ ﵀: ما فُتح صُلحًا، وهو نَوعانِ؛ أحدُهما: فُتحَ على أنَّ رَقبةَ الأرضِ للمُسلِمينَ وهُم يَسكُنونها بخَراجٍ؛ فإنْ شرَطوا إبقاءَ البِيَعِ والكَنائسِ جاز وكأنَّهم صالَحوا على أنَّ الكَنائسَ لهم وما سِواها لنا، وإنْ صالَحوا على إِحداثِها أيضًا جاز، ذكَرَه الرُّويانِيُّ وغيرُه (٣). وقالَ الشِّربينيُّ الخَطيبُ ﵀: ولو فتَحَنا البَلدَ صُلحًا كبَيتِ المَقدِسِ، بشَرطِ كَونِ الأرضِ لنا، وشَرطِ إسكانِهم فيها بخَراجٍ، وإبقاءِ الكَنائسِ أو إحداثِها جاز؛ لأنَّه إذا جاز الصُّلحُ على أنَّ كلَّ البَلدِ لهم، فعلى بَعضِه أوْلى (٤).

стр. 12553

وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: الثانِي: أنْ يُصالِحَهم على أنَّ الدارَ للمُسلِمينَ ويُؤدُّونَ الجِزيةَ إلينا، فالحُكمُ في البِيَعِ والكَنائسِ على ما يَقعُ عليه الصُّلحُ معهم من إحداثِ ذلك وعِمارتِه؛ لأنَّه إذا جازَ أنْ يَقعَ الصُّلحُ معهم على أنَّ الكلَّ لهم جازَ أنْ يُصالَحوا على أنْ يَكونَ بعضُ البَلدِ لهم، ويَكونَ مَوضِعُ الكَنائسِ معهم، والبِيَعِ معنا، والأوْلى أنْ يُصالحَهم على ما صالَحَهم عليه عُمرُ ﵁ ويشتَرِطَ عليهم الشُّروطَ المَذكورةَ في كِتابِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ غُنمٍ، ألَّا يُحدِثوا بِيعةً ولا كَنيسةً ولا صَومعةَ راهِبٍ ولا قَلَّايةً (١). وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: ما فُتحَ صُلحًا، وهو أنْ يُصالحَهم على أنَّ الدارِ للمُسلِمينَ ويُؤدُّونَ الجِزيةَ إلينا، فالحُكمُ في البِيَعِ والكَنائسِ على ما يَقعُ عليه الصُّلحُ معهم، من تَبقيةٍ وإحداثٍ وعِمارةٍ؛ لأنَّه إذا جازَ أنْ يَقعَ الصُّلحُ معهم على أنَّ الكلَّ لهم، جازَ أنْ يُصالِحوا على أنْ يَكونَ بعضُ البَلدِ لهم. والواجِبُ عندَ القُدرةِ أنْ يُصالِحوا على ما صالَحَهم عليه عُمرُ ﵁، ويُشترطُ عليهم الشُّروطُ المَكتوبةُ في كِتابِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ غُنمٍ ألَّا يُحدِثوا بِيعةً ولا صَومعةَ راهِبٍ ولا قَلَّايةً (٢). النَّوعُ الثانِي: أنْ يُصالِحَهم الإمامُ على أنْ تَكونَ الأرضُ لهم ويُؤدُّوا لنا الخَراجَ عليها، أو يُصالِحَهم على مالٍ يَبذُلونه، وهي الهُدنةُ، فلا يُمنَعوا من إحداثِ ما يَختارونه فيها عندَ المَذاهبِ الأربَعةِ.

стр. 12554

قالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: وثالِثُها: ما فُتحَ صُلحًا؛ فإنْ صالَحَهم على أنَّ الأرضَ لهم ولنا الخَراجُ جاز إِحداثُهم (١). وقالَ الخَرشيُّ ﵀: (ص) وللصُّلحيِّ الإحداثُ (ش) يَعني أنَّ الصُّلحيَّ يَجوزُ له أنْ يُحدِثَ كَنيسةً في غيرِ بَلدِ المُسلِمينَ، ويَجوزُ به أيضًا أنْ يَرُمَّ ما انهَدمَ من الكَنائسِ القَديمةِ، وسَواءٌ شرَطَ ذلك على المُسلِمينَ عندَ ضَربِ الجِزيةِ عليه أو لا، على المَذهبِ (٢). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: الثانِي: ما فُتحَ على أنَّ البَلدَ لهم، يُؤدُّونَ خَراجَه فيُقَرُّونَ على الكَنائسِ ولا يُمنَعونَ من إِحداثِها فيه على الأصَحِّ؛ لأنَّ المِلكَ والدارَ لهم، ويُمكَّنونَ فيها من إظهارِ الخَمرِ والخِنزيرِ والصَّليبِ وإِظهارِ ما لهم (٣). وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: أو فُتحَ صُلحًا بشَرطِ الأرضِ (لهم) ويُؤدُّون خَراجَها (قُرِّرت) كَنائسُهم؛ لأنَّها مِلكُهم (ولهم الإحداثُ في الأصَحِّ)؛ لأنَّ المِلكَ والدارَ لهم فيَتصرَّفونَ فيها كيف شَاؤوا، والثانِي: المَنعُ؛ لأنَّ البَلدَ تحتَ حُكمِ الإسلامِ، وعلى الأولِ لا يُمنَعونَ من إِظهارِ شِعارِهم كخَمرٍ وخِنزيرٍ، وأَعيادِهم كضَربِ ناقوسِهم، ويُمنَعونَ من

стр. 12555

إِيواءِ الجاسوسِ وتَبليغِ الأخبارِ وسائرِ ما نَتضرَّرُ به في ديارِهم (١). وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: ما فُتحَ صُلحًا، وهذا نَوعانِ: أحدُهما: أنْ يُصالِحَهم على أنَّ الأرضَ لهم وأن لنا الخَراجَ عليها، أو يُصالِحَهم على مالٍ يَبذُلونَه، وهي الهُدنةُ، فلا يُمنَعونَ من إحداثِ ما يَختارونَه فيها؛ لأنَّ الدارَ لهم، كما صالَحَ رَسولُ اللهِ ﷺ أهلَ نَجرانَ ولمْ يشتَرِطْ عليهم ألَّا يُحدِثوا كَنيسةً ولا دَيرًا (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: القِسمُ الثالِثُ: ما فُتحَ صُلحًا، وهو نَوعانِ: أحدُهما: أنْ يُصالِحَهم على أنَّ الأرضَ لهم وأنَّ لنا الخَراجُ عنها، فلهم إِحداثُ ما يَحتاجونَ إليه فيها؛ لأنَّ الدارَ لهم (٣). النَّوعُ الثالِثُ: أنْ يَقعَ الصُّلحُ مُطلَقًا، فقد اختَلفَ الفُقهاءُ في ذلك: فقالَ الحَنفيةُ: إنْ وقَعَ الصُّلحُ مُطلَقًا لا يَجوزُ الإحداثُ، ولا يُتعرَّضُ للقَديمةِ (٤). وقالَ المالِكيةُ: يَجوزُ له إحداثُ الكَنائسِ مُطلَقًا، شُرط ذلك أو لمْ يُشرَطْ. قالَ الخَرشيُّ ﵀: (ص) ولِلصُّلحيِّ الإحداثُ (ش) يَعني أنَّ الصُّلحيَّ يَجوزُ له أنْ يُحدِثَ كَنيسةً في غيرِ بَلدِ المُسلِمينَ، ويَجوزُ به أيضًا أنْ يَرُمَّ

стр. 12556

ما انهَدمَ من الكَنائسِ القَديمةِ، وسَواءٌ شُرطَ ذلك على المُسلِمينَ عندَ ضَربِ الجِزيةِ عليه أو لا، على المَذهبِ (١). وأمَّا الشافِعيةُ: فقالَ النَّوويُّ ﵀: وإنْ أطلَقوا لم تَبقَ الكَنائسُ على الأصَحِّ (٢). وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: (وإنْ) فُتح البَلدُ صُلحًا، بشَرطِ الأرضِ لنا (وأُطلِق) الصُّلحُ فلم يُذكَرَ فيه إبقاءُ الكَنائسِ ولا عَدمُه (فالأصَحُّ المَنعُ) من إِبقائِها، فيُهدَمُ ما فيها من الكَنائسِ؛ لأنَّ إِطلاقَ اللَّفظِ يَقتَضي ضَرورةَ جَميعِ البَلدِ لنا، والثانِي: لا، وهي مُستَثناةٌ بقَرينةِ الحالِ لحاجَتِهم إليها في عِبادَتِهم (٣). وأمَّا الحَنابِلةُ فقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ وقَعَ الصُّلحُ مُطلَقًا من غيرِ شَرطِ حَملِ ما وقَعَ عليه صُلحُ عُمرَ وأخَذوا بشُروطِه، فأمَّا الذين صالَحَهم عُمرُ وعقَدَ معهم الذِّمةَ على ما في كِتابِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ غُنمٍ، مَأخوذونَ بشُروطِه كلِّها، وما وُجدَ في بِلادِ المُسلِمينَ من الكَنائسِ والبِيَعِ فهي على ما كانَت عليه في زَمنِ فاتِحيها ومَن بعدَهم (٤).

стр. 12557

وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: فلو وقَعَ الصُّلحُ مُطلَقًا من غيرِ شَرطِ حَملٍ على ما وقَعَ عليه صُلحُ عُمرَ وأخَذوا بشُروطِه؛ لأنَّها صارَت كالشَّرعِ فيُحمَلُ مُطلَقُ صُلحِ الأئِمةِ بعدَه عليها (١). صُلحُ عُمرَ بنِ الخَطابِ ﵁ -: عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ غُنمٍ، قالَ: كَتبتُ لعُمرَ بنِ الخَطابِ ﵁ حينَ صالَحَ أهلَ الشامِ: «بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ، هذا كِتابٌ لعبدِ اللهِ عُمرَ أميرِ المُؤمنينَ من نَصارى مَدينةِ كذا وكذا، إنَّكُم لمَّا قَدِمتُم علينا سأَلناكم الأمانَ؛ لأنفُسِنا وذَراريِّنا وأموالِنا وأهلِ مِلَّتِنا، وشَرَطنا لكم على أنفُسِنا ألَّا نُحدِثَ في مَدينَتِنا وَلا فيما حَولَها دَيرًا ولا كَنيسةً ولا قَلَّايةً وَلا صَومَعةَ راهِبٍ، ولا نُجدِّدَ ما خرِبَ منها، ولا نُحييَ ما كانَ منها في خُططِ المُسلِمينَ، وألَّا نَمنَعَ كَنائسَنا أنْ يَنزِلَها أحَدٌ من المُسلِمينَ في ليلٍ ولا نَهارٍ، وأنْ نوَسِّعَ أبوابَها للمارةِ وابنِ السَّبيلِ، وأن نُنزِلَ مَنْ مَرَّ بنا من المُسلِمينَ ثَلاثَةَ أيَّامٍ ونُطعِمَهم، وألَّا نُؤمِّنَ في كَنائسِنا ولا مَنازِلِنا جاسوسًا، ولا نَكتُمَ غِشًّا للمُسلِمينَ، ولا نُعلِمَ أولادَنا القُرآنَ، ولا نُظهِرَ شِركًا ولا نَدعوَ إليه أحدًا، ولا نَمنَعَ أحَدًا من قَرابَتِنا الدُّخولَ في الإسلامِ إن أرادَه، وأنْ نوَقِّرَ المُسلِمينَ، وأن نَقومَ لهم من مَجالِسِنا إنْ أرادوا جُلوسًا، وَلا نَتشبَّهَ بهم في شَيءٍ من لباسِهِم من قَلَنسوةٍ ولا عِمامةٍ ولا نَعلَيْن ولا فَرقِ شَعَرٍ، ولا نَتكلَّمَ بكَلامِهم، ولا نَتكَنَّى بكُناهُم، ولا نَركَبَ السُّروجَ، ولا نَتقلَّدَ السُّيوفَ،

стр. 12558

ولا نَتَّخذَ شَيئًا من السِّلاحِ، ولا نَحمِلَهُ مَعَنا، ولا نَنقُشَ خَواتيمَنا بِالعَرَبيةِ، ولا نَبيعَ الخُمورَ، وأن نَجُزَّ مَقاديمَ رُؤوسِنا، وأن نَلزَمَ زِيَّنا حيثُما كُنا، وأن نَشُدَّ الزَّنانيرَ على أوساطِنا، وألَّا نُظهِرَ صُلُبَنا وكُتبَنا في شَيءٍ مِنْ طَريقِ المُسلِمينَ ولا أسواقِهِم، وألَّا نُظهِرَ الصَّليبَ على كَنائسِنا، وألَّا نَضرِبَ بِناقوسٍ في كَنائسِنا بَينَ حَضرةِ المُسلِمينَ، وَألَّا نُخرِجَ سَعانينًا وَلا باعونًا، ولا نَرفَعَ أصواتَنا مع أمواتِنا، وَلا نُظهِرَ النِّيرانَ معهم في شَيءٍ مِنْ طَريقِ المُسلِمينَ، ولا نُجاورَهم مَوتانا، ولا نَتَّخذَ من الرَّقيقِ ما جَرى عليه سِهامُ المُسلِمينَ، وأن نُرشِدَ المُسلِمينَ، ولا نَطَّلعَ عليهم في مَنازِلِهم. فلمَّا أتَيتُ عُمرَ ﵁ بِالكِتابِ زادَ فيه: وألَّا نَضرِبَ أحدًا من المُسلِمينَ، شَرَطنا لهم ذلك على أنفُسِنا وأهلِ مِلَّتِنا وقَبِلنا منهم الأمانَ؛ فإنْ نَحنُ خالَفنا شَيئًا ممَّا شَرَطناه لكم فضمِنَّاه على أنفُسِنا فلا ذِمةَ لنا، وقد حَلَّ لكم ما يَحِلُّ لكم من أهلِ المُعانَدةِ والشَّقاوةِ» (١).

стр. 12559

إعادةُ المُنهدِمِ: ذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه إذا انهَدَمت الكَنيسةُ التي أُقِرَّ أهلُها عليها؛ فإنَّ للذِّميِّينَ إعادَتُها (١). قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: لو انهدَمَت كَنيسةٌ فلهم أنْ يَبنوها كما كانَت؛ لأنَّ لهذا البِناءِ حُكمَ البَقاءِ، ولهم أنْ يَستَبقوها فلهم أنْ يَبنوها، وليسَ لهم أنْ يُحوِّلوها من مَوضعٍ إلى مَوضعٍ آخرَ؛ لأنَّ التَّحويلَ من مَوضعٍ إلى مَوضعٍ آخَر في حُكمِ إحداثِ كَنيسةٍ أُخرى (٢).

стр. 12560

وقالَ بَدرُ الدِّينِ العَينيُّ ﵀ في البِنايةِ: [إحداثُ البِيَعِ والكَنائسِ في أرضِ العَربِ]. م: (وإنِ انهَدَمت البِيَعُ والكَنائسُ القَديمةُ أَعادوها) ش: المُرادُ من القَديمةِ ما كانَت قبلَ فَتحِ الإمامِ بَلدَهم ومُصالَحتِهم على إقرارِهم على بَلدِهم وأَراضِيهم، ولا يُشترطُ أنْ يَكونَ في زَمنِ الصَّحابةِ والتابِعينَ لا مَحالةَ. م: (لأنَّ الأبنيةَ لا تَبقى دائِمةً، ولَما أَقرَّهم الإِمامُ فقد عهِدَ إليهم الإِعادةَ، إلا أنَّهم لا يُمكَّنونَ من نَقلِها؛ لأنَّه) ش: أي؛ لأنَّ النَّقلَ. م: (إحداثٌ في الحَقيقةِ) ش: وقالَ مُحمدٌ ﵀ في «نَوادرِ هِشامٍ»: إنِ انهدَمَت كَنيسةٌ من كَنائسِهم أو بِيعةٌ أو بَيتُ نارٍ، فلهم أنْ يَبنوها كما كانَت، وليسَ لهم أنْ يُحوِّلوها من مَوضعٍ إلى آخَرَ في المِصرِ، فقَولُه: أنْ يَبنوها كما كانَت، يُريدُ به قَدرَ بِناءِ الأولِ، أمَّا الزِّيادةُ على البِناءِ الأولِ فمَمنوعةٌ؛ لأنَّها إحداثُ بِيعةٍ في المِصرِ (١). وقالَ النَّوويُّ ﵀: وإذا انهدَمَت الكَنيسةُ المُبقاةُ، فلهم إعادتُها على الأصَحِّ، ومنَعها الإصطَخريُّ وابنُ أبي هُريرةَ؛ فإنْ جوَّزْنا، فليسَ لهم تَوسيعُ خُطَّتِها على الصَّحيحِ (٢). وقالَ الإمامُ الشِّيرازيُّ ﵀: وما جازَ تَركُه من ذلك في دارِ الإسلامِ إذا انهدَمَ فهل تَجوزُ إعادتُه؟ فيه وَجهانِ:

стр. 12561

أحدُهما -وهو قَولُ أبي سَعيدٍ الإصطَخريِّ وأبي عليِّ بنِ أبي هُريرةَ: أنَّه لا يَجوزُ؛ لما رَوى كَثيرُ بنُ مُرةَ قالَ: سَمِعتُ عُمرَ بنَ الخَطابِ ﵁ يَقولُ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «لا تُبنَى كَنيسةٌ في الإسلامِ ولا يُجدَّدُ ما خُرِّب منها» (١)، ورَوى عبدُ الرَّحمنِ بنُ غُنمٍ في كِتابِ عُمرَ بنِ الخَطابِ على نَصارى الشامِ (ولا يُجدَّدُ ما خُرِّبَ منها) (٢)، ولأنَّه بِناءُ كَنيسةٍ في دارِ الإسلامِ فمُنعَ منه، كما لو بَناها في مَوضعٍ آخَرَ. والثاني: أنَّه يَجوزُ؛ لأنَّه لمَّا جازَ تَشييدُ ما تَشعَّث منها جاز إعادةُ ما انهدَمَ، وإنْ عُقدَت الذِّمةُ في بَلدٍ لهم يَنفرِدونَ به لم يُمنَعوا من إحداثِ الكَنائسِ والبِيَعِ والصَّوامعِ ولا مِنْ إعادةِ ما خُرِّب منها (٣). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وكلُّ مَوضعٍ قُلنا فيه: يَجوزُ إقرارُها، لم يَجزْ هَدمُها، ولهم رَمُّ ما تَشعَّث منها وإِصلاحُها؛ لأنَّ المَنعَ من ذلك يُفضي إلى خَرابِها وذَهابِها فجَرى مَجرى هَدمِها، وإنْ وقَعَت كلُّها لم يَجزْ بِناؤُها، وهو قَولُ بعضِ أصحابِ الشافِعيِّ، وعن أحمدَ أنَّه يَجوزُ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ والشافِعيِّ؛ لأنَّه بِناءٌ لما استُهدِمَ فأشبَه بِناءَ بَعضِها إذا انهدَمَ ورُمَّ شَعثُها، ولأنَّ استَدامَتها جائِزةٌ وبِناءَها كاستِدامتِها، وحمَلَ الخَلَّالُ قَولَ أحمدَ لهم أنَ يَبنوا ما انهدَم منها، أي: إذا انهدَمَ بَعضُها ومنَعه من بِناءِ ما انهدَمَ على ما إذا ما انهدَمَت كلُّها فجمَع بينَ الرِّوايتَينِ.

стр. 12562

ولنا: في كِتابِ أهلِ الجَزيرةِ لعِياضِ بنِ غُنمٍ (ولا نُجدِّدَ ما خرِبَ من كَنائسِنا) (١) ورَوى كَثيرُ بنُ مُرةَ قالَ: سَمِعت عُمرَ بنَ الخَطابِ يَقولُ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «لا تُبنَى الكَنِيسةُ في الإسلامِ ولا يُجدَّدُ ما خرِبَ منها» (٢). ولأنَّ هذا بِناءُ كَنيسةٍ في دارِ الإسلامِ فلم يَجزْ، كما لو ابتُدِئ بِناؤُها وفارَقَ رَمَّ شَعثِها؛ فإنَّه إِبقاءٌ واستِدامةٌ، وهذا إِحداثٌ (٣). وذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في وَجهٍ وابنُ الماجِشونِ من المالِكيةِ إلى عَدمِ جَوازِ إعادةِ ما انهدَمَ منها (٤). قالَ ابنُ القَيمِ ﵀ بعدَما ذكَرَ الرِّوايتَينِ عن أحمدَ: ويَغلِبُ في ظَنِّي أنَّ ما ذكَرَه أبو بَكرٍ أضبَطُ -يَعني الخَلَّالَ-؛ فإنَّه قالَ: أخبَرني عبدُ اللهِ قالَ: قالَ أبي: وما انهدَمَ فليسَ لهم أنْ يَبنوه، ثم ذكَرَ النُّصوصَ التي ذكَرْناها في رِوايةِ حَنبَلٍ وابنِ مُشَيشٍ، واختارَ الخَلَّالُ مَنعَ البِناءِ وجَوازَ رَمِّ الشَّعثِ. واختَلفَ أصحابُ الشافِعيِّ في ذلك، فقالَ أبو سَعيدٍ الإصطَخريُّ: يَمنَعونَ من ذلك، قالَ: حتى إنِ انهدَمَ حائِطُ البِيعةِ مُنِعوا من إعادتِه ورَدِّه، وإنِ انثلَم مُنِعوا من سَدِّه، وإنْ أَرادوا أنْ يُطيِّنوا وَجهَ الحائِطِ الذي يَلينا مُنِعوا منه، وإنْ طيَّنوا الحائِطَ الذي يَلي البِيعةَ كانَ لهم ذلك، وكذلك إنْ بنَوْا دونَ

стр. 12563

هذا الحائِطِ الذي يَلي البِيعةَ حتى يُهدمَ ذلك لم يَجزْ؛ لأنَّهم يُمنَعونَ من الإحداثِ، وهذه الإعادةُ إحداثٌ. وأبى ذلك سائِرُ أصحابِ الشافِعيِّ وقالُوا: نحن قد أقرَرْناهم على البِيَعِ، فلو منَعناهم من رُقعِ ما استَرَمَّ منه ومن إعادةِ ما انهدَمَ كانَ بمَنزِلةِ القَلعِ والإزالةِ؛ إذ لا فَرقَ بينَ أنْ يُزيلَها وبينَ أنْ يُقرَّها عليهم ثم يَمنعَهم من عِمارتِها. واختَلفَت المالِكيةُ على قَولَينِ أيضًا: فقالَ ابنُ الماجِشونِ: يُمنَعونَ من رَمِّ كَنائسِهم القَديمةِ إذا رُثَّت إلا أنْ يَكون ذلك في شَرطِ عَقدِهم، ونقَلَ أبو عُمرَ أنَّهم لا يُمنَعونَ من إصلاحِ ما وَهَى منها. واحتَجَّ القاضي على المَنعِ بحَديثٍ رَواه عن الخَطيبِ عن ابنِ رزقوَيْهِ ثنا مُحمدُ بنُ عَمرٍو ثنا مُحمدُ بنُ غالِبِ بنِ حَربٍ ثنا بَكرُ بنُ مُحمدٍ القُرشيُّ ثنا سَعيدُ بنُ عبدِ الجَبَّارِ عن سَعيدِ بنِ سِنانٍ عن أبي الزاهِريةِ عن كَثيرِ بنِ مُرةَ قالَ: سَمِعت عُمرَ بنَ الخَطابِ ﵁ يَقولُ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «لا تُبنَى كَنِيسةٌ في الإسلامِ ولا يُجدَّدُ ما خرِبَ منها». وهذا لو صَحَّ لكانَ كالنَّصِّ في المَسألةِ، ولكنْ لا يَثبُتُ هذا الإسنادُ، ولكنْ في شُروطِ عُمرَ عليهم: «ولا يُجدَّدُ مَا خُرِّبَ من كَنائسِنا». قالُوا: ولأنَّ تَجديدَها بمَنزلةِ إِحداثِها وإِنشائِها فلا يُمكَّنونَ منه. قالُوا: ولأنَّه بِناءٌ لا يَملِكُ إحداثَه فلا يَملِكُ تَجديدَه كالبِناءِ في أرضِ الغيرِ بغيرِ إذنِه.

стр. 12564

فإنْ قيلَ: الباني في مِلكِ الغيرِ بغيرِ إذنِه لا يَملِكُ الاستِدامةَ فلا يَملِكُ التَّجديدَ، وهؤلاء يَملِكونَ الاستِدامةَ فملَكوا التَّجديدَ. قيلَ: لا يَلزمُ هذا؛ فإنَّه لو أعارَه حائِطًا لوَضْعِ خَشبةٍ عليه جاز له استِدامةُ ذلك، فلو انهدَمَ الحائِطُ فبَناه صاحِبُه لم يَملِكِ المُستعيرُ تَجديدَ المَنفعةِ. وكذلك لو ملَكَ الذِّميُّ دارًا عاليةَ البُنيانِ جاز له أنْ يَستديمَ ذلك، فلو انهدَمَت فأرادَ بِناءَها لم يَكنْ له أنْ يَبنيَها على ما كانَت عليه، بل يُساويَ بها بُنيانَ جِيرانِه من المُسلِمينَ أو يَحُطَّها عنه. وأيضًا: لو فتَحَ الإمامُ بَلدًا في بِيعةٍ خَرابٍ لم يَجزْ له بِناؤُها بعدَ الفَتحِ كذلك ههنا. وأيضًا: فإنَّه إذا انهدَمَ جَميعُها زال الاسمُ عنها؛ ولِهذا لو حلَفَ لا دَخلتُ دارًا، فانهدَمَت جَميعُها ودخَلَ بَراحَها لم يَحنَثْ لزَوالِ الاسمِ. فلو قُلنا: يَجوزُ بِناؤُها إذا انهدَمَت كانَ فيه إحداثُ بِيعةٍ في دارِ الإسلامِ، وهذا لا يَجوزُ كما لو لمْ يَكنْ هناك بِيعةٌ أَصلًا. قالَ المُجوِّزونَ -وهُم أصحابُ أبي حَنيفةَ والشافِعيِّ، وكَثيرٌ من أَصحابِ مالِكٍ وبَعضُ أصحابِ أحمدَ-: لمَّا أقرَرْناهم عليها تَضمَّنَ إِقرارُنا لهم جَوازَ رَمِّها وإِصلاحِها وتَجديدِ ما خرِبَ منها، وإلا بطَلَت رَأسًا؛ لأنَّ البِناءَ لا يَبقى أبدًا، فلو لمْ يَجزْ تَمكينُهم من ذلك لم يَجزْ إقرارُها.

стр. 12565

قالَ المانِعونَ: نحن نُقِرُّهم فيها مُدةَ بَقائِها كما نُقِرُّ المُستأمَنَ مُدةَ أمانِه، وسِرُّ المَسألةِ أنَّا أقرَرْناهم اتِّباعًا لا تَمليكًا؛ فإنَّا ملَكْنا رَقبتَها بالفَتحِ وليسَت مِلكًا لهم. واختارَ صاحِبُ «المُغني» جَوازَ رَمِّ الشَّعثِ وإنَّما مُنعَ بِناؤُها إذا تهدَّمَت، قالَ: لأنَّ في كِتابِ أهلِ الجَزيرةِ لعِياضِ بنِ غُنمٍ: «ولا نُجدِّدَ ما خرِبَ من كَنائسِنا»، ورَوى كَثيرٌ بنُ مُرةَ قالَ: سَمِعت عُمرَ بنَ الخَطابِ يَقولُ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «لا تُبنَى كَنيسةٌ في الإسلامِ ولا يُجدَّدُ مَا خرِبَ منها». قالَ: ولأنَّ هذا بِناءُ كَنيسةٍ في الإسلامِ فلم يَجزْ، كما لو ابتُدئ بِناؤُها وفارَقَ رَمَّ ما شعِثَ منها؛ فإنَّه إبقاءٌ واستِدامةٌ، وهذا إحداثٌ. قالَ: وقد حمَلَ الخَلَّالُ قَولَ أحمدَ: لهم أنْ يَبنوا ما انهدَمَ منها، أي: إذا انهدَمَ بَعضُها، ومَنْعَه من بِناءِ ما انهدَمَ على ما إذا انهدَمَت كلُّها، فجمَع بينَ الرِّوايتَينِ (١). فائِدةٌ: قالَ الإمامُ ابنُ عابدِين ﵀: مَطلَبٌ ليسَ المُرادُ من إعادةِ المُنهدِمِ أنَّه جائِزٌ نَأمرُهم به، بل المُرادُ: نَتركُهم وما يَدينونَ. تَنبيهٌ: ذكَرَ الشُّرنبُلاليُّ في رِسالةٍ في أحكامِ الكَنائسِ عن الإمامِ السُّبكيِّ مَعنى قَولِهم: لا نَمنعُهم من التَّرميمِ: ليسَ المُرادُ أنَّه جائِزٌ نَأمرُهم به، بل بمَعنى: نَتركُهم وما يَدينونَ، فهو من جُملةِ المَعاصي التي يُقَرُّونَ عليها

стр. 12566

كشُربِ الخَمرِ ونَحوِه، ولا نَقولُ إنَّ ذلك جائِزٌ لهم، فلا يَحِلُّ للسُّلطانِ ولا للقاضِي أنْ يَقولَ لهم: افعَلوا ذلك، ولا أنْ يُعينَهم عليه، ولا يَحِلُّ لأحدٍ من المُسلِمينَ أنْ يَعملَ لهم فيه، ولا يَخفى ظُهورُه ومُوافَقتُه لقَواعِدنا (١). لو اختَلفْنا معهم في أنَّها صُلحيَّةٌ أو عَنويَّةٌ: قالَ الإمامُ ابنُ عابدِين: مَطلَبٌ لو اختَلفْنا معهم في أنَّها صُلحيَّةٌ أو عَنويَّةٌ؛ فإنْ وُجدَ أثَرٌ وإلا تُرِكتَ بأيدِيهم. تَتِمةٌ: لو كانَت لهم كَنيسةٌ في مِصرَ فادَّعوْا أنَّا صالَحناهم على أَرضِهم، وقالَ المُسلِمونَ: بل فُتِحت عَنوةً وأراد مَنعَهم من الصَّلاةِ فيها وجهِلَ الحالَ لطولِ العَهدِ سألَ الإمامُ الفُقهاءَ وأَصحابَ الأَخبارِ؛ فإنْ وجَدَ أثرًا عمِل به؛ فإنْ لم يَجِدْ أو اختَلفَت الآثارُ جعَلَها أَرضَ صُلحٍ وجعَلَ القَولَ فيها لأهلِها؛ لأنَّها في أيدِيهم وهُم مُتمسِّكونَ بالأصلِ وتَمامُه في شَرحِ السِّيَرِ (٢). إذا هُدمَت الكَنيسةُ ولو بغيرِ وَجهِ حقٍّ لا يَجوزُ إعادَتُها: هناك فَرقٌ بينَ الهَدمِ والانهِدامَ فيُعادُ المُنهدِمِ على الخِلافِ السابِقِ في المَسألةِ، ولا يُعادُ المَهدومُ الذي هدَمه الإمامُ أو غيرُه ولو بغيرِ وَجهِ حقٍّ كما نقَلَ الإجماعَ على ذلك الإمامُ السُّبكيُّ. قالَ الإمامُ السُّيوطيُّ ﵀: قد نقَلَ السُّبكيُّ الإجماعَ على أنَّ الكَنيسةَ إذا هُدِمت ولو بغيرِ وَجهٍ لا تَجوزُ إعادتُها (٣).

стр. 12567

قالَ ابنُ نَجيمٍ الحَنفيُّ ﵀: نقَلَ الإمامُ السُّبكيُّ ﵀ الإجماعَ على أنَّ الكَنيسةَ إذا هُدمَت ولو بغيرِ وَجهٍ لا تَجوزُ إعادتُها، كما ذكَرَه السُّيوطيُّ في حُسنِ المُحاضرةِ في أَخبارِ مِصرَ والقاهِرةِ، عندَ ذِكرِ الأُمراءِ. قُلتُ: يُستنبَطُ من ذلك أنَّها إذا أُقفلَت ولو بغيرِ وَجهٍ لا تُفتَحُ، كما وقَعَ ذلك في عَصرِنا بالقاهِرةِ في كَنيسةٍ بحارةِ زِويلةَ أقفَلها الشَّيخُ مُحمدُ بنُ إلياسَ قاضي القُضاةِ ﵀ فلم تُفتَحَ إلى الآنَ، حتى ورَدَ عليها الأمرُ السُّلطانِيُّ بفتحِها فلمْ يَتجاسَرْ حاكِمٌ على فَتحِها. ولا يُنافي ما نقَلَه السُّبكيُّ من الإجماعِ قَولَ أصحابِنا ﵏: ويُعادُ المُنهدِمُ؛ لأنَّ الكَلامَ فيما هدَمَه الإمامُ لا فيما انهدَمَ، فليُتأمَّلْ (١). قالَ ابنُ عابدِين بعدَما ذكَرَ كَلامَ ابنِ نَجيمٍ: قالَ الخَيرُ الرَّمليُّ في حَواشي البَحرِ: أقوالُ كَلامِ السُّبكيِّ عامةٌ فيما هدَمَه الإمامُ وغيرُه، في كَلامِ الأشباهِ يَخُصُّ الأولَ. والذي يَظهرُ تَرجيحُه العُمومُ؛ لأنَّ العِلةَ فيما يَظهرُ أنَّ في إِعادَتِها بعدَ هَدمِ المُسلِمينَ استِخفافًا بهم وبالإِسلامِ، وأَخمادًا لهم وكَسرًا لشَوكتِهم ونَصرًا للكُفرِ وأهلِه، غايةُ الأمرِ أنَّ فيه افتِياتًا على الإمامِ فيَلزمُ فاعِلَه التَّعزيرُ كما إذا أُدخِلَ الحَربيُّ بغيرِ إذنٍ يَصحُّ أمانُه ويُعزَّرُ لافتياتِه بخِلافِ ما إذا هدَموها بأنفُسِهم؛ فإنَّها تُعادُ كما صرَّحَ به عُلماءُ الشافِعيةِ وقَواعدُنا لا تَأباهُ لعَدمِ العِلةِ التي ذكَرْناها فيُستَثنى من عُمومِ كَلامِ السُّبكيِّ. اه (٢).

стр. 12568

اعتِقادُ الكَنيسةِ بَيتَ اللهِ واعتِقادُ زيارَتِها قُربةً وطاعةً للهِ: قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: مَنْ اعتقَدَ أنَّ الكَنائسَ بُيوتُ اللهِ أو أنَّه يُعبدُ فيها أو أنَّ ما يَفعلُ اليَهودُ والنَّصارى عِبادةٌ للهِ وطاعةٌ له ولرَسولِه أو أنَّه يُحِبُّ ذلك أو يَرضاهُ فهو كافِرٌ؛ لأنَّ اعتِقادَه يَتضمَّنُ صِحةَ دِينِهم وذلك كُفرٌ. وكذلك لو أعانَهم على فَتحِها -أي: الكَنائسِ- وإقامةِ دِينِهم؛ واعتقَد أنَّ ذلك قُربةٌ أو طاعةٌ فهو كافِرٌ لتَضمُّنِه اعتقادَ صِحةِ دينِهم. وقالَ الشَّيخُ في مَوضعٍ آخَر: مَنْ اعتقَدَ أنَّ زِيارةَ أهلِ الذِّمةِ كَنائسَهم قُربةٌ إلى اللهِ؛ فهو مُرتدٌّ، وإنْ جهِلَ أنَّ ذلك مُحرَّمٌ عُرِّف ذلك؛ فإنْ أَصرَّ صارَ مُرتدًّا لتَضمُّنِه تَكذيبَ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] (١). بَيعُ أرضٍ أو دارٍ لتُتَّخذَ كَنيسةً: قالَ جُمهورُ الفُقهاءِ: يُمنعُ المُسلِمُ من بَيعِ أرضٍ أو دارٍ لتُتَّخذَ كَنيسةً. قالَ الحَنفيةُ: فإنِ اشترَوْا دُورًا للسُّكنى فأَرادوا أنْ يَتَّخذوا دارًا منها كَنيسةً أو بَيعةً أو بَيتَ نارٍ يَجتمِعونَ فيها لصَلاتِهم مُنِعوا من ذلك؛ لما في إِحداثِ ذلك من صُورةِ المُعارضةِ للمُسلِمينَ في بِناءِ المَساجدِ للجَماعاتِ، وفيه ازدِراءٌ بالدِّينِ واستِخفافٌ بالمُسلِمينَ.

стр. 12569

ولا يَنبَغي لأحدٍ من المُسلِمينَ أنْ يُؤاجِرَهم بَيتًا لشَيءٍ من ذلك، لما فيه من صُورةِ الإعانةِ إلى ما يَرجعُ إلى الاستِخفافِ بالمُسلِمينَ (١). وقالَ المالِكيةُ: لا يَجوزُ للمُسلِمِ أنْ يَكريَ دارَه مَثلًا لمَن يَتَّخذُها كَنيسةً أو خَمَّارةً، وكذلك بَيعُها لذلك، ويُردُّ العَقدُ إنْ وقَع؛ فإنْ فاتَ باستيفاءِ المَنفعةِ أو بَعضِها فالمَشهورُ أنَّه يَتصدَّقَ بجَميعِ الكِراءِ للفُقراءِ وُجوبًا في الإجارةِ، وبفاضِلِ الثَّمنِ عن ثَمنِ المِثلِ في البَيعِ؛ بأنْ يُقالَ ما يُساوي ثَمنَ هذه الدارِ أو هذه الأرضِ لمَن يَتَّخذُها كَنيسةً أو خَمَّارةً مَثلًا، فيُقالُ: خَمسةَ عَشرَ، ثم يُقالُ: وما تُساوي لو بِيعت لمَن لا يَتَّخذُها كَنيسةً ولا خَمَّارةً، فيُقالُ: عَشرةٌ؛ فيُتصدَّقَ بالخَمسةِ الزائِدةِ على ما رجَّحَه ابنُ يُونُسَ (٢). وقالَ الخَلَّالُ: بابُ الرَّجلِ يُؤاجِرُ دارَه للذِّميِّ أو يَبيعُها منه، ثم ذكَرَ عن المَرُّوذيِّ أنَّ أبا عبدِ اللهِ سُئلَ عن رَجلٍ باعَ دارَه من ذِميٍّ وفيها مَحاريبُ، فاستَعظَمَ ذلك، وقالَ: نَصرانِيٌّ، لا تُباعُ؛ يُضرَبُ فيها الناقوسُ ويُنصَبُ فيها الصُّلبانُ. وقالَ: لا تُباعُ من الكافرِ، وشدَّدَ في ذلك. وعن أبي الحارِث أنَّ أبا عبدِ اللهِ سُئلَ عن الرَّجلِ يَبيعُ دارَه وقد

стр. 12570

جاءه نَصرانِيٌّ فأرغَبَه وزادَه في ثَمنِ الدارِ، أترى أنْ يَبيعَ منه وهو نَصرانِيٌّ أو يَهوديٌّ أو مَجوسيٌّ؟ قالَ: لا أَرى له ذلك، يَبيعُ دارَه مِنْ كافرٍ يَكفُرُ فيها، يَبيعُها من مُسلمٍ أحَبُّ إلَيَّ؛ فهذا نَصٌّ على المَنعِ (١). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: فأمَّا إنْ آجَره إياها (أو باعها) لأجلِ بَيعِ الخَمرِ واتِّخاذِها كَنيسةً أو بَيعةً لم يَجزْ قَولًا واحِدًا، وبه قالَ الشافِعيُّ وغيرُه، كما لا يَجوزُ أنْ يَكريَ أمَتَه أو عبدَه للفُجورِ (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا يَجوزُ للرَّجلِ إجارةُ دارِه لمَن يَتخِذُها كَنيسةً أو بِيعةً أو يَتخذَها لبَيعِ الخَمرِ أو القِمارِ، وبه قالَ الجَماعةُ، وقالَ أبو حَنيفةَ: إنْ كانَ بَيتُك في السَّوادِ فلا بأسَ أنْ تُؤجِّره لذلك، وخالَفَه صاحِباه، واختَلفَ أَصحابُه في تأويلِ قَولِه. ولنا: أنَّه فِعلٌ مُحرَّمٌ فلم تَجُزِ الإجارةُ عليه كإجارةِ عبدِه للفُجورِ، ولو اكتَرَى ذِميٌّ من مُسلمٍ دارَه فأرادَ بَيعَ الخَمرِ فيها فلصاحِبِ الدارِ مَنعُه، وبذلك قالَ الثَّوريُّ، وقالَ أَصحابُ الرأيِ: إنْ كانَ بَيتُه في السَّوادِ والجَبلِ فله أنْ يَفعلَ ما شاءَ.
следующие страницы →