كشُربِ الخَمرِ ونَحوِه، ولا نَقولُ إنَّ ذلك جائِزٌ لهم، فلا يَحِلُّ للسُّلطانِ ولا للقاضِي أنْ يَقولَ لهم: افعَلوا ذلك، ولا أنْ يُعينَهم عليه، ولا يَحِلُّ لأحدٍ من المُسلِمينَ أنْ يَعملَ لهم فيه، ولا يَخفى ظُهورُه ومُوافَقتُه لقَواعِدنا (١).
لو اختَلفْنا معهم في أنَّها صُلحيَّةٌ أو عَنويَّةٌ:
قالَ الإمامُ ابنُ عابدِين: مَطلَبٌ لو اختَلفْنا معهم في أنَّها صُلحيَّةٌ أو عَنويَّةٌ؛ فإنْ وُجدَ أثَرٌ وإلا تُرِكتَ بأيدِيهم.
تَتِمةٌ: لو كانَت لهم كَنيسةٌ في مِصرَ فادَّعوْا أنَّا صالَحناهم على أَرضِهم، وقالَ المُسلِمونَ: بل فُتِحت عَنوةً وأراد مَنعَهم من الصَّلاةِ فيها وجهِلَ الحالَ لطولِ العَهدِ سألَ الإمامُ الفُقهاءَ وأَصحابَ الأَخبارِ؛ فإنْ وجَدَ أثرًا عمِل به؛ فإنْ لم يَجِدْ أو اختَلفَت الآثارُ جعَلَها أَرضَ صُلحٍ وجعَلَ القَولَ فيها لأهلِها؛ لأنَّها في أيدِيهم وهُم مُتمسِّكونَ بالأصلِ وتَمامُه في شَرحِ السِّيَرِ (٢).
إذا هُدمَت الكَنيسةُ ولو بغيرِ وَجهِ حقٍّ لا يَجوزُ إعادَتُها:
هناك فَرقٌ بينَ الهَدمِ والانهِدامَ فيُعادُ المُنهدِمِ على الخِلافِ السابِقِ في المَسألةِ، ولا يُعادُ المَهدومُ الذي هدَمه الإمامُ أو غيرُه ولو بغيرِ وَجهِ حقٍّ كما نقَلَ الإجماعَ على ذلك الإمامُ السُّبكيُّ.
قالَ الإمامُ السُّيوطيُّ ﵀: قد نقَلَ السُّبكيُّ الإجماعَ على أنَّ الكَنيسةَ إذا هُدِمت ولو بغيرِ وَجهٍ لا تَجوزُ إعادتُها (٣).
стр. 12567
قالَ ابنُ نَجيمٍ الحَنفيُّ ﵀: نقَلَ الإمامُ السُّبكيُّ ﵀ الإجماعَ على أنَّ الكَنيسةَ إذا هُدمَت ولو بغيرِ وَجهٍ لا تَجوزُ إعادتُها، كما ذكَرَه السُّيوطيُّ في حُسنِ المُحاضرةِ في أَخبارِ مِصرَ والقاهِرةِ، عندَ ذِكرِ الأُمراءِ.
قُلتُ: يُستنبَطُ من ذلك أنَّها إذا أُقفلَت ولو بغيرِ وَجهٍ لا تُفتَحُ، كما وقَعَ ذلك في عَصرِنا بالقاهِرةِ في كَنيسةٍ بحارةِ زِويلةَ أقفَلها الشَّيخُ مُحمدُ بنُ إلياسَ قاضي القُضاةِ ﵀ فلم تُفتَحَ إلى الآنَ، حتى ورَدَ عليها الأمرُ السُّلطانِيُّ بفتحِها فلمْ يَتجاسَرْ حاكِمٌ على فَتحِها.
ولا يُنافي ما نقَلَه السُّبكيُّ من الإجماعِ قَولَ أصحابِنا ﵏: ويُعادُ المُنهدِمُ؛ لأنَّ الكَلامَ فيما هدَمَه الإمامُ لا فيما انهدَمَ، فليُتأمَّلْ (١).
قالَ ابنُ عابدِين بعدَما ذكَرَ كَلامَ ابنِ نَجيمٍ: قالَ الخَيرُ الرَّمليُّ في حَواشي البَحرِ: أقوالُ كَلامِ السُّبكيِّ عامةٌ فيما هدَمَه الإمامُ وغيرُه، في كَلامِ الأشباهِ يَخُصُّ الأولَ.
والذي يَظهرُ تَرجيحُه العُمومُ؛ لأنَّ العِلةَ فيما يَظهرُ أنَّ في إِعادَتِها بعدَ هَدمِ المُسلِمينَ استِخفافًا بهم وبالإِسلامِ، وأَخمادًا لهم وكَسرًا لشَوكتِهم ونَصرًا للكُفرِ وأهلِه، غايةُ الأمرِ أنَّ فيه افتِياتًا على الإمامِ فيَلزمُ فاعِلَه التَّعزيرُ كما إذا أُدخِلَ الحَربيُّ بغيرِ إذنٍ يَصحُّ أمانُه ويُعزَّرُ لافتياتِه بخِلافِ ما إذا هدَموها بأنفُسِهم؛ فإنَّها تُعادُ كما صرَّحَ به عُلماءُ الشافِعيةِ وقَواعدُنا لا تَأباهُ لعَدمِ العِلةِ التي ذكَرْناها فيُستَثنى من عُمومِ كَلامِ السُّبكيِّ. اه (٢).
стр. 12568
اعتِقادُ الكَنيسةِ بَيتَ اللهِ واعتِقادُ زيارَتِها قُربةً وطاعةً للهِ:
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: مَنْ اعتقَدَ أنَّ الكَنائسَ بُيوتُ اللهِ أو أنَّه يُعبدُ فيها أو أنَّ ما يَفعلُ اليَهودُ والنَّصارى عِبادةٌ للهِ وطاعةٌ له ولرَسولِه أو أنَّه يُحِبُّ ذلك أو يَرضاهُ فهو كافِرٌ؛ لأنَّ اعتِقادَه يَتضمَّنُ صِحةَ دِينِهم وذلك كُفرٌ.
وكذلك لو أعانَهم على فَتحِها -أي: الكَنائسِ- وإقامةِ دِينِهم؛ واعتقَد أنَّ ذلك قُربةٌ أو طاعةٌ فهو كافِرٌ لتَضمُّنِه اعتقادَ صِحةِ دينِهم.
وقالَ الشَّيخُ في مَوضعٍ آخَر: مَنْ اعتقَدَ أنَّ زِيارةَ أهلِ الذِّمةِ كَنائسَهم قُربةٌ إلى اللهِ؛ فهو مُرتدٌّ، وإنْ جهِلَ أنَّ ذلك مُحرَّمٌ عُرِّف ذلك؛ فإنْ أَصرَّ صارَ مُرتدًّا لتَضمُّنِه تَكذيبَ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] (١).
بَيعُ أرضٍ أو دارٍ لتُتَّخذَ كَنيسةً:
قالَ جُمهورُ الفُقهاءِ: يُمنعُ المُسلِمُ من بَيعِ أرضٍ أو دارٍ لتُتَّخذَ كَنيسةً.
قالَ الحَنفيةُ: فإنِ اشترَوْا دُورًا للسُّكنى فأَرادوا أنْ يَتَّخذوا دارًا منها كَنيسةً أو بَيعةً أو بَيتَ نارٍ يَجتمِعونَ فيها لصَلاتِهم مُنِعوا من ذلك؛ لما في إِحداثِ ذلك من صُورةِ المُعارضةِ للمُسلِمينَ في بِناءِ المَساجدِ للجَماعاتِ، وفيه ازدِراءٌ بالدِّينِ واستِخفافٌ بالمُسلِمينَ.
стр. 12569
ولا يَنبَغي لأحدٍ من المُسلِمينَ أنْ يُؤاجِرَهم بَيتًا لشَيءٍ من ذلك، لما فيه من صُورةِ الإعانةِ إلى ما يَرجعُ إلى الاستِخفافِ بالمُسلِمينَ (١).
وقالَ المالِكيةُ: لا يَجوزُ للمُسلِمِ أنْ يَكريَ دارَه مَثلًا لمَن يَتَّخذُها كَنيسةً أو خَمَّارةً، وكذلك بَيعُها لذلك، ويُردُّ العَقدُ إنْ وقَع؛ فإنْ فاتَ باستيفاءِ المَنفعةِ أو بَعضِها فالمَشهورُ أنَّه يَتصدَّقَ بجَميعِ الكِراءِ للفُقراءِ وُجوبًا في الإجارةِ، وبفاضِلِ الثَّمنِ عن ثَمنِ المِثلِ في البَيعِ؛ بأنْ يُقالَ ما يُساوي ثَمنَ هذه الدارِ أو هذه الأرضِ لمَن يَتَّخذُها كَنيسةً أو خَمَّارةً مَثلًا، فيُقالُ: خَمسةَ عَشرَ، ثم يُقالُ: وما تُساوي لو بِيعت لمَن لا يَتَّخذُها كَنيسةً ولا خَمَّارةً، فيُقالُ: عَشرةٌ؛ فيُتصدَّقَ بالخَمسةِ الزائِدةِ على ما رجَّحَه ابنُ يُونُسَ (٢).
وقالَ الخَلَّالُ: بابُ الرَّجلِ يُؤاجِرُ دارَه للذِّميِّ أو يَبيعُها منه، ثم ذكَرَ عن المَرُّوذيِّ أنَّ أبا عبدِ اللهِ سُئلَ عن رَجلٍ باعَ دارَه من ذِميٍّ وفيها مَحاريبُ، فاستَعظَمَ ذلك، وقالَ: نَصرانِيٌّ، لا تُباعُ؛ يُضرَبُ فيها الناقوسُ ويُنصَبُ فيها الصُّلبانُ.
وقالَ: لا تُباعُ من الكافرِ، وشدَّدَ في ذلك.
وعن أبي الحارِث أنَّ أبا عبدِ اللهِ سُئلَ عن الرَّجلِ يَبيعُ دارَه وقد
стр. 12570
جاءه نَصرانِيٌّ فأرغَبَه وزادَه في ثَمنِ الدارِ، أترى أنْ يَبيعَ منه وهو نَصرانِيٌّ أو يَهوديٌّ أو مَجوسيٌّ؟
قالَ: لا أَرى له ذلك، يَبيعُ دارَه مِنْ كافرٍ يَكفُرُ فيها، يَبيعُها من مُسلمٍ أحَبُّ إلَيَّ؛ فهذا نَصٌّ على المَنعِ (١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: فأمَّا إنْ آجَره إياها (أو باعها) لأجلِ بَيعِ الخَمرِ واتِّخاذِها كَنيسةً أو بَيعةً لم يَجزْ قَولًا واحِدًا، وبه قالَ الشافِعيُّ وغيرُه، كما لا يَجوزُ أنْ يَكريَ أمَتَه أو عبدَه للفُجورِ (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا يَجوزُ للرَّجلِ إجارةُ دارِه لمَن يَتخِذُها كَنيسةً أو بِيعةً أو يَتخذَها لبَيعِ الخَمرِ أو القِمارِ، وبه قالَ الجَماعةُ، وقالَ أبو حَنيفةَ: إنْ كانَ بَيتُك في السَّوادِ فلا بأسَ أنْ تُؤجِّره لذلك، وخالَفَه صاحِباه، واختَلفَ أَصحابُه في تأويلِ قَولِه.
ولنا: أنَّه فِعلٌ مُحرَّمٌ فلم تَجُزِ الإجارةُ عليه كإجارةِ عبدِه للفُجورِ، ولو اكتَرَى ذِميٌّ من مُسلمٍ دارَه فأرادَ بَيعَ الخَمرِ فيها فلصاحِبِ الدارِ مَنعُه، وبذلك قالَ الثَّوريُّ، وقالَ أَصحابُ الرأيِ: إنْ كانَ بَيتُه في السَّوادِ والجَبلِ فله أنْ يَفعلَ ما شاءَ.
стр. 12571
ولنا: أنَّه فِعلٌ مُحرَّمٌ جازَ المَنعُ منه في المِصرِ؛ فجازَ في السَّوادِ كقَتلِ النَّفسِ المُحرَّمةِ (١).
عمَلُ المُسلِمِ في الكَنيسةِ:
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ على أنَّه لا يَجوزُ للمُسلِمِ أنْ يَعملَ لأهلِ الذِّمةِ في الكَنيسةِ نَجارًا أو بَنَّاءً أو غيرَ ذلك؛ لأنَّ في هذا إعانةً على المَعصيةِ، ومن خَصائصِ دِينِهم الباطلِ، ولأنَّه إجارةٌ تتضَمَّنُ تَعظيمَ دِينِهم وشَعائِرهم.
قالَ الحَطَّابُ المالِكيُّ ﵀: وعَكسُ هذه المَسألةِ أنْ يُؤاجِرَ المُسلِمُ نَفسَه لكَنسِ كَنيسةٍ أو نَحوِ ذلك، أو ليَرعى الخَنازيرَ أو ليَعصِرَ لهم خَمرًا؛ فإنَّه لا يَجوزُ، ويُؤدَّبُ المُسلِمُ إلا أنْ يُعذَرَ بجَهلٍ.
واختُلفَ هل الأُجرةُ مِنْ الكافرِ يُتصدَّقَ بها أو لا؟
قالَ ابنُ القاسِمِ: التَّصدُّقُ بها أحَبُّ إلينا، قالَه في التَّوضيحِ (٢).
وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: وتَلخيصُ مَذهبِه (أي: الإمامِ أحمدَ): أنَّ إجارةَ المُسلِمِ نَفسَه للذِّميِّ ثَلاثةُ أنواعٍ:
أحَدُها: إجارةٌ على عَملٍ في الذِّمةِ فهذه جائِزةٌ.
الثانِية: إِجارةٌ للخِدمةِ، فهذه فيها رِوايتانِ مَنصوصَتانِ أَصحُّهما المَنعُ منها.
الثالِثةُ: إِجارةُ عَينِه منه لغيرِ الخِدمةِ، فهذه جائِزةٌ، وقد آجَرَ علِيٌّ
стр. 12572
﵁ نَفسَه من يَهوديٍّ يَستَقي له، وكلُّ دَلوٍ بتَمرةٍ، وأكَلَ النَّبيُّ ﷺ من ذلك التَّمرِ.
هذا كلُّه إذا كانَ الإيجارُ لعَملٍ لا يَتضمَّنُ تَعظيمَ دِينِهم وشَعائرِه؛ فإنْ كانَت الإجارةُ على عَملٍ يَتضمَّنُ ذلك لم يَجزْ كما نصَّ عليه أَحمدُ في رِوايةِ إِسحاقَ بنِ إِبراهيمَ، وقد سألَه رَجلٌ بَنَّاءٌ: أَبْني ناووسًا للمَجوسِ؟ فقالَ: لا تَبنِ لهم.
وقالَ الشافِعيُّ في كِتابِ الجِزيةِ من «الأُمِّ» (١): وأكرَهُ للمُسلِمِ أنْ يَعملَ بَنَّاءً أو نَجارًا أو غيرَ ذلك في كَنائسِهم التي لصَلاتِهم.
وقالَ أبو الحَسنِ الآمِديُّ ﵀: لا يَجوزُ أنْ يُؤجِّرَ نفسَه لعَملِ ناووسٍ ونَحوِه، رِوايةً واحِدةً (٢).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: وأمَّا مَذهبُ أحمدَ في الإجارةِ لعَملِ ناووسٍ ونَحوِه؟ فقالَ الآمِديُّ: لا يَجوزُ رِوايةً واحِدةً؛ لأنَّ المَنفعةَ المَعقودَ عليها مُحرَّمةٌ، وكذلك الإجارةُ لبناءِ كَنيسةٍ أو بِيعةٍ أو صَومعةٍ كالإجارةِ لكَتبِ كُتُبِهم المُحرَّفةِ (٣).
وقالَ الحَنفيةُ: ولو آجَر نَفسَه ليَعملَ في الكَنيسةِ ويَعمُرَها لا بأسَ به؛ لأنَّه لا مَعصيةَ في عَينِ العَملِ (٤).
стр. 12573
حُكمُ المعابِدِ بعدَ انتِقاضِ العَهدِ:
إذا انتَقضَ عَهدُ أهلِ الذِّمةِ جازَ أَخذُ كَنائسِهم ومَعابدِهم منهم، الصُّلحيَّةِ والعَنويَّةِ، وهذا مما لا خِلافَ فيه بينَ المَذاهبِ الأربَعةِ.
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: ومتى انتَقضَ عَهدُهم جازَ أَخذُ كَنائسِ الصُّلحِ منهم، فَضلًا على كَنائسِ العَنوةِ، كما أخَذَ النَّبيُّ ﷺ ما كانَ لقُريظةَ والنَّضيرِ لمَّا نقَضُوا العَهدَ؛ فإنَّ ناقِضَ العَهدِ أَسوأُ حالًا من المُحاربِ الأَصليِّ، كما أنَّ ناقِضَ الإيمانِ بالرِّدةِ أَسوأُ حالًا من الكافِرِ الأَصليِّ.
ولذلك لو انقرَضَ أهلُ مِصرٍ من الأَمصارِ ولم يَبقَ من دخَلَ في عَهدِهم؛ فإنَّه يَصيرُ للمُسلِمينَ جَميعُ عَقارِهم ومَنقولِهم من المَعابدِ وغيرِها فَيئًا، فإذا عُقدَت الذِّمةُ لغيرِهم كانَ كالعَهدِ المُبتدأِ، وكانَ لمَن يَعقِدُ لهم الذِّمةَ أنْ يُقرَّهم في المَعابدِ وله ألَّا يُقرَّهم، بمَنزلةِ ما فُتحَ ابتِداءً؛ فإنَّه لو أرادَ الإمامُ عندَ فَتحِه هدْمَ ذلك جاز بإجماعِ المُسلِمينَ ولمْ يَختلِفوا في جَوازِ هَدمِه، وإنَّما اختلَفوا في جَوازِ بَقائِه، وإذا لمْ تَدخلْ في العَهدِ كانَت فَيئًا للمُسلِمينَ.
ثم قالَ ﵀: وهذا مَذهبُ الأئِمةِ الأربَعةِ في الأمصارِ ومَذهبُ جُمهورِهم في القُرى، وما زالَ مَنْ يُوفِّقُه اللهُ من وُلاةِ أُمورِ المُسلِمينَ يُنفِذُ ذلك ويَعملُ به، مِثلَ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ الذي اتَّفقَ المُسلِمونَ على أنَّه إِمامُ هُدًى، فرَوى الإمامُ أحمدُ عنه أنَّه كتَبَ إلى نائِبه على اليَمنِ أنْ يَهدمَ الكَنائسَ التي في أَمصارِ المُسلِمينَ فهدَمَها بصَنعاءَ وغيرِها.
стр. 12574
ورَوى الإمامُ أحمدُ عن الحَسنِ البَصريِّ أنَّه قالَ: مِنْ السُّنةِ أنْ تُهدَمَ الكَنائسُ التي في الأَمصارِ القَديمةِ والحَديثةِ.
وكذلك هارونُ الرَّشيدُ في خِلافتِه أمَرَ بهَدمِ ما كانَ في سَوادِ بَغدادَ. وكذلك المُتوكِّلُ لمَّا ألزَمَ أهلَ الكِتابِ بشُروطِ عُمرَ استَفتى عُلماءَ وَقتِه في هَدمِ الكَنائسِ والبِيَعِ فأَجابوه، فبعَثَ بأَجوِبتِهم إلى الإمامِ أحمدَ فأَجابَه بهَدمِ كَنائسِ سَوادِ العِراقِ، وذكَرَ الآثارَ عن الصَّحابةِ والتابِعينَ، فممَّا ذكَرَه ما رُوي عن ابنِ عَباسٍ ﵄ أنَّه قالَ: أيُّما مِصرٍ مصَّرَته العَربُ -يَعني المُسلِمينَ- فليسَ للعَجمِ -يَعني أهلَ الذِّمةِ- أنْ يَبنوا فيه كَنيسةً ولا يَضرِبوا فيه نَاقوسًا ولا يَشرَبوا فيه خَمرًا، أيُّما مِصرٍ مصَّرَته العَجمُ ففتَحَه اللهُ على العَربِ؛ فإنَّ للعَجمِ ما في عَهدِهم، وعلى العَربِ أنْ يُوفوا بعَهدِهم ولا يُكلِّفوهم فوقَ طاقتِهم (١).
قالَ ابنُ الإمامِ القَيمِ بعدَما ذكَرَ هذا الكَلامَ المُتقدِّمَ وهو كَلامُ شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميَّةَ: ومُلخَّصُ الجَوابِ أنَّ كلَّ كَنيسةٍ في مِصرٍ، القاهِرةِ والكُوفةِ والبَصرةِ وواسِطَ وبَغدادَ ونَحوِها من الأَمصارِ التي مصَّرَها المُسلِمونَ بأرضِ العَنوةِ؛ فإنَّه يَجبُ إِزالتُها إمَّا بالهَدمِ أو غيرِه بحيثُ لا يَبقى لهم مَعبدٌ في مِصرَ مصَّرَه المُسلِمونَ بأَرضِ العَنوةِ وسَواءٌ كانَت تلك المَعابدُ قَديمةً قبلَ الفَتحِ أو مُحدَثةً؛ لأنَّ القَديمَ منها يَجوزُ أَخذُه ويَجبُ عندَ المَفسدةِ، وقد نَهى النَّبيُّ ﷺ أنْ تَجتمِعَ قِبلتانِ بأَرضٍ فلا
стр. 12575
يَجوزُ للمُسلِمينَ أنْ يُمكِّنوا أنْ يَكونَ بمَدائنِ الإِسلامِ قِبلتانِ إلا لضَرورةٍ كالعَهدِ القَديمِ، لا سيَّما وهذه الكَنائسُ التي بهذه الأَمصارِ مُحدَثةٌ يَظهرُ حُدوثُها بدَلائلَ مُتعدِّدةٍ، والمُحدَثُ يُهدمُ باتِّفاقِ الأئِمةِ.
وأمَّا الكَنائسُ التي بالصَّعيدِ وبَرِّ الشامِ ونَحوِها من أَرضِ العَنوةِ فما كانَ منها مُحدَثًا وجَبَ هَدمُه وإذا اشتَبه المُحدَثُ بالقَديمِ وجَبَ هَدمُهما جَميعًا؛ لأنَّ هدْمَ المُحدَثِ واجِبٌ وهدْمَ القَديمِ جائِزٌ، وما لا يَتمُّ الواجِبُ إلا به فهو واجِبٌ.
وما كانَ منها قَديمًا فإنَّه يَجوزُ هَدمُه ويَجوزُ إقرارُه بأيدِيهم، فيَنظرُ الإِمامُ في المَصلحةِ؛ فإنْ كانُوا قد قلُّوا وكانَت الكَنائسُ كَثيرةً أخَذَ منهم أكثَرَها، وكذلك ما كانَ على المُسلِمينَ فيه مَضرةٌ؛ فإنَّه يُؤخَذُ أيضًا وما احتاجَ المُسلِمونَ إلى أَخذِه أُخذَ أيضًا.
وأمَّا إذا كانُوا كَثيرينَ في قَريةٍ ولهم كَنيسةٌ قَديمةٌ لا حاجةَ إلى أَخذِها ولا مَصلحةَ فيه فالذي يَنبَغي تَركُها كما ترَك النَّبيُّ ﷺ وخُلفاؤُه لهم من الكَنائسِ ما كانُوا مُحتاجينَ إليه ثم أُخذَ منهم.
وأمَّا ما كانَ لهم بصُلحٍ قبلَ الفَتحِ مثلَ ما في داخِلِ مَدينةِ دِمَشقَ ونَحوِها فلا يَجوزُ أخذُه ما دامُوا مُوفينَ بالعَهدِ إلا بمُعاوضةٍ أو طِيبِ أنفُسِهم كما فعَلَ المُسلِمونَ بجامِعِ دِمَشقَ لمَّا بَنَوه.
فإذا عُرف أنَّ الكَنائسَ ثَلاثةُ أقسامٍ منها ما لا يَجوزُ هَدمُه ومنها ما يَجبُ هَدمُه كالتي في القاهِرةِ بمِصرَ، والمُحدَثاتُ كلُّها ومنها ما يَفعلُ
стр. 12576
المُسلِمونَ فيه الأصلَحُ كالتي في الصَّعيدِ وأَرضِ الشامِ، فما كانَ قَديمًا على ما بيَّناه فالواجِبُ على وَليِّ الأمرِ فِعلُ ما أمَرَه اللهُ به وما هو أصلَحُ للمُسلِمينَ من إِعزازِ دِينِ اللهِ، وقَمعِ أَعدائِه، وإِتمامِ ما فعَلَه الصَّحابةُ من إِلزامِهم بالشُّروطِ عليهم ومَنعِهم من الوِلاياتِ في جَميعِ أرضِ الإسلامِ، لا يُلتفَتُ في ذلك إلى مُرجِفٍ أو مُخذِلٍ يَقولُ: إنَّ لنا عندَهم مَساجدَ وأسرى نَخافُ عليهم؛ فإنَّ اللهَ تَعالى يَقولُ: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾ [الحج: ٤٠].
وإذا كانَ نوروزُ في مَملكةِ التَّتارِ قد هدَمَ عامةَ الكَنائسِ على رَغمِ أنفِ أَعداءِ اللهِ، فحِزبُ اللهِ المَنصورُ وجُندُه المَوعودُ بالنَّصرِ إلى قيامِ الساعةِ أوْلى بذلك وأحَقُّ.
فإنَّ النَّبيَّ ﷺ أخبَر أنَّهم لا يَزالونَ ظاهِرينَ إلى يَومِ القيامةِ ونحن نَرجو أنْ يُحقِّقَ اللهُ وَعدَ رَسولِه ﷺ حيثُ قالَ: «يَبعثُ اللهُ لهذه الأُمةِ على رَأسِ كلِّ مِئةِ سَنةٍ مَنْ يُجدِّدُ لها دِينَها».
ويَكونُ مَنْ أجرَى اللهُ ذلك على يَدَيْه وأعانَ عليه من أهلِ القُرآنِ والحَديثِ داخلينَ في هذا الحَديثِ النَّبويِّ؛ فإنَّ اللهَ بهم يُقيمُ دِينَه.
كما قالَ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ [الحديد: ٢٥] (١).
стр. 12577
حُكمُ تَوليةِ غيرِ المُسلِمينَ مَناصبَ وحُكمُ الاستِعانةِ بهم:
اتَّفقت نُصوصُ الفُقهاءِ من المَذاهبِ الأربَعةِ وغيرِهم على عَدمِ جَوازِ تَوليةِ أهلِ الذِّمةِ مَناصِبَ في الدَّولةِ الإسلاميةِ.
وإليكَ أقوالَ فُقهاءِ المَذاهبِ في هذا المَوضوعِ:
أولًا: قَولُ الحَنفيةِ:
قالَ الإمامُ الحَصكَفيُّ ﵀: بابُ العاشرِ (هو حُرٌّ مُسلِمٌ) بهذا يُعلَمُ حُرمةُ تَوليةِ اليَهودِ على الأعمالِ (١).
قالَ الإمامُ ابنُ عابدِين ﵀: (مَطلبٌ: لا يَجوزُ اتِّخاذُ الكافرِ في وِلايةٍ).
قَولُه: (هو حُرٌّ مُسلِمٌ) فلا يَصحُّ أنْ يَكونَ عَبدًا لعَدمِ الوِلايةِ، ولا يَصحُّ أنْ يَكونَ كافرًا؛ لأنَّه لا يَلي على المُسلمِ بالآيةِ.
والمُرادُ بالآيةِ قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١].
قَولُه: (بهذا … إلخ) أي: باشتِراطِ الإسلامِ للآيةِ المَذكورةِ، زادَ في البَحرِ: ولا شَكَّ في حُرمةِ ذلك أيضًا. اه. أي: لأنَّ في ذلك تَعظيمَه، وقد نَصُّوا على حُرمةِ تَعظيمِه، بل قالَ في الشُّرنبُلاليةِ: وما ورَدَ من ذَمِّه -أي: العاشرِ- فمَحمولٌ على مَنْ يَظلِمُ كزَمانِنا، وعُلمَ ممَّا ذكَرْناه حُرمةَ تَوليةِ الفَسقةِ فَضلًا على اليَهودِ والكَفرةِ. اه.
стр. 12578
قُلتُ: وذكَرَ في «شَرحِ السِّيَرِ الكَبيرِ» أنَّ عُمرَ كتَبَ إلى سَعدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ: «ولا تتَّخِذْ أحَدًا من المُشرِكينَ كاتِبًا على المُسلِمينَ؛ فإنَّهم يأخُذونَ الرَّشوةَ في دِينِهم ولا رَشوةَ في دِينِ اللهِ تَعالى».
قالَ -أي: مُحمدُ بنُ الحَسنِ-: وبه نأخُذُ؛ فإنَّ الواليَ مَمنوعٌ من أنْ يتَّخِذَ كاتِبًا من غيرِ المُسلِمينَ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] (١).
وقالَ ابنُ نَجيمٍ ﵀: وبه يُعلَمُ حُكمُ تَوليةِ الكافر في زَمانِنا على بعضِ الأعمالِ ولا شَكَّ في حُرمةِ ذلك (٢).
ثانيًا: قَولُ المالِكيةِ:
قالَ الإمامُ ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ ﵀: قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ٢٨] هذا عُمومٌ في أنَّ المُؤمِنَ لا يتَّخِذُ الكافرَ وَليًّا في نَصرِه على عَدوِّه ولا في أمانةٍ ولا بِطانةٍ، من دُونِكم: يَعني من غيرِكم وسِواكم كما قالَ تَعالى: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٢].
وقد نَهى عُمرُ بنُ الخَطابِ أبا موسى الأشعَريَّ عن ذِميٍّ كانَ استَكتبَه باليَمنِ وأمَرَه بعَزلِه، وقد قالَ جَماعةٌ من العُلماءِ: يُقاتِلُ المُشرِكُ في مُعسكَرِ المُسلِمينَ معهم لعَدوِّهم، واختَلفَ في ذلك عُلماؤُنا المالِكيةُ.
стр. 12579
والصَّحيحُ مَنعُه؛ لقَولِه ﵇: «إنَّا لا نَستَعينُ بمُشرِكٍ».
وأقولُ: إنْ كانَت في ذلك فائِدةٌ مُحقَّقةٌ فلا بأسَ به (١).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: نَهى اللهُ المُؤمِنينَ بهذه الآيةِ: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] أنْ يتَّخِذوا من الكُفارِ واليَهودِ وأهلِ الأهواءِ دُخلاءَ ووُلجاءَ يُفاوِضونهم في الآراءِ ويُسنِدونَ إليهم أُمورَهم، ويُقالُ: كلُّ مَنْ كانَ على خِلافِ مَذهبِك ودِينِك فلا يَنبَغي لك أنْ تُحادِثَه … وقد انقلَبَت الأَحوالُ في هذه الأَزمانِ باتِّخاذِ أهلِ الكِتابِ كَتَبةً وأُمناءَ وتَسوَّدوا بذلك عندَ الجَهلةِ الأَغبياءِ من الوُلاةِ والأُمراءِ (٢).
وقالَ ابنُ الأَزرقِ ﵀: المَحظورُ الرابِعُ: اتِّخاذُ الكافرِ وَليًّا:
ويَتقرَّرُ ذلك باعتِبارِ طَبقتَينِ:
الطَّبقةُ الأُولى: عُمومُ الخَلقِ، حتى الأُمراءُ والوُلاةُ من تلك الجِهةِ، كما صرَّحَ به التَّنزيلُ في غيرِ مَوضعٍ: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨] وفي قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١].
قالَ ابنُ عَطيَّةَ ﵀: نَهى اللهُ المُؤمنينَ بهذه الآيةِ عن اتِّخاذِ اليَهودِ والنَّصارى أولياءَ في الخُلطةِ والنُّصرةِ المُؤدِّيةِ إلى الامتِزاجِ والمُعاضَدةِ، وحُكمُ الآيةِ باقٍ.
стр. 12580
قالَ: وكلُّ مَنْ أكثَرَ مُخالطةَ هذَينِ الصِّنفَينِ فله حَظٌّ من هذا المَقتِ الذي تَضمَّنه قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾.
الطَّبقةُ الثانِيةُ: خُصوصُ الأُمراءِ والوُلاةِ من حيثُ الاستِعانةُ به، ومِن مَوارِدِ النَّهيِ فيها مَوضعانِ:
أحدُهما: الجِهادُ على المَشهورِ، قالَ في المُدوَّنةِ: ولا يُستعانُ بالمُشرِكينَ في القِتالِ إلا أنْ يَكونوا نَواتيةً أو خَدَمًا.
وحُكي عن عِياضٍ جَوازُ ذلك في بعضِ الأئِمةِ قائِلًا: وحُملَ النَّهيُ على وَقتٍ خاصٍّ، يَعني قَولَه ﷺ : «إنَّا لا نَستَعينُ بمُشرِكٍ».
قُلتُ: وفي المَواضعِ غيرِ هذا مُطلَقًا ومُقيَّدًا ألَّا نُطوِّلَ بحِكايةٍ.
الثانِي: في الوِلايةِ والاصطِناعِ.
قالَ ابنُ العَربيِّ: لا يَنبَغي لأحدٍ من المُسلِمينَ وَلي وِلايةً أنْ يتَّخِذَ من أهلِ الذِّمةِ وَليًّا فيها؛ لنَهيِ اللهِ عن ذلك؛ لأنَّهم لا يُخلِصونَ النَّصيحةَ ولا يُؤدُّونَ الأمانةَ، قُلتُ: ورَدَ العَملُ بذلك عن السَّلفِ قَولًا وفِعلًا، ويَكفي من ذلك رِوايتانِ:
الرِّوايةُ الأُولى: قالَ الطُّرطُوشيُّ: لمَّا استقدَم عُمرُ بنُ الخَطابِ ﵁ أبا موسى الأشعريَّ من البَصرةِ وكانَ عامِلًا للحِسابِ دخَلَ على عُمرَ وهو في المَسجدِ واستَأذنَ لكاتبِه وكانَ نَصرانيًّا، فقالَ له عُمرُ: قاتَلَك اللهُ، وضرَبَ فخِذَه، وَلَّيتَ ذِميًّا على المُسلِمينَ؟! أما سَمِعت اللهَ تَعالى يَقولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ
стр. 12581
مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] ألا اتَّخذتَ حَنيفًا مُسلمًا، فقالَ: يا أميرَ المُؤمِنينَ لي كِتابَتُه وله دِينُه، فقالَ: لا أُكرِمهم إذْ أَهانَهم اللهُ، ولا أُعزَّهم إذْ أَذلَّهم اللهُ، ولا أُدنِيهم إذْ أَقصاهم اللهُ.
الرِّوايةُ الثانِيةُ: قالَ: وكتَبَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ ﵁ إلى بعضِ عُمَّالِه: أمَّا بَعدُ؛ فإنَّه بلَغَني أنَّ في عَملِك رَجلًا يُقالُ له فُلانٌ، وسمَّاه، على غيرِ دِينِ الإسلامِ، واللهُ تَعالى يَقولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ [المائدة: ٥٧] فإذا أتاكَ كِتابي هذا فادعُ فُلانًا إلى الإسلامِ؛ فإنْ أسلَم فهو منَّا ونحن منه، وإنْ أبى فلا تَستعِنْ به ولا بغيرِه من غيرِ أهلِ الإسلامِ على شَيءٍ من أعمالِ المُسلِمينَ، فقرأَ عليه الكِتابَ فأسلَمَ وعلَّمَه الطَّهارةَ والصَّلاةَ (١).
ثالِثًا: قَولُ الشافِعيةِ:
قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: ما يَنبَغي عندي لقاضٍ، ولا لوالٍ من وُلاةِ المُسلِمينَ أنْ يتَّخِذَ كاتِبًا ذِميًّا، ولا أنْ يَضعَ الذِّميَّ في مَوضعٍ يَتفضَّلُ به مُسلمًا. ويَنبَغي أنْ نُعرِّفَ المُسلِمينَ ألَّا يَكونَ لهم حاجةٌ إلى غيرِ أهلِ دِينِهم (٢).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: ولا يَجوزُ أنْ يُستكتَبَ ذِميٌّ وإنْ كانَ كافيًا؛ لأنَّهم خرَجُوا بفِسقِهم في الدِّينِ عن قَبولِ قَولِهم فيه.
стр. 12582
وقد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]. وقالَ: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١] (١).
قالَ الحافِظُ ابنُ كَثيرٍ ﵀ بعدَما ذكَرَ أثَرَ عُمرَ والآيةَ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾: ففي هذا الأثرِ مع هذه الآيةِ دَليلٌ على أنَّ أهلَ الذِّمةِ لا يَجوزُ استِعمالُهم في الكِتابةِ التي فيها استِطالةٌ على المُسلِمينَ واطِّلاعٌ على دَواخِلِ أُمورِهم التي يُخشى أنْ يُفشوها إلى الأَعداءِ من أهلِ الحَربِ (٢).
وسُئل الإمامُ النَّوويُّ ﵀: رَجلٌ يَهوديٌّ أو نَصرانِيٌّ وُلِّي صَيرَفيًّا في بَيتِ مالِ المُسلِمينَ لميزانِ الدَّراهمِ المُعوَّضةِ والمَصروفةِ، ويَنقدُها، ويُعتمَدُ في ذلك على قَولِه، هل يَحلُّ تَوليتُه أو لا؟ وهل يُثابُ وَليُّ الأمرِ على عَزلِه، واستِبدالِ مُسلمٍ ثِقةٍ بَدلَه؟ وهل يُثابُ المُساعِدُ على عَزلِه؟
فأَجابَ: لا يَحلُّ تَوليةُ اليَهوديِّ ولا النَّصرانِيِّ لذلك، ولا يَجوزُ إِبقاؤُه فيه، ولا يَحلُّ اعتِمادُ قَولِه في شَيءٍ من ذلك، ويُثابُ وَليُّ الأمرِ -وفَّقَه اللهُ- على عَزلِه واستِبدالِ مُسلمٍ ثِقةٍ بَدلَه، ويُثابُ المُساعِدُ في عَزلِه.
قالَ اللهُ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ
стр. 12583
بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨)﴾ [آل عمران: ١١٨] الآياتِ. قالَ: والمَعنى: لا تتَّخِذوا مَنْ يُداخِلُ بَواطنَ أُمورِكم ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ أي: من غيرِكم: وهُم الكُفارُ ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ أي: لا يُقصِّرونَ فيما يَقدِرونَ على إيقاعِه من الفَسادِ والأذى والضَّررِ، ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ أي: يَقولونَ: نحن أَعداؤُكم، واللهُ أعلَمُ (١).
رابِعًا: قَولُ الحَنابِلةِ:
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: وليسَ المُسلِمونَ مُحتاجينَ إليهم وللهِ الحَمدُ، فقد كتَبَ خالِدُ بنُ الوَليدِ ﵁ إلى عُمرَ بنِ الخَطابِ ﵁ يَقولُ: «إنَّ بالشامِ كاتِبًا نَصرانيًّا لا يَقومُ خَراجُ الشامِ إلا به، فكتَبَ إليه: «لا تَستعمِلْه». فكتَبَ: إنَّه لا غِنى بِنا عنه. فكتَبَ إليه عُمرُ: «لا تَستعمِلْه»، فكتَبَ إليه: إذا لم نُولِّه ضاعَ المالُ. فكتَبَ إليه عُمرُ ﵁: «مات النَّصرانِيُّ، والسَّلامُ».
وثبَتَ في الصَّحيحِ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّ مُشرِكًا لحِقه ليُقاتِلَ معه فقالَ له: «إنِّي لا أستَعينُ بمُشرِكٍ».
وكما أنَّ استِخدامَ الجُندِ المُجاهِدينَ إنَّما يَصلُحُ إذا كانُوا مُسلِمينَ مُؤمِنينَ، فكذلك الذين يُعاونونَ الجُندَ في أَموالِهم وأَعمالِهم إنَّما تَصلحُ بهم أَحوالُهم إذا كانُوا مُسلِمينَ مُؤمِنينَ، وفي المُسلِمينَ كِفايةٌ في جَميعِ مَصالحِهم وللهِ الحَمدُ.
بمُطالعةِ أهلِ الذِّمةِ لأهلِ دِينِهم، ومن الأبياتِ المَشهورةِ قَولُ بَعضِهم:
كلُّ العَداواتِ قد تُرجَى مَودَّتُها … إلا عَداوةَ مَنْ عَاداكَ في الدِّينِ
ولهذا وغيرِه مُنعوا أنْ يَكونوا على وِلايةِ المُسلِمينَ، أو على مَصلحةٍ مَنْ يُقوِّيهم أو يَفضُلُ عليهم في الخِبرةِ والأمانةِ من المُسلِمينَ، بل استِعمالُ مَنْ هو دونَهم في الكَفاءةِ أنفَعُ للمُسلِمينَ في دِينِهم ودُنياهم، والقَليلُ من الحَلالِ يُبارِكُ فيه، والحَرامُ الكَثيرُ يَذهبُ ويَمحَقُه اللهُ تَعالى، واللهُ أعلَمُ، وصلَّى اللهُ على مُحمدٍ وآلِه وصَحبِه وسلَّم (١).
وقالَ ابنُ مُفلِحٍ ﵀: ولأنَّ في الاستِعانةِ بهم في ذلك من المَفسدةِ ما لا يَخفى، وهي ما يَلزمُ عادةً أو ما يُفضي إليه مِنْ تَصديرِهم في المَجالسِ والقيامِ لهم وجُلوسِهم فوقَ المُسلِمينَ وابتدائِهم بالسَّلامِ أو ما في مَعناه، ورَدِّه عليهم على غيرِ الوَجهِ الشَّرعيِّ، وأَكلِهم من أَموالِ المُسلِمينَ ما أَمكَنهم لخِيانتِهم واعتِقادِهم حِلَّها وغيرِ ذلك؛ ولأنَّه إذا مُنعَ من الاستِعانةِ بهم في الجِهادِ مع حُسنِ رأيِهم في المُسلِمينَ والأمنِ منهم وقُوةِ المُسلِمينَ على المَجموعِ لا سيَّما مع الحاجةِ إليهم على قَولٍ، فهذا في معناه وأوْلى لِلُزومِه وإفضائِه إلى ما تقدَّم من المُحرَّماتِ بخِلافِ هذا.
وبهذا يَظهرُ التَّحريمُ هنا وإنْ لم تَحرُمْ الاستِعانةُ بهم على القِتالِ، وقد نَهى اللهُ المُؤمِنينَ أنْ يَتخِذوا الكُفارَ بِطانةً لهم، فقالَ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ وبِطانةُ الرَّجلِ تَشبيهٌ
стр. 12587
ببِطانةِ الثَّوبِ التي تلي بَطنَه؛ لأنَّهم يَستبطِنونَ أمَرَه ويَطلِعونَ عليه بخِلافِ غيرِهم، وقَولُه: ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ أي: من غيرِ أهلِ مِلَّتِكم.
ثم قالَ تَعالى: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ أي: لا يُبقونَ غايةً في إِلقائِكم فيما يَضرُّكم، والخَبالُ: الشَّرُّ والفَسادُ ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾، أي: يَودُّونَ ما يَشُقُّ عليكم من الضُّرِّ والشَّرِّ والهَلاكِ، والعَنتُ هو المَشقةُ، يُقالُ: فُلانٌ يَعنِتُ فُلانًا، أي: يَقصِدُ إدخالَ المَشقةِ والأذى عليه ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾، قيلَ: بالشَّتمِ والوَقيعةِ في المُسلِمينَ ومُخالفةِ دينِكم، وقيلَ: بإطْلاعِ المُشرِكينَ على أسرارِ المُؤمِنينَ ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ أي أعظَمُ ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨].
قالَ القاضي أبو يَعلى -من أئِمةِ أصحابِنا-: وفي هذه الآيةِ دَليلٌ على أنَّه لا يَجوزُ الاستِعانةُ بأهلِ الذِّمةِ في أُمورِ المُسلِمينَ من العِمالاتِ والكَتبةِ؛ ولهذا قالَ الإمامُ أحمدُ ﵁: لا يَستعينُ الإمامُ بأهلِ الذِّمةِ على قِتالِ أهلِ الحَربِ، وقد جعَلَ الشَّيخُ مُوفَّقُ الدِّينِ ﵀ في هذه المَسألةِ أصلًا في اشتِراطِ الإسلامِ في عامِلِ الزَّكاةِ فدلَّ على أنَّها مَحلُّ وِفاقٍ.
وقالَ الإمامُ أحمدُ ﵀ في رِوايةِ أبي طالِبٍ وقد سأله: يُستعمَلُ اليَهوديُّ والنَّصرانِيُّ في أعمالِ المُسلِمينَ مِثلَ الخَراجِ؟
فقالَ: لا يُستَعانُ بهم في شَيءٍ.
فانظُرْ إلى هذا العُمومِ من الإمامِ أحمدَ نَظرًا منه إلى رَدِيءِ المَفاسدِ الحاصِلةِ بذلك وإِعدامِها، وهي -وإنْ لم تَكنْ لازمةً من وِلايَتِهم ولا رَيبَ في لُزومِها- لا رَيبَ في إِفضائِها إلى ذلك.
стр. 12588
ومِن مَذهبِه اعتبارُ الوَسائلِ والذَّرائعِ تَحصيلًا للمأمورِ به شَرعًا من إذلالِهم وإهانتِهم والتَّضييقِ عليهم، وإذا أمَرَ الشارِعُ ﵊ بالتَّضييقِ عليهم في الطَّريقِ المُشترَكةِ … فما نحن فيه أوْلى -هذا ممَّا لا إِشكالَ فيه- ولأنَّ هذه وِلاياتٌ بلا شكٍّ، ولهذا لا يَصحُّ تَفويضُها مع الفِسقِ والخِيانةِ، والكافِرُ ليسَ من أهلِها، بدَليلِ سائرِ الوِلاياتِ، وهذا في غايةِ الوُضوحِ؛ ولأنَّها إذا لم يَصحَّ تَفويضُها إلى فاسِقٍ فإلى كافرٍ أولى بلا نِزاعٍ.
ولهذا قد نَقولُ: يَصحُّ تَفويضُها إلى فاسِقٍ، إمَّا مُطلَقًا أو مع ضَمِّ أمينٍ إليه يُشارِفُه كما نَقولُ في الوَصيةِ، ولأنَّه إذا لم تَصحَّ وَصيةُ المُسلِمِ إلى كافرٍ في النَّظرِ في أمرِ أطفالِه أو تَفريقِ ثُلثِه مع أنَّ الوَصيَّ المُسلِمَ المُكلَّفَ العَدلَ يَحتاطُ لنَفسِه ومالِه، وهي مَصلحةٌ خاصةٌ يَقِلُّ حُصولُ الضَّررِ فيها، فمَسألتُنا أوْلى، هذا ممَّا لا يُحتاجُ فيه إلى تأمُّلٍ ونَظرٍ -واللهُ أعلَمُ- وقالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١].
وهذا من أعظَمِ السَّبيلِ، استَدلَّ الشَّيخُ وَجيهُ الدِّينِ وغيرُه من الأصحابِ بهذه الآيةِ على أنَّه لا يَجوزُ أنْ يَكونَ عامِلًا في الزَّكاةِ، وقد قالَ أصحابُنا في كاتِبِ الحاكِمِ: لا يَجوزُ أنْ يَكونَ كافرًا، واستدَلُّوا بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]. وبقِصةِ عُمرَ على أبي موسى.
وقالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ في أوَّلِ الصِّراطِ المُستقيمِ في أثناءِ كَلامٍ له: ولهذا كانَ السَّلفُ يَستدلُّونَ بهذه الآيةِ على تَركِ الاستِعانةِ بهم في الوِلاياتِ.
стр. 12589
فرَوى الإمامُ أحمدُ بإسنادٍ صَحيحٍ عن أبي موسى قالَ: قُلتُ لعُمرَ ﵁: إنَّ لي كاتِبًا نَصرانِيًّا قالَ: ما لك قاتَلَك اللَّهُ، أما سَمِعت اللَّهَ تَعالى يَقولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١] ألَا اتَّخذت حَنيفيًّا؟ قالَ: قُلتُ: يا أميرَ المُؤمِنين، لي كِتابَتُه وله دِينُه، قالَ: لا أُكرِمُهم إذ أَهانَهم اللهُ، ولا أُعِزُّهم إذ أَذلَّهم اللهُ، ولا أُدْنِيهم إذ أَقصاهُم اللهُ. انتَهى كَلامُه.
ورَواه البَيهقيُّ وعندَه: «فانتهَرَني وضرَبَ على فخِذي»، وعندَه أيضًا فقالَ أبو موسى: «واللهِ ما تَولَّيتُه إنَّما كانَ يَكتبُ، فقالَ عُمرُ له: «أمَا وَجدتَ في أهلِ الإسلامِ مَنْ يَكتبُ؟ لا تُدنِهم إذ أَقصاهم اللهُ، ولا تَأمَنْهم إذ أَخانَهم اللهُ، ولا تُعِزَّهم بعدَ إذْ أَذلَّهم اللهُ».
ورَوى الإمامُ أحمدُ عن عُمرَ ﵁ أنَّه قالَ: «لا تَستعمِلوا اليَهودَ والنَّصارى؛ فإنَّهم يَستحلُّون الرِّشاءَ في دينِهم ولا تَحلُّ الرِّشاءُ».
وقطَع الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ في مَوضعٍ آخَرَ بأنَّه يَجبُ على وَليِّ الأمرِ مَنعُهم من الوِلاياتِ في جَميعِ أرضِ الإسلامِ، وقالَ أيضًا: الوِلايةُ إعزازٌ وأمانةٌ، وهُم مُستحِقُّون للذُّلِّ والخيانةِ، واللهُ يُغني عنهم المُسلِمينَ، فمِن أعظَمِ المَصائبِ على الإسلامِ وأهلِه أنْ يَجعَلوا في دَواوينِ المُسلِمينَ يَهوديًّا أو سامِريًّا أو نَصرانيًّا.
وقالَ أيضًا: لا يَجوزُ استِعمالُهم على المُسلِمينَ؛ فإنَّه يُوجِبُ إعلاءَهم على المُسلِمينَ خِلافَ ما أمَرَ اللهُ ورَسولُه ﷺ ؛
стр. 12590
والنَّبيُّ ﷺ قد نَهى أنْ يُبدَؤوا بالسَّلامِ، وأمَرَ إذا لقيهم المُسلِمونَ أنْ يَضطرُّوهم إلى أضيقِ الطُّرقِ، وقالَ: «الإسلامُ يَعلو ولا يُعلَى عليه».
وقد مُنعوا من تَعليةِ بِنائِهم على المُسلِمينَ؛ فكيف إذا كانُوا وُلاةً على المُسلِمينَ فيما يُقبَضُ منهم ويُصرَفُ إليهم، وفيما يُؤمَرونَ به من الأُمورِ الماليةِ، ويُقبَلُ خَبرُهم في ذلك فيَكونونَ هُمْ الآمِرينَ الشاهِدينَ عليهم؟! هذا من أعظَمِ ما يَكونُ من مُخالفةِ اللهِ ورَسولِه ﷺ .
وقد قدِمَ أبو موسى على عُمرَ ﵄ بحِسابِ العِراقِ فقالَ: «ادْعُ كاتبَك يَقرَؤُه علَيَّ» فقالَ: «إنَّه لا يَدخلُ المَسجدَ» قالَ: «ولمَ؟» قالَ: «لأنَّه نَصرانِيٌّ» فضرَبَه عُمرُ ﵁ بالدِّرةِ فلو أَصابَتْه لأَوجَعتْه ثم قالَ: «لا تُعِزُّوهم بعدَ أنْ أَذلَّهم اللهُ، ولا تَأمَنوهم بعدَ أنْ خوَّنَهم اللهُ، ولا تُصدِّقوهم بعدَ أنْ أَكْذَبهم اللهُ».
وكتَبَ إليه خالِدُ بنُ الوَليدِ: «إنَّ بالشامِ كاتِبًا نَصرانيًّا لا يَقومُ خَراجُ الشامِ إلا به، فكتَبَ إليه: «لا تَستعمِلْه». فكتَبَ: إنَّه لا غِنى بِنا عنه. فكتَبَ إليه عُمرُ: «لا تَستعمِلْه»، فكتَبَ إليه: إذا لم نُولِّه ضاعَ المالُ. فكتَبَ إليه عُمرُ ﵁: «مات النَّصرانِيُّ، والسَّلامُ». يَعني: قدِّرْ مَوتَه، فمَن ترَكَ للهِ شَيئًا عوَّضَه اللهُ خَيرًا منه، إلى أنْ قالَ: وقد يُشيرونَ عليهم بالآراءِ التي يَظنُّونَ أنَّها مَصلحةٌ ويَكونُ فيها من فِسادِ دِينِهم ودُنياهم ما لا يَعلمُه إلا اللهُ، وهو يَتديَّنُ بخِذلانِ الجُندِ وغِشِّهم، يَرى أنَّهم ظالِمونَ وأنَّ الأرضَ مُستحَقةٌ للنَّصارى، ويَتمنى أنْ يَتملَّكها النَّصارى.
стр. 12591
وقالَ أيضًا: كانَ صَلاحُ الدِّينِ وأهلُ بَيتِه يُذلُّونَ النَّصارى، ولم يَكونوا يَستعمِلونَ منهم أحدًا؛ ولهذا كانُوا مُؤيَّدينَ مَنصورينَ على الأَعداءِ مع قِلةِ المالِ والعَددِ، وإنَّما قوِيَت شَوكةُ النَّصارى والتَّتارِ بعدَ مَوتِ العادلِ حتى قامَ بعضُ المُلوكِ فأَعطاهم بعضَ مَدائِنِ المُسلِمينَ، وحدَثَت حَوادثُ بسَببِ التَّفريطِ فيما أمَرَ اللهُ به ورَسولُه ﷺ ؛ فإنَّ اللهَ تَعالى يَقولُ: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠].
إلى أنْ قالَ: وهُم إلى ما في بِلادِ المُسلِمينَ أحوَجُ من المُسلِمينَ إلى ما في بِلادِهم، بل مَصلحةُ دِينِهم لا تَقومُ إلا بما في بِلادِ المُسلِمينَ، والمُسلِمونَ وللهِ الحَمدُ مُستَغنونَ عنهم في دِينِهم ودُنياهم، ففي ذِمةِ المُسلِمينَ من عُلماءِ النَّصارى ورُهبانِهم من يَحتاجُ إليهم، أولئك النَّصارى، وليسَ عندَ النَّصارى مُسلِمٌ يَحتاجُ إليه المُسلِمونَ مع أنَّ افتِداءَ الأُسراءِ من أعظَمِ الواجِباتِ، وأنَّ كلَّ مُسلمٍ يَعلمُ أنَّهم لا يَتَّجِرون إلى بِلادِ المُسلِمينَ إلا لأغراضِهم لا لنَفعِ المُسلِمينَ، ولو منَعَهم مُلوكُهم من ذلك لكانَ حِرصُهم على المالِ يَمنعُهم من الطاعةِ؛ فإنَّهم أرغَبُ الناسِ في المالِ؛ ولهذا يَتقامَرونَ في الكَنائسِ وهُم طَوائفُ، كلُّ طائِفةٍ تُضادُّ الأُخرى.
ولا يُشيرُ على وَليِّ الأمرِ بما فيه إِظهارُ شِعارِهم في دارِ الإسلامِ أو تَقويةُ أَيدِيهم بوَجهٍ من الوُجوهِ إلا رَجلٌ مُنافِقٌ أو له غَرضٌ فاسِدٌ أو في غايةِ الجَهلِ لا يَعرِفُ السياسةَ الشَّرعيةَ التي تَنصرُ سُلطانَ المُسلِمينَ على أَعدائِه وأَعداءِ الدِّينِ.
стр. 12592
ولْيعتبِرِ المُعتبِرُ بسيرةِ نُورِ الدِّينِ وصَلاحِ الدِّينِ ثم العادلِ كيفَ مكَّنَهم اللهُ وأيَّدَهم وفتَحَ لهم البِلادَ وأذَلَّ لهم الأَعداءَ لمَّا قامُوا من ذلك بما قامُوا، ولْيعتبِرْ بسِيرةِ مَنْ والى النَّصارى كيف أذَلَّه وكبَتَه (١).
وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: فَصلٌ: في المَنعِ من استِعمالِ اليَهودِ والنَّصارى في شَيءٍ من وِلاياتِ المُسلِمينَ وأُمورِهم.
قالَ أبو طالِبٌ: سأَلتُ أبا عبدِ اللهِ: يُستعمَلُ اليَهوديُّ والنصرانِيُّ في أعمالِ المُسلِمينَ مِثلَ الخَراجِ؟ قالَ: لا يُستعانُ بهم في شَيءٍ.
وكتَبَ عُمرُ بنُ الخَطابِ ﵁ إلى عُمالِه: أمَّا بَعدُ: فإنَّه مَنْ كانَ قِبَلَه كاتِبٌ من المُشرِكينَ فلا يُعاشِرْه، ولا يُوازِرْه، ولا يُجالِسْه، ولا يَعتضِدْ برأيِه؛ فإنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لمْ يَأمرْ باستِعمالِهم، ولا خَليفتُه من بعدِه.
وورَد عليه كِتابُ مُعاويةَ بنِ أبي سُفيانَ: أمَّا بَعدُ: «إنَّ بالشامِ كاتِبًا نَصرانيًّا لا يَقومُ خَراجُ الشامِ إلا به، فكتَبَ إليه: «لا تَستعمِلْه». فكتَبَ: إنَّه لا غِنى بِنا عنه. فكتَبَ إليه عُمرُ: «لا تَستعمِلْه»، فكتَبَ إليه: إذا لمْ نُولِّه ضاعَ المالُ. فكتَبَ إليه عُمرُ ﵁: «ماتَ النَّصرانِيُّ، والسَّلامُ».
وكانَ لعُمرَ ﵁ عَبدٌ نَصرانِيٌ، فقالَ له: «أسلِمْ حتى نَستعينَ بك على بعضِ أُمورِ المُسلِمينَ؛ فإنَّه لا يَنبَغي لنا أنْ نَستعينَ على أمرِهم بمَن ليسَ منهم، فأَبى، فأعتَقه وقالَ: اذهَبَ حيثُ شِئتَ».
стр. 12593
وكتَبَ إلى أبي هُريرةَ ﵁: أمَّا بَعدُ؛ فإنَّ للنَّاسِ نَفرةً عن سُلطانِهم فأَعوذُ باللهِ أنْ تُدرِكَني وإِياك، أقِمِ الحُدودَ ولو ساعةً من النَّهارِ، وإذا حضَرَك أَمرانِ أحدُهما للهِ والآخَرُ للدُّنيا فآثِرْ نَصيبَك من اللهِ؛ فإنَّ الدُّنيا تَنفَدُ والآخِرةَ تَبقى، عُدْ مَرضى المُسلِمينَ واشهَدْ جَنائِزَهم وافتَحَ بابَك وباشِرْهم، وأبعِدْ أهلَ الشَّرِّ وأنكِرْ أَفعالَهم ولا تَستعِنْ في أَمرٍ من أُمورِ المُسلِمينَ بمُشرِكٍ، وساعِدْ على مَصالحِ المُسلِمينَ بنَفسِك؛ فإنَّما أنتَ رَجلٌ منهم غيرَ أنَّ اللهَ تَعالى جعَلَك حامِلًا لِأثقالَهم (١).
السلامُ على أهلِ الذِّمةِ وكيف يُرَدُّ عليهم إذا سلَّموا:
رَوى الإمامُ مُسلِمٌ في «صَحيحِه» تحتَ بابِ النَّهيِ عن ابتِداءِ أهلِ الكِتابِ بالسلامِ وكيفَ يُرَدُّ عليهم:
عن أنسِ بنِ مالِكٍ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «إذا سلَّمَ عليكم أهلُ الكِتابِ فقولوا: وعليكم».
وعن أنَسٍ ﵁ أنَّ أَصحابَ النَّبيِّ ﷺ قالُوا للنَّبيِّ ﷺ : إنَّ أهلَ الكِتابِ يُسلِّمونَ علينا فكيفَ نَردُّ عليهم؟ قالَ: «قُولوا: وعليكُم».
وعن عبدِ اللهِ بنِ دِينارٍ أنَّه سمِعَ ابنَ عُمرَ ﵄ يَقولُ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ اليَهودَ إذا سلَّموا عليكم يَقولُ أحدُهم: السَّامُ عليكم. فقُلْ: عليك». وفي رِوايةٍ أنَّهُ قالَ: «فقولوا: وعليك».
стр. 12594
وعن عُروةَ عن عائِشةَ ﵂ قالَت: استأذَنَ رَهطٌ من اليَهودِ على رَسولِ اللهِ ﷺ فقالُوا: السامُ عليكم، فقالَت عائِشةُ: بل عليكم السامُ واللَّعنةُ. فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «يا عائِشةُ إنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفقَ في الأمرِ كلِّه» قالَت: ألم تَسمَعْ ما قالُوا؟ قالَ: «قد قُلتُ: وعليكم».
وفي رِوايةٍ قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «قد قُلتُ: عليكم».
وعن مَسروقٍ عن عائِشةَ قالَت: أتى النَّبيَّ ﷺ أُناسٌ من اليَهودِ فقالُوا: السامُ عليك يا أبا القاسِمِ، قالَ: «وعليكم»، قالَت عائِشةُ: قُلتُ: بل عليكم السامُ والذامُ. فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «يا عائِشةُ لا تَكوني فاحِشةً» فقالَت: ما سَمِعتَ ما قالُوا؟ فقالَ: «أوَليسَ قد رَددتُ عليهم الذي قالُوا؟ قُلتُ: وعليكم».
وفي رِوايةٍ أنَّه قالَ: ففطِنتْ بهم عائِشةُ فسَبَّتهم فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَهْ يا عائِشةُ؛ فإنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الفُحشَ والتَّفحُّشَ» وزادَ فأنزَلَ اللهُ: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ٨] إلى آخِرِ الآيةِ.
وعن أبي الزُّبيرِ أنَّه سمِعَ جابِرَ بنَ عبدِ اللهِ يَقولُ: سلَّمَ ناسٌ من يَهودَ على رَسولِ اللهِ ﷺ فقالُوا: السامُ عليكَ يا أبا القاسِمِ، فقالَ: «وعليكم»، فقالَت عائِشةُ: وغضِبتْ: ألم تَسمَعْ ما قالُوا؟ قالَ: «بَلى قد سَمِعتُ فرَددتُ عليهم، وإنا نُجابُ عليهم ولا يُجابونَ علينا».
وعن أبي هُريرةَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا تَبدَؤوا اليَهودَ
стр. 12595
ولا النَّصارى بالسلامِ فإذا لقيتُم أحدَهم في طَريقٍ فاضطَرُّوه إلى أضيَقِه» (١).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀ في شَرحِ مُسلمٍ: اتَّفق العُلماءُ على الردِّ على أهلِ الكِتابِ إذا سلَّموا لكنْ لا يُقالُ لهم: «وعليكم السلامُ» بل يُقالُ: «عليكم» فقط، أو «وعليكم».
وقد جاءَت الأَحاديثُ التي ذكَرَها مُسلِمٌ «عليكم» «وعليكم» بإِثباتِ الواوِ وحَذفِها، وأكثَرُ الرِّواياتِ بإِثباتِها، وعلى هذا ففي مَعناه وَجهانِ:
أحدُهما: أنَّه على ظاهرِه فقالُوا: «عليكم المَوتُ» فقالَ: «وعليكم أيضًا»، أي: نحن وأنتم فيه سَواءٌ وكلُّنا نَموتُ.
والثانِي: أنَّ الواوَ هنا للاستِئنافِ لا للعَطفِ والتَّشريكِ، وتَقديرُه: وعليكم ما تَستحِقُّونه من الذَّمِّ، وأمَّا حَذفُ الواوِ فتَقديرُه: بل عليكم السامُ.
قالَ القاضي: اختارَ بعضُ العُلماءِ -منهم ابنُ حَبيبٍ المالِكيُّ- حَذفَ الواوِ؛ لئلَّا يَقتَضيَ التَّشريكَ، وقالَ غيرُه بإِثباتِها كما هو في أكثَرِ الرِّواياتِ، قالَ: وقالَ بَعضُهم: يَقولُ: «عليكم السِّلامُ» بكَسرِ السِّينِ، أي: الحِجِارةُ، وهذا ضَعيفٌ، وقالَ الخَطابيُّ: عامةُ المُحدِّثينَ يَروونَ هذا الحَرفَ «وعليكم»، بالواوِ، وكانَ ابنُ عُيَينةَ يَرويه بغيرِ واوٍ، قالَ الخَطابيُّ: وهذا هو الصَّوابُ؛ لأنَّه إذا حذَفَ الواوَ صارَ كَلامُهم بعَينِه مَردودًا عليهم خاصةً، وإذا ثبَتَت الواوُ اقتَضى المُشاركةَ معهم فيما قالُوه. هذا كَلامُ الخَطابيِّ.
стр. 12596
والصَّوابُ: أنَّ إِثباتَ الواوِ وحَذفَها جائِزانِ كما صحَّت به الرِّواياتُ، وأنَّ الواوَ أجوَدُ كما هو في أكثَرِ الرِّواياتِ ولا مَفسدةَ فيه؛ لأنَّ السامَ المَوتُ، وهو علينا وعليهم، ولا ضَررَ في قَولِه بالواوِ.
واختَلفَ العُلماءُ في رَدِّ السلامِ على الكُفارِ وابتِدائِهم به؛ فمَذهبُنا تَحريمُ ابتِدائِهم به ووُجوبُ رَدِّه عليهم بأنْ يَقولَ: «وعليكم»، أو «عليكم» فقط، ودَليلُنا في الابتِداءِ قَولُه ﷺ : «لا تَبدؤوا اليَهودَ ولا النَّصارى بالسَّلامِ»، وفي الرَّدِّ قَولُه ﷺ : «فقولوا وعليكم»، وبهذا الذي ذكَرْناه عن مَذهبِنا قالَ أكثَرُ العُلماءِ وعامةُ السَّلفِ.
وذهَبَت طائِفةٌ إلى جَوازِ ابتِدائِنا لهم بالسلامِ، رُوي ذلك عن ابنِ عَباسٍ وأبي أُمامةَ وابنِ أبي مُحيريزٍ، وهو وَجهٌ لبَعضِ أصحابِنا حَكاه الماوَرديُّ لكنَّه قالَ: يَقولُ: السلامُ عليك، ولا يَقولُ: «عليكم»، بالجَمعِ، واحتَجَّ هؤلاء بعُمومِ الأَحاديثِ وبإِفشاءِ السلامِ، وهي حُجةٌ باطِلةٌ؛ لأنَّه عامٌّ مَخصوصٌ بحَديثِ: «لا تَبدؤوا اليَهودَ ولا النَّصارى بالسلامِ».
وقالَ بعضُ أصحابِنا: يُكرهُ ابتِداؤُهم بالسلامِ ولا يَحرمُ، وهذا ضَعيفٌ أيضًا؛ لأنَّ النَّهيَ للتَّحريمِ، فالصَّوابُ تَحريمُ ابتِدائِهم، وحَكى القاضي عن جَماعةٍ أنَّه يَجوزُ ابتِداؤُهم به للضَّرورةِ والحاجةِ، أو لسَببٍ، وهو قَولُ عَلقمةَ والنَّخَعيِّ، وعن الأَوزاعيِّ أنَّه قالَ: «إنْ سلَّمتَ فقد سلَّمَ الصَّالِحونَ، وإنْ تَركتَ فقد ترَك الصَّالِحونَ».
وقالَت طائِفةٌ من العُلماءِ: لا يَردُّ عليهم¬ السلامَ، ورَواه ابنُ وَهبٍ وأشهَبُ عن مالِكٍ وقالَ بعضُ أصحابِنا: يَجوزُ أنْ يَقولَ في الردِّ عليهم:
стр. 12597
وعليكم السلامُ، ولكنْ لا يَقولُ: «ورَحمةُ اللهِ»، حَكاه الماوَرديُّ، وهو ضَعيفٌ مُخالِفٌ للأحاديثِ، واللهُ أعلَمُ (١).
قالَ الإمامُ العَينيُّ ﵀: مُنع أنْ يُبتدأَ الكافِرُ بالسلامِ، وهو مَذهبُ الشافِعيِّ وأكثرِ العُلماءِ، وأَجازَه جَماعةٌ مُطلَقًا وجَماعةٌ للاستِئلافِ أو الحاجةِ، وقد جاءَ عنه النَّهيُ في الأَحاديثِ الصَّحيحةِ (٢).
وقالَ الإمامُ المَناويُّ ﵀: «لا تَبدؤوا اليَهودَ ولا النَّصارى بالسلامِ»؛ لأنَّ السلامَ إِعزازٌ ولا يَجوزُ إِعزازُهم، فيَحرمُ ابتِداؤُهم به على الأصحِّ عندَ الشافِعيةِ «فإذا لقِيَتم أحدَهم في طَرِيقٍ» فيه زَحمةٌ «فاضطرُّوه إلى أضيَقِه» بحيثُ لا يَقعُ في وَهدةٍ أو يَصدِمُه نَحوُ جِدارٍ، أي: لا تَترُكوا له صَدرَ الطَّريقِ (٣).
كيف نَردُّ عليهم إذا تَحقَّق لدينا أنَّهم قالُوا: السلامُ عليكم؟
قالَ ابنُ القَيمِ ﵀: هذا كلُّه إذا تَحقَّقَ أنَّه قالَ: السامُ عليكم، أو شَكَّ فيما قالَ، فلو تَحقَّقَ السامِعُ أنَّ الذِّميَّ قالَ له: «سَلامٌ عليكم» لا شكَّ فيه، فهل له أنْ يَقولَ: «وعليك السلامُ» أو أنْ يَقتصِرَ على قَولِه: «وعليك» فالذي تَقتَضيه الأدلةُ الشَّرعيةُ وقَواعدُ الشريعةِ أنْ يُقالَ له: «وعليك السلامُ»؛ فإنَّ هذا من بابِ العَدلِ، واللهُ يأمرُ بالعَدلِ والإحسانِ
стр. 12598
وقد قالَ تَعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] فنَدبَ إلى الفَضلِ وأوجَبَ العَدلَ ولا يُنافي هذا شَيئًا من أَحاديثِ البابِ بوَجهٍ ما؛ فإنَّه ﷺ إنَّما أمَرَ بالاقتِصارِ على قَولِ الرادِّ: «وعليكم»، بِناءً على السَّببِ المَذكورِ الذي كانُوا يَعتمِدونَه في تحيَّتِهم، وأَشارَ إليه في حَديثِ عائِشةَ ﵂ فقالَ: «ألا تَرَيْنني قُلتُ: وعليكم» لمَّا قالُوا: «السامُ عليكم»، ثم قالَ: «إذا سلَّمَ عليكم أهلُ الكِتابِ فقولوا: وعليكم»، والاعتِبارُ -وإنْ كانَ لعُمومِ اللَّفظِ- إنَّما يُعتبَرُ عُمومُه في نَظيرِ المَذكورِ لا فيما يُخالِفُه.
فقالَ تَعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [المجادلة: ٨] فإذا زالَ هذا السَّببُ، وقالَ الكِتابيُّ: سَلامٌ عليكم ورَحمةُ اللهِ، فالعَدلُ في التَّحيةِ يَقتَضي أنْ يَردَّ عليه نَظيرَ سَلامِه وباللهِ التَّوفيقُ (١).
وقالَ النَّوويُّ ﵀: قالَ أبو سَعدٍ: لو أرادَ تَحيةَ ذِميٍّ فعلها بغيرِ السلامِ؛ بأنْ يَقولَ: هداك اللهُ أو أنعَمَ اللهُ صباحَك.
قُلتُ: هذا الذي قالَه أبو سَعدٍ لا بأسَ به إذا احتاجَ إليه، فيَقولُ: صُبِّحت بالخَيرِ أو السعادةِ أو بالعافيةِ، أو صبَّحَك اللهُ بالسُّرورِ أو بالسَّعادةِ والنِّعمةِ أو بالمَسرةِ، أو ما أشبَهَ ذلك، وأمَّا إذا لمْ يَحتجْ إليه فالاختيارُ ألَّا يَقولَ شَيئًا؛ فإنَّ ذلك بَسطٌ له وإِيناسٌ وإِظهارُ صُورةِ وُدٍّ، ونحن
стр. 12599
مَأمورونَ بالإغلاظِ عليهم، ومَنهيُّونَ عن وُدِّهم، فلا نُظهِرُه، واللهُ أعلَمُ (١).
قَبولُ هَدايا غيرِ المُسلِمينَ:
كانَ ﷺ يَقبلُ هَدايا مُخالِفيه من غيرِ المُسلِمينَ فقَبِل هَديةَ زَينبَ بِنتِ الحارِثِ اليَهوديةِ امرأةِ سَلامِ بنِ مِشكَمٍ في خَيبَرَ؛ حيثُ أهدَتْ له شاةً مَشويةً قد وضَعَت فيها السُّمَّ.
وقد قرَّرَ الفُقهاءُ قَبولَ الهَدايا من الكُفارِ بجَميعِ أَصنافِهم حتى من أهلِ الحَربِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀ في «المُغني»: ويَجوزُ قَبولُ هَديةِ الكُفارِ من أهلِ الحَربِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قَبِل هَديةَ المُقَوقِسِ صاحِبِ مِصرَ (٢).
عيادةُ أهلِ الذِّمةِ:
عن أنسٍ ﵁ قالَ: كانَ غُلامٌ يَهوديٌّ يَخدُمُ النَّبيَّ ﷺ فمرِض فأَتاه النَّبيُّ ﷺ يَعودُه فقعَدَ عندَ رأسِه فقالَ له: «أسلِمْ» فنظَرَ إلى أبيه وهو عندَه فقالَ له: أطِعْ أبا القاسِمِ، فأسلَمَ فخرَجَ النَّبيُّ ﷺ وهو يَقولُ: «الحَمدُ للهِ الذي أنقَذَه من النارِ» (٣).
стр. 12600
قالَ الإمامُ العَينيُّ ﵀: فيه جَوازُ عيادةِ أهلِ الذِّمةِ، ولا سيَّما إذا كانَ الذِّميُّ جارًا له؛ لأنَّ فيه إِظهارَ مَحاسنِ الإِسلامِ وزيادةَ التآلُفِ بهم ليَرغَبوا في الإسلامِ (١).
وقالَ الإِمامُ النَّوويُّ ﵀: فَرعٌ فيما يَقولُ إذا عاد ذِميًّا: اعلَمْ أنَّ أصحابَنا اختلَفوا في عيادةِ الذِّميِّ فاستحَبَّها جَماعةٌ ومنَعها جَماعةٌ.
وذكَرَ الشاشيُّ الاختِلافَ، ثم قالَ: الصَّوابُ عندي أنْ يَقولَ: عيادةُ الكافرِ في الجُملةِ جائِزةٌ والقُربةُ فيها مَوقوفةٌ على نَوعِ حُرمةٍ تقتَرِنُ بها من جِوارٍ أو قَرابةٍ.
قُلتُ: هذا الذي ذكَرَه الشاشيُّ حَسنٌ، فقد رَويْنا في صَحيحِ البُخاريِّ عن أنَسٍ ﵁ … ثم ذكَرَ الحَديثَ.
وروَينا في صَحيحِ البُخاريِّ ومُسلمٍ عن المُسيِّبِ بنِ حَزنٍ والِدِ سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ ﵁ قالَ: لمَّا حضَرَت أَبا طالِبٍ الوَفاةُ جاءَه رَسولُ اللهِ ﷺ فقالَ: «يا عَمِّ، قُلْ لا إلهَ إلا اللهُ»، وذكَرَ الحَديثَ بطُولِه.
قُلتُ: فيَنبَغي لعائدِ الذِّميِّ أنْ يُرغِّبَه في الإسلامِ ويُبيِّنَ له مَحاسِنَه ويَحثَّه عليه ويُحرِّضَه على مُعاجَلتِه قبلَ أنْ يَصيرَ إلى حالٍ لا يَنفعُه فيها تَوبتُه، وإنْ دَعا له دَعا بالهِدايةِ ونَحوِها (٢).
стр. 12601
قالَ الإمامُ المَرُّوذيُّ ﵀: بلَغني أنَّ أَبا عبدِ اللهِ -أحمدَ بنَ حَنبلٍ- سُئلَ عن رَجلٍ له قَرابةٌ نَصرانِيٌّ، يَعودُه؟ قالَ: نَعمْ.
قالَ الأَثرمُ: وسَمِعتُ أبا عبدِ اللهِ يُسألُ عن الرَّجلِ له قَرابةٌ نَصرانِيٌّ يَعودُه؟ قالَ: نَعمْ. قيلَ له: نَصرانِيٌّ؟ قالَ: أَرجو ألَّا تُضيِّقَ العِيادةَ.
قالَ الأَثرمُ: وقُلتُ له مَرةً أُخرى يَعودُ الرَّجلُ اليَهودَ والنَّصارى؟ قالَ: أليسَ عادَ النَّبيُّ ﷺ اليَهوديَّ ودَعاه إلى الإسلامِ.
وقالَ أبو مَسعودٍ الأصبَهانيُّ: سألت أحمدَ بنَ حَنبلٍ عن عيادةِ القَرابةِ والجارِ النَّصرانِيِّ؛ قالَ: نَعمْ.
وقالَ الفَضلُ بنُ زيادٍ: سَمِعت أحمدَ سُئلَ عن الرَّجلِ المُسلِمِ يَعودُ أحدًا من المُشرِكينَ، قالَ: إنْ كانَ يَرى أنَّه إذا عادَه يَعرِضُ عليه الإسلامَ يَقبلُ منه فليَعُدْه كما عادَ النَّبيُّ ﷺ الغُلامَ اليَهوديَّ فعرَضَ عليه الإِسلامَ.
وقالَ إِسحاقُ بنُ إبراهيمَ: سأَلتُ أبا عبدِ اللهِ عن الرَّجلِ يَكونُ له الجارُ النَّصرانِيُّ فإذا مرِض يَعودُه، قالَ يَحيى: فيَقومُ على البابِ ويَعذِرُ إليه.
وقالَ مُهنَّا: سألتُ أبا عبدِ اللهِ عن الرَّجلِ يَعودُ الكافرَ؟ فقالَ: إذا كانَ يَرتَجيه فلا بأسَ به، ويَعرِضُ عليه الإسلامَ، قُلتُ له: وتَرى إذا عادَه يَدعوه إلى الإسلامِ؟ قالَ: نَعمْ.
وقالَ أبو داودَ: سَمِعتُ أحمدَ يُسألُ عن عيادةِ اليَهوديِّ والنَّصرانِيِّ؛ فقالَ: إذا كانَ يُريدُ أنْ يَدعوَه إلى الإسلامِ فنَعمْ.
стр. 12602
وقالَ جَعفرُ بنُ مُحمدٍ: سُئلَ أبو عبدِ اللهِ عن الرَّجلِ يَعودُ شَريكًا له يَهوديًّا أو نَصرانيًّا، قالَ: لا، ولا كَرامةَ.
قالَ ابنُ القَيمِ ﵀: فهذه ثَلاثُ رِواياتٍ مَنصوصاتٍ عن أحمدَ: المَنعُ والإذْنُ والتَّفصيلُ؛ فإنْ أمكَنه أنْ يَدعوَه إلى الإسلامِ ويَرجوَ ذلك منه عادَه (١).
وقالَ الإمامُ الشَّوكانَيُّ ﵀: وفي الحَديثِ دَليلٌ على جَوازِ زيارةِ أهلِ الذِّمةِ إذا كانَ الزائِرُ يَرجو بذلك حُصولَ مَصلحةٍ دِينيةٍ كإِسلامِ المَريضِ.
قالَ المُنذريُّ ﵀: قيلَ: يُعادُ المُشرِكُ ليُدعى إلى الإسلامِ إذا رُجيت إجابَتُه، ألا تَرى أنَّ اليَهوديَّ أسلَمَ حينَ عرَضَ عليه النَّبيُّ ﷺ الإِسلامَ، فأمَّا إذا لم يَطمعْ في الإِسلامِ ولم يَرجُ إجابتَه فلا يَنبَغي عيادَتُه، وهكذا قالَ ابنُ بَطالٍ ﵀: إنَّها إنَّما تُشرَعُ عيادةُ المُشرِكِ إذا رُجي أنْ يُجيبَ إلى الدُّخولِ في الإسلامِ، فأمَّا إذا لم يَطمعْ في ذلك فلا.
قالَ الحافِظُ ﵀: والذي يَظهرُ أنَّ ذلك يَختلِفُ باختِلافِ المَقاصدِ، فقد يَقعُ بعيادَتِه مَصلحةٌ أُخرى (٢).
стр. 12603
تَلقينُ الكافرِ المُحتضَرِ:
قالَ الإسنَويُّ ﵀: لو كانَ -أي: المُحتضَرُ- كافرًا لُقِّن الشَّهادتَينِ وأمَرَ بهما (١)، لما رُوي عن أنَسٍ ﵁ قالَ: كانَ غُلامٌ يَهوديٌّ يَخدُمُ النَّبيَّ ﷺ فمرِضَ فأَتاه النَّبيُّ ﷺ يَعودُه فقعَدَ عندَ رأسِه، فقالَ له: «أسلِمْ» فنظَر إلى أبيه وهو عندَه، فقالَ له: أطِعْ أبا القاسِمِ، فأسلَمَ، فخرَجَ النَّبيُّ ﷺ وهو يَقولُ: «الحَمدُ للهِ الذي أنقَذَه من النارِ» (٢).
وتَلقينُ الكافرِ المُحتضَرِ الشهادةَ يَكونُ وُجوبًا إنْ رُجِيَ إِسلامُه، وإنْ لمْ يُرجَ إسلامُه يُندَبْ ذلك.
قالَ الجَملُ ﵀: وظاهِرُ هذا أنَّه يُلقَّنُ إنْ رُجي إسلامُه وإنْ بلَغَ الغَرغرةَ، ولا بُعدَ فيه؛ لاحتِمالِ أنْ يَكونَ عَقلُه حاضِرًا، وإنْ ظهَرَ لنا خِلافُه وإنْ كنا لا نُرتِّبُ عليه أَحكامَ المُسلِمينَ حينَئذٍ (٣).
حُضورُ جَنائِزِ أهلِ الذِّمةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُضورِ المُسلِمِ جَنائزِ أهلِ الذِّمةِ؛ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى جَوازِ ذلك، وخالَفَ المالِكيةُ في ذلك.
стр. 12604
قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: واختلَفوا في غُسلِ الكافرِ ودَفنِه، فكانَ مالِكٌ يَقولُ: لا يُغسِّلُ المُسلِمُ والدَه إذا ماتَ كافرًا، ولا يَتبَعُه، ولا يَدخلُ في قَبْرِه إلا أنْ يَخشى أنْ يَضيعَ، فيُواريَه.
وكانَ الشافِعيُّ ﵀ يَقولُ: لا بأسَ أنْ يُغسِّلَ المُسلِمُ ذا قَرابَتِه من المُشرِكينَ، ويَتبعَه، ويَدفنَه، وبه قالَ أبو ثَورٍ وأصحابُ الرأيِ.
قالَ أبو بَكرٍ: ليسَ في غُسلِ من خالَفَ الإسلامَ سُنةٌ يَجبُ اتِّباعُها، والحَديثُ الذي احتَجَّ به الشافِعيُّ مُنقطِعٌ لا تَقومُ به الحُجةُ، وقد رَوينا عن عُمرَ بنِ الخَطابِ أنَّه قالَ لأبي وائِلٍ وقد ماتَت أُمُّه نَصرانيةً فقالَ: «اركَبْ دابةً وسِرْ أمامَها»، ورُوي عن ابنِ عَباسٍ أنَّه قالَ: «يَقومُ عليه، ويَتبعُه، ويَدفنُه» وقد اختُلفَ فيه.
وقالَ الحَسنُ البَصريُّ ﵀: لا نَرى بأسًا أنْ يَحُثَّه أو يُكفِّنَه.
ثم رَوى عن أبي وائِلٍ، قالَ: ماتَت أُمِّي نَصرانيةً، فأتيتُ عُمرَ فذكَرَت له ذلك، فقالَ: «اركَب دابةً وسِرْ أمامَها».
وعن سَعيدِ بنِ جُبَيرٍ قالَ: كانَ عندَنا رَجلٌ كانَ له أبٌ يَهوديٌّ، أو نَصرانِيٌّ، فماتَ فلم يَتبعْه، فسألتُ ابنَ عَباسٍ فقالَ: «يَقومُ عليه ويَتبعُه ويَدفنُه».
وعن عبدِ اللهِ بنِ شَريكٍ العامِريِّ، قالَ: سَمِعت الحارثَ بنَ أبي رَبيعةَ سألَ ابنَ عُمرَ عن أُمٍّ له نَصرانيةٍ ماتَت، فقالَ له ابنُ عُمرَ: «نَأمرُ بأمرِك وأنتَ بَعيدٌ ثم تَسيرُ أمامَها؛ فإنَّ الذي يَسيرُ أمامَ الجِنازةِ ليسَ معها».
стр. 12605
وقالَ عَطاءُ بنُ أبي رَباحٍ: «لا يَحمِلُ المُسلِمُ جِنازةَ الكافرِ، ولا يَقومُ على قبْرِه».
وقالَ أحمدُ بنُ حَنبلٍ وقد سُئلَ عن شُهودِ جِنازةِ الجارِ النَّصرانِيِّ؟ فقالَ: على نَحوِ ما مُنعَ الحارثُ بنُ أبي رَبيعةَ كانَ يَشهدُ جِنازةَ أُمِّه، وكانَ يَقومُ ناحيةً، ولا يَحضُرُه؛ لأنَّه مَلعونٌ.
قالَ أبو بَكرٍ: سَنَّ النَّبيُّ ﷺ غُسلَ المَوتى المُسلِمينَ، وليسَ في غُسلِ مَنْ خالَفهم سُنةٌ، وأَحسنُ شَيءٍ رَوينا في هذا البابِ حَديثُ ناجيةَ ابنِ كَعبٍ عن علِيٍّ ﵁ … ، قالَ: لمَّا هلَكَ أبو طالِبٍ أَتيتُ النَّبيَّ ﷺ فقُلتُ: إنَّ عمَّك الضَّالَّ قد هلَكَ، قالَ: «انطلِقْ فوارِه، ثم لا تُحدِثنَّ شَيئًا حتى تَأتيَني»، قالَ: فأتَيتُه قالَ: فأمَرَني أنْ أغتَسِلَ، ثم دَعا لي بدَعواتٍ ما يَسرُّني بهنَّ حُمرُ النَّعَمِ، أو ما على الأَرضِ من شَيءٍ (١).
وقالَ الماوَرديُّ ﵀: قالَ الشافِعيُّ ﵀: ويُغسِّلُ المُسلِمُ قَرابتَه من المُشرِكينَ ويَتبعُ جِنازتَه ولا يُصلِّي عليه؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ علِيًّا فغسَّلَ أبا طالِبٍ.
قالَ الماوَرديُّ ﵀: وهذا كما قالَ: إذا ماتَ المُشرِكُ وله قَرابةٌ مُسلِمونَ فلهم أنْ يُغسِّلوه ويُكفِّنوه ويَتبَعوا جِنازتَه. وكرِه مالِكٌ ذلك (٢).