← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 12601–12640 · переход к 12606.

стр. 12601

قالَ الإمامُ المَرُّوذيُّ ﵀: بلَغني أنَّ أَبا عبدِ اللهِ -أحمدَ بنَ حَنبلٍ- سُئلَ عن رَجلٍ له قَرابةٌ نَصرانِيٌّ، يَعودُه؟ قالَ: نَعمْ. قالَ الأَثرمُ: وسَمِعتُ أبا عبدِ اللهِ يُسألُ عن الرَّجلِ له قَرابةٌ نَصرانِيٌّ يَعودُه؟ قالَ: نَعمْ. قيلَ له: نَصرانِيٌّ؟ قالَ: أَرجو ألَّا تُضيِّقَ العِيادةَ. قالَ الأَثرمُ: وقُلتُ له مَرةً أُخرى يَعودُ الرَّجلُ اليَهودَ والنَّصارى؟ قالَ: أليسَ عادَ النَّبيُّ ﷺ اليَهوديَّ ودَعاه إلى الإسلامِ. وقالَ أبو مَسعودٍ الأصبَهانيُّ: سألت أحمدَ بنَ حَنبلٍ عن عيادةِ القَرابةِ والجارِ النَّصرانِيِّ؛ قالَ: نَعمْ. وقالَ الفَضلُ بنُ زيادٍ: سَمِعت أحمدَ سُئلَ عن الرَّجلِ المُسلِمِ يَعودُ أحدًا من المُشرِكينَ، قالَ: إنْ كانَ يَرى أنَّه إذا عادَه يَعرِضُ عليه الإسلامَ يَقبلُ منه فليَعُدْه كما عادَ النَّبيُّ ﷺ الغُلامَ اليَهوديَّ فعرَضَ عليه الإِسلامَ. وقالَ إِسحاقُ بنُ إبراهيمَ: سأَلتُ أبا عبدِ اللهِ عن الرَّجلِ يَكونُ له الجارُ النَّصرانِيُّ فإذا مرِض يَعودُه، قالَ يَحيى: فيَقومُ على البابِ ويَعذِرُ إليه. وقالَ مُهنَّا: سألتُ أبا عبدِ اللهِ عن الرَّجلِ يَعودُ الكافرَ؟ فقالَ: إذا كانَ يَرتَجيه فلا بأسَ به، ويَعرِضُ عليه الإسلامَ، قُلتُ له: وتَرى إذا عادَه يَدعوه إلى الإسلامِ؟ قالَ: نَعمْ. وقالَ أبو داودَ: سَمِعتُ أحمدَ يُسألُ عن عيادةِ اليَهوديِّ والنَّصرانِيِّ؛ فقالَ: إذا كانَ يُريدُ أنْ يَدعوَه إلى الإسلامِ فنَعمْ.

стр. 12602

وقالَ جَعفرُ بنُ مُحمدٍ: سُئلَ أبو عبدِ اللهِ عن الرَّجلِ يَعودُ شَريكًا له يَهوديًّا أو نَصرانيًّا، قالَ: لا، ولا كَرامةَ. قالَ ابنُ القَيمِ ﵀: فهذه ثَلاثُ رِواياتٍ مَنصوصاتٍ عن أحمدَ: المَنعُ والإذْنُ والتَّفصيلُ؛ فإنْ أمكَنه أنْ يَدعوَه إلى الإسلامِ ويَرجوَ ذلك منه عادَه (١). وقالَ الإمامُ الشَّوكانَيُّ ﵀: وفي الحَديثِ دَليلٌ على جَوازِ زيارةِ أهلِ الذِّمةِ إذا كانَ الزائِرُ يَرجو بذلك حُصولَ مَصلحةٍ دِينيةٍ كإِسلامِ المَريضِ. قالَ المُنذريُّ ﵀: قيلَ: يُعادُ المُشرِكُ ليُدعى إلى الإسلامِ إذا رُجيت إجابَتُه، ألا تَرى أنَّ اليَهوديَّ أسلَمَ حينَ عرَضَ عليه النَّبيُّ ﷺ الإِسلامَ، فأمَّا إذا لم يَطمعْ في الإِسلامِ ولم يَرجُ إجابتَه فلا يَنبَغي عيادَتُه، وهكذا قالَ ابنُ بَطالٍ ﵀: إنَّها إنَّما تُشرَعُ عيادةُ المُشرِكِ إذا رُجي أنْ يُجيبَ إلى الدُّخولِ في الإسلامِ، فأمَّا إذا لم يَطمعْ في ذلك فلا. قالَ الحافِظُ ﵀: والذي يَظهرُ أنَّ ذلك يَختلِفُ باختِلافِ المَقاصدِ، فقد يَقعُ بعيادَتِه مَصلحةٌ أُخرى (٢).

стр. 12603

تَلقينُ الكافرِ المُحتضَرِ: قالَ الإسنَويُّ ﵀: لو كانَ -أي: المُحتضَرُ- كافرًا لُقِّن الشَّهادتَينِ وأمَرَ بهما (١)، لما رُوي عن أنَسٍ ﵁ قالَ: كانَ غُلامٌ يَهوديٌّ يَخدُمُ النَّبيَّ ﷺ فمرِضَ فأَتاه النَّبيُّ ﷺ يَعودُه فقعَدَ عندَ رأسِه، فقالَ له: «أسلِمْ» فنظَر إلى أبيه وهو عندَه، فقالَ له: أطِعْ أبا القاسِمِ، فأسلَمَ، فخرَجَ النَّبيُّ ﷺ وهو يَقولُ: «الحَمدُ للهِ الذي أنقَذَه من النارِ» (٢). وتَلقينُ الكافرِ المُحتضَرِ الشهادةَ يَكونُ وُجوبًا إنْ رُجِيَ إِسلامُه، وإنْ لمْ يُرجَ إسلامُه يُندَبْ ذلك. قالَ الجَملُ ﵀: وظاهِرُ هذا أنَّه يُلقَّنُ إنْ رُجي إسلامُه وإنْ بلَغَ الغَرغرةَ، ولا بُعدَ فيه؛ لاحتِمالِ أنْ يَكونَ عَقلُه حاضِرًا، وإنْ ظهَرَ لنا خِلافُه وإنْ كنا لا نُرتِّبُ عليه أَحكامَ المُسلِمينَ حينَئذٍ (٣). حُضورُ جَنائِزِ أهلِ الذِّمةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُضورِ المُسلِمِ جَنائزِ أهلِ الذِّمةِ؛ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى جَوازِ ذلك، وخالَفَ المالِكيةُ في ذلك.

стр. 12604

قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: واختلَفوا في غُسلِ الكافرِ ودَفنِه، فكانَ مالِكٌ يَقولُ: لا يُغسِّلُ المُسلِمُ والدَه إذا ماتَ كافرًا، ولا يَتبَعُه، ولا يَدخلُ في قَبْرِه إلا أنْ يَخشى أنْ يَضيعَ، فيُواريَه. وكانَ الشافِعيُّ ﵀ يَقولُ: لا بأسَ أنْ يُغسِّلَ المُسلِمُ ذا قَرابَتِه من المُشرِكينَ، ويَتبعَه، ويَدفنَه، وبه قالَ أبو ثَورٍ وأصحابُ الرأيِ. قالَ أبو بَكرٍ: ليسَ في غُسلِ من خالَفَ الإسلامَ سُنةٌ يَجبُ اتِّباعُها، والحَديثُ الذي احتَجَّ به الشافِعيُّ مُنقطِعٌ لا تَقومُ به الحُجةُ، وقد رَوينا عن عُمرَ بنِ الخَطابِ أنَّه قالَ لأبي وائِلٍ وقد ماتَت أُمُّه نَصرانيةً فقالَ: «اركَبْ دابةً وسِرْ أمامَها»، ورُوي عن ابنِ عَباسٍ أنَّه قالَ: «يَقومُ عليه، ويَتبعُه، ويَدفنُه» وقد اختُلفَ فيه. وقالَ الحَسنُ البَصريُّ ﵀: لا نَرى بأسًا أنْ يَحُثَّه أو يُكفِّنَه. ثم رَوى عن أبي وائِلٍ، قالَ: ماتَت أُمِّي نَصرانيةً، فأتيتُ عُمرَ فذكَرَت له ذلك، فقالَ: «اركَب دابةً وسِرْ أمامَها». وعن سَعيدِ بنِ جُبَيرٍ قالَ: كانَ عندَنا رَجلٌ كانَ له أبٌ يَهوديٌّ، أو نَصرانِيٌّ، فماتَ فلم يَتبعْه، فسألتُ ابنَ عَباسٍ فقالَ: «يَقومُ عليه ويَتبعُه ويَدفنُه». وعن عبدِ اللهِ بنِ شَريكٍ العامِريِّ، قالَ: سَمِعت الحارثَ بنَ أبي رَبيعةَ سألَ ابنَ عُمرَ عن أُمٍّ له نَصرانيةٍ ماتَت، فقالَ له ابنُ عُمرَ: «نَأمرُ بأمرِك وأنتَ بَعيدٌ ثم تَسيرُ أمامَها؛ فإنَّ الذي يَسيرُ أمامَ الجِنازةِ ليسَ معها».

стр. 12605

وقالَ عَطاءُ بنُ أبي رَباحٍ: «لا يَحمِلُ المُسلِمُ جِنازةَ الكافرِ، ولا يَقومُ على قبْرِه». وقالَ أحمدُ بنُ حَنبلٍ وقد سُئلَ عن شُهودِ جِنازةِ الجارِ النَّصرانِيِّ؟ فقالَ: على نَحوِ ما مُنعَ الحارثُ بنُ أبي رَبيعةَ كانَ يَشهدُ جِنازةَ أُمِّه، وكانَ يَقومُ ناحيةً، ولا يَحضُرُه؛ لأنَّه مَلعونٌ. قالَ أبو بَكرٍ: سَنَّ النَّبيُّ ﷺ غُسلَ المَوتى المُسلِمينَ، وليسَ في غُسلِ مَنْ خالَفهم سُنةٌ، وأَحسنُ شَيءٍ رَوينا في هذا البابِ حَديثُ ناجيةَ ابنِ كَعبٍ عن علِيٍّ ﵁ … ، قالَ: لمَّا هلَكَ أبو طالِبٍ أَتيتُ النَّبيَّ ﷺ فقُلتُ: إنَّ عمَّك الضَّالَّ قد هلَكَ، قالَ: «انطلِقْ فوارِه، ثم لا تُحدِثنَّ شَيئًا حتى تَأتيَني»، قالَ: فأتَيتُه قالَ: فأمَرَني أنْ أغتَسِلَ، ثم دَعا لي بدَعواتٍ ما يَسرُّني بهنَّ حُمرُ النَّعَمِ، أو ما على الأَرضِ من شَيءٍ (١). وقالَ الماوَرديُّ ﵀: قالَ الشافِعيُّ ﵀: ويُغسِّلُ المُسلِمُ قَرابتَه من المُشرِكينَ ويَتبعُ جِنازتَه ولا يُصلِّي عليه؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ علِيًّا فغسَّلَ أبا طالِبٍ. قالَ الماوَرديُّ ﵀: وهذا كما قالَ: إذا ماتَ المُشرِكُ وله قَرابةٌ مُسلِمونَ فلهم أنْ يُغسِّلوه ويُكفِّنوه ويَتبَعوا جِنازتَه. وكرِه مالِكٌ ذلك (٢).

стр. 12606

وقالَ الكاسانِيُّ ﵀: وإذا كانَ ذا رَحِمٍ مَحرَمٍ من المُسلِمِ فلا بأسَ بأنْ يُغسِّلَه ويُكفِّنَه ويَتبعَ جِنازتَه ويَدفنَه؛ لأنَّ الابنَ ما نُهيَ عن البِرِّ بمَكانِ أبيه الكافرِ، بل أُمِرَ بمُصاحبتِهما بالمَعروفِ بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [x: ١٥]، ومِن البِرِّ القيامُ بغُسلِه، ودَفنِه وتَكفِينِه (١). وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: فَصلٌ في شُهودِ جَنائزِهم. قالَ مُحمدُ بنُ موسى: قُلتُ لأبي عبدِ اللهِ: يُشيِّعُ المُسلِمُ جِنازةَ المُشرِكِ؟ قالَ: نَعمْ. وقالَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ بنِ هارونَ: قيلَ لأبي عبدِ اللهِ: ويَشهدُ جِنازتَه؟ قالَ: نَعمْ. نَحوَ ما صنَعَ الحارِثُ بنُ أبي رَبيعةَ كانَ شهِدَ جِنازةَ أُمِّه وكانَ يَقومُ ناحيةً ولا يَحضُرُ؛ لأنَّه مَلعونٌ. وقالَ أبو طالِبٍ: سأَلتُ أبا عبدِ اللهِ عن الرَّجلِ يَموتُ وهو يَهوديٌّ وله وَلدٌ مُسلِمٌ كيف يَصنعُ؟ قالَ: يَركبُ دابَّتَه ويَسيرُ أمامَ الجِنازةِ ولا يَكونُ خَلفَه، فإذا أرادوا أنْ يَدفِنوه رجَعَ، مِثلَ قَولِ عُمرَ. قُلتُ: أرادَ ما رَواه سَعيدُ بنُ مَنصورٍ، قالَ حدَّثَني عيسى بنُ يُونسَ عن مُحمدِ بنِ أبي إسماعيلَ عن عامِرِ بنِ شَقيقٍ عن أبي وائِلٍ قالَ: ماتَت أُمِّي نَصرانيةً، فأتيتُ عُمرَ فسألتُه، فقالَ: «اركَب في جِنازتِها وسِرْ أمامَها».

стр. 12607

قالَ الخَلَّالُ: حدَّثَنا علِيُّ بنُ سَهلِ بنِ المُغيرةِ، قالَ: حدَّثَني أبي، سَهلُ بنُ المُغيرةِ حدَّثَنا أبو مَعشرٍ عن مُحمدِ بنِ كَعبٍ القُرظيُّ عن عبدِ اللهِ ابنِ كَعبِ بنِ مالِكٍ عن أبيه قالَ: جاءَ قَيسُ بن شَمَّاسٍ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَ: إنَّ أمَّه تُوفِّيت وهي نَصرانيةٌ وهو يُحِبُّ أنْ يَحضُرَها، فقالَ له النَّبيُّ: «اركَبْ دابَّتَك وسِرْ أمامَها؛ فإنَّك إذا كُنْتَ أمامَها لم تَكنْ معها» (١). قالَ عليُّ بنُ سَهلٍ: رأيتُ أحمدَ بنَ حَنبلٍ يَسألُ أبي عن هذا الحَديثِ فحدَّثَه به. وقالَ حَنبلٌ: سأَلتُ أبا عبدِ اللهِ عن المُسلِمِ تَموتُ له أُمٌّ نَصرانيةٌ أو أَبوه أو أَخوه أو ذُو قَرابَتِه وتَرى أنْ يَليَ شَيئًا من أَمرِه حتى يُواريَه، قالَ: إنْ كانَ أبًا أو أمًّا أو أخًا أو قَرابةً قَريبةً وحضَرَه فلا بأسَ، وقد أمَرَ النَّبيُّ ﷺ عليَّ بنَ أبي طالِبٍ ﵁ أنْ يُواريَ أبَا طالِبٍ، قُلتُ: فتَرى أنْ يَفعلَ هو ذلك، قالَ: أهلُ دِينِه يَلُونه وهو حاضِرٌ يَكونُ معهم، حتى إذا ذَهبوا به ترَكه معهم وهُم يَلُونه. قالَ حَنبلٌ: وحدَّثَنا عَفَّانُ، ثنا حَمَّادُ بنُ سَلمةَ عن علِيِّ بنِ زَيدٍ عن يُوسفَ بنِ مِهرانَ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ رَبيعةَ قالَ لعبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄: إنَّ

стр. 12608

أُمِّي ماتَت، وقد عَلِمتَ الذي كانَت عليه من النَّصرانيةِ. قالَ: «أحسِنْ وِلايتَها وكَفِّنْها ولا تَقمْ على قبْرِها». قالَ يُوسفُ: كنَّا معه في ناحيةٍ والنَّصارى يَعِجُّون مع أُمِّه. وقالَ إسحاقُ بنُ مَنصورٍ: قُلتُ لأبي عبدِ اللهِ: الرَّجلُ يَكونُ له جارٌ مُسلِمٌ ماتت أُمُّه نَصرانيةً يَتبعُ هذا جِنازتَها؟ قالَ: لا يَتبعُها، يَكونُ ناحيةً منها. وقالَ: الأثرَمُ سَمِعت أبا عبدِ اللهِ يَسألُ عن شُهودِ جِنازةِ النَّصرانِيِّ الجارَ، قالَ: على نَحوِ ما صنَعَ الحارِثُ بنُ أبي رَبيعةَ كانَ شهِدَ جِنازةَ أُمِّه فكانَ يَقومُ ناحيةً ولا يَحضُرُ؛ لأنَّه مَلعونٌ. وقالَ صالِحُ بنُ أحمدَ: قُلتُ لأبي: رَجلٌ مُسلِمٌ ماتَت له أُمٌّ نَصرانيةٌ يَتبعُ جنازَتها؟ قالَ: يَكونُ ناحيةً منها. وقالَ سَعيدُ بنُ مَنصورٍ: ثنا سُفيانُ عن أبي سَنانٍ عن سَعيدِ بنِ جُبَيرٍ، قالَ: سأَلتُ ابنَ عَباسٍ ﵄ عن رَجلٍ ماتَ أَبوه نَصرانيًّا، قالَ: «يَشهدُه ويَدفِنُه». قالَ الخَلَّالُ: كانَ أبا عبدِ اللهِ لم يُعجِبْه ذلك، ثم رَوى عن هؤلاء الجَماعةِ أنَّه لا بأسَ به، واحتجَّ بالأحاديثِ، يَعني أنَّه رجَعَ إلى هذا القَولِ، واللهُ أعلَمُ (١).

стр. 12609

تَعزيةُ أهلِ الذِّمةِ: قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وتَوقَفَ أحمدُ ﵀ عن تَعزيةِ أهلِ الذِّمةِ، وهي تُخرَجَ على عيادَتِهم. وفيه رِوايتانِ: إحداهُما: لا نَعودُهم، فكذلك لا نُعزِّيهم؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا تَبدَؤوهم بالسلامِ» (١) وهذا في مَعناه. والثانِيةُ: نَعودُهم؛ لأنَّه كانَ غُلامٌ يَهوديٌّ يَخدُمُ النَّبيَّ ﷺ فمرِضَ فأَتاه النَّبيُّ ﷺ يَعودُه فقعَدَ عندَ رأسِه، فقالَ له: «أسلِمْ» فنظَر إلى أبيه وهو عندَه، فقالَ له: أطِعْ أبا القاسِمِ، فأسلَمَ، فخرَجَ النَّبيُّ ﷺ وهو يَقولُ: «الحَمدُ للهِ الذي أنقَذَه من النارِ» رواه البخاري. فعلى هذا نُعزِّيهم، فنَقولُ في تَعزيتِهم: بمُسلمٍ: أحسَنَ اللهُ عَزاءَك وغفَرَ لميِّتِك، وعن كافرٍ: أخلَفَ اللهُ عليكَ ولا نقَّصَ عددَك، ويَقصِدُ زيادةَ عَددِهم لتَكثُرَ جِزيتُهم، وقالَ أبو عبدِ اللهِ بنُ بَطةَ: يَقولُ: أَعطاك اللهُ على مُصيبتِك أفضَلَ ما أَعطى أحدًا من أهلِ دِينِك. فأمَّا الردُّ من المُعزِّي، فبلَغنا عن أحمدَ بنِ الحُسينِ قالَ: سَمِعت أبا عبدِ اللهِ وهو يُعزِّي في عَبثَرَ، ابنِ عَمِّه، وهو يَقولُ: استَجابَ اللهُ دُعاك ورَحِمنا وإيَّاك (٢).

стр. 12610

وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: قالَ حَمدانُ الوَرَّاقُ: سُئل أبو عبدِ اللهِ: تُعزِّي أهلَ الذِّمةِ؟ فقالَ: ما أَدْري، أُخبِرُك ما سَمِعت في هذا. وقالَ الأَثرمُ: سُئل أبو عبدِ اللهِ أَيعزَّى أهلُ الذِّمةِ؟ فقالَ: ما أَدْري. ثم قالَ الأثرَمُ: حدَّثَنا أبو سَعيدٍ الأشَجُّ: ثنا إِسحاقُ بنُ مَنصورٍ السَّلوليُّ ثنا هُرَيمٌ، قالَ: سَمِعت الأجلحَ عزَّى نَصرانيًّا، فقالَ: عليك بتَقوى اللهِ والصبْرِ. وذكَرَ الأثرَمُ حدَّثَنا مِنجابُ بنُ الحارِثِ ثنا شَريكٌ عن مَنصورٍ عن إِبراهيمَ، قالَ: إذا أَردتَ أنْ تُعزِّيَ رَجلًا من أهلِ الكِتابِ فقل: أكثَرَ اللهُ مالَك، ووَلدَك وأَطالَ حياتَك أو عُمرَك. وقالَ الفَضلُ بنُ زيادٍ: سأَلتُ أبا عبدِ اللهِ كيف يُعزَّى النصرانِيُّ؟ قالَ: لا أدري، ولمْ يُعزِّه. وقالَ حَربٌ: ثنا إِسحاقُ ثنا مُسلِمُ بنُ قُتَيبةَ ثنا كَثيرُ بنُ أَبانَ عن غالِبٍ قالَ: قالَ الحَسنُ: إذا عزَّيتَ الذِّميَّ فقُل: لا يُصيبُك إلا خَيرٌ. وقالَ عباسُ بنُ مُحمدٍ الدُّوريُّ: سأَلتُ أحمدَ بنَ حَنبلٍ قُلتُ له: اليَهوديُّ والنصرانِيُّ يُعزِّيني، أيَّ شَيءٍ أردُّ إليه؟ فأطرَقَ ساعةً ثم قالَ: ما أحفَظُ فيه شَيئًا. وقالَ حَربٌ: قُلتُ لإسحاقَ: فكيف يُعزَّى المُشرِكُ، قالَ: يَقولُ: أكثرَ اللهُ مالَك ووَلدَك (١).

стр. 12611

تَهنئةُ أهلِ الذِّمةِ في أعيادِهم ومُناسَباتِهم: اتَّفق فُقهاءُ الأُمةِ على أنَّه يَحرُمُ على المُسلمِ الحُضورُ أو التَّهنئةُ لغيرِ المُسلِمينَ بأعيادِهم المُختصةِ بشَعائرِ الكُفر. واختَلَفوا هل يَكفرُ بذلك أو لا؟ وإليكَ نُصوصَ المَذاهبِ الأربَعةِ التي تُبيِّنُ عَدمَ الجَوازِ وتُبيِّنُ قَولَ مَنْ يَقولُ بأنَّ من هنَّأَهم بعيدِهم يَكونُ كافرًا. أولًا: قَولُ الحَنفيةِ: قالَ في «مَجمعِ الأنهُرِ»: ويَكفرُ بخُروجِه إلى نَيروزِ المَجوسِ والمُوافقةِ معهم فيما يَفعلونه في ذلك اليَومِ وبشِرائِه يَومَ نَيروزٍ شَيئًا لمْ يَكنْ يَشتَرِيه قبلَ ذلك تَعظيمًا للنَّيروزِ لا للأَكلِ والشُّربِ وبإِهدائِه ذلك اليَومَ للمُشرِكينَ ولو بَيضةً، تَعظيمًا لذلك اليَومِ. ولا يَكفرُ بإجابةِ دَعوةِ مَجوسٍ وحَلقِ رأسِ وَلدِه. ويَكفرُ بوَضعِ قَلَنسوةِ المَجوسِ على رأسِه على الصَّحيحِ إلا لتَخليصِ الأَسيرِ أو لضَرورةِ دَفعِ الحَرِّ والبَردِ عندَ بَعضٍ، وقيلَ: إنْ قصَدَ به التَّشبيهَ يَكفُرُ وكذا شدُّ الزُّنَّارِ في وَسطِه. وفي البَزَّازيةِ ويُحكى عن بَعضٍ من الأَسالِفةِ أنَّه يَقولُ ما ذُكِرَ من الفَتاوى أنَّه يَكفرُ بكذا وكذا أنَّه للتَّخويفِ والتَّهديدِ لا لحَقيقةِ الكُفرِ وهذا كَلامٌ باطِلٌ وحاشَا أنْ يَلعبَ أُمناءُ اللهِ تَعالى -أعني عُلماءَ الأَحكامِ بالحَلالِ

стр. 12612

والحَرامِ والكُفرِ والإسلامِ- بل لا يَقولون إلا الحَقَّ الثابِتَ عندَ شَريعةِ سيِّدنا مُحمدٍ ﵊ (١). وقالَ ابنُ نَجيمٍ الحَنفيُّ ﵀: ويَكفرُ بخُروجِه إلى نَيروزِ المَجوسِ والمُوافقةِ معهم فيما يَفعلون في ذلك اليَومِ وبشِرائِه يَومَ النَّيروزِ شَيئًا لم يَكنْ يَشتريه قبلَ ذلك تَعظيمًا للنَّيروزِ لا للأكلِ والشُّربِ وبإهدائِه ذلك اليَومَ للمُشرِكين ولو بَيضةً تَعظيمًا لذلك اليَومِ لا بإجابَتِه دَعوةَ مَجوسيٍّ لحَلقِ رأسِ وَلدِه وبتَحسينِ أمرِ الكُفارِ اتِّفاقًا حتى قالُوا: لو قالَ: تَركُ الكَلامِ عندَ أكلِ الطَّعامِ من المَجوسيِّ حَسنٌ، أو تَركُ المُضاجعةِ حالةَ الحَيضِ منهم حَسنٌ، فهو كافِرٌ (٢). وقالَ الزَّيلعيُّ ﵀: قالَ: «والإِعطاءُ باسمِ النَّيروزِ والمِهرجانِ لا يَجوزُ» أي: الهَدايا باسمِ هذَينِ اليَومَينِ حَرامٌ بل كُفرٌ، وقالَ أبو حَفصٍ الكَبيرُ ﵀: لو أنَّ رَجلًا عبَدَ اللهَ خَمسينَ سَنةً ثم جاءَ يَومَ النَّيروزِ، وأهدَى لبَعضِ المُشرِكينَ بَيضةً يُريدُ بها تَعظيمَ ذلك اليَومِ فقد كفَر، وحبِطَ عَملُه. وقالَ صاحِبُ «الجامِعِ الأصغرِ»: إذا أَهدى يَومَ النَّيروزِ إلى مُسلمٍ آخَر، ولمْ يُردْ به التَّعظيمَ لذلك اليَومِ، ولكنْ على ما اعتادَه بعضُ الناسِ لا يَكفرُ، ولكنْ يَنبَغي له ألَّا يَفعلَ ذلك في ذلك اليَومِ خاصةً، ويَفعلُه قبلَه أو بعدَه كي لا يَكونَ تَشبُّهًا بأولئك القَومِ، وقد قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ تَشبَّهَ بقَومٍ فهو منهم».

стр. 12613

وقالَ في «الجامِعِ الأصغَرِ»: رَجلٌ اشتَرى يَومَ النَّيروزِ شَيئًا لم يَكنْ يَشتَرِيه قبلَ ذلك إنْ أرادَ به تَعظيمَ ذلك اليَومِ كما يُعظِّمُه المُشرِكونَ كفَرَ، وإنْ أرادَ الأكلَ والشُّربَ والتَّنعُّمَ لا يَكفرُ (١). وقالَ في «الدُّرِّ المُختارِ»: (والإعطاءُ باسمِ النَّيروزِ والمِهرجانِ لا يَجوزُ) أي: الهَدايا باسمِ هذَينِ اليَومَينِ حَرامٌ (وإنْ قصَدَ تَعظيمَه) كما يُعظِّمُه المُشرِكونَ (يَكفُرُ) قالَ أبو حَفصٍ الكَبيرُ: لو أنَّ رَجلًا عبَد اللهَ خَمسينَ سَنةً ثم أهدى لمُشرِكٍ يَومَ النَّيروزِ بَيضةً يُريدُ تَعظيمَ اليَومِ فقد كفَرَ وحبِطَ عَملُه. اه. ولو أهدَى لمُسلمٍ ولم يُرِدْ تَعظيمَ اليَومِ بل جرَى على عادةِ الناسِ لا يَكفرُ ويَنبَغي أنْ يَفعلَه قبلَه أو بعدَه نَفيًا للشُّبهةِ، ولو شَرى فيه ما لمْ يَشتَرِه قبلُ. قالَ ابنُ عابدِين ﵀: قَولُه والإعطاءُ باسمِ النَّيروزِ والمِهرجانِ بأنْ يُقالَ: هَديةُ هذا اليَومِ -ومِثلُ القَولِ النِّيةُ فيما يَظهَرَ-، والنَّيروزُ أولُ الرَّبيعِ، والمِهرجانُ أولُ الخَريفِ، وهما يَومانِ يُعظِّمُهما بعضُ الكَفرةِ ويَتهادَونَ فيهما، قَولُه: ثم أَهدَى لمُشرِكٍ … إلخ، قالَ في «جامِعِ الفُصولَينِ»: وهذا بخِلافِ ما لو اتَّخذَ مُجوسيٌّ دَعوةً لحَلقِ رأسِ وَلدِه فحضَرَ مُسلِمٌ دَعوتَه فأَهدَى إليه شَيئًا لا يَكفرُ.

стр. 12614

وحُكي أنَّ واحِدًا من مَجوسيِّ سَربلَ كانَ كَثيرَ المالِ حَسنَ التَّعهُّدِ بالمُسلِمينَ فاتَّخذَ دَعوةً لحَلقِ رأسِ وَلدِه فشهِد دَعوتَه كَثيرٌ من المُسلِمينَ وأَهدَى بَعضُهم إليه، فشَقَّ ذلك على مُفتيهم، فكتَبَ إلى أُستاذِه علِيٍّ السَّعديِّ: أنْ أَدرِكْ أهلَ بَلدِك فقد ارتَدُّوا وشهِدوا شِعارَ المَجوسيِّ، وقصَّ عليه القِصةَ، فكتَبَ إليه: إجابةُ دَعوةِ أهلِ الذِّمةِ مُطلَقةٌ في الشَّرعِ، ومُجازاةُ الإِحسانِ من المُروءةِ، وحَلقُ الرأسِ ليسَ من شِعارِ أهلِ الضَّلالةِ، والحُكمُ برِدَّة المُسلمِ بهذا القَدرِ لا يُمكِنُ، والأوْلى للمُسلِمينَ ألَّا يُوافِقوهم على مِثلِ هذه الأَحوالِ لإِظهارِ الفَرحِ والسُّرورِ (١). ثانيًا: قَولُ المالِكيةِ: قالَ ابنُ الحاجِّ ﵀: سُئلَ ابنُ القاسِمِ عن الرُّكوبِ في السُّفنِ التي يَركبُ فيها النَّصارى لأعيادِهم، فكرِهَ ذلك مَخافةَ نُزولِ السُّخطِ عليهم لكُفرِهم الذي اجتمَعوا له، قالَ: وكرِهَ ابنُ القاسمِ للمُسلمِ أنْ يُهديَ إلى النَّصرانِيِّ في عيدِه مُكافأةً له ورآهُ من تَعظيمِ عِيدِه وعَونًا له على مَصلحةِ كُفرِه، ألا تَرى أنَّه لا يَحِلُّ للمُسلِمينَ أنْ يَبيعوا للنَّصارى شَيئًا من مَصلحةِ عيدِهم لا لحمًا ولا إِدامًا ولا ثَوبًا، ولا يُعارونَ دابةً ولا يُعانونَ على شَيءٍ من دِينِهم؛ لأنَّ ذلك من التَّعظيمِ لشِركِهم وعَونِهم على كُفرِهم. ويَنبَغي للسَّلاطينِ أنْ يَنهَوُا المُسلِمينَ عن ذلك، وهو قَولُ مالِكٍ وغيرِه لم أعلَمْ أحَدًا اختَلفَ في ذلك، انتَهى (٢).

стр. 12615

ثالِثًا: قَولُ الشافِعيةِ: قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: ويُعزَّرُ مَنْ وافَقَ الكُفارَ في أَعيادِهم -بأنْ يَفعلَ ما يَفعلونَه في يَومِ عِيدِهم، وهذا حَرامٌ (١) - ومَن يُمسِكُ الحَيَّةَ ويَدخلُ النارَ ومَن قالَ لذِميٍّ يا حاجُّ، ومَن هنَّأَه بعِيدِه (٢). وقد نَصَّ الإمامُ ابنُ حَجرٍ الهَيتَميُّ على حُرمةِ التَّشبُّهِ بهم في أعيادِهم، وله تَفصيلٌ في ذلك، فجعَلَ التَّشبُّهَ بهم على ثَلاثةِ أحوالٍ: فقالَ: والحاصِلُ أنَّه إنْ فعَلَ ذلك بقَصدِ التَّشبُّهِ بهم في شِعارِ الكُفرِ كفَر قَطعًا، أو في شِعارِ العيدِ مع قَطعِ النَّظرِ عن الكُفرِ لم يَكفرْ، ولكنَّه يَأثمُ وإنْ لم يَقصِدِ التَّشبيهَ بهم أَصلًا ورَأسًا، فلا شَيءَ عليه. ثم رَأيتُ بعضَ أئِمَّتِنا المُتأخِّرينَ ذكَرَ ما يُوافِقُ ما ذكَرَتُه، فقالَ: ومِن أقبَحِ البِدعِ مُوافَقةُ المُسلِمينَ النَّصارى في أعيادِهم بالتَّشبُّهِ بأَكلِهم والهِديةِ لهم وبقَبولِ هَديَّتِهم فيه، وأكثَرُ الناسِ اعتِناءً بذلك المِصريُّونَ، وقد قالَ ﷺ : «مَنْ تَشبَّهَ بقَومٍ فهو منهم». بل قالَ ابنُ الحاجِّ: لا يَحِلُّ لمُسلمٍ أنْ يَبيعَ نَصرانيًّا شَيئًا من مَصلحةِ عيدِه لا لَحمًا ولا أَدمًا ولا ثَوبًا ولا يُعارونَ شَيئًا ولو دابةً؛ إذْ هو مُعاونةٌ لهم على كُفرِهم، وعلى وُلاةِ الأمرِ مَنعُ المُسلِمينَ من ذلك … ويَجبُ مَنعُهم من التَّظاهرِ بأَعيادِهم. اه (٣).

стр. 12616

وسُئلَ قاضي القُضاةِ شَيخُ الإسلامِ سِراجُ الدِّينِ البُلقينيُّ ﵀ عن مُسلمٍ قالَ لذِميٍّ في عِيدٍ من أعيادِهم: عيدٌ مُبارَكٌ عليك، هل يَكفرُ أو لا؟ فأَجابَ: إنْ قالَه المُسلِمُ للذِّميِّ على قَصدِ تَعظيمِ دِينِهم وعيدِهم؛ فإنَّه يَكفرُ، وإنْ لمْ يَقصِدْ ذلك وإنَّما جرَى ذلك على لسانِه، فلا يَكفرُ لما قالَه من غيرِ قَصدٍ (١). رابِعًا: قَولُ الحَنابِلةِ: قالَ البُهوتيُّ ﵀: (ويَحرُمُ تَهنئتُهم وتَعزيتُهم وعيادَتُهم)؛ لأنَّه تَعظيمٌ لهم أشبَهَ السَّلامَ. (وعنه تَجوزُ العيادةُ) أي: عيادةُ الذِّميِّ (إنْ رُجِيَ إسلامُه فيَعرِضُه عليه، واختارَه الشَّيخُ وغيرُه) لما رَوى أنَسٌ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ عادَ يَهوديًّا وعرَضَ عليه الإسلامَ، فأسلَمَ، فخرَجَ وهو يَقولُ: الحَمدُ للهِ الذي أنقَذه بي مِنْ النارِ» رَواه البُخاريُّ، ولأنَّه من مَكارمِ الأَخلاقِ. وقالَ الشَّيخُ: (ويَحرُمُ شُهودُ عيدِ اليَهودِ والنَّصارى) وغيرِهم من الكُفارِ (وبَيعُه لهم فيه)، وفي المُنتَهى لا بَيعُنا لهم فيه (ومُهاداتُهم لعيدِهم) لما في ذلك من تَعظيمِهم، فيُشبِهُ بَداءَتَهم بالسلامِ (ويَحرُمُ بَيعُهم) وإِجارَتُهم (ما يَعمَلونه كَنيسةً أو تِمثالًا) أي: صَنمًا (ونَحوَه) كالذي يَعمَلونَه صَليبًّا؛ لأنَّه إِعانةٌ لهم على كُفرِهم، وقالَ تَعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾

стр. 12617

[المائدة: ٢] ويَحرُمُ (كلُّ ما فيه تَخصيصٌ لعيدِهم وتَمييزٌ لهم، وهو من التَّشبُّهِ بهم، والتَّشبُّهُ بهم مَنهيٌّ عنه إجماعًا) للخبَرِ (وتَجِبُ عُقوبةُ فاعِلِه) (١). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: وأمَّا أعيادُ المُشرِكينَ فجمَعت الشُّبهةَ والشَّهوةَ والباطِلَ ولا مَنفعةَ فيها في الدِّينِ وما فيها من اللَّذةِ العاجِلةِ فعاقِبتُها إلى ألَمٍ فصارَت زُورًا وحُضورُها هو شُهودُها. وإذا كانَ اللهُ قد مدَحَ تَركَ شُهودِها الذي هو مُجرَّدُ الحُضورِ برُؤيةٍ أو سَماعٍ فكيفَ بالمُوافَقةِ بما يَزيدُ على ذلك من العَملِ الذي هو عَملُ الزُّورِ لا بمُجرَّدِ شُهودِه (٢). وقالَ أيضًا: والمَحذورُ في أعيادِ أهلِ الكِتابَينِ التي نُقِرُّهم عليها أشَدُّ من المَحذورِ في أَعيادِ الجاهِليةِ التي لا نُقِرُّهم عليها؛ فإنَّ الأُمةَ قد حَذَّروا مُشابَهةَ اليَهودِ والنَّصارى وأَخبَروا أنَّه سيَفعلُ قَومٌ منهم هذا المَحذورَ بخِلافِ دِينِ الجاهِليةِ؛ فإنَّه لا يَعودُ إلا في آخرِ الدَّهرِ عندَ اختِرامِ أنفُسِ المُؤمِنينَ عُمومًا، ولو لم يَكنْ أشَدَّ منه؛ فإنَّه مِثلُه على ما لا يَخفى، إذِ الشَّرُّ الذي له فاعِلٌ مَوجودٌ -يُخالِفُ على الناسِ منه- أكثَرُ من شَرٍّ لا مُقتَضى له قَويٌّ (٣). وقالَ أيضًا: وأمَّا الاعتِبارُ في مَسألةِ العيدِ فمِن وُجوهٍ:

стр. 12618

أحَدُها: أنَّ الأعيادَ من جُملةِ الشَّرعِ والمَناهجِ والمَناسكِ التي قالَ اللهُ سُبحانَه عنها: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] وقالَ: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ [الحج: ٦٧]، كالقِبلةِ والصَّلاةِ والصِّيامِ فلا فَرقَ بينَ مُشارَكتِهم في العيدِ وبينَ مُشارَكتِهم في سائرِ المَناهجِ؛ فإنَّ المُوافَقةَ في جَميعِ العيدِ مُوافَقةٌ في الكُفرِ، والمُوافَقةُ في بعضِ فُروعِه مُوافَقةٌ في بعضِ شُعَبِ الكُفرِ بل الأَعيادُ هي مِنْ أخَصِّ ما تَتميَّزُ به بينَ الشَّرائعِ ومِن أَظهَرِ ما لها من الشَّعائرِ فالمُوافَقةُ فيها مُوافَقةٌ في أخَصِّ شَرائعِ الكُفرِ وأَظهَرِ شَعائرِه. ولا رَيبَ أنَّ المُوافَقةَ في هذا قد تَنتَهي إلى الكُفرِ في الجُملةِ وإلى شُروطِه. وأمَّا مَبدؤُها فأَقلُّ أحوالِه أنْ تَكونَ مَعصيةً، وإلى هذا الاختِصاصِ أشارَ النَّبيُّ ﷺ بقَولِه: «إنَّ لكلِّ قَومٍ عيدًا، وإنَّ هذا عيدُنا» وهذا أقبَحُ من مُشارَكتِهم في لُبسِ الزُّنَّارِ ونَحوِه من عَلاماتِهم؛ فإنَّ تلك عَلامةٌ وَضعيةٌ ليسَت من الدِّينِ، وإنَّما الغَرضُ منها مُجرَّدُ التَّمييزِ بينَ المُسلمِ والكافرِ، وأمَّا العيدُ وتَوابِعُه؛ فإنَّه من الدِّينِ المَلعونِ هو وأهلُه فالمُوافَقةُ فيه مُوافَقةٌ فيما يَتميَّزونَ به من أسبابِ سُخطِ اللهِ وعِقابِه. وإنْ شِئتَ أنْ تُنظِّمَ هذا قياسًا تَمثيليًّا قُلتَ: العِيدُ شَريعةٌ من شَرائعِ الكُفرِ أو شَعيرةٌ مِنْ شَعائرِه فحرُمَت مُوافَقتُهم فيها كسائرِ شَعائرِ الكُفرِ وشَرائعِه، وإنْ كانَ هذا أبيَنَ من القياسِ الجُزئيِّ.

стр. 12619

ثم كلُّ ما يَختصُّ به ذلك من عِبادةٍ وعادةٍ؛ فإنَّما سَببُه هو كَونُه يَومًا مَخصوصًا، وإلا فلو كانَ كسائرِ الأيامِ لم يَختصَّ بشَيءٍ، وتَخصيصُه ليسَ من دِينِ الإسلامِ في شَيءٍ بل هو كُفرٌ به. الوَجهُ الثانِي من الاعتِبارِ: أنَّ ما يَفعَلونه في أعيادِهم مَعصيةٌ للهِ؛ لأنَّه إمَّا مُحدِثٌ مُبتدِعٌ وإمَّا مَنسوخٌ، وأحسَنُ أحوالِه -ولا حَسَنَ فيه- أنْ يَكونَ بمَنزِلةِ صَلاةِ المُسلِمِ إلى بَيتِ المَقدِسِ هذا إذا كانَ المَفعولُ ممَّا يَتديَّنُ به، وأمَّا ما يَتبعُ ذلك من التَّوسُّعِ في العاداتِ من الطَّعامِ واللِّباسِ واللَّعِبِ والراحةِ فهو تابِعٌ لذلك العيدِ الدِّينيِّ كما أنَّ ذلك تابعٌ له في دِينِ الإسلامِ، فيَكونُ بمَنزلةِ أنْ يَتخِذَ بعضُ المُسلِمينَ عيدًا مُبتدَعًا يَخرُجونَ فيه إلى الصَّحراءِ ويَفعَلونَ فيه من العِباداتِ والعاداتِ من جِنسِ المَشروعِ في يَومَيِ الفِطرِ والنَّحرِ أو مِثلَ أنْ يَنصِبَ بِنْيةً يُطافُ بها ويُحَجُّ إليها ويَصنعَ لمَن يَفعلُ ذلك طَعامًا ونَحوَ ذلك، فلو كرِهَ المُسلِمُ ذلك لكرِهَ غيرَ عادَتِه ذلك اليَومَ، كما يُغيِّرُ أهلُ البِدعِ عاداتِهم في الأُمورِ العاديةِ أو في بَعضِها بصُنعِهم طَعامًا أو زينةَ لباسٍ أو تَوسيعٍ في نَفقةٍ ونَحوِ ذلك من غيرِ أنْ يَتعبَّدوا بتلك العادةِ المُحدَثةِ كانَ هذا مِنْ أقبَحِ المُنكَراتِ فكذلك مُوافَقةُ هؤلاء المَغضوبِ عليهم والضالِّينَ وأشَدُّ. نَعمْ، هؤلاء يُقَرُّونَ على دِينِهم المُبتدَعِ والمَنسوخِ بشَرطِ أنْ يَكونوا مُستَسرِّينَ به، والمُسلِمُ لا يُقَرُّ على دِينٍ مُبتدَعٍ ولا مَنسوخٍ لا سِرًّا ولا عَلانيةً، وأمَّا مُشابَهةُ الكُفارِ فكمُشابَهةِ أهلِ البِدعِ وأشدُّ.

стр. 12620

الوَجهُ الثالِثُ من الاعتِبارِ: يَدلُّ على أنَّه إذا سُوِّغ فِعلُ القَليلِ من ذلك أدَّى إلى فِعلِ كَثيرٍ، ثم إذا اشتُهِرَ الشَّيءُ دخَلَ فيه عَوامُّ الناسِ وتَناسَوْا أَصلَه حتى يَصيرَ عادةً للناسِ بل عيدًا حتى يُضاهى بعيدِ اللهِ بل قد يَزيدُ عليه حتى إنَّه يَكادُ أنْ يُفضيَ إلى مَوتِ الإِسلامِ وحَياةِ الكُفرِ كما قد سوَّلَه الشَّيطانُ لكَثيرٍ ممَّن يَدَّعي الإِسلامَ فيما يَفعَلونه في آخِرِ صَومِ النَّصارى من الهَدايا والأَفراحِ والنَّفَقاتِ وكِسوةِ الأَولادِ وغيرِ ذلك ممَّا يَصيرُ به مِثلَ عيدِ المُسلِمينَ، بل البِلادُ المُصاقِبةُ للنَّصارى التي قَلَّ عِلمُ أَهلِها وإِيمانُهم قد صارَ ذلك أغلَبَ عندَهم وأبهى في نُفوسِهم من عيدِ اللهِ ورَسولِه ﷺ على ما حدَّثَني به الثِّقاتُ ويُؤكِّدُ صِحةَ ذلك ما رأيتُه بدمَشقَ وما حَولَها من أَرضِ الشامِ مع أنَّها أقرَبُ إلى العِلمِ والإيمانِ (١). وقالَ أيضًا: أَعيادُ الكُفارِ كَثيرةٌ مُختلِفةٌ وليسَ على المُسلِمِ أنْ يَبحثَ عنها أو يَعرفَها، بل يَكفيه أنْ يَعرِفَ في أيِّ فِعلٍ من الأَفعالِ أو يَومٍ أو مَكانٍ أنَّ سَببَ هذا الفِعلِ أو تَعظيمَ هذا المَكانِ والزَّمانِ من جِهتِهم، ولو لمْ يَعرِفْ أنَّ سَببَه من جِهتِهم فيَكفيه أنْ يَعلمَ أنَّه لا أصلَ له في دِينِ الإسلامِ؛ فإنَّه إذا لم يَكنْ له أَصلٌ، فإمَّا أنْ يَكونَ قد أَحدَثه بعضُ الناسِ من تِلقاءِ نَفسِه أو يَكونَ مَأخوذًا عنهم، فأَقلُّ أَحوالِه أنْ يَكونَ من البِدعِ ونحن نُنبِّهُ على ما رَأينا كَثيرًا من الناسِ قد وقَعوا فيه …

стр. 12621

فمِن ذلك ما يَفعلُه كَثيرٌ من الناسِ في أَثناءِ الشِّتاءِ في أَثناءِ كانَونَ الأولِ لأربَعٍ وعِشرينَ خلَت منه، ويَزعُمونَ أنَّه ميلادُ عيسى ﵇، فجَميعُ ما يَحدثُ فيه هو من المُنكَراتِ مِثلَ إِيقادِ النِّيرانِ وإِحداثِ طَعامٍ واصطِناعِ شَمعٍ وغيرِ ذلك؛ فإنَّ اتِّخاذَ هذا المِيلادِ عيدًا هو دِينُ النَّصارى وليسَ لذلك أصلٌ في دِينِ الإِسلامِ ولم يَكنْ لهذا الميلادِ ذِكرٌ أصلًا على عَهدِ السَّلفِ الماضِينَ، بل أَصلُه مَأخوذٌ عن النَّصارى، وانضَمَّ إليه سَببٌ طَبيعيٌّ وهو كَونُه في الشِّتاءِ المُناسبِ لإيقادِ النِّيرانِ ولأنواعٍ مَخصوصةٍ من الأطعِمةِ. ثم إنَّ النَّصارى تَزعُمُ أنَّه بعدَ الميلادِ بأَيامٍ -أظُنُّها أحَدَ عَشرَ يَومًا- عمَّدَ يَحيى عيسى ﵉ في ماءِ المَعموديةِ، فهُم يَتعمَّدونَ في هذا الوَقتِ ويُسمُّونَه عيدَ الغِطاسِ، وقد صارَ كَثيرٌ من جُهَّالِ النِّساءِ يُدخِلنَ أولادَهُنَّ إلى الحَمَّامِ في هذا الوَقتِ ويَزعُمْنَ أنَّ هذا يَنفعُ الوَلدَ، وهذا من دِينِ النَّصارى، وهو من أقبَحِ المُنكَراتِ المُحرَّمةِ، وكذلك أعيادُ الفُرسِ مِثلَ النَّيروزِ والمِهرجانِ، وكذلك أعيادُ اليَهودِ أو غيرِهم من أنواعِ الكُفارِ أو الأعاجمِ والأعرابِ، حُكمُها كلُّها على ما ذكَرْناه من قَبلُ، وكما لا يُتشبَّهُ بهم في الأعيادِ لا يُعانُ المُسلِمُ المُتشبِّهُ بهم في ذلك، بل يُنهى عن ذلك، فمنَ صنَعَ دَعوةً مُخالِفةً للعادةِ في أَعيادِهم لم تَجِبْ إجابةُ دَعوتِه. ومَن أَهدَى للمُسلِمينَ هَديةً في هذه الأَعيادِ مُخالِفةً للعادةِ في سائرِ الأَوقاتِ غيرِ هذا العَيدِ لمْ تُقبَلْ هَديَّتُه خُصوصًا إنْ كانَت الهَديةُ ممَّا يُستعانُ بها على التَّشبُّهِ بهم في مِثلِ إِهداءِ الشَّمعِ ونَحوِه في الميلادِ أو إهداءِ البَيضِ

стр. 12622

واللَّبنِ والغَنمِ في الخَميسِ الصَّغيرِ الذي في آخِرِ صَومِهم، وكذلك أيضًا لا يُهدَى لأحدٍ من المُسلِمينَ في هذه الأَعيادِ هَديةٌ لأجلِ العيدِ، لا سيَّما إذا كانَ ممَّا يُستعانُ به على التَّشبُّهِ بهم كما ذكَرْناه، ولا يَبيعُ المُسلِمُ ما يَستعينُ المُسلِمونَ به على مُشابَهتِهم في العيدِ من الطَّعامِ واللِّباسِ ونَحوِ ذلك؛ لأنَّ في ذلك إِعانةً على المُنكَراتِ. فأمَّا مُبايَعتُهم ما يَستعينونَ هُمْ به على عيدِهم أو شُهودُ أَعيادِهم للشِّراءِ فيها فقد قدَّمنا أنَّه قيلَ للإمامِ أحمدَ: هذه الأعيادُ التي تَكونُ عندَنا بالشامِ مثلَ طورِ يابورَ أو دَيرِ أيُّوبَ وأَشباهِه يَشهدُها المُسلِمونَ يَشهَدونَ الأسواقَ ويَجلِبونَ فيها الغَنمَ والبَقرَ والدَّقيقَ والبُرَّ وغيرَ ذلك إلا أنَّه يَكونُ في الأَسواقِ يَشتَرونَ ولا يَدخُلونَ عليهم بِيَعَهم، قالَ: إذا لم يَدخلوا عليهم بِيَعَهم وإنَّما يَشهَدونَ السُّوقَ فلا بأسَ … (١). وسُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ أيضًا عمَّن يَفعلُ من المُسلِمينَ مِثلَ طَعامِ النَّصارى في النَّيروزِ ويَفعلُ سائِرَ المَواسمِ مِثلَ الغِطاسِ والميلادِ وخَميسِ العَدَسِ وسَبتِ النُّورِ، ومَن يَبيعُهم شَيئًا يَستَعينونَ به على أعيادِهم أيَجوزُ للمُسلِمينَ أنْ يَفعَلوا شَيئًا من ذلك أو لا؟ فأجابَ: الحَمدُ للهِ، لا يَحلُّ للمُسلِمينَ أنْ يَتشبُّهوا بهم في شَيءٍ مما يَختصُّ بأعيادِهم لا من طَعامٍ ولا لباسٍ ولا اغتِسالٍ ولا إيقادِ نِيرانٍ ولا تَبطيلِ عادةٍ من مَعيشةٍ أو عِبادةٍ أو غيرِ ذلك، ولا يَحلُّ فِعلُ وَليمةٍ ولا يَحلُّ

стр. 12623

الإهداءُ ولا البَيعُ بما يُستعانُ به على ذلك لأجلِ ذلك، ولا تَمكينُ الصِّبيانِ ونَحوِهم من اللَّعبِ الذي في الأَعيادِ، ولا إِظهارُ زينةٍ. وبالجُملةِ ليسَ لهم أنْ يَخُصُّوا أَعيادَهم بشَيءٍ من شَعائرِهم بل يَكونُ يَومُ عيدِهم عندَ المُسلِمينَ كسائرِ الأيامِ لا يَخصُّه المُسلِمونَ بشَيءٍ من خَصائصِهم، وأمَّا إذا أَصابَه المُسلِمونَ قَصدًا فقد كرِهَ ذلك طَوائفُ من السَّلفِ والخَلفِ، وأمَّا تَخصيصُه بما تَقدَّمَ ذِكرُه، فلا نِزاعَ فيه بينَ العُلماءِ بل قد ذهَبَ طائِفةٌ من العُلماءِ إلى كُفرِ مَنْ يَفعلُ هذه الأُمورَ لما فيها من تَعظيمِ شَعائرِ الكُفرِ، وقالَ طائِفةٌ منهم: مَنْ ذبَحَ نَطيحةً يَومَ عيدِهم فكأنَّما ذبَحَ خِنزيرًا. وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عَمرِو بنِ العاصِ: مَنْ تأسَّى ببِلادِ الأَعاجمِ وصنَعَ نَيروزَهم ومِهرجانَهم، وتَشبَّه بهم حتى يَموتَ وهو كذلك، حُشِر معهم يَومَ القيامةِ. وفي سُننِ أبي داودَ عن ثابِتِ بنِ الضَّحَّاكِ قالَ: «نذَرَ رَجلٌ على عَهدِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَنحَرَ إبلًا ببُوانةَ فأتى النَّبيَّ ﷺ فقالَ: إنِّي نذَرتُ أنْ أنحَرَ إبِلًا ببُوانةَ. فقالَ النَّبيُّ ﷺ : هل كانَ فيها وَثنٌ من أَوثانِ الجاهلِيةِ يُعبَدُ؟ قالُوا: لا. قالَ: هل كانَ فيها عيدٌ من أَعيادِهم؟ قالُوا: لا. قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : أوْفِ بنَذرِكَ؛ فإنَّه لا وَفاءَ لنَذرٍ في مَعصيةِ اللَّهِ، ولا فيما لا يَملِكُ ابنُ آدَمَ» (١).

стр. 12624

فلم يَأذنِ النَّبيُّ ﷺ لهذا الرَّجلِ أنْ يُوفِّيَ بنَذرِه مع أنَّ الأصلَ في الوَفاءِ أنْ يَكونَ واجِبًا حتى أُخبِرَه أنَّه لم يَكنْ بها عيدٌ من أَعيادِ الكُفارِ، وقالَ: «لا وَفاءَ لنَذرٍ في مَعصيةِ اللَّهِ». فإذا كانَ الذَّبحُ بمَكانٍ كانَ فيه عيدُهم مَعصيةً فكيفَ بمُشارَكتِهم في العيدِ نَفسِه بل قد شرَطَ عليهم أميرُ المُؤمِنينَ عُمرُ بنُ الخَطابِ والصَّحابةُ وسائِرُ أئِمةِ المُسلِمينَ ألَّا يُظهِروا أَعيادَهم في دارِ المُسلِمينَ وإنَّما يَعمَلونها سِرًّا في مَساكنِهم، فكيفَ إذا أظهَرَها المُسلِمونَ أنفُسُهم حتى قالَ عُمرُ بنُ الخَطاب ﵁: «لا تَعَلَّموا رَطانةَ الأعاجِمِ، ولا تَدخُلوا على المُشرِكينَ في كَنائسِهم يَومَ عيدِهم؛ فإنَّ السَّخطةَ تَنزِلُ عليهم» (١). وإذا كانَ الداخِلُ لفُرجةٍ أو غيرِها مَنهيًّا عن ذلك؛ لأنَّ السَّخطَ يَنزلُ عليهم، فكيفَ بمَن يَفعلُ ما يُسخِطُ اللهَ به عليهم ممَّا هو من شَعائرِ دِينِهم، وقد قالَ غيرُ واحِدٍ من السَّلفِ في قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] قالُوا: أعيادُ الكُفارِ، فإذا كانَ هذا في شُهودِها من غيرِ فِعلٍ فكيفَ بالأَفعالِ التي هي من خَصائِصِها. وقد رُوي عن النَّبيِّ ﷺ في المُسنَدِ والسُّننِ أنَّه قالَ: «مَنْ تَشبَّه بقَومٍ فهو منهم»، وفي لفظٍ: «ليسَ منَّا مَنْ تَشبَّه بغيرِنا»، وهو حَديثٌ جَيدٌ، فإذا كانَ هذا في التَّشبُّهِ بهم، وإنْ كانَ من العاداتِ فكيفَ بالتَّشبُّهِ بهم فيما هو أبلَغُ من ذلك.

стр. 12625

وقد كرِهَ جُمهورُ الأئِمةِ -إمَّا كَراهةَ تَحريمٍ أو كَراهةَ تَنزيهٍ- أكْلَ ما ذبَحوه لأَعيادِهم وقَرابينِهم إِدخالًا له فيما أُهِلَّ به لغيرِ اللهِ وما ذُبِح على النُّصُبِ، وكذلك نُهوا عن مُعاونتِهم على أَعيادِهم بإِهداءٍ أو مُبايَعةٍ، وقالُوا: إنَّه لا يَحِلُّ للمُسلِمينَ أنْ يَبيعوا للنَّصارى شَيئًا من مَصلحةِ عيدِهم لا لَحمًا ولا إِدامًا ولا ثَوبًا ولا يُعارونَ دابةً ولا يُعاوَنونَ على شَيءٍ من دِينِهم؛ لأنَّ ذلك من تَعظيمِ شِركِهم وعَونِهم على كُفرِهم، ويَنبَغي للسَّلاطينِ أنْ يَنهَوُا المُسلِمينَ عن ذلك؛ لأنَّ اللهَ تَعالى يَقولُ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، ثم إنَّ المُسلِمَ لا يَحِلُّ له أنْ يُعينَهم على شُربِ الخُمورِ بعَصرِها أو نَحوِ ذلك، فكيفَ على ما هو من شعائِرِ الكُفرِ؟ وإذا كانَ لا يَحِلُّ له أنْ يُعينَهم هو فكيفَ إذا كانَ هو الفاعِلَ لذلك؟ (١) وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: فَصلٌ في تَهنئتِهم بزَوجةٍ أو وَلدٍ أو قُدومِ غائِبٍ أو عافيةٍ أو سَلامةٍ من مَكروهٍ ونَحوِ ذلك، وقد اختَلفَت الرِّوايةُ في ذلك عن أحمدَ؛ فأباحَها مَرةً ومنَعها أُخرى، والكَلامُ فيها كالكَلامِ في التَّعزيةِ والعيادةِ ولا فَرقَ بينَهما، ولكنْ ليَحذَرِ الوُقوعَ فيما يَقعُ فيه الجُهَّالُ من الألفاظِ التي تَدلُّ على رِضاه بدِينِه، كما يَقولُ أحدُهم: متَّعك اللهُ بدِينِك أو نَيَّحَك فيه، أو يَقولُ له: أعزَّك اللهُ أو أكرَمك، إلا أنْ يَقولَ: أكرَمك اللهُ بالإسلامِ وأعزَّك به، ونَحوَ ذلك، فهذا في التَّهنئةِ بالأُمورِ المشتَرَكةِ.

стр. 12626

وأمَّا التَّهنئةُ بشَعائرِ الكُفرِ المُختصةِ به فحَرامٌ بالاتِّفاقِ، مِثلَ أنْ يُهنِّئَهم بأعيادِهم وصَومِهم، فيَقولَ: عيدٌ مُبارَكٌ عليكَ، أو تَهْنَأُ بهذا العيدِ، ونَحوَه، فهذا إنْ سلِمَ قائِلُه من الكُفرِ فهو من المُحرَّماتِ، وهو بمَنزِلةِ أنْ يُهنِّئَه بسُجودِه للصَّليبِ، بل ذلك أعظَمُ إِثمًا عندَ اللهِ وأشَدُّ مَقتًا من التَّهنئةِ بشُربِ الخَمرِ وقَتلِ النَّفسِ وارتِكابِ الفَرْجِ الحَرامِ ونَحوِه. وكَثيرٌ ممَّن لا قَدْرَ للدِّينِ عندَه يَقعُ في ذلك، ولا يَدري قُبحَ ما فعَل، فمَن هَنَّأ عَبدًا بمَعصيةٍ أو بِدعةٍ أو كُفرٍ فقد تَعرَّضَ لمَقتِ اللهِ وسَخطِه. وقد كانَ أهلُ الوَرعِ من أهلِ العِلمِ يَتجنَّبونَ تَهنئةَ الظَّلمةِ بالوِلاياتِ وتَهنئةَ الجُهَّالِ بمَنصبِ القَضاءِ والتَّدريسِ والإِفتاءِ؛ تَجنُّبًا لمَقتِ اللهِ وسُقوطِهم من عَينِه، وإنْ بُلي الرَّجلُ بذلك فتَعاطاه دَفعًا لشَرٍّ يَتوقَّعُه منهم، فمشَى إليهم ولم يَقُلْ إلا خَيرًا، ودَعا لهم بالتَّوفيقِ والتَّسديدِ فلا بأسَ بذلك، وباللهِ التَّوفيقُ (١). وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀ في مَوضعٍ آخَرَ: فَصلٌ: حُكمُ حُضورِ أعيادِ أهلِ الكِتابِ: وكما أنَّهم لا يَجوزُ لهم إظهارُه لا يَجوزُ للمُسلِمينَ مُمالأتُهم عليه ولا مُساعدتُهم ولا الحُضورُ معهم باتِّفاقِ أهلِ العِلمِ الذين هُمْ أهلُه. وقد صرَّحَ به الفُقهاءُ من أَتباعِ الأئِمةِ الأربَعةِ في كُتبِهم، فقالَ أبو القاسِمِ هِبةُ اللهِ بنُ الحَسنِ بنِ مَنصورٍ الطَّبريُّ الفَقيهُ الشافِعيُّ: ولا يَجوزُ للمُسلِمينَ

стр. 12627

أنْ يَحضُروا أعيادَهم؛ لأنَّهم على مُنكرٍ وزُورٍ، وإذا خالَطَ أهلُ المَعروفِ أهلَ المُنكرِ بغيرِ الإنكارِ عليهم كانُوا كالراضينَ به المُؤثِرينَ له، فنَخشى من نُزولِ سَخطِ اللهِ على جَماعتِهم فيَعُمُّ الجَميعَ، نَعوذُ باللهِ من سَخطِه. ثم ساقَ من طَريقِ ابنِ أبي حاتِمٍ حدَّثَنا الأشَجُّ ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي بَكرٍ عن العَلاءِ بنِ المُسيِّبِ عن عَمرِو بنِ مُرةَ ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] قالَ: لا يُمالِئونَ أهلَ الشِّركِ على شِركِهم ولا يُخالِطونَهم، ورُوي نَحوُه عن الضَّحاكِ (١). ثم ذكَرَ حَديثَ عبدِ اللهِ بنِ دِينارٍ عن ابنِ عُمرَ ﵄ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «لا تَدخُلوا على هؤلاء المَلعونينَ إلا أنْ تَكونوا باكِينَ؛ فإنْ لم تَكونوا باكِينَ فلا تَدخُلوا عليهم أنْ يُصيبَكم مِثلُ ما أصابَهم» والحَديثُ في الصَّحيحِ (٢). وذكَرَ البَيهَقيُّ بإسنادٍ صَحيحٍ في بابِ كَراهيةِ الدُّخولِ على أهلِ الذِّمةِ في كَنائسِهم والتَّشبُّهِ بهم يَومَ نَيروزِهم ومِهرجانِهم: عن سُفيانَ الثَّوريِّ عن ثَورِ بنِ يَزيدَ عن عَطاءِ بنِ دِينارٍ قالَ: قالَ عُمرُ ﵁: «لا تَعلَّموا رَطانةَ الأعاجِمِ، ولا تَدخُلوا على المُشرِكينَ في كَنائسِهم يَومَ عيدِهم؛ فإنَّ السَّخطةَ تَنزِلُ عليهم» (٣).

стр. 12628

وبالإسنادِ عن الثَّوريِّ عن عَوفٍ عن الوَليدِ أو أبي الوَليدِ عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو، قالَ: «من مَرَّ ببِلادِ الأعاجمِ فصنَعَ نَيروزَهم ومِهرجانَهم وتَشبَّه بهم حتى يَموتَ وهو كذلك حُشِرَ معهم يَومَ القيامةِ» (١). وقالَ البُخاريُّ في غيرِ الصَّحيحِ: قالَ لي ابنُ أبي مَريمَ: حدَّثَنا نافِعُ بنُ يَزيدَ سمِعَ سُليمانَ بنَ أبي زَينبَ وعَمرَو بنَ الحارِثِ سمِعَ سَعيدَ بنَ سَلمةَ سمِعَ أباه سمِعَ عُمرَ بنَ الخَطابِ ﵁ قالَ: «اجتَنِبوا أَعداءَ اللَّهِ في عيدِهم» ذكَرَه البَيهَقيُّ. وذكَرَ بإسنادٍ صَحيحٍ عن أبي أُسامةَ حدَّثَنا عَوفٌ عن أبي المُغيرةِ عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو قالَ: «مَنْ مَرَّ ببِلادِ الأعاجمِ فصنَعَ نَيروزَهم ومِهرجانَهم وتَشبَّه بهم حتى يَموتَ وهو كذلك، حُشرَ معهم يَومَ القيامةِ». وقالَ أبو الحَسنِ الآمِديُّ ﵀: لا يَجوزُ شُهودُ أعيادِ النَّصارى واليَهودِ، نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ مُهَنَّا، واحتجَّ بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] قالَ: الشَّعانينُ وأعيادُهم. وقالَ الخَلَّالُ في «الجامِعِ»: بابٌ في كَراهيةِ خُروجِ المُسلِمينَ في أعيادِ المُشرِكينَ، وذكَرَ عن مُهنَّا قالَ: سألتُ أحمدَ عن شُهودِ هذه الأعيادِ التي تَكونُ عندَنا بالشامِ، مِثلَ دَيرِ أيُّوبَ وأشباهِه يَشهدُه المُسلِمونَ يَشهَدونَ الأسواقَ ويَجلِبونَ فيه الضَّحيةَ والبَقرَ والبُرَّ والدَّقيقَ وغيرَ ذلك، يَكونون في الأَسواقِ ولا يَدخُلونَ عليهم بِيَعَهم؟

стр. 12629

قالَ: إذا لمْ يَدخلوا عليهم بِيَعَهم وإنَّما يَشهَدونَ السُّوقَ فلا بأسَ. وقالَ عبدُ المَلكِ بنُ حَبيبٍ: سُئلَ ابنُ القاسمِ عن الرُّكوبِ في السُّفنِ التي تَركبُ فيها النَّصارى إلى أَعيادِهم، فكرِهَ ذلك مَخافةَ نُزولِ السَّخطةِ عليهم بشِركِهم الذي اجتَمَعوا عليه. قالَ: وكرِهَ ابنُ القاسِمِ للمُسلِمِ أنْ يُهديَ إلى النَّصرانِيِّ في عيدِه مُكافأةً له، ورآهُ من تَعظيمِ عيدِه وعَونًا له على كُفرِه، ألا تَرى أنَّه لا يَحِلُّ للمُسلِمينَ أنْ يَبيعوا من النَّصارى شَيئًا من مَصلحةِ عيدِهم لا لحمًا ولا أُدمًا ولا ثَوبًا، ولا يُعارونَ دابةً ولا يُعانونَ على شَيءٍ من عيدِهم؛ لأنَّ ذلك من تَعظيمِ شِركِهم وعَونِهم على كُفرِهم، ويَنبَغي للسَّلاطينِ أنْ يَنهَوُا المُسلِمينَ عن ذلك، وهو قَولُ مالِكٍ وغيرِه، لمْ أعلَمْه اختُلفَ فيه، هذا لفظُه في الواضِحةِ (١). وفي كُتُبِ أَصحابِ أبي حَنيفةَ: مَنْ أَهدى لهم يَومَ عيدِهم بِطِّيخةً بقَصدِ تَعظيمِ العيدِ فقد كفَرَ (٢). إذا تحاكَم أهلُ الذِّمةِ إلينا هل يَجبُ أنْ نَحكُمَ بينَهم أو لا؟ اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّه إذا رُفعَت الدَّعوى إلى القَضاءِ العامِّ يَحكمُ القاضي المُسلِمُ في خُصوماتِ أهلِ الذِّمةِ وُجوبًا إذا كانَ أحدُ الخَصمَينِ مُسلمًا باتِّفاقِ الفُقهاءِ.

стр. 12630

ثم اختَلفَ الفُقهاءُ في وُجوبِ قَضاءِ القاضي المُسلِمِ بينَ أهلِ الذِّمةِ من اليَهودِ والنَّصارى والمَجوسِ إذا تَرافَعوا إلينا وكانُوا أهلَ ذِمةٍ، أو عَدمِ وُجوبِه؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه إذا تَحاكَم أهلُ الذِّمةِ إلى الإمامِ فليسَ له أنْ يُعرِضَ عنهم، ونَصُّوا على أنَّ المُسلِمينَ وأهلَ الذِّمةِ سَواءٌ في عُقودِ المُعامَلاتِ والتِّجاراتِ والحُدودِ، إلا أنَّهم لا يُرجَمونَ؛ لأنَّهم غيرُ مُحصَنينَ. واختَلفَ الحَنفيةُ في مُناكَحاتِهم، فقالَ أبو حَنيفةَ: هُمْ مُقَرُّونَ على أَحكامِهم، لا يُعترَضُ عليهم فيها إلا أنْ يَرضَوْا بأَحكامِنا. وقالَ مُحمدٌ ﵀: إذا رضِيَ أحدُهما حُمِلَا جَميعًا على أحكامِنا، وإنْ أبى الآخَرُ إلا في النِّكاحِ بغيرِ شُهودٍ خاصةً. وقالَ أبو يُوسفَ ﵀: يُحمَلونَ على أَحكامِنا وإنْ أَبَوا إلا في النِّكاحِ بغيرِ شُهودٍ، نُجيزُه إذا تَراضَوْا بها. قالَ الإمامُ الجَصاصُ ﵀: قالَ أصحابُنا: أهلُ الذِّمةِ مَحمولونَ في البُيوعِ والمَواريثِ وسائرِ العُقودِ على أَحكامِ الإسلامِ كالمُسلِمينَ إلا في بَيعِ الخَمرِ والخِنزيرِ؛ فإنَّ ذلك جائِزٌ فيما بينَهم؛ لأنَّهم مُقَرُّون على أنْ تَكونَ مالًا لهم … وما عَدا ذلك فهو مَحمولٌ على أَحكامِنا؛ لقولِه: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٨]، ورُوي عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّه كتَبَ إلى أهلِ نَجرانَ: «إمَّا أنْ تَذَروا الرِّبا وإمَّا

стр. 12631

أنْ تأذَنوا بحَربٍ من اللهِ ورَسولِه» فجعَلَهم النَّبيُّ ﷺ في حَظرِ الرِّبا، ومنَعَهم منه كالمُسلِمينَ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ١٦١] فأخبَرَ أنَّهم مَنهيُّونَ عن الرِّبا وأَكلِ المالِ بالباطِلِ كما قالَ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فسَوَّى بينَهم وبينَ المُسلِمينَ في المَنعِ من الرِّبا والعقُودِ الفاسِدةِ المَحظورةِ. وقالَ تَعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٨] فهذا الذي ذكَرْناه مَذهبُ أَصحابِنا في عُقودِ المُعامَلاتِ والتِّجاراتِ وحُدودِ أهلِ الذِّمةِ، والمُسلِمونَ فيها سَواءٌ، إلا أنَّهم لا يُرجَمونَ؛ لأنَّهم غيرُ مُحصَنينَ. واختَلفَ أصحابُنا في مُناكَحتِهم فيما بينَهم، فقالَ أبو حَنيفةَ: هُمْ مُقَرُّونَ على أحكامِهم لا يُعترَضُ عليهم فيها، إلا أنْ يَرضَوْا لأحكامِنا؛ فإنْ رضِيَ بها الزَّوجانِ حُمِلَا على أَحكامِنا وإنْ أبى أَحدُهما لم يُعترَضْ عليهم، فإذا تراضَيا جَميعًا حمَلَهما على أَحكامِ الإسلامِ إلا في النِّكاحِ بغيرِ شُهودٍ، وفي النِّكاحِ في العِدةِ؛ فإنَّه لا يُفرَّقُ بينَهم، وكذلك إنْ أَسلَموا. وقالَ مُحمدٌ ﵀: إذا رضِيَ أحدُهما حُمِلا جَميعًا على أَحكامِنا، وإنْ أبى الآخَرُ إلا في النِّكاحِ بغيرِ شُهودٍ خاصَّةً. وقالَ أبو يُوسفَ ﵀: يُحمَلون على أَحكامِنا وإنْ أبَوْا إلا في النِّكاحِ بعدَ شُهودٍ نُجيزُه إذا تَراضَوْا بها.

стр. 12632

فأمَّا أبو حَنيفةَ: فإنَّه يَذهبُ في إقرارِهم على مُناكَحتِهم، إلى أنَّه قد ثبَتَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أخَذَ الجِزيةَ من مَجوسِ هَجَرَ، مع عِلمِه بأنَّهم يَستحلُّونَ نِكاحَ ذَواتِ المَحرَمِ، ومع عِلمِه بذلك لم يَأمرْ بالتَّفرِقةِ بينَهما، وكذلك اليَهودُ والنَّصارى يَستحِلُّونَ كَثيرًا من عُقودِ المُناكَحاتِ المُحرَّمةِ، ولم يَأمرْ بالتَّفرِقةِ بينَهما حينَ عقَدَ لهم الذِّمةَ من أهلِ نَجرانَ ووادي القُرى وسائرِ اليَهودِ والنَّصارى الذين دخَلوا في الذِّمةِ ورَضُوا بإِعطاءِ الجِزيةِ، وفي ذلك دَليلُ أنَّه أَقرَّهم على مُناكَحتِهم كما أَقرَّهم على مَذاهبِهم الفاسِدةِ واعتِقاداتِهم التي هي ضَلالٌ وباطِلٌ، ألا تَرى أنَّه لمَّا علِمَ استِحلالَهم للرِّبا كتَبَ إلى أهلِ نَجرانَ إمَّا أنْ تَذروا الرِّبا وإمَّا أنْ تأذَنوا بحَربٍ من اللهِ ورَسولِه، فلَم يُقِرَّهم عليه حينَ علِمَ بتَبايُعِهم به. وأيضًا قد علِمْنا أنَّ عُمرَ بنَ الخَطابِ لمَّا فتَحَ السَّوادَ أقَرَّ أهلَها عليها وكانُوا مَجوسًا، ولم يَثبُتْ أنَّه أمَرَ بالتَّفريقِ بينَ ذَوي المَحارمِ منهم مع عِلمِه بمُناكَحتِهم، وكذلك سائِرُ الأُمةِ بعدَه جَرَوْا على مِنهاجِه في تَركِ الاعتِراضِ عليهم، وفي ذلك دَليلٌ على صِحةِ ما ذكَرْنا، وقد بَيَّنا أنَّ قَولَه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ناسِخٌ للتَّخييرِ المَذكورِ في قَولِه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] والذي ثبَتَ نَسخُه من ذلك هو التَّخييرُ، فأمَّا شَرطُ المَجيءِ منهم فلم تَقُمِ الدِّلالةُ على نَسخِه، فيَنبَغي أنْ يَكونَ حُكمُ الشَّرطِ باقيًا والتَّخييرُ مَنسوخًا، فيَكونَ

стр. 12633

تَقديرُه مع الآيةِ الأُخرى؛ فإنْ جَاؤوكَ فاحكُمْ بينَهم بما أنزَلَ الله … إلى آخِرِ كَلامِه ﵀ (١). وقالَ المالِكيةُ: إذا كانَت الخُصومةُ بينَ ذِميِّينَ خُيِّرَ القاضي في الحُكمِ بينَهم بحُكمِ الإسلامِ في المَظالمِ من الغَصبِ والتَّعدِّي وجَحدِ الحُقوقِ. وإنْ تَخاصَموا في غيرِ ذلك رُدُّوا إلى أهلِ دِينِهم، إلا أنْ يَرضَوْا بحُكمِ الإسلامِ، وإنْ كانَت الخُصومةُ بينَ مُسلمٍ وذِميٍّ وجَبَ على القاضي الحُكمُ بينَهما. واستدَلُّوا على ذلك بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] (٢). وقالَ الشافِعيةُ: لو تَرافعَ إلينا ذِميٌّ أو مُعاهَدٌ أو مُستأمَنٌ ومُسلِمٌ يَجبُ الحُكمُ بينَهما بشَرعِنا قَطعًا، طالِبًا كانَ المُسلِمُ، أو مَطلوبًا؛ لأنَّه يَجبُ رَفعُ الظُّلمِ عن المُسلمِ، والمُسلمُ لا يُمكِنُ رَفعُه إلى حاكمِ أهلِ الذِّمةِ، ولا تَركُهما مُتنازِعَينَ، فرَدَدنا مَنْ مع المُسلِمِ إلى حاكِمِ المُسلِمينَ؛ لأنَّ الإسلامَ يَعلو ولا يُعلى عليه. ولو ترافَع ذِمِّيانِ ولم نشتَرِطْ في عَقدِ الذِّمةِ لهما التِزامَ أَحكامِنا وجَبَ علينا الحُكمُ بينَهما في الأظهَرِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ

стр. 12634

اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ولأنَّه يَجبُ على الإمامِ مَنعُ الظُّلمِ عن أهلِ الذِّمةِ، فوجَبَ الحُكمُ بينَهم كالمُسلِمينَ. والثانِي: وهو مُقابِلُ الأظهَرِ، لا يَجبُ على القاضي الحُكمُ؛ بل يَتخيَّرُ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢]. أمَّا لو تَرافعَ إلينا ذِمِّيان اتَّفَقت مِلَّتُهما؛ كنَصرانيَّيْن، شُرطَ في عَقدِ الذِّمةِ لهما التِزامُ أَحكامِنا؛ فإنَّه يَجبُ الحُكمُ بينَهما جَزمًا، عَملًا بالشَّرطِ. وإنْ ترافَع إلينا ذِمِّيان اختَلفَت ملَّتُهما، كيَهوديٍّ ونَصرانِيٍّ، فيَجبُ كذلك على القاضي المُسلمِ الحُكمُ بينَهما جَزمًا؛ لأنَّ كلًّا منهما لا يَرضى مِلةَ الآخَرِ. وهذا الحُكمُ فيما إذا تَرافَعوا إلينا، أمَّا إذا لمْ يَترافَعوا إلينا لم نَدعُهم إلينا، ولمْ نعتَرِضْ عليهم فيها. واستَثنى الشِّربينيُّ الخَطيبُ وغيرُه ما لو تَرافَع إلينا أهلُ الذِّمةِ في شُربِ الخَمرِ؛ فإنَّهم لا يُحدُّونَ، وإنْ رَضُوا بحُكمِنا؛ لأنَّهم لا يَعتقِدونَ تَحريمَه (١). وقالَ الحَنابِلةُ: إذا تحاكَم إلينا أهلُ الذِّمَّة، إذا استَعدى بَعضُهم على بَعضٍ فالحاكِمُ مُخيَّرٌ بينَ إحضارِهم والحُكمِ بينَهم وبينَ تَركِهم، سَواءٌ كانُوا من أهلِ دِينٍ واحِدٍ أو من أهلِ أديانٍ.

стр. 12635

وحَكى أبو الخَطابِ عن أحمدَ رِوايةً أنَّه يَجبُ الحُكمُ بينَهم. وإنْ تحاكَم مُسلِمٌ وذِميٌّ وجَبَ الحُكمُ بينَهما بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه يَجبُ دَفعُ ظُلمِ كلِّ واحِدٍ منهما عن صاحِبِه. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا تَحاكَم إلينا أهلُ الذِّمةِ أو استَعدى بَعضُهم على بَعضٍ فالحاكِمُ مُخيَّرٌ بينَ إِحضارِهم والحُكمِ بينَهم وبينَ تَركِهم، سَواءٌ كانُوا من أهلِ دِينٍ واحِدٍ أو من أهلِ أَديانٍ. هذا المَنصوصُ عن أحمدَ، وهو قَولُ النَّخَعيِّ وأحدُ قَولَيِ الشافِعيِّ، وحَكى أبو الخَطابِ عن أحمدَ رِوايةً أُخرى، أنَّه يَجبُ الحُكمُ بينَهم، وهذا القَولُ الثانِي للشافِعيِّ واختيارُ المُزَنِيِّ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]. ولأنَّه يَلزمُه دَفعُ مَنْ قصَد واحدًا منهما بغيرِ حقٍّ، فلزِمَه الحُكمُ بينَهما كالمُسلِمينَ. ولنا: قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢]. فخيَّره بينَ الأمرَينِ، ولا خِلافَ في أنَّ هذه الآيةَ نزلَت فيمَن وادَعه رَسولُ اللهِ ﷺ من يَهودِ المَدينةِ؛ ولأنَّهما كافِرانِ فلا يَجبُ الحُكمُ بينَهما كالمُعاهَدين. والآيةُ التي احتَجُّوا بها، مَحمولةٌ على مَنْ اختار الحُكمَ بينَهم؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢] جَمعًا بينَ الآيتَينِ؛ فإنَّه لا يُصارُ إلى النَّسخِ مع إِمكانِ الجَمعِ. فإذا ثبَتَ هذا فإنَّه إذا حُكمَ بينَهم لم يَجزْ له الحُكمُ إلا بحُكمِ الإسلامِ؛ للآيتَينِ ولأنَّه لا يَجوزُ له الحُكمُ إلا بالقِسطِ كما في حَقِّ المُسلِمينَ، ومتى حُكِم بينَهما

стр. 12636

ألزَمَهما حُكمَه، ومَن امتنَعَ منهما أجبَرَه على قَبولِ حُكمِه وأخذِه به؛ لأنَّه إنَّما دخَلَ في العَهدِ بشَرطِ التِزامِ أحكامِ الإسلامِ، قالَ أحمدُ: لا يُبحَثُ عن أمرِهم ولا يُسألُ عن أمرِهم إلا أنْ يأتوهم؛ فإنِ ارتفَعوا إلينا أقَمْنا عليهم الحَدَّ على ما فعَلَ النَّبيُّ ﷺ ، وقالَ أيضًا: حُكمُنا يَلزمُهم وحُكمُنا جائِزٌ على جَميعِ المِللِ، ولا يَدعوهما الحاكِمُ؛ فإنْ جاؤُوا حَكَمنا بحُكمِنا. إذا ثبَتَ هذا؛ فإنَّه إذا رُفعَ إلى الحاكمِ من أهلِ الذِّمةِ مَنْ فعَلَ مُحرَّمًا يُوجِبُ عُقوبةً ممَّا هو مُحرَّمٌ عليهم في دِينِهم؛ كالزِّنا والسَّرقةِ والقَذفِ والقَتلِ، فعليه إقامةُ حَدِّه عليه؛ فإنْ كانَ زِنًا جُلِد إنْ كانَ بِكرًا وغُرِّب عامًا، وإنْ كانَ مُحصَنًا رُجِم لما رَوى ابنُ عُمرَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أُتي بيَهودِيَّينِ، فَجَرا بعدَ إِحصانِهما، فأمَرَ بهما فرُجِما». وعن ابنِ عُمرَ: أنَّ اليَهودَ جاؤوا إلى النَّبيِّ ﷺ فقالُوا له: «إنَّ رَجلًا منهم وامرأةً زَنيا، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «ما تَجِدونَ في التَّوراةِ في شأنِ الرَّجمِ؟»، فقالُوا: نَفضَحُهم ويُجلَدونَ، قالَ عبدُ اللهِ بنُ سَلامٍ: كَذبتُم، إنَّ فيها الرَّجمَ. فأتَوْا بالتَّوراةِ فنَشَروها، فوضَعَ أحدُهم يَدَه على آيةِ الرَّجمِ، فقَرأَ ما قبلَها وما بَعدَها، فقالَ عبدُ اللهِ بنُ سَلامٍ: ارفَعَ يَدَك. فرفَعَ يَدَه، فإذا فيها آيةُ الرَّجمِ، فقالُوا: صدَقَ يا مُحمدُ، فيها آيةُ الرَّجمِ، فأمَرَ بهما رَسولُ اللهِ ﷺ فرُجِما» مُتَّفقٌ عليه (١). ورَوى أنَسٌ «أنَّ يَهوديًّا قتَلَ جاريةً على أَوضاحٍ لها بحَجرٍ، فقتَله

стр. 12637

رَسولُ اللهِ ﷺ بينَ حَجَرينِ» مُتَّفقٌ عليه (١)، وإنْ كانَ يَعتقِدُ إِباحتَه كشُربِ الخَمرِ لمْ يُحَدَّ؛ لأنَّه لا يَعتقِدُ تَحريمَه، فلمْ يَلزمْه عُقوبَتُه كالكافرِ، وإنْ تظاهَر به عُزِّر؛ لأنَّه أظهَرَ مُنكَرًا في دارِ الإسلامِ، فعُزِّرَ عليه كالمُسلمِ. وإنْ تحاكَمَ مُسلمٌ وذِمِّيٌّ وجَبَ الحُكمُ بينَهما بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه يَجبُ دَفعُ ظُلمِ كلِّ واحِدٍ منهما عن صاحِبِه (٢). وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا الحُكمُ على الذِّميِّ؛ فإنَّ في ذلك ثَلاثةَ أقوالٍ: أحدُها: أنَّه يَقضي بينَهم إذا تَرافَعوا إليه بحُكمِ المُسلِمينَ، وهو مَذهبُ أبي حَنيفةَ. والثانِي: أنَّه مُخيَّرٌ وبه قالَ مالِكٌ، وعن الشافِعيِّ القَولانِ. والثالِثُ: أنَّه واجِبٌ على الإمامِ أنْ يَحكُمَ بينَهم وإنْ لمْ يَتحاكَموا إليه. فعُمدةُ مَنْ اشترَط مَجيئَهم للحاكِمِ قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢]. وبهذا تَمسَّكَ من رأى الخيارَ، ومَن أَوجبَه اعتمَدَ قَولَ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، ورأى أنَّ هذا ناسِخٌ لآيةِ التَّخييرِ. وأمَّا مَنْ رَأى وُجوبَ الحُكمِ عليهم وإنْ لمْ يَترافَعوا؛ فإنَّه احتَجَّ بإِجماعِهم على أنَّ الذِّميَّ إذا سرَقَ قُطِعت يَدُه (٣).

стр. 12638

ما يَكونُ به غيرُ المُسلِمِ ذِميًّا: يَصيرُ غيرُ المُسلمِ ذِميًّا بالعَقدِ، أو بقَرائنَ مُعيَّنةٍ تَدلُّ على رِضاه بالذِّمةِ، أو بالتَّبعيةِ لغيرِه، أو بالغَلبةِ والفَتحِ. وفيما يأتي تَفصيلُ هذه الحالاتِ: أولاً: عَقدُ الذِّمةِ: عَقدُ الذِّمةِ: إقرارُ بعضِ الكُفارِ على كُفرِه بشَرطِ بَذلِ الجِزيةِ والتِزامِ أَحكامِ الإسلامِ الدُّنيويةِ، والغَرضُ منه: أنْ يَترُكَ الذِّميُّ القِتالَ، مع احتِمالِ دُخولِه الإسلامَ عن طَريقِ مُخالَطتِه بالمُسلِمينَ، ووُقوفُه على مَحاسنِ الدِّينِ، فكانَ عَقدُ الذِّمةِ للدَّعوةِ إلى الإسلامِ، لا للرَّغبةِ أو الطَّمعِ فيما يُؤخَذُ منهم من الجِزيةِ (١). ويَنعقِدُ هذا العَقدُ بإيجابٍ وقَبولٍ باللَّفظِ أو ما يَقومُ مَقامَه، ولا تُشترَطُ كِتابَتُه كما هو الشأنُ في سائرِ العُقودِ، ومع هذا فكِتابةُ العَقدِ أمرٌ مُستحسَنٌ؛ لأجلِ الإثباتِ، ودَفعًا لمَضرةِ الإنكارِ والجُحودِ (٢).

стр. 12639

مَنْ يَتولَّى إبرامَ العَقدِ: ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ عَقدَ الذِّمةِ مع غيرِ المُسلِمِ يَتولَّى إبرامَه الإمامُ أو نائبُه، فلا يَصحُّ من غيرِهما؛ لأنَّ ذلك يَتعلَّقُ بنَظرِ الإمامِ وما يَراه من المَصلحةِ؛ ولأنَّ عَقدَ الذِّمةِ عَقدٌ مُؤبَّدٌ، فلم يَجزْ أنْ يَفتاتَ به على الإمامِ (١). قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا يَصحُّ عَقدُ الذِّمةِ والهُدنةِ إلا مِنْ الإمامِ أو نائِبِه، وبهذا قالَ الشافِعيُّ، ولا نَعلمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ ذلك يَتعلَّقُ بنَظرِ الإمامِ وما يَراه من المَصلحةِ؛ ولأنَّ عَقدَ الذِّمةِ عَقدٌ مُؤبَّدٌ، فلمْ يَجزْ أنْ يَفتاتَ به على الإمامِ؛ فإنْ فعَلَه غيرُ الإمامِ أو نائِبِه لمْ يَصحَّ؛ لكنْ إنْ عقَده على ما لا يَجوزُ أنْ يَطلُبَ منهم أكثَرَ منه لزِمَ الإمامَ إجابَتُهم إليه، وعَقدُها عليه (٢). وأَجازَ ذلك الحَنفيةُ لكلِّ مُسلمٍ؛ لأنَّ عَقدَ الذِّمةِ خَلفٌ عن الإسلامِ، فهو بمَنزِلةِ الدَّعوةِ إليه؛ ولأنَّه مُقابِلُ الجِزيةِ، فتَتحقَّقُ فيه المَصلحةُ؛ ولأنَّه مَفروضٌ عندَ طَلبِهم له، وفي انعِقادِه إِسقاطُ الفَرضِ عن الإمامِ وعامةِ المُسلِمينَ، فيَجوزُ لكلِّ مُسلمٍ (٣).

стр. 12640

مَنْ يَصحُّ له عَقدُ الذِّمةِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على جَوازِ عَقدِ الذِّمةِ لأهلِ الكِتابِ والمَجوسِ، كما اتَّفقوا على عَدمِ جَوازِه للمُرتَدِّ، أمَّا فيما عدا ذلك فقد اختلَفوا: فقالَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَشهورِ عندَهم: لا يَجوزُ عَقدُ الذِّمةِ لغيرِ أهلِ الكِتابِ والمَجوسِ، بدَليلِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وهذا عامٌّ خُصَّ منه أهلُ الكِتابِ بآيةِ الجِزيةِ في سُورةِ التَّوبةِ، وخُصَّ منهم المَجوسُ بقَولِه ﵊: «سُنُّوا بهم سُنةَ أهلِ الكِتابِ … » (١) فمَن عَداهم من الكُفارِ يَبقى على بَقيَّةِ العُمومِ (٢). وقالَ الحَنفيةُ، وهو رِوايةٌ عندَ المالِكيةِ ورِوايةٌ عن أحمدَ: يَجوزُ عَقدُ الذِّمةِ لجَميعِ الكُفارِ إلَّا عَبدةَ الأوثانِ من العَربِ؛ لأنَّ عَقدَ الذِّمةِ لرَجاءِ الإسلامِ عن طَريقِ المُخالَطةِ بالمُسلِمينَ والوُقوفِ على مَحاسنِ الدِّينِ، وهذا لا يَحصُلُ بعَقدِ الذِّمةِ مع مُشرِكي العَربِ؛ لأنَّ القُرآنَ نزَلَ بلُغتِهم، وحمَلوا الرِّسالةَ، فليسَ لهم أدنى شُبهةٍ في رَفضِهم الإيمانَ باللهِ ورَسولِه، فتَعيَّنَ السَّيفُ داعيًا لهم إلى الإسلامِ، ولهذا لم يَقبلْ رَسولُ اللهِ ﷺ منهم الجِزيةَ (٣).
следующие страницы →