ألزَمَهما حُكمَه، ومَن امتنَعَ منهما أجبَرَه على قَبولِ حُكمِه وأخذِه به؛ لأنَّه إنَّما دخَلَ في العَهدِ بشَرطِ التِزامِ أحكامِ الإسلامِ، قالَ أحمدُ: لا يُبحَثُ عن أمرِهم ولا يُسألُ عن أمرِهم إلا أنْ يأتوهم؛ فإنِ ارتفَعوا إلينا أقَمْنا عليهم الحَدَّ على ما فعَلَ النَّبيُّ ﷺ ، وقالَ أيضًا: حُكمُنا يَلزمُهم وحُكمُنا جائِزٌ على جَميعِ المِللِ، ولا يَدعوهما الحاكِمُ؛ فإنْ جاؤُوا حَكَمنا بحُكمِنا.
إذا ثبَتَ هذا؛ فإنَّه إذا رُفعَ إلى الحاكمِ من أهلِ الذِّمةِ مَنْ فعَلَ مُحرَّمًا يُوجِبُ عُقوبةً ممَّا هو مُحرَّمٌ عليهم في دِينِهم؛ كالزِّنا والسَّرقةِ والقَذفِ والقَتلِ، فعليه إقامةُ حَدِّه عليه؛ فإنْ كانَ زِنًا جُلِد إنْ كانَ بِكرًا وغُرِّب عامًا، وإنْ كانَ مُحصَنًا رُجِم لما رَوى ابنُ عُمرَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أُتي بيَهودِيَّينِ، فَجَرا بعدَ إِحصانِهما، فأمَرَ بهما فرُجِما».
وعن ابنِ عُمرَ: أنَّ اليَهودَ جاؤوا إلى النَّبيِّ ﷺ فقالُوا له: «إنَّ رَجلًا منهم وامرأةً زَنيا، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «ما تَجِدونَ في التَّوراةِ في شأنِ الرَّجمِ؟»، فقالُوا: نَفضَحُهم ويُجلَدونَ، قالَ عبدُ اللهِ بنُ سَلامٍ: كَذبتُم، إنَّ فيها الرَّجمَ. فأتَوْا بالتَّوراةِ فنَشَروها، فوضَعَ أحدُهم يَدَه على آيةِ الرَّجمِ، فقَرأَ ما قبلَها وما بَعدَها، فقالَ عبدُ اللهِ بنُ سَلامٍ: ارفَعَ يَدَك. فرفَعَ يَدَه، فإذا فيها آيةُ الرَّجمِ، فقالُوا: صدَقَ يا مُحمدُ، فيها آيةُ الرَّجمِ، فأمَرَ بهما رَسولُ اللهِ ﷺ فرُجِما» مُتَّفقٌ عليه (١).
ورَوى أنَسٌ «أنَّ يَهوديًّا قتَلَ جاريةً على أَوضاحٍ لها بحَجرٍ، فقتَله
стр. 12637
رَسولُ اللهِ ﷺ بينَ حَجَرينِ» مُتَّفقٌ عليه (١)، وإنْ كانَ يَعتقِدُ إِباحتَه كشُربِ الخَمرِ لمْ يُحَدَّ؛ لأنَّه لا يَعتقِدُ تَحريمَه، فلمْ يَلزمْه عُقوبَتُه كالكافرِ، وإنْ تظاهَر به عُزِّر؛ لأنَّه أظهَرَ مُنكَرًا في دارِ الإسلامِ، فعُزِّرَ عليه كالمُسلمِ.
وإنْ تحاكَمَ مُسلمٌ وذِمِّيٌّ وجَبَ الحُكمُ بينَهما بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه يَجبُ دَفعُ ظُلمِ كلِّ واحِدٍ منهما عن صاحِبِه (٢).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا الحُكمُ على الذِّميِّ؛ فإنَّ في ذلك ثَلاثةَ أقوالٍ:
أحدُها: أنَّه يَقضي بينَهم إذا تَرافَعوا إليه بحُكمِ المُسلِمينَ، وهو مَذهبُ أبي حَنيفةَ.
والثانِي: أنَّه مُخيَّرٌ وبه قالَ مالِكٌ، وعن الشافِعيِّ القَولانِ.
والثالِثُ: أنَّه واجِبٌ على الإمامِ أنْ يَحكُمَ بينَهم وإنْ لمْ يَتحاكَموا إليه.
فعُمدةُ مَنْ اشترَط مَجيئَهم للحاكِمِ قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢]. وبهذا تَمسَّكَ من رأى الخيارَ، ومَن أَوجبَه اعتمَدَ قَولَ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، ورأى أنَّ هذا ناسِخٌ لآيةِ التَّخييرِ.
وأمَّا مَنْ رَأى وُجوبَ الحُكمِ عليهم وإنْ لمْ يَترافَعوا؛ فإنَّه احتَجَّ بإِجماعِهم على أنَّ الذِّميَّ إذا سرَقَ قُطِعت يَدُه (٣).
стр. 12638
ما يَكونُ به غيرُ المُسلِمِ ذِميًّا:
يَصيرُ غيرُ المُسلمِ ذِميًّا بالعَقدِ، أو بقَرائنَ مُعيَّنةٍ تَدلُّ على رِضاه بالذِّمةِ، أو بالتَّبعيةِ لغيرِه، أو بالغَلبةِ والفَتحِ.
وفيما يأتي تَفصيلُ هذه الحالاتِ:
أولاً: عَقدُ الذِّمةِ:
عَقدُ الذِّمةِ: إقرارُ بعضِ الكُفارِ على كُفرِه بشَرطِ بَذلِ الجِزيةِ والتِزامِ أَحكامِ الإسلامِ الدُّنيويةِ، والغَرضُ منه: أنْ يَترُكَ الذِّميُّ القِتالَ، مع احتِمالِ دُخولِه الإسلامَ عن طَريقِ مُخالَطتِه بالمُسلِمينَ، ووُقوفُه على مَحاسنِ الدِّينِ، فكانَ عَقدُ الذِّمةِ للدَّعوةِ إلى الإسلامِ، لا للرَّغبةِ أو الطَّمعِ فيما يُؤخَذُ منهم من الجِزيةِ (١).
ويَنعقِدُ هذا العَقدُ بإيجابٍ وقَبولٍ باللَّفظِ أو ما يَقومُ مَقامَه، ولا تُشترَطُ كِتابَتُه كما هو الشأنُ في سائرِ العُقودِ، ومع هذا فكِتابةُ العَقدِ أمرٌ مُستحسَنٌ؛ لأجلِ الإثباتِ، ودَفعًا لمَضرةِ الإنكارِ والجُحودِ (٢).
стр. 12639
مَنْ يَتولَّى إبرامَ العَقدِ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ عَقدَ الذِّمةِ مع غيرِ المُسلِمِ يَتولَّى إبرامَه الإمامُ أو نائبُه، فلا يَصحُّ من غيرِهما؛ لأنَّ ذلك يَتعلَّقُ بنَظرِ الإمامِ وما يَراه من المَصلحةِ؛ ولأنَّ عَقدَ الذِّمةِ عَقدٌ مُؤبَّدٌ، فلم يَجزْ أنْ يَفتاتَ به على الإمامِ (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا يَصحُّ عَقدُ الذِّمةِ والهُدنةِ إلا مِنْ الإمامِ أو نائِبِه، وبهذا قالَ الشافِعيُّ، ولا نَعلمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ ذلك يَتعلَّقُ بنَظرِ الإمامِ وما يَراه من المَصلحةِ؛ ولأنَّ عَقدَ الذِّمةِ عَقدٌ مُؤبَّدٌ، فلمْ يَجزْ أنْ يَفتاتَ به على الإمامِ؛ فإنْ فعَلَه غيرُ الإمامِ أو نائِبِه لمْ يَصحَّ؛ لكنْ إنْ عقَده على ما لا يَجوزُ أنْ يَطلُبَ منهم أكثَرَ منه لزِمَ الإمامَ إجابَتُهم إليه، وعَقدُها عليه (٢).
وأَجازَ ذلك الحَنفيةُ لكلِّ مُسلمٍ؛ لأنَّ عَقدَ الذِّمةِ خَلفٌ عن الإسلامِ، فهو بمَنزِلةِ الدَّعوةِ إليه؛ ولأنَّه مُقابِلُ الجِزيةِ، فتَتحقَّقُ فيه المَصلحةُ؛ ولأنَّه مَفروضٌ عندَ طَلبِهم له، وفي انعِقادِه إِسقاطُ الفَرضِ عن الإمامِ وعامةِ المُسلِمينَ، فيَجوزُ لكلِّ مُسلمٍ (٣).
стр. 12640
مَنْ يَصحُّ له عَقدُ الذِّمةِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على جَوازِ عَقدِ الذِّمةِ لأهلِ الكِتابِ والمَجوسِ، كما اتَّفقوا على عَدمِ جَوازِه للمُرتَدِّ، أمَّا فيما عدا ذلك فقد اختلَفوا:
فقالَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَشهورِ عندَهم: لا يَجوزُ عَقدُ الذِّمةِ لغيرِ أهلِ الكِتابِ والمَجوسِ، بدَليلِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وهذا عامٌّ خُصَّ منه أهلُ الكِتابِ بآيةِ الجِزيةِ في سُورةِ التَّوبةِ، وخُصَّ منهم المَجوسُ بقَولِه ﵊: «سُنُّوا بهم سُنةَ أهلِ الكِتابِ … » (١) فمَن عَداهم من الكُفارِ يَبقى على بَقيَّةِ العُمومِ (٢).
وقالَ الحَنفيةُ، وهو رِوايةٌ عندَ المالِكيةِ ورِوايةٌ عن أحمدَ: يَجوزُ عَقدُ الذِّمةِ لجَميعِ الكُفارِ إلَّا عَبدةَ الأوثانِ من العَربِ؛ لأنَّ عَقدَ الذِّمةِ لرَجاءِ الإسلامِ عن طَريقِ المُخالَطةِ بالمُسلِمينَ والوُقوفِ على مَحاسنِ الدِّينِ، وهذا لا يَحصُلُ بعَقدِ الذِّمةِ مع مُشرِكي العَربِ؛ لأنَّ القُرآنَ نزَلَ بلُغتِهم، وحمَلوا الرِّسالةَ، فليسَ لهم أدنى شُبهةٍ في رَفضِهم الإيمانَ باللهِ ورَسولِه، فتَعيَّنَ السَّيفُ داعيًا لهم إلى الإسلامِ، ولهذا لم يَقبلْ رَسولُ اللهِ ﷺ منهم الجِزيةَ (٣).
стр. 12641
وفي المَشهورِ عندَ المالِكيةِ وهو ما رجَّحه ابنُ القَيمِ كما سبَق: أنَّه يَجوزُ عَقدُ الذِّمةِ لجَميعِ أصنافِ الكُفارِ، لا فَرقَ بينَ كتابيٍّ وغيرِه، ولا فَرقَ بينَ وَثنيٍّ عَربيٍّ ووَثنيٍّ غيرِ عَربيٍّ (١)، وقد سبَقَ بَيانُ هذا فيمَن تُقبَلُ منهم الجِزيةَ.
شُروطُ عَقدِ الذِّمةِ:
جُمهورُ الفُقهاءِ: على أنَّه يُشترطُ في عَقدِ الذِّمةِ أنْ يَكونَ مُؤبَّدًا؛ لأنَّ عَقدَ الذِّمةِ في إفادةِ العِصمةِ كالخُلفِ عن عَقدِ الإسلامِ، وعَقدُ الإسلامِ لا يَصحُّ إلا مُؤبَّدًا، فكذا عَقدُ الذِّمةِ.
وفي قَولٍ عندَ الشافِعيةِ: يَصحُّ مُؤقَّتًا.
وكذلك يُشترطُ في هذا العَقدِ القَبولُ والالتِزامُ لأحكامِ الإسلامِ في غيرِ العِباداتِ، من حُقوقِ الآدميِّينَ في المُعامَلاتِ وغَرامةِ المُتلَفاتِ، وكذا ما يَعتقِدونَ تَحريمَه كالزِّنا والسَّرقةِ، كما يُشترطُ في حَقِّ الرِّجالِ منهم قَبولُ بَذلِ الجِزيةِ كلَّ عامٍ (٢).
- وذكَرَ بعضُ الفُقهاءِ شُروطًا أُخرى لم يَذكُرْها الآخَرونَ، قالَ الماوَرديُّ من الشافِعيةِ: يُشترطُ عليهم سِتةُ أشياءَ:
١ - ألَّا يَذكُروا كِتابَ اللهِ تَعالى بطَعنٍ ولا تَحريفٍ له.
стр. 12642
٢ - وألَّا يَذكُروا رَسولَ اللهِ ﷺ بتَكذيبٍ له ولا ازدِراءٍ.
٣ - وألَّا يَذكُروا دِينَ الإسلامِ بذَمٍّ له ولا قَدحٍ فيه.
٤ - وألَّا يُصيبوا مُسلِمةً بزِنًا ولا باسمِ نِكاحٍ.
٥ - وألَّا يَفتِنوا مُسلمًا عن دِينِه ولا يَتعرَّضوا لمالِه.
٦ - وألَّا يُعينوا أهلَ الحَربِ، ولا يُؤووا للحَربيِّينَ عَينًا (جاسوسًا).
قالَ الماوَرديُّ ﵀: فهذه حُقوقٌ مُلتزَمةٌ، فتَلزمُهم بغيرِ شَرطٍ، وإنَّما تُشترَطُ إشعارًا لهم وتأكيدًا لتَغليظِ العَهدِ عليهم، ويَكونُ ارتِكابُها بعدَ الشَّرطِ نَقضًا لعَهدِهم (١).
ومِثلُه ما ذكَرَه أبو يَعلى من الحَنابِلةِ (٢)، وإنَّما لم يَذكُرْها الآخَرونَ لدُخولِها في شَرطِ التِزامِ أحكامِ الإسلامِ.
ثانيًا: حُصولُ الذِّمةِ بالقَرائنِ:
وهو أنواعٌ:
أ- الإقامةُ في دارِ الإسلامِ:
الأصلُ أنَّ غيرَ المُسلِمِ الذي لم يَحصُلْ على الذِّمةِ لا يُمكَّنُ من الإقامةِ الدائِمةِ في دارِ الإسلامِ، وإنَّما يُمكَّنُ من الإقامةِ اليسَيرةِ بالأمانِ المُؤقَّتِ، ويُسمَّى صاحِبُ الأمانِ (المُستأمَنَ).
стр. 12643
وجُمهورُ الفُقهاءِ (الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ) على أنَّ مُدةَ الإقامةِ في دارِ الإسلامِ للمُستأمَنِ لا تَبلغُ سَنةً، فإذا أَقامَ فيها سَنةً كامِلةً أو أكثَرَ تُفرضُ عليه الجِزيةُ، ويَصيرُ بعدَها ذِميًّا.
فطولُ إقامةِ غيرِ المُسلِمينَ قَرينةٌ على رِضاهم بالإقامةِ الدائِمةِ وقَبولِهم شُروطَ أهلِ الذِّمةِ (١).
هذا وقد فصَّلَ فُقهاءُ الحَنفيةِ في هذا المَوضوعِ فقالُوا: الأصلُ أنَّ الحَربيَّ إذا دخَلَ دارَ الإسلامِ بأمانٍ يَنبَغي للإمامِ أنْ يَتقدَّمَ إليه، فيَضربَ له مُدةً مَعلومةً، على حسَبِ ما يَقتَضيه رأيُه، ويَقولَ له: إنْ جاوَزتَ المُدةَ جَعلتُك من أهلِ الذِّمةِ، فإذا جاوزَها صارَ ذِميًّا، فإذا أَقامَ سَنةً من يَومِ أنْ قالَ له الإمامُ أُخِذتْ منه الجِزيةُ (٢).
وإذا لمْ يَضرِبْ له مُدةً قالَ أكثَرُ الحَنفيةِ: يَصيرَ ذِميًّا بإقامَتِه سَنةً، وقالَ بَعضُهم: إنْ أَقامَ المُستأمَنُ فأطال المُقامَ أمَرَ بالخُروجِ؛ فإنْ أَقامَ بعدَ ذلك حَولًا وُضِعت عليه الجِزيةُ، وعلى هذا فاعتِبارُ السَّنةِ من تاريخِ إنذارِ الإمامِ له بالخُروجِ، فلو أَقامَ سِنينَ من غيرِ أنْ يَتقدَّمَ إليه الإمامُ بالخُروجِ فله الرُّجوعُ إلى دارِ الحَربِ، ولا يَصيرُ ذِميًّا (٣)، ولمْ أجِدْ نَصًّا للمالِكيةِ في تَقديرِ مُدةِ الأمانِ للمُستأمَنِ وصَيرورتِه ذِميًّا.
стр. 12644
ب- زَواجُ الحَربيةِ بالمُسلِمِ أو الذِّميِّ:
صرَّحَ الحَنفيةُ بأنَّ الحَربيةَ المُستأمَنةَ إذا تَزوَّجت مُسلمًا أو ذِميًّا فقد تَوطَّنت وصارَت ذِميةً؛ لأنَّ المَرأةَ في المَسكنِ تابِعةٌ للزَّوجِ، ألا تَرى أنَّها لا تَملِكُ الخُروجَ إلا بإذنِه، فجَعلُها نَفسَها تابِعةً لمَن هو في دارِنا هو رِضًا بالتَّوطُّنِ في دارِنا على التأبيدِ، ورِضاها بذلك دِلالةٌ كالرِّضا بطَريقِ الإفصاحِ.
فلهذا صارَت ذِميَّةً، بخِلافِ المُستأمَنِ إذا تَزوَّجَ ذِميَّةً؛ لأنَّ الزَّوجَ لا يَكونُ تابِعًا لامرأتِه في المُقامِ، فزَواجُه من الذِّميَّةِ لا يَدلُّ على رِضاه بالبَقاءِ في دارِ الإسلامِ، فلا يَصيرُ ذِميًّا (١).
وأمَّا الحَنابِلةُ، فالظاهِرُ أنَّهم خالَفوا الحَنفيةَ في هذا الحُكمِ، قالَ صاحِبُ «المُغني»: إذا دخَلَت الحَربيةُ إلينا بأَمانٍ فتَزوَّجت ذِميًّا في دارِنا ثم أَرادَت الرُّجوعَ لم تُمنَعْ إذا رضِيَ زَوجُها أو فارَقها.
وقالَ أبو حَنيفةَ: تُمنَعُ.
ولنا: أنَّه عقَد لا يُلزِمَ الرَّجلَ المُقامَ به، فلا يَلزمُ المَرأةَ كعَقدِ الإِجارةِ (٢).
ولمْ أعثُرْ في كُتبِ المالِكيةِ والشافِعيةِ على هذا الحُكمِ.
стр. 12645
ثالثًا: صَيرورتُه ذِميًّا بالتَّبعيةِ:
هناك حالاتٌ يَصيرُ فيها غيرُ المُسلمِ ذِميًّا تَبعًا لغيرِه؛ لعَلاقةٍ بينَهما تَستوجِبُ هذه التَّبعيةَ في الذِّمةِ، منها:
أ، ب- الأولادُ الصِّغارُ والزَّوجةُ:
صرَّحَ جُمهورُ الفُقهاءِ: (الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ) بأنَّ الأولادَ الصِّغارَ يَدخُلونَ في الذِّمةِ تَبعًا لآبائِهم أو أُمَّهاتِهم إذا دخَلوا في الذِّمةِ (١)؛ لأنَّ عَقدَ الذِّمةِ فيه التِزامُ أَحكامِ الإسلامِ فيما يَرجِعُ إلى المُعامَلاتِ، والصَّغيرُ في مِثلِ هذا يَتبَعُ خَيرَ الوالِدَينِ، كما علَّله الحَنفيةُ، وهذا ما يُفهَمُ من كَلامِ المالِكيةِ، حيثُ قالُوا: لا تُعقَدُ الذِّمةُ إلا لكافرٍ حُرٍّ بالِغٍ ذكَرَ، فأمَّا المَرأةُ والعبدُ والصَّبيُّ فهُم أتباعٌ (٢).
وإذا بلَغ صِبيانُ أهلِ الذِّمةِ تُؤخذُ منهم الجِزيةُ دونَ حاجةٍ إلى عَقدٍ جَديدٍ، وهذا مَذهبُ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والحَنابِلةِ، وهو وَجهٌ عندَ الشافِعيةِ؛ لأنَّه لم يأتِ عن النَّبيِّ ﷺ ولا عن أحدٍ من خُلفائِه تَجديدُ العَقدِ لهؤلاء؛ ولأنَّهم تَبِعوا الأبَ في الأَمانِ فتَبِعوه في الذِّمةِ (٣).
стр. 12646
والأصَحُّ عندَ الشافِعيةِ: أنَّه يُستأنَفُ له عَقدُ الذِّمةِ؛ لأنَّ العَقدَ الأولَ كانَ للأبِ دونَه، فعلى هذا جِزيتُه على ما يَقعُ عليه التَّراضي (١).
ومِثلُ هذا الحُكمِ، أنَّ التَّبعيةَ في الذِّمةِ يَجري على الزَّوجةِ عندَ الحَنفيةِ؛ فإنَّهم قالُوا: لو أنَّ زَوجَينِ مُستأمنَينِ دخَلا دارَ الإسلامِ بالأَمانِ أو تَزوَّج مُستأمَنٌ مُستأمَنةً في دارِنا ثم صارَ الرَّجلُ ذِميًّا، أو دخَلَت حَربيةٌ دارَ الإسلامِ بأَمانٍ فتَزوَّجت ذِميًّا صارَت ذِمِّيةً تَبعًا للزَّوجِ؛ لأنَّ المَرأةَ في المُقامِ تابِعةٌ لزَوجِها (٢).
رابِعًا: الذِّمةُ بالغَلبةِ والفَتحِ:
- هذا النَّوعُ من الذِّمةِ يَتحقَّقُ فيما إذا فتَحَ المُسلِمونَ بِلادًا غيرَ إسلاميةٍ، ورَأى الإمامُ تَركَ أهلِ هذه البِلادِ أَحرارًا بالذِّمةِ، وضرَبَ الجِزيةَ عليهم، كما فعَلَ عُمرُ بنُ الخَطابِ في فَتحِ سَوادِ العِراقِ (٣).
стр. 12647
حُقوقُ أهلِ الذِّمةِ:
القاعِدةُ العامةُ في حُقوقِ أهلِ الذِّمةِ: أنَّ لهم ما لنا، وعليهِم ما عليْنا، وهذه القاعِدةُ جرَت على لسانِ فُقهاءِ الحَنفيةِ، وتَدلُّ عليها عِباراتُ فُقهاءِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ (١).
ويُؤيِّدُها بعضُ الآثارِ عن السَّلفِ، فقد رُوي عن علِيِّ بنِ أبي طالِبٍ أنَّه قالَ: «إنَّما قَبِلوا عَقدَ الذِّمةِ لتَكونَ أموالُهم كأموالِنا، ودِماؤُهم كدِمائِنا.
لكنَّ هذه القاعِدةَ غيرُ مُطبَّقةٍ على إطلاقِها؛ فالذِّمِّيونَ ليسُوا كالمُسلِمينَ في جَميعِ الحُقوقِ والواجِباتِ، وذلك بسَببِ كُفرِهم وعَدمِ التِزامِهم أَحكامَ الإسلامِ.
وفيما يَلي نَذكُرُ ما يَتمتَّعُ به أهلُ الذِّمةِ من الحُقوقِ:
أولًا: حِمايةُ الدَّولةِ لهم:
يُعتبَرُ أهلُ الذِّمةِ من أهلِ دارِ الإسلامِ؛ لأنَّ المُسلِمينَ حينَ أعطَوْهم الذِّمةَ التَزَموا دَفعَ الظُّلمِ عنهم والمُحافَظةَ عليهم، وصاروا كأهلِ دارِ الإسلامِ، كما صرَّحَ الفُقهاءُ بذلك (٢).
стр. 12648
وعلى ذلك، فلأهلِ الذِّمةِ حقُّ الإقامةِ آمِنين مُطمَئنِّين على دِمائِهم وأَموالِهم وأَعراضِهم، وعلى الإمامِ حِمايتُهم من كلِّ مَنْ أَرادَ بهم سُوءًا من المُسلِمينَ أو أهلِ الحَربِ أو أهلِ الذِّمةِ؛ لأنَّه التزَمَ بالعَهدِ حِفظَهم من الاعتِداءِ عليهم، فيَجبُ عليه الذَّبُّ عنهم، ومَنعُ مَنْ يَقصِدُهم بالأذى من المُسلِمينَ أو الكُفارِ، واستِنقاذُ مَنْ أُسرَ منهم، واستِرجاعُ ما أُخذَ من أَموالِهم، سَواءٌ كانُوا مع المُسلِمينَ أو مُنفرِدينَ عنهم في بَلدٍ لهم؛ لأنَّهم بَذلوا الجِزيةَ لحِفظِهم وحِفظِ أَموالِهم (١).
ومِن مُقتَضياتِ عَقدِ الذِّمةِ: أنَّ أهلَ الذِّمةِ لا يُظلَمونَ ولا يُؤذَونَ، قالَ النَّبيُّ ﷺ : «ألا مَنْ ظلَمَ مُعاهَدًا أو انتقَصَه حَقَّه أو كلَّفَه فوقَ طاقَتِه أو أخَذَ منه شَيئًا بغيرِ طِيبِ نَفسٍ منه، فأنا حَجيجُه يَومَ القيامةِ» (٢).
وقالَ الإمامُ القَرافِيُّ ﵀: والذي إجماعُ الأُمةِ عليه، أنَّ مَنْ كانَ في الذِّمةِ وجاء أهلُ الحَربِ إلى بِلادِنا يَقصدِونَه وجَبَ علينا أنْ نَخرُجَ لقِتالِهم بالكُراعِ والسِّلاحِ ونَموتَ دونَ ذلك؛ صَونًا لمَن هو في ذِمةِ اللهِ تَعالى وذِمةِ رَسولِه ﷺ ؛ فإنَّ تَسليمَه دونَ ذلك إِهمالٌ لعَقدِ الذِّمةِ، ومنها أنَّ مَنْ اعتَدى عليهم ولو بكَلمةِ سُوءٍ أو غِيبةٍ في عِرضِ أحدِهم أو نَوعٍ من أَنواعِ الأَذيةِ أو أَعانَ على ذلك فقد ضيَّعَ ذِمةَ اللهِ تَعالى وذِمةَ رَسولِه ﷺ وذِمةَ دِينِ الإسلامِ، تَعيَّنَ علينا أنْ نَبَرَّهم بكُلِّ أمرٍ لا يُؤدِّي إلى أحدِ الأمرَينِ:
стр. 12649
الأولُ: ما يَدلُّ ظاهِرُه على مَودَّاتِ القُلوبِ.
والآخَرُ: ما يَدلُّ ظاهِرُه على تَعظيمِ شَعائرِ الكُفرِ، وذلك كالرِّفقِ بضَعيفِهم وسَدِّ خَلةِ فَقيرِهم وإطعامِ جائِعِهم وإِكساءِ عارِيهم، ولينِ القَولِ لهم على سَبيلِ اللُّطفِ لهم، والرَّحمةِ، لا على سَبيلِ الخَوفِ والذِّلةِ.
وكذلك احتِمالُ أَذيَّتِهم في الجِوارِ مع القُدرةِ على إِزالتِه لُطفًا منَّا بهم، لا خَوفًا وتَعظيمًا، والدُّعاءُ لهم بالهِدايةِ، وأنْ يُجعَلوا من أهلِ السَّعادةِ، ونَصيحَتُهم في جَميعِ أُمورِهم في دِينِهم ودُنياهم، وحِفظُ غَيبَتِهم إذا تَعرَّض أحدٌ لأَذيَّتِهم، وصَونُ أَموالِهم وعيالِهم وأَعراضِهم، وجَميعِ حُقوقِهم ومَصالحِهم، وأنْ يُعانوا على دَفعِ الظُّلمِ عنهم، وكذلك إِيصالُهم لجَميعِ حُقوقِهم، وكلِّ خَيرٍ يَحسُنُ من الأَعلى مع الأسفَلِ أنْ يَفعلَه، ومن العَدوِّ أنْ يَفعلَه مع عَدوِّه؛ فإنَّ ذلك من مَكارمِ الأَخلاقِ (١).
حتى إنَّ الفُقهاءَ صرَّحوا بأنَّ أهلَ الحَربِ إذا استَولَوا على أهلِ الذِّمةِ فسَبَوْهم وأخَذوا أموالَهم ثم قُدِّر عليهم، وجَبَ رَدُّهم إلى ذِمَّتِهم ولمٍ يَجزِ استِرقاقُهم، وهذا في قَولِ عامةِ أهلِ العِلمِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وجُملةُ ذلك، أنَّ أهلَ الحَربِ إذا استَولَوا على أهلِ ذِمَّتِنا فسَبَوْهم وأخَذوا أَموالَهم ثم قُدِرَ عليهم وجَبَ رَدُّهم إلى ذِمَّتِهم، ولم يَجزِ استِرقاقُهم في قَولِ عامةِ أهلِ العِلمِ، منهم: الشَّعبيُّ ومالِكٌ واللَّيثُ والأَوزاعيُّ والشافِعيُّ وإسحاقُ، ولا نَعلمُ لهم مُخالِفًا؛ وذلك لأنَّ ذِمتَهم
стр. 12650
باقيةٌ، ولم يُوجَدَ منهم ما يُوجِبُ نقضَها، وحُكمُ أَموالِهم حُكمُ أموالِ المُسلِمينَ في حُرمتِها؛ لأنَّ ذِمتَهم باقيةٌ، ولمْ يُوجَدَ منهم ما يَنقضُها، وحُكمُ أَموالِهم حُكمُ أَموالِ المُسلِمينَ في حُرمتِها (١).
وقد تَقدَّمَ شَيئًا من ذلك في أولِ كِتابِ أَحكامِ أهلِ الذِّمةِ.
ثانيًا: حقُّ الإقامةِ والتَّنقُّلِ:
لأهلِ الذِّمةِ أنْ يُقيموا في دارِ الإسلامِ آمِنينَ مُطمئنِّينَ على أنفُسِهم وأَموالِهم، ما لم يَظهرْ منهم ما يَنتقِضُ به عَهدُهم؛ لأنَّهم إنَّما بذَلوا الجِزيةَ لتَكونَ أَموالُهم كأَموالِنا، ودِماؤُهم كدِمائِنا، والمُسلِمونَ على شُروطِهم.
لكنَّ الفُقهاءَ اتَّفقوا على عَدمِ جَوازِ إقامةِ الذِّميِّ واستيطانِه في مَكةَ والمَدينةِ، على خِلافٍ وتَفصيلٍ فيما سِواهما؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨].
ولقَولِه ﷺ : «لا يَجتمِعُ في أرضِ العَربِ دِينانِ» (٢)، ولقَولِه ﵊: «لأُخرِجنَّ اليَهودَ والنَّصارى من جَزيرةِ العَربِ حتى لا أدَعَ إلا مُسلمًا» (٣)(٤).
стр. 12651
أمَّا في غيرِها من المُدنِ والقُرى في دارِ الإسلامِ، فيَجوزُ لأهلِ الذِّمةِ أنْ يَسكنوا فيها مع المُسلِمينَ أو مُنفرِدين، لكنْ ليسَ لهم رَفعُ بِنائِهم على المُسلِمينَ بقَصدِ التَّعالي، وإذا لزِمَ من سُكناهم في المِصرِ بينَ المُسلِمينَ تَقليلُ الجَماعةِ أُمِروا بالسُّكنى في ناحيةٍ -في خارجِ المِصرِ- ليسَ فيها جَماعةُ المُسلِمينَ، إذا ظهَرَت المَصلحةُ في ذلك (١).
وأمَّا حقُّ التَّنقُّلِ: فيَتمتَّعُ أهلُ الذِّمةِ به في دارِ الإسلامِ أينما يَشاؤونَ للتِّجارةِ وغيرِها، إلا أنَّ في دُخولِهم مَكةَ والمَدينةَ وأرضَ الحِجازِ؛ فإنَّ العُلماءَ قد اختلَفوا في ذلك.
فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ، وهو قَولٌ عندَ المالِكيةِ إلى مَنعِ دُخولِ الكُفارِ إلى الحَرمِ مُطلَقًا؛ لعُمومِ الآيةِ السابِقةِ.
فإنْ أرادَ كافِرٌ الدُّخولَ إلى الحَرمِ مُنِع منه؛ فإنْ كانَت معه مِيَرةٌ أو تِجارةٌ خرَجَ إليه مَنْ يَشتَري منه، ولمْ يُترَكْ هو يَدخلُ، وإنْ كانَ رَسولًا إلى إمامٍ بالحَرمِ خرَجَ إليه من يَسمَعُ رِسالتَه ويُبلِّغُها إياه؛ فإنْ قالَ: لا بدَّ لي من لقاءِ الإمامِ، وكانَت المَصلحةُ في ذلك خرَجَ إليه الإمامُ، ولمْ يأذَنْ له بالدُّخولِ.
وإذا أراد مُشرِكٌ دُخولَ الحَرمِ ليسَلِمَ فيه مُنِع منه حتى يُسلِمَ قَبلُ (٢).
стр. 12652
قالَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ: وإذا دخَلَ المُشرِكُ الحَرمَ بغيرِ إذنٍ عُزِّرَ ولمْ يُستبَحْ به قَتلُه، وإنْ دخَلَه بإذنٍ لمْ يُعزَّرْ، ويُنكَرُ على مَنْ أذِنَ له (١).
قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: ليسَ لجَميعِ من خالَفَ دينَ الإسلامِ من ذِميٍّ أو مُعاهَدٍ أنْ يَدخُلَ الحَرمَ، لا مُقيمًا ولا مارًّا به، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ ﵀ وأكثَرُ الفُقهاءِ، وجوَّزَ أبو حَنيفةَ دُخولَهم إليه إذا لمْ يَستوطِنوه، وفي قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] نَصٌّ يَمنعُ ما عَداه؛ فإنْ دخَله مُشرِكٌ عُزِّر إنْ دخَلَه بغيرِ إذنٍ ولمْ يُستبَحْ قَتلُه، وإنْ دخَلَه بإذنٍ لم يُعزَّرْ وأُنكِرَ على الآذِنِ له.
وعُزِّرَ إنِ اقتَضَت حالُه التَّعزيرَ، وأُخرِج منه المُشرِكُ آمِنًا، وإذا أَرادَ مُشرِكٌ دُخولَ الحَرمِ ليسَلِمَ فيه مُنِع منه حتى يُسلِمَ قَبلَ دُخولِه، وإذا ماتَ مُشرِكٌ في الحَرمِ حرُمَ دَفنُه فيه، ودُفنَ في الحِلِّ؛ فإنْ دُفنَ في الحَرمِ نُقلَ إلى الحِلِّ، إلا أنْ يَكونَ قد بَلِيَ فُيتركَ فيه كما تُرِكت أَمواتُ الجاهِليةِ، وأمَّا سائِرُ المَساجدِ فيَجوزُ أنْ يُؤذَنَ لهم في دُخولِها ما لمْ يُقصَدْ بالدُّخولِ استِبذالُها بأكلٍ أو نَومٍ فيُمنَعوا.
стр. 12653
وقالَ مالِكٌ ﵀: لا يَجوزُ أنْ يُؤذَنَ لهم في دُخولِها بحالٍ (١).
وقالَ الحَنفيةُ: لا يُمنعُ الذِّميُّ من دُخولِ الحَرمِ، ولا يَتوقَفَ جَوازُ دُخولِه على إذنِ مُسلمٍ ولو كانَ المَسجدَ الحَرامَ (٢).
يَقولُ الجَصاصُ ﵀ في تَفسيرِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]: يَجوزُ للذِّميِّ دُخولُ سائرِ المَساجدِ، وإنَّما مَعنى الآيةِ على أحدِ الوَجهَينِ: إمَّا أنْ يَكونَ النَّهيُ خاصًّا في المُشرِكينَ الذين كانُوا مَمنوعينَ من دُخولِ مَكةَ وسائرِ المَساجدِ؛ لأنَّهم لمْ تَكنْ لهم ذِمةٌ، وكانَ لا يُقبَلُ منهم إلا الإسلامُ أو السَّيفُ وهُم مُشرِكو العَربِ، أو أنْ يَكونَ المُرادُ مَنعَهم من دُخولِ مَكةَ للحَجِّ، ويَدلُّ على ذلك قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ [التوبة: ٢٨] الآيةَ، وإنَّما كانَت خَشيةَ العَيلةِ لانقِطاعِ تلك المَواسمِ بمَنعِهم من الحَجِّ؛ لأنَّهم كانُوا يَنتفِعونَ بالتِّجاراتِ التي كانَت في مَواسمِ الحَجِّ (٣).
ثالِثًا: عَدمُ التَّعرُّضِ لهم في عَقيدتِهم وعِبادَتِهم:
إنَّ مِنْ مُقتَضى عَقدِ الذِّمةِ ألَّا يَتعرَّضَ المُسلِمونَ لأهلِ الذِّمةِ في عَقيدتِهم وأداءِ عِبادتِهم دونَ إظهارِ شعائِرِهم، فعَقدُ الذِّمةِ إقرارُ الكُفارِ على كُفرِهم بشَرطِ بَذلِ الجِزيةِ والتِزامِ أَحكامِ المِلةِ، وإذا كانَ هناك احتِمالُ
стр. 12654
دُخولِ الذِّميِّ في الإسلامِ -عن طَريقِ مُخالَطتِه للمُسلِمينَ- ووُقوفِه على مَحاسنِ الدِّينِ، فهذا يَكونُ عن طَريقِ الدَّعوةِ لا عن طَريقِ الإِكراهِ، وقد قالَ اللهُ : ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وفي كِتابِ النَّبيِّ ﷺ لأهلِ نَجرانَ: «ولنَجرانَ وحاشيَتِها جِوارُ اللهِ وذِمةُ مُحمدٍ رَسولِ اللهِ ﷺ على أَموالِهم ومِلَّتِهم وبِيَعِهم وكلِّ ما تحتَ أيديهم … » (١) وهذا الأصلُ مُتَّفقٌ عليه بينَ الفُقهاءِ.
لكنْ هناك تَفصيلٌ وخِلافٌ في بعضِ الفُروعِ نَذكرُه فيما يَلي:
إجراءُ عباداتِهم: الأصلُ في أهلِ الذِّمةِ تَركُهم وما يَدينونَ، فيُقَرُّونَ على الكُفرِ وعَقائدِهم وأَعمالِهم التي يَعتبِرونها من أُمورِ دِينِهم، كضَربِ الناقوسِ خَفيفًا في داخِلِ مَعابِدِهم، وقِراءةِ التَّوراةِ والإِنجيلِ فيما بينَهم، ولا يُمنَعونَ من ارتِكابِ المَعاصي التي يَعتقِدونَ بجَوازِها، كشُربِ الخَمرِ واتِّخاذِ الخَنازيرِ وبَيعِها، أو الأكلِ والشُّربِ في نَهارِ رَمضانَ، وغيرِ ذلك فيما بينَهم، أو إذا انفَردوا بقَريةٍ، ويُشترطُ في جَميعِ هذا ألَّا يُظهِروها ولا يَجهَروا بها بينَ المُسلِمينَ، وإلا مُنِعوا وعُزِّروا، وهذا باتِّفاقِ المَذاهبِ، فقد جاءَ في شُروطِ أهلِ الذِّمةِ لعبدِ الرَّحمنِ بنِ غُنمٍ: (ألَّا نَضرِبَ ناقوسًا إلَّا ضَربًا خَفيفًا في جَوفِ كنائسِنا، ولا نُظهِرَ عليها صَليبًا، ولا نَرفَعَ أصواتَنا في الصَّلاةِ ولا القِراءةِ في كَنائسِنا، ولا نُظهِرَ صَليبًا ولا كِتابًا في سُوقِ المُسلِمينَ) إلخ (٢).
стр. 12655
هذا، وقد فصَّلَ بعضُ الحَنفيةِ بينَ أمصارِ المُسلِمينَ وبينَ القُرى، فقالُوا: لا يَمنَعونَ من إِظهارِ شَيءٍ من بَيعِ الخَمرِ والخِنزيرِ والصَّليبِ وضَربِ الناقوسِ في قَريةٍ، أو مَوضعٍ ليسَ من أَمصارِ المُسلِمينَ، ولو كانَ فيه عَددٌ كَثيرٌ من أهلِ الإسلامِ، وإنَّما يُكرَهُ ذلك في أَمصارِ المُسلِمينَ، وهي التي تُقامُ فيها الجُمعُ والأَعيادُ والحُدودُ؛ لأنَّ المَنعَ من إِظهارِ هذه الأشياءِ لكَونِه إِظهارَ شَعائرِ الكُفرِ في مَكانِ إِظهارِ شَعائرِ الإسلامِ، فيَختصُّ المَنعُ بالمَكانِ المُعدِّ لإِظهارِ الشَّعائرِ، وهو المِصرُ الجامِعُ (١).
وفصَّلَ الشافِعيةُ بينَ القُرى العامةِ والقُرى التي يَنفرِدُ بها أهلُ الذِّمةِ، فلا يُمنَعونَ في الأَخيرةِ من إِظهارِ عِباداتِهم (٢).
رابِعًا: اختيارُ العَملِ:
يَتمتَّعُ الذِّميُّ باختيارِ العَملِ الذي يَراه مُناسِبًا للتَّكسُّبِ، فيَشتغِلُ بالتِّجارةِ والصِّناعةِ كما يَشاءُ، فقد صرَّحَ الفُقهاءُ بأنَّ الذِّميَّ في المُعامَلاتِ كالمُسلمِ، هذا هو الأصلُ، وهناك استِثناءاتٌ في هذا المَجالِ، ستأتي في بَحثِ ما يُمنَعُ منه الذِّميُّونَ.
أمَّا الأَشغالُ والوَظائِفِ العامةُ، فما يُشترطُ فيه الإسلامُ كالخِلافةِ والإِمارةِ على الجِهادِ والوَزارةِ وأمثالِها، فلا يَجوزُ أنْ يَعهدَ بذلك إلى ذِميٍّ،
стр. 12656
وما لا يُشترطُ فيه الإِسلامُ؛ كتَعليمِ الصِّغارِ الكِتابةَ، وتَنفيذِ ما يَأمرُ به الإمامُ أو الأميرُ، يَجوزُ أنْ يُمارِسَه الذِّميُّونَ (١).
المُعامَلاتُ الماليةُ لأهلِ الذِّمةِ:
القاعِدةُ العامةُ: أنَّ أهلَ الذِّمةِ في المُعامَلاتِ كالبُيوعِ والإجارةِ وسائرِ التَّصرُّفاتِ الماليةِ كالمُسلِمينَ (إلا ما استُثني من المُعامَلةِ بالخَمرِ والخِنزيرِ ونَحوِهما)؛ وذلك لأنَّ الذِّميَّ مُلتزِمٌ أَحكامَ الإِسلامِ فيما يَرجعُ إلى المُعامَلاتِ الماليةِ، فيَصحُّ منهم البَيعُ والإِجارةُ والمُضاربةُ والمُزارعةُ ونَحوُها من العُقودِ والتَّصرُّفاتِ التي تَصحُّ من المُسلِمينَ، ولا تَصحُّ منهم عُقودُ الرِّبا والعُقودُ الفاسِدةُ والمَحظورةُ التي لا تَصحُّ من المُسلِمينَ، كما صرَّحَ به فُقهاءُ المَذاهبِ.
قالَ الجَصاصُ من الحَنفيةِ: إنَّ الذِّميِّين في المُعامَلاتِ والتِّجاراتِ كالبُيوعِ وسائرِ التَّصرُّفاتِ كالمُسلِمينَ (٢)، ومِثلُه ما قالَه الإمامُ السَّرخسيُّ في المَبسوطِ، وصرَّحَ به الكاسانِيُّ في البَدائعِ؛ حيثُ قالَ: كلُّ ما جازَ من بُيوعِ المُسلِمينَ جازَ من بُيوعِ أهلِ الذِّمةِ، وما يَبطُلُ أو يَفسُدُ من بُيوعِ المُسلِمينَ يَبطلُ ويَفسُدُ من بُيوعِهم، إلا الخَمرَ والخِنزيرَ (٣)، بل إنَّ الشافِعيةَ صرَّحوا ببُطلانِ بَيعِ الخَمرِ والخِنزيرِ بينَهم أيضًا قبلَ القَبضِ، وكَلامُ المالِكيةِ والحَنابِلةِ أيضًا
стр. 12657
يَدلُّ على صِحةِ هذه القاعِدةِ في الجُملةِ؛ لأنَّ أهلَ الذِّمةِ من أهلِ دارِ الإِسلامِ، ومُلتزِمونَ أَحكامَ الإِسلامِ في المُعامَلاتِ (١).
قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀ في «الأُمِّ»: تَبطُلُ بينَهم البُيوعُ التي تَبطُلُ بينَ المُسلِمينَ كلُّها، فإذا مضَتَ واستُهلِكت لم نُبطِلْها، وقالَ: فإنْ جاءَ رَجلانِ منهم قد تَبايَعا خَمرًا ولمْ يَتقابَضاها أَبطَلنا البَيعَ، وإنْ تَقابَضاها لم نَرُدَّه؛ لأنَّه قد مَضى (٢).
إلا أنَّ هناك ما يُستَثْنى من هذه القاعِدةِ نُجمِلُه فيما يلي:
أ- المُعامَلةُ بالخَمرِ والخِنزيرِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه لا تَجوزُ المُعامَلةُ بالخَمرِ والخِنزيرِ بينَ المُسلِمينَ مُطلَقًا؛ لأنَّهما لا يُعتبَرانِ مالًا مُتقوَّمًا عندَ المُسلِمينَ، وقد رُوي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «إنَّ اللهَ ورَسولَه حرَّم بَيعَ الخَمرِ والمَيْتةِ والخِنزيرِ والأَصنامِ» (٣)، لكنَّهم أقَرُّوا المُعامَلةَ بالخَمرِ والخِنزيرِ بينَ أهلِ الذِّمةِ، بنَحوِ شُربٍ أو بَيعٍ أو هِبةٍ أو مِثلِها بشَرطِ عَدمِ الإِظهارِ؛ لأنَّ مُقتَضى عَقدِ الذِّمةِ: أنْ يُقَرَّ الذِّميُّ على الكُفرِ مُقابِلَ الجِزيةِ، ويُتْرَكَ وشأنَه فيما يَعتقِدُه من الحِلِّ والحُرمةِ، والمُعاملةُ بالخَمرِ والخِنزيرِ مما يُعتقَدُ جَوازُها، وهذا مَحلُّ اتِّفاقٍ بينَ الفُقهاءِ في الجُملةِ (٤).
стр. 12658
ويَستدِلُّ الحَنفيةُ لذلك بقَولِهم: إنَّ الخَمرَ والخِنزيرَ مالٌ مُتقوَّمٌ في حقِّهم، كالخَلِّ والشاةِ للمُسلِمينَ، فيَجوزُ بَيعُه، ورُوي عن عُمرَ بنِ الخَطابِ ﵁ أنَّه كتَبَ إلى عشَّارِه بالشامِ: (أنْ وَلُّوهم بَيعَها وخُذوا العُشرَ من أَثمانِها)، ولو لم يَجزْ بَيعُ الخَمرِ منهم لما أمَرَهم بتَوليَتِهم البَيعَ (١).
ب- ضَمانُ الإتلافِ:
إذا أُتلِفَ الخَمرُ والخِنزيرُ لمُسلمٍ فلا ضَمانَ اتِّفاقًا؛ لعَدمِ تَقوُّمِهما في حَقِّ المُسلِمينَ.
وكذلك إِتلافُهما لأهلِ الذِّمةِ عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّ ما لا يَكونُ مَضمونًا في حَقِّ المُسلمِ لا يَكونُ مَضمونًا في حَقِّ غيرِه (٢).
لكنَّ الحَنفيةَ صرَّحوا بضَمانِ مُتلِفِهما لأهلِ الذِّمةِ؛ لأنَّهما مالٌ مُتقوَّمٌ في حَقِّهم، وبهذا قالَ المالِكيةُ، إذا لمْ يُظهِرِ الذِّميُّ الخَمرَ والخِنزيرَ (٣).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: «مَنْ أتلَفَ لذِميٍّ خَمرًا أو خِنزيرًا فلا غُرمَ عليه، ويُنهى عن التَّعرُّضِ لهم فيما لا يُظهِرونَه» وجُملةُ ذلك أنَّه لا يَجبُ ضَمانُ الخَمرِ والخِنزيرِ، سَواءٌ كانَ مُتلِفُه مُسلمًا أو ذِميًّا لمُسلمٍ أو ذِميٍّ، نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ أبي الحارِثِ، في الرَّجلِ يُهريقُ مُسكِرًا لمُسلمٍ أو
стр. 12659
لذِميٍّ خَمرًا، فلا ضَمان عليه، وبهذا قالَ الشافِعيُّ.
وقالَ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ: يَجبُ ضَمانُهما إذا أَتلَفهما على ذِميٍّ، قالَ أبو حَنيفةَ: إنْ كانَ مُسلمًا بالقِيَمةِ وإنْ كانَ ذِميًّا بالمِثلِ؛ لأنَّ عَقدَ الذِّمةِ إذا عصَمَ عَينًا قَوَّمها كنَفسِ الآدميِّ، وقد عصَمَ خَمرَ الذِّميِّ، بدَليلِ أنَّ المُسلِمَ يُمنَعُ من إِتلافِها، فيَجبُ أنْ يُقوِّمَها؛ ولأنَّها مالٌ لهم يَتموَّلونَها، بدَليلِ ما رُوي عن عُمرَ ﵁ «أنَّ عامِلَه كتَبَ إليه: إنَّ أهلَ الذِّمةِ يَمُرُّونَ بالعاشرِ، ومعهم الخُمورُ، فكتَبَ إليه عُمرُ: وَلُّوهم بَيعَها، وخُذوا منهم عُشرَ ثَمنِها». وإذا كانَت مالًا لهم وجَبَ ضَمانُها كسائرِ أَموالِهم.
ولنا: أنَّ جابِرًا رَوى أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللهَ ورَسولَه حرَّمَ بَيعَ الخَمرِ والمَيْتةِ والخِنزيرِ والأَصنامِ» مُتَّفقٌ على صِحتِه.
وما حرُمَ بَيعُه لا لحُرمتِه لم تَجِبْ قيمَتُه كالمَيْتةِ، ولأنَّ ما لم يَكنْ مَضمونًا في حَقِّ المُسلمِ لم يَكنْ مَضمونًا في حَقِّ الذِّميِّ كالمُرتدِّ، ولأنَّها غيرُ مُتقوَّمةٍ فلا تُضمَنُ كالمَيتةِ، ودَليلُ أنَّها غيرُ مُتقوَّمةٍ في حَقِّ المُسلمِ فكذلك في حَقِّ الذِّميِّ؛ فإنَّ تَحريمَها ثبَتَ في حَقِّهما، وخِطابُ النَّواهي يَتوجَّهُ إليهما، فما ثبَتَ في حَقِّ أحدِهما ثبَتَ في حَقِّ الآخَرِ، ولا نُسلِّمُ بأنَّها مَعصومةٌ؛ بل مَتى أُظهِرت حلَّت إِراقتُها، ثم لو عصَمَها ما لزِمَ تَقويمُها؛ فإنَّ نِساءَ أهلِ الحَربِ وصِبيانَهم مَعصومونَ غيرُ مُتقوَّمينَ.
وقَولُهم: إنَّها مالٌ عندَهم يَنتقِضُ بالعبدِ المُرتدِّ؛ فإنَّه مالٌ عندَهم، وأمَّا حَديثُ عُمرَ، فمَحمولٌ على أنَّه أراد تَركَ التَّعرُّضِ لهم، وإنَّما أمرَ بأخذِ عُشرِ أثمانِها؛ لأنَّهم إذا تبايَعوا وتَقابَضوا حكَمنا لهم بالمِلكِ ولمْ ننقُضْه،
стр. 12660
وتَسميتُها أَثمانًا مَجازٌ، كما سمَّى اللهُ تَعالى ثمَنَ يُوسفَ ثَمنًا، فقالَ: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠].
وأمَّا قَولُ الخِرقيِّ: ويُنهى عن التَّعرُّضِ لهم فيما لا يُظهِرونَه؛ فلأنَّ كلَّ ما اعتَقدوا حِلَّه في دِينِهم ممَّا لا أَذى للمُسلِمينَ فيه من الكُفرِ وشُربِ الخَمرِ واتِّخاذِها ونِكاحِ ذَواتِ المَحارمِ، لا يَجوزُ لنا التَّعرُّضُ لهم فيه إذا لمْ يُظهِروه؛ لأنَّنا التزَمنا إِقرارَهم عليه في دارِنا، فلا نَعرِضُ لهم فيما التزَمنا تَركَه، وما أَظهَرُوه من ذلك تَعيَّنَ إِنكارُه عليهم؛ فإنْ كانَ خَمرًا جازَت إراقَتُها، وإنْ أَظهَرُوا صَليبًا أو طُنبورًا جازَ كَسرُه، وإنْ أظهَرُوا كُفرَهم أُدِّبوا على ذلك، ويُمنَعونَ من إِظهارِ ما يَحرمُ على المُسلِمينَ (١).
ج- عَدمُ تَمكينِ الذِّميِّ من شِراءِ المُصحفِ وكُتبِ الحَديثِ:
لا يَجوزُ تَمكينُ الذِّميِّ من شِراءِ المُصحفِ أو دَفترٍ فيه أَحاديثُ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ (المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ)؛ لأنَّ ذلك قد يُؤدِّي إلى ابتِذالِه (٢).
стр. 12661
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا يَجوزُ تَمكينُه من شِراءِ مُصحفٍ ولا حَديثِ رَسولِ اللهِ ﷺ ولا فِقهٍ؛ فإنْ فعَلَ فالشِّراءُ باطِلٌ؛ لأنَّ ذلك يَتضمَّنُ ابتِذالَه، وكرِهَ أحمدُ بَيعَهم الثِّيابَ المَكتوبَ عليها ذِكرُ اللهِ تَعالى، قالَ مُهنَّا: سأَلتُ أحمدَ أبا عبدِ اللهِ: هل تَكرهُ للرَّجلِ المُسلِمِ أنْ يُعلِمَ غُلامًا مَجوسيًّا شَيئًا من القُرآنِ؟ قالَ: إنْ أسلَمَ فنَعمْ، وإلا فأكرَهُ أنْ يَضعَ القُرآنَ في غيرِ مَوضِعِه، قُلتُ: فيُعلِّمُه أنْ يُصلِّيَ على النَّبيِّ ﷺ ؟ قالَ: نَعمْ.
وقالَ الفَضلُ بنُ زيادٍ: سألتُ أبا عبدِ اللهِ عن الرَّجلِ يَرهَنُ المُصحفَ عندَ أهلِ الذِّمةِ؟ قالَ: لا، «نهَى النَّبيُّ ﷺ أنْ يُسافَرَ بالقُرآنِ إلى أرضِ العَدوِّ، مَخافةَ أنْ يَنالَه العَدوُّ» (١).
ولم أجِدْ في كُتبِ الحَنفيةِ على ما يَمنعُ ذلك، إلا أنَّ أبا حَنيفةَ وأبا يُوسفَ يَمنَعان الذِّميَّ من مَسِّ المُصحفِ، وجوَّزَه مُحمدٌ إذا اغتَسلَ لذلك (٢).
وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: فَصلٌ: صيانةُ القُرآنِ، أنْ يَحفظَه مَنْ ليسَ مِنْ أهلِه.
قالُوا -أي: قَولُ عُمرَ ﵁ لأهلِ الشامِ من أهلِ الذِّمةِ-: «ولا نُعلِّمَ أَولادَنا القُرآنَ» صيانةً للقُرآنِ أنْ يَحفظَه مَنْ ليسَ مِنْ أهلِه ولا يُؤمِنُ به؛ بل هو كافِرٌ به، فهذا ليسَ أهلًا أنْ يَحفظَه ولا يُمكَّنُ منه.
стр. 12662
وقد نَهى النَّبيُّ ﷺ أنْ يُسافَرَ بالقُرآنِ إلى أَرضِ العَدوِّ مَخافةَ أنْ تَنالَه أَيدِيهم، فلهذا يَنبَغي أنْ يُصانَ عن تَلقينِهم إياه؛ فإنْ طلَب أحدٌ منهم أنْ يَسمعَه منهم؛ فإنَّ له أنْ يُسمِعَه إياه، إِقامةً للحُجةِ عليهم، ولَعلَّه أنْ يُسلِمَ (١).
واجباتِ أهلِ الذِّمةِ الماليةِ:
على أهلِ الذِّمةِ واجِباتٌ وتَكاليفُ ماليةٌ يَلتزِمونَ بها قِبَلَ الدَّولةِ الإِسلاميةِ مُقابِلَ ما يَتمتَّعونَ به من الحِمايةِ والحُقوقِ، وهذه الواجِباتُ عِبارةٌ عن الجِزيةِ والخَراجِ والعُشورِ.
وفيما يَلي نُجمِلُ أحكامَها:
أ- الجِزيةُ: وهي المالُ الذي تُعقَدُ عليه الذِّمةُ لغيرِ المُسلِمِ؛ لأمنِه واستِقرارِه تحتَ حُكمِ الإسلامِ وصَونِه، وتُؤخذُ كلَّ سَنةٍ من العاقلِ البالِغِ الذَّكرِ، ولا تَجِبُ على الصِّبيانِ والنِّساءِ والمَجانينِ اتِّفاقًا.
كما يُشترطُ في وُجوبِها: السَّلامةُ من الزَّمانةِ والعَمى والكِبَرِ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ، وفي مِقدارِها ووَقتِ وُجوبِها وما تَسقطُ به الجِزيةُ وغيرُها من الأَحكامِ تَفصيلٌ قد تَقدَّمَ في أولِ الكِتابِ.
ب- الخَراجُ: وهو ما وُضِعَ على رِقابِ الأَرضِ من حُقوقٍ تُؤدَّى عنها (٢).
стр. 12663
وهو إمَّا أنْ يَكونَ خَراجَ الوَظيفةِ الذي يُفرَضَ على الأَرضِ بالنِّسبةِ إلى مِساحتِها ونَوعِ زِراعتِها، وإمَّا أنْ يَكونَ خَراجَ المُقاسَمةِ الذي يُفرَضَ على الخارِجِ من الأرضِ كالخُمسِ أو السُّدسِ أو نَحوِ ذلك (١).
أنواعُ الأرضِ الخَراجيةِ:
النَّوعُ الأولُ: الأرضُ التي صالَحَ المُسلِمونَ أهلَها عليها، وهي نَوعانِ:
الأولُ: أنْ يَقعَ الصُّلحُ على أنَّ الأَرضَ لأهلِها، وللمُسلِمينَ الخَراجُ، فهي مَملوكةٌ لأهلِها، وتُعتبَرُ أرضًا خَراجيةً.
والثانِي: أنْ يَقعَ الصُّلحُ على أنَّ الأَرضَ للمُسلِمينَ، ويُقَرُّ أهلُها عليها بخَراجٍ مَعلومٍ (٢).
النَّوعُ الثانِي: الأَرضُ التي أُجلي عنها أهلُها خَوفًا وفَزعًا وبدُونِ قِتالٍ فهي أرضٌ خَراجيةٌ، وتَصيرُ وَقفًا على جَميعِ المُسلِمينَ بمُجرَّدِ الاستِيلاءِ عليها عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ من الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ وأحمدَ في رِوايةٍ؛ وذلك لأنَّها فَيءٌ وليسَت غَنيمةً.
وذهَبَ أحمدُ في رِوايةٍ ثانيةٍ إلى أنَّ حُكمَها حُكمُ الأَرضِ المَفتوحةِ عَنوةً، فلا تَصيرُ وَقفًا على المُسلِمينَ إلا بوَقفِ الإمامِ لها؛ لأنَّها مالٌ ظهَرَ
стр. 12664
عليه المُسلِمونَ بقُوَّتِهم، فلا يَكونُ وَقفًا بالاستِيلاءِ نَفسِه كالمَنقولِ (١).
أمَّا أرضُ العَربِ فكلُّها أرضٌ عُشريةٌ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ والخُلفاءَ الراشدِين لم يَأخُذوا الخَراجَ من أرضِ العَربِ، ولأنَّه بمَنزِلةِ الفَيءِ، فلا يَثبُتُ في أَراضِيهم كما لا تَثبُتُ الجِزيةُ في رِقابِهم (٢).
النَّوعُ الثالِثُ: الأرضُ التي افتتَحها المُسلِمونَ عَنوةً:
فاختَلفَ أهلُ العِلمِ فيها على ثَلاثةِ أقوالٍ كما سبَقَ:
القَولُ الأولُ: تُقسَّمُ كسائرِ أَموالِ الغَنيمةِ خَمسةَ أَخماسٍ، وإليه ذهَبَ الشافِعيةُ، وأبو ثَورٍ، وأحمدُ في رِوايةٍ.
والقَولُ الثانِي: الأَرضُ لا تُقسَّمُ، بل تَكونُ وَقفًا في مَصالحِ المُسلِمينَ على حُكمِ الفَيءِ، لا يَستأثِرُ أحدٌ بمِلكِ أَعيانِها، بل هي لكلِّ مَنْ حضَرَ ذلك ومَن لمْ يَحضُرْه، ومَن يَجيءُ بعدُ من المُسلِمينَ إلى يَومِ القِيامةِ، وهو قَولُ المالِكيةِ في المَشهورِ وأحمدَ في رِوايةٍ.
والقَولُ الثالِثُ: الإمامُ مُخيَّرٌ بينَ أنْ يُقسِّمَها في المَغانمِ كما فعَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ بخَيبَرَ، أو يُوقفَها لمَصالحِ المُسلِمينَ كما فعَلَ عُمرُ ﵁ بأَرضِ السوادِ، وهو قَولُ الحَنفيةِ وأحمدَ في أظهَرِ الرِّواياتِ عنه.
стр. 12665
والخَراجُ واجِبٌ على كلِّ من بيَدِه أَرضٌ خَراجيةٌ ناميةٌ، سَواءٌ أكانَ مُسلمًا أو كافرًا، صَغيرًا أو كَبيرًا، عاقِلًا أو مَجنونًا، رَجلًا أو امرأةً؛ وذلك لأنَّ الخَراجَ مَؤونةُ الأَرضِ الناميةِ، وهُم في حُصولِ النَّماءِ سَواءٌ.
قالَ ابنُ القَيمِ ﵀: وللإمامِ تَركُ الخَراجِ وإِسقاطُه عن بعضِ مَنْ هو عليه، وتَخفيفُه عنه بحسَبِ النَّظرِ والمَصلحةِ للمُسلِمينَ، وليسَ له ذلك في الجِزيةِ، والفَرقُ بينَهما أنَّ الجِزيةَ المَقصودُ بها إِذلالُ الكافِرِ وصَغارُه، وهي عِوضٌ عن حَقنِ دَمِه، ولم يُمكِّنْه اللهُ من الإقامةِ بينَ أظهُرِ المُسلِمينَ إلا بالجِزيةِ إعزازًا للإِسلامِ وإِذلالًا للكُفرِ.
وأمَّا الخَراجُ: فهو أُجرةُ الأَرضِ وحقٌّ من حُقوقِها، وإنَّما وُضِع بالاجتِهادِ، فإِسقاطُه كلُّه بمَنزِلةِ إسقاطِ الإمامِ أُجرةَ الدارِ والحانوتِ عن المُكتَري (١).
ج- العُشورُ:
العُشرُ لُغةً: الجُزءُ من عَشرةِ أجزاءٍ، ويُجمَعُ العُشرُ على عُشورٍ وأَعشارٍ (٢).
وفي الاصطِلاحِ: يُطلَقُ العُشرُ على مَعنيَينِ:
الأولُ: عُشرُ التِّجاراتِ والبِياعاتِ.
стр. 12666
والثانِي: عُشرُ الصَّدقاتِ، أو زَكاةُ الخارجِ من الأَرضِ (١).
وأَقتصِرُ هنا على بَحثِ عُشرِ التِّجارةِ، أمَّا عُشرُ الخارجِ من الأَرضِ فمَحلُّه كِتابُ الزَّكاةِ.
وعُشرُ التِّجارةِ: هو ما يُفرَضَ على أَموالِ أهلِ الذِّمةِ المُعدةِ للتِّجارةِ إذا انتقَلوا بها من بَلدٍ إلى بَلدٍ في داخِلِ بِلادِ الإِسلامِ (٢).
يُؤخَذُ العُشرُ من تِجارةِ غيرِ المُسلِمينَ عندَ دُخولِهم بها إلى دارِ الإِسلامِ، وذلك في الجُملةِ، وتَفصيلُ الحُكمِ سيأتي بَيانُه إنْ شاءَ اللهُ (٣).
أدلةُ مَشروعيةِ العُشرِ:
استَدلَّ الفُقهاءُ لمَشروعيةِ العُشرِ على غيرِ المُسلمِ بالسُّنةِ والإجماعِ والمَعقولِ.
أمَّا السُّنةُ، فقَولُه ﷺ : «إنَّما العُشورُ على اليَهودِ والنَّصارى وليسَ على المُسلِمينَ عُشورٌ» (٤).
стр. 12667
وعن أنسِ بنِ سِيرينَ، قالَ: «بعَثني أنسُ بنُ مالِكٍ إلى العُشورِ، فقُلتُ: تبعَثُني إلى العُشورِ من بينِ عُمَّالِك، قالَ: أما تَرضى أنْ أجعَلَك على ما جعَلَني عليه عُمرُ بنُ الخَطابِ ﵁؟ أمَرَني أنْ آخُذَ من المُسلِمينَ رُبعَ العُشرِ، ومن أهلِ الذِّمةِ نِصفَ العُشرِ» (١).
فالحَديثُ يدُلُّ على أنَّه لا يُؤخذُ من المُسلمِ مالٌ سِوى الزَّكاةِ، ويُؤخذُ من اليَهودِ والنَّصارى عُشرُ التِّجاراتِ كما تُؤخذُ منهم الجِزيةُ.
وأمَّا الإجماعُ: فقد بعَثَ عُمرُ بنُ الخَطابِ ﵁ العُشارُ ليأخُذوا العُشرَ بمَحضَرَ من الصحابةِ -رِضوانُ اللهِ عليهم-، ولم يُخالِفْه في ذلك أحدٌ، فكانَ إجماعًا سُكوتيًّا.
قالَ الإمامُ الشَّوكانَيُّ ﵀: وفِعلُ عُمرَ وإنْ لم يَكنْ حُجةً؛ قد عمِلَ الناسُ به قاطبةً، فهو إِجماعٌ سُكوتيٌّ (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: واشتَهَرت هذه القِصصُ ولمْ تُنكَرْ، فكانَت إِجماعًا، وعَمِل به الخُلفاءُ بعدَه (٣).
وقالَ ابنُ مُفلحٍ ﵀: واشتَهرَ وعُملَ به ولمْ يُنكَرْ فكانَ كالإجماعِ (٤).
وأمَّا المَعقولُ: فالتاجِرُ الذي يَنتقِلُ بتِجارتِه من بَلدٍ إلى آخَرَ يَحتاجُ إلى الأمانِ والحِمايةِ من اللُّصوصِ وقُطَّاعِ الطُّرقِ.
стр. 12668
والدَّولةُ الإسلاميةُ تَتكفَلَ بتَأمينِ ذلك عبْرَ طُرقِها ومَمراتِها التِّجاريةِ، فالعُشرُ الذي يُؤخذُ من التاجرِ هو في مُقابِلِ تلك الحِمايةِ، والانتِفاعِ بالمَرافقِ العامةِ للدَّولةِ الإسلاميةِ (١).
حِكمةُ مَشروعيةِ العُشرِ:
العُشرُ وَسيلةٌ لهِدايةِ غيرِ المُسلِمينَ من الحَربيِّينَ إلى الإسلامِ، إذ بدُخولِهم بعدَ أخذِ العُشرِ منهم إلى دارِ الإِسلامِ للتِّجارةِ يَطَّلعونَ على مَحاسنِ الإِسلامِ فيَحملُهم ذلك على الدُّخولِ فيه (٢).
والعُشرُ مَورِدٌ ماليٌّ تَستعينُ به الدَّولةُ الإِسلاميةُ في الإِنفاقِ على المَصالحِ العامةِ (٣).
والعُشرُ وَسيلةٌ لزِيادةِ المالِ ونَمائِه؛ إذ إنَّ السَّماحَ لغيرِ المُسلِمينَ بدُخولِ دارِ الإِسلامِ والتَّنقُّلِ بتِجاراتِهم في مُقابلِ العُشرِ يُؤدِّي إلى تَنميةِ أَموالِهم وزيادتِها، كما قالَ الدِّهلويُّ؛ لأنَّ النُّموَّ لا يَتمُّ إلا بالتَّرددِ في خارجِ البِلادِ (٤).
والعُشرُ وَسيلةٌ لزِيادةِ التَّبادلِ التِّجاريِّ بين الدَّولةِ الإِسلاميةِ والدُّولِ الأُخرى.
стр. 12669
قالَ السَّرخسيُّ ﵀: إنّا إذا عامَلناهم بمِثلِ ما يُعامِلونَنا به، كانَ ذلك أقرَبَ إلى مَقصودِ الأَمانِ واتِّصالِ التِّجاراتِ (١).
الأشخاصُ الذين تُعشَّرُ أموالُهم:
ذهَبَ الفُقهاءُ إلى مَشروعيةِ أخذِ العُشرِ من تِجارةِ غيرِ المُسلِمينَ إذا دخَلوا بها دارَ الإِسلامِ على التَّفصيلِ الآتي:
أولًا: المُستأمَنونَ:
قالَ ابنُ القَيمِ ﵀: المُستأمَنُ هو الذي يَقدَمُ بِلادَ المُسلِمينَ من غيرِ استِيطانٍ لها، وهؤلاء أربَعةُ أقسامٍ: رُسلٌ وتُجارٌ ومُستَجيرونَ حتى يُعرَضَ عليهم الإسلامُ والقُرآنُ، وطالِبو حاجةٍ من زيارةٍ وغيرِها (٢).
فمَن دخَلَ من هؤلاء بتِجارةٍ فقد ذهَبَ الفُقهاءُ في أخذِ العُشرِ منه مَذاهبَ:
ذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه إذا دخَلَ الحَربيُّ بمالِ التِّجارةِ إلى دارِ الإسلامِ بأمانٍ يُؤخذُ منه عُشرُ مالِه إذا بلَغَ المالُ نِصابًا، وهذا إذا لمْ يُعلَمْ مِقدارُ ما يَأخُذونَ مِنَّا؛ فإنْ عُلمَ مِقدارُ ما يَأخُذونَ مِنَّا أُخذَ منهم مِثلُه مُجازاةً، إلا إذا عُرِفَ أَخذُهم الكلَّ فلا نَأخذُ منهم الكلَّ؛ بل نتْرُكُ لهم ما يُبلِّغُهم مأمَنَهم إبقاءً للأمانِ، وإنْ علِمَ أنَّهم لا يَأخُذونَ مِنَّا لا نَأخذُ منهم ليسَتمِرُّوا عليه؛
стр. 12670
ولأننا أحقُّ بالمَكارمِ، ولا يُؤخذُ العُشرُ من مالِ صَبيٍّ حَربيٍّ إلا أنْ يَكونوا يَأخُذونَ من أَموالِ صِبيانِنا (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّه إذا دخَلَ الحَربيُّ بمالِ التِّجارةِ إلى بِلادِ المُسلِمينَ بأمانٍ على شَيءٍ يُعطيه؛ فإنَّه يَلزمُه ولو أكثَرَ من العُشرِ، ولا يَجوزُ أخذُ زائدٍ عليه، وعندَ عَدمِ تَعيينِ جُزءٍ يُؤخذُ منه العُشرُ، إلا أنْ يُؤدِّيَ الإمامُ اجتِهادَه إلى أخذِ أقَلَّ، فيَقتصِرَ عليه على المَشهورِ (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: إنْ دخَلوا بأمانٍ وشرَط الإمامُ عليهم أنْ يَأخذَ منهم عُشرَ تِجارَتِهم أو أكثَرَ أو أقَلَّ أخَذَ منهم، وإنْ لمْ يَشرُطْ بل عقَدَ لهم الأَمانَ على دِمائِهم لم يَأخذْ من أَموالِهم شَيئًا إنْ دخَلوا بأَموالِهم، إلا بشَرطٍ أو طِيبِ أنفُسِهم، وسَواءٌ كانَ هؤلاء المُستأمَنونَ من قَومٍ يُعشِّرون المُسلِمينَ إنْ دخَلوا بِلادَهم أو يُخمِّسونَهم (٣).
وذهَبَ الحَنابِلةُ إلى أنَّ الحَربيَّ إذا دخَلَ بِلادَ الإسلامِ بأمانٍ واتَّجَر فإنَّه يُؤخَذُ من تِجارتِه العُشرُ دُفعةً واحِدةً، سَواءٌ أكانَ كَبيرًا أو صَغيرًا، وسَواءٌ أكانَ ذَكرًا أو أُنثى، وسَواءٌ عَشَّروا أموالَ المُسلِمينَ إذا دخَلَت إليهم أو لا؛ لأنَّ عُمرَ ﵁ أخَذَ من أهلِ الحَربِ العُشرَ، واشتَهرَ ولمْ يُنكَرْ، وعمِلَ به الخُلفاءُ الراشِدونَ من بَعدِه في كلِّ عَصرٍ من غيرِ نَكيرٍ.
стр. 12671
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأيُّ إِجماعٍ يَكونُ أَقوى من هذا؟
ولا يُؤخذُ العُشرُ من أقَلَّ من عَشرةِ دَنانيرَ، وذكَرَ المُوفَّقُ أنَّ للإمامِ تَركَ العُشرِ إذا رَأى المَصلحةَ في ذلك (١).
ثانيًا: أهلُ الذِّمةِ:
أهلُ الذِّمةِ: هُمْ غيرُ المُسلِمينَ من النَّصارى واليَهودِ والمَجوسِ الذين يُقيمونَ في دارِ الإسلامِ بمُوجِبِ عَقدِ الذِّمةِ كما تَقدَّم.
وقد اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا انتَقلَ الذِّميُّ بتَجارتِه إلى غيرِ البَلدِ الذي أُقِرَّ على المُقامِ فيه: كالشاميِّ يَنتقِلُ إلى مِصرَ أو العِراقِ أو الحِجازِ.
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ على الذِّميِّ إنِ اتَّجَر نِصفَ العُشرِ في تِجارتِه يُؤدِّيه في العامِ مَرةً، كما يُؤدِّي المُسلِمُ زَكاةَ تِجارتِه، وهي رُبعُ العُشرِ في كلِّ عامٍ، فالمُسلمُ والذِّميُّ سيّانِ إلا في مِقدارِ العُشرِ، وقالُوا: إنَّ ما يَدفعُه الذِّميُّ هو جِزيةٌ في مالِه، كما يُسمَّى خَراجُ أَرضِه جِزيةً، فالجِزيةُ عندَهم أَنواعٌ: جِزيةُ مالٍ وجِزيةُ أَرضٍ وجِزيةُ رأسٍ، ولا يَلزمُ من أخذِ بَعضِها سُقوطُ باقيها إلا في بَني تَغلِبَ (٢).
قالَ الكاسانِيُّ ﵀: وإنْ كانَ ذِميًّا يُؤخَذُ منه نِصفُ العُشرِ ويُؤخَذُ على شَرائِطِ الزَّكاةِ، لكنْ يُوضَعُ مَوضعَ الجِزيةِ والخَراجِ ولا تَسقطُ عنه جِزيةُ رأسِه في تلك السَّنةِ غيرَ نَصارى بَني تَغلِبَ؛ لأنَّ عُمرَ ﵁
стр. 12672
صالَحهم من الجِزيةِ على الصَّدقةِ المُضاعَفةِ، فإذا أخَذَ العاشِرُ منهم ذلك سقَطَت الجِزيةُ عنهم (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ العُشرَ يُؤخذُ من الذِّميِّينَ لهذا الانتِقالَ؛ لأنَّهم عُوهِدوا على التِّجارةِ وتَنميةِ أَموالِهم بآفاقِهم التي استَوطَنوها، فإذا طلَبوا تَنميةَ أَموالِهم بالتِّجارةِ إلى غيرِ ذلك من آفاقِ المُسلِمينَ، كانَ عليهم في ذلك حقٌّ غيرُ الجِزيةِ التي صُولِحوا عليها، وأنَّه يُؤخذُ منهم نِصفُ العُشرِ في الطَّعامِ الذي يَجلِبونَه إلى مَكةَ أو المَدينةِ؛ لحاجةِ أهلِ الحَرمَينِ وما أُلحِقَ بهما إليه (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّه لا يَجبُ عليهم شَيءٌ سِوى الجِزيةِ إنِ اتَّجَروا فيما سِوى الحِجازِ من بِلادِ الإِسلامِ، إلا إذا شرَطَ الإمامُ عليهم مع الجِزيةِ شَيئًا من تِجارَتِهم؛ فإنْ دخَلوا بِلادَ الحِجازِ يُنظَرُ إنْ كانَ لنَقلِ طَعامٍ أو نَحوِه يَحتاجُ إليه أهلُ الحِجازِ أذِنَ لهم بغيرِ شَيءٍ.
وإنْ كانَ لتِجارةٍ لا حاجةَ بأهلِ الحِجازِ إليها كالعِطرِ لمْ يأذَنْ لهم، إلا أنْ يشتَرِطَ عليهم عِوضًا بحسَبِ ما يراه، وكانَ عُمرُ ﵁ يشتَرِطُ العُشرَ في بعضِ الأمتِعةِ كالقَطيفةِ، ونِصفَ العُشرِ في القَمحِ والشَّعيرِ على مَنْ دخَلَ دارَ الحِجازِ من أهلِ الذِّمةِ (٣).
стр. 12673
وقالَ الحَنابِلةُ: من يَجزْ من أهلِ الذِّمةِ إلى غيرِ بَلدِه أُخذَ منه نِصفُ العُشرِ في السَّنةِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: اشتَهرَ هذا عن عُمرَ ﵁ وصحَّت الرِّوايةُ عنه به، ثم قالَ: ولنا قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّما العُشورُ على اليَهودِ والنَّصارى، وليسَ على المُسلِمينَ عُشورٌ» (١).
عن أنسِ بنِ سِيرينَ، قالَ: «بعَثَني أنسُ بنُ مالِكٍ إلى العُشورِ، فقُلتُ: تبعَثُني إلى العُشورِ من بينِ عُمَّالِك؟ قالَ: أما تَرضى أنْ أجعلَك على ما جعَلني عليه عُمرُ بنُ الخَطابِ ﵁؟ أمَرَني أنْ آخُذَ من المُسلِمينَ رُبعَ العُشرِ، ومن أهلِ الذِّمةِ نِصفَ العُشرِ» (٢).
وهذا كانَ بالعِراقِ.
ورَوى أبو عُبيدٍ في كِتابِ الأموالِ بإسنادِه عن لاحِقِ بنِ حُمَيدٍ، أنَّ عُمرَ بعَثَ عُثمانَ بنَ حُنَيفٍ إلى الكُوفةِ (فجعَلَ على أهلِ الذِّمةِ فِي أموالِهم التي يَختلِفونَ فيها، في كلِّ عِشرينَ دِرهمًا دِرهمًا).
وقد ذكَرْنا حَديثَ زيادِ بنِ حُدَيرٍ، أنَّ عُمرَ (أمَرَه أنْ يَأخذَ من نَصارى بَني تَغلِبَ العُشرَ، ومن نَصارى أهلِ الكِتابِ نِصفَ العُشرِ).
стр. 12674
وهذا كانَ بالعِراقِ، واشتُهِرت هذه القِصصُ ولم تُنكَرْ، فكانَت إجماعًا، وعمِلَ به الخُلفاءُ بعدَه، ولمْ يأتِ تَخصيصُ الحِجازِ بنِصفِ العُشرِ في شَيءٍ من الأحاديثِ عَلِمناه، لا عن عُمرَ ولا عن غيرِه من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ ؛ بل ظاهِرُ أَحاديثِهم، أنَّ ذلك في غيرِ الحِجازِ، وما وجَبَ من المالِ في الحِجازِ وجَبَ في غيرِه كالدُّيونِ والصَّدقاتِ (١).
شُروطُ مَنْ يُفرَضَ عليهم العُشرُ:
اشتَرطَ بعضُ الفُقهاءِ لأخْذِ العُشرِ من أهلِ الحَربِ إذا دخَلوا بأمانٍ، ومن الذِّميِّينَ عِدةَ شُروطٍ، وهي:
أ- البُلوغُ:
اشترَط الحَنفيةُ البُلوغَ، وذهَبَ الحَنابِلةُ إلى عَدمِ اشتِراطِ هذا الشَّرطِ فقالُوا: يُؤخذُ العُشرُ من كلِّ تاجِرٍ، صَغيرًا كانَ أو كَبيرًا؛ لأنَّ الأَحاديثَ في هذا البابِ لا تُفرِّقُ بينَ صَغيرٍ وكَبيرٍ، وليسَ هذا بجِزيةٍ؛ وإنَّما هو حقٌّ يَختصُّ بمالِ التِّجارةِ؛ لتَوسُّعِه في دارِ الإِسلامِ وانتِفاعِه بالتِّجارةِ بها، فيَستوي فيه الصَّغيرُ والكَبيرُ (٢).
وأمَّا المالِكيةُ والشافِعيةُ: فمُقتَضى إطلاقِ نُصوصِهم عَدمُ اشتِراطِ هذا الشَّرطِ، فالعُشورُ عندَ الشافِعيةِ مَرجِعُها إلى الشَّرطِ والاتِّفاقِ، فإذا
стр. 12675
اشتَرطَ الإمامُ أخَذَها من التُّجارِ أُخذَت منهم، ولو كانَ مالِكُها صَغيرًا، وعِلةُ أخذِ العُشورِ عندَ المالِكيةِ الانتِفاعُ ببِلادِ المُسلِمينَ، وهي مُتحقَّقةٌ في أَموالِ الصَّغيرِ (١).
ب- العَقلُ:
اشتَرطَ الحَنفيةُ العَقلَ لوُجوبِ العُشرِ، فلا يُؤخذُ العُشرُ من المَجنونِ؛ لأنَّه ليسَ أهلًا للوُجوبِ (٢).
ومُقتَضى إِطلاقِ نُصوصِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ عَدمُ اشتِراطِ هذا الشَّرطِ، فيُؤخَذُ العُشرُ من مالِ المَجنونِ المُعدِّ للتِّجارةِ إذا انتَقلَ به؛ لأنَّه حقٌّ يَتعلَّقُ بالمالِ وليسَ بالشَّخصِ (٣).
وهذان الشَّرطانِ -البُلوغُ والعَقلُ- على الخِلافِ في الزَّكاةِ في مالِهما، أي: الصَّغيرِ والمَجنونِ، فالجُمهورُ على وُجوبِها في مالِهما، والحَنفية يَقولونَ: لا تَجبُ عليهما كما بيَّنتُ ذلك في كِتابِ الزَّكاةِ كما تَقدَّمَ، فمَن قالَ بوُجوبِها على الصَّغيرِ والمَجنونِ -وهُم الجُمهورُ- قالَ: يُؤخَذُ العُشرُ من