قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأيُّ إِجماعٍ يَكونُ أَقوى من هذا؟
ولا يُؤخذُ العُشرُ من أقَلَّ من عَشرةِ دَنانيرَ، وذكَرَ المُوفَّقُ أنَّ للإمامِ تَركَ العُشرِ إذا رَأى المَصلحةَ في ذلك (١).
ثانيًا: أهلُ الذِّمةِ:
أهلُ الذِّمةِ: هُمْ غيرُ المُسلِمينَ من النَّصارى واليَهودِ والمَجوسِ الذين يُقيمونَ في دارِ الإسلامِ بمُوجِبِ عَقدِ الذِّمةِ كما تَقدَّم.
وقد اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا انتَقلَ الذِّميُّ بتَجارتِه إلى غيرِ البَلدِ الذي أُقِرَّ على المُقامِ فيه: كالشاميِّ يَنتقِلُ إلى مِصرَ أو العِراقِ أو الحِجازِ.
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ على الذِّميِّ إنِ اتَّجَر نِصفَ العُشرِ في تِجارتِه يُؤدِّيه في العامِ مَرةً، كما يُؤدِّي المُسلِمُ زَكاةَ تِجارتِه، وهي رُبعُ العُشرِ في كلِّ عامٍ، فالمُسلمُ والذِّميُّ سيّانِ إلا في مِقدارِ العُشرِ، وقالُوا: إنَّ ما يَدفعُه الذِّميُّ هو جِزيةٌ في مالِه، كما يُسمَّى خَراجُ أَرضِه جِزيةً، فالجِزيةُ عندَهم أَنواعٌ: جِزيةُ مالٍ وجِزيةُ أَرضٍ وجِزيةُ رأسٍ، ولا يَلزمُ من أخذِ بَعضِها سُقوطُ باقيها إلا في بَني تَغلِبَ (٢).
قالَ الكاسانِيُّ ﵀: وإنْ كانَ ذِميًّا يُؤخَذُ منه نِصفُ العُشرِ ويُؤخَذُ على شَرائِطِ الزَّكاةِ، لكنْ يُوضَعُ مَوضعَ الجِزيةِ والخَراجِ ولا تَسقطُ عنه جِزيةُ رأسِه في تلك السَّنةِ غيرَ نَصارى بَني تَغلِبَ؛ لأنَّ عُمرَ ﵁
стр. 12672
صالَحهم من الجِزيةِ على الصَّدقةِ المُضاعَفةِ، فإذا أخَذَ العاشِرُ منهم ذلك سقَطَت الجِزيةُ عنهم (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ العُشرَ يُؤخذُ من الذِّميِّينَ لهذا الانتِقالَ؛ لأنَّهم عُوهِدوا على التِّجارةِ وتَنميةِ أَموالِهم بآفاقِهم التي استَوطَنوها، فإذا طلَبوا تَنميةَ أَموالِهم بالتِّجارةِ إلى غيرِ ذلك من آفاقِ المُسلِمينَ، كانَ عليهم في ذلك حقٌّ غيرُ الجِزيةِ التي صُولِحوا عليها، وأنَّه يُؤخذُ منهم نِصفُ العُشرِ في الطَّعامِ الذي يَجلِبونَه إلى مَكةَ أو المَدينةِ؛ لحاجةِ أهلِ الحَرمَينِ وما أُلحِقَ بهما إليه (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّه لا يَجبُ عليهم شَيءٌ سِوى الجِزيةِ إنِ اتَّجَروا فيما سِوى الحِجازِ من بِلادِ الإِسلامِ، إلا إذا شرَطَ الإمامُ عليهم مع الجِزيةِ شَيئًا من تِجارَتِهم؛ فإنْ دخَلوا بِلادَ الحِجازِ يُنظَرُ إنْ كانَ لنَقلِ طَعامٍ أو نَحوِه يَحتاجُ إليه أهلُ الحِجازِ أذِنَ لهم بغيرِ شَيءٍ.
وإنْ كانَ لتِجارةٍ لا حاجةَ بأهلِ الحِجازِ إليها كالعِطرِ لمْ يأذَنْ لهم، إلا أنْ يشتَرِطَ عليهم عِوضًا بحسَبِ ما يراه، وكانَ عُمرُ ﵁ يشتَرِطُ العُشرَ في بعضِ الأمتِعةِ كالقَطيفةِ، ونِصفَ العُشرِ في القَمحِ والشَّعيرِ على مَنْ دخَلَ دارَ الحِجازِ من أهلِ الذِّمةِ (٣).
стр. 12673
وقالَ الحَنابِلةُ: من يَجزْ من أهلِ الذِّمةِ إلى غيرِ بَلدِه أُخذَ منه نِصفُ العُشرِ في السَّنةِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: اشتَهرَ هذا عن عُمرَ ﵁ وصحَّت الرِّوايةُ عنه به، ثم قالَ: ولنا قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّما العُشورُ على اليَهودِ والنَّصارى، وليسَ على المُسلِمينَ عُشورٌ» (١).
عن أنسِ بنِ سِيرينَ، قالَ: «بعَثَني أنسُ بنُ مالِكٍ إلى العُشورِ، فقُلتُ: تبعَثُني إلى العُشورِ من بينِ عُمَّالِك؟ قالَ: أما تَرضى أنْ أجعلَك على ما جعَلني عليه عُمرُ بنُ الخَطابِ ﵁؟ أمَرَني أنْ آخُذَ من المُسلِمينَ رُبعَ العُشرِ، ومن أهلِ الذِّمةِ نِصفَ العُشرِ» (٢).
وهذا كانَ بالعِراقِ.
ورَوى أبو عُبيدٍ في كِتابِ الأموالِ بإسنادِه عن لاحِقِ بنِ حُمَيدٍ، أنَّ عُمرَ بعَثَ عُثمانَ بنَ حُنَيفٍ إلى الكُوفةِ (فجعَلَ على أهلِ الذِّمةِ فِي أموالِهم التي يَختلِفونَ فيها، في كلِّ عِشرينَ دِرهمًا دِرهمًا).
وقد ذكَرْنا حَديثَ زيادِ بنِ حُدَيرٍ، أنَّ عُمرَ (أمَرَه أنْ يَأخذَ من نَصارى بَني تَغلِبَ العُشرَ، ومن نَصارى أهلِ الكِتابِ نِصفَ العُشرِ).
стр. 12674
وهذا كانَ بالعِراقِ، واشتُهِرت هذه القِصصُ ولم تُنكَرْ، فكانَت إجماعًا، وعمِلَ به الخُلفاءُ بعدَه، ولمْ يأتِ تَخصيصُ الحِجازِ بنِصفِ العُشرِ في شَيءٍ من الأحاديثِ عَلِمناه، لا عن عُمرَ ولا عن غيرِه من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ ؛ بل ظاهِرُ أَحاديثِهم، أنَّ ذلك في غيرِ الحِجازِ، وما وجَبَ من المالِ في الحِجازِ وجَبَ في غيرِه كالدُّيونِ والصَّدقاتِ (١).
شُروطُ مَنْ يُفرَضَ عليهم العُشرُ:
اشتَرطَ بعضُ الفُقهاءِ لأخْذِ العُشرِ من أهلِ الحَربِ إذا دخَلوا بأمانٍ، ومن الذِّميِّينَ عِدةَ شُروطٍ، وهي:
أ- البُلوغُ:
اشترَط الحَنفيةُ البُلوغَ، وذهَبَ الحَنابِلةُ إلى عَدمِ اشتِراطِ هذا الشَّرطِ فقالُوا: يُؤخذُ العُشرُ من كلِّ تاجِرٍ، صَغيرًا كانَ أو كَبيرًا؛ لأنَّ الأَحاديثَ في هذا البابِ لا تُفرِّقُ بينَ صَغيرٍ وكَبيرٍ، وليسَ هذا بجِزيةٍ؛ وإنَّما هو حقٌّ يَختصُّ بمالِ التِّجارةِ؛ لتَوسُّعِه في دارِ الإِسلامِ وانتِفاعِه بالتِّجارةِ بها، فيَستوي فيه الصَّغيرُ والكَبيرُ (٢).
وأمَّا المالِكيةُ والشافِعيةُ: فمُقتَضى إطلاقِ نُصوصِهم عَدمُ اشتِراطِ هذا الشَّرطِ، فالعُشورُ عندَ الشافِعيةِ مَرجِعُها إلى الشَّرطِ والاتِّفاقِ، فإذا
стр. 12675
اشتَرطَ الإمامُ أخَذَها من التُّجارِ أُخذَت منهم، ولو كانَ مالِكُها صَغيرًا، وعِلةُ أخذِ العُشورِ عندَ المالِكيةِ الانتِفاعُ ببِلادِ المُسلِمينَ، وهي مُتحقَّقةٌ في أَموالِ الصَّغيرِ (١).
ب- العَقلُ:
اشتَرطَ الحَنفيةُ العَقلَ لوُجوبِ العُشرِ، فلا يُؤخذُ العُشرُ من المَجنونِ؛ لأنَّه ليسَ أهلًا للوُجوبِ (٢).
ومُقتَضى إِطلاقِ نُصوصِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ عَدمُ اشتِراطِ هذا الشَّرطِ، فيُؤخَذُ العُشرُ من مالِ المَجنونِ المُعدِّ للتِّجارةِ إذا انتَقلَ به؛ لأنَّه حقٌّ يَتعلَّقُ بالمالِ وليسَ بالشَّخصِ (٣).
وهذان الشَّرطانِ -البُلوغُ والعَقلُ- على الخِلافِ في الزَّكاةِ في مالِهما، أي: الصَّغيرِ والمَجنونِ، فالجُمهورُ على وُجوبِها في مالِهما، والحَنفية يَقولونَ: لا تَجبُ عليهما كما بيَّنتُ ذلك في كِتابِ الزَّكاةِ كما تَقدَّمَ، فمَن قالَ بوُجوبِها على الصَّغيرِ والمَجنونِ -وهُم الجُمهورُ- قالَ: يُؤخَذُ العُشرُ من
стр. 12676
مالِهما المُعدِّ للتِّجارةِ. ومَن قالَ: لا تُؤخذُ منهما -وهُم الحَنفيةُ- قالُوا: لا يُؤخَذُ منه العُشرُ.
ج- الذُّكوريةُ:
ذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ -وهو مُقتَضى إِطلاقِ نُصوصِ المالِكيةِ- إلى عَدمِ اشتِراطِ الذُّكورةِ لحاجةِ أَموالِ المَرأةِ إلى الحِمايةِ؛ ولأنَّ الأَحاديثَ في هذا البابِ لا تُفرِّقُ بينَ ذَكرٍ وأُنثى.
واشتَرطَ أبو يَعلى لوُجوبِ العُشرِ في أَموالِ غيرِ المُسلِمينَ الذُّكورةَ، فلا يُؤخذُ العُشرُ من المَرأةِ -ذِميةً كانَت أو حَربيةً-؛ لأنَّها مَحقونةُ الدَّمِ.
ولها المَقامُ في دارِ الإِسلامِ بغيرِ جِزيةٍ، فلمْ تُعشَّرْ تِجارَتُها كالمُسلمِ، إلا أنْ تَكونَ تِجارتُها بالحِجازِ فتُعشَّرَ كالرَّجلِ؛ لأنَّها مَمنوعةٌ من الإِقامةِ بالحِجازِ.
قالَ ابنُ القَيمِ ﵀: والأَحاديثُ في هذا البابِ عن الصَّحابةِ ليسَ فيها تَفريقٌ بينَ ذَكرٍ وأُنثى ولا بينَ صَغيرٍ وكَبيرٍ، وليسَ هذا بجِزيةٍ؛ وإنَّما هو حقٌّ يَختصُّ بمالِ التِّجارةِ لتَوسُّعِه في دارِ الإِسلامِ وانتِفاعِه بالتِّجارةِ فيها، فيَستَوي فيه الرَّجلُ والمَرأةُ كالزَّكاةِ (١).
стр. 12677
الأَموالُ التي تَخضَعُ للعُشرِ:
لا يَجبُ العُشرُ إلا في الأَموالِ المُعدةِ للتِّجارةِ: كالأَقمِشةِ والزَّيتِ والحُبوبِ والذهَبَ والفِضةِ ونَحوِ ذلك، أمَّا الأمتِعةٌ الشَّخصيةُ وما ليسَ مُعدًّا للتِّجارةِ فلا عُشرَ فيه.
رَوى يَحيى بنُ آدمَ عن السائِبِ بنِ يَزيدَ قالَ: «كُنْتُ أُعشِّرُ مع عبدِ اللهِ ابنِ عُتبةَ زَمانَ عُمرَ بنِ الخَطابِ ﵁، وكانَ يَأخذُ من أهلِ الذِّمةِ أَنصافَ عُشورِ أموالِهم فيما تَجَروا فيه» (١).
شُروطُ وُجوبِ العُشرِ في الأَموالِ التِّجاريةِ:
اشتَرطَ الفُقهاءُ لوُجوبِ العُشرِ في الأموالِ التِّجاريةِ عِدةَ شُروطٍ، وهي:
أ- الانتِقالَ بها:
ذهَبَ بعضُ الفُقهاءِ إلى أنَّ العُشرَ لا يَجبُ على الذِّميِّ في أَموالِه التِّجاريةِ إلا إذا انتَقلَ بها من بَلدٍ إلى بَلدٍ آخَرَ في بِلادِ المُسلِمينَ (٢).
ب- أنْ يَكونَ المالُ ممَّا يَبقى في أَيدِي الناسِ حَولًا:
اشتَرطَ أبو حَنيفةَ لوُجوبِ العُشرِ في أَموالِ التِّجارةِ، أنْ يَكونَ ممَّا يَبقى في أَيدِي الناسِ حَولًا: كالتَّمرِ والزَّبيبِ والأَقمِشةِ، وأمَّا ما لا يَبقى في أَيدِي
стр. 12678
الناسِ حَولًا فلا يَجبُ فيه العُشرُ: كالخَضراواتِ والفاكِهةِ، ولو كانَت قيمَتُها بالِغةً للنِّصابِ؛ لأنَّ العاشِرَ يَأخذُ من عَينِ ما يُمَرُّ به عليه.
وذهَبَ الصاحِبانِ من الحَنفيةِ وكذلك جُمهورُ الفُقهاءِ إلى عَدمِ اشتِراطِ هذا الشَّرطِ، فيَجبُ العُشرُ في كلِّ ما أُعِدَّ للتِّجارةِ، سَواءٌ كانَ يَبقى في أَيدِي الناسِ أو لا يَبقى: كالخَضراواتِ والفَواكِه؛ لأنَّ هذه الأَموالَ مُحتاجةٌ إلى الحِمايةِ كغيرِها من الأَموالِ التِّجاريةِ؛ ولأنَّ المُعتبَرَ في مالِ التِّجارةِ معناه، وهو ماليَّتُه وقيمَتُه لا عَينُه (١).
ج- النِّصابُ:
اشتَرطَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ في الصَّحيحِ من المَذهبِ لوُجوبِ العُشرِ في الأموالِ التِّجاريةِ التي تُعشَّرُ، النِّصابِ؛ لأنَّ العُشرَ وجَبَ بالشَّرعِ فاعتُبِر له نِصابٌ.
واختَلفَ القائِلونَ باشتِراطِ النِّصابِ في مِقدارِه:
فذهَبَ الحَنفيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ: إلى أنَّ مِقدارَ النِّصابِ عِشرونَ دِينارًا من ذَهبٍ أو مِئَتا دِرهمٍ مِنْ فِضةٍ؛ لأنَّ ما يُؤخَذُ من الذِّميِّ ضِعفُ ما يُؤخذُ من المُسلمِ من الزَّكاةِ، ويُؤخذُ على شَرائطِ الزَّكاةِ، ومنها النِّصابُ، ومِقدارُ نِصابِ زَكاةِ عُروضِ التِّجارةِ عِشرونَ دِينارًا من ذَهبٍ أو مِئَتا دِرهمٍ من الفِضةِ، وأمَّا الحَربيُّ؛ فلأنَّ ما دونَ المِئَتينِ قَليلٌ، وهو مُحتاجٌ إليه ليَصلَ إلى مَأمنِه.
стр. 12679
واستدَلُّوا لذلك بقَولِ عُمرَ بنِ الخَطابِ ﵁ لأبي موسى الأشعَريِّ ﵁: «خُذْ أنتَ منهم كما يَأخُذونَ من تُجارِ المُسلِمينَ، وخُذْ من أهلِ الذِّمةِ نِصفَ العُشرِ ومن المُسلِمينَ رُبعَ العُشرِ من كلِّ أربَعينَ دِرهمًا دِرهمًا، وليسَ فيما دونَ المِئتَيْن شَيءٌ» (١).
وذهَبَ الحَنابِلةُ في الصَّحيحِ من المَذهبِ إلى أنَّ مِقدارَ النِّصابِ عَشرةُ دَنانيرَ من ذَهبٍ أو مِئةُ دِرهمٍ من فِضةٍ، سَواءٌ كانَ التاجِرُ حَربيًّا أو ذِميًّا؛ لأنَّ ذلك المَأخوذَ مالٌ يَبلُغُ واجِبُه نِصفَ دينارٍ، فوجَبَ اعتبارُه كالعِشرينَ في حَقِّ المُسلمِ (٢).
وذهَبَ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ مِقدارَ النِّصابِ بالنِّسبةِ للتاجِرِ الذِّميِّ عِشرونَ دِينارًا من ذَهبٍ، وبالنِّسبةِ للحَربيِّ يَكونُ عَشرةَ دَنانيرَ (٣).
وذهَبَ أبو الحُسَينِ الحَنبليُّ ﵀ إلى أنَّ مِقدارَ النِّصابِ بالنِّسبةِ للتاجِرِ الذِّميِّ عَشرةُ دَنانيرَ من ذَهبٍ، وبالنِّسبةِ للحَربيِّ خَمسةُ دَنانيرَ؛ لأنَّ المَأخوذَ مالٌ يَبلغُ نِصفَ دينارٍ، فوجَبَ اعتِبارُه كالعِشرينَ في حَقِّ المُسلمِ (٤).
стр. 12680
وذهَبَ المالِكيةُ وابنُ حامِدٍ من الحَنابِلةِ إلى عَدمِ اشتِراطِ النِّصابِ؛ لوُجوبِ العُشرِ في الأَموالِ التِّجاريةِ التي يَمُرُّ بها الذِّميُّ أو الحَربيُّ، فيَجبُ العُشرُ في قَليلِ الأَموالِ وكَثيرِها.
واستدَلُّوا بما رَوى أبو عُبيدٍ بسَندِه عن أَنسِ بنِ سِيرينَ قالَ: «بعَثَ إلَيَّ أنَسُ بنُ مالِكٍ، فأبطَأتُ عليه، ثم بعَثَ إلَيَّ، فأتَيتُه، فقالَ: إنْ كُنْتُ لأَرى أنِّي لو أَمرتُك أنْ تَعَضَّ على حَجرِ كذا وكذا ابتِغاءَ مَرضاتي لفعَلتَ، اختَرتُ لك عَينَ عَملي فكَرِهتَه، إنِّي أكتُبُ لك سُنةَ عُمرَ، قُلتُ: اكتُبْ لي سُنةَ عُمرَ، فكتَبَ: يُؤخذُ من المُسلِمينَ من كلِّ أربَعينَ دِرهمًا دِرهمٌ، ومِن أهلِ الذِّمةِ من كلِّ عِشرينَ دِرهمًا دِرهمٌ، وممَّن لا ذِمةَ له من كلِّ عَشرةِ دَراهمَ دِرهمٌ» (١).
كما استَدلُّوا بأنَّ العُشرَ حقٌّ على الذِّميِّ أو الحَربيِّ، فوجَبَ في قَليلِه وكَثيرِه كنَصيبِ المالِكِ في أَرضِه التي عامَلَه عليها، وبأنَّ العُشرَ الذي يُؤخذُ فَيءٌ بمَنزِلةِ الجِزيةِ التي تُؤخذُ من أهلِ الذِّمةِ (٢).
د- الفَراغُ من الدِّينِ:
اشترَط الحَنفيةُ والحَنابِلةُ لأخذِ العُشرِ من التاجِرِ الذِّميِّ ألَّا تَكونَ أموالُه مَشغولةً بدَينٍ ثبَتَ عليه؛ لأنَّه حقٌّ يُعتبَرُ له النِّصابُ والحَولُ، فيَمنعُه الدَّينُ كالزَّكاةِ.
стр. 12681
واختَلفُوا في قَبولِ قَولِ الذِّميِّ إذا ادَّعى أنَّ عليه دَينًا:
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه يَحلِفُ ويُصدَّقَ، فلا يُؤخذُ منه شَيءٌ؛ لأنَّه من أهلِ دارِنا، فيُصدَّقَ بالحَلِفِ كما يُصدَّقَ المُسلمُ.
وذهَبَ الإمامُ أحمدُ إلى أنَّه لا يُقبَلُ قَولُه إلا ببيِّنةٍ من المُسلِمينَ؛ لأنَّ الأصلَ بَراءةُ ذِمَّتِه منه، وأمَّا التاجِرُ الحَربيُّ، فلا يُشترطُ لتَعشيرِ أَموالِه التجاريةِ هذا الشَّرطُ؛ لأنَّ الدَّينَ يُوجِبُ نَقصًا في المِلكِ، ومِلكُ الحَربيِّ ناقِصٌ؛ ولأنَّ دَينَه لا مُطالِبَ له في دارِنا (١).
مِقدارُ العُشرِ:
يَختلِفُ مِقدارُ ما يُؤخذُ من العُشرِ باختِلافِ الأَشخاصِ الذين يَخضَعونَ له، فهو على الذِّميِّ يُخالِفُ ما على الحَربيِّ.
أولاً: المِقدارُ الواجِبُ في تِجارةِ الذِّميِّ:
ذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الواجِبَ في مالِ الذِّميِّ هو نِصفُ العُشرِ (٢).
لِقَولِ عُمرَ بنِ الخَطابِ ﵁: «خُذُوا من المُسلمِ رُبعَ العُشرِ ومِن الذِّميِّ نِصفَ العُشرِ» (٣)، وكانَ ذلك بمَحضَرَ من الصَّحابةِ ﵃
стр. 12682
ولمْ يُخالِفْه أحدٌ منهم، قالَ الكاسانِيُّ: فيَكونُ إِجماعًا (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّه يَجبُ في مالِ الذِّميِّ العُشرُ كامِلًا، ويُستَثنى من ذلك ما يَجلِبُه من طَعامٍ إلى المَدينةِ المُنورةِ ومَكةَ المُكرمةِ، فيؤَخذُ منه نِصفُ العُشرِ، واستدَلُّوا لذلك بما رَوى مالِكٌ عن السائِبِ بنِ يَزيدَ أنَّه قالَ: كُنْتُ غُلامًا عامِلًا مع عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ بنِ مَسعودٍ على سُوقِ المَدينةِ في زَمانِ عُمرَ بنِ الخَطابِ ﵁، فكُنا نَأخذُ من النَّبطِ العُشرَ.
واختَلفَ المالِكيةُ في المُرادِ بالطَّعامِ الذي يَخضعُ لهذا التَّخفيفِ، فقيل: الحِنطةُ والزَّيتُ، ولكنَّ المُقرَّرَ في المَذهبِ، أنَّه جَميعُ المُقتاتِ أو ما يَجري مَجراه كالحُبوبِ والأَدهانِ.
وذهَبَ الشافِعيةُ -وهو قَولُ ابنِ نافِعٍ وابنِ القاسِمِ من المالِكيةِ- إلى أنَّ قَدرَ المَشروطِ على أهلِ الذِّمةِ من العُشورِ مَنوطٌ برأيِ الإمامِ (٢).
ثانيًا: المِقدارُ الواجِبُ في تِجارةِ الحَربيِّ:
ذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه يُؤخذُ من الحَربيِّ مِثلُ ما يَأخذُه الحَربيُّونَ من تُجارِ المُسلِمينَ؛ فإنْ علِمنا أنَّهم يَأخُذونَ منا العُشرَ أخَذْنا من تُجارِهم العُشرَ، وإنْ أخَذوا نِصفَ العُشرِ أخَذْنا من تُجارِهم مِثلَ ذلك، واستدَلُّوا لذلك بقَولِ
стр. 12683
عُمرَ بنِ الخَطابِ ﵁ لأبي موسى الأشعَريِّ ﵁: «كَيفَ يَأخُذونَ منكم إذا دخَلْتم إليهم؟ قالُوا: العُشرَ، قالَ: فكذلك خُذوا منهم».
ولأنَّ ذلك أدْعَى لهم إلى المُخالَطةِ بدارِ الإسلامِ فيَرَونَ مَحاسنَ الإِسلامِ فيَدعوهم ذلك إلى الإِسلامِ، وفي حالةِ عَدمِ العِلمِ بمِقدارِ ما يَأخُذونَه من تُجارِ المُسلِمينَ يُؤخذُ من تُجارِهم العُشرُ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّه لا فَرقَ بينَ تُجارِ أهلِ الحَربِ وأهلِ الذِّمةِ في المِقدارِ الواجِبِ عليهم إذا مَرُّوا بتِجارةٍ على العاشرِ، فيُؤخذُ منهم العُشرُ من غيرِ الطَّعامِ، ونِصفُ العُشرِ إذا جلَبوا الطَّعامَ، وما في معناهُ إلى مَكةَ والمَدينةِ، لكنَّهم أَجازوا بالنِّسبةِ لتُجارِ أهلِ الحَربِ أنْ يُؤخذَ منهم أكثَرُ من العُشرِ إنِ اشتُرطَ ذلك عليهم (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ -وهو قَولُ ابنِ نافعٍ وابنِ القاسِمِ من المالِكيةِ- إلى أنَّ تَقديرَ العُشورِ التي تُؤخذُ من التاجِرِ الحَربيِّ مَتروكٌ إلى اجتِهادِ الإمامِ حسَبَ ما تَقضيه المَصلحةُ العامةُ، فيَجوزُ له أنْ يَشتَرطَ أخْذَ العُشرِ أو أكثَرَ منه أو دُونَه، ويَجوزُ له عَدمُ أخذِ شَيءٍ إذا جلَبَ الحَربيُّ بِضاعةً يَحتاجُ إليها المُسلِمونَ (٣).
стр. 12684
وذهَبَ الحَنابِلةُ إلى أنَّه يَجبُ على الحَربيِّ العُشرُ دُفعةً واحِدةً، سَواءٌ عَشَّروا أموالَ المُسلِمينَ إذا دخَلَت إليهم أو لا؛ لأنَّ عُمرَ بنَ الخَطابِ ﵁ أخَذَ من أهلِ الحَربِ العُشرَ، واشتَهرَ ذلك عنه ولم يُنكَرْ، وعمِلَ به الخُلفاءُ الراشِدونَ بعدَه (١).
المُدةُ التي يُجزِئُ عنها العُشرُ:
تَختلِفُ المُدةُ التي يُجزِئُ عنها العُشرُ باختِلافِ الأَشخاصِ الذين يَخضَعونَ له:
أولًا: الذِّميُّ:
ذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ العُشرَ لا يُؤخذُ من تُجارِ أهلِ الذِّمةِ في السَّنةِ إلا مَرةً واحِدةً.
واستدَلُّوا بالقياسِ على الجِزيةِ، فهي لا تُؤخذُ من الذِّميِّ في السَّنةِ إلا مَرةً واحِدةً؛ ولأنَّ الأخذَ منهم أكثَرَ من مَرةٍ قد يُؤدِّي إلى استِئصالِ المالِ (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ العُشرَ يُؤخذُ من تُجارِ أهلِ الذِّمةِ كلَّما اختلَفوا إلى آفاقِ المُسلِمينَ، ولو تَكرَّرَ ذلك منهم في السَّنةِ مِرارًا إذا كانَ اختِلافُه من
стр. 12685
قِطاعٍ إلى آخَرَ؛ لأنَّ عِلةَ الأخذِ منهم الانتِفاعُ والحِمايةُ، وهي مُتحقَّقةٌ في كلِّ حالٍ يَختلِفونَ فيه (١).
ثانيًا: الحَربيُّ:
ذهَبَ الفُقهاءُ إلى أنَّ الحَربيَّ إذا دخَلَ دارِ الإِسلامِ بَعقدِ أَمانٍ ودفَعَ عُشرَ تِجارتِه لا يُؤخذُ منه العُشرُ مَرةً ثانيةً في أثناءِ مُدةِ الأَمانِ التي تَقِلُّ عن سَنةٍ؛ لأنَّ بِلادَ الإِسلامِ كالبَلدِ الواحِدِ بالنِّسبةِ للحَربيِّ.
كما ذهَبوا إلى أنَّه إذا عادَ في السَّنةِ بمالٍ آخَرَ غيرِ الذي عشَّرَه أخَذَ منه العُشرَ.
واختلَفوا فيما إذا لم تُنفَقْ تِجارَتُه التي عشَّرَها ثم رجَعَ بها إلى دارِ الحَربِ ثم عادَ مَرةً أُخرى بها، هل تُعشَّرُ مَرةً ثانيةً أو لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ، وهو وَجهٌ عندَ الشافِعيةِ: إلى أنَّ العُشرَ يُؤخذُ منه كلَّما دخَلَ دارَ الإِسلامِ، سَواءٌ عادَ بالمالِ نَفسِه أو بمالٍ آخَرَ سِواه؛ لأنَّ الأَمانَ الأولَ قد انتَهى بدُخولِه دارَ الحَربِ، وقد رجَعَ بأَمانٍ جَديدٍ، فلا بدَّ من تَجديدِ العُشرِ؛ ولأنَّ الأخذَ منهم بعدَ دُخولِ دارِ الحَربِ لا يُفضي إلى استِئصالِ المالِ.
وذهَبَ الحَنابِلةُ والشافِعيةُ في أصَحِّ الوَجهَينِ، وهو ظاهِرُ نَصِّ الإمامِ الشافِعيِّ، إلى أنَّ العُشرَ لا يُؤخَذُ من التاجِرِ الحَربيِّ سِوى مَرةٍ واحِدةً في السَّنةِ ولو تَردَّد إلى دارِ الإسلامِ عدةَ مَراتٍ كالذِّميِّ؛ لأنَّه حقٌّ يُؤخَذُ من
стр. 12686
التِّجارةِ، فلا يُؤخَذُ أكثَرَ من مَرةٍ في السَّنةِ كالزَّكاةِ ونِصفِ العُشرِ من الذِّميِّ وجِزيةِ الرُّؤوسِ (١).
وَقتُ استِيفاءِ العُشرِ:
يَرى الحَنفيةُ والحَنابِلةُ وابنُ حَبيبٍ من المالِكيةِ أنَّ وَقتَ استِيفاءِ العُشرِ بالنِّسبةِ للحَربيِّ عندَ دُخولِه دارَ الإسلامِ، وبالنِّسبةِ للذِّميِّ عندَ مُرورِه بعاشِرِ الإقليمِ المُنتقِلِ إليه، سَواءٌ باعَ ما في يَدِه من بِضاعةٍ أو لم يَبِعْ؛ لأنَّ المَأخوذَ منهم له حقُّ الوُصولِ، وحقُّ الحِمايةِ من اللُّصوصِ وقُطَّاعِ الطَّريقِ.
وذهَبَ ابنُ القاسِمِ من المالِكيةِ إلى أنَّ وَقتَ استِيفاءِ العُشرِ بالنِّسبةِ للذِّميِّ الذي يَنتقِلُ ببِضاعَتِه من أُفقٍ إلى آخَرَ عندَ بَيعِ ما بيَدِه من بِضاعةٍ، فإذا لمْ يَبعْ شَيئًا لمْ يُؤخذْ منه شَيءٌ؛ لأنَّ المَأخوذَ منه لحَقِّ الانتِفاعِ، أمَّا الحَربيُّ فيُؤخذُ منه العُشرُ عندَ دُخولِه دارَ الإِسلامِ.
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ تَحديدَ وَقتِ استِيفاءِ العُشرِ يَختلِفُ باختِلافِ شَرطِ الإمامِ؛ فإنِ اشتَرطَ أنْ يَأخذَ من البِضاعةِ أو عندَ الدُّخولِ كانَ الوَقتُ بالنِّسبةِ للحَربيِّ عندَ دُخولِ دارِ الإسلامِ، وبالنِّسبةِ للذِّميِّ عند مُرورِه بالعاشرِ سَواءٌ باعَ أو لمْ يَبِعْ، وإنِ اشترَط أنْ يَأخذَ من ثَمنِ ما باعوه كانَ
стр. 12687
وَقتُ الاستِيفاءِ بعدَ أنْ يَبيعوا البِضاعةَ؛ فإنْ كسَدَت ولم يَبيعوا لمْ يُؤخَذْ منهم شَيءٌ؛ لأنَّه لمْ يَحصُلِ الثَّمنُ (١).
مَنْ له حقُّ استِيفاءِ العُشرِ:
ذهَبَ الفُقهاءُ إلى أنَّ العُشرَ من الأَموالِ العامةِ التي يَتولَّى أمرَها الأئِمةُ والوُلاةُ؛ لأنَّ أمْنَ الطَّريقِ بالإِمامِ والوُلاةِ، فصارَ هذا المالُ آمِنًا برِعايَتِهم وحِمايَتِهم، فثبَتَ حقُّ أخذِ العُشرِ لهم (٢).
مُسقِطاتُ العُشرِ:
يَسقُطُ العُشرُ المُستحقُّ على أَموالِ التِّجارةِ لغيرِ المُسلِمينَ بالأُمورِ التاليةِ:
أ- الإسلامُ:
ذهَبَ الفُقهاءُ إلى أنَّ العُشرَ الخاصَّ بتِجارةِ غيرِ المُسلِمينَ يَسقُطُ عمَّن أسلَمَ منهم؛ لأنَّ ذلك إنَّما كانَ لكَونِهم كُفارًا، فإذا دخَلوا في الإسلامِ سقَطَ ذلك عنهم، فلمْ يَبقَ المُوجِبُ للأخذِ (٣).
стр. 12688
ب- إسقاطُ الإمامِ لها:
ذهَبَ الفُقهاءُ إلى أنَّه يَجوزُ للإمامِ إِسقاطُ العُشورِ عن بعضِ التُّجارِ الذين يَجلِبونَ بَضائعَ يَحتاجُ إليها المُسلِمونَ: كالطَّعامِ والزَّيتِ وغيرِ ذلك.
وقالَ الحَنفيةُ: لا نَأخذُ من الحَربيِّ شَيئًا إذا كانَ من قَومٍ لا يَأخُذونَ من تُجارِنا شَيئًا، عَملًا بمَبدأِ المُجازاةِ أو المُعامَلةِ بالمِثلِ.
وصرَّحَ الحَنابِلةُ: بأنَّ للإمامِ إسقاطَ العُشرِ إذا رأى المَصلحةَ في ذلك (١).
ج- انقِطاعُ حَقِّ الوِلايةِ بالنِّسبةِ للحَربيِّ:
نَصَّ الحَنفيةُ على أنَّ الحَربيَّ إذا دخَلَ دارَ الإسلامِ ومَرَّ بالعاشرِ ولم يُعلَمْ به حتى خرَجَ وعادَ إلى دارِ الحَربِ ثم رجَعَ مَرةً ثانيةً فعلِمَ به لم يُعشِّرْه لما مَضى؛ لانقِطاعِ حَقِّ الوِلايةِ عنه بالرُّجوعِ إلى دارِ الحَربِ، بخِلافِ الذِّميِّ؛ فإنَّ العُشرَ لا يَسقُطُ عنه بعَدمِ عِلمِ العاشِرِ به عندَ المُرورِ (٢).
مَصارِفُ العُشرِ:
ذهَبَ الفُقهاءُ إلى أنَّ العُشرَ المأخوذَ من تُجارِ أهلِ الحَربِ وأهلِ الذِّمةِ يُصرَفُ في مَصارِفِ الفَيءِ (٣).
стр. 12689
ما يُنقَضُ به عَهدُ الذِّمةِ:
يَنتَهي عَهدُ الذِّمةِ بإِسلامِ الذِّميِّ؛ لأنَّ عَقدَ الذِّمةِ عَقدُ وَسيلةٍ للإِسلامِ، وقد حصَلَ المَقصودُ.
ويُنتقَضُ عَهدُ الذِّمةِ بلُحوقِ الذِّميِّ دارَ الحَربِ أو بغَلبَتِهم على مَوضعٍ يُحارِبوننا منه؛ لأنَّهم صاروا حَربًا علينا، فيَخلو عَقدُ الذِّمةِ عن الفائِدةِ، وهو دَفعُ شَرِّ الحَربِ.
وهذا باتِّفاقِ المَذاهبِ (١).
وجُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ: على أنَّ عَقدَ الذِّمةِ يُنتقَضُ أيضًا بالامتِناعِ عن الجِزيةِ؛ لمُخالَفتِه مُقتَضى العَقدِ (٢).
قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: ولا يَكونُ النَّقضُ للعَهدِ إلا بمَنعِ الجِزيةِ أو الحُكمِ بعدَ الإقرارِ والامتِناعِ بذلك، ولو قالَ: «أُؤدِّي الجِزيةَ ولا أُقِرُّ بالحُكمِ»، نُبذَ إليه ولمْ يُقاتَلَ على ذلك في مَكانِه، وقيلَ له: «قد تَقدَّمَ لك أَمانٌ بأدائِك للجِزيةِ وإِقرارِك بها وقد أَجَّلناكَ في أنْ تَخرُجَ من بِلادِ الإسلامِ»، ثم إذا خرَجَ مَبلَغَ مَأمنِه قُتلَ إنْ قُدرَ عليه (٣).
стр. 12690
وقالَ المِرداويُّ ﵀: وإذا امتَنعَ الذِّميُّ من بَذلِ الجِزيةِ أو التِزامِ أَحكامِ المِلةِ انتقَضَ عَهدُه بلا نِزاعٍ (١).
وقالَ الحَنفيةُ: لو امتنَعَ الذِّميُّ عن إعطاءِ الجِزيةِ لا يُنتقَضُ عَهدُه؛ لأنَّ الغايةَ التي يَنتَهي بها القِتالُ التِزامُ الجِزيةِ لا أَداؤُها، والالتِزامُ باقٍ، ويُحتمَلُ أنْ يَكونَ الامتِناعُ لعُذرِ العَجزِ الماليِّ، فلا يُنقَضُ العَهدُ بالشَّكِّ (٢).
وهناك أَسبابٌ أُخرى عَدَّها بعضُ الفُقهاءِ ناقِضةً للعَهدِ مُطلَقًا، وبَعضُهم عَدَّها ناقِضةً بشُروطٍ:
فقد قالَ المالِكيةُ: يُنقَضُ عَهدُه ويَكونُ هو ومالُه فَيئًا بما يَلي:
١ - بقِتالٍ لعامةِ المُسلِمينَ على وَجهِ الخُروجِ عليهم.
٢ - وبمَنعِ الجِزيةِ؛ لأنَّه إنَّما أمِنَ في نَظيرِ دَفعِها.
٣ - وبالتَّمرُّدِ على الأَحكامِ الشَّرعيةِ، بإِظهارِ عَدمِ المُبالاةِ بها.
٤ - وبغَصبِ حُرةٍ مُسلِمةٍ لا كافِرةٍ على أنْ يَزنِيَ بها أو زَنى بها بالفِعلِ.
٥ - وبغَرِّه حُرةً مُسلِمةً على أنَّه مُسلِمٌ وتَزوُّجِها ووَطئِها.
٦ - وبتَطلُّعه على عَوراتِ المُسلِمينَ، بأنْ يَكونَ جاسوسًا يُطلِعُ الحَربيِّين على عَوراتِ المُسلِمينَ.
٧ - وبسَبِّ نَبيٍّ مُجمَعٍ على نُبوَّتِه عندَنا، وإنْ أنكَرَها اليَهودُ كنُبوةِ داودَ
стр. 12691
وسُليمانَ، وأما سَبُّه المُختلَفُ فيه عندَنا كالخَضِرِ ولُقمانَ فلا يُنتقَضُ به عَهدُه وإنَّما يُعزَّرُ، أي: بما لم نُقِرَّهم عليه من كُفرِهم، لا بما أقَرَّ به نَحوَ كَونِ عيسى ابنًا للهِ ، أو كَونِ اللهِ ثالثَ ثَلاثةٍ، أو كَونِ مُحمدٍ لمْ يُرسَلْ إلينا، وإنَّما أُرسِلَ للعَربِ؛ فإنَّه لا يُنتقَضُ عَهدُه.
وتَعيَّنَ قَتلُه -وحَرقُه حَيًّا ومَيتًا- في السَّبِّ بما لمْ يُقَرَّ عليه إنْ لمْ يُسلِمْ، وأمَّا غَصبُ الحُرةِ المُسلِمةِ وغَرِّها فيُخيَّرُ فيه الإِمامُ كما في مَنعِه الجِزيةَ، ومُقاتلةِ أهلِ الإِسلامِ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: لو زَنى ذِميٌّ بمُسلِمةٍ أو أَصابَها بنِكاحٍ أو دلَّ أهلَ الحَربِ على عَورةِ المُسلِمينَ أو فتَنَ مُسلمًا عن دِينِه أو طعَنَ في الإسلامِ أو القُرآنِ أو ذكَرَ الرَّسولَ ﷺ بسُوءٍ، فالأصَحُّ أنَّه إنْ شرَطَ انتِقاضَ العَهدِ بها انتَقضَ، وإلا فلا يُنتقَضُ؛ لمُخالَفتِه الشَّرطَ في الأولِ دونَ الثانِي (٢).
قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: وإذا أُخذَت الجِزيةُ من قَومٍ فقطَعَ قَومٌ منهم الطَّريقَ، أو قاتَلُوا رَجلًا مُسلمًا فضَرَبوه، أو ظلَموا مُسلمًا أو مُعاهَدًا، أو زَنى منهم زانٍ، أو أظهَرَ فَسادًا في مُسلمٍ أو مُعاهَدٍ حُدَّ فيما فيه الحَدُّ وعُوقِب عُقوبةً مُنكِّلةً فيما فيه العُقوبةُ ولمْ يُقتَلْ إلا بأنْ يَجبَ عليه القَتلُ،
стр. 12692
ولم يَكنْ هذا نَقضًا للعَهدِ يُحِلُّ دَمَه، ولا يَكونُ النَّقضُ للعَهدِ إلا بمَنعِ الجِزيةِ، أو الحُكمِ بعدَ الإقرارِ والامتِناعِ بذلك (١).
وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: وإنْ تَعدَّى على مُسلمٍ بقَتلٍ أو قَذفٍ أو زِنًا أو قَطعِ طَريقٍ أو تَجسُّسٍ أو إيواءِ جاسوسٍ، أو ذكَرَ اللهَ تَعالى أو كِتابَه أو رَسولَه ﷺ بسُوءٍ، وكذلك لو فتَنَ مُسلمًا عن دِينِه، أو أَصابَ مُسلِمةً باسمِ نِكاحٍ ونَحوِ ذلك، فعلى رِوايتَينِ:
إحداهُما: يُنتقَضُ عَهدُه بذلك مُطلَقًا في غيرِ القَذفِ، وهو المَذهبُ، سَواءٌ شُرطَ عليه أو لا، (وهو وَجهٌ عندَ الشافِعيةِ).
والرِّوايةُ الثانِيةُ: لا يُنتقَضُ عَهدُه بذلك، ما لم يُشترطْ عليه؛ لكنْ يُقامُ عليه الحَدُّ فيما يُوجِبُه، ويُقتَصُّ منه فيما يُوجِبُ القِصاصَ، ويُعزَّرُ فيما سِوى ذلك بما يُكَفُّ به أَمثالُه عن فِعلِه، وأمَّا القَذفُ: فالمَذهبُ أنَّه لا يُنقَضُ عَهدُه به (٢).
قالَ القاضي ﵀ في «التَّعليقِ»: والدِّلالةُ على أنَّ نقْضَ العَهدِ يَحصُلُ بهذه الأَشياءِ وإنْ لم يَشتَرطْه في عَقدِ الذِّمةِ، أنَّ الإمامَ يَقتَضي الكَفَّ عن الإِضرارِ، وفي هذه الأَشياءِ إِضرارٌ، فيَجبُ أنْ يُنتقَضَ العَهدُ بفِعلِها كما لو شُرطَ ذلك في عَقدِ الأَمانِ.
стр. 12693
قالَ: ولأنَّ عَقدَ الذِّمةِ عَقدُ أَمانٍ، فانتَقضَ بالمُخالفةِ من غيرِ شَرطٍ كالهُدنةِ.
قالَ ابنُ القَيمِ ﵀: قُلتُ: واحتَجَّ غيرُه من الأَصحابِ بوُجوهٍ أُخَرَ سِوى ما ذكَرَه، منها قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩] فلا يَجوزُ الإمساكُ عن قِتالِهم إلا إذا كانُوا صاغِرينَ حالَ إِعطاءِ الجِزيةِ.
والمُرادُ بإِعطاءِ الجِزيةِ مِنْ حين بَذلِها أو التِزامِها إلى حين تَسليمِها وإِقباضِها؛ فإنَّهم إذا بذَلوا الجِزيةَ شرَعُوا في الإِعطاءِ ووجَبَ الكَفُّ عنهم إلى أنْ نَقبِضَها منهم، فمَتى لمْ يَلتزِموها أو التَزَموها وامتنَعوا من تَسليمِها لم يَكونوا مُعطينَ لها، فليسَ المُرادُ أنْ يَكونوا صاغِرينَ حالَ تَناوُلِ الجِزيةِ منهم فقط، ويُفارِقُهم الصَّغارُ فيما عدا هذا الوَقتَ، هذا باطِلٌ قَطعًا.
وإذا عُلمَ هذا، فمَن جاهَرَنا بسَبِّ اللهِ ورَسولِه ﷺ وإكراهِ حَريمِنا على الزِّنا وتَحريقِ جَوامِعِنا ودُورِنا ورَفعِ الصَّليبِ فوقَ رُؤوسِنا، فليسَ معه من الصَّغارِ شَيءٌ، فيَجبُ قِتالُه بنَصِّ الآيةِ حتى يَصيرَ صاغِرًا.
فإنْ قيلَ: فالمَأمورُ به القِتالُ إلى هذه الغايةِ، فمِن أينَ لكم القَتلُ المَقدورُ عليه؟
стр. 12694
فالجَوابُ من وُجوهٍ:
أحَدُها: أنَّ كلَّ من أُمِرنا بقِتالِه من الكُفارِ؛ فإنَّه يُقتَل إذا قدِرَنا عليه.
الثانِي: أنَّا إذا كنا مَأمورينَ بأنْ نُقاتِلَهم إلى هذه الغايةِ لمْ يَجزْ أنْ نَعقِدَ لهم عَهدَ الذِّمةِ بدونِها، ولو عُقدَ لهم كانَ عَقدًا فاسِدًا.
الثالِثُ: أنَّ الأصلَ إِباحةُ دِمائِهم، يُمسِكُ عِصمَتها الحَبلانِ: حَبلٌ من اللهِ بالأمرِ بالكَفِّ عنهم، وحَبلٌ من الناسِ بالعَهدِ والعَقدِ، ولمْ يُوجَدَ واحِدٌ من الحَبلَينِ.
أمَّا حَبلُ اللهِ سُبحانَه: فإنَّه إنَّما اقتَضى الأمرَ بالكَفِّ عنهم إذا كانُوا صاغِرينَ، فمَتى لم يُوجَدَ وَصفُ الصَّغارِ المُقتَضي للكَفِّ منهم وعنهم، فالقَتلُ المَقدورُ عليه منهم والقِتالُ للطائِفةِ المُمتنِعةِ واجِبٌ.
وأمَّا حَبلُ الناسِ، فلم يُعاهِدْهم الإمامُ والمُسلِمونَ إلا على الكَفِّ عما فيه إدخالُ ضَررٍ على المُسلِمينَ وغَضاضةٌ في الإسلامِ، فإذا لمْ يُوجَدْ فلا عَهدَ لهم من الإمامِ ولا مِنْ اللهِ ، وهذا ظاهِرٌ لا خَفاءَ به (١).
أمَّا الحَنفيةُ: فقد صرَّحوا بأنَّ الذِّميَّ لو سَبَّ النَّبيَّ ﷺ لا يُنقَضُ عَهدُه إذا لمْ يُعلِنِ السَّبَّ؛ لأنَّ هذا زيادةُ كُفرٍ، ولأنَّ العَقدَ يَبقى مع أصلِ الكُفرِ، فكذا مع الزِّيادةِ، وإذا أعلَنَ قُتِلَ، ولو امرأةً، ولو قتَلَ مُسلمًا أو زَنى بمُسلِمةٍ لا يُنقَضُ عَهدُه؛ بل تُطبَّقُ عليه عُقوبةُ القَتلِ والزِّنا؛ لأنَّ هذه
стр. 12695
مَعاصٍ ارتَكبوها، وهي دونَ الكُفرِ في القُبحِ والحُرمةِ، وبَقيَت الذِّمةُ مع الكُفرِ، فمَع المَعصيةِ أوْلى (١).
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: ولو امتَنعَ الذِّميُّ من إِعطاءِ الجِزيةِ لا يُنتقَضُ عَهدُه؛ لأنَّ الامتِناعَ يَحتمِلُ أنْ يَكونَ لعُذرِ العَدمِ، فلا يُنتقَضُ العَهدُ بالشَّكِّ والاحتِمالِ، وكذلك لو سَبَّ النَّبيَّ ﷺ لا يُنتقَضُ عَهدُه؛ لأنَّ هذا زيادةُ كُفرٍ على كُفرٍ، والعَهدُ يَبقى مع أصلِ الكُفرِ، فيَبقى مع الزِّيادةِ، وكذلك لو قتَلَ مُسلمًا أو زَنى بمُسلِمةٍ؛ لأنَّ هذه مَعاصٍ ارتكَبوها، وهي دونَ الكُفرِ في القُبحِ والحُرمةِ، ثم بَقيَت الذِّمةُ مع الكُفرِ، فمَع المَعصيةِ أوْلى، واللهُ تَعالى أعلَمُ (٢).
لكنْ قالَ ابنُ القَيمِ ﵀ عن قَولِ الحَنفيةِ هذا: ويَحمِلونَ ما جاءَ عن النَّبيِّ ﷺ من القَتلِ في مِثلِ هذه الجَرائمِ على أنَّه رأى المَصلحةَ في ذلك، ويُسمُّونه القَتلَ سياسةً.
وكانَ حاصِلُه: أنَّ للإمامِ أنْ يُعزِّرَ بالقَتلِ في الجَرائمِ التي تَغلَّظت بالتَّكرارِ، وشُرعَ القَتلُ في جِنسِها، ولهذا أفتَى أكثَرُ أصحابِهم بقَتلِ مَنْ أكثَرَ مِنْ سَبِّ النَّبيِّ ﷺ من أهلِ الذِّمةِ وإنْ أسلَمَ بعدَ أخذِه. وقالُوا: يُقتَل سياسةً، وهذا مُتوجَّهٌ على أُصولِهم (٣).
стр. 12696
حُكمُ مَنْ نقَضَ العَهدَ منهم:
إذا نقَضَ الذِّميُّ العَهدَ فهو بمَنزِلةِ المُرتدِّ في جَميعِ أَحكامِه، ويُحكَمَ بمَوتِه باللَّحاقِ بدارِ الحَربِ؛ لأنَّه التحَق بالأَمواتِ، وتَبِينُ منه زَوجتُه الذِّميةُ التي خلَّفَها في دارِ الإسلامِ، وتُقسَّمُ تَرِكتُه، وإذا تابَ ورجَعَ تُقبَلُ تَوبتُه وتَعودُ ذِمَّتُه، إلا أنَّه لو غلَبَ عليه المُسلِمونَ وأُسِر يُستَرقُّ، بخِلافِ المُرتَدِّ، وهذا كلُّه عندَ الحَنفيةِ (١).
وفصَّل المالِكيةُ والشافِعيةُ في حُكمِ ناقِضِ العَهدِ، حسَبَ اختِلافِ أسبابِ النَّقضِ:
فقالَ المالِكيةُ: قُتلَ بسَبِّ نَبيٍّ بما لمْ يَكفُرْ به وُجوبًا، وبغَصبِ مُسلمةٍ على الزِّنا، أو غَرِّها بإِسلامِه فتَزوجَتْه وهو غيرُ مُسلمٍ وأبى الإِسلامَ بعدَ ذلك، أمَّا المُطَّلِعُ على عَوراتِ المُسلِمينَ فيَرى الإمامُ فيه رَأيَه بقَتلٍ أو استِرقاقٍ.
ومَنِ التحَق بدارِ الحَربِ ثم أسَره المُسلِمونَ جازَ استِرقاقُه، وإنْ خرَجَ لظُلمٍ لحِقه لا يُستَرقُّ ويُردُّ لجِزيتِه.
وأمَّا قَطعُ الطَّريقِ والسَّرقةُ ونَحوُهما، فحُكمُه فيها حُكمُ المُسلِمينَ، يُقامُ عليه فيها الحَدُّ كما يُقامُ على المُسلِمينَ، وليسَ ذلك من بابِ نَقضِ العَهدِ.
стр. 12697
قالُوا: وأمَّا رَفعُ أَصواتِهم بكِتابِهم ورُكوبِ السُّروجِ وتَركُ الغيارِ وإِظهارُ مُعتقَدِهم في عيسى ونَحوُ ذلك ممَّا لا ضَررَ فيه على المُسلِمينَ؛ فإنَّما يُوجِبُ التأديبَ لا القَتلَ.
قالُوا: وإذا ظهَرَ نَقضُ العَهدِ من بَعضِهم؛ فإنْ أنكَرَ عليه الباقونَ وظهَرَ منهم كَراهيةُ ذلك اختَصَّ النَّقضُ به.
وإنْ ظهَرَ رِضاهُم بذلك كانَ نَقضًا من جَميعِهم، فعَلامةُ بَقائِهم على العَهدِ إِنكارُهم على مَنْ نقَضَ عَهدَه (١).
وقالَ الشافِعيةُ: مَنْ انتَقضَ عَهدُه بقِتالٍ يُقتَل، وإنِ انتَقضَ عَهدُه بغيرِه (كما لو زَنى ذِمِّيٌّ بمُسلِمةٍ أو أَصابَها بنِكاحٍ أو دلَّ أهلَ الحَربِ على عَورةِ المُسلِمينَ أو فتَنَ مُسلمًا عن دِينِه أو طعَنَ في الإِسلامِ أو القُرآنِ أو ذكَرَ الرَّسولَ ﷺ بسُوءٍ) لم يَجبْ إِبلاغُه مأمَنَه في الأظهَرِ؛ بل يَختارُ الإمامُ فيه قَتلًا أو رِقًّا أو مَنًّا أو فِداءً (٢).
أمَّا الحَنابِلةُ، فلم يُفرِّقوا بينَ أَسبابِ النَّقضِ في الرِّوايةِ المَشهورةِ، وقالُوا: خُيِّرَ الإمامُ فيه بينَ أربَعةِ أشياءَ، هي: القَتلُ والاستِرقاقُ والفِداءُ والمَنُّ، كالأَسيرِ الحَربيِّ؛ لأنَّه كافِرٌ، قدِرَنا عليه في دارِنا بغيرِ عَهدٍ ولا
стр. 12698
عَقد، فأشبَه اللِّصَّ الحَربيَّ، ويَحرُمُ قَتلُه بسَببِ نَقضِ العَهدِ إذا أسلَمَ (١).
هذا، ولا يَبطُلُ أمانُ ذُرِّيَّتِهم ونِسائِهم بنَقضِ عَهدِهم عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ (الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ)؛ لأنَّ النقضَ إنَّما وُجدَ من الرِّجالِ البالِغينَ دونَ الذُّرِّيةِ، فيَجبُ أنْ يَختَصَّ حُكمُه بهم، ويُفهَمُ من كَلامِ المالِكيةِ أنَّه تُسترَقُّ ذُرِّيتُهم (٢).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: ولو أسلَمَ من انتَقضَ عَهدُه قبلَ أنْ يَختارَ الإمامُ شَيئًا، قالَ الأَصحابُ: لا يَجوزُ استِرقاقُه، بخِلافِ الأَسيرِ؛ لأنَّه لمْ يَحصُلْ في يَدِ الإِمامِ بالقَهرِ، فخَفَّ أمرُه، وهل يَبطُلُ أمانُ النِّساءِ والصِّبيانِ تَبعًا كما يَثبُتُ تَبعًا؟
وَجهان، أصَحُّهما: لا، إذا لمْ تُوجَدَ منهم خِيانةٌ ناقِضةٌ، فعلى هذا لا يَجوزُ سَبيُهم، ويَجوزُ تَقريرُهم في دارِنا؛ فإنْ طلَبوا الرُّجوعَ إلى دارِ الحَربِ أُجيبَ النِّساءُ دونَ الصِّبيانِ؛ إذْ لا حُكمَ لقَولِهم قَبلَ البُلوغِ؛ فإنْ كانَ الطالِبُ ممَّن يَستحِقُّ الحَضانةَ أُجيبَ إليه وإلا فلا، ولو نبَذَ ذِميٌّ إلينا العَهدَ واختارَ اللَّحاقَ بدارِ الحَربِ بلَّغناه المَأمَنَ على المَذهبِ، وأجرى القاضي حُسَينٌ فيه القَولَينِ؛ لأنَّه كافِرٌ لا أمانَ له (٣).
стр. 12699
وقالَ المِرداويُّ ﵀: ولا يُنتقَضُ عَهدُ نِسائِه وأولادِه بنَقضِ عَهدِه، هذا المَذهبُ، وسَواءٌ لحِقوا بدارِ الحَربِ أو لا (١).
стр. 12700
كتاب البغاة
стр. 12701
كتاب البُغاة
تَعريفُ البُغاةِ:
قالَ الحَنفيةُ: البغاةُ: قومٌ مُسلمونَ خَرجُوا عن طاعةِ الإمامِ الحَقِّ -وهو الَّذي اجتَمعَ عليهِ المُسلمونَ أو ثبَتَتْ إمامتُهِ مِنْ الإمامِ الحَقِّ- بغيرِ حَقٍّ (١).
وقالَ المالِكيةُ: البُغاةُ: هم الذينَ يَخرجونَ على الإمامِ يَبغونَ خلْعَه أو منْعَ الدُّخولِ في طاعتِه، أو تَبغي منْعَ حَقٍّ واجِبٍ، بتأويلٍ في ذلكَ كلِّه (٢).
وقيلَ: الامتِناعُ مِنْ طاعةِ مَنْ ثبَتَتْ إمامتُه في غيرِ مَعصيةٍ بمُبالَغةٍ ولو تأوُّلًا.
فخرَجَ بقَولِنا: «مَنْ ثبَتَتْ … إلخ» مَنْ لم تَنعقدْ له إمامةٌ، وقَولُنا: «في غيرِ مَعصيةٍ» يَقتضي أنَّ مَنْ خرَجَ عنْ طاعتِه في مَكروهٍ مُجمَعٍ على
стр. 12702
كَراهتِه لا يَكونُ بَغيًا؛ لأنه لا تَجبُ طاعتُه في المَكروهِ؛ لأنه مِنْ الإحداثِ في الدِّينِ ما ليسَ منه وهوَ مَردودٌ على صاحِبِه، فإذا أمَرَ النَّاسَ بصلاةِ رَكعَتينِ بعدَ أداءِ فَرضِ الصُّبحِ لم يُتَّبعْ، بخِلافِ غيرِ المَعصيةِ والمَكروهِ فتَجبُ طاعتُه فيهِ كالمُباحِ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: الباغي: هوَ المُخالِفُ للإمامِ العَدلِ الخارجُ عن طاعتِهِ بامتِناعِه مِنْ أداءِ واجبٍ عليهِ أو غيرِه (٢).
وقالَ الحَنابلةُ: البُغاةُ: قومٌ مِنْ أهلِ الحَقِّ يَخرجونَ عن قَبضةِ الإمامِ ويَرومونَ خَلْعَه لتأويلٍ سائغٍ وفيهِم منَعةٌ يحتاجُ في كَفِّهم إلى جَمعِ الجَيشِ (٣).
فأهلُ البَغيِ: هم طائِفةٌ مِنْ الناسِ جمَعَتْ بينَ أمورٍ ثَلاثةٍ هي:
١ - التمرُّدُ على سُلطةِ الدَّولةِ بالامتناعِ عن أداءِ الواجِباتِ أو غيرِها، أو العملُ على الإطاحةِ برَئيسِ الدَّولةِ.
٢ - وُجودُ قوَّةٍ وشَوكةٍ يَتمتعُ بها البُغاةُ تُمكِّنُهم مِنْ السيطرةِ.
٣ - الخُروجُ: ويُرادُ بكَلمةِ الخُروجِ ما يُرادفُها اليومَ مِنْ عِباراتٍ مِثلَ: الثَّورةِ المُسلَّحةِ أو الحَربِ الأهليَّةِ أو القتالِ الداخِليِّ أو استعمالِ السِّلاحِ أو استِخدامِ العُنفِ في سَبيلِ الوُصولِ إلى تَحقيقِ الأغراضِ السِّياسيةِ التي حصَلَتِ الثَّورةُ مِنْ أجْلِها.
стр. 12703
أنواعُ الخارِجينَ على الإمامِ:
الخارِجونَ عن قَبضةِ الإمامِ أصنافٌ أربَعةٌ:
أحَدُها: قَومٌ امتَنَعوا وخَرَجوا عن طاعتِه وخَرَجوا عن قَبضتِه بغَيرِ تأويلٍ، فهؤلاءِ قُطَّاعُ طَريقٍ ساعونَ في الأرضِ بالفسادِ.
الثاني: قَومٌ لهم تَأويلٌ إلا أنهُم نَفرٌ يَسيرٌ لا مَنعةَ لهُم كالواحدِ والاثنينِ والعَشرةِ ونحوِهم، فهؤلاءِ قطَّاعُ طَريقٍ عندَ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ في المَذهبِ؛ لأنَّ ابنَ مُلجمٍ لمَّا جرَحَ عليًّا ﵁ قالَ للحَسنِ: «إنْ بَرِئتُ رأيتُ رَأيي، وإنْ مِتُّ فلا تُمثِّلوا به»، فلَم يُثبِتْ لفِعلِه حُكمَ البُغاةِ، ولأننا لو أثبَتْنا للعَددِ اليَسيرِ حُكمَ البُغاةِ في سُقوطِ ضَمانِ ما أتلَفوهُ أفضَى إلى إتلافِ أموالِ الناسِ.
وقالَ أبو بكرٍ مِنْ الحَنابلةِ: لا فرْقَ بينَ الكثيرِ والقليلِ، وحُكمُهم حُكمُ البغاةِ إذا خَرَجوا عن قَبضةِ الإمامِ.
الثالِثُ: الخوارجُ الذينَ يُكفِّرونَ بالذَّنبِ ويُكفِّرونَ عُثمانَ وعليًّا وطَلحةَ والزُّبيرَ وكَثيرًا مِنْ الصَّحابةِ، ويَستحلِّونَ دِماءَ المُسلمينَ وأموالَهم إلا مَنْ خرَجَ معَهم، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فظاهِرُ قولِ الفُقهاءِ مِنْ أصحابِنا المتأخِّرينَ أنهم بُغاةٌ حُكمُهم حُكمُهم، وهذا قولُ أبي حَنيفةَ والشافِعيِّ وجُمهورِ الفُقهاءِ وكَثيرٍ مِنْ أهلِ الحَديثِ، ومالكٌ يَرَى استِتابتَهم، فإنْ تابوا وإلا قُتِلوا على إفسادِهم لا على كُفرِهم.
وذهبَتْ طائِفةٌ مِنْ أهلِ الحَديثِ إلى أنهم كفَّارٌ مُرتدُّونَ حُكمُهم حُكمُ
стр. 12704
المُرتدينَ وتُباحُ دِماؤُهم وأموالُهم، فإنْ تَحيَّزوا في مكانٍ وكانَتْ لهم مَنعةٌ وشَوكةٌ صاروا أهلَ حَربٍ كسائرِ الكفَّارِ، وإنْ كانوا في قَبضةِ الإمامِ استَتابَهم كاستتابةِ المُرتدينَ، فإنْ تابوا وإلا ضُرِبتْ أعناقُهم وكانَتْ أموالُهم فيئًا لا يَرثُهم وَرثتُهم المُسلمونَ …
وأكثَرُ الفُقهاءِ على أنهم بُغاةٌ، ولا يَرَونَ تكفيرَهُم، قالَ ابنُ المُنذرِ: لا أعلَمُ أحَدًا وافَقَ أهلَ الحَديثِ على تَكفيرِهم وجَعلِهم كالمُرتدينَ …
الصِّنفُ الرابعُ: قَومٌ مِنْ أهلِ الحَقِّ يَخرجونَ عن قَبضةِ الإمامِ ويَرومونَ خلْعَه لتأويلٍ سائغٍ وفيهِم مَنعةٌ يحتاجُ في كفِّهِم إلى جَمعِ الجَيشِ، فهؤلاءِ البغاةُ الذين نَذكرُ في هذا البابِ حُكمَهم، وواجِبٌ على الناسِ مَعونةُ إمامِهم في قِتالِ البُغاةِ … ؛ لأنهُم لو تَرَكوا مَعونتَه لَقهَرَه أهلُ البَغيِ وظهَرَ الفسادُ في الأرضِ (١).
حُكمُ قِتالِ البُغاةِ:
اتَّفقَ أهلُ العِلمِ على مَشروعيةِ قتالِ البُغاةِ، والأصلُ في قِتالِ البُغاةِ قولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩].
قالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: في هَذهِ الآيةِ دَليلٌ على وُجوبِ قِتالِ الفِئةِ الباغيةِ المَعلومِ بَغيُها على الإمامِ أو على أحَدٍ مِنْ المُسلمينَ، وعلى فَسادِ قَولِ مَنْ منَعَ مِنْ قتالِ المُؤمنينَ واحتَجَّ بقولِه ﵇: «قِتالُ المُؤمِنِ
стр. 12705
كُفرٌ» (١)، ولو كانَ قِتالُ المُؤمنِ الباغي كُفرًا لَكانَ اللهُ تعالَى قد أمَرَ بالكُفرِ تعالَى اللهُ عن ذلكَ، وقد قاتَلَ الصدِّيقُ ﵁ مَنْ تَمسَّكَ بالإسلامِ وامتَنعَ مِنْ الزَّكاةِ، وأمَرَ ألَّا يُتبعَ مُولٍّ ولا يُجهَزَ على جَريحٍ، ولم تَحلَّ أموالُهم، بخِلافِ الواجِبِ في الكفَّارِ.
وقالَ الطبَريُّ ﵀: لو كانَ الواجِبُ في كلِّ اختِلافٍ يكونُ بينَ الفَريقينِ الهربَ منه ولُزومَ المَنازلِ لَمَا أُقيمَ حَدٌّ ولا أُبطلَ باطلٌ، ولَوجَدَ أهلُ النِّفاقِ والفُجورِ سَبيلًا إلى استِحلالِ كلِّ ما حرَّمَ اللهُ عليهِم مِنْ أموالِ المُسلمينَ وسَبيِ نِسائِهم وسَفكِ دِمائِهم، بأنْ يَتحزَّبوا عليهِم ويَكفَّ المُسلمونَ أيديَهم عنهُم، وذلكَ مُخالِفٌ لقولِه ﵇: «خُذوا عَلى أَيدِي سُفَهائِكم» (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأجمَعَتِ الصحابةُ ﵃ على قِتالِ البُغاةِ، فإنَّ أبا بكرٍ ﵁ قاتَلَ مانِعي الزكاةِ، وعليٌّ قاتَلَ أهلَ الجَملِ وصِفِّينَ وأهلَ النَّهرَوانِ (٣).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: وأمَّا الإجماعُ الدالُّ على إباحةِ قِتالِهم فهو مُنعقِدٌ عن فِعلِ إمامَينِ:
أحَدُهما: أبو بكرٍ في قِتالِ مانِعي الزكاةِ.
стр. 12706
والثاني: عليُّ بنُ أبي طالبٍ في قِتالِ خَلعِ طاعتِه.
فأما أبو بَكرٍ ﵁ فإنه قاتَلَ طائِفتينِ: طائِفةٌ ارتَدَّتْ عن الإسلامِ مع مُسيلمةَ وطُليحةَ والعَنسيِّ، فلَم يَختلفْ عليهِ مِنْ الصَّحابةِ في قِتالِهم أحَدٌ.
وطائفةٌ أقاموا على الإسلامِ ومَنَعوا الزَّكاةَ بتَأويلٍ اشتَبهَ، فخالَفَه أكثَرُ الصَّحابةِ في الابتداءِ، ثم رَجَعوا إلى رَأيِه ووافَقوهُ عليهِ في الانتهاءِ حينَ وضَحَ لهم الصَّوابُ وزالَتْ عنهم الشُّبهةُ، فكانَ انعقادُ الإجماعِ معه بعدَ تَقدُّمِ المُخالَفةِ له أَوْكَدَ.
وأما عليُّ بنُ أبي طالِبٍ ﵁ فإنه شَهدَ بنَفسِه قِتالَ مَنْ بَغَى عليهِ، فأوَّلُ مَنْ قاتلَ منهُم أهلَ الجَملِ بالبَصرةِ مع عائِشةَ، وثَنَّى بقتالِ أهلِ الشامِ بصِفِّينَ مع مُعاويةَ، وثلَّثَ بقتالِ أهلِ النَّهروانِ مِنْ الخَوارجِ، فسارَ في قتالِهم سِيرةَ أبي بكرٍ في قِتالِ مانِعي الزكاةِ (١).
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ مَنْ شَقَّ العَصا وفارَقَ الجَماعةَ وشَهَرَ على المُسلمينَ السِّلاحَ وأخافَ السَّبيلَ وأفسَدَ بالقتلِ والسَّلبِ فقَتلُهم وإراقةُ دِمائِهم واجبٌ؛ لأنَّ هذا مِنْ الفَسادِ العَظيمِ في الأرضِ، والفَسادُ في الأرضِ مُوجِبٌ لإراقةِ الدماءِ بإجماعٍ، إلا أنْ يَتوبَ فاعلُ ذلكَ مِنْ قبلِ أنْ يُقدَرَ عليهِ، والانهزامُ عندَهم ضَربٌ مِنْ التوبةِ، وكذلكَ مَنْ عجَزَ عن القِتالِ لم يُقتلْ إلا بما وجَبَ عليهِ قبلَ ذلكَ (٢).
стр. 12707
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: يَجبُ على كلِّ مَنْ دَعاهُ الإمامُ إلى قِتالِهم أنْ يُجيبَه إلى ذلكَ، ولا يَسعُه التخلُّفُ إذا كانَ عندَه غِنًى وقُدرةٌ؛ لأنَّ طاعةَ الإمامِ فيما ليسَ بمَعصيةٍ فَرضٌ، فكيفَ فيما هو طاعةٌ؟! (١).
الشُّروطُ المعتبَرُ تَوفُّرُها في قِتالِ البُغاةِ:
اشتَرطَ الفُقهاءُ شُروطًا لإباحةِ قتالِ البُغاةِ:
الشَّرطُ الأولُ: أنْ يكونُوا في منَعةٍ بكثرِة عدَدِهم، لا يُمكِنُ تَفريقُ جَمعِهم إلَّا بقتالِهم، فإنْ كانَوا آحادًا لا يَمتنعونَ استُوفيَتْ منهُم الحُقوقُ ولم يُقاتَلُوا، وهذا عندَ جَماهيرِ العُلماءِ.
قالَ الشافِعيُّ ﵀: قتَلَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ مُلجمٍ عليًّا رِضوانُ اللهِ عليهِ مُتأوِّلًا فأُقيدَ به، يَعني: أنه لمَّا انفَردَ ولم يَمتنعْ بعَددٍ لم يُؤثِّرْ تأويلُه في أخذِ القَودِ منه.
الشَّرطُ الثَّاني: أنْ يَعتزِلُوا عن دارِ أهلِ العَدلِ بدارٍ يَنحازونَ إليها ويَتميَّزونَ بها، كأهلِ الجَملِ وصِفِّينَ، فإنْ كانوا على اختِلاطِهم بأهلِ العَدلِ ولم يَنفَردوا عنهم لم يُقاتَلوا، وهذا نَصَّ عليهِ الشافِعيةُ.
والشَّرطُ الثالثُ: أنْ يُخالِفوهُ بتأويلٍ مُحتملٍ كالَّذي تأوَّلَه أهلُ الجمَلِ وصِفِّينَ مِنْ المُطالَبةِ بدَمِّ عُثمانَ ﵁، فإذا بايَنُوا مِنْ غيرِ تأويلٍ أُجريَ عليهِم حُكمُ الحِرابةِ وقطَّاعِ الطَّريقِ، وهذا مَحلُّ اتِّفاقٍ بينَ الفُقهاءِ.
الشَّرطُ الرابعُ: نَصبُ إمامٍ لهم يَجتمعونَ على طاعتِه ويَنقادونَ لأمرِه،
стр. 12708
وهذا قَولُ طائِفةٍ مِنْ الشافِعيةِ إنه شَرطٌ يُستحَقُّ به قِتالُهم ليَستقرَّ به تَميُّزُهم ومُبايَنتُهم.
وقالَ أكثَرُ الشافِعيةِ والحَنابلةِ: إنه ليسَ بشَرطٍ في قِتالِهم؛ لأنَّ عليًّا ﵁ قاتَلَ أهلَ الجَملِ ولم يَكنْ لهم إمامٌ، وقاتَلَ أهلَ صِفِّينَ قبلَ أنْ يَنصِبوا إمامًا لهم (١).
الواجِبُ فعلُه على الإمامِ قبلَ قِتالِهم:
إذا تكامَلَتِ الشُّروطُ المُعتبَرةُ في قِتالِهم لم يَبدأْ به الإمامُ حتَّى يَسألَهم عن سبَبِ انفِرادِهم ومُبايَنتِهم، فإنْ ذكَرُوا مَظلَمةً أزالَها، وإنْ ذكَرُوا شُبهةً كشَفَها وناظَرَهُم عليهِا، حتَّى يَظهرَ لهم أنهُ على الحَقِّ فيها؛ لأنَّ اللهَ تعالَى أمَرَ بالإصلاحِ أوَّلًا وبالقِتالِ أخيرًا.
ولأنَّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ أنفَذَ ابنَ عبَّاسٍ ﵄ إلى الخَوارجِ بالنَّهروانِ يَسألُهم عن سَببِ مُباينتِهم ويَحلُّ شُبهةَ تأويلِهم، لتَظاهُرِهم بالعِبادةِ والخُشوعِ وحَملِ المَصاحفِ في أعناقِهم … فعَن عَبدِ اللهِ بنِ شَدَّادٍ: «أنَّ عَليًّا ﵁ لمَّا اعتَزلَه الحَرُوريةُ بعَثَ إليهم عبدَ اللهِ بنَ عبَّاسٍ ﵄، فواضَعُوه كِتابَ اللهِ ثلاثةَ أيَّامٍ، فرجَعَ منهُم أربَعةُ آلافٍ وبقيَ
стр. 12709
منهم نحوُ أربعةِ آلافٍ لم يَرجِعوا، فعادَ إلى عليِّ بنِ أبي طالبٍ فأخبَرَه، فقالَ لأصحابِه: سِيرُوا على اسمِ اللهِ تعالَى إليهِم، فلنْ يُفلِتَ منهُم عَشرةٌ، ولنْ يُقتلَ منكُم عَشرةٌ، فسارُوا معه إليهِم فقتَلَهم، وأفلَتَ منهُم ثَمانيةٌ، وقُتلَ مِنْ أصحابِ عليٍّ تِسعةٌ، وقالَ: اطلُبوا لي ذا الثَّديَّةِ، فرَأَوه قَتيلًا بينَهُم، فكبَّرَ عليٌّ وقالَ: الحَمدُ للهِ الذي صدَقَ وعْدَ رَسولِه إذ قالَ لي: تُقاتِلُكَ الفئةُ الباغِيةُ فيهم ذُو الثَّديةِ» (١)، فهذهِ سِيرةُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ فيهِم.
فإنْ سألُوا الإنظارَ نظَرَ في حالِهم وبحَثَ في أمرِهم، فإنْ بانَ له أنَّ قصْدَهم الرُّجوعُ إلى الطاعةِ ومَعرفةُ الحقِّ أمهَلَهم، قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ على هذا كلُّ مَنْ أحفَظُ عنهُ مِنْ أهلِ العِلمِ، فإنْ كانَ قَصدُهم الاجتماعَ على قِتالِه وانتِظارَ مَددٍ يَقوَونَ به أو خَديعةَ الإمامِ أو ليَأخُذوهُ على غرَّةٍ ويَفترقَ عَسكرُه لم يُنظِرْهم وعاجَلَهم؛ لأنه لا يَأمنُ أنْ يَصيرَ هذا طَريقًا إلى قَهرِ أهلِ العَدلِ ولا يَجوزُ هذا.
فإذا ثبَتَ أنه يُقدِّمُ قبلَ قِتالِهم سُؤالَهم عن سَببِ بَغيِهم واعتِزالِهم عن الجَماعةِ ثم مُناظَرتَهم في حَلِّ ما اشتَبهَ عليهِم فمتَى أَمِلَ رُجوعَهم إلى الطاعةِ ودُخولَهم في الجَماعةِ بالقَولِ والمُناظَرةِ لم يَتجاوزْه إلى القتالِ، وإنْ يَئِسَ مِنْ رُجوعِهم بعدَ كَشفِ ما اشتَبهَ عليهِم جازَ لإمامِ أهلِ العَدلِ حِينئذٍ قتالُهم ومُحاربتُهم (٢).
стр. 12710
قالَ الماوَرديُّ ﵀: وانقسَمَتْ أحوالُهم في قتالِهم ثَلاثةَ أقسامٍ:
أحَدُها: ما كانَ قِتالُهم عليهِ واجبًا.
والثاني: ما كانَ قِتالُهم عليهِ مُباحًا.
والثالِثُ: ما اختَلفَ القَولُ في وُجوبِه وإباحَتِه.
فأما ما وجَبَ قِتالُهم عليهِ فهو بواحِدٍ مِنْ خَمسةِ أمورٍ:
أحَدُها: أنْ يَتعرَّضوا لحَريمِ أهلِ العَدلِ بإفسادِ سَبيلِهم.
والثاني: أنْ يَتعطَّلَ جِهادُ المُشرِكينَ بهم.
والثالثُ: أنْ يَأخُذوا مِنْ حُقوقِ بيتِ المالِ ما ليسَ لهُم.
والرابعُ: أنْ يَمتنِعوا مِنْ دَفعِ ما وجَبَ عليهِم.
والخامِسُ: أنْ يَتظاهَروا على خَلعِ الإمامِ الذي قد انعَقدَتْ بَيعتُه ولَزمَتْ طاعتُه.
وأما ما أبيحَ قِتالُهم عليهِ وإنْ لم يَجبْ فهو أنْ يَنفرِدوا عن الجَماعةِ ولا يَمتنِعوا مِنْ حَقٍّ ولا يَتعدُّوا إلى ما ليسَ لهُم بحَقٍّ فيَجوزُ للإمامِ قِتالُهم؛ لتَفريقِ الجَماعةِ، ولا يَجبُ عليهِ قِتالُهم؛ لتَظاهُرِهم بالطاعةِ.
وأما ما اختَلفَ القَولُ في وُجوبِ قِتالِهم وإباحتِه فهو إذا امتَنَعوا مع انفِرادِهم مِنْ دَفعِ زَكاةِ أموالِهم الظاهِرةِ وقامُوا بتَفرقتِها في أهلِ السُّهمانِ منهُم، ففيهِ قَولانِ: