على سَعِيدِ بنِ زَيدٍ بعدَ ارتِفَاعِ الضُّحَى، فَأَتَاهُ بِالعَقِيقِ وَتركَ الجمُعَةَ» (١)، وهو مَذهب عَطاءٍ والحَسنِ والأوزاعِيِّ والشافِعيِّ (٢).
ج- حُضورُ الطَّعامِ:
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا حَضرَ العَشاءُ في وقتِ الصَّلاةِ فالمُستحَبُّ أن يَبدَأَ بالعَشاءِ قَبَل الصَّلاةِ، ليَكونَ أفرَغَ لِقَلبِه، وأحضَرَ لِبالِه، ولا يُستحبُّ أن يَعجَلَ عن عَشائِه أو غَدائِه، فإنَّ أنَسًا رَوى عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «إذا قُرِّبَ العَشَاءُ وَحَضرَتِ الصَّلاةُ فابدَؤُوا بِه قبلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلاةَ المَغربِ، ولَا تَعجَلُوا عن عَشَائِكُم» (٣). وقالَت عائِشةُ ﵂ إنِّي سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «لَا صَلاةَ بِحَضرَةِ الطَّعامِ، ولا وهو يُدَافِعُهُ الأَخبَثَانِ» (٤). رَواهُما مُسلِمٌ وغيرُه، ولا فَرقَ بينَ أن يَحضُرَ صَلاةَ الجَمَاعةِ وهو يَخافَ فَواتَها في الجَماعةِ، أو وهو لا يَخافُ ذلك، فإنَّ في بعضِ ألفاظِ حَديثِ أنَسٍ: «إذا حَضرَ العَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ فابدَؤُوا بِالعَشَاءِ» (٥). وعنِ ابنِ عمرَ ﵄ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إذا وُضِعَ عَشَاءُ أَحدِكُم وَأُقِيمَتِ
стр. 1297
الصَّلاةُ فابدَؤُوا بِالعَشَاءِ، ولا يَعجَلَنَّ حتى يَفرُغَ منه» (١) رواهُما مُسلِمٌ. وقولُه: «وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ»، يَعني الجَماعةَ، وتَعشَّى ابنُ عمرَ وهو يَسمَعُ قِراءةَ الإمامِ.
قالَ أصحابُنا: إنَّما يُقدَّمُ العَشاءُ على الجَماعةِ إذا كانَت نَفسُه تَتُوقُ إلى الطَّعامِ كَثيرًا، وقالَ الشافِعيُّ نحوَ ذلك، وقالَ مالِكٌ: يَبدَؤُونَ بِالصَّلاةِ إلا أن يَكونَ طَعامًا خَفيفًا، وقالَ بظاهِرِ الحَديثِ عمرُ وابنُه وإسحاقُ وابنُ المُنذرِ، وقالَ ابنُ عباسٍ: لا نَقومُ إلى الصَّلاةِ وفي أنفُسِنا شَيءٌ.
قال ابنُ عَبد البرِّ ﵀: أجمَعوا على أَنَّه لو صلَّى بحَضرةِ الطَّعامِ فأكمَلَ صَلاتَه أنَّ صَلاتَه تُجزِئُه (٢).
وقالَ النَّوويُّ ﵀: وحُضورُ الشَّرابِ الذي يَتُوقُ إليه مِنْ ماءٍ وغيرِه كحُضورِ الطَّعامِ (٣).
د- مُدافَعةُ أحَدِ الأخبَثَينِ:
لمَا رَوَت عائِشةُ ﵂ قالَت: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «لَا يُصلِّيَنَّ أحَدُكم بِحَضرَةِ الطَّعامِ، ولا وهو يُدَافِعُهُ الأَخبَثَانِ».
قالَ النَّوويُّ ﵀: وهذانِ الأمرانِ عُذرانِ، يُسقِطُ كلُّ واحدٍ منهما الجَماعةَ بالاتِّفاقِ، وكذا ما كانَ في مَعناهما، ومُدافَعةُ الرِّيحِ كمُدافَعةِ البَولِ أو الغائِطِ (٤).
стр. 1298
هـ- أكلُ ذي رائِحةٍ كَريهةٍ:
مَنْ أكلَ ثُومًا أو بَصَلًا أو فِجلًا أو نحوَه، إذا تَعَذَّرَ زَوالُ رائِحَتِه فإنَّ ذلك عُذرٌ يُبيحُ التَّخلُّفَ عن الجَماعةِ حتى لا يَتأَذَّى به النَّاسُ والمَلائِكةُ؛ لِحَديثِ: «مَنْ أَكلَ مِنْ هذه البَقلَةِ، الثُّومِ -وقالَ مرَّةً: مَنْ أَكلَ البَصلَ وَالثُّومَ وَالكُرَّاثَ- فلَا يَقربَنَّ مَسجدَنَا، فإنَّ المَلَائِكَةَ تَتأذَّى ممَّا يَتأذَّى منه بَنُو آدَمَ» (١).
والمُرادُ أكلُ هذه الأشياءِ نَيِّئةً، وكذلك مَنْ كانَت حِرفَتُه لها رائِحةٌ مُؤذِيةٌ، كالجَزَّارِ والزَّيَّاتِ، ومَن له صُنانٌ، وكلُّ مَنْ له رائِحةٌ مُنتِنَةٌ.
ومِثلُ ذلك مَنْ كانَ به مرَضٌ يتَأذَّى به النَّاسُ، كالبَرَصِ والجُذامِ؛ ففي كلِّ ذلك يُباحُ التَّخلُّفُ عن الجَماعةِ (٢).
و- العمى:
ذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ -خِلافًا لِأبي حَنِيفَةَ- إلى أنَّ الأعمى إذا وجدَ قائِدًا، فإنَّ هذا ليس بعُذرٍ له أن يَتخلَّفَ عن الجَماعةِ، فإن لم يَجِد قائِدًا، ولم يَهتَدِ للطَّرِيقِ بنَفسِه، فإنَّ هذا عُذرٌ يُبيحُ له التَّخلُّفَ عن الجَماعةِ.
قالَ الكاسانيُّ ﵀: الأعمى أجمَعوا على أَنَّه إذا لم يَجِد قائِدًا لا تَجِبُ عليه، وإن وجدَ قائِدًا فكذلك عندَ أبي حَنِيفَةَ، وعندَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ تَجِبُ (٣).
стр. 1299
ز- إرادةُ السَّفرِ:
مَنْ تأهَّبَ لِسَفرٍ مُباحٍ يُريدُه مع رُفقةٍ، ثم أُقيمَتِ الجَماعةُ، وكانَ يَخشى إن حَضرَ الجَماعةَ أن تَفوتَه الرُّفقةُ، فإنَّه يُباحُ له التَّخلُّفُ عن الجَماعةِ (١).
ح- غَلَبةُ النُّعاسِ والنَّومِ:
مَنْ غلَبه النُّعاسُ والنَّومُ إن خَشِي النَّومَ إنِ انتظَرَ صَلاةَ الجَماعةِ فقد عَدَّ الفُقهاءُ هذا عُذرًا مِنْ أعذارِ الصَّلاةِ، وكذلك لو غلَبه النُّعاسُ مع الإمامِ، فله أن يُصلِّيَ وَحدَه.
لمَا رَواه البُخاريُّ (٢) وغيرُه: «أنَّ رَجلًا صلَّى مع مُعاذٍ ﵁ فلمَّا رآه قد أطالَ انفَرَدَ، وصلَّى وَحدَه». ولم يَعِب عليه النَّبيُّ ﷺ ذلك، قالَ البُهوتيُّ: والصَّبرُ والتَّجلُّدُ على دَفعِ النُّعاسِ ويُصلِّي جَماعةً أفضَلُ؛ لمَا فيه مِنْ نَيلِ فَضلِ الجَماعةِ (٣).
ط- زِفافُ الزَّوجةِ:
ذَهب الشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّ زِفافَ الزَّوجةِ عُذرٌ يُبيحُ لِلزَّوجِ التَّخلُّفَ
стр. 1300
عن صَلاةِ الجَماعةِ، لكنَّ الشافِعيَّةَ قَيَّدوه بالتَّخلُّفِ عن الجَماعةِ عن الصَّلواتِ اللَّيليَّةِ فقط.
قالَ شَيخُ الإسلامِ زَكريا الأنصاريُّ ﵀: لا يَتخَلَّفُ بسَببِ حقِّ الزِّفافِ عن الخُروجِ لِلجَماعاتِ ولِسائرِ أعمالِ البرِ، كعيادةِ المَرضى، وتَشييعِ الجَنائِزِ مدَّةَ الزِّفافِ، إلا لَيلًا؛ فيَتخلَّفُ وُجوبًا؛ تَقديمًا للواجبِ.
قالَ الأذرَعِيُّ: وهذه طَريقةٌ شَاذَّةٌ لِبعضِ العِراقيِّينَ، وقَضيةُ نُصوصِ الشافِعيِّ، وكَلامِ القاضي والبغَويِّ وغيرِهما أنَّ اللَّيلَ كالنَّهارِ في استِحبابِ الخُروجِ لذلك، وممَّن صرَّح به مِنْ المَراوِزةِ الجوينِيُّ في تَبصِرَتِه، والغَزالِيُّ في خُلاصَتِه، نَعم، العادةُ جارِيةٌ بزِيادةِ الإقامةِ في مدَّةِ الزِّفافِ على أيَّامِ القَسمِ؛ فيُراعَى ذلك.
وأمَّا لَيالي القَسمِ فتَجِبُ التَّسويةُ بينَهُنَّ في الخُروجِ لذلك وعدمِه، بأن يَخرُجَ في لَيلةِ الجَميعِ، أو لا يَخرُجَ أصلًا؛ فإن خصَّ لَيلةَ بعضِهِنَّ بالخُروجِ إلى ذلك أثِمَ (١).
أمَّا المالِكيَّةُ فلم يَعُدُّوا ذلك عُذرًا، فقالوا: ليس العُرسُ والابتِناءُ بالمرأةِ عُذرًا وسَببًا مِنْ أسبابِ التَّخَلُّفِ عن حُضورِ الجمُعةِ، ولا عن الصَّلواتِ الخَمسِ، فلا يَتخلَّفُ العَروسُ عن حُضورِ الجمُعةِ ولا عن الصَّلواتِ الخَمسِ في جَماعةٍ؛ إذ لا حَقَّ لِلزَّوجةِ في إقامةِ زَوجِها عندَها
стр. 1301
بحيثُ يُبيحُ ذلك تَخلُّفَه عن الجمُعةِ والجَماعةِ؛ إذ لا مَشقَّةَ في حُضورِه، ولا مَضَرَّةَ عليها؛ فلا وَجهَ لِلتَّخَلُّفِ.
لكنَّ الإمامَ مالِكًا خَفَّفَ لِلزَّوجِ تَركَ بعضِ الصَّلاةِ في الجَماعةِ؛ للاشتِغالِ بزَوجِه، والسَّعيِ إلى تَأنِّيها واستِمالَتِها.
قالَ الإمامُ مالِكٌ: ولا يُعجِبُني تَركُ العَروسِ الصَّلاةَ كلَّها، يَعني في الجَماعةِ، وخُفِّفَ له تَركُ بعضِها للاشتِغالِ بزَوجِه والجَريِ إلى تأنيسِها واستِمالَتِها، هذا فيما عدا الجمُعةَ التي شُهودُها فَرضٌ (١).
قال ابنُ بطَّالٍ ﵀: قالَ ابنُ حَبيبٍ: ويَخرُجُ إلى حَوائِجِه وصَلاتِه بِكرًا كانَت أو ثَيِّبًا، كانَت له زوجةٌ أُخرى أو لا. ورَوى ابنُ أبي أُوَيسٍ عن مالِكٍ، فيمَن دخلَ على امرأتِه لَيلَةَ الجمُعةِ، أيَتخَلَّفُ عن الجمُعةِ؟ قالَ: لا، تَزوَّج أميرُ المُؤمِنينَ المَهدِيُّ بالمَدينةِ، فخرَج إلى الصُّبحِ وغيرِها. ورَوى ابنُ القاسِمِ، عن مالِكٍ في العُتبِيَّةِ، قالَ: لا يَتخَلَّفُ العَروسُ عن الجمُعةِ، ولا عن حُضورِ الصَّلواتِ، وهو قولُ الشافِعيِّ. قالَ سُحنونُ: وقد قالَ بَعضُ النَّاسِ: لا يَخرُجُ، وذلك حَقٌّ لها بالسُّنةِ. قالَ المُؤلِّفُ: هذا على مَنْ تَأَوَّلَ إقامَتَه عندَ البِكرِ والثَّيِّبِ على العُمومِ، ومَن رَأى أن يَخرُجَ إلى الصَّلواتِ، تَأوَّل إقامَتَه عندَها على ما يجبُ لها مِنْ القِسمةِ والمَبيتِ دونَ غيرِها مِنْ أزواجِه، فليس ذلك بمانِعٍ له مِنْ حُضورِ الصَّلواتِ، كما يَفعلُ غيرُ العَروسِ
стр. 1302
في قِسمَتِه بينَ نِسائِه، وليس له التَّخلُّفُ عن الجَماعةِ (١).
قالَ الحَطَّابُ ﵀: قالَ ابنُ فَرحونَ: واختُلِفَ هل يَخرُجُ لِلصَّلاةِ ولِقَضاءِ حَوائِجِه، وأمَّا الجمُعةُ فهي عليه واجِبةٌ. انتَهى.
واختَارَ اللَّخمِيُّ أَنَّه لا يَخرُجُ لِصَلاةٍ ولا لِقَضاءِ حَوائِجِه، ونقلَه عنه ابنُ عَرفةَ فقالَ اللَّخمِيُّ عن ابنِ حَبيبٍ: يَخرُجُ يَتصَرَّفُ في حَوائِجِه، وإلى المَسجدِ، والعادةُ اليومَ ألَّا يَخرُجَ، ولا لِصَلاةٍ، وإن كانَ خلُوًّا مِنْ غيرِها، وعلى المَرأةِ بخُروجِه وَصمٌ، وأرى أن يَلزمَ العادةَ. انتَهى.
وما قالَه ظاهِرٌ، وظاهرُ كَلامِ المُصنِّفِ: كانَت له زَوجةٌ غيرُها أو لا، وهو الذي اختارَه اللَّخمِيُّ، كما تَقدَّم في كَلامِه (٢).
стр. 1303
فصل في أحكامِ الإمامةِ
الإمامةُ في اللُّغةِ: مَصدَرُ أَمَّ، يَؤُمُّ، وأصلُ مَعناها القَصدُ، وتَأتي بمَعنى التَّقَدُّمِ، يُقالُ: أَمَّهُم وأَمَّ بِهم: إذا تَقدَّمهم (١).
وفي اصطِلاحِ الفُقهاءِ تُطلَقُ الإمامةُ على مَعنيَينِ: الإمامةِ الصُّغرى، والإمامةِ الكُبرى، والذي يَعنينا الآنَ هو الإمامةُ الصُّغرى، وهي (إمامةُ الصَّلاةِ) فهي ارتِباطُ صَلاةِ المُصلِّي بمُصَلٍّ آخرَ، بشُرُوطٍ بيَّنها الشَّرعُ. فالإمامُ لا يَصيرُ إمامًا إلا إذا رَبَطَ المُقتَدِي صَلاتَه بصَلاتِه، وهذا الارتِباطُ هو حَقيقةُ الإمامةِ، وهو غايةُ الاقتِداءِ (٢).
وعرَّفها بَعضُهم بأنَّها: كَونُ الإمامِ مُتَّبعًا في صَلاتِه (٣) كلِّها، أو جُزءٍ منها.
стр. 1304
شُرُوطُ الإمامةِ:
يُشترَطُ لِصحَّةِ الإمامةِ الشُّروطُ التَّالِيةُ:
أ- الإسلامُ:
اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّه يُشترَطُ في الإمامِ أن يَكونَ مُسلِمًا؛ فلا تَصحُّ الصَّلاةُ خلفَ الكافرِ الذي يُعلِنُ كُفرَه (١).
ثم إنَّهم قدِ اختَلَفوا في إمامةِ الفاسِقِ:
فذَهب أبو حَنيفةَ والمالِكيَّةُ في الأصَحِّ عندَهم والشافِعيُّ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى صحَّةِ إمامةِ الفاسِقِ مع الكَراهَةِ؛ لمَا رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «صَلُّوا خلفَ مَنْ قالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» (٢)؛ لأنَّه رَجلٌ صَلاتُه صَحِيحَةٌ؛ فصحَّ الائتِمامُ به، كغيرِه، ولقولِه ﷺ : «صَلُّوا خلفَ كلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ» (٣)، وقد صلَّى ابنُ عمرَ وغيرُه خلفَ الحَجَّاجِ بنِ يُوسفَ، مع أنَّه كانَ أفسَقَ أهلِ زَمانِه، حتى كانَ عمرُ بنُ عَبد العَزيزِ يَقولُ: لو جاءَت كلُّ أُمَّةٍ
стр. 1305
بخَبِيثِها، وجِئنا بأبي مُحمَّدٍ، لَغَلَبناهم، وأبو مُحمدٍ كُنيَةُ الحَجَّاجِ.
وقالَ المالِكيَّةُ: هذا إذا كان فاسِقًا بجارِحةٍ، كزانٍ وشارِبِ مُغَيِّبٍ؛ لعُمومِ قولِه ﷺ : «يُصَلُّونَ لَكُم، فَإِنْ أَصَابُوا فلَكُم، وَإِنْ أَخطَؤُوا فلَكُم وَعليهم» (١). وحَديثُ عُبَيدِ اللهِ بنِ عَدِيِّ بنِ الخِيارِ أنَّه دخلَ على عُثمانَ بنِ عفَّانَ ﵁ وهو مَحصورٌ، فقالَ: إنَّكَ إمامُ عامَّةٍ، ونزلَ بِكَ ما نَرَى، ويُصلِّي لنا إمامُ فِتنةٍ ونَتحَرجُ. فقالَ: «الصَّلاةُ أَحسَنُ ما يَعمَلُ النَّاسُ، فإذا أَحسَنَ النَّاسُ فَأَحسِن معَهم، وإذا أَساؤُوا فَاجتَنِب إِسَاءَتَهم» (٢).
والمُعتَمدُ صحَّةُ الصَّلاةِ خلفَه، مع كَراهَتِها؛ إذ لم يتعلَّق فِسقُه بالصَّلاةِ؛ فإذا تَعلَّق فِسقُه بالصَّلاةِ بَطَلت، كقَصدِه الكِبرَ بالإمامةِ، وكإخلالِه برُكنٍ أو شَرطٍ أو سُنَةٍّ عَمدًا (٣).
قال الإمامُ الخرَشِيُّ ﵀: (ص) أو فاسِقًا بجَارِحةٍ. (ش) أي أنَّ صَلاةَ مَنِ اقتَدى بفاسِقٍ بجارِحةٍ باطِلةٌ. وظاهرُه سَواءٌ كانَ فِسقُه بارتِكابِ كَبيرةٍ لم تُكَفِّر، أو صَغيرةٍ. لكنَّ ابنَ بَزِيزةَ التَّابِعَ له المُؤلِّفُ قيَّد البُطلانَ بما إذا كانَ الفِسقُ بارتِكابِ كَبيرةٍ، فيُقَيَّدُ به كَلامُ المُؤلِّفِ، وسَواءٌ كانَتِ الكَبيرةُ لها تَعلُّقٌ بالصَّلاةِ، كالتَّهاوُنِ بها، أو بشُرُوطِها، أو لا، كزِنًا وغِيبةٍ وعُقوقٍ ودَفعِ دَرَاهِمَ لِزَوجَتِه تَدخلُ بها الحَمَّامَ مُتجرِّدةً مع نِساءٍ مُتجرِّداتٍ، وإمامٍ أو كاتِبٍ لِظالِمٍ، ثم إنَّ المُعتَمدَ صحَّةُ الصَّلاةِ خلفَ الفاسِقِ، كما في ابن غازيٍّ
стр. 1306
وغيرِه، وهو الذي يدلُّ عليه ما يَأتي مِنْ صحَّةِ الصَّلاةِ خلفَ المُبتَدِعِ، مع أنَّه قد وُجِدَ فيه قَولٌ بكُفرِه ممَّن يُعتَدُّ بقولِه، وإن كانَ خِلافَ الرَّاجحِ، ولم يَقع قَولٌ ممَّن يُعتَدُّ بقولِه بكُفرِ الفاسِقِ بجارِحةٍ، إلا تاركَ الصَّلاةِ عندَ الإمامِ أحمدَ، ومَن وافَقَه، وعلى المُعتمَدِ الاقتِداءُ به مَكروهٌ؛ حيثُ كانَ فِسقُه غيرَ مُتعلِّقٍ بالصَّلاةِ، كشُربِ خَمرٍ ونحوِه. وأمَّا ما تَعلَّق بها، كقَصدِ الكِبرِ بعُلُوِّه؛ فإنَّه يُمتنَعُ الاقتِداءُ به، ولا يَصحُّ. وفي قولِ مَنْ قالَ: إنَّ فاسِقَ الجارِحةِ أسوَأُ حالًا مِنْ فاسِقِ الاعتِقادِ بَحثٌ، انظُرِ استِدلالَه وَردَّه في شَرحِنا الكَبيرِ (١).
وذَهب الإمامُ أحمدُ في أشهَرِ الرِّوايَتَينِ عنه إلى عدمِ صحَّةِ إمامةِ الفاسِقِ، قالَ في الشَّرحِ الكَبيرِ: والفاسِقُ يَنقَسِمُ على قِسمَينِ: فاسِقٍ مِنْ جِهةِ الاعتِقادِ، وفاسِقٍ مِنْ جِهةِ الأفعالِ، فأمَّا الفاسِقُ مِنْ جِهةِ الاعتِقادِ فمَتى كانَ يُعلِنُ بِدعَتَه ويَتكلَمُ بها ويَدعو إليها ويُناظِرُ لم تَصحَّ إمامَتُه، وعلى مَنْ صلَّى وَراءَه الإعادةُ، قالَ أحمدُ: لا يُصلَّى خلفَ أحَدٍ مِنْ أهلِ الأهواءِ، إذا كانَ داعِيَةً إلى هَواهُ، وقالَ: لا يُصلَّى خلفَ المُرجِئِ، إذا كانَ دَاعِيَةً، وقالَ القاضي: وكذلك إن كانَ مُجتَهِدًا، يَعتقدُها بالدَّليلِ، كالمُعتَزِلةِ والقَدَريَّةِ وغُلاةِ الرَّافِضةِ؛ لأنَّهم يكفرونَ ببِدعَتِهم.
وإن لم يكن يُظهِرُ بِدعَتَه ففِي وُجوبِ الإعادةِ خلفَه رِوايَتانِ:
إحداهما: تَجِبُ الإعادةُ، كالمُعلِنِ بِدعَتَه، ولأنَّ الكافِرَ لا تَصحُّ الصَّلاةُ خلفَه، سَواءٌ أظهَرَ كُفرَه، أو أخفاه، كذلك المُبتَدِعُ، قالَ أحمدُ في رِوايةِ أبي
стр. 1307
الحارِثِ: لا يُصلَّى خلفَ مُرجِئٍ ولا رَافِضٍ ولا فاسِقٍ، إلا أن يَخافَهم فيُصلِّيَ، ثم يُعيدَ، وقالَ أبو داودَ: متى صلَّيتَ خلفَ مَنْ يَقولُ: القُرآنُ مَخلوقٌ، فأعِد.
والأُخرَى: تَصحُّ الصَّلاةُ خلفَه، قالَ الأثرَمُ: قُلتُ لِأبي عَبد اللهِ: الرَّافِضةُ الَّذينَ يَتكلَمونَ بما تَعرِفُ. قالَ: نَعم، آمُرُه أن يُعِيدَ. قيلَ له: وهكذا أهلُ البِدَعِ؟ قالَ: لا؛ لأنَّ منهم مَنْ يَسكُتُ، ومنهم مَنْ يَتكلَمُ. وقالَ: لا نُصَلِّي خلفَ المُرجِئِ إذا كان دَاعِيةً، فدلَّ على أنَّه لا يُعيدُ إذا لم يكن كذلك.
ووَجهُ القولِ الأوَّلِ: ما رَوى جابِرٌ قالَ: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «لَا تَؤُمَّنَّ امرَأَةٌ رَجلًا، ولَا يَؤُمَّ فَاجِرٌ مُؤمِنًا، إلا أَنْ يَقهَرَهُ بِسُلطَانٍ يَخَافُ سَيفَه وَسَوطَهُ» (١). وهذا أخَصُّ مِنْ حَديثِهم؛ فيَتعيَّنُ تَقديمُه، وحَديثُهم نَقُولُ به في الجُمَعِ والأعيادِ، ونُعيدُ.
وأمَّا الفاسِقُ مِنْ جِهةِ الأعمالِ، كالزَّاني، والذي يَشرَبُ ما يُسكِرُه، فرُويَ عنه أنَّه لا يُصلَّى خلفَه؛ فإنَّه قالَ: لا تُصَلِّ خلفَ فاجِرٍ ولا فاسِقٍ.
وقال أبو داودَ: سَمِعتُ أحمدَ يَسألُ عن إمامٍ قالَ: أُصَلِّي بِكم رَمضانَ بكَذا وكَذا دِرهمًا، قالَ: أسألُ اللهَ العافِيَةَ: مَنْ يُصلِّي خلفَ هذا؟ ورُويَ عنه أنَّه قالَ: لا يُصلَّى خلفَ مَنْ لا يؤدِّي الزَّكاةَ، ولا يُصلَّى خلفَ مَنْ يُشارِطُ، ولا بَأسَ أن يَدفَعَ إليه مِنْ غيرِ شَرطٍ، وهذا اختِيارُ ابنِ عَقيلٍ.
وعنه أنَّ الصَّلاةَ خلفَه جائِزةٌ، وهو مَذهبُ الشافِعيِّ؛ لقولِ النَّبيِّ
стр. 1308
ﷺ : «صَلُّوا خلفَ مَنْ قالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ» (١)؛ وكانَ ابنُ عمرَ يُصلِّي مع الحَجَّاجِ، وكانَ الحَسنُ والحُسَينُ وغيرُهما مِنْ الصَّحابَةِ يُصَلُّونَ مع مَروانَ، والَّذينَ كانوا في وِلايةِ زِيادٍ وابنِه كانوا يُصَلُّون معهما، وصَلوا وَراءَ الوَليدِ بنِ عُقبةَ، وقد شرِب الخَمرَ، فصارَ هذا إجماعًا، وعن أبي ذَرٍّ قالَ: قالَ لي رَسولُ اللهِ ﷺ : «كَيفَ أنتَ إذا كانَت عَلَيكَ أُمرَاءُ يُؤخِّرُونَ الصَّلاةَ عن وقتِهَا، أو يُمِيتُونَ الصَّلاةَ عن وقتِهَا؟ قالَ: قُلتُ: فمَا تَأمُرُنِي؟ قالَ: صَلِّ الصَّلاةَ لِوقتِهَا، فَإِنْ أَدرَكتَها معَهم فَصَلِّ؛ فإنَّها لكَ نَافِلَةٌ» (٢) رَواه مُسلِمٌ، وهذا فِعلٌ يَقتَضي فِسقَهم، ولأنَّه رَجلٌ تَصحُّ صَلاتُه لِنَفسِه، صحَّ الائتِمَامُ به، كالعَدلِ.
ووَجهُ الأُولى ما ذكَرنا مِنْ الحَديثِ، ولأنَّ الإمامةَ تَتضَمَّنُ حَملَ القِراءةِ ولا يُؤمَنُ تَركُه لها، ولا يُؤمَنُ تَركُ بعضِ شَرائِطِها، كالطَّهارَةِ، وليس ثَمَّ أمارةٌ، ولا عليه ظَنٌّ يُؤمِنُنا ذلك، والحَديثُ أجَبنا عنه، وفِعلُ الصَّحابةِ مَحمولٌ على أنَّهم خافوا الضَّرَرَ بتَركِ الصَّلاةِ معهم … وحَديثُ أبي ذَرٍّ يدلُّ على صحَّتِها نَافِلةً، والنِّزاعُ إنَّما هو في الفَرضِ، وأمَّا الجُمَعُ والأعيادُ فتُصلَّى خلفَ كلِّ بَرٍّ وفاجِرٍ، وقد كانَ أحمدُ يَشهَدُها مع المُعتَزِلةِ، وكذلك مَنْ كانَ مِنْ العُلماءِ في عَصرِه، وقد رُويَ أنَّ رَجلًا جاءَ مُحمدَ بنَ النَّضرِ فقالَ له: إنَّ لي جِيرانًا مِنْ أهلِ الأهواءِ، لا يَشهَدونَ الجمُعةَ. قالَ: حَسبُكَ، ما تَقُولُ فيمَن ردَّ على أبي بَكرٍ وعمرَ؟ قالَ: ذلك رَجلُ سُوءٍ. قالَ: فإن ردَّ
стр. 1309
على النَّبيِّ ﷺ ؟ قالَ: يكفرُ. قالَ: فإن ردَّ على العَلِيِّ الأعلَى؟ ثم غُشِيَ عليه، ثم أفاقَ، فقالَ: رُدُّوا عليه، والذي لا إلهَ إلا هوَ، فإنَّه قالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، وهو يَعلَمُ أنَّ بَني العَبَّاسِ سَيَلُونَها، ولأنَّ هذه الصَّلاةَ مِنْ شَعائرِ الإسلامِ الظاهِرةِ، ويَليها الأئمَّةُ دونَ غيرِهم، فتَركُها خلفَهم يَفي إلى تَركِها بالكلِّيَّةِ إذا ثَبت ذلك؛ فإنَّها تُعادُ خلفَ مَنْ يُعادُ خلفَه غيرُها، قياسًا عليها، هذا ظاهرُ المَذهبِ، وعنه أنَّه قالَ: مَنْ أعادَها فهو مُبتَدِعٌ، وهذا يدلُّ على أنَّها لا تُعادُ خلفَ فاسِقٍ ولا مُبتَدِعٍ؛ لأنَّها صَلاةٌ مَأمورٌ بها؛ فلَم تَجِب إعادَتُها، كسائرِ الصَّلواتِ (١).
وقال ابنُ رُشدٍ ﵀: وسَببُ اختِلافِهم في هذا -أي: في إمامةِ الفاسِقِ- أنَّه شَيءٌ مَسكوتٌ عنه في الشَّرعِ، والقياسُ فيه مُتعارِضٌ، فمَن رَأى أنَّ الفِسقَ لمَّا كانَ لا يُبطِلُ صحَّةَ الصَّلاةِ، ولم يكن يَحتاجُ المَأمومُ مِنْ إمامِه إلا صحَّةَ صَلاتِه فَقط، على قولِ مَنْ يَرى أنَّ الإمامَ يَحمِلُ عن المَأمومِ، أجازَ إمامةَ الفاسِقِ، ومَن قاسَ الإمامةَ على الشَّهادةِ، واتَّهَم الفاسِقَ أن يُصلِّيَ صَلاةً فاسِدةً؛ كما يُتَّهَمُ في الشَّهادةِ أن يَكذِبَ، لم يُجِز إمامَتَه، ولذلك فرَّق قَومٌ بينَ أن يَكونَ فِسقُه بتأويلٍ، أو بغيرِ تأويلٍ، وإلى قَريبٍ مِنْ هذا يَرجِعُ مَنْ فرَّق بينَ أن يَكونَ فِسقُه مَقطوعًا به، أو غيرَ مَقطوعٍ به؛ لأنَّه إذا كانَ مَقطوعًا به كانَ غيرَ مَعذورٍ في تَأويلِه، وقد رامَ أهلُ الظاهِرِ أن يُجيزوا
стр. 1310
إمامةَ الفاسِقِ بعُمومِ قولِه ﷺ : «يَؤُمُّ القَومَ أَقرَؤُهُم». قالوا: فلَم يَستَثنِ مِنْ ذلك فاسِقًا مِنْ غيرِ فاسِقٍ، والاحتِجاجُ بالعُمومِ في غيرِ المَقصودِ ضَعيفٌ، ومنهم مَنْ فرَّق: بينَ أن يَكونَ فِسقُه في شُرُوطِ صحَّةِ الصَّلاةِ، أو في أُمورٍ خارِجةٍ عن الصَّلاةِ، بِناءً على أنَّ الإمامَ إنَّما يُشترَطُ فيه وُقوعُ صَلاتِه صَحِيحةً (١).
ب- العَقلُ:
اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّه يُشترَطُ في الإمامِ أن يَكونَ عاقِلًا؛ فلا تَصحُّ إمامةُ السَّكرانِ، ولا إمامةُ المَجنونِ المُطبِقِ، ولا إمامةُ المَجنونِ غيرِ المُطبِقِ حالَ جُنونِه، وذلك لِعدمِ صحَّةِ صَلاتِهم لأنفُسِهم؛ فلا تُبنَى عليها صَلاةُ غيرِهم.
أمَّا الذي يُجَنُّ ويُفيقُ، فتَصحُّ إمامَتُه حالَ إفاقَتِه (٢).
ج- البُلوغُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في إمامةِ الصَّبِيِّ الذي لم يَبلُغِ الحُلُمَ إذا كانَ قارِئًا، هل تَصحُّ الصَّلاةُ خلفَه أو لا؟
فذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابلَةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يُشترَطُ لِصحَّةِ الإمامةِ في صَلاةِ الفَرضِ أن يَكونَ الإمامُ بالِغًا؛ فلا تَصحُّ إمامةُ صَبِيٍّ مُميِّزٍ لِبالِغٍ عندَهم؛ لأنَّ الإمامةَ حالُ كَمالٍ، والصَّبِيُّ ليس مِنْ
стр. 1311
أهلِ الكَمالِ، فلا يَؤُمُّ الرِّجالَ، كالمَرأةِ، ولأنَّه لا يُؤمَنُ مِنْ الصَّبِيِّ الإخلالُ بشَرطٍ مِنْ شَرائِطِ الصَّلاةِ أوِ القِراءةِ حالَ الإسرارِ، ولأنَّ الإمامَ ضامِنٌ، كما قالَ النَّبيُّ ﷺ : «الإِمَامُ ضَامِنٌ، وَالمُؤذِّنُ مُؤتَمَنٌ، اللَّهمَّ أَرشِدِ الأَئِمةَ، وَاغفِر لِلمُؤذِّنِينَ» (١)، وليس هو مِنْ أهلِ الضَّمانِ، ولأنَّ صَلاةَ الصَّبِيِّ نافِلةٌ، فلا يَجوزُ بِناءُ الفَرضِ عليها.
وذَهب الشافِعيَّةُ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يُشترَطُ في الإمامِ البُلوغُ؛ فتَصحُّ إمامَةُ الصَّبِيِّ المُميِّزِ.
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: كلُّ صَبيٍّ صحَّت صَلاتُه، صحَّت إمامَتُه، في غيرِ الجمُعةِ، بِلا خِلافٍ عندَنا، وفي الجمُعةِ قَولانِ: أصحُّهما: الصِّحَّةُ؛ لعُمومِ قولِ النَّبيِّ ﷺ : «يَؤُمُّ القَومَ أَقرَؤُهُم لِكتابِ اللَّهِ تَعالَى» (٢). والصَّبِيُّ داخِلٌ في عُمومِه، وبحَديثِ عَمرِو بنِ سَلمةَ الجَرمِيِّ، وفيه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لهم: «فإذا حَضرَتِ الصَّلاةُ فَليُؤذِّن أَحدُكم، وَليَؤُمَّكُم أَكثَرُكُم قُرآنًا»، فَنَظَرُوا، فلم يكن أَحدٌ أكثرَ قُرآنًا مِنِّي، لمَا كُنْتُ أَتَلقَّى مِنْ الرُّكبانِ، فقدَّمُونِي بينَ أَيدِيهِم وأنا ابنُ سِتٍّ، أو سَبعِ سِنِينَ (٣)؛ ولأنَّه يُؤذِّنُ لِلرِّجالِ، فجازَ أن يَؤُمَّهُم، كالبالِغِ، إلا أنَّهم قالوا: البالِغُ أولَى مِنْ الصَّبِيِّ، وإن كانَ الصَّبِيُّ أقرَأَ أو أفقَهَ؛ لِصحَّةِ الاقتِداءِ بالبالِغِ بالإجماعِ، ولهذا نُصَّ في البُوَيطِيِّ على كَراهةِ الاقتِداءِ بالصَّبِيِّ.
стр. 1312
أمَّا في صَلاةِ النَّوافِلِ، كالتَّراويحِ وغيرِها، فتَصحُّ إمامةُ المُميِّزِ لِلبالِغِ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ (المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابلَةِ في قَولٍ، وبعضِ الحَنفيَّةِ)؛ لأنَّه لا يَلزمُ منها بِناءُ القَويِّ على الضَّعيفِ، ولأنَّ النافِلةَ يَدخلُها التَّخفيفُ، ولذلك تَنعقِدُ الجَماعةُ به فيها إذا كان مَأمومًا.
وذَهب الحَنابلَةُ في رِوايةٍ وهو المُختارُ عندَ الحَنفيَّةِ إلى عدمِ جَوازِ إمامةِ المُميِّزِ لِلبالِغِ مُطلَقًا؛ لأنَّ نَفلَ الصَّبيِّ دونَ نَفلِ البالِغِ؛ حيثُ لا يَلزمُه القَضاءُ بالإفسادِ، ولا يبنى القَويُّ على الضَّعيفِ.
أمَّا إمامةُ الصَّبيِّ المُميِّزِ لِمِثلِه فجائِزةٌ في الصَّلواتِ الخَمسِ وغيرِها عندَ جَميعِ الفُقهاءِ (١).
د- الذُّكورةُ:
اتَّفق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ وغيرُهم على أنَّه يُشترَطُ لِإمامةِ الرِّجالِ في الفَرضِ الذُّكورةُ؛ فلا تَصحُّ إمامةُ المَرأةِ لِلرِّجالِ في الفَرضِ؛ لقولِ النَّبيِّ
стр. 1313
ﷺ : «أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حيثُ أَخرَهُنَّ اللهُ» (١). والأمرُ بتَأخيرِهنَّ نَهيٌ عن الصَّلاةِ خلفَهنَّ، ولمَا رَوى جابِرٌ مَرفوعًا: «لَا تَؤُمَّنَّ امرَأَةٌ رَجلًا» (٢)؛ ولأنَّ في إمامَتِها لِلرِّجالِ افتِتانًا بها.
وقد نقلَ ابنُ حَزمٍ الإجماعَ على عدمِ جَوازِ إمامةِ المَرأةِ لِلرِّجالِ، فقالَ: واتَّفَقُوا أنَّ المَرأةَ لا تَؤُمُّ الرِّجالَ، وهم يَعلَمونَ أنَّها امرأةٌ، فإن فَعَلوا فصَلاتُهم فاسِدةٌ بالإجماعِ (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأجمَعوا على أنَّه لا يَجوزُ إمامةُ المَرأةِ لِلرِّجالِ في الفَرائِضِ (٤).
إلا أنَّهم قدِ اختَلَفوا في جَوازِ إمامَتِها بهم في صَلاةِ التَّراويحِ خاصَّةً، فمنعَ ذلك الجُمهورُ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ في المَذهبِ.
قالَ النَّوويُّ ﵀: اتَّفق أصحابُنا على أنَّه لا تَجوزُ صَلاةُ رَجلٍ بالِغٍ، ولا صَبِيٍّ خلفَ امرأةٍ، حَكاه عنهم القاضي أبو الطَّيِّبِ، والعَبدَرِيُّ، ولا خُنثَى خلفَ امرأةٍ، ولا خُنثى، لمَا ذكرَه المُصَنِّفُ، وتَصحُّ صَلاةُ المَرأةِ
стр. 1314
خلفَ الخُنثَى، وسَواءٌ في مَنعِ إمامةِ المَرأةِ لِلرِّجالِ صَلاةُ الفَرضِ وصَلاةُ التَّراويحِ، وصَلاةُ سائرِ النَّوافِلِ، هذا مَذهبُنا، ومَذهبُ جَماهيرِ العُلماءِ مِنْ السَّلفِ والخَلَفِ، ﵏، وحَكاه البَيهَقيُّ عن الفُقهاءِ السَّبعةِ، فُقهاءِ المَدينةِ التَّابِعينَ، وهو مَذهبُ مالِكٍ وأبي حَنيفةَ وسُفيانَ وأحمدَ وداودَ. وقالَ أبو ثَورٍ والمُزنيُّ وابنُ جَريرٍ: تَصحُّ صَلاةُ الرِّجالِ وَراءَها، حَكاه عنهم القاضي أبو الطَّيِّبِ والعَبدَرِيُّ، وقالَ الشَّيخُ أبو حامِدٍ: مَذهبُ الفُقهاءِ كافَّةً أنَّه لا تَصحُّ صَلاةُ الرِّجالِ وَراءَها، إلا أبا ثَورٍ، واللهُ أعلَمُ (١).
وذَهب الإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ عنه إلى جَوازِ إمامَتِها في التَّراويحِ بشَرطِ أن تَكونَ مُتأخِّرةً عن الرِّجالِ وتُصَلِّيَ خلفَهم.
قالَ في «الإنصافِ»: ولا تَصحُّ إمامةُ المَرأةِ لِلرِّجالِ، هذا المَذهبُ مُطلَقًا، وعنه: تَصحُّ في النَّفلِ … وعنه: تَصحُّ في التَّراويحِ، نصَّ عليه، وهو الأشهَرُ عندَ المُتقدِّمِينَ. قالَ الزَّركَشِيُّ: مَنصوصُ أحمدَ واختيارُ عامَّةِ الأصحابِ: يَجوزُ أن تَؤُمَّهم في صَلاةِ التَّراويحِ (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: قالَ بَعضُ أصحابِنا: يَجوزُ أن تَؤُمَّ الرِّجالَ في التَّروايحِ، وتَكونُ وَراءَهم؛ لمَا رُويَ عن أُمِّ وَرَقةَ بِنتِ عَبد اللهِ بنِ الحارِثِ: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ جعلَ لَهَا مُؤذِّنًا يُؤذِّنُ لَهَا، وَأَمرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهلَ دَارِهَا» (٣). وهذا عامٌّ في الرِّجالِ والنِّساءِ.
стр. 1315
قالَ -أي: ابنُ قُدامةَ ﵀ -: ولَنا: قولُ النَّبيِّ ﷺ : «لَا تَؤُمَّنَّ امرَأَةٌ رَجلًا»، ولأنَّها لا تُؤَذِّنُ لِلرِّجالِ، فلم يَجُز أن تؤُمَّهم، كالمَجنونِ، وحَديثُ أُمِّ وَرقةَ إنَّما أذِنَ لها أن تَؤُمَّ نِساءَ أهلِ دارِها. كذا رَواهُ الدَّارقُطنيُّ، وهذه زِيادةٌ يجبُ قَبولُها، ولو لم يَذكُر ذلك لتَعيَّن حَملُ الخَبرِ عليه؛ لأنَّه أذِنَ لها أن تَؤُمَّ في الفرائِضِ، بدَليلِ أنَّه جعلَ لها مُؤذِّنًا، والأذانُ إنَّما يُشرعُ في الفَرائِضِ، ولا خِلافَ في أنَّها لا تَؤُمُّهم في الفَرائِضِ، ولأنَّ تَخصيصَ ذلك بالتَّراويحِ، واشتِراطَ تأخُّرِها، تَحكُّمٌ يُخالِفُ الأُصولَ بغيرِ دَليلٍ، فلا يَجوزُ المَصيرُ إليه، ولو قُدِّرَ ثُبوتُ ذلك لِأُمِّ وَرَقةَ لكان خاصًّا بها (١).
وقالَ الزَّركشيُّ ﵀: (وأمَّا المَرأةُ) فلا يَجوزُ أن تَؤُمَّ رَجلًا، ولا خُنثَى مُشكِلًا؛ لمَا رَوى جابِرٌ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «لَا تَؤُمَّنَّ امرَأَةٌ رَجلًا»، رَواهُ ابنُ ماجه، والخُنثَى يَحتَمِلُ أن يَكونَ رَجلًا، ويَصحُّ أن يَؤُمَّ المَرأةَ، كما نصَّ عليه الخرقِيُّ بَعدُ.
وكَلامُه يَشمَلُ الفَرضَ والنَّفلَ، ولا نِزاعَ في الفَرضِ، أمَّا في النَّفلِ فظاهرُ كَلامِ الخرقِيِّ أيضًا المَنعُ، وهو رِوايةٌ حَكاها ابنُ أبي موسى، وهو اختِيارُ أبي الخطَّابِ وأبي مُحمدٍ، عمَلًا بإطلاقِ الحَديثِ، ومَنصوصُ أحمدَ في
стр. 1316
رِوايةِ المَروذِيِّ، وهو اختِيارُ عامَّةِ الأصحابِ أنَّها يَجوزُ أن تَؤُمَّهم في صَلاةِ التَّراويحِ، وتَكونُ وَراءَهم.
لمَا رُويَ أنَّ أُمَّ وَرقةَ سألت رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَت: «إنِّي أُصَلِّي ويُصلِّي بصَلاتي أهلُ دارِي ومَوالِيَّ، وفيهم رِجالٌ ونِساءٌ، يُصَلُّونَ بقِراءَتي، ليس معهم قُرآنٌ. فقالَ: «قَدِّمي الرِّجالَ أمامَكِ، وقُومي مع النِّساءِ، ويُصَلُّونَ بصَلاتِكِ»، رَواهُ المَروذِيُّ بإسنادِه، ورَواه أبو داودَ، ولَفظُه: «وكانَت قَرَأتِ القُرآنَ، واستَأذَنَتِ النَّبيَّ ﷺ أن تَتَّخِذَ في دارِها مُؤذِّنًا، فأذِنَ لها، وأمرَها أن تَؤُمَّ أهلَ دارِها» مُختصَرٌ.
(وشَرطُ هذه المَسألةِ) أن تَكونَ قارِئةً، وهُم أُمِّيُّونَ، أو يُحسِنونَ الفاتِحةَ أو شَيئًا يَسيرًا معها، وقالَ القاضي في الخِلافِ: إنَّما تَجوزُ إمامَتُها في القِراءةِ خاصَّةً، دونَ بَقيَّةِ الصَّلاةِ. مُعتمِدًا على ما رَواهُ أبو طالِبٍ عنه، قالَ: تَؤُمُّ المَرأةُ الرَّجلَ، والمَرأةُ تَقرَأُ، فإذا قَرَأت رَكَعَ ورَكَعَت، يَكونُ هذا في التَّطوُّعِ، ولا يَكونُ في الفَرضِ. قالَ القاضيِ: فقدَّم رُكوعَه على رُكوعِها، فعُلم أنَّه الإمامُ فيه، وذلك لأنَّ هذا مَقصودُ الرُّخصةِ [انتَهى]. وهل حكمُ غيرِ التَّراويحِ مِنْ النَّفلِ حكمُها، قياسًا عليها، وهو ظاهرُ رِوايةِ أبي طالِبٍ، أو يَختَصُّ ذلك بالتَّراويحِ، وهو ظاهرُ رِوايةِ المَروذِيِّ، واختيارُ القاضي في المُجرَّدِ، لِلحاجةِ إلى استِماعِ القُرآنِ في الصَّلاةِ؟ فيه قَولانِ (١).
وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ ﵀: قد نصَّ أحمدُ على ما مَضَت به
стр. 1317
السُّنةُ في حَديثِ أُمِّ وَرَقةَ الأنصاريةِ: أنَّ المَرأةَ تَؤُمُّ الرِّجالَ عندَ الحاجةِ، كقيامِ رَمضانَ، إذا كانَت تَقرَأُ وَهُمْ لا يَقرؤُونَ، وتَقِفُ خلفَهم؛ لأنَّ المَرأةَ لا تَقِفُ في صَفِّ الرِّجالِ، ولا تَكونُ أمامَهم (١).
إلاَّ أنَّهم اختَلَفوا في إمامة المرأةِ للنِّساءِ: هل تَصحُّ أو لا؟
فذَهب المالِكيَّةُ إلى أنَّه يُشترَطُ في الإمامِ أن يَكونَ ذَكَرًا؛ فلا تَصحُّ إمامةُ المَرأةِ، سَواءٌ أَمَّت رِجالًا أو نِساءً في فَريضةٍ أو نافِلةٍ؛ لأنَّ الإمامةَ مِنْ بابِ الوِلايةِ. وثَبت عنه ﷺ أنَّه قالَ: «لن يُفلِحَ قَومٌ وَلَّوا أمرَهمُ امرَأةً»؛ ولأنَّ كلَّ مَنْ لم يَصحَّ أن يَكونَ إمامًا لِلرِّجالِ لم يَصحَّ أن يَكونَ إمامًا لِلنِّساءِ، كالمَجنونِ والصَّبِيِّ (٢).
وذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ واللَّخمِيُّ مِنْ المالِكيَّةِ إلى جَوازِ إمامةِ المَرأةِ لِلنِّساءِ، واستدَلُّوا بحَديثِ أُمِّ وَرَقةَ السابقِ، لكن كَرِهَ الحَنفيَّةُ والإمامُ أحمدَ في رِوايةٍ إمامَتَها لَهنَّ؛ لأنَّها لا تَخلو مِنْ نَقصِ واجِبٍ أو مَندوبٍ، فإنَّه يُكرَه لَهنَّ الأذانُ والإقامةُ، ويُكرَهُ تَقدُّمُ المَرأةِ الإمامةِ عليهِنَّ، فإذا صلَّتِ النِّساءُ صَلاةَ الجَماعةِ بإمامةِ امرأةٍ وقفَت وَسَطَهُنَّ، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: لا نَعلمُ فيه خِلافًا بينَ مَنْ رَأى لها أن تَؤمَّهُنَّ، ولأنَّ المَرأةَ يُستحبُّ لها السَّترُ، ولذلك لا يُستحبُّ لها التَّجافي، وكَونُها في وَسَطِ الصَّفِّ أستَرُ لها؛ لأنَّها تَستَتِرُ بهِنَّ مِنْ جانِبَيها؛ فاستُحِبَّ لها
стр. 1318
ذلك، كالعُريانِ، فإن صلَّت بينَ أيديهِنَّ احتَمَلَ أن يَصحَّ؛ لأنَّه مَوقِفٌ في الجُملةِ، ولهذا كانَ مَوقِفًا لِلرِّجالِ، واحتَمَلَ ألَّا يَصحَّ؛ لأنَّها خالَفَت مَوقِفَها، أشبَهَ ما لو خالَفَ الرَّجلُ مَوقِفَه (١).
وقالَ اللَّخمِيُّ ﵀: فأمَّا إمامَتُها النِّساءَ، فالصَّوابُ جَوازُها ابتِداءً، عندَ عدمِ مَنْ يَؤُمُّهُنَّ مِنْ الرِّجالِ، وذلك أحسَنُ مِنْ صَلاتِهنَّ أفذاذًا، ويُكرَه مع وُجودِ مَنْ يَؤُمُّهُنَّ مِنْ الرِّجالِ، فإن فَعَلنَ أجزَأَت صَلاتُهنَّ؛ لتَساوِي حالِهنَّ؛ ولأنَّه لم يأتِ أثَرٌ عن النَّبيِّ ﷺ بمَنعِ إمامَتِهنَّ (٢).
وقال ابنُ رُشدٍ ﵀: اختَلَفوا في إمامةِ المَرأةِ، فالجُمهورُ على أنَّه لا يَجوزُ أن تَؤُمَّ الرِّجالَ، واختَلَفوا في إمامَتِها النِّساءَ، فأجازَ ذلك الشافِعيُّ، ومنعَ ذلك مالِكٌ، وشَذَّ أبو ثَورٍ والطَّبريُّ، فأجازا إمامَتَها على الإطلاقِ، وإنَّما اتَّفق الجُمهورُ على مَنعِها أن تَؤُمَّ الرِّجالَ؛ لأنَّه لو كانَ جائِزًا لَنُقِلَ ذلك عن الصَّدرِ الأوَّلِ، ولأنَّه أيضًا لمَّا كانَت سُنَّتُهنَّ في الصَّلاةِ التأخيرَ عن الرِّجالِ، عُلم أنَّه ليس يَجوزُ لَهنَّ التَّقَدُّمُ عليهم؛ لقولِه ﵊: «أخِّرُوهُنَّ حيثُ أخرَهُنَّ اللهُ»، ولذلك أجازَ بَعضُهم إمامَتَها النِّساءَ؛ إذا كُنَّ مُتَساوِياتٍ في المَرتَبةِ في الصَّلاةِ، مع أنَّه أيضًا نُقِلَ ذلك عن بعضِ الصَّدرِ الأوَّلِ.
стр. 1319
ومَن أجازَ إمامَتَها فإنَّما ذَهب إلى ما رَواه أبو داودَ مِنْ حَديثِ أُمِّ وَرَقةَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ يَزورُها في بَيتِها، وجعلَ لها مُؤذِّنًا يُؤذِّنُ لها، وأمرَها أن تَؤُمَّ أهلَ دارِها (١).
إمامةُ المتَيمِّمِ لِلمُتوضِّئِ (وإمامةُ أصحابِ الأعذارِ):
اتَّفق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على جَوازِ صَلاةِ غاسِلِ الرِّجلِ خلفَ ماسِحِ الخُفِّ، وجَوازِ صَلاةِ المُتوضِّئِ خلفَ مُتَيَمِّمٍ لا يَلزمُه القَضاءُ، بأن يَتَيَمَّمَ في السَّفرِ أو في الحَضرِ؛ لِمرَضٍ وجِراحةٍ ونحوِهما.
قالَ النَّوويُّ ﵀: وهذا باتِّفاقٍ، فإن صلَّى خلفَ مُتيمِّمٍ يَلزمُه القَضاءُ: كمُتيمِّمٍ في الحَضرِ، ومَن لم يَجِد ماءً ولا تُرابًا، أو أمكَنَه تَعلُّمُ الفاتِحةِ، فقصرَ وصلَّى؛ لِحُرمَةِ الوقتِ، أو صلَّى مَربوطًا على خَشَبةٍ، أو مَحبوسًا في مَوضِعٍ نَجِسٍ، أو عارِيًا، وقُلنا: تَجِبُ عليهمُ الإعادةُ، آثِمٌ ولزِمه الإعادةُ؛ لأنَّ صَلاةَ إمامِه غيرُ مُجزِئةٍ؛ فهو كالمُحدِثِ.
ولو صلَّى مَنْ لم يَجِد ماءً، ولا تُرابًا خلفَ مِثلِه، لزِمه الإعادةُ على الصَّحِيحِ.
وأمَّا صَلاةُ الطَّاهِرةِ خلفَ مُستَحاضَةٍ غيرِ مُتحيِّرةٍ، وصَلاةُ سَليمٍ خلفَ سَلِسِ البَولِ أو المَذيِ، ومَن به جُرحٌ سائِلٌ، ففيها وَجهانِ مَشهورانِ: الصَّحيحُ: الصِّحَّةُ، واستدَلُّوا لِلصِّحَّةِ بِالقِياسِ على مَنْ صلَّى خلفَ
стр. 1320
مُستَجمرٍ بالأحجارِ، أو بمَن على ثَوبِه أو بَدنِه نَجاسةٌ يُعفَى عنها؛ فإنَّ اقتِداءَه صَحِيحٌ بالاتِّفاقِ (١).
وهذا الذي ذَهب إليه الشافِعيَّةُ مِنْ صحَّةِ إمامةِ مَنْ به سَلسُ بَولٍ أو به مَذيٌ أو غيرُ ذلك مِنْ أهلِ الأعذارِ، هو المَشهورُ عندَ المالِكيَّةِ؛ لأنَّ الأحداثَ إذا عُفِيَ عنها في حقِّ صاحِبِها، عُفِيَ عنها في حقِّ غيرِه.
أمَّا الحَنفيَّةُ والحَنابلَةُ وقَولٌ ضَعيفٌ عندَ الشافِعيَّةِ فقالوا: يُشترَطُ في الإمامِ إذا كانَ يَؤُمُّ الأصحَّاءَ أن يَكونَ سالِمًا مِنْ الأعذارِ؛ لأنَّ أصحابَ الأعذارِ يُصلُّونَ مع الحَدثِ حَقيقةً، وإنَّما تَجوزُ صَلاتُهم لِعُذرٍ، ولا يَتعدَّى العُذرُ لغيرِهم؛ لِعدمِ الضَّرورةِ؛ ولأنَّ الإمامَ ضَامِنٌ، بمَعنى أنَّ صَلاتَه تَضمَنُ صَلاةَ المُقتَدي، والشَّيءُ لا يَضمَنُ ما هو فوقَه (٢).
وأمَّا إمامةُ صاحِبِ العُذرِ لِمِثلِه فجائِزةٌ باتِّفاقِ الفُقهاءِ مُطلَقًا إنِ اتَّحَد عُذرُهما (٣).
هـ- القُدرةُ على القِراءةِ:
يُشترَطُ في الإمامِ أن يَكونَ قادِرًا على القِراءةِ، وحافِظًا مِقدارَ ما يَتوقَّفُ
стр. 1321
عليه صحَّةُ الصَّلاةِ؛ فلا تَصحُّ إمامةُ الأُمِّيِّ (١) والأرَتِّ (٢) والألثَغِ (٣) والأخرَسِ لِلقارِئِ.
قالَ النَّوويُّ ﵀: فهذا الأُمِّيُّ والأرَتُّ والألثَغُ: إن كانَ تَمكَّنَ مِنْ التَعلُّمِ فصَلاتُه في نَفسِه باطِلةٌ، فلا يَجوزُ الاقتِداءُ به، بلا خِلافٍ، وإن لم يَتمكَّن بأن كانَ لِسانُه لا يُطاوِعُه، أو كانَ الوقتُ ضَيِّقًا، ولم يَتمكَّن قبلَ ذلك، فصَلاتُه في نَفسِه صَحِيحةٌ، فإنِ اقتَدَى به مَنْ هو في مِثلِ حالِه، صحَّ اقتِداؤُه بالاتِّفاقِ؛ لأنَّه مِثلُه؛ فصَلاتُه صَحِيحةٌ، وإنِ اقتَدَى به قارِئٌ لا يَحفَظُ الفاتِحةَ كلَّها، أو يَحفَظُ منها شَيئًا لا يَحفَظُه الأُمِّيُّ، ففيه قَولانِ مَنصوصٌ عليهما، وثالِثٌ مُخرَجٌ: أصحُّهما -وهو الجَديدُ-: لا يَصحُّ الاقتِداءُ به … والقَديمُ: إن كانَت صَلاةً جَهريَّةً لم تَصحَّ، وإن كانَت سِريَّةً صحَّت، والثَّالثُ المُخرَج: أنَّه يَصحُّ مُطلَقًا، قالَ: واتَّفق المُصَنِّفونَ على أنَّ الصَّحيحَ بُطلانُ الاقتِداءِ، وهو مَذهبُ مالِكٍ وأبي حَنيفَةَ وأحمدَ وغيرِهم.
فعَلى هذا إذا صلَّى القارِئُ خلفَ أُمِّيٍّ بطَلت صَلاةُ المَأمومِ، وصحَّت صَلاةُ الإمامِ، وكذا المَأمومونَ الأُمِّيُّونَ. هذا مَذهبُنا، ومَذهبُ أحمدَ.
وقال أبو حَنيفَةَ ومالِكٌ: تبطُلُ صَلاةُ الإمامِ والمَأمومِ والقارِئِ والأُمِّيِّ؛
стр. 1322
لأنَّه أمكَنَه الصَّلاةُ خلفَ قارِئٍ؛ فبطَلت صَلاتُه؛ لِتَركِ قِراءةٍ قدَر عليها.
واحتَجَّ أصحابُنا بأنَّه اقتَدَى به مَنْ لا يَجوزُ اقتِداؤُه؛ فلم تبطُل صَلاةُ الإمامِ بسَببِ اقتِداءِ المَأمومِ؛ كما لو صلَّتِ امرأةٌ برِجالٍ (١).
وتُكرَهُ إمامةُ الفَأفاءِ (وهو مَنْ يُكرِّرُ الفاءَ) والتَّمتامِ (وهو مَنْ يُكرِّرُ التَّاءَ)، واللَّاحِنِ لَحنًا غيرَ مُغيِّرٍ لِلمَعنى، عندَ الشافِعيَّةِ والحَنابلَةِ، وقالَ الحَنفيَّةُ: الفَأفَأةُ والتَّمتَمةُ، واللُّثغَةُ (وهي تَحَرُّكُ اللِّسانِ مِنْ السِّينِ إلى الثَّاءِ، أو مِنْ الرَّاءِ إلى الغَينِ، ونحوِهما) تَمنَعُ مِنْ الإمامةِ (٢).
أمَّا المالِكيَّةُ فعندَهم سِتَّةُ أقوالٍ في هذا، قالَ في الشَّرحِ الصَّغيرِ: (و) صحَّت (بلَحنٍ) في القِراءةِ (ولو بالفاتِحةِ) إن لم يَتعَمَّد، (وأثِمَ) المُقتَدِي به (إن وجدَ غيره) ممَّن يُحسِنُ القِراءةَ، وإلَّا فلا، (وَ) صحَّت (بغيرِ) أي: بقِراءةِ غيرِ (مُميِّزٍ بينَ كَضادٍ وظاءٍ) بالمُعجَمتَينِ، كما في لُغةِ بعضِ العَرَبِ الَّذينَ يَقلِبونَ الضَّادَ ظاءً، وأُدخِلَتِ الكافُ، وكذلكَ مَنْ يَقلِبُ الحاءَ المُهمَلةَ هاءً، أو الرَّاءَ لَامًا، أو الضَّادَ دَالًا، كما في بعضِ الأعاجِمِ (لَا) تَصحُّ (إن تعمَّد) اللَّحنَ، أو تَبديلَ الحُروفِ بغيرِها؛ فلا يَصحُّ الاقتِداءُ به.
стр. 1323
قالَ في «بُلغةِ السَّالِكِ»: قولُه: (وَصحَّت بلَحنٍ … ) إلخ، أي: غَيَّرَ المَعنى أو لا، وهذا القولُ هو أحَدُ أقوالٍ سِتَّةٍ، الثاني: تبطُلُ باللَّحنِ مُطلَقًا، الثَّالثُ: باللَّحنِ في الفاتِحةِ، الرابِعُ: إن غَيَّرَ المَعنى، الخامِسُ: الكَراهةُ عندَ ابنِ رُشدٍ، السادِسُ: الجَوازُ (١).
وقالَ القاضي عَبدُ الوهَّابِ المالِكيُّ ﵀: لا يَصحُّ أن يَكونَ الأُمِّيُّ إمامًا لِلقارِئِ؛ خِلافًا لِأحَدِ قولَيِ الشافِعيِّ، والكَلامُ فيه في فَصلَينِ:
أحَدُهما: أنَّ القارِئَ لا تَنعقِدُ له صَلاةٌ.
الآخَرُ: أنَّ الأُمِّيَّ لا تَنعقِدُ له صَلاةٌ أيضًا مع وُجودِ قارِئٍ يُمكِنُه أن يَأتَمَّ به.
ودَليلُنا على الفَصلِ الأوَّلِ قولُه ﷺ : «الإمامُ ضامِنٌ». وذلك يَقتَضي أن يَكونَ نائِبًا عن المَأمومِ في القِراءةِ، وذلك لا يَصحُّ في الأُمِّيِّ؛ لقولِه: «يَؤُمُّ القَومَ أقرَؤُهم لِكتابِ اللهِ»، وهذا يَنفي إمامةَ الأُمِّيِّ، ولأنَّ ذلك يؤدِّي إلى أحَدِ أمرَينِ مَمنوعَينِ: إمَّا أن يُسقِطَ القِراءةَ عن المَأمومِ؛ فيَحصلَ فيه جَوازُ صَلاةِ بغيرِ قِراءةٍ، لا مِنْ المَأمومِ ولا مِنْ الإمامِ، أو تَلزَمه؛ فيَحصلَ فيه أنَّ الائتِمامَ لا يُؤثِّرُ في سُقوطِ القِراءةِ، وذلك بخِلافِ مُقتَضى الإمامةِ.
ودَليلنا على بُطلانِ صَلاةِ الأُمِّيِّ مع وُجودِ القارِئِ أنَّ الأُمِّيَّ إذا علِم بأنَّ خلفَه قارِئًا فهو يُمكِنُه أن يؤدِّيَ صَلاتَه بقِراءةٍ، بأن يَأتَمَّ بهذا القارِئِ، فيَتحمَّلَ عنه القِراءةَ، فإذا تركَ الائتِمَامَ به صارَ بمَنزِلةِ القارِئِ إذا صلَّى بغيرِ القِراءةِ؛ فلا يَجوزُ (٢).
стр. 1324
وسُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ ﵀: هل مَنْ يَلحَنُ في الفاتِحةِ تَصحُّ صَلاتُه أو لا؟
الجَوابُ: أمَّا اللَّحنُ في الفاتِحةِ، الذي لا يُحيلُ المَعنى، فتَصحُّ صَلاةُ صاحِبِه، إمامًا أو مُنفرِدًا، مثلَ أن يَقولَ: رَبِّ العالَمِينَ، وَالضَّالِّينَ، ونحوَ ذلك.
وأمَّا ما قُرِئَ به مِثلَ: الحَمدُ لِلَّهِ رَبَّ، ورَبِّ، ورَبُّ، ومثلَ: الحَمدُ لِلَّهِ، وَالحَمدِ لِلَّهِ، بِضَمِّ الدَّالِ، أَوْ بِكَسرِ الدَّالِ، ومثلَ: عليهم، وَعَلَيهَم، وَعَلَيهُم، ومِثلَ ذلك، فهذا لا يُعَدُّ لَحنًا.
وأمَّا اللَّحنُ الذي يُحيلُ المَعنى: إذا علِم صاحِبُه مَعناه، مثلَ أن يَقولَ: (صِرَاطَ الَّذينَ أَنعَمتُ عليهم)، وهو يَعلَمُ أنَّ هذا ضَميرُ المُتكَلِّمِ، لا تَصحُّ صَلاتُه، وإن لم يَعلَم أنَّه يُحيلُ المَعنى، واعتَقَدَ أنَّ هذا ضَميرُ المُخاطَبِ، ففيه نِزاعٌ، واللهُ أعلَمُ (١).
وسُئلَ أيضًا في رَجلٍ إمامِ بَلَدٍ وليس هو مِنْ أهلِ العَدالةِ، وفي البَلَدِ رَجلٌ آخَرُ يَكرَهُ الصَّلاةَ خلفَه، فهل تَصحُّ صَلاتُه خلفَه أو لا؟ وإذا لم يُصلِّ خلفَه وتركَ الصَّلاةَ مع الجَماعةِ فهل يأثَمُ بذلك؟ والذي يَكرَهُ الصَّلاةَ خلفَه يَعتقدُ أنَّه لا يُصحِّحُ الفاتِحةَ وفي البَلَدِ مَنْ هو أقرَأُ منه وأفقَهُ؟
الجَوابُ: الحَمدُ للهِ، أمَّا كَونُه لا يُصحِّحُ الفاتِحةَ، فهذا بَعيدٌ جِدًّا، فإنَّ عامةَ الخَلقِ مِنْ العامَّةِ والخاصَّةِ يَقرؤُونَ الفاتِحةَ قِراءةً تُجزِئُ بها الصَّلاةُ،
стр. 1325
فإنَّ اللَّحنَ الخَفيَّ واللَّحنَ الذي لا يُحيلُ المَعنى، لا يُبطِلُ الصَّلاةَ، وفي الفاتِحةِ قِراءاتٌ كَثيرةٌ قد قُرِئَ بها.
فلو قرأَ: (عليهِم)، وَ (عَلَيهُم)، وَ (عَلَيهُمُ)، أَوْ قرأَ: (الصِّرَاطَ)، وَ (السِّرَاطَ)، وَ (الزِّرَاطَ)؛ فهذه قِراءاتٌ مَشهورةٌ.
ولو قرأَ: (الحَمدُ لِلَّهِ)، وَ (الحَمدُ لُلَّهِ)، أَوْ قرأَ: (رَبُّ العالَمِينَ)، أَوْ (رَبِّ العالَمِينَ)، أو قرأَ بالكَسرِ، ونحوِ ذلك، لكانَت قِراءاتٍ قَدْ قُرِئَ بها، وتَصحُّ الصَّلاةُ خلفَ مَنْ قرأَ بها.
ولو قرأَ: (رَبُّ العالَمِينَ)، بِالضَّمِّ، أَوْ قرأَ: (مَالِكَ يَومِ الدِّينِ) بِالفَتحِ، لَكانَ هذا لَحنًا لا يُحيلُ المَعنى، ولا يُبطِلُ الصَّلاةَ.
وإن كانَ إمامًا راتِبًا وفي البَلَدِ مَنْ هو أقرَأُ منه، صلَّى خلفَه؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجلُ الرَّجلَ في سُلطَانِه».
وإن كانَ مُتظَاهِرًا بالفِسقِ، وليس هناك مَنْ يُقيمُ الجَماعةَ غيرُه، صلَّى خلفَه أيضًا، ولم يترُكِ الجَماعةَ، وإن تركَها فهو آثِمٌ، مُخالِفٌ لِلكتابِ والسُّنةِ، ولمَا كانَ عليه السَّلفُ (١).
و- القُدرةُ على تَوفيةِ أركانِ الصَّلاةِ:
يُشترَطُ في الإمامِ أن يَكونَ قادِرًا على تَوفيةِ الأركانِ، وهذا إذا كانَ يُصلِّي بالأصحَّاءِ، إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا فيما إذا كانَ الإمامُ يُصلِّي بالإيماءِ رُكوعًا أو سُجودًا بالأصحَّاءِ، هل تَصحُّ صَلاتُه لهم أو لا؟
стр. 1326
فذَهب الشافِعيَّةُ وزُفَرُ مِنْ الحَنفيَّةِ إلى جَوازِ إمامةِ المُومِئِ بمَن يقدِرُ على الرُّكوعِ والسُّجودِ؛ لأنَّ الإيماءَ بَدلٌ من الرُّكوعِ والسُّجودِ، كما أنَّ التَّيمُّمَ بَدلٌ من الوُضوءِ والغُسلِ، فكما يَجوزُ لِلمُتوَضِّئِ خلفَ المُتيمِّمِ، فَكَذا هذا.
وذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّه لا يَصحُّ الائتِمامُ بالمُومِئِ؛ لأنَّ حالَ المُقتَدي أقوى، ولأنَّه رُكنٌ مِنْ أركانِ الصَّلاةِ؛ فلم يَجُز لِلقادِرِ عليه أن يَأتَمَّ بالعاجِزِ عنه، ولقولِ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّما جُعل الإمامُ لِيُؤتمَّ به، فإذا رَكَعَ فاركَعوا، وإذا سجدَ فاسجُدوا»، فجعلَ مِنْ صِفةِ الإمامِ أن يَركَعَ ويَسجُدَ، وهذا لا يُوجَدُ في المُومِئِ؛ لأنَّ الإيماءَ إلى الشَّيءِ غيرُ فِعلِه، ولأنَّه مُؤتَمٌّ بمَن لا رُكوعَ له ولا سُجودَ؛ فلم تَصحَّ، كالمَصلوبِ (١).
وأنَّ الإيماءَ ليس ببَدلٍ من الرُّكوعِ والسُّجودِ؛ لأنَّه بَعضُه، وبَعضُ الشَّيءِ لا يَكونُ بَدلًا منه؛ فلو جازَ الاقتِداءُ به كانَ مُقتَدِيًا في بعضِ الصَّلاةِ دونَ بَعضٍ، وذلك لا يَجوزُ (٢).
стр. 1327
الصَّلاةُ خلفَ المَريضِ القاعِدِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا كانَ المَأمومُ صَحِيحًا، فصلَّى خلفَ إمامٍ مَريضٍ يُصلِّي قاعِدًا، على ثَلاثةِ أقوالٍ:
القولُ الأوَّلُ: أنَّه تَجوزُ صَلاتُه قاعِدًا خلفَ إمامٍ قاعِدٍ مِنْ عُذرٍ، ولَا تَجوزُ قيامًا؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّما جُعل الإِمَامُ لِيُؤتمَّ بِه؛ فلا تَختلِفُوا عليه، فإذا صلَّى جالسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجمَعِينَ» (١)، وممَّن قالَ بهذا الإمامُ أحمدُ بنُ حَنبَلٍ؛ فإنَّه قالَ: قد فعلَه أربَعةٌ مِنْ الصَّحابةِ بعدَ النَّبيِّ ﷺ : أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ، وقَيسُ بنُ فَهدٍ، وجابِرُ بنُ عَبد اللهِ، وأبو هُريرةَ، ﵃، ولأنَّها حالَةُ قُعودِ الإمامِ؛ فكانَ على المَأمومِينَ مُتابعَتُه، كحالِ التشهُّدِ؛ فإن صَلوا وَراءَه قيامًا ففي صحَّةِ صَلاتِهم وَجهانِ، أحَدُهما: لا تَصحُّ صَلاتُهم … ، والآخَرُ: تَصحُّ.
ولا يَؤُمُّ القاعِدُ مَنْ يقدِرُ على القيامِ عندَ الحَنابلَةِ إلا بشَرطَينِ:
أحَدُهما: أن يَكونَ إمامَ الحَيِّ؛ لأنَّه لا حاجةَ بهم إلى تَقديمِ عاجِزٍ عن القيامِ إذا لم يكنِ الإمامَ الرَّاتبَ، فلا يُتحَمَّلُ إسقاطُ رُكنٍ في الصَّلاةِ لغيرِ حاجةٍ، والنَّبيُّ ﷺ حيثُ فعلَ ذلك كان هو الإمامَ الرَّاتبَ، ويُستحبُّ له أن يَستخلِفَ؛ لأنَّ الناسَ قدِ اختَلَفوا في صحَّةِ إمامَتِه، فيَخرُجَ مِنْ الخِلافِ، ولأنَّ صَلاةَ القائِمِ أكمَلُ؛ فيُستحبُّ أن يَكونَ الإمامُ كامِلَ الصَّلاةِ.
стр. 1328
والشَّرطُ الآخَرُ: أن يَكونَ مرَضُه يُرجَى زَوالُه؛ لأنَّ اتِّخاذَ الزَّمِنِ ومَن لا يُرجَى قُدرَتُه على القيامِ إمامًا رَاتبًا يُفضي إلى تَركِهمُ القيامَ على الدَّوامِ، ولا حاجةَ إليه، ولأنَّ الأصلَ في هذا فِعلُ النَّبيِّ ﷺ ، والنَّبيُّ ﷺ كان يُرجَى بُرؤُه (١).
القولُ الثاني: لا يَؤُمُّ القاعِدُ القائِمَ، ولا تَصحُّ الصَّلاةُ وَراءَه مُطلَقًا، وهو قولُ مالِكٍ وعَبد المَلِكِ ومُطَرِّفٍ ومُحمدِ بنِ الحَسنِ (٢)؛ لمَا رَوى جابِرٌ الجُعفِيُّ عن الشَّعبِيِّ عن النَّبيِّ ﷺ : «لا يَؤُمَّنَّ أَحدٌ بَعدِي جالسًا» (٣)، ولقولِه ﷺ : «إنَّما جُعل الإمامُ لِيُؤتمَّ به، فلا تَختلِفوا عليه»، وهذا على عُمومِه في الاعتِقادِ والفِعلِ؛ ولأنَّه عاجِزٌ عن رُكنٍ مِنْ الصَّلاةِ، فلم يَجُز لِلقادِرِ عليه أن يَأتَمَّ به، أصلُه العاجِزُ عن القِراءةِ؛ ولأنَّه عاجزٌ عن القيامِ؛ فلم يَجُز أن يَكونَ إمامًا لِلقائِمِ، أصلُه المُومِئُ إذا كانَ قادِرًا على القيامِ (٤).
стр. 1329
القولُ الثَّالثُ: أنَّه تَجوزُ صَلاةُ القائِمِ خلفَ القاعِدِ العاجِزِ، وأنَّه لا تَجوزُ صَلاتُهم وَراءَه قُعودًا، وإنَّما يُصَلُّونَ خلفَه قيامًا؛ لأنَّه قادِرٌ على القيامِ، فلم يَجُز له تَركُه، كالمُنفرِدِ؛ ولأنَّ عَجزَ الإمامِ لا يَكونُ عُذرًا لِلمُقتَدي في تَركِ ذلك الرُّكنِ؛ لأنَّ فَضلَ الجَماعةِ لا يَنتَفي بنُقصانِ الرُّكنِ.
وبهذا قالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيَّةُ وبَعضُ المالِكيَّةِ؛ لحَديثِ عائِشَةَ ﵂ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ في مرَضِه الذي تُوُفِّيَ فيه: «مُرُوا أَبا بَكرٍ فَليُصلِّ بِالنَّاسِ. قالَت: فَأَمَرُوا أَبا بَكرٍ يُصلِّى بِالنَّاسِ، قالَت: فلمَّا دخلَ في الصَّلاةِ وجدَ رَسولُ اللهِ ﷺ مِنْ نَفسِهِ خِفَّةً، فَقامَ يُهادَى بينَ رَجلَينِ، وَرِجلَاهُ تَخُطَّانِ في الأرضِ، قالَت: فلمَّا دخلَ المَسجدَ سمِع أَبو بَكرٍ حِسَّهُ، ذَهب يَتَأَخَّرُ، فَأَومَأَ إليه رَسولُ اللهِ ﷺ : قُم مَكانَكَ. فَجَاءَ رَسولُ اللهِ ﷺ حتى جلسَ عن يَسَارِ أبي بَكرٍ، قالَت: فَكانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُصلِّي بِالنَّاسِ جالسًا، وأَبو بَكرٍ قائِمًا، يَقتَدِي أَبو بَكرٍ بِصَلاةِ النَّبيِّ ﷺ ، وَيَقتَدِي الناسُ بِصَلاةِ أبي بَكرٍ» (١) رَواهُ البُخاريُّ ومُسلِمٌ، هذا لَفظُ إحدى رِواياتِ مُسلِمٍ، وهي صَريحةٌ في أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ الإمامَ، وأنَّ أَبا بَكرٍ كان يَقتَدي به؛ لأنَّه ﵇ جلسَ عن يَسارِ أبي بَكرٍ، ولقولِها: «يُصلِّي بِالنَّاسِ»، ولقولِها: «يَقتَدِي بِه أَبو بَكرٍ»، وفي رِوايةٍ لِمُسلِمٍ: «وَكانَ النَّبيُّ ﷺ يُصلِّي بِالنَّاسِ وَأَبو بَكرٍ يُسمِعُهم التَّكبيرَ» (٢).
стр. 1330
قالَ النَّوويُّ ﵀: قولُه: «يُسمِعُهُمُ التَّكبيرَ»، يَعني أنَّه يَرفَعُ صَوتَه به إذا كبَّر النَّبيُّ ﷺ ، وإنَّما فعلَ لأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ ضَعيفَ الصَّوتِ حينَئِذٍ بسَببِ المرَضِ.
وفي رِوايةِ البُخارِيِّ ومُسلِمٍ: «أَنَّ النَّبيَّ ﷺ جلسَ إلى جَنبِ أَبِي بَكرٍ، فَجعلَ أَبو بَكرٍ يُصلِّي وَهو قائِمٌ بِصَلاةِ النَّبيِّ ﷺ ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بصَلاةِ أبي بَكرٍ، والنَّبيُّ ﷺ قاعِدٌ». ورَوَياه مِنْ طُرُقٍ كَثيرةٍ، كلُّها دَالَّةٌ على أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ الإمامَ، وأنَّ أَبا بَكرٍ كانَ يَقتَدي به، ويُسمِعُ الناسَ التَّكبيرَ، وهكذا رَواهُ مُعظمُ الرُّواةِ.
قالَ الشافِعيُّ والأصحابُ وغيرُهم مِنْ عُلمائِنا المُحدِّثينَ والفُقهاءِ: هذه الرِّواياتُ صَريحةٌ في نَسخِ الحَديثِ السابقِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «وَإِذَا صلَّى جالسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجمَعِينَ»؛ فإنَّ ذلك كانَ في مرَضٍ كانَ قبلَ هذا بزَمانٍ، حينَ آلَى مِنْ نِسائِه (١). وهذا الحَديثُ هو آخرُ الأمرَينِ مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ ، ولأنَّه رُكنٌ قدَر عليه، فلم يَجُز له تَركُه كسَائرِ الأركانِ (٢).
لكن قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأمَّا حَديثُ الآخَرينَ -أي: الذي احتَجَّ به الشافِعيَّةُ وغيرُهم- فقالَ أحمدُ: ليس في هذا حُجَّةٌ؛ لأنَّ أبا بَكرٍ كانَ ابتَدَأَ الصَّلاةَ، فإذا ابتَدَأَ الصَّلاةَ قائِمًا صَلوا قيامًا، فأشارَ أحمدُ إلى أنَّه يُمكِنُ الجَمعُ بينَ الحَديثَينِ بحَملِ الأوَّلِ على مَنِ ابتَدَأَ الصَّلاةَ جالسًا، والثاني على ما إذا ابتَدَأَ الصَّلاةَ قائِمًا، ثم اعتَلَّ، فجلسَ، ومتى أمكَنَ الجَمعُ بينَ
стр. 1331
الحَديثَينِ وجبَ، ولم يُحمَل على النَّسخِ، ثم يُحتَملُ أنَّ أبا بَكرٍ كانَ الإمامَ، قالَ ابنُ المُنذرِ في بعضِ الأخبارِ: إنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى بالناسِ، وفي بعضِها: إنَّ أبا بَكرٍ كانَ الإمامَ، وقالَت عائِشَةُ: «صلَّى النَّبيُّ ﷺ خلفَ أَبِي بَكرٍ في مرَضِهِ الذي مَاتَ فيه قاعِدًا» (١). وقالَ أنَسٌ: «صلَّى النَّبيُّ ﷺ في مرَضِهِ خلفَ أَبِي بَكرٍ قاعِدًا في ثَوبٍ مُتوشِّحًا بِه» (٢). قالَ التِّرمذِيُّ: كِلا الحَديثَينِ حَسَنٌ صَحِيحٌ، ولا يُعرَفُ لِلنَّبيِّ ﷺ خلفَ أبي بَكرٍ صَلاةٌ إلا في هذا الحَديثِ (٣).
أمَّا إمامَةُ العاجِزِ عن تَوفِيَةِ الأركانِ لِمِثلِه فجائِزةٌ باتِّفاقِ الفُقهاءِ (٤).
ز- السَّلامةُ مِنْ فَقدِ شَرطٍ مِنْ شُرُوطِ الصَّلاةِ:
يُشترطُ في الإمامِ السَّلامةُ مِنْ فَقدِ شَرطٍ مِنْ شُروطِ صحَّةِ الصَّلاةِ، كالطَّهارةِ مِنْ حَدثٍ أو خَبثٍ، فلا تَصحُّ إمامةُ مُحدِثٍ ولا مُتنَجِّسٍ، إذا كانَ يَعلَمُ ذلك باتِّفاقٍ؛ لأنَّه أخَلَّ بشَرطٍ مِنْ شُروطِ الصَّلاةِ، مع القُدرةِ على الإتيانِ به، ولا فَرقَ في ذلكَ بينَ الحَدثِ الأصغَرِ أو الحَدثِ الأكبَرِ، ولا بينَ نَجاسةِ الثَّوبِ أو نَجاسةِ البَدنِ والمَكانِ.
إلَّا أنَّ للعُلماءِ تَفصيلًا فيما لو صلَّى الإمامُ مُحدِثًا أو جُنبًا، سواءٌ كانَ عالِمًا بحَدثِه أو غيْرَ عالِمٍ، هل تَصحُّ صلاةُ المأمومِينَ خلْفَه أم لا تَصحُّ؟
стр. 1332
وهل هُناكَ فَرقٌ بيْنَ أنْ يَعرِفُوا حدَثَ الإمامِ في أثناءِ الصَّلاةِ أو بَعدَ الصَّلاةِ أم لا؟ وهل إذا بَطلَتْ صلاةُ الإمامِ بسَبْقِ حَدَثٍ هل تَبطلُ صلاةُ المأمومِينَ أم تَصحُّ ويَستخلِفُ الإمامُ؟ بيانُ ذلكَ فيما يليَ مِنْ حالاتٍ:
الحالَةُ الأُولى: أنْ يُصلِّيَ الإمامُ وهوَ مُحدِثٌ أو جُنبٌ وهوَ عالِمٌ بحَدثِه وبالجَنابةِ أو كانَ المأمُومُ يَعلمُ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الإمامَ إذا صلَّى وهوَ جُنبٌ أو مُحدِثٌ وهو عالِمٌ بحَدثِه ثمَّ عَلِمَ المأمومُونَ في أثناءِ الصَّلاةِ أو بَعدَ الصَّلاةِ أنَّ صلاتَهُم تَفسدُ ويَجبُ عَليهم إعادةُ الصَّلاةِ مرَّةً ثانِيةً.
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: إنْ صلَّى خلْفَ المُحدِثِ بجَنابةٍ أو بَولٍ وغَيرِه والمأمومُ عالِمٌ بحدَثِ الإمامِ أَثِمَ بذلكَ وصَلاتُه باطِلةٌ بالإجماعِ (١).
واختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو صلَّى الإمامُ وهوَ عالِمٌ بحَدَثِ نَفسِه ولَم يَعلمِ المأمومُونَ، هل تَجبُ عَليهم إعادةُ الصَّلاةِ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحنفيَّةُ والمالكيَّةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه تَجبُ عَليهم إعادةُ الصَّلاةِ جَميعًا الإمامُ والمأمومُونَ.
قالَ الإمامُ مالِكٌ ﵀: إنْ صلَّى بهم ذاكِرًا لِجَنابتِه فصَلاتُهم كُلهمْ فاسِدةٌ، وكذلكَ إنْ ذكَرَ في الصَّلاةِ فتَمادَى بهِم جاهِلًا أو مُستحيِيًا فقدْ أفسَدَ عَليهم.
стр. 1333
قالَ ابنُ القاسمِ: كلُّ إمامٍ دخَلَ عَليهِ ما يُنقضُ صَلاتَه فتَمادى بهِم فإنَّ صَلاتَه مُنتقِضةٌ، وعَليهِم أنْ يُعيدُوا متَى عَلمُوا (١).
وذهَبَ الشَّافعيةُ إلى أنَّه لا يَجبُ عليهِم إعادةُ الصَّلاةِ، قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: إنْ صلَّى خلْفَ المُحدِثِ بجَنابةٍ أو بَولٍ وغَيرِه والمأمُومُ عالِمٌ بحدَثِ الإمامِ أَثِمَ بذلكَ وصَلاتُه باطِلةٌ بالإجماعِ.
وإنْ كانَ جاهِلًا بحدَثِ الإمامِ فإنْ كانَ في غَيرِ الجمُعةِ انعَقدَتْ صَلاتُه، فإنْ عَلمَ في أثناءِ الصَّلاةِ حدَثَ الإمامِ لَزمَه مُفارَقتُه وأتَمَّ صَلاتَه مُنفرِدًا بانِيًا على ما صلَّى معهُ، فإنِ استَمرَّ على المُتابَعةِ لحظةً أو لم يَنوِ المُفارَقةَ بَطلَتْ صَلاتُه بالاتِّفاقِ؛ لأنَّه صلَّى بعْضَ صَلاتِه خلْفَ مُحدِثٍ مع عِلمِه بحَدثِه، وممَّن صرَّحَ ببُطلانِ صَلاتِه إذا لم يَنوِ المُفارَقةَ ولم يُتابِعْه في الأفعالِ الشَّيخُ أبو حامِدٍ والقاضي أبو الطَّيبِ في تَعليقِهما والمَحامِليُّ وخَلائِقُ مِنْ كبارِ الأصحابِ، وإنْ لم يَعلمْ حتَّى سلَّمَ منها أجزَأتْهُ؛ لِمَا ذكَرَه المُصنِّفُ، وسواءٌ كانَ الإمامُ عالِمًا بحدَثِ نفْسِه أم لا؛ لأنَّه لا تَفريطَ مِنْ المأمومِ في الحالَينِ، هذا هوَ المَذهبُ وبهِ قطَعَ الجُمهورُ، وقالَ الشَّافعيُّ ﵀ في كِتابِ البُوَيطيِّ قبْلَ كِتابِ الجَنائزِ بأسطُرٍ: إنْ كانَ الإمامُ عالِمًا بحدَثِه لم تَصحَّ صلاةُ المأمومِينَ، وإنْ كانَ ساهِيًا صحَّتْ، ونقَلَ صاحبُ «التَّلخِيص» فيما إذا تَعمَّدَ الإمامُ قولَينِ في وُجوبِ الإعادَةِ وقالَ: هُمَا مَنصوصانِ للشَّافعيِّ،
стр. 1334
قالَ القفَّالُ في «شَرح التَّلخيصِ»: قالَ أصحابُنا: غَلَط في هذهِ المَسألةِ، ولا يَختلفُ مَذهبُ الشَّافعيِّ أنَّ الإعادةَ لا تَجبُ وإنْ تَعمَّدَ الإمامُ، وإنَّما حكَى الشَّافعيُّ مَذهبَ مالِكٍ أنَّه إنْ تَعمَّدَ لَزمَ المأمومَ الإعادةُ، وفي بَعضِ نُسخِ «شَرح التَّلخيصِ»: قالَ القفَّالُ: قالَ الأكثَرونَ مِنْ أصحابِنا: لا تَجبُ الإعادةُ وإنْ تَعمَّدَ، وقالَ بَعضُ أصحابِنا فيها قَولانِ، وقالَ الشَّيخُ أبو عَليٍّ السِّنجيُّ في «شَرح التَّلخيصِ»: أنكَرَ أصحابُنا على صاحِبِ «التَّلخِيص» وقَالوا: المَعروفُ للشَّافعيِّ أنَّه لا إعادةَ وإنْ تَعمَّدَ الإمامُ، (قُلتُ): الصَّوابُ إثباتُ قولَينِ، وقَد نصَّ على وُجوبِ الإعادةِ في البُّوَيطيِّ، ورأيتُ النَّصَّ في نُسخةٍ مُعتمَدةٍ منهُ، ونقَلَه أيضًا صاحِبُ «التَّلخِيص» وهوَ ثقةٌ وإمامٌ، فوجَبَ قَبولُه، ووجَّهَه الشَّيخُ أبو عَليٍّ بأنَّ الإمامَ العامِدَ للصَّلاةِ مُحدِثًا مُتلاعِبٌ ليسَتْ أفعالُه صلاةً في نَفسِ الأمرِ ولا في اعتِقادِه، فلا تَصحُّ الصَّلاةُ وراءَهُ كالكافِرِ وغَيرِه ممَّن لا يَعتقدُ صَلاتَه صلاةً، (وأمَّا قَولُهم): «إنَّ الحدَثَ يَخفَى» (فيُجابُ) عنهُ بأنَّه وإنْ خَفيَ فتَعمُّدُ الإمامِ الصَّلاةَ مُحدِثًا نادِرٌ، والنَّادرُ لا يُسقِطُ الإعادةَ، وكيفَ كانَ فالمَذهبُ الصَّحيحُ المَشهورُ أنَّه لا إعادةَ إذا تَعمَّدَ الإمامُ (١).
الحالةُ الثَّانيةُ: أنْ يُصليَّ الإمامُ وهوَ مُحدِثٌ أو جنُبٌ غيْرَ عالِمٍ بحَدثِه ولا بالجَنابةِ إلَّا بعْدَ إتمامِ الصَّلاةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو صلَّى الإمامُ وهوَ مُحدِثٌ أو جُنبٌ ولم يَعلمْ إلَّا بعْدَ الصَّلاةِ، هل يَلزمُ المأمومِينَ إعادةُ الصَّلاةِ أم لا؟ بعْدَ اتِّفاقِ الجَميعِ على أنَّه يَجبُ على الإمامِ إعادةُ الصَّلاةِ.
стр. 1335
فذهَبَ الحنفيَّةُ إلى أنَّ مَنْ صلَّى خلْفَ جُنبٍ أو مُحدِثٍ وهوَ لا يَعلمُ لم تَصحَّ صَلاتُه، ويَلزمُه الإعادةُ؛ لأنَّ صَلاتَه مُرتبِطةٌ بصَلاةِ إمامِه، فإذا لم تكُن له صَلاةٌ لم تكُن له، ولِمَا رُويَ مَرفوعًا: «مَنْ أَمَّ قَومًا ثمَّ ظهَرَ أنهُ كانَ مُحدِثًا أو جُنبًا أعادَ صَلاتَه وأعادُوا» (١).
ولأنَّ كلَّ ما لا يَصحُّ الاقتداءُ به معَ العلمِ لا يَصحُّ معَ الجَهلِ، كالكافرِ والمَرأةِ، ولأنَّ كلَّ طَهارةٍ كانَتْ شَرطًا في صحَّةِ الصَّلاةِ استَوَى العلمُ والجَهلُ بها، كطَهارةِ نفْسِه.
ولأنَّ عدَمَ طَهارةِ الإمامِ أُجريَتْ مَجرَى عدمِ طَهارةِ المَأمومِ؛ بدَلالةِ أنَّه إنْ عَلِمَ بذلكَ لم تَجُزْ صَلاتُه، فإذا استَوَى في طَهارةِ نفْسِه العِلمُ والجَهلِ كذلكَ طَهارةُ إمامِه.
ولا يُقالُ: إنها بَطلَتْ صَلاتُه معَ العلمِ؛ لأنَّه يَعتقدُ أنَّ إمامَه في غَيرِ صَلاةٍ؛ ألَا ترَى أنهُ لوِ اعتَقدَ ذلكَ -والإمامُ على طَهارةٍ- لم تَصحَّ صَلاتُه