← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 12706–12745 · переход к 12711.

стр. 12706

والثاني: عليُّ بنُ أبي طالبٍ في قِتالِ خَلعِ طاعتِه. فأما أبو بَكرٍ ﵁ فإنه قاتَلَ طائِفتينِ: طائِفةٌ ارتَدَّتْ عن الإسلامِ مع مُسيلمةَ وطُليحةَ والعَنسيِّ، فلَم يَختلفْ عليهِ مِنْ الصَّحابةِ في قِتالِهم أحَدٌ. وطائفةٌ أقاموا على الإسلامِ ومَنَعوا الزَّكاةَ بتَأويلٍ اشتَبهَ، فخالَفَه أكثَرُ الصَّحابةِ في الابتداءِ، ثم رَجَعوا إلى رَأيِه ووافَقوهُ عليهِ في الانتهاءِ حينَ وضَحَ لهم الصَّوابُ وزالَتْ عنهم الشُّبهةُ، فكانَ انعقادُ الإجماعِ معه بعدَ تَقدُّمِ المُخالَفةِ له أَوْكَدَ. وأما عليُّ بنُ أبي طالِبٍ ﵁ فإنه شَهدَ بنَفسِه قِتالَ مَنْ بَغَى عليهِ، فأوَّلُ مَنْ قاتلَ منهُم أهلَ الجَملِ بالبَصرةِ مع عائِشةَ، وثَنَّى بقتالِ أهلِ الشامِ بصِفِّينَ مع مُعاويةَ، وثلَّثَ بقتالِ أهلِ النَّهروانِ مِنْ الخَوارجِ، فسارَ في قتالِهم سِيرةَ أبي بكرٍ في قِتالِ مانِعي الزكاةِ (١). وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ مَنْ شَقَّ العَصا وفارَقَ الجَماعةَ وشَهَرَ على المُسلمينَ السِّلاحَ وأخافَ السَّبيلَ وأفسَدَ بالقتلِ والسَّلبِ فقَتلُهم وإراقةُ دِمائِهم واجبٌ؛ لأنَّ هذا مِنْ الفَسادِ العَظيمِ في الأرضِ، والفَسادُ في الأرضِ مُوجِبٌ لإراقةِ الدماءِ بإجماعٍ، إلا أنْ يَتوبَ فاعلُ ذلكَ مِنْ قبلِ أنْ يُقدَرَ عليهِ، والانهزامُ عندَهم ضَربٌ مِنْ التوبةِ، وكذلكَ مَنْ عجَزَ عن القِتالِ لم يُقتلْ إلا بما وجَبَ عليهِ قبلَ ذلكَ (٢).

стр. 12707

وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: يَجبُ على كلِّ مَنْ دَعاهُ الإمامُ إلى قِتالِهم أنْ يُجيبَه إلى ذلكَ، ولا يَسعُه التخلُّفُ إذا كانَ عندَه غِنًى وقُدرةٌ؛ لأنَّ طاعةَ الإمامِ فيما ليسَ بمَعصيةٍ فَرضٌ، فكيفَ فيما هو طاعةٌ؟! (١). الشُّروطُ المعتبَرُ تَوفُّرُها في قِتالِ البُغاةِ: اشتَرطَ الفُقهاءُ شُروطًا لإباحةِ قتالِ البُغاةِ: الشَّرطُ الأولُ: أنْ يكونُوا في منَعةٍ بكثرِة عدَدِهم، لا يُمكِنُ تَفريقُ جَمعِهم إلَّا بقتالِهم، فإنْ كانَوا آحادًا لا يَمتنعونَ استُوفيَتْ منهُم الحُقوقُ ولم يُقاتَلُوا، وهذا عندَ جَماهيرِ العُلماءِ. قالَ الشافِعيُّ ﵀: قتَلَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ مُلجمٍ عليًّا رِضوانُ اللهِ عليهِ مُتأوِّلًا فأُقيدَ به، يَعني: أنه لمَّا انفَردَ ولم يَمتنعْ بعَددٍ لم يُؤثِّرْ تأويلُه في أخذِ القَودِ منه. الشَّرطُ الثَّاني: أنْ يَعتزِلُوا عن دارِ أهلِ العَدلِ بدارٍ يَنحازونَ إليها ويَتميَّزونَ بها، كأهلِ الجَملِ وصِفِّينَ، فإنْ كانوا على اختِلاطِهم بأهلِ العَدلِ ولم يَنفَردوا عنهم لم يُقاتَلوا، وهذا نَصَّ عليهِ الشافِعيةُ. والشَّرطُ الثالثُ: أنْ يُخالِفوهُ بتأويلٍ مُحتملٍ كالَّذي تأوَّلَه أهلُ الجمَلِ وصِفِّينَ مِنْ المُطالَبةِ بدَمِّ عُثمانَ ﵁، فإذا بايَنُوا مِنْ غيرِ تأويلٍ أُجريَ عليهِم حُكمُ الحِرابةِ وقطَّاعِ الطَّريقِ، وهذا مَحلُّ اتِّفاقٍ بينَ الفُقهاءِ. الشَّرطُ الرابعُ: نَصبُ إمامٍ لهم يَجتمعونَ على طاعتِه ويَنقادونَ لأمرِه،

стр. 12708

وهذا قَولُ طائِفةٍ مِنْ الشافِعيةِ إنه شَرطٌ يُستحَقُّ به قِتالُهم ليَستقرَّ به تَميُّزُهم ومُبايَنتُهم. وقالَ أكثَرُ الشافِعيةِ والحَنابلةِ: إنه ليسَ بشَرطٍ في قِتالِهم؛ لأنَّ عليًّا ﵁ قاتَلَ أهلَ الجَملِ ولم يَكنْ لهم إمامٌ، وقاتَلَ أهلَ صِفِّينَ قبلَ أنْ يَنصِبوا إمامًا لهم (١). الواجِبُ فعلُه على الإمامِ قبلَ قِتالِهم: إذا تكامَلَتِ الشُّروطُ المُعتبَرةُ في قِتالِهم لم يَبدأْ به الإمامُ حتَّى يَسألَهم عن سبَبِ انفِرادِهم ومُبايَنتِهم، فإنْ ذكَرُوا مَظلَمةً أزالَها، وإنْ ذكَرُوا شُبهةً كشَفَها وناظَرَهُم عليهِا، حتَّى يَظهرَ لهم أنهُ على الحَقِّ فيها؛ لأنَّ اللهَ تعالَى أمَرَ بالإصلاحِ أوَّلًا وبالقِتالِ أخيرًا. ولأنَّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ أنفَذَ ابنَ عبَّاسٍ ﵄ إلى الخَوارجِ بالنَّهروانِ يَسألُهم عن سَببِ مُباينتِهم ويَحلُّ شُبهةَ تأويلِهم، لتَظاهُرِهم بالعِبادةِ والخُشوعِ وحَملِ المَصاحفِ في أعناقِهم … فعَن عَبدِ اللهِ بنِ شَدَّادٍ: «أنَّ عَليًّا ﵁ لمَّا اعتَزلَه الحَرُوريةُ بعَثَ إليهم عبدَ اللهِ بنَ عبَّاسٍ ﵄، فواضَعُوه كِتابَ اللهِ ثلاثةَ أيَّامٍ، فرجَعَ منهُم أربَعةُ آلافٍ وبقيَ

стр. 12709

منهم نحوُ أربعةِ آلافٍ لم يَرجِعوا، فعادَ إلى عليِّ بنِ أبي طالبٍ فأخبَرَه، فقالَ لأصحابِه: سِيرُوا على اسمِ اللهِ تعالَى إليهِم، فلنْ يُفلِتَ منهُم عَشرةٌ، ولنْ يُقتلَ منكُم عَشرةٌ، فسارُوا معه إليهِم فقتَلَهم، وأفلَتَ منهُم ثَمانيةٌ، وقُتلَ مِنْ أصحابِ عليٍّ تِسعةٌ، وقالَ: اطلُبوا لي ذا الثَّديَّةِ، فرَأَوه قَتيلًا بينَهُم، فكبَّرَ عليٌّ وقالَ: الحَمدُ للهِ الذي صدَقَ وعْدَ رَسولِه إذ قالَ لي: تُقاتِلُكَ الفئةُ الباغِيةُ فيهم ذُو الثَّديةِ» (١)، فهذهِ سِيرةُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ فيهِم. فإنْ سألُوا الإنظارَ نظَرَ في حالِهم وبحَثَ في أمرِهم، فإنْ بانَ له أنَّ قصْدَهم الرُّجوعُ إلى الطاعةِ ومَعرفةُ الحقِّ أمهَلَهم، قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ على هذا كلُّ مَنْ أحفَظُ عنهُ مِنْ أهلِ العِلمِ، فإنْ كانَ قَصدُهم الاجتماعَ على قِتالِه وانتِظارَ مَددٍ يَقوَونَ به أو خَديعةَ الإمامِ أو ليَأخُذوهُ على غرَّةٍ ويَفترقَ عَسكرُه لم يُنظِرْهم وعاجَلَهم؛ لأنه لا يَأمنُ أنْ يَصيرَ هذا طَريقًا إلى قَهرِ أهلِ العَدلِ ولا يَجوزُ هذا. فإذا ثبَتَ أنه يُقدِّمُ قبلَ قِتالِهم سُؤالَهم عن سَببِ بَغيِهم واعتِزالِهم عن الجَماعةِ ثم مُناظَرتَهم في حَلِّ ما اشتَبهَ عليهِم فمتَى أَمِلَ رُجوعَهم إلى الطاعةِ ودُخولَهم في الجَماعةِ بالقَولِ والمُناظَرةِ لم يَتجاوزْه إلى القتالِ، وإنْ يَئِسَ مِنْ رُجوعِهم بعدَ كَشفِ ما اشتَبهَ عليهِم جازَ لإمامِ أهلِ العَدلِ حِينئذٍ قتالُهم ومُحاربتُهم (٢).

стр. 12710

قالَ الماوَرديُّ ﵀: وانقسَمَتْ أحوالُهم في قتالِهم ثَلاثةَ أقسامٍ: أحَدُها: ما كانَ قِتالُهم عليهِ واجبًا. والثاني: ما كانَ قِتالُهم عليهِ مُباحًا. والثالِثُ: ما اختَلفَ القَولُ في وُجوبِه وإباحَتِه. فأما ما وجَبَ قِتالُهم عليهِ فهو بواحِدٍ مِنْ خَمسةِ أمورٍ: أحَدُها: أنْ يَتعرَّضوا لحَريمِ أهلِ العَدلِ بإفسادِ سَبيلِهم. والثاني: أنْ يَتعطَّلَ جِهادُ المُشرِكينَ بهم. والثالثُ: أنْ يَأخُذوا مِنْ حُقوقِ بيتِ المالِ ما ليسَ لهُم. والرابعُ: أنْ يَمتنِعوا مِنْ دَفعِ ما وجَبَ عليهِم. والخامِسُ: أنْ يَتظاهَروا على خَلعِ الإمامِ الذي قد انعَقدَتْ بَيعتُه ولَزمَتْ طاعتُه. وأما ما أبيحَ قِتالُهم عليهِ وإنْ لم يَجبْ فهو أنْ يَنفرِدوا عن الجَماعةِ ولا يَمتنِعوا مِنْ حَقٍّ ولا يَتعدُّوا إلى ما ليسَ لهُم بحَقٍّ فيَجوزُ للإمامِ قِتالُهم؛ لتَفريقِ الجَماعةِ، ولا يَجبُ عليهِ قِتالُهم؛ لتَظاهُرِهم بالطاعةِ. وأما ما اختَلفَ القَولُ في وُجوبِ قِتالِهم وإباحتِه فهو إذا امتَنَعوا مع انفِرادِهم مِنْ دَفعِ زَكاةِ أموالِهم الظاهِرةِ وقامُوا بتَفرقتِها في أهلِ السُّهمانِ منهُم، ففيهِ قَولانِ:

стр. 12711

أحَدُهما وهو قِياسُ قَولِ الشافِعيِّ في القَديمِ: إنَّ قِتالَهم عليهَا واجِبٌ إذا قيلَ فيها بوُجوبِ دَفعِها إلى الإمامِ. والقَولُ الثاني وهو قِياسُ قولِه في الجَديدِ: إنَّ قِتالَهم عليهَا مباحٌ وليسَ بواجِبٍ إذا قيلَ فيه: إنَّ دفْعَها إلى الإمامِ مُستحَبٌّ وليسَ بواجِبٍ، واللهُ أعلَمُ (١). إذا ترَكَ البُغاةُ القِتالَ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ البُغاةَ إذا تَرَكوا القِتالَ حَرُمَ قَتلُهم وقَتلُ مُدبِرِهم وجَريحِهم؛ لقَولِ مَروانَ: «صرَخَ صارخٌ لعَليٍّ يومَ الجَملِ: لا يُقتلَنَّ مُدبِرٌ، ولا يُذفَّفُ (٢) على جَريحٍ، ولا يُهتَكُ سِتْرٌ، ومَن أغلَقَ بابَه فهو آمِنٌ، ومَن ألقَى السلاحَ فهو آمِنٌ» (٣)، وعن عمارٍ ﵁ نحوُه. ورَوى ابنُ مَسعودٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «يا ابنَ أمِّ عَبدٍ ما حُكمُ مَنْ بَغَى على أمَّتِي؟ فقلتُ: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ، فقالَ: لا يُقتَلُ مُدبِرُهم، ولا يُجازُ على جَريحِهم، ولا يُقتلُ أسيرُهم، ولا يُقسمُ فَيؤُهم» (٤).

стр. 12712

وعن أبي أُمامةَ ﵁ قالَ: «شَهدْتُ صِفِّينَ فكانُوا لا يُجهِزونَ على جَريحٍ، ولا يَطلبونُ مُولِّيًا، ولا يَسلبونُ قَتيلًا» (١). ولأنَّ المَقصودَ دَفعُهم، فإذا حصَلَ لم يَجُزْ قَتلُهم كالصائلِ، ولا يُقتلُ لهم أسيرٌ (٢). إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا فيما إذا كانَتْ لهم فِئةٌ يَلجَؤونَ إليها، هل يُجهَزُ على جَريحِهم ويُتبَعُ مُولِّيهم أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنه إذا خِيفَ منهُم أو كانَتْ لهم فِئةٌ يَلجؤونَ إليها فإنه يُذفَّفُ على جَريحِهم ويُتبَعُ مُولِّيهم. قالَ الحَنفيةُ: إنْ قاتَلَهم الإمامُ وكانَتْ لهم فِئةٌ يَلجَؤونَ إليها أُجهِزَ على جَريحِهم واتُّبعَ مُولِّيهم؛ لئلَّا يَتحيَّزوا إلى الفئةِ فيَمتنِعوا بها فيَكُروا على أهلِ العدلِ. وأما أسيرُهم فإنْ شاءَ الإمامُ قتَلَه استِئصالًا لشَأفتِهم، وإنْ شاءَ حبَسَه؛ لاندِفاعِ شَرِّه بالأسرِ والحَبسِ، وإنْ رَأى أنْ يُخلِّي عنه فعَلَ، فإنَّ عَليًّا ﵁ كانَ إذا أخَذَ أسيرًا استَحلَفَه أنْ لا يُعِينَ عليهِ وخَلَّاه، وإنْ رَأى أنْ يَحبسَه حتى يَتوبَ أهلُ البَغيِ فعَلَ، وهو الأحسَنُ؛ لأنه يُؤمَنُ شَرُّه مِنْ غيرِ قَتلٍ.

стр. 12713

وإنْ لم يَكنْ لهم فئةٌ يَتحيَّزونَ إليها لم يُتبَعْ مُدبرُهم ولم يُجهَزْ على جَريحِهم ولم يُقتلْ أسيرُهم؛ لوُقوعِ الأمنِ عن شَرِّهم عندَ انعِدامِ الفئةِ. ولا يُقتلُ مَنْ مَعَهم مِنْ النِّساءِ والصِّبيانِ والشُّيوخِ والزَّمنَى والعُميانِ؛ لأنهم لا يُقتلونَ إذا كانوا مع الكفَّارِ، فهذا أَولَى، ولَيسوا مِنْ أهلِ القِتالِ، فإنْ قاتَلَتِ المَرأةُ مع الرِّجالِ لا بأسَ بقَتلِها حالةَ القِتالِ، ولا تُقتلُ إذا أُسِرَتْ، وتُحبسُ؛ اعتِبارًا بالحَربيةِ. ويُكرَهُ حَملُ رُؤوسِهم وإنفاذُها إلى الآفاقِ؛ لأنه مُثلَةٌ، ولم يُنقَلْ عن عَليٍّ ﵁، ورُويَ «أنه حُمِلَ إلى أبي بَكرٍ ﵁ رَأسٌ فأنكَرَ حمْلَه، فقيلَ له: إنَّ فارسَ والرُّومَ يَفعلونَ ذلكَ، فقالَ: أَستِنَانٌ بفارسَ والرُّومِ؟!» (١). وقالَ المالِكيةُ: إذا أمِنَّا بَغيَهم فإنَّا لا نَتبعُ مُنهزِمَهم ولا نُذفِّفُ -أي نُجهِزُ- على جَريحِهم، وإنْ لم يُؤمَنْ منهم يُتبعُ مُنهزِمُهم ويُذفَّفُ على جَريحِهم، وإنْ أُسِرَّ منهم أسيرٌ وانقَطعَتِ الحربُ فلا يُقتلُ، وإنْ كانَتِ الحَربُ قائِمةً فللإمامِ قَتلُه ولو كانوا جَماعةً إذا خافَ أنْ يكونَ منهُم ضَررٌ (٢). وذهَبَ الشافِعيةُ في الصَّحيحِ والحَنابلةُ إلى أنهم إذا تَرَكوا القتالَ بالرُّجوعِ إلى الطاعةِ أو بإلقاءِ السِّلاحِ أو بالهَزيمةِ إلى فِئةٍ أو إلى غيرِ فئةٍ أو بالعَجزِ

стр. 12714

لجِراحٍ أو مَرضٍ أو أسرٍ فإنه يَحرمُ قَتلُهم واتِّباعُ مُدبِرِهم، وساقَ ابنُ قُدامةَ ﵀ الآثارَ الوارِدةَ في النهيِ عن قتلِ المُدبِرِ والإجهازِ على الجَريحِ وقَتلِ الأسيرِ، وهي عامَّةٌ. قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أهلُ البَغيِ إذا تَرَكوا القِتالَ إمَّا بالرُّجوعِ إلى الطاعةِ وإما بإلقاءِ السِّلاحِ وإما بالهَزيمةِ إلى فِئةٍ أو إلى غيرِ فئةٍ وإما بالعَجزِ لجِراحٍ أو مَرضٍ أو أسرٍ فإنه يَحرمُ قتلُهم واتِّباعُ مُدبِرِهم، وبهذا قالَ الشافِعيُّ. وقالَ أبو حَنيفةَ إذا هُزِموا ولا فِئةَ لهم كقَولِنا، وإنْ كانَت لهُم فِئةٌ يَلجؤونَ إليها جازَ قَتلُ مُدبرِهم وأسيرِهم والإجازةُ على جَريحِهم، وإنْ لم يَكنْ لهم فِئةٌ لم يُقتَلوا، لكنْ يُضرَبونَ ضَربًا وَجيعًا ويُحبَسونَ حتى يُقلِعوا عمَّا هُمْ عليهِ ويُحدِثوا تَوبةً، ذَكَروا هذا في الخوارجِ، ويُرَوى عن ابنِ عبَّاسٍ نحوُ هذا، واختارُه بعضُ أصحابِ الشافِعيِّ؛ لأنه متَى لم يَقتلْهم اجتَمَعوا ثم عادُوا إلى المُحارَبةِ. ولنا: ما رُويَ عن عليٍّ ﵁ أنه قالَ يومَ الجَملِ: «لا يُذفَّفُ على جَريحٍ، ولا يُهتكُ سِترٌ، ولا يُفتحُ بابٌ، ومَن أغلَقَ بابًا أو بابَه فهو آمِنٌ، ولا يُتبعُ مُدبِرٌ»، وقد رُويَ نحوُ ذلكَ عن عمَّارٍ، وعن عليٍّ ﵁ «أنه وَدَى قَومًا مِنْ بيتِ مالِ المُسلمينَ قُتِلوا مُدبرِينَ»، وعن أبي أُمامةَ أنه قالَ: «شَهدتُ صِفِّينَ وكانُوا لا يُجهِزونَ على جَريحٍ ولا يَقتلونَ مُولِّيًا ولا يَسلبونَ قَتيلًا»، وقد ذكَرَ القاضي في شَرحِه عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «يا ابنَ أمِّ عبدٍ ما حُكمُ مَنْ بَغَى على أمَّتي؟ فقلتُ: اللهُ

стр. 12715

ورَسولُه أعلَمُ، فقالَ: لا يُتبعُ مُدبِرُهم، ولا يُجازُ على جَريحِهم، ولا يُقتلُ أسيرُهم، ولا يُقسمُ فَيؤُهم». ولأنَّ المَقصودَ دَفعُهم وكَفُّهم وقد حصَلَ، فلَم يَجُزْ قَتلُهم كالصائلِ، ولا يَقتلونَ لِما يُخافُ في الثاني كما لو لم تَكنْ لهم فِئةٌ. إذا ثبَتَ هذا فإنْ قتَلَ إنسانٌ مَنْ مُنعَ مِنْ قَتلِه ضَمِنَه؛ لأنه قتَلَ مَعصومًا لم يُؤمَرْ بقتلِه، وفي القِصاصِ وَجهانِ: أحَدُهما: يَجبُ؛ لأنه مِكافئٌ مَعصومٌ، والثَّاني: لا يَجبُ؛ لأنَّ في قَتلِهم اختِلافًا بينَ الأئمَّةِ، فكانَ ذلكَ شُبهةً دارِئةً للقِصاصِ؛ لأنه مما يَندرئُ بالشبُهاتِ. وأما أسيرُهم فإنْ دخَلَ في الطاعةِ خُلِّيَ سَبيلُه، وإنْ أبَى ذلكَ وكانَ رَجلًا جَلدًا مِنْ أهلِ القِتالِ حُبسَ ما دامَتِ الحَربُ قائِمةً، فإذا انقَضتِ الحَربُ خُليَ سَبيلُه وشُرطَ عليهِ أنْ لا يَعودَ إلى القِتالِ، وإنْ لم يَكنِ الأسيرُ مِنْ أهلِ القِتالِ كالنِّساءِ والصِّبيانِ والشُّيوخِ الفانينَ خُليَ سَبيلُهم ولم يُحبَسوا في أحَدِ الوَجهينِ، وفي الآخَرِ: يُحبَسونَ؛ لأنَّ فيه كَسرًا لقُلوبِ البغاةِ، وإنْ أسَرَ كلُّ واحدٍ مِنْ الفَريقينِ أُسارَى مِنْ الفريقِ الآخَرِ جازَ فِداءُ أسارَى أهلِ العَدلِ بأُسارَى أهلِ البغيِ، وإنْ قتَلَ أهلُ البغيِ أُسارى أهلِ العَدلِ لم يَجُزْ لأهلِ العَدلِ قتلُ أساراهُم؛ لأنهم لا يُقتَلونَ بجِنايةِ غيرِهم ولا يَزِرونَ وِزرَ غيرِهم، وإنْ أبَى البُغاةُ مُفاداةَ الأسرى الذينَ معَهم وحَبَسوهُم احتَملَ أنْ يَجوزَ لأهلِ العَدلِ حَبسُ مَنْ معَهم؛ ليَتوصَّلوا إلى تَخليصِ

стр. 12716

أُساراهم بحَبسِ مَنْ معَهم، ويَحتملُ أنْ لا يَجوزَ حَبسُهم ويُطلَقونَ؛ لأنَّ الذنبَ في حَبسِ أُسارى أهلِ العَدلِ لغيرِهم (١). وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: وإنْ قالَ أهلُ البغيِ: «رجَعْنا إلى طاعةِ الإمامِ» .. لم يَجُزْ قتالُهم؛ لقَولِه تعالَى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، و (الفَيئةُ): الرُّجوعُ. وهكذا إذا ألقَوا سِلاحَهم .. لم يَجُزْ قِتالُهم؛ لأنَّ الظاهِرَ مِنْ حالِهم تَركُ القتالِ والرُّجوعُ إلى الطاعةِ، فإنِ انهَزَموا .. نَظَرتَ: فإنِ انهَزَموا لغيرِ فئة .. لم يَجُزِ اتِّباعُهم، ولا يُجازُ على جَريحِهم؛ لِما رَوى ابنُ عُمرَ عن ابنِ مَسعودٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «يا ابنَ أمِّ عَبدٍ .. ما حُكمُ مَنْ يَفيءُ مِنْ أمَّتي؟ فقلتُ: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ، فقالَ: لا يُتبعُ مُدبِرُهم، ولا يُجازُ على جَريحِهم، ولا يُقتلُ أسيرُهم، ولا يُقسمُ فَيؤُهم». ورَوَى عليُّ بنُ الحُسينِ ﵁ قالَ: «دَخلتُ على مَروانَ بنِ الحَكمِ، فقالَ: ما رَأيتُ أكرَمَ عَلينا مِنْ أبيكَ، ما هو إلا أنْ وَلَّينا يومَ الجَملِ حتى نادَى مُناديهِ: لا يُقتلُ مُدبِرٌ ولا يُذفَّفُ على جَريحٍ» (يُذفَّفُ): يُروى بالدالِ والذالِ، ومَعناهُ: لا يُجازُ عليهِ. ورُوِيَ عن أبي أُمامةَ ﵁: أنه قالَ: «شَهدتُ صِفِّينَ فكانوا لا يُجهِزونَ على جَريحٍ ولا يَطلُبونَ مُولِّيًا ولا يَسلبونَ قَتيلًا». ولأنَّ قِتالَهم للدَّفعِ والكفِّ عن القتالِ، وقد حصَلَ ذلكَ.

стр. 12717

وإنِ انهزَموا إلى فئة ومَددٍ ليَستغيثُوا بهم .. ففيهِ وَجهانِ: أحَدُهما -وهو قَولُ أبي حَنيفةَ واختِيارُ أبي إسحاقَ المَروَزيِّ-: (أنهُم يُتبعونَ ويُقتلونَ)؛ لأنهم إذا لم يُتبَعوا .. لم يُؤمَنْ أنْ يَعودُوا على أهلِ العَدلِ، فيُقاتِلوهم ويَظفَروا بهم. والثَّاني -وهو ظاهِرُ النصِّ-: أنه لا يَجوزُ أنْ يُتبَعوا ويُقاتَلوا؛ لعُمومِ الخبَرِ، ولأنَّ دفْعَهم وكفَّهُم قد حصَلَ، وما يُخافُ مِنْ رُجوعِهم لا يُوجِبُ قتالَهم كما لو تَفرَّقوا. وإنْ حضَرَ معَهم مَنْ لا يُقاتلُ ففيهِ وَجهانِ: أحَدُهما: لا يَجوزُ قَتلُه؛ لأنَّ قِتالَهم للكَفِّ، وقد كَفَّ نفسَه. والثَّاني: يَجوزُ قَصدُ قَتلِه؛ لأنَّ عليًّا ﵁ وأرضاهُ نَهاهُم عن قَصدِ قتلِ مُحمدِ بنِ طَلحةَ السجَّادِ ﵄ وأرضاهُما، فقتَلَه رَجلٌ، ولم يُنكِرْ عليٌّ ﵁ وأرضاهُ قتْلَه، ولأنه صارَ رِدءًا لهُم (١). حُكمُ سَبيِ البُغاةِ واغتِنامِ أموالِهم: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ أموالَ البُغاةِ لا تُغنَمُ ولا تُقسمُ، وإنما تُرَدُّ إليهم. قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أما غَنيمةُ أموالِهم وسَبيُ ذُرِّيتِهم فلا نَعلمُ في تَحريمِه بينَ أهلِ العِلمِ خِلافًا؛ لأنُهم مَعصومونَ، وإنما أبيحَ مِنْ

стр. 12718

دِمائِهم وأموالِهم ما حصَلَ مِنْ ضَرورةِ دَفعِهم وقتالِهم، وما عَداهُ يَبقى على أصلِ التحريمِ (١). وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: ولا يَجوزُ لأهلِ العَدلِ أخذُ أموالِ أهلِ البغيِ؛ لقَولِه ﷺ : «ولا يُقسمُ فَيؤُهم». ورُوِيَ «أنَّ عليًّا ﵁ وأرضاهُ استُؤذِنَ يومَ الجَملِ في النَّهبِ، فقالَ: إنهم يَحرُمونَ بحُرمةِ الإسلامِ، ولا يَحلُّ مالُهم». فإنِ انقَضتِ الحَربُ ورَجَعوا إلى الطاعةِ وكانَ في يَدِ أهلِ العَدلِ مالٌ لأهلِ البغيِ، أو في يَدِ أهلِ البَغيِ مالٌ لأهلِ العَدلِ .. وجَبَ ردُّ كلِّ مالٍ إلى مالِكِه؛ لقَولِه ﷺ : «لا يَحلُّ مالُ امرِئٍ مُسلمٍ إلا بطِيبٍ نَفسٍ منهُ». ورَوَى ابنُ قَيسٍ: «أنَّ مُناديَ عليٍّ ﵁ وأرضاهُ نادَى: ألَا مَنْ عرَفَ مِنْ مالِه شَيئًا .. فلْيَأخذْه، فمَرَّ بنا رَجلٌ فعرَفَ قِدرًا له يُطبخُ به، فأرادَ أخْذَها، فسَألْناهُ أنْ يَصبِرَ حتى نَفرغَ مِنها فلَم يَفعلْ، فرَمى برِجلِها وأخَذَها». ولا يَجوزُ الانتفاعُ بسِلاحِهم وكُراعِهم بغَيرِ إذنِهم مِنْ غيرِ ضَرورةٍ. وقالَ أبو حَنيفةَ: (يَجوزُ ذلكَ ما دامَتِ الحَربُ قائِمةً). دليلُنا: قولُه ﷺ : «لا يَحلُّ مالُ امرئٍ مُسلمٍ إلا بطِيبٍ نَفسٍ منه»، ولأنه مُسلمٌ، فلَم يَجُزِ الانتفاعُ بمالِه مِنْ غيرِ إذنٍ، كغيرِ الكُراعِ والسِّلاحِ وكأهلِ العَدلِ. فإنْ دعَتْه على ذلكَ ضَرورةٌ بأنْ ذهَبَ سِلاحُه، أو خافَ على نَفسِه .. جازَ

стр. 12719

أنْ يَدفعَ عن نَفسِه بسِلاحِهم، وكَذلكَ إنْ خافَ على نَفسِه وأمكَنَه أنْ يَنجوَ على دابَّةٍ لهُم .. جازَ له ذلكَ؛ لأنه لو اضطرَّ إلى ذلكَ مِنْ مالِ أهلِ العَدلِ .. لَجازَ له الانتِفاعُ به، فكذلكَ إذا اضطرَّ إلى ذلكَ مِنْ أموالِ أهلِ البَغيِ (١). ضَمانُ ما أتلَفَه أهلُ العَدلِ للبُغاةِ: الأصلُ في أموالِ البُغاةِ العِصمةُ؛ لأنهُم مُسلمونَ، وإنما أبيحَ مِنْ دِمائِهم وأموالِهم ما حصَلَ مِنْ ضَرورةِ دَفعِهم وقِتالِهم، وما عداهُ يَبقَى على أصلِ التَّحريمِ، فإذا أتلَفَ أحَدٌ مِنْ أهلِ العَدلِ للبُغاةِ مالًا قبلَ الحَربِ والقِتالِ أو بعدَه وجَبَ عليهِ الضمانُ؛ لأنه أتلَفَ مالًا مُحرَّمًا عليهِ بغيرِ قتالٍ، فلَزمَه ضَمانُه كما لو أتلَفَه قبلَ البغيِ (٢). وإنْ أتلَفَ أهلُ العَدلِ للبُغاةِ مالًا في حالِ القِتالِ فلا ضَمانَ عليهم بلا خِلافٍ؛ لأنهُم مَأمورُونَ بقتالِهم، والقِتالُ يَقتضي إتلافَ ذلكَ، ولأنهم إذا لم يَضمَنوا الأنفُسَ، فالأموالُ أَولى. قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: لا خِلافَ في أنَّ العادِلَ إذا أصابَ مِنْ أهلِ البَغيِ مِنْ دَمٍ أو جِراحةٍ أو مالٍ استَهلكَه أنه لا ضَمانَ عليهِ (٣).

стр. 12720

وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: فإنْ أتلَفَ ذلكَ أهلُ العَدلِ .. لم يَلزمْهم ضَمانُه بلا خِلافٍ؛ لأنهُم مأمورُونَ بقتالِهم، والقتالُ يَقتضي إتلافَ ذلكَ (١). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: لا يَضمنُ أهلُ العَدلِ ما أتلَفوهُ على أهلِ البَغيِ بالتأويلِ باتِّفاقِ العُلماءِ (٢). وقالَ المِرداويُّ ﵀: ولا يَضمنُ أهلُ العَدلِ ما أتلَفوهُ عليهِم حالَ الحَربِ مِنْ نَفسٍ أو مالٍ بلا نِزاعٍ (٣). ضَمانُ ما أتلَفَه البُغاةُ لأهلِ العَدلِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما أتلَفَه البُغاةُ لأهلِ العَدلِ، هل يَضمنونَه أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَجبُ عليهِم ضَمانُ ما أتلَفوهُ لأهلِ العَدلِ، كما لا يَضمنُ أهلُ العَدلِ ما أتلَفوهُ للبُغاةِ حالَ الحَربِ؛ «لأنَّ عليًّا لم يُضمِّنِ البُغاةَ ما أتلَفُوه حالَ الحَربِ مِنْ نَفسٍ ومالٍ» (٤)، ولأنهم طائفةٌ مُتأوِّلةٌ، فلا تَضمنُ كأهلِ العَدلِ، ولأنه ذو مَنعةٍ في حَقِّنا، وأما الإثمُ فإنه لا مَنعةَ له في حقِّ الشارعِ، ولأنَّ تَضمينَهم يُفضِي إلى تَنفيرِهم عن الرُّجوعِ إلى الطاعةِ؛ لِما رواهُ عبدُ الرزَّاقِ بإسنادِه عن الزهريِّ أنَّ سُليمانَ بنَ هِشامٍ كتَبَ إليه يَسألُه عن امرأةٍ خرَجَتْ مِنْ عندِ زوجِها وشَهدَتْ على قَومِها بالشِّركِ ولَحِقتْ

стр. 12721

بالحَروريةِ فتَزوَّجتْ، ثم إنها رجَعَتْ إلى أهلِها تائبةً، قالَ: فكَتبَ إليه: أما بعدُ، فإنَّ الفِتنةَ الأُولى ثارَتْ وأصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ مَنْ شَهِدَ بَدرًا كَثيرٌ، فاجتَمعَ رَأيُهم على ألا يُقيمُوا على أحَدٍ حَدًّا في فَرجٍ استَحلُّوه بتَأويلِ القُرآنِ، ولا قِصاصًا في دمٍ استَحلُّوه بتَأويلِ القُرآنِ، ولا يُرَدُّ مالٌ استَحلُّوه بتأويلِ القُرآنِ، إلا أنْ يُوجَدَ شَيءٌ بعَينِه، فيُرَدُّ على صاحبِه، وإني أَرى أنْ تُرَدَّ على زوجِها، وأنْ يُحَدَّ مِنْ افتَرى عليها»، ومثلُه لا يَكذبُ، فانعَقدَ الإجماعُ مِنْ الصَّحابةِ ﵃ على ما قُلنا وإنه حُجةٌ قاطِعةٌ. والمَعنى في المَسألةِ ما نبَّهَ عليهِ الصَّحابةُ ﵃، وهو أنَّ لهم في الاستِحلالِ تَأويلًا في الجُملةِ وإنْ كانَ فاسِدًا، لكنْ لهم مَنعةٌ، والتأويلُ الفاسدُ عندَ قِيامِ المَنعةِ يَكفي لرَفعِ الضَّمانِ كتأويلِ أهلِ الحَربِ، ولأنَّ الوِلايةَ مِنْ الجانبَينِ مُنقطِعةٌ؛ لوُجودِ المَنعةِ، فلَم يكنِ الوُجوبُ مُفيدًا لتعذُّرِ الاستيفاءِ، فلَم يَجبْ، ولو فَعَلوا شَيئًا مِنْ ذلكَ قبلَ الخُروجِ وظُهورِ المَنعةِ أو بعدَ الانهزامِ وتَفرُّقِ الجَمعِ يُؤخَذونَ به؛ لأنَّ المَنعةَ إذا انعَدمَتِ الولايةُ وبَقيَ مُجرَّدُ تأويلٍ فاسِدٍ، فلا يُعتبَرُ في دَفعِ الضَّمانِ. ولو قتَلَ تاجرٌ مِنْ أهلِ العَدلِ تاجرًا آخَرَ مِنْ أهلِ العَدلِ في عَسكرِ أهلِ البَغيِ، أو قتَلَ الأسيرُ مِنْ أهلِ العَدلِ أسيرًا آخَرَ أو قطَعَ ثم ظهَرَ عليهِ فلا قِصاصَ عليهِ؛ لأنَّ الفِعلَ لم يَقعْ مُوجِبًا؛ لتعذُّرِ الاستيفاءِ وانعِدامِ الوِلايةِ، كما لو قطَعَ في دارِ الحَربِ؛ لأنَّ عَسكرَ أهلِ البغيِ في حقِّ انقطاعِ الولايةِ ودارَ الحَربِ سَواءٌ (١).

стр. 12722

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: ولهذا كانَ جمهورُ العُلماءِ كأبي حَنيفةَ ومالكٍ وأحمَدَ في أصَحِّ الرِّوايتينِ والشافِعيِّ في أحَدِ القَولينِ على أنَّ أهلَ البَغيِ المُتأوِّلينَ لا يَضمنونَ ما أتلَفوهُ على أهلِ العَدلِ بالتأويلِ، كما لا يَضمنُ أهلُ العَدلِ ما أتلَفوهُ على أهلِ البغيِ بالتأويلِ باتِّفاقِ العُلماءِ. وكذلكَ أصَحُّ قَولَي العُلماءِ في المُرتدِّينَ، فإنَّ المُرتدَّ والباغيَ المُتأوِّلَ والمُبتدِعَ كلُّ هؤلاء يَعتقدُ أحَدُهم أنه على حقٍّ فيَفعلُ ما يَفعلُه متأوِّلًا، فإذا تابَ مِنْ ذلكَ كانَ كتَوبةِ الكافرِ مِنْ كُفرِه، فيُغفرُ له ما سلَفَ ممَّا فعَلَه مُتأوِّلًا، وهذا بخِلافِ مَنْ يَعتقدُ أنَّ ما يَفعلُه بَغيٌ وعُدوانٌ، كالمُسلمِ إذا ظلَمَ المُسلمَ، والذِّميِّ إذا ظلَمَ المُسلمَ، والمُرتدِّ الذي أتلَفَ مالَ غيرِه وليسَ بمُحاربٍ، بل هو في الظاهرِ مُسلمٌ أو مُعاهدٌ، فإنَّ هَؤلاءِ يَضمنونَ ما أتلَفوهُ بالاتفاقِ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ في القَديمِ إلى أنه يَجبُ عليهم ضَمانُ ما أتلَفوهُ مِنْ نَفسٍ أو مالٍ؛ لقَولِه تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، والباغي ظالِمٌ، فوجَبَ أنْ يكونَ عليهِ السلطانُ، وهو القِصاصُ، فيَضمنونَ، ولقَولِ أبي بكرٍ ﵁: «تَدُونَ قَتلانَا ولا نَدِي -مِنْ الدِّيةِ- قَتلاكُم»، ولأنها نُفوسٌ وأموالٌ مَعصومةٌ أُتلفَتْ بغيرِ حَقٍّ ولا ضَرورةِ دَفعِ

стр. 12723

مُباحٍ، فوجَبَ ضَمانُه، كالتي أُتلفَتْ في غيرِ حالِ الحربِ، ولأنَّ الضَّمانَ يَجبُ على آحادِ أهلِ البغيِ، فوجَبَ أنْ يكونَ على جَماعتِهم. وإنهم لمَّا ضَمنوهُ إذا لم يَمتنِعوا ضَمنوهُ وإنِ امتَنَعوا كأهلِ الحِرابةِ، ولأنه لمَّا كانَ القِتالُ مَحظورًا عليهم كانَ ما حدَثَ عنه مَضمونًا كالجِناياتِ، كما أنَّ القِتالَ لمَّا وجَبَ على أهلِ العَدلِ كانَ ما حدَثَ عنه غيرَ مَضمونٍ كالحُدودِ؛ لفَرقِ ما بينَ الواجبِ والمَحظورِ (١). وإذا خَرَجوا فأصابوا الدِّماءَ والأموالَ ثم تابوا ورَجَعوا وُضعَتِ الدماءُ عنهُم، ويُؤخذُ منهم ما وُجدَ بأيدِيهم مِنْ مالٍ بعَينِه، وما استَهلكوهُ لم يُتبَعوا به ولو كانوا أملياءَ؛ لأنهم مُتأوِّلونَ، بخِلافِ المُحاربينَ (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهل يَتحتَّمُ قتلُ الباغي إذا قتَلَ أحَدًا مِنْ أهلِ العَدلِ في غيرِ المَعركةِ؟ فيه وَجهانِ: أحَدُهما: يَتحتمُ؛ لأنه قتَلَ بإشهارِ السِّلاحِ وللسَّعيِ في الأرضِ بالفسادِ، فيُحتَّمُ قتلُه كقاطعِ الطَّريقِ. والثاني: لا يَتحتمُ، وهو الصَّحيحُ؛ لقَولِ عليٍّ ﵁: «إنْ شِئتُ أنْ أعفُوَ وإنْ شِئتُ استَقدْتُ»، فأما الخوارِجُ فالصَّحيحُ على ما ذكَرْنا إباحةُ قَتلِهم، فلا قِصاصَ على قاتلِ أحَدٍ منهم ولا ضَمانَ عليهِ في مالِه (٣).

стр. 12724

أسرَى البُغاةِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ أهلَ العَدلِ إذا أسَرُوا أحَدًا مِنْ أهلِ البغيِ وانكَشفَتِ الحَربُ وتَفرَّقوا ولم يَكنْ لهم شَوكةٌ فإنه لا يَجوزُ قَتلُ الأسيرِ. إلا أنَّ للفُقهاءِ تَفصيلًا في أسرَى البُغاةِ، ما الذي يَجوزُ أنْ يُفعلَ فيهم قبلَ ذلكَ؟ وهل يُقتلونَ إذا كانَ لهم فِئةٌ ومَنعةٌ؟ أم لا يَجوزُ قتلُهم بحالٍ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى لا يَجوزُ قتلُ الأسيرِ إذا لم تَكنْ لهم فِئةٌ، فإنْ كانَ لهم فِئةٌ فالإمامُ مُخيَّرٌ بينَ حَبسِه وقَتلِه. قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وأما أسيرُهم فإنْ شاءَ الإمامُ قتَلَه استِئصالًا لشَأفتِهم، وإنْ شاءَ حبَسَه لاندِفاعِ شَرِّه بالأسرِ والحَبسِ، وإنْ لم يَكنْ لهم فِئةٌ يَتحيَّزونَ إليها لم يُتبَعْ مُدبِرُهم ولم يُجهَزْ على جَريحِهم ولم يُقتلْ أسيرُهم؛ لوُقوعِ الأمنِ عن شَرِّهم عندَ انعِدامِ الفِئةِ (١). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَجوزُ قتلُ أسيرِهم. قالَ المالِكيةُ: ولا يُقتلُ أسيرُهم، ولا يُتبَعُ مُنهزِمُهم، ولا يُذفَّفُ على جَريحِهم، ولا تُسبَى ذَرارِيهم ولا أموالُهم (٢). وقالَ الشافِعيةُ: وإنْ أسَرَ أهلُ العَدلِ مِنْ أهلِ البَغيِ حُرًّا بالِغًا فإنْ كانَ شابًّا جَلدًا .. فإنَّ للإمامِ أنْ يَحبسَه ما دامَتِ الحَربُ قائِمةً إنْ لم يَرجعْ إلى

стр. 12725

الطاعةِ، فإنْ بذَلَ الرُّجوعَ إلى الطاعةِ .. أُخذَتْ منه البَيعةُ وخُليَ، وإنِ انقَضتِ الحَربُ أو انهَزَموا إلى غيرِ فِئةٍ .. فإنه يُخلَّى، وإنِ انهَزَموا إلى فئةٍ .. خُليَ على المَذهبِ، ولم يُخَلَّ على قَولِ أبي إسحاقَ، ولا يَجوزُ قتلُه؛ لقَولِه ﷺ : «ولا يُقتلُ أسيرُهم»، وهذا إنْ ثبَتَ نَصٌّ، ولأنَّ سِيرةَ عليٍّ ﵇ فيهم كانَت هكذا، وعليهَا عَمِلَ المُسلمونَ بعدَه، ولأنَّ المَقصودَ بقتالِهم كفُّهم عن القِتالِ، وليسَ المَقصودُ قتْلَهم، ولأنهم في دفعِهم عن البغيِ في حُكمِ الطالبِ نفسَ المَطلوبِ الذي لا يَجوزُ قتلُه بعدَ كفِّه، كذلكَ البغاةُ، وهم بخِلافِ أهلِ الحَربِ؛ لأنَّ المَقصودَ قتلُهم بقتالِهم، فافتَرَقوا. فإنْ قتَلَه رَجلٌ مِنْ أهلِ العَدلِ عامِدًا .. فهل يَجبُ عليهِ القِصاصُ؟ فيه وَجهانِ: أحَدُهما: يَجبُ عليهِ القِصاصُ؛ لأنه صارَ بالأسرِ مَحقونَ الدمِ، فصارَ كما لو رجَعَ إلى الطاعةِ، وللوَليِّ أنْ يَعفوَ عن القَودِ إلى الدِّيةِ. والثَّاني: لا يَجبُ عليهِ القِصاصُ؛ لأنَّ قولَ أبي حَنيفةَ شُبهةٌ تُسقِطُ عنه القِصاصَ. فعلَى هذا تَجبُ فيه الدِّيةُ. وإنْ كانَ الأسيرُ شَيخًا لا قِتالَ فيه أو مَجنونًا أو امرأةً أو صَبيًّا أو عَبدًا .. لم يُحبَسوا؛ لأنهم لَيسوا مِنْ أهلِ البَيعةِ على القتالِ. قالَ العَمرانِيُّ ﵀: ومِن أصحابِنا مَنْ قالَ: يُحبَسونَ؛ لأنَّ في ذلكَ كَسرًا لقُلوبِهم وإقلالًا لجَمعِهم، والمَنصوصُ هو الأولُ (١).

стр. 12726

وقالَ الحَنابلةُ: إذا أُسرَ منهُم حُبسَ حتى تَنقضيَ الحَربُ ثم يُرسَلُ ولا يُقتلُ؛ لأنَّ شَرَّه قد اندَفعَ بأسرِه، ولِما رُويَ عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «يا ابنَ أمِّ عَبدٍ ما حُكمُ مَنْ بغَى على أمَّتي؟ قلتُ: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ، فقالَ: لا يُتبَعُ مُدبِرُهم، ولا يُجازُ على جَريحِهم، ولا يُقتلُ أسيرُهم، ولا يُقسمُ فَيؤُهم»، ولأنَّ المَقصودَ دَفعُهم وكَفُّهم وقد حصَلَ، فلَم يَجُزْ قتلُهم كالصائلِ، ولا يُقتلونَ لِما يُخافُ في الثاني كما لو لم تَكنْ لهم فِئةٌ، إذا ثبَتَ هذا فإنْ قتَلَ إنسانٌ مَنْ مُنعَ مِنْ قتلِه ضَمِنَه؛ لأنه قتَلَ مَعصومًا لم يُؤمرْ بقَتلِه، وفي القِصاصِ وَجهانِ: أحَدُهما: يَجبُ؛ لأنه مُكافئٌ مَعصومٌ. والثَّاني: لا يَجبُ؛ لأنَّ في قَتلِهم اختِلافًا بينَ الأئمَّةِ، فكانَ ذلكَ شُبهةَ دارئةً للقِصاصِ؛ لأنه ممَّا يَندرئُ بالشبُهاتِ. وإنْ لم يَكنِ الأسيرُ مِنْ أهلِ القتالِ كالنِّساءِ والصِّبيانِ والشُّيوخِ الفانينَ خُليَ سَبيلُهم ولم يُحبَسُوا في أحَدِ الوَجهين، وفي الآخَرِ: يُحبسونَ؛ لأنَّ فيه كَسرًا لقُلوبِ البُغاةِ (١). فِداءُ الأسرَى: قالَ ابن قُدامةَ ﵀: وإنْ أسَرَ كلُّ واحدٍ مِنْ الفَريقينِ أُسارَى مِنْ الفريقِ الآخَرِ جازَ فِداءُ أسارَى أهلِ العَدلِ بأُسارَى أهلِ البغيِ، وإنْ قتَلَ أهلُ البغيِ أُسارى أهلِ العَدلِ لم يَجُزْ لأهلِ العَدلِ قتلُ أساراهُم؛

стр. 12727

لأنهم لا يُقتَلونَ بجِنايةِ غيرِهم ولا يَزِرونَ وِزرَ غيرِهم، وإنْ أبَى البُغاةُ مُفاداةَ الأسرى الذينَ معَهم وحَبَسوهُم احتَملَ أنْ يَجوزَ لأهلِ العَدلِ حَبسُ مَنْ معَهم؛ ليَتوصَّلوا إلى تَخليصِ أُساراهم بحَبسِ مَنْ معَهم، ويَحتملُ أنْ لا يَجوزَ حَبسُهم ويُطلَقونَ؛ لأنَّ الذنبَ في حَبسِ أُسارى أهلِ العَدلِ لغيرِهم (١). مَنْ يَجوزُ قتلُه مِنْ أهلِ البَغيِ ومَن لا يَجوزُ؟ قالَ الحَنفيةُ: مَنْ لا يَجوزُ قتلُه مِنْ أهلِ الحَربِ مِنْ الصبيانِ والنِّسوانِ والأشياخِ والعُميانِ لا يجوزُ قتلُه مِنْ أهلِ البغيِ؛ لأنَّ قتْلَهم لدَفعِ شرِّ قتالِهم، فيَختصُّ بأهلِ القتالِ، وهؤلاءِ ليسُوا مِنْ أهلِ القتالِ، فلا يُقتلونَ إلا إذا قاتَلُوا، فيُباحُ قتلُهم في حالِ القتالِ وبعدَ الفراغِ مِنْ القتالِ، إلا الصِّبيانَ والمَجانينَ على ما ذكَرْنا في حُكمِ أهلِ الحَربِ (٢). وقالَ المالِكيةُ: المَرأةُ المقاتِلةُ مع أهلِ البَغيِ حُكمُها حُكمُ الرَّجلِ، فإذا قاتَلَتِ النِّساءُ مع الرَّجالِ بالسِّلاحِ فلِأهلِ القتالِ قتلُهنَّ في القتالِ، وإنْ لم يَكنْ قتالُهنَّ إلا بالتَّحريضِ ورَميِ الحِجارةِ فلا يُقتلْنَ، ولو أُسِرنَ وقد كُنَّ يُقاتِلْنَ قتالَ الرِّجالِ لم يُقتلْنَ (٣). وقالَ الشافِعيةُ: إذا قاتلَ مع أهلِ البَغيِ نساؤُهم وصِبيانُهم وعَبيدُهم كانُوا في حُكمِهم، يُقاتَلونَ مُقبلِينَ ويُكَفُّ عنهم مُدبرينَ وإنْ لم يكونوا مِنْ

стр. 12728

أهلِ البَيعةِ والجِهادِ؛ لأنهم قد صارُوا في وُجوبِ كفِّهم عن القِتالِ كالرِّجالِ مِنْ أهلِ البَيعةِ والجِهادِ، ولأنَّ الإمامَ في دَفعِهم عن المُسلمينَ جارٍ مَجرى الدافعِ عن نَفسِه، وله دَفعُ الطالبِ ولو بالقَتلِ، ولو كانَت امرأةً أو صَبيًّا، كذلكَ المقاتِلُ مِنْ البُغاةِ يُدفعُ ولو بالقتلِ ولو كانَ امرأةً أو صَبيًّا (١). وقالَ الحَنابلةُ: وإذا قاتَلَ معُهم عَبيدٌ ونِساءٌ وصِبيانُ فهُم كالرَّجلِ البالغِ الحُرِّ، يقاتَلونَ مُقبلينَ ويُتركونَ مُدبرينَ؛ لأنَّ قِتالَهم للدفعِ، ولو أرادَ أحَدُ هؤلاءِ قتْلَ إنسانٍ جازَ دَفعُه وقتالُه وإنْ أتَى على نَفسِه، ولذلكَ قُلنا في أهلِ الحَربِ إذا كانَ معُهم النساءُ والصِّبيانُ يُقاتِلونَ قُوتِلُوا وقُتِلوا (٢). ما يَجوزُ قِتالُ البُغاةِ به وما لا يَجوزُ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما يَجوزُ قتالُ البُغاةِ به، فنَصَّ الحَنفيةُ والمالِكيةُ على أنه يَجوزُ قتالُهم بكلِّ ما يقاتَلُ به الكفَّارُ. قالَ الحَنفيةُ: يَجوزُ قتالُهم بكلِّ ما يقاتَلُ به أهلُ الحَربِ، كالرميِ بالنَّبلِ والمِنجنيقِ وإرسالِ الماءِ والنارِ عليهِم؛ لأنَّ قِتالَهم فَرضٌ؛ لقولِه تعالَى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، فصارَ قتالُهم كقِتالِ أهلِ الحَربِ (٣). وقالَ المالِكيةُ: ويُقاتلُهم بالسَّيفِ والرَّميِ بالنَّبلِ والمِنجنيقِ والتَّغريقِ

стр. 12729

والتحريقِ وقَطعِ المِيرةِ والماءِ عنهُم، إلا أنْ يكونَ فيهم نِسوةٌ أو ذِراري، فلا نَرميهِم بالنارِ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَجوزُ رَميُ أهلِ البَغيِ بالنارِ ولا بالمِنجنيقِ مِنْ غيرِ ضَرورةٍ. قالَ الشافِعيةُ: لا يجوزُ رَميُ أهلِ البغيِ بالنارِ ولا بالمِنجنيقِ مِنْ غيرِ ضَرورةٍ؛ لأنَّ القصدَ بقتالِهم كَفُّهم ورَدُّهم إلى الطاعةِ، وهذا يُهلِكُهم، ولأنَّ هذا يَقتلُ مِنْ يقاتِلُ ومَن لا يقاتِلُ، وإنما يَجوزُ قتلُ مَنْ يقاتِلُ مِنْ البُغاةِ. فإنْ أحاطَ أهلُ البغيِ بأهلِ العدلِ مِنْ كلِّ جهةٍ ولم يُمكِنْهم التخلُّصُ منهُم إلا بالرميِ بالنارِ أو بالمِنجنيقِ جازَ لهم ذلكَ؛ لأنَّ هذا مَوضعُ ضَرورةٍ. وقالَ ابنُ الصبَّاغِ ﵀: وكذلكَ إنْ رَماهُم أهلُ البَغيِ بالنارِ أو بالمِنجنيقِ جازَ لأهلِ العَدلِ رميُهم بمثلِ ذلك (٢). وقالَ الحَنابلةُ: ولا يُقاتَلُ البغاةُ بما يَعمُّ إتلافُه كالنارِ والمِنجنيقِ والتغريقِ مِنْ غيرِ ضَرورةٍ؛ لأنه لا يَجوزُ قتلُ مَنْ لا يقاتِلُ، وما يَعُمُّ إتلافُه يَقعُ على مَنْ يقاتِلُ ومَن لا يقاتِلُ، فإذا دَعَتْ إلى ذلكَ ضرورةٌ مثلَ أنْ يَحتاطَ بهم البُغاةُ ولا يُمكِنُهم التخلُّصُ إلا برَميِهم بما يَعمُّ إتلافُه جازَ ذلكَ (٣).

стр. 12730

هلِ الذي يَموتُ في قِتالِ البُغاةِ مِنْ أهلِ العَدلِ يكونُ شَهيدًا أم لا؟ اختَلفَ الفُقهاءُ في الذي يَموتُ في قتالِ البُغاةِ مِنْ أهلِ العَدلِ، هل يكونُ شَهيدًا أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه شَهيدٌ ويُعامَلُ مُعامَلةَ الشهداءِ. قالَ الحَنفيةُ: الشَّهيدُ: هو كلُّ مَنْ صارَ مَقتولًا في قِتالِ أهلِ الحَربِ أو البغاةِ أو قُطَّاعِ الطريقِ بمعنًى مضافٍ إلى العَدوِّ، كانَ شهيدًا بالمباشَرةِ أو التسبُّبِ، وكلُّ مَنْ صارَ مَقتولًا بمعنًى غيرِ مُضافٍ إلى العدوِّ لا يكونُ شهيدًا (١). قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإن قُتلَ العادلُ كانَ شَهيدًا؛ لأنه قُتلَ في قتالٍ أمَرَ اللهُ تعالَى به بقَولِه: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: ٩]. وهل يُغسَّلُ ويُصلَّى عليهِ؟ فيه رِوايتانِ: إحداهُما: لا يُغسَّلُ ولا يُصلَّى عليهِ؛ لأنه شَهيدُ مَعركةٍ أُمِرَ بالقتالِ فيها، فأشبَهَ شَهيدَ مَعركةِ الكفَّارِ. والثَّانيةُ: يُغسَّلُ ويُصلَّى عليهِ، وهو قَولُ الأوزاعيِّ وابنِ المُنذرِ، ولأنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ بالصلاةِ على مَنْ قالَ: (لا إلهَ إلا اللهُ) واستَثنى قتيلَ الكفَّارِ في المَعركةِ، ففيما عَداهُ يَبقى على الأصلِ، ولأنَّ شَهيدَ مَعركةِ الكفَّارِ أجرُه أعظَمُ وفَضلُه أكثَرُ، وقد جاءَ أنه يُشفَّعُ في سِبعينَ

стр. 12731

مِنْ أهلِ بَيتِه، وهذا لا يَلحقُ به في فَضلُه، فلا يَثبتُ فيه مثلُ حُكمِه، فإنَّ الشيءَ إنما يُقاسُ على مثلِه (١). وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: أو ماتَ عادلٌ في قِتالِ البُغاةِ له فغيرُ شَهيدٍ في الأظهَرِ؛ لأنه قَتيلُ مُسلمٍ، فأشبَهَ المَقتولَ في غيرِ القتالِ، وقد غَسلتْ أسماءُ بنتُ أبي بَكرٍ ﵄ ابنَها عبدَ اللهِ بنَ الزُّبيرِ ﵄ ولم يُنكِرْ عليها أحَدٌ، نعَمْ لو استَعانَ البُغاةُ بكفَّارٍ فقتَلَ كافرٌ مُسلمًا فهو شَهيدٌ كما قالَه القفَّالُ في فَتاويهِ. والثاني وصحَّحَه السُّبكيُّ: أنه شَهيدٌ؛ لأنه كالمَقتولِ في مَعركةِ الكفَّارِ، ولأنَّ عليًّا ﵁ لم يُغسِّلْ مَنْ قُتلَ معه، أما إذا كانَ المَقتولُ مِنْ أهلِ البَغيِ فليسَ بشَهيدٍ جَزمًا (٢). الغُسلُ والصَّلاةُ على مَنْ قُتِلَ مِنْ أهلِ البَغيِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن قُتِلَ مِنْ أهلِ البَغيِ، هل يَجوزُ غَسلُه والصَّلاةُ عليهِ أم لا؟ فقالَ مالكٌ والشافِعيُّ وأحمَدُ: يُغسَّلونَ ويُصلَّى عليهِم. وقالَ أبو حَنيفةَ: لا يُغسَّلونَ ولا يُصلَّى عليهِم؛ إهانةً لهُم وزَجرًا لغيرِهم عن فعلِهم، وذلكَ إذا قُتِلوا في أثناءِ حَربِهم. أما إذا قُتِلوا بعدَ استيلاءِ السُّلطةِ الحاكِمةِ عليهِم فإنهم يُغسَّلونَ ويُصلَّى

стр. 12732

عليهِم؛ لأن قتْلَهم حِينئذٍ لكَسرِ شَوكتِهم، فهو في حُكمِ الحَدِّ، فيَعودُ نَفعُه على الجَماعةِ. قالَ الوزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وليسَ تَركُ الصَّلاةِ على هَؤلاءِ -عندَ أبي حَنيفةَ- ممَّا له مُناسَبةٌ بتَركِ الصلاةِ على الشهداءِ، فإنَّ ذلكَ لتَشريفهمِ، وهؤلاءِ تُرِكَتِ الصلاةُ عليهِم عُقوبةً لهم وزَجرًا لأمثاِلهم (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (ومَن قُتلَ منهم غُسِّلَ وكُفِّنَ وصُلِّيَ عليهِ. يعني مِنْ أهلِ البَغيِ، وبهذا قالَ مالكٌ والشافِعيُّ. وقالَ أصحابُ الرَّأيِ: إنْ لم يكنْ لهُم فِئةٌ صُلِّي عليهِم، وإنْ كانَت لهم فِئةٌ لم يُصَلَّ عليهِم؛ لأنه يَجوُز قتلُهم في هذهِ الحالِ، فلَم يُصَلَّ عليهِم كالكفَّارِ. ولنا: قولُ النبيِّ ﷺ : «صَلُّوا على مَنْ قالَ: لا إلهَ إلا اللهُ» رواهُ الخلَّالُ في جامِعِه، ولأنهُم مُسلِمونَ لم يَثبتْ لهم حُكمُ الشَّهادةِ، فيُغسَّلونَ ويُصلَّى عليهِم كما لو يكنْ لهُم فئةٌ، وما ذَكَروهُ يَنتقضُ بالزاني المُحصَنِ والمُقتَصِّ منه والقاتِلِ في المُحارَبةِ.

стр. 12733

فصلٌ: لم يُفرِّقْ أصحابُنا بينَ الخَوارجِ وغيرِهم في هذا، وهو مَذهبُ الشافِعيِّ وأصحابِ الرأيِ. وظاهِرُ كَلامِ أحمَدَ ﵀ أنه لا يُصلَّى على الخَوارجِ؛ فإنه قالَ: أهلُ البِدَعِ إنْ مَرِضوا فلا تَعودُوهُم، وإنْ ماتوا فلا تُصَلُّوا عليهِم، وقالَ أحمَدُ: الجَهميةُ والرافِضةُ لا يُصلَّى عليهِم، قد ترَكَ النبيُّ ﷺ الصلاةَ بأقلَّ مِنْ هذا، وذكَرَ «أنَّ النبيَّ ﷺ نهَى أنْ تُقاتَلَ خَيبَرُ مِنْ ناحيةٍ مِنْ نواحيها، فقاتَلَ رَجلٌ مِنْ تلكَ الناحِيةِ فقُتلَ فلَم يُصَلِّ عليهِ النبيُّ ﷺ ، فقيلَ: إنه كانَ في قَريةٍ أهلُها نَصارَى ليسَ فيها مَنْ يُصلِّي عليهِ، قالَ: أنا لا أشهَدُه، يَشهدُه مَنْ يَشاءُ». وقالَ مالِكٌ: لا يُصلَّى على الإباضِيةِ ولا القدَريةِ وسائرِ أصحابِ الأهواءِ، ولا تُتبعُ جَنائزُهم ولا تُعادُ مَرضاهُم. والإباضيةُ صِنفٌ مِنْ الخَوارجِ نُسِبوا إلى عَبدِ اللهِ بن إباضِ صاحِبِ مَقالَتِهم، والأزارِقةُ أصحابُ نافعِ بنِ الأزرَقِ، والنَّجداتُ أصحابُ نَجدةِ الحَروريِّ، والبَيهسيةُ أصحاب بَيهسَ، والصُّفريةُ قيلَ: إنهم نُسِبوا إلى صُفرةِ ألوانِهم، وأصنافُهم كَثيرةٌ، والحَروريةُ نُسِبوا إلى أرضٍ يقالَ لها حَروراءُ خَرَجوا بها. وقالَ أبو بكرِ بنُ عيَّاشٍ: لا أصلِّي على الرافِضيِّ؛ لأنه زعَمَ أنَّ عُمرَ كافرٌ، ولا على الحَروريِّ؛ لأنه يَزعمُ أنَّ عَليًّا كافرٌ. وقالَ الفِريابيُّ: مَنْ شتَمَ أبا بَكرٍ فهو كافِرٌ ولا يُصلَّى عليهِ، ووَجهُ تَركِ الصلاةِ عليهِم أنهم يُكفِّرونَ أهلَ الإسلامِ ولا يَرَونَ الصلاةَ عليهِم،

стр. 12734

فلا يُصلَّى عليهِم كالكفَّارِ مِنْ أهلِ الذمَّةِ وغيرِهم، ولأنهم مَرَقوا مِنْ الدِّينِ، فأشبَهُوا المُرتدينَ (١). هل البُغاةُ فَسَقةٌ: قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: والبغاةُ إذا لم يَكونُوا مِنْ أهلِ البدَعِ ليسُوا بفاسِقينَ، وإنما هُمْ مُخطِئونَ في تَأويلِهم، والإمامُ وأهلُ العَدلِ مُصيبونَ في قِتالِهم، فهُم جَميعًا كالمُجتهِدينَ مِنْ الفُقهاءِ في الأحكامِ، مَنْ شَهِدَ منهم قُبِلتْ شَهادتُه إذا كانَ عَدلًا، وهذا قولُ الشافِعيِّ، ولا أعلَمُ في قَبولِ شَهادتِهم خِلافًا. فأما الخَوارجُ وأهلُ البِدعِ إذا خَرَجوا على الإمامِ فلا تُقبلُ شَهادتُهم؛ لأنهم فسَّاقٌ، وقالَ أبو حَنيفةَ: يَفسقونَ بالبغيِ وخُروجِهم على الإمامِ، ولكنْ تُقبلُ شَهادتُهم؛ لأنَّ فِسقَهم مِنْ جِهةِ الدِّينِ، فلا تُرَدُّ به الشَّهادةُ، وقد قُبلَ شَهادةُ الكفَّارِ بعضِهم على بعضٍ (٢). وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: وإنْ شَهدَ عَدلٌ مِنْ أهلِ البَغي .. قُبلَتْ شَهادتُه، ووافَقَنا أبو حَنيفةَ على ذلكَ؛ لأنهُم وإنْ كانوا فَسقةً عندَه .. ففِسقُهم عندَه مِنْ جِهةِ التديُّنِ، وذلكَ لا يُوجِبُ ردَّ الشهادةِ عندَه، وإنما قُبلَتْ شَهادتُهم عندَنا لأنهم ليسُوا بفَسقةٍ، فهُم كأهلِ العدلِ المُختلِفينَ في الأحكامِ (٣).

стр. 12735

هل يُقاتَلُ الخَوارجُ على رَأيِهم: نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ عَلى أنه لَو أظهَرَ قَومٌ رأيَ الخَوارجِ فتَجنَّبوا الجَماعاتِ وسَبُّوا السلَفَ وكفَّروهُم وقالوا: «مَنْ أتَى بكَبيرةٍ خرَجَ مِنْ المِلَّةِ واستَحقَّ الخُلودَ في النارِ»، ولكنَّهم لم يَخرُجوا مِنْ قَبضةِ الإمامِ فإنه لا يَجوزُ قتالُهم. قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: فإذا اعتَقدَ قومٌ رأيَ الخَوارجِ وظهَرَ مُعتقَدُهم على ألسِنتِهم وهُم بينَ أهلِ العَدلِ غيرُ منابِذينَ لهم ولا مُتجرِّئينَ عليهِم تُرِكوا على حالِهم ولم يَجُزْ قَتلُهم ولا قتالُهم، ولم يُؤخَذُوا جَبْرًا بالانتقالِ عن مَذهبِهم والرُّجوعِ عن تَأويلِهم، وعُدلَ إلى مُناظَرتِهم وإبطالِ شُبهتِهم بالحُججِ والبَراهينَ وإنْ كانُوا عليهَا مُقرِّينَ، فقدْ أقَرَّهم عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵇ قبلَ أنْ يَعتزِلوه وسَمِعَ قائلَهم يقولُ: «لا حُكمَ إلا للهِ» تَعريضًا به في تَحكيمِه يَومَ صِفِّينَ، فقالَ عليٌّ: «كَلمةُ حَقٍّ أريدَ بها باطِلٌ»، وهذا أحسَنُ جوابٍ لمَن عرَّضَ بمثلِ هذا القَولِ، ثم قالَ: «لكُم علينا ثَلاثٌ: لا نَمنعُكم مَساجدَ اللهِ أنْ تَذكُروا فيها اسمَ اللهِ، ولا نَمنعُكم الفيءَ ما دامَتْ أيديكُم مَعَنا، ولا نَبدؤُكم بقتالٍ»، فجعَلَ هذهِ الأحكامَ فيهم كهيَ في أهلِ العَدلِ، واقتَضى في ذلكَ سيرةَ رسولِ اللهِ ﷺ في المُنافقينَ في كفِّه عنهم مع عِلمِه بمُعتقَدِهم لتَظاهُرِهم بطاعَتِه مع استِبطانِ مَعصيتِه. فإنْ صرَّحَ الخوارجُ بسبِّ الإمامِ وسبِّ أهلِ العَدلِ عُزِّروا؛ للأذَى وذَبًّا عن مَنصبِ الإمامةِ، وإنْ عَرَّضوا به مِنْ غيرِ تَصريحٍ ففي تَعزيرِهم

стр. 12736

وَجهانِ: أحَدُهما: لا يُعزَّرونَ؛ لأنَّ عليًّا لم يُعزِّرْ مَنْ عرَّضَ؛ لفرقِ ما بينَ التعريضِ والتصريحِ. والثاني: أنهم يُعزَّرونَ؛ لأنَّ الإقرارَ على التعريضِ مُفضٍ إلى التصريحِ، فكانَ التعزيرُ حاسِمًا لِما بعدَه مِنْ التَّصريحِ (١). وقالَ العَمرانِيُّ ﵀: وإنْ أظهَرَ قَومٌ رأيَ الخَوارجِ فتَجنَّبوا الجَماعاتِ وسَبُّوا السلَفَ وكفَّروهُم، وقالَوا: «مَنْ أتى بكَبيرةٍ .. خرَجَ مِنْ الملَّةِ واستَحقَّ الخلودَ في النارِ» ولكنَّهم لم يَخرُجوا مِنْ قَبضةِ الإمامِ .. فإنه لا يُقاتِلُهم في ذلكَ، كما روينَاهُ في الرَّجلِ الذي قالَ لعليٍّ على بابِ المَسجدِ وعليُّ ﵁ وأرضاهُ يَخطبُ: «لا حُكمَ إلا للهِ» وكانَ خارِجيًّا؛ لأنَّ هذا مِنْ كَلامِهم. ورُوِيَ: أنه حُملَ ابنُ مُلجمٍ إلى عَليٍّ ﵁ وأرضاهُ وقيلَ له: إنه يُريدُ أنْ يَقتلَكَ، فلَم يَقتلْه، وكانَ ابنُ مُلجمٍ خارِجيًّا. ورُوِيَ: أنَّ عامِلًا لعُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ ﵁ كتَبَ إليه: أنَّ قَومًا يَرَونَ رأيَ الخوارجِ، يُسبُّونَكَ، فقالَ: إذا سَبُّوني .. سُبُّوهم، وإذا حَمَلوا السلاحَ فاحمِلُوا عليهِم السلاحَ، وإذا ضَرَبوا .. فاضرِبوهُم. وإنْ سَبُّوا الإمامَ أو غيرَه .. عُزِّروا، وإنْ عَرَّضوا بسَبِّ الإمامِ .. ففيه وَجهانِ: أحَدُهما: لا يُعزَّرونَ؛ «لأنَّ عليًّا ﵁ وأرضاه صَلَّى الفَجرَ فسَمعَ

стр. 12737

رجلًا خلْفَه مِنْ الخَوارجِ يَقولُ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] ورفَعَ بها صَوتَه تعريضًا له بذلكَ، فأجابَه عليٌّ ﵁ وأرضاهُ وكانَ في الصلاةِ: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠]، ولم يُعزِّرْه»، ولأنَّ التعريضَ يَحتملُ السَّبَّ وغيرَه. والثَّاني: يُعزَّرونَ؛ لأنه إذا لم يُعزِّرْهم بالتعريضِ بالسبِّ .. ارتَقَوا إلى التصريحِ بالسبِّ وإلى أعظَمَ منه. فإنْ بعَثَ إليهم الإمامُ واليًا فقتَلَوهُ .. وجَبَ عليهِم القصاصُ؛ لِما رُوِي: «أنَّ عليًّا ﵁ وأرضاهُ بعَثَ عبدَ اللهِ بنَ خبَّابٍ إلى أهلِ النهرَوانِ واليًا، فسَلَّموا وأطاعوا، ثم قَتَلوهُ، فبعَثَ إليهم أنِ ابعَثُوا بقاتلِه، فأبوا وقالُوا: كُلُّنا قتَلَه، فسارَ إليهِم وقاتَلَهم». وهل يَتحتمُ القِصاصُ على القاتلِ؟ فيه وَجهانِ: أحَدُهما: يَتحتمُ؛ لأنه قتَلَ بتَشهيرِ السِّلاحِ، فصارَ بمَنزلةِ قاطعِ الطَّريقِ. والثاني: لا يَتحتمُ؛ لأنه لم يَقصدْ بذلكَ إخافةَ الطريقِ وأخْذَ الأموالِ، فأشبَهَ مَنْ قتَلَ رَجلًا مُنفردًا (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإذا أظهَرَ قومٌ رأيَ الخوارجِ مثلَ تَكفيرِ مَنْ ارتَكبَ كَبيرةً وتَركِ الجَماعةِ واستِحلالِ دماءِ المُسلمينَ وأموالِهم إلا أنهُم لم يَخرُجوا عن قَبضةِ الإمامِ ولم يَسفِكوا الدمَ الحَرامَ فحكَى القاضي عن أبي بكرٍ أنه لا يَحلُّ بذلكَ قَتلُهم ولا قتالُهم، وهذا قولُ أبي

стр. 12738

حَنيفةَ والشافِعيِّ وجُمهورِ أهلِ الفقهِ، ورُويَ ذلكَ عن عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ، فعَلى هذا حُكمُهم في ضمانِ النَّفسِ والمالِ حُكمُ المُسلمينَ. وإنْ سَبُّوا الإمامَ أو غيرَه مِنْ أهلِ العَدلِ عُزِّروا؛ لأنهم ارتَكَبوا مُحرَّمًا لا حَدَّ فيه، وإنْ عَرَّضوا بالسَّبِّ فهلْ يُعزَّرونَ؟ على وَجهين، وقالَ مالكٌ في الإباضِيةِ وسائرِ أهلِ البِدعِ: يُستتابونَ، فإنْ تابوا وإلا ضُربَتْ أعناقُهم، قالَ إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: رَأى مالكٌ قتْلَ الخَوارجِ وأهلِ القَدرِ مِنْ أجْلِ الفسادِ الداخلِ في الدِّينِ كقطَّاعِ الطريقِ، فإنْ تابوا وإلا قُتِلوا على إفسادِهم. وأما مَنْ رَأى تَكفيرَهم فمُقتضَى قَولِه: «إنهُم يُستتابونَ، فإنْ تابوا وإلا قُتِلوا لكُفرِهم كما يُقتلُ المُرتدُّ»، وحُجَّتُهم قولُ النبيِّ ﷺ : «فأينَما لَقيتُموهُم فاقتُلوهُم»، وقولُه ﵇: «لَئِنْ أدرَكْتُهم لَأقتُلنَّهم قتْلَ عادٍ»، وقولُه ﷺ في الذي أنكَرَ عليهِ وقالَ: «إنها لَقِسمةٌ ما أُريدَ بها وَجهُ اللهِ» لأبي بَكرٍ: «اذهَبْ فاقُتلْه، ثم قالَ لعُمرَ مثلَ ذلكَ»، فأمَرَ بقَتلِه قبلَ قِتالِه، وهو الذي قالَ: «يَخرجُ مِنْ ضِئضِئ هذا قَومٌ» يَعني الخَوارجَ، وقولُ عُمرَ لصُبيغٍ: «لو وجَدتُكَ مَحلوقًا لَضرَبتُ الذي فيه عَيناكَ بالسَّيفِ» يعني لَقتَلتُكَ، وإنما يَقتلُه لكَونِه مِنْ الخَوارجِ، فإنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «سِيماهُم التَّسبيدُ» يعني حلْقَ رُؤوسِهم. واحتَجَّ الأوَّلونَ بفِعلِ عليٍّ ﵁، فإنه رُويَ عنه «أنه كانَ يَخطبُ يَومًا، فقالَ رَجلٌ ببابِ المَسجدِ: لا حُكمَ إلا للهِ، فقالَ عليٌّ: كَلمةُ حَقٍّ أريدَ بها باطِلٌ، ثم قالَ: لكُم علينا ثَلاثٌ: لا نَمنعُكم مَساجدَ اللهِ أنْ تَذكُروا فيها اسمَ اللهِ تعالَى، ولا نَمنعُكم الفَيءَ ما دامَتْ أيديكُم معَنا، ولا نَبدؤُكم

стр. 12739

بقِتالٍ» (١)، ورَوى أبو يَحيى قالَ: «صلَّى عليٌّ ﵁ صَلاةً فناداهُ رَجلٌ مِنْ الخَوارجِ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ [الزمر: ٦٥]، فأجابَه عليٌّ ﵁: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠]». وكتَبَ عَديُّ بنُ أرطَأةَ إلى عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ: إنَّ الخَوارجَ يَسبُّونَكَ، فكتَبَ إليه: إنْ سَبُّوني فسُبُّوهم أو اعفُوا عنهُم، وإنْ شَهَروا السِّلاحَ فاشهرُوا عليهِم، وإنْ ضَرَبوا فاضرِبُوا، ولأنَّ النبيَّ ﷺ لم يَتعرَّضْ للمُنافِقينَ الذينَ معه في المَدينةِ، فلَأنْ لا يُتعرَّضَ لغَيرِهم أَولى، وقد رُويَ في خبَرِ الخارِجيِّ الذي أنكَرَ عليهِ أنَّ خالِدًا قالَ: يا رَسولَ اللهِ ألَا أضرِبُ عُنقَه؟ قالَ: لعلَّه يُصلِّي، قالَ: رُبَّ مُصَلٍّ لا خيرَ فيه، قالَ: إني لم أُومَرْ أنْ أنقِّبَ عن قُلوبِ الناسِ (٢). وقالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: قالَ إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: رَأى مالِكٌ قتْلَ الخَوارجِ وأهلِ القَدرِ مِنْ أجْلِ الفَسادِ الداخلِ في الدِّينِ، وهو مِنْ بابِ الفَسادِ في الأرضِ، وليسَ إفسادُهم بدُونِ فسادِ قطَّاعِ الطريقِ والمُحارِبينَ للمُسلمينَ على أموالِهم، فوجَبَ بذلكَ قَتلُهم، إلا أنه يَرى استِتبابتَهم لعَلَّهم يُراجِعونَ الحقَّ، فإنْ تَمادَوا قُتِلوا على إفسادِهم لا على كُفرٍ.

стр. 12740

قالَ أبو عُمرَ: هذا قَولُ عامَّةِ الفُقهاءِ الذين يَرَونَ قتْلَهم واستِتابتَهم، ومنهُم مَنْ يَقولُ: «لا يُتعرَّضُ لهم باستِتابةٍ ولا غيرِها ما استَتَروا ولم يَبغُوا ويُحارِبوا»، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ وأبي حَنيفةَ وأصحابِهما وجُمهورِ أهلِ الفقهِ وكَثيرٍ مِنْ أهلِ الحَديثِ. قالَ الشافِعيُّ ﵀ في كِتابِ قتالِ أهلِ البغيِ: لو أنَّ قَومًا أظهَرُوا رأيَ الخَوارجِ وتَجنَّبوا جَماعةَ المُسلمينَ وكفَّروهُم لم تَحلَّ بذلكَ دِماؤُهم ولا قِتالُهم؛ لأنهُم على حُرمةِ الإيمانِ، حتى يَصيروا إلى الحالِ التي يَجوزُ فيها قِتالُهم، مِنْ خُروجِهم إلى قِتالِ المسلمينَ وإشهارِهم السلاحَ وامتِناعِهم مِنْ نُفوذِ الحقِّ عليهِم، وقالَ: بلَغَنا «أنَّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ بينَما هو يَخطبُ إذ سَمعَ تَحكيمًا مِنْ ناحِيةِ المَسجدِ، فقالَ: ما هذا؟ فقيلَ: رَجلٌ يَقولُ: لا حُكمَ إلا للهِ، فقالَ عليٌّ ﵁: كَلمةُ حَقٍّ أُريدَ بها باطِلٌ، لا نَمنعُكم مَساجدَ اللهِ أنْ تَذكُروا فيها اسمَ اللهِ، ولا نَمنعُكم الفَيءَ ما كانَتْ أيدِيكُم مع أيدِينا، ولا نَبدؤُكم بقِتالٍ». قالَ: وكتَبَ عَديٌّ إلى عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ أنَّ الخوارِجَ عندَنا يَسبُّونَكَ، فكتَبَ إليه عُمرُ: إنْ سَبُّوني فسُبُّوهم أو اعفُوا عنهم، وإنْ شَهَروا السلاحَ فأشهِرُوا عليهِم، وإنْ ضَرَبوا فاضرِبوا». قالَ الشافِعيُّ: وبهذا كلِّه نَقولُ، فإنْ قاتَلونَا على ما وصَفْنا قاتَلناهُم، فإنِ انهَزَموا لم نَتبعُهم ولم نُجهِزْ على جَريحِهم. قالَ أبو عُمرَ: قَولُ مالكٍ في ذلكَ ومَذهبُه عندَ أصحابِه في أنْ لا يُتبعَ مُدبِرٌ مِنْ الفئةِ الباغيةِ ولا يُجهزَ على جَريحٍ كمَذهبِ الشافِعيِّ سواءٌ،

стр. 12741

وكذلكَ الحُكمُ في قتالِ أهلِ القِبلةِ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ، وقالَ أبو حَنيفةَ: إنِ انهَزمَ الخارِجيُّ أو الباغي إلى فِئةٍ اتُّبعَ، وإنْ انهَزمَ إلى غيرِ فئةٍ لم يُتبعْ. قالَ أبو عُمرَ: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ مَنْ شَقَّ العَصا وفارَقَ الجَماعةَ وشهَرَ على المُسلمينَ السِّلاحَ وأخافَ السَّبيلَ وأفسَدَ بالقَتلِ والَّسلبِ فقَتلُهم وإراقةُ دِمائِهم واجبٌ؛ لأنَّ هذا مِنْ الفَسادِ العَظيمِ في الأرضِ، والفَسادُ في الأرضِ مُوجِبٌ لإراقةِ الدماءِ بإجماعٍ، إلا أنْ يَتوبَ فاعلُ ذلكَ مِنْ قبلِ أنْ يُقدَرَ عليهِ، والانهزامُ عندَهم ضربٌ مِنْ التوبةِ، وكذلكَ مَنْ عجَزَ عن القتالِ لم يُقتلْ إلا بما وجَبَ عليهِ قبلَ ذلك. ومِن أهلِ الحَديثِ طائِفةٌ تَراهُم كفَّارًا على ظواهرِ الأحادِيثِ فيهم، مثلَ قولِه: «مَنْ حمَلَ علينا السِّلاحَ فليسَ منَّا»، ومثلَ قولِه: «يَمرُقونَ مِنْ الدِّينِ»، وهي آثارٌ يُعارِضُها غيرُها فيمَن لا يُشركُ باللهِ شَيئًا ويريدُ بعَملِه وجْهَه وإنْ أخطَأَ في حُكمِه واجتهادِه، والنَّظرُ يَشهدُ أنَّ الكُفرَ لا يكون إلا بضِدِّ الحالِ التي يكونُ بها الإيمانُ؛ لأنهما ضِدَّانِ (١). إذا استَعانَ أهلُ البَغيِ بالكافرِ على قِتالِ المسلمينَ: إذا استَعانَ أهلُ البغيِ بالكفَّارِ فلا يَخلو مِنْ ثَلاثةِ أصنافٍ: أحَدُها: أهلُ الحَربِ: قالَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ: إذا استَعانَ البغاةُ بأهلِ الحَربِ أو آمَنُوهم أو عَقَدوا لهم ذِمةً لم يَصحَّ واحدٌ منهُم؛ لأنَّ الأمانَ

стр. 12742

مِنْ شَرطِ صحَّتِه إلزامُ كَفِّهم عن المسلمينَ، وهؤلاءِ يَشتَرِطونَ عليهِم قتالَ المُسلمينَ، فلا يَصحُّ، ولأهلِ العَدلِ قِتالُهم كمَن لم يُؤمِّنوهُ سواءٌ، وحُكمُ أسيرِهم حُكمُ أسيرِ سائرِ أهلِ الحَربِ قبلَ الاستِعانةِ بهم، ويَتخيَّرُ الإمامُ فيمَن أسَرَ منهُم بينَ القتلَ والمَنِّ والاستِرقاقِ والفِداءِ؛ لأنَّ شرْطَ صِحةِ العقدِ لهم أنْ لا يُقاتِلوا المُسلمينَ، فإذا وقَعَ العقدُ على شَرطِ قتالِ المُسلمينَ لم يَصحَّ؛ لأنَّ أمانَهم لو كانَ صَحيحًا فقاتَلوا المُسلمينَ انتَقضَ أمانُهم، فإذا وقَعَ أمانُهم على شَرطِ قتالِ المُسلمينَ لم يَصحَّ، وما أتلَفوا على أهلِ العَدلِ نَفسًا أو مالًا لم يَجبْ عليهِم ضَمانُه، كما لو قاتَلوا المُسلمينَ مُنفردينَ. فأما أهلُ البَغيِ فلا يَجوزُ لهم قَتلُهم؛ لأنهم آمَنوهُم، فلا يجوزُ لهم الغَدرُ بهم عندَ الشافِعيةِ في وَجهٍ والحَنابلةِ. وقالَ الشافِعيةُ في الوَجهِ الثاني: لا يَكونونَ في أمانٍ منهم؛ لأنَّ مَنْ لم يَصحَّ أمانُه في حقِّ بعضِ المُسلمينَ لم يَصحَّ في حقِّ بعضِهم، كمَن أمَّنَه صَبيٌّ أو مَجنونٌ. الصِّنفُ الثاني: المُستأمنونَ: فمَتى استعانُوا بهم فأعانُوهم نَقضُوا عهْدَهم وصارُوا كأهلِ الحَربِ؛ لأنهُم تَرَكوا الشرطَ وهو كَفُّهم عن المسلمينَ، فإنْ فَعَلوا ذلكَ مُكرَهينَ لم يَنتقضْ عهدُهم؛ لأنَّ لهم عُذرًا، وإنِ ادَّعَوا الإكراهَ لم يُقبلْ قَولُهم إلا ببيِّنةٍ؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُه، فإنْ أقاموا لم يَنتقضْ عَهدُهم كما نَصَّ على ذلكَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ.

стр. 12743

الصِّنفُ الثالِثُ: أهلُ الذِّمةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو استَعانَ البُغاةُ بأهلِ الذمَّةِ في قِتالِ أهلِ العَدلِ، هل يَنتقضُ عَهدُهم بذلكَ أم لا؟ على وَجهَينِ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ: أحَدُهما: يَنتقضُ عَهدُهم؛ لأنهُم قاتَلوا أهلَ الحقِّ، فيَنتقضُ عهدُهم كما لو انفَرَدوا بقتالِهم، فعَلى هذا يَكونونَ كأهلِ الحَربِ. والثَّاني: لا يَنتقضُ عَهدُهم بذلكَ؛ لأنَّ أهلَ الذِّمةِ لا يَعرِفونَ المُحِقَّ مِنْ المُبطِلِ، فيكونُ ذلكَ شبهةً لهم، فعَلى هذا يكونُ حُكمُهم حُكمَ أهلِ البغيِ في قَتلِ مُقبلِهم والكفِّ عن أسيرِهم ومُدبرِهم وجَريحِهم، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إلا أنهم يَضمنونَ ما أتلَفُوا على أهلِ العَدلِ حالَ القتالِ وغيرِه، بخِلافِ أهلِ البغيِ فإنهم لا يَضمنونَ ما أتلَفوا حالَ الحَربِ؛ لأنهُم أتلَفوا بتَأويلٍ سائغٍ، وهؤلاءِ لا تَأويلَ لهم، ولأنه سقَطَ الضَّمانُ عن المُسلمينَ كَيلَا يُؤدِّيَ إلى تَنفيرِهم عن الرُّجوعِ إلى الطاعةِ، وأهلُ الذمَّةِ لا حاجةَ بنا إلى ذلكَ فيهِم، وإنْ أكرَهَهم البغاةُ على مَعونتِهم لم يَنتقضْ عَهدُهم، وإنِ ادَّعَوا ذلكَ قُبلَ قولُهم؛ لأنهم تَحتَ أيدِيهم وقُدرتِهم. وإنْ قالوا: «ظنَنَّا أنَّ مَنْ استَعانَ بنا مِنْ المُسلمينَ لَزمَتْنا مَعونتُه» لم يَنتقضْ عَهدُهم، وإنْ فعَلَ ذلكَ المُستأمنونَ انتَقضَ عَهدُهم، والفَرقُ بينَهُما أنَّ أهلَ الذِّمةِ أقوَى حُكمًا؛ لأنَّ عهدَهم مُؤبَّدٌ ولا يَجوزُ نَقضُه لخَوفِ الخيانةِ منهُم، ويَلزمُ الإمامَ الدفعُ عنهُم، والمُستأمنونَ بخِلافِ ذلك (١).

стр. 12744

وقالَ الحَنفيةُ: لو استَعانَ أهلُ البغيِ بأهلِ الذِّمةِ فقاتَلوا معَهم لم يكنْ ذلكَ منهُم نَقضًا للعَهدِ، كما أنَّ هذا الفِعلَ مِنْ أهلِ البَغيِ ليسَ نقضًا للإيمانِ، فالذينَ انضَمُّوا اليهِم مِنْ أهلِ الذِّمةِ لم يَخرُجوا مِنْ أنْ يَكونوا مُلتزِمينَ حُكمَ الإسلامِ في المُعاملاتِ وأنْ يَكونوا مِنْ أهلِ الدارِ، فحُكمُهم حُكمُ البغاةِ (١). وقالَ المالِكيةُ: إذا استَعانَ المُتأوِّلُ بذِميٍّ فإنه يُرَدُّ إلى ذمَّتِه مِنْ غيرِ غُرمٍ على الذمِّيِّ بما أتلَفَ مِنْ نَفسٍ أو مالٍ، ويُوضَعُ عن الذميِّ ما وُضعَ عن المُتأوِّلِ، وأما الباغي إذا كانَ قتالُه على وَجهِ العِنادِ والعَصبيةِ مِنْ غيرِ تأويلٍ فإنه يَضمنُ ما أتلَفَ مِنْ نَفسٍ ومالٍ وطرَفٍ وفَرجٍ، فيُقتَصُّ منه، ويَردُّ المالَ سواءٌ كانَ قائِمًا أو فائتًا. وقتالُ الذِّميِّ مع المُعانِدِ للإمامِ العَدلِ نَقضٌ لعَهدهِ يُوجِبُ استِحلالَه حيثُ خَرَجوا طائِعينَ، وأما غيرُ العَدلِ فالخارجُ عليهِ عِنادًا كالمتأوِّلِ، وإنْ خَرَجوا مُكرَهينَ فلا يَنتقضُ عَهدُهم، لكنْ إنْ قتَلَ ذلكَ الذِّميُّ أحَدًا قُتلَ به وإنْ كانَ مُكرَهًا (٢). حُكمُ الاستِعانةِ بالمشرِكينَ وأهلِ الذِّمةِ على قِتالِ البُغاةِ: اختَلفَ العُلماءُ في الاستِعانةِ بالمُشرِكينَ وأهلِ الذِّمةِ على قِتالِ البُغاةِ على قَولينِ:

стр. 12745

القَولُ الأوَّلُ: أنه يَجوزُ الاستِعانةُ بهم بشَرطِ ألا يَكونَ حُكمُ أهلِ الشِّركِ هو الظاهِرَ، وهو قَولُ الحَنفيةِ. قالَ الإمامُ السَّرخسيُّ ﵀: وإنْ ظهَرَ أهلُ البَغيِ على أهلِ العَدلِ حتى ألجَؤُوهم إلى دارِ الشِّركِ فلا يَحلُّ لهم أنْ يُقاتِلوا مع المُشركينَ أهلَ البغيِ؛ لأنَّ حُكمَ أهلِ الشِّركِ ظاهرٌ عليهِم، ولا يَحلُّ لهم أنْ يَستعينُوا بأهلِ الشِّركِ على أهلِ البغيِ مِنْ المُسلمينَ إذا كانَ حُكمُ أهلِ الشِّركِ هو الظاهرَ. ولا بأسَ بأنْ يَستعينَ أهلُ العَدلِ بقَومٍ مِنْ أهلِ البغيِ وأهلِ الذمَّةِ على الخَوارجِ إذا كانَ حُكمُ أهلِ العَدلِ ظاهرًا؛ لأنهُم يقاتِلونَ لإعزازِ الدِّينِ، والاستِعانةُ عليهِم بقَومٍ منهم أو مِنْ أهلِ الذِّمةِ كالاستِعانةِ عليهِم بالكِلابِ (١). ومثلُه قالَه الكَمالُ بنُ الهُمامِ ﵀: ولو ظهَرَ أهلُ البَغيِ على أهلِ العَدلِ فألجَأوهُم إلى دارِ الشِّركِ لم يَحلُّ لهم أنْ يُقاتِلوا البُغاةَ مع أهلِ الشِّركِ؛ لأنَّ حُكمَ أهلِ الشِّركِ ظاهرٌ عليهِم، ولا يَحلُّ لهم أنْ يَستعينوا بأهلِ الشركِ على أهلِ البغيِ إذا كانَ حُكمُ أهلِ الشِّركِ هو الظاهِرَ. ولا بأسَ بأنْ يَستعينَ أهلُ العَدلِ بالبُغاةِ والذِّميينَ على الخوارجِ إذا كانَ حُكمُ أهلِ العَدلِ هو الظاهرَ؛ لأنهم يُقاتِلونَ لإعزازِ الدِّينِ، والاستعانةُ عليهِم بقَومٍ منهُم أو مِنْ أهلِ الذِّمةِ كالاستعانةِ عليهِم بالكِلابِ (٢).
следующие страницы →