وكذلكَ الحُكمُ في قتالِ أهلِ القِبلةِ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ، وقالَ أبو حَنيفةَ: إنِ انهَزمَ الخارِجيُّ أو الباغي إلى فِئةٍ اتُّبعَ، وإنْ انهَزمَ إلى غيرِ فئةٍ لم يُتبعْ.
قالَ أبو عُمرَ: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ مَنْ شَقَّ العَصا وفارَقَ الجَماعةَ وشهَرَ على المُسلمينَ السِّلاحَ وأخافَ السَّبيلَ وأفسَدَ بالقَتلِ والَّسلبِ فقَتلُهم وإراقةُ دِمائِهم واجبٌ؛ لأنَّ هذا مِنْ الفَسادِ العَظيمِ في الأرضِ، والفَسادُ في الأرضِ مُوجِبٌ لإراقةِ الدماءِ بإجماعٍ، إلا أنْ يَتوبَ فاعلُ ذلكَ مِنْ قبلِ أنْ يُقدَرَ عليهِ، والانهزامُ عندَهم ضربٌ مِنْ التوبةِ، وكذلكَ مَنْ عجَزَ عن القتالِ لم يُقتلْ إلا بما وجَبَ عليهِ قبلَ ذلك.
ومِن أهلِ الحَديثِ طائِفةٌ تَراهُم كفَّارًا على ظواهرِ الأحادِيثِ فيهم، مثلَ قولِه: «مَنْ حمَلَ علينا السِّلاحَ فليسَ منَّا»، ومثلَ قولِه: «يَمرُقونَ مِنْ الدِّينِ»، وهي آثارٌ يُعارِضُها غيرُها فيمَن لا يُشركُ باللهِ شَيئًا ويريدُ بعَملِه وجْهَه وإنْ أخطَأَ في حُكمِه واجتهادِه، والنَّظرُ يَشهدُ أنَّ الكُفرَ لا يكون إلا بضِدِّ الحالِ التي يكونُ بها الإيمانُ؛ لأنهما ضِدَّانِ (١).
إذا استَعانَ أهلُ البَغيِ بالكافرِ على قِتالِ المسلمينَ:
إذا استَعانَ أهلُ البغيِ بالكفَّارِ فلا يَخلو مِنْ ثَلاثةِ أصنافٍ:
أحَدُها: أهلُ الحَربِ:
قالَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ: إذا استَعانَ البغاةُ بأهلِ الحَربِ أو آمَنُوهم أو عَقَدوا لهم ذِمةً لم يَصحَّ واحدٌ منهُم؛ لأنَّ الأمانَ
стр. 12742
مِنْ شَرطِ صحَّتِه إلزامُ كَفِّهم عن المسلمينَ، وهؤلاءِ يَشتَرِطونَ عليهِم قتالَ المُسلمينَ، فلا يَصحُّ، ولأهلِ العَدلِ قِتالُهم كمَن لم يُؤمِّنوهُ سواءٌ، وحُكمُ أسيرِهم حُكمُ أسيرِ سائرِ أهلِ الحَربِ قبلَ الاستِعانةِ بهم، ويَتخيَّرُ الإمامُ فيمَن أسَرَ منهُم بينَ القتلَ والمَنِّ والاستِرقاقِ والفِداءِ؛ لأنَّ شرْطَ صِحةِ العقدِ لهم أنْ لا يُقاتِلوا المُسلمينَ، فإذا وقَعَ العقدُ على شَرطِ قتالِ المُسلمينَ لم يَصحَّ؛ لأنَّ أمانَهم لو كانَ صَحيحًا فقاتَلوا المُسلمينَ انتَقضَ أمانُهم، فإذا وقَعَ أمانُهم على شَرطِ قتالِ المُسلمينَ لم يَصحَّ، وما أتلَفوا على أهلِ العَدلِ نَفسًا أو مالًا لم يَجبْ عليهِم ضَمانُه، كما لو قاتَلوا المُسلمينَ مُنفردينَ.
فأما أهلُ البَغيِ فلا يَجوزُ لهم قَتلُهم؛ لأنهم آمَنوهُم، فلا يجوزُ لهم الغَدرُ بهم عندَ الشافِعيةِ في وَجهٍ والحَنابلةِ.
وقالَ الشافِعيةُ في الوَجهِ الثاني: لا يَكونونَ في أمانٍ منهم؛ لأنَّ مَنْ لم يَصحَّ أمانُه في حقِّ بعضِ المُسلمينَ لم يَصحَّ في حقِّ بعضِهم، كمَن أمَّنَه صَبيٌّ أو مَجنونٌ.
الصِّنفُ الثاني: المُستأمنونَ: فمَتى استعانُوا بهم فأعانُوهم نَقضُوا عهْدَهم وصارُوا كأهلِ الحَربِ؛ لأنهُم تَرَكوا الشرطَ وهو كَفُّهم عن المسلمينَ، فإنْ فَعَلوا ذلكَ مُكرَهينَ لم يَنتقضْ عهدُهم؛ لأنَّ لهم عُذرًا، وإنِ ادَّعَوا الإكراهَ لم يُقبلْ قَولُهم إلا ببيِّنةٍ؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُه، فإنْ أقاموا لم يَنتقضْ عَهدُهم كما نَصَّ على ذلكَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ.
стр. 12743
الصِّنفُ الثالِثُ: أهلُ الذِّمةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو استَعانَ البُغاةُ بأهلِ الذمَّةِ في قِتالِ أهلِ العَدلِ، هل يَنتقضُ عَهدُهم بذلكَ أم لا؟ على وَجهَينِ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ:
أحَدُهما: يَنتقضُ عَهدُهم؛ لأنهُم قاتَلوا أهلَ الحقِّ، فيَنتقضُ عهدُهم كما لو انفَرَدوا بقتالِهم، فعَلى هذا يَكونونَ كأهلِ الحَربِ.
والثَّاني: لا يَنتقضُ عَهدُهم بذلكَ؛ لأنَّ أهلَ الذِّمةِ لا يَعرِفونَ المُحِقَّ مِنْ المُبطِلِ، فيكونُ ذلكَ شبهةً لهم، فعَلى هذا يكونُ حُكمُهم حُكمَ أهلِ البغيِ في قَتلِ مُقبلِهم والكفِّ عن أسيرِهم ومُدبرِهم وجَريحِهم، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إلا أنهم يَضمنونَ ما أتلَفُوا على أهلِ العَدلِ حالَ القتالِ وغيرِه، بخِلافِ أهلِ البغيِ فإنهم لا يَضمنونَ ما أتلَفوا حالَ الحَربِ؛ لأنهُم أتلَفوا بتَأويلٍ سائغٍ، وهؤلاءِ لا تَأويلَ لهم، ولأنه سقَطَ الضَّمانُ عن المُسلمينَ كَيلَا يُؤدِّيَ إلى تَنفيرِهم عن الرُّجوعِ إلى الطاعةِ، وأهلُ الذمَّةِ لا حاجةَ بنا إلى ذلكَ فيهِم، وإنْ أكرَهَهم البغاةُ على مَعونتِهم لم يَنتقضْ عَهدُهم، وإنِ ادَّعَوا ذلكَ قُبلَ قولُهم؛ لأنهم تَحتَ أيدِيهم وقُدرتِهم.
وإنْ قالوا: «ظنَنَّا أنَّ مَنْ استَعانَ بنا مِنْ المُسلمينَ لَزمَتْنا مَعونتُه» لم يَنتقضْ عَهدُهم، وإنْ فعَلَ ذلكَ المُستأمنونَ انتَقضَ عَهدُهم، والفَرقُ بينَهُما أنَّ أهلَ الذِّمةِ أقوَى حُكمًا؛ لأنَّ عهدَهم مُؤبَّدٌ ولا يَجوزُ نَقضُه لخَوفِ الخيانةِ منهُم، ويَلزمُ الإمامَ الدفعُ عنهُم، والمُستأمنونَ بخِلافِ ذلك (١).
стр. 12744
وقالَ الحَنفيةُ: لو استَعانَ أهلُ البغيِ بأهلِ الذِّمةِ فقاتَلوا معَهم لم يكنْ ذلكَ منهُم نَقضًا للعَهدِ، كما أنَّ هذا الفِعلَ مِنْ أهلِ البَغيِ ليسَ نقضًا للإيمانِ، فالذينَ انضَمُّوا اليهِم مِنْ أهلِ الذِّمةِ لم يَخرُجوا مِنْ أنْ يَكونوا مُلتزِمينَ حُكمَ الإسلامِ في المُعاملاتِ وأنْ يَكونوا مِنْ أهلِ الدارِ، فحُكمُهم حُكمُ البغاةِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: إذا استَعانَ المُتأوِّلُ بذِميٍّ فإنه يُرَدُّ إلى ذمَّتِه مِنْ غيرِ غُرمٍ على الذمِّيِّ بما أتلَفَ مِنْ نَفسٍ أو مالٍ، ويُوضَعُ عن الذميِّ ما وُضعَ عن المُتأوِّلِ، وأما الباغي إذا كانَ قتالُه على وَجهِ العِنادِ والعَصبيةِ مِنْ غيرِ تأويلٍ فإنه يَضمنُ ما أتلَفَ مِنْ نَفسٍ ومالٍ وطرَفٍ وفَرجٍ، فيُقتَصُّ منه، ويَردُّ المالَ سواءٌ كانَ قائِمًا أو فائتًا.
وقتالُ الذِّميِّ مع المُعانِدِ للإمامِ العَدلِ نَقضٌ لعَهدهِ يُوجِبُ استِحلالَه حيثُ خَرَجوا طائِعينَ، وأما غيرُ العَدلِ فالخارجُ عليهِ عِنادًا كالمتأوِّلِ، وإنْ خَرَجوا مُكرَهينَ فلا يَنتقضُ عَهدُهم، لكنْ إنْ قتَلَ ذلكَ الذِّميُّ أحَدًا قُتلَ به وإنْ كانَ مُكرَهًا (٢).
حُكمُ الاستِعانةِ بالمشرِكينَ وأهلِ الذِّمةِ على قِتالِ البُغاةِ:
اختَلفَ العُلماءُ في الاستِعانةِ بالمُشرِكينَ وأهلِ الذِّمةِ على قِتالِ البُغاةِ على قَولينِ:
стр. 12745
القَولُ الأوَّلُ: أنه يَجوزُ الاستِعانةُ بهم بشَرطِ ألا يَكونَ حُكمُ أهلِ الشِّركِ هو الظاهِرَ، وهو قَولُ الحَنفيةِ.
قالَ الإمامُ السَّرخسيُّ ﵀: وإنْ ظهَرَ أهلُ البَغيِ على أهلِ العَدلِ حتى ألجَؤُوهم إلى دارِ الشِّركِ فلا يَحلُّ لهم أنْ يُقاتِلوا مع المُشركينَ أهلَ البغيِ؛ لأنَّ حُكمَ أهلِ الشِّركِ ظاهرٌ عليهِم، ولا يَحلُّ لهم أنْ يَستعينُوا بأهلِ الشِّركِ على أهلِ البغيِ مِنْ المُسلمينَ إذا كانَ حُكمُ أهلِ الشِّركِ هو الظاهرَ.
ولا بأسَ بأنْ يَستعينَ أهلُ العَدلِ بقَومٍ مِنْ أهلِ البغيِ وأهلِ الذمَّةِ على الخَوارجِ إذا كانَ حُكمُ أهلِ العَدلِ ظاهرًا؛ لأنهُم يقاتِلونَ لإعزازِ الدِّينِ، والاستِعانةُ عليهِم بقَومٍ منهم أو مِنْ أهلِ الذِّمةِ كالاستِعانةِ عليهِم بالكِلابِ (١).
ومثلُه قالَه الكَمالُ بنُ الهُمامِ ﵀: ولو ظهَرَ أهلُ البَغيِ على أهلِ العَدلِ فألجَأوهُم إلى دارِ الشِّركِ لم يَحلُّ لهم أنْ يُقاتِلوا البُغاةَ مع أهلِ الشِّركِ؛ لأنَّ حُكمَ أهلِ الشِّركِ ظاهرٌ عليهِم، ولا يَحلُّ لهم أنْ يَستعينوا بأهلِ الشركِ على أهلِ البغيِ إذا كانَ حُكمُ أهلِ الشِّركِ هو الظاهِرَ.
ولا بأسَ بأنْ يَستعينَ أهلُ العَدلِ بالبُغاةِ والذِّميينَ على الخوارجِ إذا كانَ حُكمُ أهلِ العَدلِ هو الظاهرَ؛ لأنهم يُقاتِلونَ لإعزازِ الدِّينِ، والاستعانةُ عليهِم بقَومٍ منهُم أو مِنْ أهلِ الذِّمةِ كالاستعانةِ عليهِم بالكِلابِ (٢).
стр. 12746
القَولُ الثَّاني: لا يَجوزُ الاستِعانةُ على البُغاةِ بأهلِ الشِّركِ، وهو قَولُ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ والظاهِريةِ؛ لأنَّ القَصدَ كفُّهم لا قَتلُهم، والكفَّارُ لا يَقصدونَ إلا قتْلَهم (١).
قالَ المالِكيةُ: يَمتازُ قِتالُ البُغاةِ عن قِتالِ الكفَّارِ بأحَدَ عَشرَ وَجهًا: أنْ يُقصدَ بالقتالِ رَدعُهم لا قَتلُهم، وأنْ يُكَفَّ عن مُدبرِهم، ولا يُجهزَ على جَريحِهم، ولا تُقتلَ أسراهُم، ولا تُغنَمَ أموالُهم، ولا تُسبَى ذَرارِيهم، ولا يُستعانُ عليهِم بمُشرِكٍ، ولا يُوادِعَهم على مالٍ، ولا تُنصبَ عليهِم الرَّعَّاداتُ، ولا تُحرقَ مَساكنُهم، ولا يُقطعَ شَجرُهم (٢).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: أما الاستِعانةُ بأهلِ العَهدِ والذمةِ في قتالِ أهلِ البغيِ فلا يَجوزُ بحالٍ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١].
ولقَولِ النبيِّ ﷺ : «الإسلامُ يَعلُو ولا يُعلَى»، ولأنهم غيرُ مَأمونينَ على نُفوسِهم وحَريمِهم؛ لِما يَعتقدونَه دِينًا مِنْ إباحةِ دِمائِهم وأموالِهم التي أوجَبَ اللهُ تعالَى حظْرَها وأمَرَ بالمنعِ منها.
стр. 12747
فأما الاستِعانةُ عليهِم بمَن يَرَى قِتالَهم مِنْ المُسلمينَ مُقبِلينَ ومُدبِرينَ فقدْ منَعَ الشافِعيُّ منه؛ لِما يَلزمُ مِنْ الكفِّ عنهُم إذا انهَزَموا.
فإذا ثبَتَ أنه مَمنوعٌ مِنْ الاستِعانةِ فقدِ اختَلفَ أصحابُنا فيه على وجَهينِ: أحَدُهما: أنه مَنعُ تَحريمٍ وحَظرٍ، والثاني: أنه مَنعُ نَدبٍ واستِحبابٍ.
فإنْ دَعتْه الضَّرورةُ إلى الاستِعانةِ بهم لعَجزِ أهلِ العَدلِ عن مُقاوَمتِهم جازَ أنْ يَستعينَ بهم على ثَلاثةِ شُروطٍ:
أحَدُها: أنْ لا يَجِدَ عَونًا غيرَهم، فإنْ وجَدَ لم يَجُزْ.
والثاني: أنْ يَقدِرَ على رَدِّهم إنْ خالَفُوا، فإنْ لم يَقدرْ على رَدِّهم لم يَجُزْ.
والثالِثُ: أنْ يَثقَ بما شرَطَه عليهِم أنْ لا يَتبعُوا مُدبِرًا ولا يُجهِزُوا على جَريحٍ، فإنْ لم يَثقْ بوَفائِهم لم يَجُزْ (١).
وقالَ العَمرانِيُّ ﵀: ولا يَجوزُ للإمامِ أنْ يَستعينَ على قتالِ أهلِ البَغيِ بمَن يَرى جوازَ قَتلِهم مُدبِرينَ مِنْ المُسلمينَ؛ لأنه يعرفُ أنهم يَظلمونَ، فإنْ كانَ لا يَقدرُ على قِتالِ أهلِ البغيِ إلا بالاستعانةِ بهم .. جازَ إذا كانَ مع الإمامِ مَنْ يَمنعُهم مِنْ قَتلِهم مُدبِرينَ.
ولا يَجوزُ للإمامِ أنْ يَستعينَ على قِتالِهم بالكفَّارِ؛ لأنهُم يَرَونَ قتْلَ المُسلمينَ مُدبِرينَ تَشفيًّا لِما في قُلوبِهم (٢).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: لا يَجوزُ أنْ يُستعانَ عليهِم -أي البُغَاة- بكفَّارٍ؛ لأنه لا يَجوزُ تَسليطُ كافرٍ على مُسلمٍ، ولهذا لا يَجوزُ لمُستحِقِّ
стр. 12748
قِصاصٍ أنْ يُوكِّلَ كافرًا باستِيفائِه، ولا للإمامِ أنْ يَتخِذَ جلَّادًا كافرًا لإقامةِ الحُدودِ على المُسلمينَ.
ولا يَجوزُ أنْ يُستعانَ بمَن يَرَى قتْلَهم مُدبِرينَ إما لعَداوةٍ وإما لاعتِقادِه كالحَنفيِّ، إلا أنْ يحتاجَ إلى الاستعانةِ بهم فيَجوزُ بشَرطينِ:
أحَدُهما: أنْ تكونَ فيهم جُرأةٌ وحُسنُ إقدامٍ.
والثاني: أنْ يَتمكَّنَ مِنْ مَنعِهم لو ابتَغَوا أهلَ البغيِ بعدَ هَزيمتِهم.
ولا بُدَّ مِنْ اجتِماعِ الشَّرطينِ لجَوازِ الاستِعانةِ، كذا حَكاهُ ابنُ الصبَّاغِ والرُّويانِيُّ وغيرُهما عن اتِّفاقِ الأصحابِ، ولَفظُ البغَويِّ يَقتضِي جوازَها بأحَدِهما (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا يَستعينُ على قِتالِهم بالكفَّارِ بحالٍ، ولا بمَن يَرَى قتْلَهم مُدبِرينَ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ.
وقالَ أصحابُ الرَّأيِ: لا بأسَ أنْ يَستعينَ عليهِم بأهلِ الذمَّةِ والمُستأمنينَ وصِنفٍ آخَرَ منهم إذا كانَ أهلُ العَدلِ هم الظاهِرينَ على مَنْ يَستعينونَ به.
ولنا: أنَّ القَصدَ كَفُّهم ورَدُّهم إلى الطاعةِ دونَ قتلِهم، وإنْ دعَتِ الحاجةُ إلى الاستِعانةِ بهم فإنْ كانَ يَقدرُ على كَفِّهم استعانَ بهم، وإنْ لم يَقدرْ لم يَجُزْ (٢).
وجاءَ في «المُحلَّى» لابنِ حَزمٍ ﵀: مَسألةٌ: هل يُستعانُ على أهلِ البَغيِ بأهلِ الحَربِ أو بأهلِ الذمَّةِ أو بأهلِ بَغيٍ آخَرينَ؟
стр. 12749
قالَ أبو مُحمدٍ ﵀: اختَلفَ الناسُ في هذا، فقالَتْ طائفةٌ: لا يَجوزُ أنْ يُستعانَ عليهِم بحَربيٍّ ولا بذمِّيٍّ ولا بمَن يَستحلُّ قِتالَهم مُدبِرينَ، وهذا قولُ الشافِعيِّ ﵁، وقالَ أصحابُ أبي حَنيفةَ: لا بأسَ بأنْ يُستعانَ عليهِم بأهلِ الحَربِ وبأهلِ الذمَّةِ وبأمثالِهم مِنْ أهلِ البغيِ، وقد ذكَرْنا هذا في كِتابِ الجِهادِ مِنْ قَولِ رسولِ اللهِ ﷺ : «إنَّنا لا نَستعينُ بمُشرِكٍ»، وهذا عُمومٌ مانعٌ مِنْ أنْ يُستعانَ به في وِلايةٍ أو قِتالٍ أو شَيءٍ مِنْ الأشياءِ، إلا ما صَحَّ الإجماعُ على جَوازِ الاستعانةِ به فيهِ كخِدمةِ الدابَّةِ أو الاستِئجارِ أو قضاءِ الحاجَةِ ونَحوِ ذلكَ مما لا يَخرجونَ فيه عن الصَّغارِ.
والمُشرِكُ: اسمٌ يَقعُ على الذمِّيِّ والحَربيِّ.
قالَ أبو محمد ﵀: هذا عِندَنا ما دامَ في أهلِ العَدلِ مَنعةٌ، فإنْ أشرَفُوا على الهَلكةِ واضطرُّوا ولم تَكنْ لهم حِيلةٌ فلا بأسَ بأنْ يَلجَؤوا إلى أهلِ الحَربِ وأنْ يَمتنِعوا بأهلِ الذمَّةِ، ما أَيقَنوا أنهُم في استِنصارِهم لا يُؤذُونَ مُسلمًا ولا ذمِّيًّا في دمٍ أو مالٍ أو حُرمةٍ ممَّا لا يَحلُّ.
بُرهانُ ذلكَ: قولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، وهذا عُمومٌ لكلِّ مَنْ اضطرَّ إليه، إلا ما منَعَ منه نَصٌّ أو إجماعٌ.
فإنْ عَلِمَ المُسلمُ واحِدًا كانَ أو جَماعةً أنَّ مَنْ استَنصرَ به مِنْ أهلِ الحَربِ أو الذمَّةِ يُؤذونَ مُسلمًا أو ذمِّيًّا فيما لا يَحلُّ فحَرامٌ عليهِ أنْ يَستعينَ بهما وإنْ هلَكَ، لكنْ يَصبِرُ لأمرِ اللهِ تعالَى وإنْ تَلفَتْ نفسُه وأهلُه ومالُه، أو يُقاتِلُ حتى يَموتَ شَهيدًا كَريمًا، فالموتُ لا بُدَّ منه ولا يَتعدَّى أحَدًا أجَلُه.
стр. 12750
بُرهانُ هذا: أنه لا يَحلُّ لأحَدٍ أنْ يَدفعَ ظُلمًا عن نَفسِه بظُلمٍ يُوصِلُه إلى غيرِه، هذا ما لا خِلافَ فيه.
وأما الاستِعانةُ عليهِم ببُغاةٍ أمثالِهم فقدْ منَعَ مِنْ ذلكَ قَومٌ، واحتَجُّوا بقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)﴾ [الكهف: ٥١].
وأجازَه آخَرونَ وبه نَأخذُ؛ لأنَّنا لا نَتخذُهم عَضُدًا، ومَعاذَ اللهِ، ولكنْ نَضربُهم بأمثالِهم صِيانةً لأهلِ العَدلِ، كما قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾ [الأنعام: ١٢٩].
وإنْ أمكَنَنا أنْ نَضربَ بينَ أهلِ الحَربِ مِنْ الكفَّارِ حتى يُقاتِلَ بعضُهم بَعضًا ويَدخلَ إليهم مِنْ المُسلمينَ مَنْ يَتوصلُ بهم إلى أذَى غيرِهم بذلكَ حَسنٌ، وقد قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ اللهَ يَنصرُ هذا الدِّينَ بقَومٍ لا خَلاقَ لهُم» … وقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ اللهَ ليُؤيِّدُ هذا الدِّينَ بالرَّجلِ الفاجِرِ» … وقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ اللهَ لَيُؤيِّدُ هذا الدِّينَ بأقوامٍ لا خَلاقَ لهُم».
قالَ أبو محمد ﵀: فهذا يُبيحُ الاستِعانةَ على أهلِ الحَربِ بأمثالِهم، وعلى أهلِ البَغيِ بأمثالِهم مِنْ المُسلمينَ الفجَّارِ الذين لا خَلاقَ لهم.
وأيضًا فإنَّ الفاسِقَ مُفتَرَضٌ عليهِ مِنْ الجِهادِ ومِن دَفعِ أهلِ البَغيِ كالذي افتُرضَ على المُؤمِنِ الفاضلِ، فلا يَحلُّ مَنعُهم مِنْ ذلك، بل الفَرضُ أنْ يَدعوَ إلى ذلكَ، وباللهِ تعالَى التوفيقُ (١).
стр. 12751
فصل في أحكامِ الإمامةِ العُظمى
تَعريفُ الإمامةِ:
الخِلافةُ والإمامةُ العُظمَى وإمارةُ المُؤمنينَ ثَلاثُ كَلماتٍ مَعناها واحِدُ، وهو: رِئاسةُ الحُكومةِ الإسلامِيةِ الجامِعةِ لمَصالحِ الدِّينِ والدُّنيا.
والإمامَةُ: رِياسةٌ عامَّةٌ في أمرِ الدِّينِ والدُّنيا خِلافةً عن النبيِّ ﵊.
وقالَ الإمامُ الرَّازيُّ ﵀: هي رِياسةٌ عامَّةٌ في الدِّينِ والدنيا لشَخصٍ واحِدٍ مِنْ الأشخاصِ (١).
وقالَ الرَّمليُّ ﵀: الإمامُ الأعظَمُ القائمُ بخِلافِة النبوَّةِ في حِراسةِ الدِّينِ وسِياسةِ الدُّنيا (٢).
حُكمُ نَصبِ الإمامِ:
مما لا خِلافَ بينَ فُقهاءِ الأمَّةِ فيهِ أنه لا بُدَّ للأمَّةِ مِنْ إمامٍ يُقيمُ الدِّينَ
стр. 12752
ويَنصرُ السُّنةَ ويَنتصفُ للمَظلومينَ ويَستوفي الحُقوقَ ويَضعُها مَوضِعَها؛ لأنَّ الإمامةَ رِياسةٌ تامَّةٌ وزَعامةٌ عامَّةٌ تَتعلَّقُ بالخاصَّةِ والعامَّةِ في مُهمَّاتِ الدِّينِ والدُّنيا، مُتضَمَّنُها حِفظُ الحَوزةِ ورِعايةُ الرعيَّةِ وإقامةُ الدَّعوةِ بالحُجَّةِ والسَّيفِ وكَفُّ الجنَفِ والحَيفِ والانتِصافُ للمَظلومينَ مِنْ الظالِمينَ واستِيفاءُ الحُقوقِ مِنْ المُمتنِعينَ وإيفاؤُها على المُستحِقِّينَ (١).
وقد أجمَعَ العُلماءُ على وُجوبِ نَصبِ الإمامِ عندَ الإمكانِ.
قالَ الإمامُ الجُوَينيُّ ﵀: فنَصبُ الإمامِ عندَ الإمكانِ واجِبٌ، وذهَبَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ كَيسانَ إلى أنه لا يَجبُ ويَجوزُ تَركُ الناسِ أخيافًا يَلتطِمونَ ائِتلافًا واختِلافًا لا يَجمعُهم ضابِطٌ ولا يَربطُ شتَاتَ رأيِهم رابِطٌ، وهذا الرَّجلُ هَجومٌ على شَقِّ العَصا ومُقابَلةِ الحُقوقِ بالعُقوقِ، لا يَهابُ حِجابَ الإنصافِ، ولا يَستوعِرُ أصوابَ الاعتِسافِ، ولا يُسمَّى إلا عندَ الانسلالِ عن ربقَةِ الإجماعِ والحَيدِ عن سُننِ الاتِّباعِ، وهو مَسبوقٌ بإجماعِ مَنْ أشرَقتْ عليهِ الشمسُ شارِقةً وغارِبةً واتِّفاقِ مَذاهبِ العُلماءِ قاطِبةً.
أما أصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ رَأوا البَدارَ إلى نَصبِ الإمامِ حقًّا، فتَرَكوا بسَببِ التشاغُلِ به تَجهيزَ رَسولِ اللهِ ﷺ ودفْنَه مَخافةَ أنْ تَتغشاهُم هاجِمةُ مِحنةٍ.
ولا يَرتابُ مَنْ معَه مِسكةٌ مِنْ عَقلٍ أنَّ الذبَّ عن الحَوزةِ والنِّضالَ دونَ حِفظِ البَيعةِ مَحتومٌ شَرعًا، ولو تُركَ الناسُ فوضَى لا يَجمعُهم على الحقِّ
стр. 12753
جامعٌ ولا يَزَعُهم وازِعٌ ولا يَردَعُهم عن اتباعِ خُطواتِ الشَّيطانِ رادِعٌ مع تَفنُّنِ الآراءِ وتَفرُّقِ الأهواءِ لَتبتَّرَ النظامُ وهلَكَ الأنامُ وتَوثَّبَ الطُّغامُ والعَوامُّ وتَحزَّبتِ الآراءُ المتناقِضةُ وتَفرَّقتِ الإراداتُ المُتعارِضةُ وملَكَ الأرذَلونَ سَراةَ الناسِ وفُضَّتِ المَجامِعُ واتَّسعَ الخَرقُ على الراقِعِ ونَشبَتِ الخُصوماتُ واستَحوذَ على أهلِ الدِّينِ ذَوُو العَراماتِ وتَبدَّدتِ الجَماعاتُ، ولا حاجةَ إلى الإطنابِ بعدَ حُصولِ البَيانِ، وما يَزعُ اللهُ بالسُّلطانِ أكثَرُ ممَّا يَزعُ بالقُرآنِ.
فإذا تَقرَّرَ وُجوبُ نَصبِ الإمامِ فالذي صارَ إليه جَماهيرُ الأئمَّةِ أنَّ وُجوبَ النَّصبِ مُستفادٌ مِنْ الشَّرعِ المَنقولِ غيرُ مُتلقًّى مِنْ قَضايا العُقولِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: اتَّفقَ جَميعُ أهلِ السُّنةِ وجَميعُ المُرجِئةِ وجَميعُ الشِّيعةِ وجَميعُ الخَوارجِ على وُجوبِ الإمامةِ وأنَّ الأمَّةَ واجِبٌ عليها الانقِيادُ لإمامٍ عادلٍ يُقيمُ فيهم أحكامَ اللهِ ويَسوسُهم بأحكامِ الشَّريعةِ التي أتَى بها رَسولُ اللهِ ﷺ ، حاشَا النَّجداتِ مِنْ الخَوارجِ فإنهُم قالوا: «لا يَلزمُ الناسَ فَرضُ الإمامةِ، وإنما عليهِم أنْ يُشاطوا الحقَّ بينَهُم»، وهذه فِرقةٌ ما نَرى بَقيَ منهُم أحَدٌ، وهُم المَنسوبونَ إلى نَجدةِ بنِ عُميرٍ الحَنفيِّ القائمِ باليَمامةِ.
وقَولُ هذه الفِرقةِ ساقطٌ، يَكفي مِنْ الردِّ عليهِ وإبطالِه إجماعُ كلِّ مَنْ ذكَرْنا على بُطلانِه، والقُرآنُ والسُّنةُ قد ورَدَ بإيجابِ الإمامِ، مِنْ ذلكَ قولُ
стр. 12754
اللهِ تعالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، مع أحادِيثَ كَثيرةٍ صِحاحٍ في طاعةِ الأئمَّةِ وإيجابِ الإمامةِ.
وأيضًا فإنَّ اللهَ يَقولُ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فوجَبَ اليقينُ بأنَّ اللهَ تعالَى لا يُكلِّفُ الناسَ ما ليسَ في بِنيَتِهم واحتِمالِهم، وقد عَلِمْنا بضَرورةِ العَقلِ وبَديهَتِه أنَّ قيامَ الناسِ بما أوجَبَه اللهُ تعالَى مِنْ الأحكامِ عليهِم في الأموالِ والجِناياتِ والدِّماءِ والنكاحِ والطَّلاقِ وسائرِ الأحكامِ كلِّها ومَنعِ الظالمِ وإنصافِ المَظلومِ وأخذِ القِصاصِ على تَباعُدِ أقطارِهم وشَواغلِهم واختلافِ آرائِهم، وامتِناعُ مَنْ تَحرَّى في كلِّ ذلكَ مُمتنِعٌ غيرُ ممكِنٍ؛ إذ قد يُريدُ واحدٌ أو جَماعةٌ أنْ يَحكمَ عليهِم إنسانٌ ويُريدُ آخَرُ أو جَماعةٌ أخرى أنْ لا يَحكمَ عليهِم، إما لأنها تَرى في اجتِهادِها خِلافَ ما رَأى هؤلاءِ، وإما خِلافًا مُجرَّدًا عليهِم، وهذا الذي لا بُدَّ منه ضَرورةً، وهذا مُشاهَدٌ في البِلادِ التي لا رَئيسَ لها؛ فإنه لا يُقامُ هناكَ حُكمُ حقٍّ ولا حَدٌّ، حتى قد ذهَبَ الدِّينُ في أكثرِها، فلا تَصحُّ إقامةُ الدِّينِ إلا بالإسنادِ إلى واحِدٍ أو إلى أكثرَ مِنْ واحدٍ، فإذْ لا بُدَّ مِنْ أحَدِ هذَينِ الوَجهينِ؛ فإنَّ الاثنينِ فصَاعدًا بينَهُما ما ذكَرْنا، فلا يَتمُّ أمرٌ البتَّةَ، فلَم يَبْقَ وَجهٌ تَتمُّ به الأمورُ إلا الإسنادُ إلى واحدٍ فاضلٍ عالمٍ حسَنِ السياسةِ قَويٍّ على الإنفاذِ، إلا أنه وإنْ كانَ بخِلافِ ما ذكَرْنا فالظلمُ والإهمالُ معَه أقلُّ منه مع الاثنينِ فصاعدًا، وإذ ذلكَ كذلكَ ففَرضٌ لازِمٌ لكلِّ الناسِ أنْ يَكفُّوا مِنْ الظُّلمِ ما أمكَنَهم، إنْ قَدَروا على كفِّ كلِّه لَزمَهم ذلكَ (١).
стр. 12755
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: الإمامةُ مَوضوعةٌ لخِلافةِ النُّبوةِ في حِراسةِ الدِّينِ وسِياسةِ الدُّنيا، وعَقدُها لمَن يَقومُ بها في الأمَّةِ واجِبٌ بالإجماعِ (١).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: نَصبُ الإمامِ الأعظَمِ فَرضٌ بلا خِلافٍ بينَ أهلِ الحَقِّ، ولا عِبرةَ بخِلافِ بعضِ القدَريةِ؛ لإجماعِ الصَّحابةِ ﵃ على ذلكَ، ولمَساسِ الحاجةِ إليه لتقيُّدِ الأحكامِ وإنصافِ المَظلومِ مِنْ الظالمِ وقَطعِ المُنازَعاتِ التي هي مادَّةُ الفسادِ وغيرِ ذلكَ مِنْ المَصالحِ التي لا تَقومُ إلا بإمامٍ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: ولا اختِلافَ بينَ الأمَّةِ في وُجوبِ الإمامةِ ولُزومِ طاعةِ الإمامِ (٣).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: قولُه تعالَى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، هذهِ الآيةُ أصلٌ في نَصبِ إمامٍ وخَليفةٍ يُسمَعُ له ويُطاعُ لتَجتمعَ به الكَلمةُ وتُنفَّذَ به أحكامُ الخَليفةِ، ولا خِلافَ في وُجوبِ ذلكَ بينَ الأمَّةِ ولا بينَ الأئمَّةِ، إلا ما رُويَ عن الأصَمِّ حيثُ كانَ عن الشَّريعةِ أصَمَّ، وكذلكَ كلُّ مَنْ قالَ بقَولِه واتَّبعَه على رأيِه ومَذهبِه قالَ: إنها غيرُ واجِبةٍ في الدِّينِ، بل يَسوغُ ذلكَ، وأنَّ الأمَّةَ متى أقاموا حَجَّهم وجِهادَهم وتَناصَفوا فيما بينَهُم وبَذَلوا الحَقَّ مِنْ أنفُسِهم وقَسمُوا الغِنائمَ والفَيءَ والصَّدقاتِ على أهلِها
стр. 12756
وأقاموا الحدودَ على مَنْ وَجبَتْ عليهِ أجزَأَهم ذلكَ، ولا يَجبُ عليهِم أنْ يَنصِبوا إمامًا يَتولَّى ذلكَ.
ودليلُنا: قَولُ اللهِ تعالَى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، وقولُه تعالَى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ [ص: ٢٦]، وقالَ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥] أي: يَجعلُ منهُم خُلفاءَ، إلى غيرِ ذلكَ مِنْ الآيِ، وأجمَعَتِ الصحابةُ على تَقديمِ الصِّدِّيقِ بعدَ اختِلافٍ وقَعَ بينَ المُهاجِرينَ والأنصارِ في سَقيفةِ بَني ساعِدةَ في التَّعيينِ، حتى قالَتِ الأنصارُ: منَّا أميرٌ ومنكُم أميرٌ، فدفَعَهم أبو بَكرٍ وعُمرُ والمُهاجِرونَ عن ذلكَ وقالُوا لهم: إنَّ العرَبَ لا تَدِينُ إلا لهذا الحيِّ مِنْ قُريشٍ، ورَوَوا لهُم الخبَرَ في ذلكَ، فرَجَعوا وأطاعُوا لقُريشٍ، فلو كانَ فَرضُ الإمامةِ غيرَ واجِبٍ لا في قُريشٍ ولا في غَيرِهم لَمَا ساغَتْ هذه المُناظَرةُ والمُحاوَرةُ عليها، ولَقالَ قائِلٌ: إنها ليسَتْ بواجِبةٍ لا في قُريشٍ ولا في غيرِهم، فما لِتَنازُعِكم وَجهٌ ولا فائِدةٌ في أمرٍ ليسَ بواجِبٍ؟! ثُم إنَّ الصدِّيقَ ﵁ لمَّا حضَرَتْه الوَفاةُ عَهِدَ إلى عُمرَ في الإمامةِ، ولم يَقلْ له أحَدٌ: «هذا أمرٌ غيرُ واجِبٍ عَلينا ولا عَليكَ»، فدَلَّ على وجوبِها وأنها رُكنٌ مِنْ أركانِ الدِّينِ الذي به قِوامُ المُسلمينَ، والحَمدُ للهِ ربِّ العالَمينَ (١).
وقالَ الإمامُ القَرافِيُّ ﵀: نَصبُ الإمامِ للأمَّةِ واجِبٌ مع القُدرةِ، وأنه مَوكولٌ إلى أهلِ الحَلِّ والعَقدِ دونَ النصِّ، وأنه مِنْ فُروضِ الكِفايةِ، ويَجبُ
стр. 12757
طاعةُ الأئمَّةِ وإجلالُهم، وكذلكَ نُوَّابُهم، فإنْ عَصَوا بظُلمٍ أو تَعطيلِ حَدٍّ وجَبَ الوعظُ وحَرُمتْ طاعتُه في المَعصيةِ وإعانتُه عليهَا؛ لقَولِه ﷺ : «لا طاعَةَ لمَخلوقٍ في مَعصيةِ الخالقِ» (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ خَلدونَ ﵀: نَصبُ الإمامِ واجِبٌ قد عُرفَ وُجوبُه في الشَّرعِ بإجماعِ الصَّحابةِ والتابِعينَ؛ لأنَّ أصحابَ رَسولِ اللهِ ﷺ عندَ وَفاتِه بادَرُوا إلى بَيعةِ أبي بَكرٍ ﵁ وتَسليمِ النظَرِ إليه في أمُورِهم، وكذا في كلِّ عَصرٍ مِنْ بعدِ ذلكَ، ولم تُتْرَكِ الناسُ فَوضَى في عَصرٍ مِنْ الأعصارِ، واستَقرَّ ذلكَ إجماعًا دالًّا على وُجوبِ نَصبِ الإمامِ (٢).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: لا بُدَّ للأمَّةِ مِنْ إمامٍ يُقيمُ الدِّينَ ويَنصرُ السُّنةَ ويَنتصفُ للمَظلومينَ ويَستوفِي الحُقوقَ ويَضعُها مَواضِعَها.
قلتُ: تَولِّي الإمامةِ فَرضُ كِفايةٍ، فإنْ لم يَكنْ مَنْ يَصلحُ إلا واحدًا تعيَّنَ عليهِ ولَزمَه طَلبُها إنْ لم يَبتدِئوهُ (٣).
وقالَ الإمامُ البُهوتيُّ ﵀: نَصبُ الإمامِ الأعظَمِ على المُسلمينَ فَرضُ كِفايةٍ؛ لأنَّ بالناسِ حاجَةً إلى ذلكَ لحِمايةِ البَيضةِ والذبِّ عن الحَوزةِ وإقامةِ الحُدودِ واستيفاءِ الحُقوقِ والأمرِ بالمَعروفِ والنهيِ عن المُنكَرِ، ويُخاطَبُ بذلكَ طائِفتانِ: إحداهُما: أهلُ الاجتِهادِ
стр. 12758
حتى يَختاروا، والثانيةُ: مَنْ تُوجَدُ فيهم شَرائطُ الإمامةِ حتَّى يَنتصِبَ أحَدُهم لها (١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: يَجبُ أنْ يُعرَفَ أنَّ وِلايةَ أمرِ الناسِ مِنْ أعظَمِ واجِباتِ الدِّينِ، بل لا قِيامَ للدِّينِ ولا للدُّنيا إلا بها، فإنَّ بَني آدَمَ لا تَتمُّ مَصلحتُهم إلا بالاجتِماعِ؛ لحاجةِ بعضِهم إلى بعضٍ، ولا بُدَّ لهم عندَ الاجتماعِ مِنْ رأسٍ، حتى قالَ النبيُّ ﷺ : «إذا خرَجَ ثَلاثةٌ في سَفرٍ فلْيُؤمِّروا أحَدَهم» رواهُ أبو داودَ مِنْ حَديثِ أبي سَعيدٍ وأبي هُريرةَ، ورَوى الإمامُ أحمَدُ في المُسنَدِ عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «لا يَحلُّ لثَلاثةٍ يَكونونَ بفَلاةٍ مِنْ الأرضِ إلا أمَّرُوا عليهِم أحَدَهم»، فأوجَبَ ﷺ تأميرَ الواحدِ في الاجتِماعِ القَليلِ العارِضِ في السَّفرِ تَنبيهًا بذلكَ على سائرِ أنواعِ الاجتماعِ.
ولأنَّ اللهَ تعالَى أوجَبَ الأمرَ بالمَعروفِ والنهيَ عن المُنكَرِ، ولا يَتمُّ ذلكَ إلا بقوَّةٍ وإمارةٍ، وكذلكَ سائرُ ما أوجَبَه مِنْ الجِهادِ والعَدلِ وإقامةِ الحَجِّ والجُمَعِ والأعيادِ ونَصرِ المَظلومِ وإقامةِ الحُدودِ لا تَتمُّ إلا بالقوَّةِ والإمارةِ، ولهذا رُويَ: «أنَّ السُّلطانَ ظِلُّ اللهِ في الأرضِ»، ويُقالُ: «سِتُّونَ سَنةً مِنْ إمامٍ جائرٍ أصلَحُ مِنْ لَيلةٍ واحِدةٍ بلا سُلطانٍ»، والتَّجربةُ تُبيِّنُ ذلك.
ولهذا كانَ السلَفُ كالفُضَيلِ بنِ عِياضٍ وأحمَدَ بنِ حَنبلٍ وغيرِهما يَقولونَ: لو كانَ لنا دَعوةٌ مُجابةٌ لَدَعَونا بها للسُّلطانِ، وقالَ النبيُّ
стр. 12759
ﷺ : «إنَّ اللهَ يَرضى لكُم ثَلاثًا: أنْ تَعبُدوه ولا تُشرِكوا به شَيئًا، وأنْ تَعتصِموا بحَبلِ اللهِ جَميعًا ولا تَفرَّقوا، وأنْ تُناصِحوا مَنْ ولَّاهُ اللهُ أمْرَكم» رَواهُ مُسلمٌ، وقالَ: «ثَلاثٌ لا يُغِلُّ عليهِنَّ قَلبُ مُسلمٍ: إخلاصُ العَملِ للهِ، ومُناصَحةُ وُلاةِ الأمورِ، ولزومُ جَماعةِ المُسلمينَ، فإنَّ دَعوَتَهم تُحيطُ مِنْ وَرائِهم» رَواهُ أهلُ السُّننِ، وفي الصَّحيحِ عنه أنه قالَ: «الدِّينُ النَّصيحةُ، الدِّينُ النَّصيحةُ، الدِّينُ النَّصيحةُ، قالُوا: لمَن يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: للهِ ولكِتابِه ولرَسولِه ولأئمَّةِ المُسلمينَ وعامَّتِهم».
فالواجِبُ اتِّخاذُ الإمارةِ دِينًا وقُربةً يتقرَّبُ بها إلى اللهِ؛ فإنَّ التقرُّبَ إليهِ فيها بطاعَتِه وطاعَةِ رَسولِه مِنْ أفضَلِ القُرباتِ، وإنما يَفسدُ فيها حالُ أكثَرِ الناسِ لابتِغاءِ الرِّياسةِ أو المالِ بها (١).
نَصْبُ أكثرَ مِنْ إمامٍ:
نَصَّ عامةُ فُقهاءِ الإسلامِ على أنه لا يَجوزُ نَصبُ أكثرِ مِنْ إمامٍ في وقتٍ واحدٍ وإنْ تباعَدَتْ أقطارُ المُسلمينَ، إلَّا إمامَ الحرَمينِ وأبا إسحَاق الإسفرايينيَّ مِنْ الشافِعيةِ أجازاه عندَ الضَّرورةِ.
قالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: ثمَّ اتَّفق مَنْ ذكَرْنا ممَّن يَرَى فرْضَ الإمامةِ على أنه لا يَجوزُ كَونُ إمامَينِ في وَقتٍ واحدٍ في العالَمٍ، ولا يَجوزُ إلَّا إمامٌ واحدٌ، إلَّا مُحمدَ بنَ كرَّامٍ السَّجستانِيَّ وأبا الصَّباحِ السَّمرقنديَّ وأصحابَهُما، فإنهم أجازُوا كونَ إمامَينِ في وَقتٍ وأكثَرِ في وَقتٍ واحدٍ،
стр. 12760
واحتَجَّ هؤلاءِ بقولِ الأنصارِ ومَن قالَ منهُم يومَ السَّقيفةِ للمُهاجرينَ: «منَّا أميرٌ ومنكُم أميرٌ»، واحتَجُّوا أيضًا بأمرِ عليٍّ والحسَنِ مع مُعاويةَ ﵃.
قالَ أبو مُحمدٍ: وكلُّ هذا لا حُجةَ لهم فيهِ؛ لأنَّ قولَ الأنصارِ ﵃ ما ذكَرْنا لم يكُنْ صَوابًا، بل كانَ خَطأً إذْ أدَّاهُم إليها الاجتهادُ وخالَفَهم فيه المهاجِرونَ، ولا بُدَّ إذِ اختَلفَ القائِلانِ على قَولينِ مُتنافيينِ مِنْ أنْ يكونَ أحَدُهما حقًّا والآخَرُ خطأً، وإذْ ذلكَ كذلكَ فواجِبٌ رَدُّ ما تَنازَعوا فيه إلى ما افتَرضَ اللهُ الرَّدَّ إليه عندَ التنازعِ، إذْ يقولُ اللهُ تعالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]، فنظَرْنا في ذلكَ فوجَدْنا رسولَ اللهِ ﷺ قد قالَ: «إذا بُويعَ لإمامَينِ فاقتُلُوا الآخَرَ منهُما»، وقالَ تعالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ [آل عمران: ١٠٥]، وقالَ تعالَى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]، فحرَّمَ اللهُ التَّفرقَ والتنازُعَ، وإذا كانَ إمامانِ فقد حصَلَ التفرُّقُ المحرَّمُ، فوُجِدَ التنازُعُ ووقَعَتِ المَعصيةُ للهِ تعالَى وقُلنا ما لا يَحلُّ لنا.
وأمَّا مِنْ طريقِ النَّظرِ والمصلَحةِ فلو جازَ أنْ يكونَ في العالَمِ إمامانِ لَجازَ أنْ يكونَ فيه ثلاثةٌ وأربَعةٌ وأكثرُ، فإنْ منَعَ مِنْ ذلكَ مانعٌ كانَ مُتحكِّمًا بلا بُرهانٍ ومُدَّعيًا بلا دليلِ، وهذا الباطِلُ الذي لا يَعجزُ عنه أحَدٌ، وإنْ جازَ ذلكَ زادَ الأمرُ حتَّى يكونَ في العالَمِ إمامٌ أو في كُلِّ مَدينةٍ إمامٌ أو في كلِّ قريةٍ إمامٌ، أو يكونَ كلٌّ أحَدٍ وخليفةٍ في منزلِه، وهذا هو الفَسادُ المَحضُ وهلاكُ الدِّينِ والدُّنيا، فصَحَّ أنَّ قولَ الأنصارِ ﵃ وهْلَةٌ وخَطارٌ رَجَعوا عنه إلى الحقِّ وعصَمَهم اللهُ تعالَى مِنْ التمادِي عليهِ.
стр. 12761
وأما أمرُ عَليٍّ والحَسنِ ومُعاويةَ فقدْ صَحَّ عن النبيِّ ﷺ أنه أنذَرَ بخارِجةٍ تَخرجُ مِنْ طائفَتينِ مِنْ أمَّةٍ يَقتلُها أَولى الطائفَتينِ بالحَقِّ، فكانَ قاتِلَ تلكَ الطائفةِ عَليٌّ ﵁، فهو صاحِبُ الحقِّ بلا شَكٍ، وكذلكَ أنذَرَ ﵇ بأنَّ عمَّارًا تَقتلُه الفِئةُ الباغيةُ، فصَحَّ أنَّ عَليًّا هو صاحِبُ الحقِّ، وكانَ عليٌّ السابقَ إلى الإمامَةِ، فصَحَّ بعدُ أنَّ صاحِبَها وأنَّ مَنْ نازَعَه فيها فمُخطئٌ، فمُعاويةُ ﵁ مُخطئٌ مَأجورٌ مرَّةً؛ لأنه مُجتهِدٌ، ولا حُجةَ في خَطأِ المُخطئِ، فبطَلَ قولُ هذهِ الطائفةِ.
وأيضًا فإنَّ قولَ الأنصارِ ﵃: «منَّا أميرٌ ومنكُم أميرٌ» يُخرَّجُ على أنهُم إنما أرادُوا أنْ يليَ والٍ منهُم، فإذا ماتَ وَلِيَ مِنْ المُهاجِرينَ آخَرُ، وهكذا أبدًا، لا على أنْ يكونَ إمامانِ في وَقتٍ، وهذا هو الأظهَرُ مِنْ كَلامِهم، وأما عليٌّ ومُعاويةُ ﵄ فمَا سلَّمَ قطُّ أحَدُهما للآخَرِ، بل كلُّ واحِدٍ منهُما يَزعمُ أنه المُحِقُّ، وكذلكَ كانَ الحَسنُ ﵁ إلى أنْ أسلَمَ الأمرَ إلى مُعاويةَ، فإذا هذا كذلكَ فقدْ صَحَّ الإجماعُ على بُطلانِ قَولِ ابنِ كرَّامٍ وأبي الصباحِ، وبطَلَ أنْ يكونَ لهُم تعلُّقٌ في شَيءٍ أصلًا، وباللهِ تعالَى التوفيقُ (١).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: فأما إقامةُ إمامَينِ أو ثَلاثةٍ في عصرٍ واحدٍ وبَلدٍ واحدٍ فلا يَجوزُ إجماعًا؛ لِما ذكَرْنا، قالَ الإمامُ أبو المَعالِي: ذهَبَ أصحابُنا إلى مَنعِ عَقدِ الإمامةِ لشَخصَينِ في طَرفي العالَمِ ثُم قالوا: لو اتَّفقَ عَقدُ الإمامةِ لشخصَينِ نزلَ ذلكَ مَنزلةَ تَزويجِ وَليَّينِ امرأةً واحِدةً مِنْ
стр. 12762
زَوجَينِ مِنْ غيرِ أنْ يَشعرَ أحَدُهما بعَقدِ الآخَرِ، قالَ: والذِي عندِي فيه أنَّ عقْدَ الإمامةِ لشخصَينِ في صِقعٍ واحِدٍ مُتضايقِ الخُططِ والمَخاليفِ غيرُ جائزٍ، وقد حصَلَ الإجماعُ عليهِ، فأما إذا بَعُدَ المَدى وتخلَّلَ بينَ الإمامَينِ شُسوعُ النَّوى فللِاحتمالِ في ذلكَ مَجالٌ، وهو خارجٌ عن القواطِعِ، وكانَ الأستاذُ أبو إسحاقَ يُجوِّزُ ذلكَ في أقليمَينِ مُتباعِدينِ غايةَ التباعُدِ؛ لئلَّا تَتعطلَ حُقوقُ الناسِ وأحكامُهم.
وذهَبَتِ الكرَّاميةُ إلى جَوازِ نَصبِ إمامَينِ مِنْ غيرِ تَفصيلٍ، ويُلزِمُهم إجازةَ ذلكَ في بلدٍ واحِدٍ، وصاروا إلى أنَّ عليًّا ومُعاويةَ كانَا إمامَينِ، قالوا: وإذا كانَا اثنَينِ في بلدَينِ أو ناحِيتينِ كانَ كلُّ واحدٍ منهُما أقوَمَ بما في يَدَيه وأضبَطَ لِما يَليهِ، ولأنه لمَّا جازَ بِعثةُ نَبيَّينِ في عَصرٍ واحدٍ ولم يُؤَدِّ ذلكَ إلى إبطالِ النبوَّةِ كانَتِ الإمامةُ أَولى ولا يُؤدِّي ذلكَ إلى إبطالِ الإمامةِ.
والجوابُ أنَّ ذلكَ جائزٌ لولَا مَنعُ الشرعِ منهِ؛ لقَولِه: «فاقتُلوا الآخِرَ منهُما»، ولأنَّ الأمَّةَ عليهِ، وأما مُعاويةُ فلَم يدَّعِ الإمامةَ لنفسِه، وإنما ادَّعى وِلايةَ الشامِ بتَوليةِ مَنْ قبلَه مِنْ الأئمَّةِ، وممَّا يَدلُّ على هذا إجماعُ الأمَّةِ في عَصرِهما على أنَّ الإمامَ أحَدُهما، ولا قالَ أحَدُهما: أني إمامٌ ومُخالِفي إمامٌ (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: لا يَجوزُ نَصبُ إمامَينِ في وقتٍ واحدٍ وإنْ تباعَدَ إقليماهُما، وقالَ الأستاذُ أبو إسحَقَ: يَجوزُ نَصبُ إمامَينِ في إقليمَينِ؛ لأنه قد يحتاجُ إليه، وهذا اختيارُ الإمامِ.
стр. 12763
والصَّحيحُ الذي عليهِ الجُمهورُ هو الأولُ، فإنْ عُقدَتِ البَيعةُ لرَجلَينِ معًا فالبَيعتانِ باطِلتانِ، وإنْ تَرتَّبتَا فالثانيةُ باطِلةٌ، ثم إنْ جَهِلَ الثاني ومُبايِعوهُ بَيعةَ الأولِ لم يُعزَّروا، وإلا فيُعزَّرونَ، ولو عُرِفَ سَبقُ أحَدِهما ولم يَتعينْ أو شكَكْنا في مَعيَّتِهما وتَعاقُبِهما فلْيكَنْ كما سبَقَ في الجُمعتَينِ، ولو سبَقَ أحَدُهما وتَعيَّنَ واشتبهَ وُقِفَ الأمرُ حتى يَظهرَ، فإنْ طالَتِ المُدةُ ولم يَكنِ الانتظارُ فقدْ ذكَرَ الماوَرديُّ أنه تَبطلُ البَيعتانِ وتُستأنَفُ بَيعةٌ لأحَدِهما، وفي جَوازِ العُدولِ إلى غيرِهما خِلافٌ.
قلتُ: الأصَحُّ المَنعُ واللهُ أعلَمُ، قالَ الماوَرديُّ: ولو ادَّعى كلُّ واحِدٍ أنه الأسبَقُ لم تُسمعْ دَعواهُ، ولم يَحلفِ الآخَرُ؛ لأنَّ الحقَّ للمُسلمينَ، ولو قطَعَا التنازُعَ وسلَّمَ أحَدُهما الأمرَ للآخَرِ لم تَثبتِ الإمامةُ له، بل لا بُدَّ مِنْ بيِّنةٍ بسَبقِه، قالَ: ولو أقَرَّ أحَدُهما بسَبقِ صاحبِه خرَجَ منها المقِرُّ، ولا تَثبتُ للآخَرِ إلا ببيِّنةٍ، فإنْ شَهِدَ له المقِرُّ مع آخَرَ قُبلَتْ شَهادتُه إنْ كانَ يَدَّعي اشتباهَ الأمرِ قبلَ الإقرارِ، وإنْ كانَ يَدَّعي التقديمَ لم تُسمعْ؛ للتكاذُبِ في قَوليهِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ كَثيرٍ ﵀: فأما نَصبُ إمامَينِ في الأرضِ أو أكثَرَ فلا يَجوزُ؛ لقَولِه ﵊: «مَنْ جاءَكُم وأمرُكُم جَميعٌ يُريدُ أنْ يُفرِّقَ بينَكُم فاقتُلوهُ كائِنًا مَنْ كانَ»، وهذا قَولُ الجُمهورِ، وقد حكَى الإجماعَ على ذلكَ غيرُ واحدٍ، منهُم إمامُ الحَرمينِ.
стр. 12764
وقالَتِ الكرَّاميةُ: يَجوزُ اثنانِ فأكثَرَ كما كانَ عليٌّ ومُعاويةُ إمامَينِ واجبَيِ الطاعةِ، قالوا: وإذا جازَ بَعثُ نَبيَّينِ في وَقتٍ واحِدٍ وأكثَرَ جازَ ذلكَ في الإمامةِ؛ لأنَّ النبوَّةَ أعلَى رُتبةً بلا خِلافٍ.
وحكَى إمامُ الحرَمينِ عن الأستاذِ أبي إسحاقَ أنه جوَّزَ نصْبَ إمامَينِ فأكثَرَ إذا تباعَدَتِ الأقطارُ واتسَعَتِ الأقاليمُ بينَهُما، وتردَّدَ إمامُ الحَرمينِ في ذلكَ، قلتُ: وهذا يُشبهُ حالَ الخُلفاءِ بَني العباسِ بالعِراقِ والفاطِميِّينَ بمِصرَ والأمَويِّينَ بالمَغربِ (١).
وقالَ إمامُ الحرَمينِ أبو المُعالِي الجُوَينيُّ ﵀: إذا تيسَّرَ نَصبُ إمامٍ واحدٍ يُطبِّقُ خطَّةَ الإسلامِ نَظرُه، ويَشملُ الخَليقةَ على تَفاوتِ مَراتبِها في مَشارقِ الأرضِ ومَغاربِها أثَرُه، تعيَّنَ نَصبُه ولم يَسُغْ -والحالةُ هذهِ- نَصبُ إمامَينِ، وهذا مُتفَقٌ عليهِ، لا يُلفَى فيه خِلافٌ، ولمَّا استَتبَّتِ البَيعةُ لخَليفةِ رَسولِ اللهِ ﷺ أبي بَكرٍ الصدِّيقِ ﵁ ثم استَمرَّتِ الخِلافةُ إلى مُنقرضِ زَمنِ الأئمَّةِ ﵃ أجمَعينَ فُهِمَ على الاضطِرارِ مِنْ غيرِ حاجةٍ إلى نَقلِ أخبارٍ مِنْ مَذاهبِ المُهاجِرينَ والأنصارِ أنَّ مَبنى الإمامةِ على أنْ لا يَتصدَّى لها إلا فَردٌ، ولا يَتعرَّضَ لها إلا واحِدٌ في الدَّهرِ، ومَن لم يُحِطْ بدَركِ ذلكَ مِنْ شِيَمِ العاقِدينَ والذين عُقِدَ لهم فهو بَعيدُ الفَهمِ فَدِمُ القَريحةِ مُستميتُ الفِكرِ.
стр. 12765
وقد تَقرَّرَ مِنْ دِينِ الأمَّةِ قاطِبةً أنَّ الغرَضَ مِنْ الإمامةِ جَمعُ الآراءِ المُشتَّتةِ، وارتِباطُ الأهواءِ المُتفاوِتةِ، وليسَ بالخافي على ذَوِي البَصائرِ أنَّ الدُّولَ إنما تَضطربُ بتَحزُّبِ الأمَراءِ وتَفرُّقِ الآراءِ وتجاذُبِ الأهواءِ، ونِظامُ المُلكِ وقِوامُ الأمرِ بالإذعانِ والإقرارِ لذِي رأيٍ ثابتٍ لا يَستبدُّ ولا يَنفردُ، بل يَستضيءُ بعُقولِ العُقلاءِ، ويَستبينُ برأيِ طَوائفِ الحُكماءِ والعُلماءِ، ويَستثمرُ لُبابَ الألبابِ، فيَحصلُ مِنْ انفِرادِه الفائِدةُ العُظمَى في قَطعِ الاختِلافِ، ويَتحقَّقُ باستِضاءتِه استِثمارُ عُقولِ العُقلاءِ.
فالغَرضُ الأظهَرُ إذًا مِنْ الإمامةِ لا يَثبتُ إلا بانفِرادِ الإمامِ، وهذا مُغْنٍ بوُضوحِه عن الإطنابِ والإسهابِ، مُستنِدٌ إلى الإطباقِ والاتِّفاقِ، إذ داعِيةُ التقاطُعِ والتدابُرِ والشِّقاقِ رَبطُ الأمورُ بنَظرِ ناظِرَينِ، وتَعليقُ التقدُّمِ بأميرَينِ، وإنما تَستمرُّ أكنافُ المَمالِكِ برُجوعِ أمَراءِ الأطرافِ إلى رأيٍ واحِدٍ ضابطٍ، ونَظرٍ مُتحِدٍ رابطٍ، وإذا لم يَكنْ لهم مَوئِلٌ عنه يَصدرونَ ومَطمَحٌ إليه يَتشوَّفونَ تَنافَسوا وتَتطاوَلوا وتَغالَبوا وتَصاوَلوا وتَواثَبوا على ابتِغاءِ الاستيلاءِ والاستِعلاءِ، وتَغالَبوا غيرَ مُكترثينَ باستِئصالِ الجَماهيرِ والدَّهماءِ، فتكونُ الداهِيةُ الدَّهياءُ، وهذا مَثارُ البَلايَا، ومَهلكةُ البَرايَا، وفيه تَنطحنُ السَّلاطينُ والرَّعايَا.
فقدْ تَقرَّرَ أنْ نصْبَ إمامَينِ مَدعاةُ الفسادِ، وسَببُ حَسمِ الرَّشادِ، ثُم إنَّ فرْضَ نَصبِ إمامَينِ على أنْ يَنفذَ أمرُ كلِّ واحِدٍ منهُما في جَميعِ الخُطَّةِ، جَرَّ ذلكَ تَدافُعًا وتَنازُعًا، وأثَّرَ ضَرُّ نَصبِهما يُبِرُّ على تَركِ الأمرِ مُهمَلًا سُدًى.
стр. 12766
وإنْ نُصبَ إمامٌ في بعضِها وآخَرُ في باقيها مع التمكُّنِ مِنْ نَصبِ إمامٍ نافذِ الأمرِ في جَميعِ الخُطَّةِ كانَ ذلكَ باطِلًا إجماعًا كما سبَقَ تَقريرُه، وفيه إبطالُ فائِدةِ الإمامةِ المَنوطةِ برأيِ واحدٍ يَجمعُ الآراءَ كما سبَقَ إيضاحُه فيما تقدَّمَ، وهذا واضِحٌ لا خَفاءَ به.
والذي تَباينَتْ فيه المَذاهبُ أنَّ الحالةَ إذا كانَتْ بحَيثُ لا يَنبسطُ رأيُ إمامٍ واحِدٍ على المَمالكِ، وذلكَ يُتصوَّرُ بأسبابٍ لا تَغمضُ، منها اتِّساعُ الخطَّةِ، وانسِحابُ الإسلامِ على أقطارٍ مُتبايِنةٍ وجَزائرَ في لُجَجٍ مُتقاذِفةٍ، وقد يَقعُ قيامُ قومٍ مِنْ الناسِ نُبذةً مِنْ الدُّنيا لا يَنتهي إليهم نَظرُ الإمامِ، وقد يَتولَّجُ خطَّةٌ مِنْ ديارِ الكُفرِ بينَ خطَّةِ الإسلامِ، ويَنقطعُ بسَببِ ذلكَ نَظرُ الإمامِ عن الذينَ وَراءَه مِنْ المُسلمينَ.
فإذا اتَّفقَ ما ذكَرْناهُ فقدْ صارَ صائِرونَ عندَ ذلكَ إلى تَجويزِ نَصبِ إمامٍ في القُطرِ الذي لا يَبلغُه أثرُ نَظرِ الإمامِ، ويُعزَى هذا المَذهبُ إلى شيخِنا أبي الحَسنِ والأستاذِ أبي إسحاقَ الإسفرايينيِّ ﵁ وغيرِهما، وابتَغى هَؤلاءِ مَصلحةَ الخَلقِ وقالُوا: إذا كانَ الغَرضُ مِنْ الإمامةِ استِصلاحُ العامَّةِ وتَمهيدُ الأمورِ وسَدُّ الثغورِ، فإذا تَيسَّرَ نَصبُ إمامٍ واحدٍ نافذِ الأمرِ فهو أصلَحُ لا مَحالةَ في مُقتَضى السِّياسةِ والإيالةِ وإنْ عَسُرَ ذلك، ولا سَبيلَ إلى تَركِ الذينَ لا يَبلغُهم نَظرُ الإمامِ مُهمَلينَ لا يَجمعُهم وازعٌ ولا يَردَعُهم رادعٌ، فالوَجهُ أنْ يَنصِبوا في ناحِيتِهم وِزرًا يَلوذونَ به، إذ لو بَقَوا سُدًى لَتهافَتوا على وَرطاتِ الرَّدى، وهذا ظاهِرٌ لا يُمكنُ دَفعُه.
стр. 12767
وأنا أقولُ فيه مُستعينًا باللهِ تعالَى: إنْ سبَقَ عقدُ الإمامةِ لصالحٍ لها وكنَّا نَراهُ عندَ العقدِ مُستقِلًّا بالنظرِ في جَميعِ الأقطارِ ثم ظهَرَ ما يَمنعُ مِنْ انبثاثِ نَظرِه أو طرَأَ فلا وجْهَ لتركِ الذينَ لا يَبلغُهم أمرُ الإمامِ مُهمَلينَ، ولكنَّهم يَنصِبونَ أميرًا يَرجعونَ إلى رأيِه ويَصدُرونَ عن أمرِه ويَلتزمونَ شَريعةَ المُصطفَى فيما يَأتونَ ويَذرونَ، ولا يكونُ ذلكَ المَنصوبُ إمامًا، ولو زالَتِ المَوانعُ واستَمكنَ الإمامُ مِنْ النظرِ لهم أذعَنَ الأميرُ والرَّعايا للإمامِ، وألقَوا إليه السَّلَمَ، والإمامُ يمهِّدُ عذْرَهم، ويَسوسُ أمْرَهم، فإنْ رأى تَقريرَ مَنْ نَصبوهُ فعَلَ، وإنْ رَأى تغييرَ الأمرِ فرأيُه المَتبوعُ وإليه الرجوعُ.
وإنْ لم يَتقدمْ نَصبُ إمامٍ كما تقدَّمَ تَصويرُه، ولكنْ خَلا الدهرُ عن إمامٍ في زَمنِ فَترةٍ، وانفصَلَ شَطرٌ مِنْ الخطَّةِ عن شَطرٍ، وعزَّ نَصبُ إمامٍ واحدٍ يَشملُ رأيُه البلادَ والعِبادَ، فنُصِبَ أميرٌ في أحدِ الشَّطرينِ للضَّرورةِ في هذهِ الصُّورةِ، ونُصبَ أميرٌ في القُطرِ الآخَرِ مَنصوبٌ، ولم يقَعِ العقدُ الواحدُ على حُكمِ العُمومِ، إذا كانَ يتأتَّى ذلك، فالحقُّ المتبَعُ في ذلكَ أنَّ واحدًا منهُما ليسَ إمامًا؛ إذ الإمامُ هو الواحِدُ الذي به ارتباطُ المُسلمينَ أجمَعينَ.
ولستُ أُنكِرُ تَجويزَ نَصبِهما على حَسبِ الحاجةِ، ونُفوذَ أمرِهما على مُوجَبِ الشرعِ، ولكنَّه زمانٌ خالٍ عن الإمامِ (١).
стр. 12768
ما تَنعقدُ به الإمامةُ:
الإمامةُ تَثبتُ بأحَدِ أمُورٍ ثَلاثةٍ باتِّفاقِ المَذاهبِ الأربعةِ:
أولاً: البَيعةُ:
تَثبتُ الإمامةُ ببَيعةُ أهلِ الحَلِّ والعَقدِ مِنْ العُلماءِ والرُّؤساءِ وسائرِ وُجوهِ الناسِ الذين يَتيسَّرُ حُضورُهم، وهُم مَنْ اجتَمعَ فيهم ثَلاثُ صِفاتٍ: العَدالةُ، والعِلمُ بشُروطِ الإمامةِ، والرَّأيُ، كما بايَعَ الصحابةُ ﵃ للصدِّيقِ أبي بكرٍ ﵁.
واتَّفقَ العُلماءُ على أنه لا يُشترطُ اتفاقِ أهلِ الحَلِّ والعَقدِ، إلا أنهم اختَلفُوا هل يُشترطُ عَددٌ مُعيَّنٌ؟ أم لا بُدَّ مِنْ جُمهورِ أهلِ الحلِّ والعَقدِ؟ أم يَكفي واحدٌ منهُم؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ عندَهما أنه يَكفي مُبايَعةُ واحدٍ مِنْ أهلِ الحلِّ والعَقدِ.
قالَ ابنُ نُجيمٍ ﵀: وتَنعقدُ بَيعةُ أهلِ الحلِّ والعَقدِ مِنْ العُلماءِ المُجتهِدينَ والرُّؤساءِ … وتَكفي مُبايَعةُ واحدٍ، وقيلَ: لا بُدَّ مِنْ الأكثرِ، وقيلَ: لا يَلزمُه عَددٌ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: لا يُشترطُ اتِّفاقُ أهلِ الحَلِّ والعَقدِ في سائرِ البلادِ والأصقاعِ، بل يَكفي ما يتيسَّرُ اجتماعُهم حالَ البَيعةِ بلا كُلفةٍ، وإذا وصَلَهم
стр. 12769
خبَرُ أهلِ البلادِ البَعيدةِ لَزمَهم الموافَقةُ والمتابَعةُ، وعلى هذا لا يتعيَّنُ للاعتبارِ عَددٌ، بل لا يُعتبَرُ العَددُ، حتى لو تعلَّقَ الحَلُّ والعَقدُ بواحدٍ مُطاعٍ كفَتْ بَيعتُه لانعِقادِ الإمامةِ، ويُشترطُ أنْ يكونَ الذينَ يُبايِعونَ بصِفةِ الشُّهودِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ بَيعَتُهم تكونُ بالحضورِ والمباشَرةِ بصَفقةِ اليَدِ وإشهادِ الغائبِ منهم، ويَكفي العامِّيَّ اعتِقادُه أنه تحتَ أمرِه، فإنْ أضمَرَ خِلافَ ذلكَ فُسِّقَ ودخَلَ تحتَ قولِ النبيِّ ﷺ : «مَنْ ماتَ وليسَ في عُنقِه بَيعةٌ ماتَ مِيتةً جاهِليةً» (٢)(٣).
وقالَ الحَنابلةُ: لا تَنعقدُ البَيعةُ إلا بجُمهورِ أهلِ الحَلِّ والعقدِ.
قالَ أحمَدُ في رِوايةِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ: الإمامُ: الذي يَجتمعُ قولُ أهلِ الحَلِّ والعَقدِ عليهِ كلُّهم يَقولُ: هذا إمامٌ (٤).
وقالَ ابنُ عبدِ الهادِي ﵀: لا بُدَّ أنْ يَتفِقَ عليهِ أهلُ الحَلِّ والعَقدِ في كلِّ بلدٍ ويُبايِعونَ له (٥).
وقالَ الإمامُ أبو مُحمدِ ابنُ حَزمٍ ﵀: ذهَبَ قومٌ إلى أنَّ الإمامةَ لا تَصحُّ إلا بإجماعِ فُضلاءِ الأمَّةِ في أقطارِ البلادِ، وذهَبَ آخَرونَ إلى أنَّ الإمامةَ
стр. 12770
أنما تَصحُّ بعَقدِ أهلِ حَضرةِ الإمامِ والمَوضعِ الذي فيه قَرارُ الأئمَّةِ، وذهَبَ أبو عليٍّ مُحمدُ بنُ عبدُ الوهابِ الجبائيُّ إلى أنَّ الإمامَة لا تَصحُّ بأقَلَّ مِنْ عَقدِ خَمسِ رِجالٍ، ولم يَختلِفوا في أنَّ عقْدَ الإمامةِ تَصحُّ بعَهدٍ مِنْ الإمامِ الميتِ إذا قصَدَ فيه حُسنَ الاختيارِ للأُمةِ عندَ مَوتِه ولم يَقصدْ بذلكَ هوًى …
قالَ أبو مُحمدٍ: أما مَنْ قالَ أنَّ الإمامةَ لا تَصحُّ إلا بعَقدِ فُضلاءِ الأمَّةِ في أقطارِ البلادِ فباطلٌ؛ لأنه تَكليفُ ما لا يُطاقُ وما ليسَ في الوُسعِ وما هو أعظَمُ الحَرجِ، واللهُ تعالَى لا يُكلِّفُ نفسًا إلا وُسعَها، وقالَ تعالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، ولا حرَجَ ولا تَعجيزَ أكثَرَ مِنْ تَعرُّفِ إجماعِ فُضلاءِ مَنْ في المولتانِ والمَنصورةِ إلى بلادِ مهرَةَ إلى عَدنٍ إلى أقاصِي المَصامدةِ، بل طَنجةَ إلى الأشبونةِ إلى جَزائرِ البَحرِ إلى سواحلِ الشامِ إلى أرمينيَّةَ وجبلِ القَبجِ إلى اسينجابَ وفُرغانةَ وأسروسنةَ إلى أقاصي خُراسانَ إلى الجَوزَجانِ إلى كابلِ المولتانِ فما بينَ ذلكَ مِنْ المُدنِ والقُرى، ولا بُدَّ مِنْ ضَياعِ أمورِ المُسلمينَ قبلَ أنْ يُجمعَ جُزءٌ مِنْ مائةِ جُزءٍ مِنْ فُضلاءِ أهلِ هذهِ البلادِ، فبطَلَ هذا القَولُ الفاسدُ، مع أنه لو كانَ ممكِنًا لَمَا لَزمَ؛ لأنه دَعوى بلا بُرهانٍ، وإنما قالَ تعالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] و ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥]، فهذانِ الأمرانِ مُتوجِّهانِ، أحَدُهما إلى كلِّ إنسانٍ في ذاتِه، ولا يُسقطُ عنه وُجوبَ القيامِ بالقِسطِ انتظارُ غيرِه في ذلكَ، وأما التعاوُنُ على البِرِّ والتَقوى فمُتوجِّهٌ إلى كلِّ اثنينِ فصاعِدًا؛ لأنَّ التعاوُنَ فعلٌ مِنْ فاعلَينِ وليسَ فِعلَ واحدٍ، ولا
стр. 12771
يُسقطُ عن الاثنَينِ فرْضَ تَعاونِهما على البِرِّ والتقوَى انتظارُ ثالثٍ؛ إذ لو كانَ ذلكَ لمَا لَزمَ أحدًا قيامٌ بقِسطٍ ولا تعاونٌ على برٍّ وتَقوى؛ إذ لا سَبيلَ إلى اجتِماعِ أهلِ الأرضِ على ذلكَ أبدًا لتَباعُدِ أقطارِهم ولتخلُّفِ مَنْ تخلَّفَ عن ذلكَ لعُذرٍ أو على وَجهِ المَعصيةِ، ولو كانَ هذا لَكانَ أمرُ اللهِ تعالَى بالقيامِ بالقسطِ وبالتعاوُنِ على البِرِّ والتقوَى باطلًا فارغًا، وهذا خُروجٌ عن الإسلامِ، فسقَطَ القَولُ المذكورُ، وباللهِ تعالَى التوفيقُ.
وأما قولُ مَنْ قالَ أنَّ عقْدَ الإمامةِ لا يَصحُ إلا بعَقدِ أهلِ حَضرةِ الإمامِ وأهلِ المَوضعِ الذي فيه قَرارُ الأئمَّةِ، فإنَّ أهلَ الشامِ كانُوا قد دَعَوا ذلكَ لأنفُسِهم، حتى حمَلَهم ذلكَ على بَيعةِ مَروانَ وابنِه عبدِ المَلكِ، واستَحلُّوا بذلكَ دِماءَ أهلِ الإسلامِ، وهو قَولٌ فاسدٌ لا حجَّةَ لأهلِه، وكلُّ قولٍ في الدِّينِ عَرِيَ عن ذلكَ مِنْ القُرآنِ أو مِنْ سُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ أو مِنْ إجماعِ الأمَّةِ المُتيقَّنِ فهو باطلٌ بيَقينٍ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)﴾ [النمل: ٦٤]، فصَحَّ أنَّ مَنْ لا بُرهانَ له على صحَّةِ قولِه فليسَ صادقًا فيه، فسقَطَ هذا القَولُ أيضًا … فإذ قد بَطلَتْ هذه الأقوالُ كلُّها قالُوا: أوجَبَ النَّظرُ في ذلكَ على ما أوجَبَه اللهُ تعالَى في القُرآنِ والسُّنةِ وإجماعِ المُسلمينَ كما افتَرضَ علينا إذ يَقولُ: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]، فوجَدْنا عقْدَ الإمامةِ يَصحُّ بوُجوهٍ أوَّلُها وأفضَلُها وأصَحُّها أنْ يَعهدَ الإمامُ الميتُ إلى إنسانٍ يَختارُه، أما بعدَ موتِه وسَواءٌ فعَلَ
стр. 12772
ذلكَ في صحَّتِه أو في مَرضِه وعندَ موتِه، إذ لا نَصَّ ولا إجماعَ على المَنعِ مِنْ أحدِ هذه الوُجوهِ، كما فعَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ بأبي بَكرٍ، وكما فعَلَ أبو بَكرٍ بعُمرَ، وكما فعَلَ سُليمانُ بنُ عبدِ المَلكِ بعُمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وهذا هو الوَجهُ الذي نَختارُه ونَكرَهُ غيرَه؛ لِما في هذا الوجهِ مِنْ اتصالِ الإمامةِ، وانتظامِ أمرِ الإسلامِ وأهلِه، ورَفعِ ما يُتخوَّفُ مِنْ الاختلافِ والشغَبِ ممَّا يُتوقَّعُ في غيرِه مِنْ بقاءِ الأمَّةِ فوضَى، ومِن انتِشارِ الأمرِ وارتفاعِ النُّفوسِ وحُدوثِ الأطماعِ.
إنما أنكَرَ مَنْ أنكَرَ مِنْ الصحابةِ ﵃ ومِن التابِعينَ بَيعةَ يَزيدَ بنِ مُعاويةَ والوليدِ وسُليمانَ لأنهُم كانوا غيرَ مَرضيِّينَ، لا لأنَّ الإمامَ عَهِدَ إليهم في حَياتِه (١).
ثانيًا: باستِخلافِ الإمامِ الذي قبْلَه:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ وعامَّةُ العُلماءِ على تَنفيذِ عَهدِ الإمامِ إذا أوصَى بالإمامةِ إلى مَنْ يَصلحُ لها، وقد نُقِلَ الإجماعُ على هذا.
قالَ الإمامُ أبو مَنصورٍ البَغداديُّ ﵀: إذا أوصَى بها الإمامُ إلى مَنْ يَصلحُ لها وجَبَتْ على الأمَّةِ إنفاذُ وصَيَّتِه، كما أوصَى بها أبو بكرٍ إلى عُمرَ، وأجمَعَتِ الصحابةُ على مُتابعتِه فيها (٢).
стр. 12773
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: وأما انعِقادُ الإمامةِ بعَهدِ مَنْ قبلَه فهو ممَّا انعَقدَ الإجماعُ على جَوازِه ووقَعَ الاتفاقُ على صحَّتِه؛ لأمرَينِ عَمِلَ المُسلمونَ بهما ولم يَتناكَروهُما:
أحَدُهما: أنَّ أبا بَكرٍ ﵁ عَهِدَ بها إلى عُمرَ ﵁ فأثبَتَ المُسلمونَ إمامتَه بعَهدِه.
والثاني: أنَّ عُمرَ ﵁ عَهِدَ بها إلى أهلِ الشُّورى، فقَبِلتِ الجَماعةُ دُخولَهم فيها، وهم أعيانُ العَصرِ، اعتقادًا لصَّحةِ العهدِ بها، وخرَجَ باقي الصَّحابةِ منها، وقالَ عليٌّ للعبَّاسِ رِضوانُ اللهِ عليهِما حينَ عاتَبَه على الدُّخولِ في الشُّورَى: «كانَ أمرًا عَظيمًا مِنْ أمورِ الإسلامِ لم أرَ لنَفسِي الخُروجَ منه»، فصارَ العهدُ بها إجماعًا في انعِقادِ الإمامةِ، فإذا أرادَ الإمامُ أنْ يَعهدَ بها فعليهِ أنْ يَجهدَ رأيَه في الأحَقِّ بها والأقوَمِ بشُروطِها، فإذا تعيَّنَ له الاجتهادُ في واحِدٍ نُظرَ فيه:
فإنْ لم يَكنْ ولَدًا ولا والِدًا جازَ أنْ يَنفردَ بعَقدِ البيعةِ له وبتَفويضِ العَهدِ إليه وإنْ لم يَستشرْ فيه أحَدًا مِنْ أهلِ الاختيارِ، لكنِ اختَلفُوا: هل يَكونُ ظُهورُ الرِّضا منهُم شَرطًا في انعِقادِ بَيعتِه أو لا؟ فذهَبَ بعضُ عُلماءِ أهلِ البَصرةِ إلى أنَّ رِضا أهلِ الاختيارِ لبَيعتِه شرطٌ في لُزومِها للأمَّةِ؛ لأنها حقٌّ يتعلَّقُ بهم، فلَم تَلزمْهم إلا برضَا أهلِ الاختيارِ منهم، والصَّحيحُ أنَّ بَيعتَه مُنعقدةٌ وأنَّ الرِّضا بها غيرُ مُعتبَرٍ؛ لأنَّ بَيعةَ عُمرَ ﵁ لم تَتوقَّفْ على رضَا الصَّحابةِ؛ ولأنَّ الإمامَ أحَقُّ بها، فكانَ اختيارُه فيها أمضَى وقولُه فيها أنفَذَ.
стр. 12774
وإنْ كانَ وَليُّ العَهدِ ولدًا أو والدًا فقدِ اختُلفَ في جَوازِ انفِرادِه بعقدِ البيعةِ له على ثَلاثةِ مَذاهبَ:
أحَدُها: لا يَجوزُ أنْ يَنفردَ بعَقدِ البَيعةِ لولدٍ ولا لوالِدٍ حتى يُشاوِرَ فيه أهلَ الاختيارِ فيَرَونَه أهلًا لها، فيَصحُّ منه حِينئذٍ عَقدُ البيعةِ له؛ لأنَّ ذلكَ منه تَزكيةٌ له تجرِي مجرَى الشهادةِ، وتقَليدُه على الأمَّةِ يَجري مَجرى الحُكمِ، وهو لا يَجوزُ أنْ يَشهدَ لوالدٍ ولا لوَلدٍ ولا يَحكمَ لواحدٍ منهُما؛ للتُّهمةِ العائِدةِ إليه بما جُبلَ مِنْ المَيلِ إليه.
والمَذهبُ الثاني: يَجوزُ أنْ يَنفردَ بعَقدِها لولدٍ ووالدٍ؛ لأنه أميرُ الأمَّةِ نافذُ الأمرِ لهم وعليهِم، فغُلِّبَ حُكمُ المَنصبِ على حُكمِ النسبِ، ولم يجعَلْ للتُّهمةِ طَريقًا على أمانتِه ولا سَبيلًا إلى مُعارَضتِه وصارَ فيها كعَهدِه بها إلى غيرِ ولدِه ووالدِه، وهل يكونُ رضَا أهلِ الاختيارِ بعدَ صحَّةِ العهدِ مُعتبَرًا في لُزومِه للأمَّةِ أو لا؟ على ما قدَّمْناهُ مِنْ الوَجهينِ.
والمَذهبُ الثالثُ: إنه يَجوزُ أنْ يَنفردَ بعَقدِ البيعةِ لوالدِه، ولا يَجوزُ أنْ يَنفردَ بها لوَلدِه؛ لأنَّ الطَّبعَ يَبعثُ على مُمايَلةِ الولدِ أكثَرَ مما يَبعثُ على مُمايلةِ الوالدِ، ولذلكَ كانَ كلِّ ما يَقتنيهِ في الأغلبِ مَذخورًا لوَلدِه دونَ والدِه.
فأما عَقدُها لأخيهِ ومَن قارَبَه مِنْ عَصَبتِه ومُناسبيهِ فكعَقدِها للبُعداءِ الأجانبِ في جَوازِ تَفرُّدِه بها (١).
стр. 12775
وقالَ الإمامُ أبو المَعالي الجُوَينيُّ ﵀: أصلُ تَوليةِ العَهدِ ثابتٌ قَطعًا مُستنِدٌ إلى إجماعِ حَمَلةِ الشريعةِ، فإنَّ أبا بَكرٍ خَليفةَ رَسولِ اللهِ ﷺ لمَّا عَهدَ إلى عُمرَ بنِ الخطَّابِ ﵄ وولَّاهُ الإمامةَ بعدَه لم يُبْدِ أحدٌ مِنْ صَحبِ رَسولِ اللهِ ﷺ نَكيرًا، ثم اعتَقدَ كافَّةُ عُلماءِ الدِّينِ تَوليةَ العَهدِ مَسلكًا في إثباتِ الإمامةِ في حقِّ المَعهودِ إليه المُولَّى، ولم يَنفِ أحدٌ أصلَها أصلًا، وإنْ كانَ مَنْ تَردَّدَ وتبلَّدَ ففي صِفةِ المولَّى أو المولِّي، فأما أصلُ العَهدِ فثابتٌ باتِّفاقِ أهل الحَلِّ والعَقدِ، ثم تكلَّمَ العُلماءُ في تَفاصيلِ تَوليةِ العُهودِ وانتَهوا إلى كلِّ مَقصودٍ (١).
وقالَ القاضي عِياضٌ ﵀: إجماعُ الصَّحابةِ … على تنفيذِ عَهدِ أبي بكرٍ لعُمرَ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَنْ اتَّفقَ المُسلمونَ على إمامتِه وبَيعتِه ثَبتَتْ إمامتُه ووجَبَتْ مَعونتُه؛ لِما ذكَرْنا مِنْ الحَديثِ والإجماعِ، وفي مَعناهُ مَنْ ثَبتَتْ إمامتُه بعَهدِ النبيِّ ﷺ أو بعَهدِ إمامٍ قبلَه إليه، فإنَّ أبا بكرٍ ثبَتَتْ إمامتُه بإجماعِ الصحابةِ على بَيعتِه، وعُمرَ ثبَتَتْ إمامتُه بعهدِ أبي بكرٍ إليهِ، وأجمَعَ الصحابةُ على قَبولِه (٣).
стр. 12776
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأجمَعوا على انعِقادِ الخِلافةِ بالاستِخلافِ، وعلى انعِقادِها بعَقدِ أهلِ الحلِّ والعَقدِ لإنسانٍ إذا لم يَستخلفِ الخَليفةُ، وأجمَعوا على جَوازِ جَعلِ الخَليفةِ الأمرَ شُورى بينَ جَماعةٍ كما فعَلَ عُمرُ بالسِّتةِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ خَلدونَ ﵀: وقد عُرفَ ذلكَ مِنْ الشرعِ بإجماعِ الأمَّةِ على جَوازِه وانعِقادِه، إذ وقَعَ بعَهدِ أبي بكرٍ ﵁ لعُمرَ بمَحضرٍ مِنْ الصحابةِ وأجازُوهُ وأوجَبُوا على أنفُسِهم به طاعةَ عُمرَ ﵁ وعَنهُم، وكذلكَ عَهِدَ عُمرُ في الشُّورى إلى السِّتةِ بقيَّةِ العَشرةِ وجعَلَ لهم أنْ يَختارُوا للمُسلمينَ، ففوَّضَ بعضُهم إلى بعضٍ، حتى أفضَى ذلكَ إلى عبدِ الرحمنِ ابنِ عَوفٍ، فاجتَهدَ وناظَرَ المُسلمينَ فوجَدَهم مُتفِقينَ على عُثمانَ وعلى عليٍّ، فآثَرَ عُثمانَ بالبَيعةِ على ذلكَ لمُوافقتِه إيَّاهُ على لُزومِ الاقتِداءِ بالشَّيخينِ في كلِّ ما يَعنُّ دونَ اجتِهادِه، فانعَقدَ أمرُ عُثمانَ لذلكَ وأوجَبُوا طاعتَه والملأُ مِنْ الصحابةِ حاضِرونَ للأُولى والثانيةِ، ولم يُنكِره أحدٌ منهم، فدَلَّ على أنهم مُتفِقونَ على صحَّةِ هذا العَهدِ عارِفونَ بمَشروعيَّتِه، والإجماعُ حُجَّةٌ كما عُرفَ، ولا يُتهَمُ الإمامُ في هذا الأمرِ وإنْ عَهِدَ إلى أبيهِ أو ابنِه؛ لأنه مَأمونٌ على النظرِ لهم في حَياتِه، فأَولى أنْ لا يَحتملَ فيها تَبعةً بعدَ مَماتِه، خِلافًا لمَن قالَ باتِّهامِه في الولدِ والوالدِ، أو لمَن خصَّصَ التُّهمةَ بالولدِ دونَ الوالدِ، فإنه
стр. 12777
بعيدٌ عن الظنَّةِ في ذلكَ كلِّه، لا سِيَّما إذا كانَت هناكَ داعِيةٌ تَدعو إليه مِنْ إيثارِ مَصلحةٍ أو توقُّعِ مَفسدةٍ، فتَنتفي الظُّنةُ في ذلكَ رأسًا (١).
ثالثًا: الاستِيلاءُ بالقوَّةِ والغَلَبةِ:
نَصَّ عامَّةُ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الخِلافةَ وإمامةَ المُسلمينَ تَثبتُ باستيلاءِ شَخصٍ مُتغلِّبٍ على الإمامةِ.
قالَ المالِكيةُ: تَثبتُ الإمامةُ بتَغلُّبِه على الناسِ؛ لأنَّ مَنْ اشتَدَّتْ وَطْأتُه وجَبَتْ طاعَتُه، وحينئذٍ فلا يُشترطُ فيه شرطٌ مِنْ شروطِ الإمامةِ؛ إذ المَدارُ على درءِ المَفاسدِ وارتكابِ أخَفِّ الضَّررَينِ (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: تَثبتُ الإمامةُ باستيلاءِ شَخصٍ مُتغلِّبٍ على الإمامةِ جامعٍ للشُّروطِ المُعتبَرةِ في الإمامةِ على المُلكِ بقَهرٍ وغَلبةٍ بعدَ موتِ الإمامِ ليَنتظِمَ شَملُ المُسلمينَ.
أما الاستيلاءُ على الحيِّ فإنْ كانَ الحيُّ مُتغلِّبًا انعَقدتْ إمامةُ المتغلِّبِ عليهِ، وإنْ كانَ إمامًا ببَيعةٍ أو عَهدٍ لم تَنعقدْ إمامةُ المتغلِّبِ عليهِ.
وكذا تَنعقدُ إمامةُ فاسقٍ وجاهِلٍ مع وُجودِ بَقيةِ الشروطِ بالاستِيلاءِ في الأصَحِّ وإنْ كانَ عاصيًا بذلكَ.
وفي مُقابلِ الأصحِّ: لا تَنعقدُ إمامتُه؛ لفَقدِ الشروطِ.
стр. 12778
ولا تَنعقدُ إمامةُ الكافرِ إذا تغلَّبَ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء: ١٤١] (١).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: اختَلفَ أهلُ العِلمِ في ثُبوتِ إمامتِه - أي المُتغلِّبِ- وانعِقادِ وِلايتِه بغيرِ عَقدٍ ولا اختيارٍ، فذهَبَ بعضُ فُقهاءِ العراقِ إلى ثُبوتِ وِلايتِه وانعِقادِ إمامتِه وحَملِ الأمَّةِ على طاعتِه وإنْ لم يَعقدْها أهلُ الاختيارِ؛ لأنَّ مَقصودَ الاختيارِ تَمييزُ المولَّى، وقد تميَّزَ هذا بصِفتِه.
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ والمُتكلِّمينَ إلى أنَّ إمامتَه لا تَنعقدُ إلا بالرضَا والاختيارِ، لكنْ يَلزمُ أهلَ الاختيارِ عَقدُ الإمامةِ له، فإنِ اتَّفقُوا أتَمُّوا؛ لأنَّ الإمامةَ عَقدٌ لا يَتمُّ إلا بعاقدٍ، وكالقَضاءِ إذا لم يكنْ مَنْ يَصلحُ له إلا واحدٍ لم يَصرْ قاضيًا حتى يُولَّاهُ (٢).
وقالَ الحَنابلةُ: ولو خرَجَ رَجلٌ على الإمامِ فقهَرَه وغلَبَ الناسَ بسَيفِه حتى أقَرُّوا له وأذعَنُوا بطاعتِه وتابَعوهُ صارَ إمامًا يَحرمُ قِتالُه والخُروجُ عليهِ، فإنَّ عبدَ الملكِ بنَ مَروانَ خرَجَ على ابنِ الزبيرِ فقتَلَه واستَولى على البلادِ وأهلِها حتى بايَعوهُ طَوعًا وكَرهًا، فصارَ إمامًا يَحرمُ الخُروجُ عليهِ؛ وذلكَ لِما في الخُروجِ عليهِ مِنْ شَقِّ عصَا المُسلمينَ وإراقةِ دِمائِهم وذَهابِ أموالِهم، ويَدخلُ الخارجُ عليهِ في عُمومِ قولِه ﵇: «مَنْ خرَجَ على
стр. 12779
أمَّتي وهُم جَميعٌ فاضرِبُوا عُنقَه بالسَّيفِ كائنًا مَنْ كانَ»، فمَن خرَجَ على مَنْ ثَبتتْ إمامتُه بأحدِ هذهِ الوُجوهِ باغيًا وجَبَ قِتالُه (١).
وقالَ الإمامُ أبو يَعلى الفرَّاءُ ﵀: الإمامةُ تَنعقدُ مِنْ وَجهينِ: أحَدُهما: باختيارِ أهلِ الحَلِّ والعَقدِ، والثاني: بعَهدِ الإمامِ مِنْ قبلُ.
فأمَّا انعِقادُها باختيارِ أهلِ الحَلِّ والعَقدِ فلا تَنعقدُ إلا بجُمهورِ أهلِ الحَلِّ والعَقدِ، قالَ أحمَدُ في رِوايةِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ: الإمامُ: الذي يَجتمعُ قولُ أهلِ الحَلِّ والعقدِ عليهِ كلُّهم يَقولُ: هذا إمامٌ، وظاهرُ هذا أنها تَنعقدُ بجَماعتِهم.
ورُويَ عنه -أي الإمام أحمَدَ- ما دَلَّ على أنها تَثبتُ بالقهرِ والغَلبةِ ولا تَفتقرُ إلى العَقدِ، فقالَ في رِوايةِ عَبدوسَ بنِ مالكٍ العطَّارِ: ومَن غلَبَ عليهِم بالسَّيفِ حتى صارَ خَليفةً وسُمِّيَ أميرَ المُؤمنينَ فلا يَحلُّ لأحَدٍ يُؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ أنْ يَبيتَ ولا يَراهُ إمامًا، بَرًّا كانَ أو فاجِرًا، وقالَ أيضًا في رِوايةِ أبي الحارث في الإمامِ يَخرجُ عليهِ مَنْ يَطلبُ المُلكَ فيكونُ مع هذا قَومٌ ومع هذا قَومٌ: تكونُ الجُمعةُ مع مَنْ غلَبَ، واحتَجَّ بأنَّ ابنَ عُمرَ صلَّى بأهلِ المَدينةِ في زَمنِ الحرَّةِ وقالَ: نَحنُ مع مَنْ غلَبَ.
وَجهُ الرِّوايةِ الأُولى: أنه لمَّا اختَلفَ المهاجِرونَ والأنصارُ فقالَتِ
стр. 12780
الأنصارُ: «منَّا أميرٌ ومنكُم أميرٌ» حاجَّهُم عُمرُ وقالَ لأبي بكرٍ ﵄: «مُدَّ يَدَكَ أبايِعْكَ»، فلَم يَعتبِرِ الغَلبةَ واعتبَرَ العقدَ مع وُجودِ الاختِلافِ.
ووَجهُ الثانيةِ: ما ذكَرَه أحمَدُ عن ابنِ عُمرَ وقولِه: «نَحنُ مع مَنْ غلَبَ»، ولأنها لو كانَتْ تَقفُ على عَقدٍ لصَحَّ رَفعُه وفَسخُه (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: والفُقهاءُ مُجمِعونَ على أنَّ الإمامَ المُتغلِّبَ طاعتُه لازِمةٌ ما أقام الجُمُعاتِ والجِهادَ، وأنَّ طاعَتَه خيرٌ مِنْ الخُروجِ عليهِ؛ لِما في ذلكَ مِنْ حَقنِ الدماءِ وتَسكينِ الدَّهماءِ (٢).
الإمامةُ لا تَكونُ مَوروثةً:
نَصَّ عامةُ الفُقهاءِ على أنَّ الإمامةَ غيرُ مَوروثةٍ.
قالَ الإمامُ أبو مَنصورٍ البَغداديُّ ﵀: كلُّ مَنْ قالَ بها -أي بإمامةِ أبي بكرٍ ﵁ قالَ: إنَّ الإمامةَ لا تَكونُ مَوروثةً (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: ولا خِلافَ بينَ أحدٍ مِنْ أهلِ الإسلامِ في أنه لا يَجوزُ التوارُثُ فيها، ولا في أنها لا تَجوزُ لمَن لم يَبلغْ، حاشَا الروافِضَ فإنهُم أجازوا كِلَا الأمرَينِ (٤).