← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 12776–12815 · переход к 12781.

стр. 12776

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأجمَعوا على انعِقادِ الخِلافةِ بالاستِخلافِ، وعلى انعِقادِها بعَقدِ أهلِ الحلِّ والعَقدِ لإنسانٍ إذا لم يَستخلفِ الخَليفةُ، وأجمَعوا على جَوازِ جَعلِ الخَليفةِ الأمرَ شُورى بينَ جَماعةٍ كما فعَلَ عُمرُ بالسِّتةِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ خَلدونَ ﵀: وقد عُرفَ ذلكَ مِنْ الشرعِ بإجماعِ الأمَّةِ على جَوازِه وانعِقادِه، إذ وقَعَ بعَهدِ أبي بكرٍ ﵁ لعُمرَ بمَحضرٍ مِنْ الصحابةِ وأجازُوهُ وأوجَبُوا على أنفُسِهم به طاعةَ عُمرَ ﵁ وعَنهُم، وكذلكَ عَهِدَ عُمرُ في الشُّورى إلى السِّتةِ بقيَّةِ العَشرةِ وجعَلَ لهم أنْ يَختارُوا للمُسلمينَ، ففوَّضَ بعضُهم إلى بعضٍ، حتى أفضَى ذلكَ إلى عبدِ الرحمنِ ابنِ عَوفٍ، فاجتَهدَ وناظَرَ المُسلمينَ فوجَدَهم مُتفِقينَ على عُثمانَ وعلى عليٍّ، فآثَرَ عُثمانَ بالبَيعةِ على ذلكَ لمُوافقتِه إيَّاهُ على لُزومِ الاقتِداءِ بالشَّيخينِ في كلِّ ما يَعنُّ دونَ اجتِهادِه، فانعَقدَ أمرُ عُثمانَ لذلكَ وأوجَبُوا طاعتَه والملأُ مِنْ الصحابةِ حاضِرونَ للأُولى والثانيةِ، ولم يُنكِره أحدٌ منهم، فدَلَّ على أنهم مُتفِقونَ على صحَّةِ هذا العَهدِ عارِفونَ بمَشروعيَّتِه، والإجماعُ حُجَّةٌ كما عُرفَ، ولا يُتهَمُ الإمامُ في هذا الأمرِ وإنْ عَهِدَ إلى أبيهِ أو ابنِه؛ لأنه مَأمونٌ على النظرِ لهم في حَياتِه، فأَولى أنْ لا يَحتملَ فيها تَبعةً بعدَ مَماتِه، خِلافًا لمَن قالَ باتِّهامِه في الولدِ والوالدِ، أو لمَن خصَّصَ التُّهمةَ بالولدِ دونَ الوالدِ، فإنه

стр. 12777

بعيدٌ عن الظنَّةِ في ذلكَ كلِّه، لا سِيَّما إذا كانَت هناكَ داعِيةٌ تَدعو إليه مِنْ إيثارِ مَصلحةٍ أو توقُّعِ مَفسدةٍ، فتَنتفي الظُّنةُ في ذلكَ رأسًا (١). ثالثًا: الاستِيلاءُ بالقوَّةِ والغَلَبةِ: نَصَّ عامَّةُ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الخِلافةَ وإمامةَ المُسلمينَ تَثبتُ باستيلاءِ شَخصٍ مُتغلِّبٍ على الإمامةِ. قالَ المالِكيةُ: تَثبتُ الإمامةُ بتَغلُّبِه على الناسِ؛ لأنَّ مَنْ اشتَدَّتْ وَطْأتُه وجَبَتْ طاعَتُه، وحينئذٍ فلا يُشترطُ فيه شرطٌ مِنْ شروطِ الإمامةِ؛ إذ المَدارُ على درءِ المَفاسدِ وارتكابِ أخَفِّ الضَّررَينِ (٢). وقالَ الشافِعيةُ: تَثبتُ الإمامةُ باستيلاءِ شَخصٍ مُتغلِّبٍ على الإمامةِ جامعٍ للشُّروطِ المُعتبَرةِ في الإمامةِ على المُلكِ بقَهرٍ وغَلبةٍ بعدَ موتِ الإمامِ ليَنتظِمَ شَملُ المُسلمينَ. أما الاستيلاءُ على الحيِّ فإنْ كانَ الحيُّ مُتغلِّبًا انعَقدتْ إمامةُ المتغلِّبِ عليهِ، وإنْ كانَ إمامًا ببَيعةٍ أو عَهدٍ لم تَنعقدْ إمامةُ المتغلِّبِ عليهِ. وكذا تَنعقدُ إمامةُ فاسقٍ وجاهِلٍ مع وُجودِ بَقيةِ الشروطِ بالاستِيلاءِ في الأصَحِّ وإنْ كانَ عاصيًا بذلكَ. وفي مُقابلِ الأصحِّ: لا تَنعقدُ إمامتُه؛ لفَقدِ الشروطِ.

стр. 12778

ولا تَنعقدُ إمامةُ الكافرِ إذا تغلَّبَ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء: ١٤١] (١). وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: اختَلفَ أهلُ العِلمِ في ثُبوتِ إمامتِه - أي المُتغلِّبِ- وانعِقادِ وِلايتِه بغيرِ عَقدٍ ولا اختيارٍ، فذهَبَ بعضُ فُقهاءِ العراقِ إلى ثُبوتِ وِلايتِه وانعِقادِ إمامتِه وحَملِ الأمَّةِ على طاعتِه وإنْ لم يَعقدْها أهلُ الاختيارِ؛ لأنَّ مَقصودَ الاختيارِ تَمييزُ المولَّى، وقد تميَّزَ هذا بصِفتِه. وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ والمُتكلِّمينَ إلى أنَّ إمامتَه لا تَنعقدُ إلا بالرضَا والاختيارِ، لكنْ يَلزمُ أهلَ الاختيارِ عَقدُ الإمامةِ له، فإنِ اتَّفقُوا أتَمُّوا؛ لأنَّ الإمامةَ عَقدٌ لا يَتمُّ إلا بعاقدٍ، وكالقَضاءِ إذا لم يكنْ مَنْ يَصلحُ له إلا واحدٍ لم يَصرْ قاضيًا حتى يُولَّاهُ (٢). وقالَ الحَنابلةُ: ولو خرَجَ رَجلٌ على الإمامِ فقهَرَه وغلَبَ الناسَ بسَيفِه حتى أقَرُّوا له وأذعَنُوا بطاعتِه وتابَعوهُ صارَ إمامًا يَحرمُ قِتالُه والخُروجُ عليهِ، فإنَّ عبدَ الملكِ بنَ مَروانَ خرَجَ على ابنِ الزبيرِ فقتَلَه واستَولى على البلادِ وأهلِها حتى بايَعوهُ طَوعًا وكَرهًا، فصارَ إمامًا يَحرمُ الخُروجُ عليهِ؛ وذلكَ لِما في الخُروجِ عليهِ مِنْ شَقِّ عصَا المُسلمينَ وإراقةِ دِمائِهم وذَهابِ أموالِهم، ويَدخلُ الخارجُ عليهِ في عُمومِ قولِه ﵇: «مَنْ خرَجَ على

стр. 12779

أمَّتي وهُم جَميعٌ فاضرِبُوا عُنقَه بالسَّيفِ كائنًا مَنْ كانَ»، فمَن خرَجَ على مَنْ ثَبتتْ إمامتُه بأحدِ هذهِ الوُجوهِ باغيًا وجَبَ قِتالُه (١). وقالَ الإمامُ أبو يَعلى الفرَّاءُ ﵀: الإمامةُ تَنعقدُ مِنْ وَجهينِ: أحَدُهما: باختيارِ أهلِ الحَلِّ والعَقدِ، والثاني: بعَهدِ الإمامِ مِنْ قبلُ. فأمَّا انعِقادُها باختيارِ أهلِ الحَلِّ والعَقدِ فلا تَنعقدُ إلا بجُمهورِ أهلِ الحَلِّ والعَقدِ، قالَ أحمَدُ في رِوايةِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ: الإمامُ: الذي يَجتمعُ قولُ أهلِ الحَلِّ والعقدِ عليهِ كلُّهم يَقولُ: هذا إمامٌ، وظاهرُ هذا أنها تَنعقدُ بجَماعتِهم. ورُويَ عنه -أي الإمام أحمَدَ- ما دَلَّ على أنها تَثبتُ بالقهرِ والغَلبةِ ولا تَفتقرُ إلى العَقدِ، فقالَ في رِوايةِ عَبدوسَ بنِ مالكٍ العطَّارِ: ومَن غلَبَ عليهِم بالسَّيفِ حتى صارَ خَليفةً وسُمِّيَ أميرَ المُؤمنينَ فلا يَحلُّ لأحَدٍ يُؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ أنْ يَبيتَ ولا يَراهُ إمامًا، بَرًّا كانَ أو فاجِرًا، وقالَ أيضًا في رِوايةِ أبي الحارث في الإمامِ يَخرجُ عليهِ مَنْ يَطلبُ المُلكَ فيكونُ مع هذا قَومٌ ومع هذا قَومٌ: تكونُ الجُمعةُ مع مَنْ غلَبَ، واحتَجَّ بأنَّ ابنَ عُمرَ صلَّى بأهلِ المَدينةِ في زَمنِ الحرَّةِ وقالَ: نَحنُ مع مَنْ غلَبَ. وَجهُ الرِّوايةِ الأُولى: أنه لمَّا اختَلفَ المهاجِرونَ والأنصارُ فقالَتِ

стр. 12780

الأنصارُ: «منَّا أميرٌ ومنكُم أميرٌ» حاجَّهُم عُمرُ وقالَ لأبي بكرٍ ﵄: «مُدَّ يَدَكَ أبايِعْكَ»، فلَم يَعتبِرِ الغَلبةَ واعتبَرَ العقدَ مع وُجودِ الاختِلافِ. ووَجهُ الثانيةِ: ما ذكَرَه أحمَدُ عن ابنِ عُمرَ وقولِه: «نَحنُ مع مَنْ غلَبَ»، ولأنها لو كانَتْ تَقفُ على عَقدٍ لصَحَّ رَفعُه وفَسخُه (١). وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: والفُقهاءُ مُجمِعونَ على أنَّ الإمامَ المُتغلِّبَ طاعتُه لازِمةٌ ما أقام الجُمُعاتِ والجِهادَ، وأنَّ طاعَتَه خيرٌ مِنْ الخُروجِ عليهِ؛ لِما في ذلكَ مِنْ حَقنِ الدماءِ وتَسكينِ الدَّهماءِ (٢). الإمامةُ لا تَكونُ مَوروثةً: نَصَّ عامةُ الفُقهاءِ على أنَّ الإمامةَ غيرُ مَوروثةٍ. قالَ الإمامُ أبو مَنصورٍ البَغداديُّ ﵀: كلُّ مَنْ قالَ بها -أي بإمامةِ أبي بكرٍ ﵁ قالَ: إنَّ الإمامةَ لا تَكونُ مَوروثةً (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: ولا خِلافَ بينَ أحدٍ مِنْ أهلِ الإسلامِ في أنه لا يَجوزُ التوارُثُ فيها، ولا في أنها لا تَجوزُ لمَن لم يَبلغْ، حاشَا الروافِضَ فإنهُم أجازوا كِلَا الأمرَينِ (٤).

стр. 12781

شُروطُ الإمامةِ: اشتَرطَ الفُقهاءُ في إمامِ المُسلمينَ عدَّةَ شُروطٍ، بعضُها مُتفَقٌ عليهِ وبَعضُها مُختَلفٌ فيه. الشَّرطُ الأولُ: الإسلامُ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنه يُشترطُ في الإمامِ أنْ يكونَ مُسلمًا، ليُراعيَ مَصلحةَ الإسلامِ والمُسلمينَ، فلا تَصحُّ وِلايةُ كافرِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء: ١٤١] والإمامةُ أعظَمُ السُّبلِ. و «لأمرِه ﷺ بالسَّمعِ والطاعةِ إلا أنْ تَرَو كُفرًا بَواحًا عندَكم مِنْ اللهِ فيه بُرهانٌ» (١). قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: فدَلَّ هذا كلُّه على تَركِ الخُروجِ على الأئمَّةِ، وألا يَشُقَّ عصَا المُسلمينَ، وألا يَتسبَّبَ إلى سَفكِ الدماءِ وهَتكِ الحَريمِ، إلا أنْ يَكفرَ الإمامُ ويُظهِرَ خِلافَ دَعوةِ الإسلامِ، فلا طاعةَ لمَخلوقٍ عليهِ (٢). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قالَ القاضي عِياضٌ: أجمَعَ العلماءُ على أنَّ الإمامةَ لا تَنعقدُ لكافرٍ، وعلى أنه لو طرَأَ عليهِ الكُفرُ انعَزلَ، قالَ: وكذا لو ترَكَ إقامةَ الصَّلواتِ والدعاءَ إليها، قالَ: وكذلكَ عندَ جُمهورِهم البِدعةُ، قالَ: وقالَ بعضُ البَصريينَ: تَنعقدُ له وتُستدامُ له؛ لأنه مُتأوِّلٌ، قالَ القاضي:

стр. 12782

فلو طرَأَ عليهِ كُفرٌ وتُغييرٌ للشرعِ أو بِدعةٌ خرَجَ عن حُكمِ الوِلايةِ وسقَطتْ طاعتُه ووجَبَ على المُسلمينَ القيامُ عليهِ وخَلعُه ونَصبُ أمامٍ عادلٍ إنْ أمكَنَهم ذلكَ، فإنْ لم يَقعْ ذلكَ إلا لطائِفةٍ وجَبَ عليهِم القيامُ بخَلعِ الكافرِ، ولا يَجبُ في المُبتدِعِ، إلا إذا ظنُّوا القُدرةَ عليهِ، فإنْ تَحقَّقوا العَجزَ لم يَجبِ القيامُ، ولْيُهاجِرِ المُسلمُ عن أرضِه إلى غيرِها ويَفرَّ بدِينِه (١). وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقوا أنَّ الإمامةَ لا تَجوزُ لامرأةٍ ولا لكافرٍ ولا لصَبيٍّ لم يَبلغْ، وأنه لا يَجوزُ أنْ يعقدَ لمَجنونٍ (٢). الشَّرطُ الثاني: التَّكليفُ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنه يُشترطُ في الإمامِ العَقلُ والبُلوغُ، فلا تَصحُّ الوِلايةُ لصَبيٍّ ولا مَجنونٍ. قالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقوا أنَّ الإمامةَ لا تَجوزُ لامرأةٍ ولا لكافرٍ ولا لصَبيٍّ لم يَبلغْ، وأنه لا يَجوزُ أنْ يعقدَ لمَجنونٍ (٣). وقالَ: وجَميعُ فِرَقِ أهلِ القِبلةِ ليسَ منهم أحدٌ يُجيزُ إمامةَ امرأةٍ ولا إمامةَ صَبيٍّ لم يَبلغْ، إلا الرافِضةَ فإنها تُجيزُ إمامةَ الصَّغيرِ الذي لم يَبلغْ والحَملِ في بَطنِ أمِّه، وهذا خَطأٌ؛ لأنَّ مَنْ لم يَبلغْ فهو غيرُ مُخاطَبٍ، والإمامُ مُخاطَبٌ بإقامةِ الدِّينِ (٤).

стр. 12783

وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: أنْ يكونَ -أي الإمامُ- بالغًا عاقلًا، ولا خِلافَ في ذلكَ (١). الشَّرطُ الثالثُ: الذُّكوريةُ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الإمامةَ لا تَصحُّ أنْ تكونَ لامرأةٍ، وأنه يُشترطُ فيها الذُّكوريةُ؛ لِما رواهُ الحسَنِ عن أبي بَكرةَ ﵁ قالَ: «لقدْ نفَعَني اللهُ بكَلمةٍ سَمِعتُها مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ أيَّامَ الجَملِ بعدَ ما كِدتُ أنْ ألحَقَ بأصحابِ الجَملِ فأقاتِلَ معَهُم، قالَ: لمَّا بلَغَ رَسولَ اللهِ ﷺ أنَّ أهلَ فارسَ قد ملَّكُوا عليهم بنتَ كِسرَى قالَ: «لنْ يُفلِحَ قَومٌ وَلَّوا أمْرَهُم امرأةً» (٢)، قالَ الإمامُ ابنُ العَربيِّ ﵀: وهذا نَصٌّ في أنَّ المَرأةَ لا تَكونُ خَليفةً، ولا خِلافَ فيه (٣). وقالَ الإمامُ البَغويُّ ﵀: اتَّفقوا على أنَّ المَرأةَ لا تَصلحُ أنْ تكونَ إمامًا ولا قاضِيًا؛ لأنَّ الإمامَ يَحتاجُ إلى الخُروجِ لإقامةِ أمرِ الجِهادِ والقيامِ بأمورِ المُسلمينَ، والقاضِي يَحتاجُ إلى البُروزِ لفَصلِ الخُصوماتِ، والمَرأةُ عَورةٌ لا تَصلحُ للبُروزِ وتَعجزُ لضَعفِها عندَ القيامِ بأكثَرِ الأمورِ، ولأنَّ المرأةَ ناقِصةٌ، والإمامةُ والقَضاءُ مِنْ كَمالِ الوِلاياتِ، فلا يَصلحُ لها إلا الكاملُ مِنْ الرِّجالِ (٤).

стр. 12784

وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقوا أنَّ الإمامةَ لا تَجوزُ لامرأةٍ (١). وقالَ: وجميعُ فِرقِ أهلِ القِبلةِ ليسَ منهم أحدٌ يُجيزُ إمامةَ امرأةٍ (٢). وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ المَرأةَ لا يَجوزُ أنْ تكونَ إمامًا (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا تَصلحُ للإمامةِ العُظمى ولا لتَوليةِ البُلدانِ، ولهذا لم يُوَلِّ النبيُّ ﷺ ولا أحَدٌ مِنْ خُلفائِه ولا مَنْ بعدَهم امرأةً قضاءً ولا وِلايةَ بلدٍ فيما بلَغَنا، ولو جازَ ذلكَ لم يَخلُ منه جَميعُ الزمانِ غالبًا (٤). الشَّرطُ الرابعُ: الحرِّيةُ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنه يُشترطُ في الإمامِ الأعظَمِ الحُريةُ، فلا تَصحُّ الإمامةُ لعَبدٍ. قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: أجمَعَتِ الأمَّةُ على أنه لا يَجوزُ أنْ تكونَ الإمامةُ في العَبيدِ (٥). وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: أنْ يكونَ حُرًّا، ولا خَفاءَ باشتِراطِ حُريةِ الإمامِ وإسلامِه (٦).

стр. 12785

وأما قولُ النبيِّ ﷺ : «اسمَعُوا وأطِيعوا وإنْ استُعملَ عَليكم عَبدٌ حَبشيٌّ كانَ رأسَه زَبيبةٌ» (١)، فقدْ أجابَ عنه العُلماءُ مِنْ وُجوهٍ: أحَدُها: أنه قد يُضربُ المَثلُ في الشيءِ بما لا يَكادُ يَصحُّ منه الوُجودُ، كقَولِه ﷺ : «مَنْ بَنى للهِ مَسجدًا ولو مِفحصَ قَطاةٍ بنَى اللهُ له بَيتًا في الجنَّةِ»، وقَدرُ مِفحصِ قَطاةٍ لا يَكونُ مَسجدًا لشَخصٍ آدَميٍّ، فإطلاقُ العَبدِ الحَبشيِّ لأجْلِ المبالَغةِ في الأمرِ بالطاعةِ وإنْ كانَ لا يُتصوَّرُ شَرعًا أنْ يليَ ذلك. الوَجهُ الثاني: أنَّ المُرادَ باستِعمالِ العَبدِ الحَبشيِّ أنْ يكونَ مُؤمَّرًا مِنْ جهةِ الإمامِ الأعظَمِ على بعضِ البلادِ-وهو أظهَرُها-، فليسَ هو الإمامَ الأعظمَ. الوَجهُ الثالثُ: أنْ يكونَ أطلَقَ عليهِ اسمَ العَبدِ نَظرًا لاتِّصافِه بذلكَ سابقًا مع أنه وقتَ التَّوليةِ حُرٌّ، ونَظيرُه إطلاقُ اليَتيمِ على البالغِ باعتِبارِ اتِّصافِه به سابِقًا في قَول اللهِ تعالَى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] (٢). الشَّرطُ الخامِسُ: أنْ يكونَ مُجتهِدًا: اشتَرطَ جَماهيرُ أهلِ السُّنةِ في الإمامِ أنْ يكونَ مُجتهِدًا عالِمًا بالأحكامِ ويُعلِّمُ الناسَ ولا يَحتاجُ إلى استِفتاءِ غيرِه في الحَوادثِ؛ لأنه بالمُراجَعةِ والسُّؤالِ يَخرجُ عن رُتبةِ الاستقلالِ (٣).

стр. 12786

قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأما جَماعةُ أهلِ السُّنةِ وأئمَّتُهم فقالوا: هذا هو الاختيارُ، أنْ يكونَ الإمامُ فاضِلًا عالِمًا عَدلًا مُحسِنًا قَويًّا على القيامِ كما يَلزمُه في الإمامةِ (١). وقالَ الإمامُ الجُوَينيُّ ﵀: فأما العِلمُ فالشَّرطُ أنْ يكونَ الإمامُ مُجتهِدًا بالغًا مَبلغَ المُجتهِدينَ مُستجمِعًا صِفاتِ المُفتينَ، ولم يُؤثَرْ في اشتِراطِ ذلكَ خِلافٌ، والدليلُ عليهِ أنَّ أمورَ مُعظمِ الدِّينِ تَتعلقُ بالأئمَّةِ، فأما ما يَختصُّ بالوُلاةِ وذَوِي الأمرِ فلا شَكَّ في ارتِباطِه بالإمامِ، وأما ما عَداهُ مِنْ أحكامِ الشَّرعِ فقدْ يَتعلقُ به مِنْ جِهةِ انتدابِه للأمرِ بالمَعروفِ والنهيِ عن المنكَرِ، فلو لم يَكنِ الإمامُ مُستقِلًّا بعِلمِ الشَّريعةِ لَاحتاجَ إلى مُراجَعةِ العُلماءِ في تَفاصيلِ الوقائعِ، وذلكَ يُشتِّتُ رأيَه ويُخرجُه عن رُتبةِ الاستقلالِ. ولو قيلَ: «إنه يُراجِعُ المُفتي مُراجَعةَ آحادِ الناسِ المُفتينَ» لَكانَ ذلكَ مُحالًا؛ فإنَّ الوَقائعَ التي تُرفعُ إلى الإمامِ في الخُطوبِ الجِسامِ والأمورِ العِظامِ لا تَتناهَى كَثرةً؛ إذ هو شَرفُ العالمينَ ومَطمحُ أعيُنِ المُسلمينَ، وقد لا يَجدُ عندَ رفعِ واقِعةٍ إليه أعلَمَ عُلماءِ القُطرِ والناحِيةِ، فيَتردَّدُ ويَتبلَّدُ ويَبطلُ أثَرُه في مَنصبِ الاستقلالِ، ولو جازَ ذلكَ لَساغَ أنْ لا يكونَ الإمامُ ذا كِفايةٍ واستقلالٍ بنَفسِه ثم يُراجعَ الكُفاةَ ويَستشيرُ ذَوِي الأحلامِ والدُّهاةِ، وهذا لا قائِلَ به. فإذا كانَتِ الإمامةُ زَعامةَ الدِّينِ والدُّنيا ووجَبَ استِقلالُه بنَفسِه في تَدبيرِ الأمورِ الدُّنيويةِ، فكذلكَ يَجبُ استِقلالُه بنَفسِه في الأمورِ الدِّينيةِ، فإنَّ أمورَ

стр. 12787

الدُّنيا على مَراسمِ الشَّريعةِ تَجرِي، فهي المُتبَعُ، والإمامُ في جَميعِ مَجارِي الأحكامِ والرأيُ يَجبُ أنْ يكونَ على مُقتضَى الشرعِ؛ فإنَّ الذي لا يَقتضيهِ الشَّرعُ لا مُعوَّلَ عليهِ … وسِرُّ الإمامةِ استِتباعُ الآراءِ، وجَمعُها على رأيٍ صائبٍ، ومِن ضَرورةِ ذلكَ استِقلالُ الإمامِ، ثم هو مَحثوثٌ على استِفادةِ مَزايا القَرائحِ وتَلقِّي الفَوائدِ والزوائدِ منها، فإنَّ في كلِّ عَقلٍ مِيزةً، ولكنَّ اختِلافَ الآراءِ مَفسدةٌ لإمضاءِ الأمورِ، فإذا بحَثَ عن الآراءِ إمامٌ مُجتهِدٌ وعرَضَها على عِلمِه الغَزيرِ ونقَدَها بالسبْرِ والفِكرِ الأصوَبِ مِنْ وُجوهِ الرأيِ كانَ جالبًا إلى المُسلمينَ ثَمراتِ العُقولِ، ودافِعًا عنهم غائِلةَ التبايُنِ والاختِلافِ، فكأنَّ المُسلمينَ يَتحِدونَ بنَظرِ الإمامِ وحُسنِ تَدبيرِه وفَحصِه وتَنقيرِه، ولا بُدَّ على كل حالٍّ مِنْ كَونِ الإمامِ مَتبوعًا غيرَ تابعٍ، ولو لم يَكنْ مُجتهِدًا في دِينِ اللهِ لَلَزمَه تقليدُ العُلماءِ واتِّباعُهم وارتِقابُ أمرِهم ونهيِهم وإثباتِهم ونَفيِهم، وهذا يُناقِضُ مَنصبَ الإمامةِ ومَرتبةَ الزَّعامةِ (١). وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: أنْ يكونَ -أي الإمامُ- ممَّن يَصلحُ أنْ يكونَ قاضِيًا مِنْ قُضاةِ المُسلمينَ مُجتهِدًا لا يَحتاجُ إلى غيرِه في الاستِفتاءِ في الحَوادثِ، وهذا مُتفَقٌ عليهِ (٢). وقالَ الإمامُ الشاطِبيُّ ﵀: إنَّ العُلماءَ نَقَلوا الاتِّفاقَ على أنَّ الإمامةَ الكُبرى لا تَنعقدُ إلا لمَن نالَ رُتبةَ الاجتِهادِ والفتوَى في علومِ الشَّرعِ، كما

стр. 12788

أنهم اتَّفقوا أيضًا -أو كادُوا أنْ يَتفِقوا- على أنَّ القَضاءَ بينَ الناسِ لا يَحصلُ إلا لمَن رَقَى في رُتبةِ الاجتهادِ. وهذا صَحيحٌ على الجُملةِ، ولكنْ إذا فُرضَ خُلوُّ الزَّمانِ عن مُجتهِدٍ يَظهرُ بينَ الناسِ وافتَقروا إلى إمامٍ يُقدِّمونَه لجَريانِ الأحكامِ وتَسكينِ ثَورةِ الثائِرينَ والحِياطةِ على دِماءِ المُسلمينَ وأموالِهم فلا بُدَّ مِنْ إقامةِ الأمثَلِ ممَّن ليسَ بمُجتهِدٍ، لأنَّا بينَ أمرَينِ: إما أنْ يُتركَ الناسُ فَوضى، وهو عَينُ الفَسادِ والهَرجِ، وإمَّا أنْ يُقدِّموهُ فيَزولُ الفَسادُ بتَّةً ولا يَبقى إلا فَوتُ الاجتهادِ، والتقليدُ كافٍ بحَسبِه، وإذا ثبَتَ هذا فهو نَظرٌ مَصلحيٌّ يَشهدُ له وَضعُ أصلِ الإمامةِ، وهو مَقطوعٌ به بحَيثُ لا يَفتقرُ في صحَّتِه ومُلاءَمتِه إلى شاهدٍ، هذا وإنْ كانَ ظاهِرُه مُخالفًا لِما نَقَلوا مِنْ الإجماعِ في الحَقيقةِ إنما انعَقدَ على فَرضِ أنْ لا يَخلوَ الزمانُ مِنْ مُجتهدٍ، فصارَ مثلُ هذهِ المَسألةِ ممَّا لم يُنصَّ عليهِ، فصَحَّ الاعتمادُ فيه على المَصلحةِ (١). الشَّرطُ السادِسُ: أنْ يكونَ قُرشيًّا: أجمَعَ كلُّ مَنْ يُعتدُّ به مِنْ أهلِ السُّنةِ وفُقهاءُ المَذاهبِ على أنه يُشترطُ في الإمامِ الأعظَمِ القُرشيَّةُ، أي أنْ يكونَ نَسبُه مِنْ قُريشٍ؛ لِما رَواهُ بُكيرُ بنُ وَهبٍ الجَزريُّ قالَ: قالَ لي أنَسُ بنُ مالكٍ ﵁: أحدِّثُكَ حَديثًا ما أحدِّثُه كلَّ أحَدٍ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قامَ على بابِ البيْتِ ونحن فيه فقالَ: «الأئمَّةُ مِنْ قُريشٍ، إنَّ لهم علَيكُم حقًّا ولكُم عليهِم حقًّا مثلَ ذلكَ، ما

стр. 12789

إنِ استُرحِمُوا فرَحِمُوا، وإن عاهَدُوا وَفُّوا، وإنْ حكَمُوا عَدَلوا، فمَن لم يَفعلْ ذلكَ مِنهُم فعَليهِ لَعنةُ اللهِ والملائكةِ والنَّاسِ أجمَعينَ» (١). ولِما رواهُ البُخاريُّ عن الزُّهرِيِّ قالَ: كانَ مُحمدُ بنُ جُبيرِ بنِ مُطعِمٍ يُحدِّثُ أنه بلَغَ مُعاوِيةَ وهو عِندَه في وَفدٍ مِنْ قُريشٍ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عَمرِو بنِ العاصِ يُحدِّثُ أنه سيَكونُ مَلكٌ مِنْ قَحطانَ، فغَضِبَ مُعاويةُ فقامَ فأَثنَى على اللهِ بما هو أهلُه ثمَّ قالَ: أمَّا بعدُ فإنه بلَغَني أنَّ رِجالًا مِنْكُمْ يَتحدَّثونَ أحادِيثَ ليسَتْ في كِتابِ اللهِ تعالَى ولا تُؤثَرُ عن رَسولِ اللهِ ﷺ ، فأولئِكَ جُهَّالُكم، فإيَّاكُم والأمانِيَّ التي تُضلُّ أهلَها، فإني سَمعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «إنَّ هذا الأمرَ في قُريشٍ لا يُعادِيهم أحَدٌ إلا كَبَّه اللهُ على وَجهِه ما أقاموا الدِّينَ» (٢). وعن ابنِ عُمرَ ﵄ عن النبيِّ ﷺ قالَ: «لا يَزالُ هذا الأمرُ في قُريشٍ ما بَقيَ منهُم اثنانِ» (٣). قالَ الحافظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: وقد جَمَعتُ طُرقَه عن نحوِ أربعِينَ صَحابيًّا لمَّا بلَغَني أنَّ بعضَ فُضلاءِ العَصرِ ذكَرَ أنه لم يُرْوَ إلا عن أبي بَكرٍ الصدِّيقِ (٤).

стр. 12790

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: هذهِ الأحاديثُ وأشباهُها دَليلٌ ظاهِرٌ أنَّ الخِلافةَ مُختصَّةٌ بقُريشٍ، لا يَجوزُ عَقدُها لأحَدٍ مِنْ غيرِهم، وعلى هذا انعَقدَ الإجماعُ في زَمنِ الصَّحابةِ، فكذلكَ بعدَهم، ومَن خالَفَ فيه مِنْ أهلِ البِدعِ أو عرَّضَ بخِلافٍ مِنْ غَيرِهم فهو مَحجوجٌ بإجماعِ الصَّحابةِ والتابِعينَ فمَن بعدَهم بالأحاديثِ الصَّحيحةِ (١). وقالَ النَّوويُّ ﵀: حُكمُ حَديثِ ابنِ عُمرَ مُستمرٌّ إلى يومِ القِيامةِ ما بَقيَ مِنْ الناسِ اثنانِ، وقد ظهَرَ ما قالَه ﷺ ، فمِن زَمنِه إلى الآنَ لم تَزَلِ الخِلافةُ في قُريشٍ مِنْ غيرِ مُزاحَمةٍ لهم على ذلكَ، ومَن تَغلَّبَ على المُلكِ بطَريقِ الشَّوكةِ لا يُنْكِرُ أنَّ الخِلافةَ في قُريشٍ، وإنما يَدَّعي أنَّ ذلكَ بطريقِ النِّيابةِ عنهُم (٢). وقالَ القاضِي عياضٌ ﵀: هذهِ الأحادِيثُ وما في مَعناها في هذا البابِ حُجةٌ أنَّ الخِلافةَ لقُريشٍ، وهو مَذهبُ كافَّةِ المُسلمينَ وجَماعتِهم، وبهذا احتَجَّ أبو بكرٍ وعُمرُ على الأنصارِ يومَ السَّقيفةِ فلَم يَدفعْه أحدٌ عنه، وقد عَدَّها الناسُ في مَسائلِ الإجماعِ؛ إذ لم يُؤثَرْ عن أحَدٍ مِنْ السلَفِ فيها خِلافٌ قولًا ولا عَملًا قَرنًا بعدَ قرنٍ إلا ذلك وإنكارُ ما عَداهُ، ولا اعتِبارَ بقَولِ النظَّامِ ومَن وافَقَه مِنْ الخَوارجِ وأهلِ البَدعِ: «إنها تَصحُّ في غَيرِ قُريشٍ»، ولا بسَخافةِ ضِرارِ بنِ عَمرٍو في قولِه: «إنَّ غيرَ القُرشيِّ مِنْ النَّبطِ وغيرِهم يُقدَّمُ على القُرشيِّ هو أنَّ خلعَه إذا وجَبَ ذلكَ؛ إذ ليسَتْ له عَشيرةٌ

стр. 12791

تَمنعُه»، وهذا كلُّه هُزؤٌ مِنْ القَولِ ومُخالَفةٌ لِما عليهِ السلَفُ وجماعةُ المُسلمينَ (١). وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: النَّسبُ وهو أنْ يكونَ مِنْ قُريشٍ؛ لوُرودِ النصِّ فيه وانعِقادِ الإجماعِ عليهِ، ولا اعتِبارَ بضِرارٍ حينَ شَذَّ فجوَّزَها في جَميعِ الناسِ؛ لأنَّ أبا بَكرٍ الصدِّيقَ ﵁ احتَجَّ يومَ السَّقيفةِ على الأنصارِ في دَفعِهم عن الخِلافةِ لمَّا بايَعوا سعدَ بنَ عُبادةَ عليها بقَولِ النبيِّ ﷺ : «الأئمَّةُ مِنْ قُريشٍ»، فأقلَعُوا عن التفرُّدِ بها ورَجَعوا عن المشارَكةِ فيها حينَ قالوا: «منَّا أميرٌ ومنكُم أميرٌ» تَسليمًا لرِوايتِه وتَصديقًا لخبَرِه، ورَضُوا بقَولِه: «نحنُ الأمَراءُ وأنتُم الوزَراءُ»، وقالَ النبيُّ ﷺ : «قَدِّموا قُريشًا ولا تَقدَّمُوها»، وليسَ مع هذا النَّصِّ المسلَّمِ شُبهةٌ لمُنازِعٍ فيه، ولا قَولٌ لمُخالِفٍ له (٢). وقالَ ابنُ بطَّالٍ ﵀: قالَ أبو بكرِ بنُ الطيِّبِ: وقد ثبَتَ عن النبيِّ ﷺ أنَّ الخِلافةَ في قُريشٍ، وعَمِلَ بذلكَ المُسلمونَ قرنًا بعدَ قَرنٍ، فلا معنَى لقَولِهم، وقد صَحَّ عن النبيِّ ﷺ أنه أوصَى بالأنصارِ، وقالَ: «مَنْ وَلِيَ منكُم مِنْ هذا الأمرِ شَيئًا فلْيَتجاوُزْ عن مُسيئِهم»، ولو كانَ الأمرُ إليهِم لمَا أوصَى بهم، وممَّا يَشهدُ لصحَّةِ هذهِ الأحادِيثِ احتِجاجُ أبي بكرٍ وعُمرَ بها على رؤُوسِ الأنصارِ في السَّقيفةِ، وما كانَ مِنْ إذعانِ الأنصارِ وخُنوعِهم لها عندَ سَماعِها وإذكارِهم بها، حتى قالَ سعدُ بنُ عُبادةَ: «منَّا

стр. 12792

الوزَراءُ ومنكُم الأمَراءُ»، ورجَعَتِ الأنصارُ عمَّا كانوا عليه حينَ تبيَّنَ لهم الحقُّ بعدَ أنْ نَصبُوا الحربَ، وقالَ الحُبابُ بنُ المنذِرِ: أنا جَذيلُها المُحككُ وعَذيقُها المُرجبُ، وانقادُوا لأبي بكرٍ مُذعِنينَ، ولولا عِلمُهم بصحَّةِ هذهِ الأخبارِ لم يَلبَثوا أنْ يَقدَحوا فيها ويَتعاطوا رَدَّها، ولا كانَتْ قُريشٌ بأسرِها تُقِرُّ كَذبًا يُدَّعى عليها؛ لأنَّ العادةَ جرَتْ فيما لم يَثبتْ مِنْ الأخبارِ أنْ يقَعَ الخلافُ والقَدحُ فيها عندَ التنازُعِ، ولا سِيما إذا احتُجَّ به في هذا الأمرِ العَظيمِ مع إشهارِ السُّيوفِ واختِلاطِ القولِ. وممَّا يَدلُّ على كَونِ الإمامِ قُرَشيًّا اتِّفاقُ الأمَّةِ في الصَّدرِ الأوَّلِ وبعدَه مِنْ الأعصارِ على اعتبارِ ذلكَ في صِفةِ الإمامِ قبلَ حُدوثِ الخِلافِ في ذلكَ، فثبَتَ أنَّ الحقَّ في اجتماعِها وإبطالِ قَولِ مَنْ خالَفَها. قالَ المُهلَّبُ: وأما حَديثُ عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو «أنه سَيكونُ مَلكٌ مِنْ قَحطانَ» فيَحتملُ أنْ يكونَ مَلكًا غيرَ خَليفةٍ على الناسِ مِنْ غيرِ رضًا به، وإنما أنكَرَ ذلكَ مُعاويةُ لئلَّا يَظنَّ أحدٌ أنَّ الخِلافةَ تَجوزُ في غيرِ قُريشٍ، ولو كانَ عندَ أحدٍ في ذلكَ عِلمٌ مِنْ النبيِّ ﷺ لَأخبَرَ به مُعاويةَ حينَ خطَبَ بإنكارِ ذلكَ عليهِم، وقد رُويَ في الحَديثِ أنَّ ذلكَ إنما يكونُ عندَ ظهورِ أشراطِ الساعَةِ وتَغييرِ الدِّينِ (١). وقالَ الإمامُ أبو المَعالي الجُوَينيُّ ﵀: فالشَّرطُ أنْ يكونَ الإمامُ قُرشيًّا، ولم يُخالِفْ في اشتِراطِ النَّسبِ غيرُ ضِرارِ بنِ عَمرٍو، وليسَ ممَّن

стр. 12793

يُعتبَرُ خِلافُه ووِفاقُه، وقد نقَلَ الرُّواةُ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «الأئمَّةُ مِنْ قُريشٍ»، وذكَرَ بعضُ الأئمَّةِ أنَّ هذا الحديثَ في حُكمِ المُستفيضِ المَقطوعِ بثُبوتِه مِنْ حيثُ إنَّ الأمَّةَ تلَقَّتْه بالقَبولِ، وهذا مَسلكٌ لا أوثرُه، فإنَّ نَقَلةَ هذا الحَديثِ مَعدُودونَ لا يَبلغونَ مَبلغَ عَددِ التواتُرِ. والذي يُوضحُ الحقَّ في ذلكَ أنَّا لا نَجدُ في أنفُسِنا ثلجَ الصُّدورِ واليقينَ المَبتوتَ بصَدرِ هذا مِنْ فلقٍ في رَسولِ اللهِ ﷺ كما لا نَجدُ ذلكَ في سائرِ أخبارِ الآحادِ، فإذًا لا يَقتضِي هذا الحديثُ العِلمَ باشتِراطِ النَّسبِ في الإمامةِ. فالوَجهُ في إثباتِ ما نُحاولُه في ذلكَ أنَّ الماضِينَ ما زَالوا بائِحينَ باختِصاصِ هذا المَنصبِ بقُريشٍ، ولم يَتشوَّفْ قطُّ أحدٌ مِنْ غيرِ قُريشٍ إلى الإمامةِ على تَمادِي الآمادِ وتطاوُلِ الأزمانِ، مع العلمِ بأنَّ ذلكَ لو كانَ مُمكِنًا لَطلَبَه ذَوُو النجدةِ والبأسِ، وتَشمَّرِ في ابتغائِه عن ساقِ الجَدِّ أصحابُ العَددِ والعُدَدِ، وقد بلَغَ طلَّابُ المُلكِ في انتِحاءِ الاستِعلاءِ على البلادِ والعبادِ أقصى غاياتِ الاعتداءِ، واقتَحَموا في رَومِ ما يُحاوِلونَه المَهاوِي والمَعاطبَ والمَساوئَ، ورَكِبوا الأغرارَ والأخطارَ وجانَبوا الرَّفاهيةَ والدَّعةَ والأوطانَ، فلو كانَ إلى ادِّعاءِ الإمامةِ مَسلكٌ أو له مَدركٌ لَزاولَه مُحقِّونَ أو مُبطِلونَ مِنْ غيرِ قُريشٍ، ولَما اشرَأبَّ لهذا المَنصبِ المارِقونَ في فُسطاطِ مِصرَ، اعتَزَوا أولًا إلى شَجرةِ النبوَّةِ على الافتِراءِ وانتَمَوا انتماءَ الأدعياءِ، وبَذَلوا حَرائبَ الأموالِ للكاذِبينَ النسَّابينَ حتى ألحَقوهُم بصَميمِ النسبِ. فهذا إذًا ما تطابَقَتْ عليهِ مَذاهبُ طَبقاتِ الخَلقِ، وقد تَصدَّى للإمامةِ

стр. 12794

مُلوكٌ مِنْ قُريشٍ وإنْ لم يَكونوا على مَرتبةٍ مَرموقةٍ في العِلمِ، والسَّببُ فيه أنَّ العِلمَ يدَّعيه كل شَادٍ مُستطرِفٍ، فإذا انضَمَّتْ أُبَّهةُ المُلكِ إلى قَليلٍ مِنْ العِلمِ لم يَستطعْ أحَدٌ نِسبةَ المَلكِ إلى العُروِّ عن العِلمِ، والنَّسبُ ممَّا لا يمكِنُ ادِّعاؤه، فلَم يَدَّعِ لذلكَ الإمامةَ مَنْ ليسَ نَسيبًا، فهذا وَجهُ إثباتِ شَرطِ النَّسبِ، ولَسْنا نَعقلُ احتِياجَ الإمامةِ في وَضعِها إلى النَّسبِ، ولكنْ خصَّصَ اللهُ هذا المَنصبَ العليَّ والمَرقبَ السَّنِيَّ بأهلِ بيتِ النبيِّ، فكانَ مِنْ فَضلِ اللهِ يُؤتيهِ مَنْ يَشاءُ (١). وقالَ أبو العبَّاسِ القُرطبيُّ ﵀: استَقرَّ أمرُ الخِلافةِ والمُلكِ في قُريشٍ شَرعًا ووُجودًا … ولم يُخالِفْ فيه أحدٌ، وهو إجماعُ السلَفِ والخلَفِ (٢). وقالَ الإمامُ زينُ الدِّينِ العِراقيُّ ﵀: الخِلافةُ مُختصَّةٌ بقُريشٍ، لا يَجوزُ عقدُها لأحَدٍ مِنْ غيرِهم، وعلى هذا انعَقدَ الإجماعُ في زَمنِ الصَّحابةِ ﵃، وكذلكَ بعدَهم، ومَن خالَفَ فيهِ مِنْ أهلِ البِدعِ أو عرَّضَ بخِلافٍ مِنْ غيرِهم فهو مَحجوجٌ بإجماعِ الصَّحابةِ والتابِعينَ فمَن بعدَهم بالأحاديثِ الصَّحيحةِ (٣). الشَّرطُ السابعُ: العَدالةُ: نَصَّ أكثرُ الفُقهاءِ على أنه تُشترطُ العَدالةِ في الإمامِ، فلا تَجوزُ تَوليَةُ الفاسقِ ابتداءً، وهو أنْ يكونَ الإمامُ مُجتنِبًا الكَبائرَ ومُتقِيًا للصَّغائرِ،

стр. 12795

ذو مُروءةٍ وتَمييزٍ، وليسَتِ العَدالةُ أنْ يَمحضَ الطاعةَ حتى لا تَشوبَها مَعصيةٌ؛ لتعذُّرِه، لكنْ مَنْ كانَتِ الطاعةُ أكثَرَ حالِه وهو مُجتنِبُ الكَبائرِ يُحافِظُ على تَركِ الصَّغائرِ يَستعملُ المُروءةَ التي تَليقُ بمِثلِه في دِينِه ودُنياهُ فهذا تَصحُّ وِلايتُه (١). واستَدلَّ أهلُ العِلمِ على اشتِراطِ عَدالةِ الحاكِمِ بقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ [البقرة: ١٢٤]. قالَ الطبَريُّ ﵀: هذا خبَرٌ مِنْ اللهِ جَلَّ ثَناؤُه عن أنَّ الظالِمَ لا يكونُ إمامًا يَقتدِي به أهلُ الخَيرِ (٢). ووَجهُ الدَّلالةِ: أنَّ اللهَ -جل وعلا- أرادَ أنَّ الظالِمَ لا يَكونُ إمامًا. قالَ الشَّوكانِيُّ ﵀: استَدلَّ بهذهِ الآيةِ جَماعةٌ مِنْ أهلِ العلمِ على أنَّ الإمامَ لا بُدَّ أنْ يَكونَ مِنْ أهلِ العَدلِ والعَملِ بالشَّرعِ كما ورَدَ (٣). وقالَ الإمامُ أبو بكرٍ الجصَّاصُ ﵀: فثبَتَ بدَلالةِ هذهِ الآيةِ بُطلانُ إمامةِ الفاسقِ، وأنه لا يكونُ خَليفةً، وأنَّ مَنْ نَصبَ نفسَه في هذا المَنصبِ وهو فاسقٌ لم يَلزمِ الناسَ اتِّباعُه ولا طاعتُه. وكذلكَ قالَ النبيُّ ﷺ : «لا طاعَةَ لمَخلوقٍ في مَعصيةِ الخالقِ»، ودَلَّ أيضًا على أنَّ الفاسِقَ لا يكونُ حاكِمًا، وأنَّ أحكامَه لا تَنفذُ إذا وَلِيَ

стр. 12796

الحُكمَ، وكذلكَ لا تُقبلُ شَهادتُه ولا خبَرُه إذا أخبَرَ عن النبيِّ ﷺ ، ولا فُتياهُ إذا كانَ مُفتيًا، وأنه لا يُقدَّمُ للصلاةِ وإنْ كانَ لو قُدِّم واقتَدَى به مُقتَدٍ كانَتْ صَلاتُه ماضِيةً، فقدْ حوَى قولُه: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ [البقرة: ١٢٤] هذهِ المَعاني كلَّها. ومِن الناسِ مَنْ يَظنُّ أنَّ مَذهبَ أبي حَنيفةَ تَجويزُ إمامةِ الفاسقِ وخِلافتِه، وأنه يُفرِّقُ بينَه وبينَ الحاكمِ فلا يُجيزُ حُكمَه، وذُكرَ ذلكَ عن بعضِ المُتكلِّمينَ وهو المُسمَّى زُرقانَ، وقد كذَبَ في ذلكَ وقالَ بالباطلِ، وليسَ هو أيضًا ممَّن تُقبلُ حِكايتُه، ولا فرْقَ عندَ أبي حَنيفةَ بينَ القاضِي وبينَ الخَليفةِ في أنَّ شرْطَ كلِّ واحِدٍ منهُما العَدالةُ، وأنَّ الفاسِقَ لا يكونُ خَليفةً ولا يكونُ حاكِمًا، كما لا تُقبَلُ شَهادتُه ولا خبَرُه لو رَوى خبَرًا عن النبيِّ ﷺ ، وكيفَ يكونُ خَليفةً ورِوايتُه غيرُ مَقبولةٍ وأحكامُه غيرُ نافِذةٍ؟! وكيفَ يَجوزُ أنْ يَدَّعي ذلكَ على أبي حَنيفةَ وقد أكرَهَه ابنُ هُبيرةَ في أيامِ بَني أميَّةَ على القَضاءِ وضرَبَه فامتَنعَ مِنْ ذلكَ وحُبسَ، فلَجَّ ابنُ هُبيرةَ وجعَلَ يَضربُه كلَّ يومٍ أسواطًا، فلمَّا خِيفَ عليهِ قالَ له الفُقهاءُ: فتَولَّ شَيئًا مِنْ أعمالِه أيَّ شيءٍ كانَ حتى يَزولَ عنكَ هذا الضربُ، فتَولَّى له عَدَّ أحمالِ التِّبنِ الذي يَدخلُ فخلَّاهُ، ثم دَعاهُ المَنصورُ إلى مثلِ ذلكَ فأبَى فحبَسَه حتى عَدَّ له اللَّبِنَ الذي كانَ يُضربُ لسُورِ مَدينةِ بغدادَ، وكانَ مَذهبُه مَشهورًا في قتالِ الظلَمةِ وأئمَّةِ الجَورِ، ولذلكَ قالَ الأوزاعيُّ: احتَمَلْنا أبا حَنيفةَ على كلِّ شَيءٍ حتى جاءَنا بالسَّيفِ، -يعني قِتالَ الظلَمةِ- فلَمْ نَحتملْه، وكانَ مِنْ قَولِه: وُجوبُ الأمرِ بالمَعروفِ والنهيُ عن المنكَرِ فَرضٌ بالقَولِ، فإنْ لم يُؤتَمرْ له فبالسَّيفِ على ما رُويَ عن

стр. 12797

النبيِّ ﷺ ، وسَألَه إبراهيمُ الصائغُ وكانَ مِنْ فُقهاءِ أهلِ خُراسانَ ورُواةُ الأخبارِ ونُسَّاكُهم عن الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكَرِ فقالَ: هو فَرضٌ، وحدَّثَه بحَديثٍ عن عِكرمةَ عن ابنِ عباسٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «أفضَلُ الشُّهداءِ حَمزةُ بنُ عبدِ المُطَّلبِ، ورَجلٌ قامَ إلى إمامٍ جائرٍ فأمَرَه بالمَعروفِ ونَهاهُ عن المنكَرِ فقُتلَ»، فرجَعَ إبراهيمُ إلى مَروٍ وقامَ إلى أبي مُسلمٍ صاحِبِ الدولةِ فأمَرَه ونهاهُ وأنكَرَ عليهِ ظُلمَه وسفْكَه الدِّماءَ بغيرِ حقٍّ فاحتَملَه مِرارًا ثم قتَلَه، وقَضيتُه في أمرِ زَيدِ بنِ عليٍّ مَشهورةٌ، وفي حَملِه المالَ إليه وفُتياهُ الناسَ سِرًّا في وجوبِ نُصرتِه والقتالِ معه، وكذلكَ أمرُه مع مُحمدٍ وإبراهيمَ ابنَي عبدِ اللهِ بنِ حَسنٍ، وقالَ لأبي إسحقَ الفَزاريِّ حين قالَ له: لِمَ أشرْتَ على أخِي بالخُروجِ مع إبراهيمَ حتى قُتلَ؟ قالَ: مَخرجُ أخيكَ أحَبُّ إليَّ مِنْ مَخرجِكَ، وكانَ أبو إسحقَ قد خرَجَ إلى البَصرةِ، وهذا إنما أنكَرَه عليهِ أغمارُ أصحابِ الحَديثِ الذينَ بهم فُقدَ الأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المُنكَرِ حتى تغلَّبَ الظالِمونَ على أمورِ الإسلامِ، فمَن كانَ هذا مَذهبَه في الأمرِ بالمَعروفِ والنهيِ عن المنكَرِ كيفَ يَرى إمامةَ الفاسقِ؟! فإنما جاءَ غَلَطُ مَنْ غَلِطَ في ذلكَ إنْ لم يكنْ تعمَّدَ الكذبَ مِنْ جهةِ قولِه وقولِ سائرِ مَنْ يَعرفُ قولَه مِنْ العِراقيينَ أنَّ القاضي إذا كانَ عدلًا في نفسِه فوَلِيَ القَضاءَ مِنْ قِبلِ إمامٍ جائرٍ أنَّ أحكامَه نافذةٌ وقضاياهُ صَحيحةٌ، وأنَّ الصلاةَ خلْفَهم جائزةٌ مع كونِهم فُسَّاقًا وظلَمةً، وهذا مَذهبٌ صَحيحٌ ولا دَلالةَ فيه على أنَّ مِنْ مَذهبِه تَجويزَ إمامةِ الفاسقِ (١).

стр. 12798

وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأما جَماعةُ أهلِ السُّنةِ وأئمَّتُهم فقالوا: هذا هو الاختيارُ، أنْ يكونَ الإمامُ فاضِلًا عالِمًا عَدلًا مُحسِنًا قويًّا على القيامِ كما يَلزمُه في الإمامةِ (١). وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: الحادِي عشَرَ: أنْ يكونَ عَدلًا؛ لأنه لا خِلافَ بينَ الأمَّةِ أنه لا يَجوزُ أنْ تُعقدَ الإمامةُ لفاسقٍ، ويجبُ أنْ يكونَ مِنْ أفضَلِهم في العِلمِ … وليسَ مِنْ شَرطِه أنْ يكونَ مَعصومًا مِنْ الزَّللِ والخَطأِ (٢). وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: الأئمَّةُ مُتفِقونَ على أنه لا بُدَّ في المُتولِّي-للخِلافةِ- مِنْ أنْ يكونَ عَدلًا أهلًا للشَّهادةِ (٣). وقالَ الإمامُ أبو المَعالي الجُوَينيُّ ﵀: فأما التقوَى والوَرعُ فلا بُدَّ منهُما؛ إذ لا يُوثَقُ بفاسقٍ في الشَّهادةِ على فَلَسٍ، فكيفَ يُولَّى أمورَ المُسلمينَ كافَّةً، والأبُ الفاسِقُ مع فَرطِ حَدَبِه وإشفاقِه على وَلدِه لا يُعتمدُ في مالِ ولَدِه، فكيفَ يُؤتمَنُ في الإمامةِ العُظمَى فاسِقٌ لا يَتَّقي اللهَ؟ ومَن لم يُقاوِمْ عَقلُه هواهُ ونفسَه الأمَّارةَ بالسُّوءِ، ولم يَنتهضْ رَأيهُ بسِياسةِ نفسِه، فأنَّى يَصلحُ لسِياسةِ خطَّةِ الإسلامِ؟! (٤). وقالَ ابنُ عبدُ الهادِي ﵀: العَدالةُ: فيُعتبَرُ في الخَليفةِ أنْ يكونَ عَدلًا.

стр. 12799

والعَدلُ: مَنْ كانَ على الاستقامةِ باتِّباعِ الأمرِ والنَّهيِ بفِعلِ الواجِباتِ وتَركِ المُحرَّماتِ، بأنْ لا يَفعلَ كبيرةً، ولا يُصِرَّ على صَغيرةٍ، ويَتعاطَى أفعالَ المُروءةِ، بأنْ يَرتكبَ ما يَزينُه، ويَتركَ ما يَشينُه، وهذا الشَّرطُ مُعتبَرٌ في الخليفةِ الذي هو الإمامُ، فلا يَصحُّ كونُه فاسِقًا. وأما نائبُه الذي هو السُّلطانُ اليومَ فلا يُعتبَرُ فيه ذلك. فلو كانَ الخليفةُ يَسكرُ أو يَزني أو يَلوطُ أو يَفعلَ كَبيرةً لم تَصحَّ له وِلايةٌ، ويَنعزلُ بذلكَ، وقد بلَغَني أنَّ مَنْ نُصِّبَ في ذلكَ يَفعلُ بعضَ هذه المحرَّماتِ (١). عَزلُ الحاكِمِ الفاسقِ والخُروجُ عليهِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الحاكمِ إذا كانَ عَدلًا ثم فسَقَ، هل يَنعزلُ بفِسقِه أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ وبعضُ الشافِعيةِ إلى أنه يَنعزلُ بفِسقِه. قالَ الحَنفيةُ: ويُعزلُ بالفِسقِ لو طرَأَ عليهِ، والمُرادُ أنه يَستحقُّ العزلَ (٢). وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: الإمامُ إذا نُصبَ ثم فسَقَ بعدَ انبَرامِ العقدُ فقالَ الجُمهورُ: إنه تَنفسخُ إمامتُه ويُخلعُ بالفِسقِ الظاهرِ المَعلومِ؛ لأنه قد ثبَتَ أنَّ الإمامَ إنما يُقامُ لإقامةِ الحُدودِ واستيفاءِ الحُقوقِ وحِفظِ أموالِ الأيتامِ والمَجانينِ والنَّظرِ في أمورِهم إلى غيرِ ذلكَ مما تقدَّمَ ذِكرُه، وما فيه

стр. 12800

مِنْ الفِسقِ يُقعِدُه عن القِيامِ بهذه الأمورِ والنُّهوضِ بها، فلو جوَّزْنا أنْ يكونَ فاسِقًا أدَّى إلى إبطالِ ما أقيمَ لأجْلِه، ألَا تَرى في الابتداءِ أنما لم يَجُزْ أنْ يُعقدَ للفاسقِ لأجْلِ أنه يؤدِّي إلى إبطالِ ما أقيمَ له، وكذلكَ هذا مثلُه. وقالَ آخَرونَ: لا يَنخلعُ إلا بالكُفرِ أو بتَركِ إقامةِ الصَّلاةِ أو التَّركِ إلى دُعائِها أو شَيءٍ مِنْ الشَّريعةِ؛ لقَولِه ﵇ في حَديثِ عُبادةَ: «وألا نُنازِعَ الأمرَ أهلَه، قالَ: إلا أنْ تَرَوا كُفرًا بَواحًا عندَكُم مِنْ اللهِ فيه بُرهانٌ» (١). وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ عندَهم والحَنابلةُ إلى أنَّ الإمامَ لا يَنعزلُ بالفِسقِ. قالَ المالِكيةُ: الخَليفةُ إذا وليَ مُستوفيًا للشُّروطِ لا يَجوزُ عَزلُه إذا تغيَّرَ وَصفُه، كانَ طرَأَ عليهِ الفِسقُ وظُلمُ الناسِ، بخِلافِ غيرِه مِنْ قاضٍ ووَالٍ، وإنما لم يُعزَلْ بالفِسقِ ارتكابًا لأخَفِّ الضَّررينِ؛ لِما في عَزلِه مِنْ عِظمِ الفِتنِ (٢). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأجمَعَ أهلُ السُّنةِ أنه لا يَنعزلُ السُّلطانُ بالفِسقِ، وأما الوَجهُ المَذكورُ في كُتبِ الفِقهِ لبعضِ أصحابِنا أنه يَنعزلُ وحُكيَ عن المُعتزلةِ أيضًا فغَلطٌ مِنْ قائلِه مُخالِفٌ للإجماعِ، قالَ العُلماءُ: وسَببُ عَدمِ انعِزالِه وتَحريمِ الخُروجِ عليهِ ما يَترتبُ على ذلكَ مِنْ الفِتنِ وإراقةِ الدِّماءِ وفَسادِ ذاتِ البَينِ، فتكونُ المَفسدةُ في عَزلِه أكثَرَ منها في بَقائِه، قالَ القاضي

стр. 12801

عياضٌ: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ الإمامةَ لا تَنعقدُ لكافرٍ، وعلى أنه لو طرَأَ عليهِ الكفرُ انعَزلَ، قالَ: وكذا لو ترَكَ إقامةَ الصَّلواتِ والدعاءَ إليها، قالَ: وكذلكَ عندَ جُمهورِهم البِدعةُ، قالَ: وقالَ بعضُ البَصريينَ: تَنعقدُ له وتُستدامُ له؛ لأنه مُتأوِّلٌ، قالَ القاضي: فلو طرَأَ عليهِ كُفرٌ وتُغييرٌ للشرعِ أو بِدعةٌ خرَجَ عن حُكمِ الوِلايةِ وسقَطتْ طاعتُه ووجَبَ على المُسلمينَ القيامُ عليهِ وخَلعُه ونَصبُ أمامٍ عادلٍ إنْ أمكَنَهم ذلكَ، فإنْ لم يَقعْ ذلكَ إلا لطائِفةٍ وجَبَ عليهِم القيامُ بخَلعِ الكافرِ، ولا يَجبُ في المُبتدِعِ، إلا إذا ظنُّوا القُدرةَ عليهِ، فإنْ تَحقَّقوا العَجزَ لم يَجبِ القيامُ، ولْيُهاجِرِ المُسلمُ عن أرضِه إلى غيرِها ويَفرَّ بدِينِه، قالَ: ولا تَنعقدُ لفاسقٍ ابتداءً، فلو طرَأَ على الخَليفةِ فسَقَ، قالَ بعضُهم: يَجبُ خَلعُه إلا أنْ تَترتبَ عليهِ فِتنةٌ وحَربٌ، وقالَ جَماهيرُ أهلِ السُّنةِ مِنْ الفُقهاءِ والمُحدِّثينَ والمُتكلِّمينَ: لا يَنعزلُ بالفِسقِ والظُّلمِ وتَعطيلِ الحُقوقِ، ولا يُخلعُ ولا يَجوزُ الخروجُ عليهِ بذلكَ، بل يَجبُ وَعظُه وتَخويفُه؛ للأحاديثِ الواردةِ في ذلكَ، قالَ القاضي: وقد ادَّعى أبو بكرِ بنُ مُجاهدٍ في هذا الإجماعَ، وقد رَدَّ عليهِ بعضُهم هذا بقيامِ الحَسنِ وابنِ الزُّبيرِ وأهلِ المَدينةِ على بَنِي أميَّةَ، وبقيامِ جَماعةٍ عَظيمةٍ مِنْ التابِعينَ والصَّدرِ الأولِ على الحجَّاجِ مع ابنِ الأشعَثِ، وتأوَّلَ هذا القائِلُ قولَه: «أنْ لا نُنازِعَ الأمرَ أهلَه» في أئمَّةِ العَدلِ، وحُجةُ الجُمهورِ أنَّ قيامَهم على الحجَّاجِ ليسَ بمُجرَّدِ الفِسقِ، بل لِما غيَّرَ مِنْ الشرعِ وظاهَرَ مِنْ الكُفرِ، قالَ القاضي: وقيلَ أنَّ هذا الخِلافَ كانَ أولًا ثم حصَلَ الإجماعُ على مَنعِ الخُروجِ عليهِم (١).

стр. 12802

وقالَ الإمامُ الجُوينيُّ ﵀: والذي غَمضَ على العلماءِ مَدركُه واعتاصَ على المُحقِّقينَ مَسلكُه طَرَيانُ ما يُوجِبُ التَّفسيقَ على الإمامِ، فلْيُنعَمْ طالبُ التَّحصيلِ في ذلكَ نظَرَه، وليُعظِّمْ في نفسِه خطَرَه، وليَجمَعْ له فِكرَه، فإنه مِنْ مَعاصاتِ الكَلامِ في الكِتابِ، والمُستعانُ رَبُّ الأربابِ. قد ذهَبَ طوائِفُ مِنْ الأصوليِّينَ والفُقهاءِ إلى أنَّ الفِسقَ إذا تحقَّقَ طَرَيانُه أوجَبَ انخِلاعَ الإمامِ كالجُنونِ، وهَؤلاءِ يَعتبرونَ الدَّوامَ بالابتِداءِ ويَقولونَ: «اقتِرانُ الفِسقِ إذا تحقَّقَ يَمنعُ عقْدَ الإمامةِ، فطَريانُه يُوجِبُ انقطاعَها؛ إذ السَّببُ المانعٌ مِنْ العقدِ عدمُ الثقةِ به وامتناعُ ائتمانِه على المُسلمينَ وإفضاءُ تَقليدِه إلى نَقيضِ ما يُطلَبُ مِنْ نصبِ الأئمَّةِ، وهذا المَعنى يَتحقَّقُ في الدوامِ تَحقُّقَه في الابتداءِ»، والذي يُوضحُ ذلكَ أنه لا يَجوزُ تَقريرُه، بل يَجبُ عندَ مَنْ لم يَحكمْ بانخِلاعِه خلعُه، وإذا كانَ يتعيَّنُ ذلك، فرَبطُ الأمرِ بإنشاءِ خَلعِه لا معنَى له مع أنه لا بُدَّ منه. وذهَبَ طَوائفُ مِنْ العُلماءِ إلى أنَّ الفِسقَ بنَفسِه لا يَتضمنُ الانخِلاعَ، ولكنْ يَجبُ على أهلِ الحَلِّ والعَقدِ إذا تحقَّقَ خلعُه. ونَحنُ بتَوفيقِ اللهِ وتَأييدِه نُوضحُ الحقَّ في ذلكَ، فنَقولُ: المَصيرُ إلى أنَّ الفِسقَ يَتضمنُ الانعِزالَ والانخِلاعَ بعيدٌ عن التَّحصيلِ، فإنَّ التعرُّضَ لِما يَتضمنُ الفِسقَ في حَقِّ مَنْ لا تَجبُ عِصمتُه ظاهرُ الكونِ سِرًّا وعَلنًا، عامُّ الوقوعِ، وإنما التقوَى ومُجانَبةُ الهوَى ومُخالَفةُ مسالِكِ المُنى والاستِمرارُ على امتثالِ الأوامرِ والانزجارُ عن المَناهي والمَزاجرِ والارعواءُ عن الوَطرِ المَنقودِ وانتِحاءُ الثوابِ المَوعودِ هو البَديعُ.

стр. 12803

والتَّحقيقُ أنه لا يَستدُّ على التقوَى إلا مُؤيَّدٌ بالتوفيقِ، والجِبلَّاتُ داعيَةٌ إلى اتباعِ اللذَّاتِ، والطِّباعُ مُستحِثةٌ على الشَّهواتِ، والتكاليفُ مُتضمَّنُها كلَفٌ وعَناءٌ، ووَساوسُ الشَّيطانِ وهَواجسُ نَفسِ الإنسانِ مُتظافِرةٌ على حُبِّ العاجلِ واستِنجازِ الحاصلِ، والجِبلَّةُ بالسوءِ أمَّارةٌ، والمَرءُ على أرجوحَةِ الهوَى تارةً وتارةً، والدُّنيا مُستأثَرةٌ، وبابُ الثوابِ مُحتجبٌ، فطُوبى لمَن سلَّمَ، ولا مناصَ ولا خَلاصَ إلا لمَن عُصِمَ، والزلَّاتُ تجرِي مع الأنفاسِ، والقَلبُ مَطرقُ الوِسواسِ، فمَن الذي يَنجو في بياضِ نهارٍ مِنْ زلَّتِه، ولا يَتخلصُ مِنْ حقِّ المَخافةِ إلا يَتغمَّدَه اللهُ برَحمتِه. ومَن شُغلِ الإمامِ عَقدُ الألويَةِ والبُنودِ وجَرُّ الجُنودِ، ولا يَترتبُ في دِيوانِ المُقاتِلةِ إلا أُولو النجدةِ والبأسِ وأصحابُ النُّفوسِ الأبيةِ، ذَوي الشِّراسِ والشَّماسِ، فلَيتَ شِعري كيفَ السَّلامةُ مِنْ معرَّةِ الجُندِ، وكيفَ الاستِقامةُ على شَرطِ التقوى في الحَلِّ والعَقدِ؟ ومِن شَأنِه أيضًا تَفريقُ الأموالِ بعدَ الاستِدادِ في الجِبايةِ والجَلبِ على أهلِ الشَّرقِ والغَربِ، ولا يَخفى على مُنصِفٍ أنَّ اشتِراطَ دوامِ التقوَى يَجُرُّ قُصاراهُ عُسرَ القيامِ بالإيالةِ العُظمى، ثُم لو كانَ الفِسقُ المتفَقُ عليهِ يُوجِبُ انخلاعَ الإمامِ أو يَخلعُه لَكانَ الكلامُ يَتطرقُ إلى جَميعِ أفعالِه وأقوالِه على تفنُّنِ أطوارِه وأحوالِه، ولمَا خَلا زَمنٌ عن خَوضِ خائضِينَ في فسقِه المُقتضي خَلْعَه، ولَتحزَّبَ الناسُ أبدًا في مُطَّردِ الأوقاتِ على افتراقِ وشَتاتٍ في النفي والإثباتِ، ولمَا استَتبَّتْ صَفوةُ الطاعةِ للإمامِ في ساعةٍ.

стр. 12804

وإذا لم تَكنِ الإيالةُ الضابِطةُ لأهلِ الإسلامِ على الإلزامِ والإبرامِ كانَ ضَيرُها مُبِرًّا على خيرِها. فخرَجَ مِنْ مَحصولِ ما ذكَرْناهُ أنَّ القائمَ بأمورِ المُسلمينَ إذا لم يَكنْ مَعصومًا، وكانَ لا يَأمنُ اقتِحامَ الآثامِ، ومَن لا يأمنُ اقتحامَ الآثامِ فيما يتعلَّقُ بخاصَّتِه فبَعُدَ أنْ يَسلمَ عن احتقابِ الأوزارِ في حُقوقِ كافَّةِ المُسلمينَ في مَشارقِ الأرضِ ومَغاربِها إيفاءً واستيفاءً ومَنعًا واستِواءً ورَدعًا ودُعاءً وقَبولًا ورَدًّا وفَتحًا وسَدًّا، فلا يَبقى لذِي بَصيرةٍ إشكالٌ في استِحالةِ استمرارِ مَقاصدِ الإمامةِ، مع المَصيرِ إلى أنَّ الفِسقَ يُوجبُ انخِلاعَ الإمامِ، أو يُسلِّطُ خلْعَه على الإطلاقِ. والذي يَجبُ القَطعُ به أنَّ الفِسقَ الصادِرَ عن الإمامِ لا يَقطعُ نظَرَه، ومِن المُمكِنِ أنْ يتوبَ ويَسترجعَ ويَؤوبَ، وقد قرَّرْنا بكلِّ عِبرةٍ أنَّ في الذهابَ إلى خلعِه أو انخلاعِه بكلِّ عَثرةٍ رفْضَ الإمامةِ ونقْضَها واستِئصالَ فائدتِها ورفْعَ عائدتِها وإسقاطَ الثقةِ بها واستِحثاثَ الناسِ على سَلِّ الأيدِي عن رِبقةِ الطاعةِ. ولا خِلافَ أنَّ الإمامَ لو طرَأَ عليهِ عَرَضٌ أو عَراهُ مَرضٌ وامتَنعَ عليهِ الرأيُ به، ولكنَّه كانَ مَرقوبَ الزوالِ لم نَقْضِ بانخلاعِه، ومَن شبَّبَ في ذلكَ بخِلافٍ كانَ مُنسَلًّا عن وفاقِ المُسلمينَ انسلالَ الشَّعرةِ مِنْ العَجينِ، فإذا كانَ كذلكَ -مع أنَّ المرَضَ قاطعٌ نظَرَه في الحالِ- فما يَطرأُ مِنْ زَلةٍ -وهي لا تَقطعُ نظَرَه على أنها مَرقوبةُ الزَّوالِ- أَولى بأنْ لا يَتضمَّنَ انخِلاعَه، والأخبارُ المُستحِثةُ على اتِّباعِ الأمَراءِ في السرَّاءِ والضرَّاءِ يكادُ أنْ يكونَ

стр. 12805

معناها في حُكمِ الاستِفاضةِ، وإنْ كانَتْ آحادُ ألفاظِها مَنقولةً أفرادًا؛ منها قولُه ﷺ : «هل أنتُم تارِكونَ لي أمَرائِي، لكُم صَفوُ أمرِهم وعليهِم كَدرُه»، إلى غيرِ ذلكَ مِنْ الألفاظِ، فلْيَطلبِ الحديثَ طالِبُه مِنْ أهلِه. وإنما غَرَضي مِنْ وَضعِ هذا الكِتابِ وتَبويبِ هذه الأبوابِ تَحقيقُ الإيَالاتِ الكليَّةِ، وذِكرُ ما لها مِنْ مُوجبٍ وقَضيةٍ، وهذه مَسالكُ لا أبارِي في حَقائقِها ولا أُجاري في مَضايقِها. فإنْ قيلَ: فلِمَ مَنعتُم عقْدَ الإمامةِ لفاسقٍ؟ قُلنا: أهلُ العَقدِ على تَخيُّرِهم في افتِتاحِ العَهدِ، ومِن سُوءِ الاختيارِ أنْ يعيَّنَ لهذا الأمرِ العَظيمِ والخَطبِ الجَسيمِ فاسِقٌ، وهم مَأمورونَ بالنَّظرِ للمُسلمينَ مِنْ أقصَى الإمكانِ، وأما الذَّهابُ إلى الانخِلاعِ بعدَ الاستِمرارِ والاستِتبابِ مع التعرُّضِ للزلَّاتِ فمُفسِدٌ لقاعدةِ الولايةِ، ولا خَفاءَ بذلكَ عندَ ذوِي الدِّرايةِ. وهذا كلُّه -حرَسَ اللهُ مَولانا- في نَوادرِ الفُسوقِ، فأما إذا تواصَلَ منه العِصيانُ وفَشَا منه العُدوانُ وظهَرَ الفَسادُ وزالَ السَّدادُ وتَعطَّلَتِ الحُقوقُ والحدودُ وارتَفعَتِ الصِّيانةُ ووضَحَتِ الخِيانةُ واستَجرأَ الظلَمةَ ولم يَجدِ المَظلومُ مُنتصِفًا ممَّن ظلَمَه وتَداعَى الخَللُ والخَطلُ إلى عَظائمِ الأمورِ وتَعطيلِ الثُّغورِ فلا بُدَّ مِنْ استِدراكِ هذا الأمرِ المُتفاقمِ على ما سنُقرِّرُ القَولَ فيه على الفاهِمِ إنْ شاءَ اللهُ ، وذلكَ أنَّ الإمامةَ إنما تُعنى لنَقيضِ هذه الحالةِ.

стр. 12806

فإذا أفضَى الأمرُ إلى خِلافِ ما تَقتضيهِ الزَّعامةُ والإيَالةُ فيَجبُ استِدراكُه لا مَحالةَ، وتَركُ الناسِ سُدًى مُلتطِمينَ لا جامِعَ لهم على الحَقِّ والباطِلِ أجدَى عليهِم مَنْ تقريرِهم على اتِّباعِ مَنْ هو عَونُ الظالمينَ ومَلاذُ الغاشِمينَ ومَوئِلُ الهاجِمينَ ومُعتصَمُ المارقينَ الناجِمينَ، وإذا دُفعَ الخَلقُ إلى ذلكَ فقدِ اعتاصَتِ المَسالكُ وأعضَلَتِ المَداركُ، فليَتَّئِدِ الناظرُ هنالكَ … (١). وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: وقولُه: «مَنْ رَأى شَيئًا يَكرهُه فلْيَصبرْ» يعني: مِنْ الظُّلمِ والجَورِ، فأما مَنْ رَأى شَيئًا مِنْ مُعارَضةِ اللهِ ببدعةٍ أو قَلبِ شَريعةٍ فلْيَخرجْ مِنْ تلكَ الأرضِ ويُهاجرْ منها، وإنْ أمكَنَه إمامٌ عَدلٌ واتَّفقَ عليهِ جُمهورُ الناسِ فلا بأسَ بخَلعِ الأوَّلِ، فإنْ لم يَكنْ معَه إلا قِطعةٌ مِنْ الناسِ أو ما يُوجِبُ الفُرقةَ فلا يَحلُّ له الخُروجُ. قالَ أبو بَكرِ بنُ الطيِّبِ: أجمَعَتِ الأمَّةُ أنه يُوجِبُ خلْعَ الإمامِ وسُقوطَ فَرضِ طاعتِه كُفرُه بعدَ الإيمانِ وتَركُه إقامةَ الصَّلاةِ والدَّعاَء إليها، واختَلفُوا إذا كانَ فاسِقًا ظالمًا غاصِبًا للأموالِ يَضربُ الأبشارَ ويَتناولُ النُّفوسَ المحرَّمةَ ويُضيِّعُ الحدودَ ويُعطِّلُ الحقوقَ، فقالَ كَثيرٌ مِنْ الناسِ: يَجبُ خَلعُه لذلكَ، وقالَ الجُمهورُ مِنْ الأمةِ وأهلِ الحَديثِ: لا يُخلعُ بهذهِ الأمورِ، ولا يَجبُ الخروجُ عليهِ؛ بل يجبُ وَعظُه وتَخويفُه وتَركُ طاعتِه فيما يَدعو إليه مِنْ مَعاصِي اللهِ، واحتَجُّوا بقَولِه ﷺ : «اسمَعُوا وأطيعُوا وإنْ

стр. 12807

استُعملَ عليكُم عَبدٌ حَبشيٌّ»، وأمرِه بالصَّلاةِ وراءَ كلِّ بَرٍّ وفاجرٍ، ورُويَ أنه قالَ: «أطِعْهم وإنْ أكَلُوا مالَكَ وضَربُوا ظهرَكَ ما أقاموا الصَّلاةَ». قالَ القاضي أبو بكرٍ: ومما يُوجِبُ خلْعَ الإمامِ تطابُقُ الجُنونِ عليهِ وذَهابُ تَمييزِه حتى يُيْئَسَ مِنْ صحَّتِه، وكذلكَ إنْ صُمَّ أو خرَسَ وكَبِرَ وهَرمَ، أو عرَضَ له أمرٌ يَقطعُه مِنْ مَصالحِ الأمَّةِ؛ لأنه إنما نُصبَ لذلكَ، فإذا عطَّلَ ذلكَ وجَبَ خَلعُه، وكذلكَ إنْ جُعلَ مأسورًا في أيدي العَدوِّ إلى مُدةٍ يُخافُ معها الضررُ الداخلُ على الأمَّةِ ويُيْئسَ مِنْ خَلاصِه وجَبَ الاستبدالُ به، فإنْ فكَّ أسْرَه وثابَ عقلُه أو بَرِئَ مِنْ زَمانتِه ومَرضِه لم يَعدْ إلى أمرِه وكانَ رعيَّةً للأولِ؛ لأنه عُقدَ له عندَ خَلعِه وخُروجِه مِنْ الحقِّ، فلا حَقَّ له فيه، ولا يُوجِبُ خُلعَه حُدوثُ فَضلٍ في غيرِه كما يَقولُ أصحابُنا: إنَّ حُدوثَ الفِسقِ في الإمامِ بعدَ العَقدِ لا يُوجبُ خَلعَه، ولو حدَثَ عندَ ابتداءِ العَقدِ لَبطَلَ العَقدُ له ووجَبَ العدولُ عنه، وأمثالُ هذا في الشَّريعةِ كَثيرٌ (١). وقالَ الإمامُ أبو يَعلى الفرَّاءُ ﵀: وإذا وُجدَتْ هذه الصفاتُ حالةَ العَقدِ ثم عُدمَتْ بعدَ العقدِ نَظَرْت، فإنْ كانَ جَرحًا في عَدالتِه -وهو الفِسقُ- فإنه لا يَمنعُ مِنْ استِدامةِ الإمامةِ، سَواءٌ كانَ مُتعلِّقًا بأفعالِ الجَوارحِ، وهو ارتِكابُ المَحظوراتِ وإقدامُه على المُنكَراتِ اتباعًا لشَهوتهِ، أو كانَ مُتعلِّقًا بالاعتقادِ، وهو المتأوِّلُ لشُبهةٍ تَعرضُ يَذهبُ فيها إلى خِلافِ الحَقِّ، وهذا ظاهِرُ كَلامِه في رِوايةِ المَروزيِّ في الأميرِ يَشربُ المُسكِرَ ويَغلُّ يُغزَى معَه، وقد كانَ يَدعو المُعتصمَ بأميرِ المُؤمنينَ، وقد دَعاهُ إلى القَولِ بخَلقِ القرآنِ.

стр. 12808

وقالَ حَنبلٌ في رِوايةِ الواثقِ: اجتَمعَ فُقهاءُ بَغدادَ إلى أبي عبدِ اللهِ وقالَوا: هذا أمرٌ قد تفاقَمَ وفشَا -يَعنونَ إظهارَ الخَلقِ للقُرآنِ- نُشارِكُ في أنَّا لسْنَا نرضَى بإمرَتِه ولا سُلطانِه، فقالَ: وعَليكُم بالنُّكرةِ بقُلوبكُم، ولا تَخلَعوا يَدًا مِنْ طاعةٍ، ولا تَشقُّوا عصَا المُسلمينَ، وقالَ في رِوايةِ المَروزيِّ وذُكِرَ الحسَنُ بنُ صالحٍ فقالَ: كانَ يَرى السيفَ، ولا نرضَى بمَذهبِه (١). باقِي شُروطِ الإمامةِ: واشتَرطَ الفُقهاءُ شُروطًا عدَّةً، مثلَ كونِه ذا نَجدةٍ وكِفايةٍ في المُعضِلاتِ ونُزولِ الدَّواهي والملمَّاتِ، وأنْ يكونَ سَميعًا بَصيرًا وغَيرها مِنْ الشُّروطِ، وهل يَنعزلُ بفَقدِ هذهِ الشُّروطِ أم لا؟ بيَّنَ ذلكَ باختِصارٍ الأمامُ الماوَرديُّ ﵀ حيثُ قالَ: وأما ما طرَأَ على بَدنِه مِنْ نَقصٍ فيَنقسمُ ثَلاثةَ أقسامٍ: أحَدُها: نَقصُ الحَواسِّ، والثَّاني: نَقصُ الأعضاءِ، والثالثُ: نَقصُ التَّصرفِ. فأما نَقصُ الحَواسِّ فيَنقسمُ ثَلاثةَ أقسامٍ: قِسمٌ يَمنعُ مِنْ الإمامةِ، وقِسمٌ لا يَمنعُ منها، وقِسمٌ مُختلَفٌ فيه. فأما القِسمُ المانعُ منها فشَيئانِ: أحَدُهما: زَوالُ العَقلِ، والثاني: ذَهابُ البصرِ، فأما زوالُ العقلِ فضَربانِ: أحَدُهما: ما كانَ عارِضًا مَرجوَّ الزَّوالِ كالإغماءِ، فهذا لا يَمنعُ مِنْ

стр. 12809

انعِقادِ الإمامةِ ولا يُخرجُ منها؛ لأنه مَرضٌ قَليلُ اللبسِ سَريعُ الزَّوالِ، وقد أُغميَ على رَسولِ اللهِ ﷺ في مرضِه. والضَّربُ الثاني: ما كانَ لازِمًا لا يُرجَى زَوالُه كالجُنونِ والخَبلِ، فهو على ضَربينِ: أحَدُهما: أنْ يكونَ مُطبِقًا دائمًا لا يَتخللُه إفاقةٌ، فهذا يَمنعُ مِنْ عَقدِ الإمامةِ واستِدامتِها، فإذا طرَأَ هذا بطَلَتْ به الإمامةُ بعدَ تحقُّقِه والقَطعِ به. والضَّربُ الثاني: أنْ يَتخللَه إفاقةٌ يَعودُ بها إلى حالِ السَّلامةِ فيُنظرُ فيه، فإنْ كانَ زمانُ الخَبلِ أكثَرُ مِنْ زَمانِ الإفاقةِ فهو كالمُستديمِ يَمنعُ مِنْ عَقدِ الإمامةِ واستِدامتِها، ويَخرجُ بحُدوثِه منها، وإنْ كانَ زَمانُ الإفاقةِ أكثَرَ مِنْ زمانِ الخَبلِ منَعَ مِنْ عقدِ الإمامةِ، واختُلفَ في مَنعِه مِنْ استِدامتِها، فقيلَ: يَمنعُ مِنْ استدامِتها كما يَمنعُ مِنْ ابتدائِها، فإذا طرَأَ بطَلَتْ به الإمامةُ؛ لأنَّ في استِدامتِه إخلالًا بالنظرِ المُستحقِّ فيه، وقيلَ: لا يَمنعُ مِنْ استدامةِ الإمامةِ وإنْ منَعَ مِنْ عقدِها في الابتداءِ؛ لأنه يُراعَى في ابتداءِ عقدِها سَلامةٌ كامِلةٌ، وفي الخُروجِ منها نَقصٌ كاملٌ. وأما ذهابُ البَصرِ فيَمنعُ مِنْ عقدِ الإمامةِ واستِدامتِها، فإذا طرَأَ بطَلَتْ به الإمامةُ؛ لأنه لمَّا أبطَلَ وِلايةَ القضاءِ ومنَعَ مِنْ جوازِ الشهادةِ فأَولى أنْ يَمنعَ مِنْ صحَّةِ الإمامةِ، وأما عَشاءُ العَينِ -وهو أنْ لا يُبصرَ عندَ دُخولِ الليلِ- فلا يَمنعُ مِنْ الإمامةِ في عَقدٍ ولا استِدامةٍ؛ لأنه مرضٌ في زَمانِ الدَّعةِ يُرجَى زوالُه.

стр. 12810

وأما ضَعفُ البَصرِ، فإنْ كانَ يَعرفُ به الأشخاصَ إذا رَآها لم يَمنعْ مِنْ الإمامةِ، وإنْ كانَ يُدرِكُ الأشخاصَ ولا يَعرفُها منَعَ مِنْ الإمامةِ عَقدًا واستِدامةً. وأما القِسمُ الثاني مِنْ الحواسِّ التي لا يؤثِّرُ فقدُها في الإمامةِ فشَيئانِ: أحَدُهما: الخَشمُ في الأنفِ الذي لا يُدركُ به شَمَّ الروائحِ. والثَّاني: فقدُ الذَّوقِ الذي يُفرِّقُ به بينَ الطُّعومِ، فلا يؤثِّرُ على هذا في عقدِ الإمامةِ؛ لأنهما يؤثِّرانِ في اللذةِ ولا يؤثِّرانِ في الرأيِ والعملِ. وأما القِسمُ الثالثُ مِنْ الحواسِّ المُختلَفِ فيها فشَيئانِ: الصَّممُ والخَرسُ، فيَمنعانِ مِنْ ابتِداءِ عَقدِ الإمامةِ؛ لأنَّ كمالَ الأوصافِ بوجودِهما مَفقودٌ، واختُلفَ في الخُروجِ بهما مِنْ الإمامةِ، فقالَتْ طائفةٌ: يَخرجُ بهما منها كما يَخرجُ بذهابِ البَصرِ؛ لتأثيرِهما في التدبيرِ والعملِ، وقالَ آخَرونَ: لا يَخرجُ بهمَا مِنْ الإمامةِ؛ لقيامِ الإشارةِ مَقامَهما، فلَم يَخرجْ منها إلا بنَقصٍ كاملٍ، وقالَ آخَرونَ: إنْ كانَ يُحسنُ الكِتابةَ لم يَخرجْ بهما مِنْ الإمامةِ، وإنْ كانَ لا يُحسِنُها خرَجَ مِنْ الإمامةِ بهما؛ لأنَّ الكتابةَ مَفهومةٌ والإشارةَ مَوهومةٌ، والأولُ مِنْ المَذاهبِ أصَحُّ. وأما تَمتمةُ اللسانِ وثِقَلُ السَّمعِ مِنْ إدراكِ الصوتِ إذا كانَ عاليًا فلا يَخرجُ بهما مِنْ الإمامةِ إذا حدَثَا، واختُلفَ في ابتِداءِ عَقدِها معَهما، فقيلَ بمَنعِ ذلكَ مِنْ ابتداءِ عقدِها؛ لأنهُما نقصٌ يَخرجُ بهما عن حالِ الكمالِ، وقيلَ: لا يَمنعُ؛ لأنَّ نبيَّ اللهِ مُوسَى ﵇ لم تَمنعْه عُقدةُ لِسانِه عن النبوَّةِ، فأَولى أنْ لا يَمنعَ مِنْ الإمامةِ.

стр. 12811

وأما فَقدُ الأعضاءِ فيَنقسمُ إلى أربعةِ أقسامٍ: أحَدُها: ما لا يَمنعُ مِنْ صحَّةِ الإمامةِ في عَقدٍ ولا استدامةٍ، وهو ما لا يؤثِّرُ فقدُه في رأيٍ ولا عَملٍ ولا نهوضٍ ولا يَشينُ في المَنظرِ، وذلكَ مثلَ قَطعِ الذكَرِ والأُنثيينِ، فلا يَمنعُ مِنْ عقدِ الإمامةِ ولا مِنْ استدامتِها بعدَ العقدِ؛ لأنَّ فقْدَ هَذينِ العُضوينِ يؤثُّرِ في التناسُلِ دونَ الرأيِ والحِنكةِ، فيَجري مَجرى العُنَّةِ، وقد وصَفَ اللهُ تعالَى يحيَى بنَ زكريًّا بذلكَ وأثنَى عليهِ فقالَ: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)﴾ [آل عمران: ٣٩]، وفي الحَصورِ قَولانِ: أحَدُهما: إنه العِنِّينُ الذي لا يَقدرُ على إتيانِ النساءِ، قالَه ابنُ مَسعودٍ وابنُ عباسٍ، والثَّاني: إنه مَنْ لم يَكنْ له ذكَرٌ يَغشَى به النِّساءَ، أو كانَ كالنواةِ، قالَه سعيدُ بنُ المُسيبِ. فلمَّا لم يَمنعْ ذلكَ مِنْ النبوَّةِ فأَولى أنْ لا يَمنعَ مِنْ الإمامةِ، وكذلكَ قَطعُ الأذُنينِ؛ لأنهما لا يؤثِّرانِ في رأيٍ ولا عَملٍ، ولهمَا شَينٌ خَفيٌّ يمكِنُ أنْ يَستتَرَ فلا يَظهرَ. والقِسمُ الثاني: ما يَمنعُ مِنْ عقدِ الإمامةِ ومِن استِدامتِها، وهو ما يَمنعُ مِنْ العَملِ كذَهابِ اليدينِ، أو مِنْ النُّهوضِ كذَهابِ الرِّجلينِ، فلا تَصحُّ معه الإمامةُ في عقدٍ ولا استِدامةٍ؛ لعَجزِه عما يَلزمُه مِنْ حُقوقِ الأمَّةِ في عِلمٍ أو نَهضةٍ. والقِسمُ الثالثُ: ما يَمنعُ مِنْ عَقدِ الإمامةِ، واختُلفَ في منعِه مِنْ استِدامتِها، وهو ما ذهَبَ به بعضُ العَملِ أو فقَدَ به بعضَ النهوضِ، كذهابِ

стр. 12812

إحدَى اليَدينِ أو إحدَى الرِّجلينِ، فلا يَصحُّ معَه عقدُ الإمامةِ؛ لعَجزِه عن كَمالِ التصرُّفِ. فإنْ طرَأَ بعدَ عقدِ الإمامةِ ففي خُروجِه منها مَذهبانِ للفُقهاءِ: أحَدُهما: يَخرجُ به مِنْ الإمامةِ؛ لأنه عَجزٌ يَمنعُ مِنْ ابتدائِها، فمنَعَ مِنْ استِدامتِها. والمَذهبُ الثاني: أنه لا يَخرجُ به مِنْ الإمامةِ وإنْ منَعَ مِنْ عقدِها؛ لأنَّ المُعتبَرَ في عقدِها كَمالُ السلامةِ، وفي الخُروجِ منها كمالُ النَّقصِ. والقِسمُ الرابعُ: ما لا يَمنعُ مِنْ استدامةِ الإمامةِ، واختُلفَ في منعِه مِنْ ابتداءِ عقدِها، وهو ما شانَ وقَبحَ ولم يؤثِّرْ في عَملٍ ولا في نهضةٍ، كجَدعِ الأنفِ وسَملِ إحدَى العَينينِ، فلا يَخرجُ به مِنْ الإمامةِ بعدَ عقدِها؛ لعَدمِ تأثيرِه في شَيءٍ مِنْ حُقوقِها. وفي مَنعِه مِنْ ابتداءِ عقدِها مَذهبانِ للفُقهاءِ: أحَدُهما: إنه لا يَمنعُ مِنْ عقدِها، وليسَ ذلكَ مِنْ الشروطِ المُعتبَرةِ فيها؛ لعَدمِ تأثيرِه في حقوقِها. والمَذهبُ الثاني: إنه يَمنعُ مِنْ عقدِ الإمامةِ، وتكونُ السلامةُ منه شَرطًا مُعتبَرًا في عَقدِها؛ ليَسلمَ وُلاةُ الملَّةِ مِنْ شَينٍ يُعابُ ونَقصٍ يُزدرَى، فتَقلُّ به الهَيبةُ، وفي قِلَّتِها نُفورٌ عن الطاعةِ، وما أدَّى إلى هذا فهو نقصٌ في حُقوقِ الأمَّةِ.

стр. 12813

فصلٌ في: «نُقصَان حُرَّيةِ التصرُّفِ». وأما نَقصُ التَّصرفِ فضَربانِ: حَجرٌ وقَهرٌ. فأما الحَجرُ: فهو أنْ يَستوليَ عليهِ مِنْ أعوانِه مَنْ يَستبدُّ بتَنفيذِ الأمورِ مِنْ غيرِ تظاهُرٍ بمَعصيةٍ ولا مُجاهَرةٍ بمُشاقَّةٍ، فلا يَمنعُ ذلكَ مِنْ إمامتِه ولا يَقدحُ في صحَّةِ وِلايتِه، ولكنْ يُنظَرُ في أفعالِ مِنْ استَولى على أمورِه، فإنْ كانَت جاريةً على أحكامِ الدِّينِ ومُقتضَى العدلِ جازَ إقرارُه عليها تنفيذًا لها وإمضاءً لأحكامِها؛ لئلَّا يَقفَ مِنْ الأمورِ الدِّينيةِ ما يَعودُ بفَسادٍ على الأُمةِ. وإنْ كانَت أفعالُه خارِجةً عن حُكمِ الدِّينِ ومُقتضَى العَدلِ لم يَجُزْ إقرارُه عليها، ولَزمَه أنْ يَستنصرَ مَنْ يَقبضُ يَدَه ويُزيلُ تغلُّبَه. وأما القَهرُ: فهو أنْ يَصيرَ مأسورًا في يَدِ عدوٍّ قاهرٍ لا يقدرُ على الخلاصِ منه، فيَمنعُ ذلكَ عن عَقدِ الإمامةِ له؛ لعَجزِه عن النظَرِ في أمورِ المُسلمينَ، وسَواءٌ كانَ العدوُّ مُشركًا أو مُسلمًا باغيًا، وللأمَّةِ اختيارُ مَنْ عَداهُ مِنْ ذوِي القُدرةِ، وإنْ أُسِرَ بعدَ أنْ عُقدتْ له الإمامةُ فعلى كافَّةِ الأمَّةِ استِنقاذُه؛ لِما أوجَبَتْه الإمامةُ مِنْ نُصرتِه، وهو على إمامتِه ما كانَ مَرجوَّ الخَلاصَ مَأمولَ الفِكاكِ، إما بقتالٍ أو فِداءٍ، فإنْ وقَعَ الإياسُ منه لم يَخْلُ حالُ مَنْ أسَرَه مِنْ أنْ يكونُوا مُشركينَ أو بَغاةُ المُسلمينَ، فإنْ كانَ في أسرِ المُشركينَ خرَجَ مِنْ الإمامةِ؛ لليأسِ مِنْ خَلاصِه، واستَأنفَ أهلُ الاختيارِ بَيعةَ غيرِه على الإمامةِ. فإنْ عَهدَ بالإمامةِ في حالِ أسرِه نُظرَ في عَهدِه؛ فإنْ كانَ بعدَ الإياسِ مِنْ خَلاصِه كانَ عهدُه باطلًا؛ لأنه عَهِدَ بعدَ خُروجِه مِنْ الإمامةِ، فلَم يَصحَّ منه عهدٌ، وإنْ عَهِدَ قبلَ الإياسِ مِنْ خَلاصِه وقتَ هو فيه مَرجوُّ الخَلاصِ صَحَّ

стр. 12814

عهدُه؛ لبَقاءِ إمامتِه، واستَقرَّتْ إمامةُ وليِّ عهدِه بالإياسِ مِنْ خَلاصِه؛ لزوالِ إمامتِه، فلو خلَصَ مِنْ أسرِه بعدَ عهدِه نُظرَ في خَلاصِه، فإنْ كانَ بعد الإياسِ منه لم يَعُدْ إلى إمامتِه؛ لخُروجِه منها بالإياسِ، واستقرَّتْ في وليِّ عهدِه، وإنْ خلَصَ قبلَ الإياسِ فهو على إمامتِه، ويكونُ العهدُ في وليِّ العَهدِ ثابتًا وإنْ لم يَصِرْ إمامًا. وإنْ كانَ مأسورًا مع بُغاةِ المُسلمينَ، فإنْ كانَ مَرجوَّ الخَلاصِ فهو على إمامتِه، وإنْ لم يُرْجَ خَلاصُه لم يَخلُ حالُ البُغاةِ مِنْ أحدِ أمرَينِ: إما أنْ يَكونوا نَصَبوا لأنفُسِهم إمامًا أو لم يَنصِبوا، فإنْ كانُوا فوضَى لا إمامَ لهم فالإمامُ المَأسورُ في أيديهِم على إمامتِه؛ لأنَّ بَيعتَه لهم لازمةٌ وطاعتَه عليهم واجِبةٌ، فصارَ معَهم كمَصيرِه مع أهلِ العَدلِ إذا صارَتْ تحتَ الحَجرِ، وعلى أهلِ الاختيارِ أنْ يَستَنيبوا عنه ناظرًا يَخلُفُه إنْ لم يَقدرْ على الاستِنابةِ، فإنْ قدَرَ عليها كانَ أحقَّ باختيارِ مَنْ يَستنيبُه منهم، فإنْ خلَعَ المأسورَ نفسَه أو ماتَ لم يَصِرِ المُستنابُ إمامًا؛ لأنها نيابةٌ عن مَوجودٍ، فزالَتْ بفَقدِه. وإنْ كانَ أهلُ البغيِ قد نَصَبوا لأنفُسِهم إمامًا دَخَلوا في بَيعتِه وانقادُوا لطاعتِه فالإمامُ المَأسورُ في أيديهِم خارجٌ مِنْ الإمامةِ بالإياسِ مِنْ خَلاصِه؛ لأنهُم قد انحازُوا بدارٍ تفرَّدَ حُكمُها عن الجَماعةِ، وخرَجوا بها عن الطاعةِ، فلَم يَبْقَ لأهلِ العَدلِ بهم نُصرةٌ وللمأسورِ معَهم قُدرةٌ، وعلى أهلِ الاختيارِ في دارِ العَدلِ أنْ يَعقِدوا الإمامةَ لمَن ارتَضَوا لها، فإنْ خلَصَ المأسورُ لم يَعُدْ إلى الإمامةِ؛ لخُروجِه منها (١).

стр. 12815

السَّمعُ والطاعةُ للإمامِ وعَدمُ الخُروجِ عليهِ: الإمامُ إمَّا أنْ يكونَ عَدلًا وثَبتَتْ بَيعتُه ولم يَطرأْ عليهِ فِسقٌ، وإما أنْ يَطرأَ عليهِ فِسقٌ. فإنْ كانَ الإمامُ عَدلًا وثَبتَتْ بَيعتُه ولم يَطرأْ عليهِ فِسقٌ فإنَّ الأمَّةَ مُجمِعةٌ على حُرمةِ الخُروجِ عليهِ، وأنه يجبُ طاعتُه والسَّمعُ له، ما لم يأمُرْ بمَعصيةٍ فلا طاعَةَ له. واستَدلُّوا على ذلكَ بالكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ: أمَّا الكِتابُ: فقَولُ اللهِ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. ذكَرَ ابنُ جَريرٍ الطبَريُّ أقوالَ السَّلفِ في المَقصودِ بأُولِي الأمرِ في هذهِ الآيةِ، ثمَّ قالَ: وأَولى الأقوالِ في ذلكَ بالصَّوابِ قَولُ منَ قالَ: هُمْ الأمراءُ والوُلاةُ؛ لصحَّةِ الأخبارِ عن رَسولِ اللهِ بالأمرِ بطاعةِ الأئمَّةِ والوُلاةِ فيما كانَ طاعةً وللمُسلمينَ مَصلحةً (١). وقالَ ابنُ كَثيرٍ ﵀: هذهِ أوامرُ بطاعةِ العُلماءِ والأمَراءِ، ولهذا قالَ تعالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ أي: اتَّبِعوا كِتابَه، ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أي: خُذُوا بسُنَّتِه، ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ أي: فيما أمَرُوكُم به من طاعةِ اللهِ لا في مَعصيةِ اللهِ (٢).
следующие страницы →