← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 12811–12850 · переход к 12816.

стр. 12811

وأما فَقدُ الأعضاءِ فيَنقسمُ إلى أربعةِ أقسامٍ: أحَدُها: ما لا يَمنعُ مِنْ صحَّةِ الإمامةِ في عَقدٍ ولا استدامةٍ، وهو ما لا يؤثِّرُ فقدُه في رأيٍ ولا عَملٍ ولا نهوضٍ ولا يَشينُ في المَنظرِ، وذلكَ مثلَ قَطعِ الذكَرِ والأُنثيينِ، فلا يَمنعُ مِنْ عقدِ الإمامةِ ولا مِنْ استدامتِها بعدَ العقدِ؛ لأنَّ فقْدَ هَذينِ العُضوينِ يؤثُّرِ في التناسُلِ دونَ الرأيِ والحِنكةِ، فيَجري مَجرى العُنَّةِ، وقد وصَفَ اللهُ تعالَى يحيَى بنَ زكريًّا بذلكَ وأثنَى عليهِ فقالَ: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)﴾ [آل عمران: ٣٩]، وفي الحَصورِ قَولانِ: أحَدُهما: إنه العِنِّينُ الذي لا يَقدرُ على إتيانِ النساءِ، قالَه ابنُ مَسعودٍ وابنُ عباسٍ، والثَّاني: إنه مَنْ لم يَكنْ له ذكَرٌ يَغشَى به النِّساءَ، أو كانَ كالنواةِ، قالَه سعيدُ بنُ المُسيبِ. فلمَّا لم يَمنعْ ذلكَ مِنْ النبوَّةِ فأَولى أنْ لا يَمنعَ مِنْ الإمامةِ، وكذلكَ قَطعُ الأذُنينِ؛ لأنهما لا يؤثِّرانِ في رأيٍ ولا عَملٍ، ولهمَا شَينٌ خَفيٌّ يمكِنُ أنْ يَستتَرَ فلا يَظهرَ. والقِسمُ الثاني: ما يَمنعُ مِنْ عقدِ الإمامةِ ومِن استِدامتِها، وهو ما يَمنعُ مِنْ العَملِ كذَهابِ اليدينِ، أو مِنْ النُّهوضِ كذَهابِ الرِّجلينِ، فلا تَصحُّ معه الإمامةُ في عقدٍ ولا استِدامةٍ؛ لعَجزِه عما يَلزمُه مِنْ حُقوقِ الأمَّةِ في عِلمٍ أو نَهضةٍ. والقِسمُ الثالثُ: ما يَمنعُ مِنْ عَقدِ الإمامةِ، واختُلفَ في منعِه مِنْ استِدامتِها، وهو ما ذهَبَ به بعضُ العَملِ أو فقَدَ به بعضَ النهوضِ، كذهابِ

стр. 12812

إحدَى اليَدينِ أو إحدَى الرِّجلينِ، فلا يَصحُّ معَه عقدُ الإمامةِ؛ لعَجزِه عن كَمالِ التصرُّفِ. فإنْ طرَأَ بعدَ عقدِ الإمامةِ ففي خُروجِه منها مَذهبانِ للفُقهاءِ: أحَدُهما: يَخرجُ به مِنْ الإمامةِ؛ لأنه عَجزٌ يَمنعُ مِنْ ابتدائِها، فمنَعَ مِنْ استِدامتِها. والمَذهبُ الثاني: أنه لا يَخرجُ به مِنْ الإمامةِ وإنْ منَعَ مِنْ عقدِها؛ لأنَّ المُعتبَرَ في عقدِها كَمالُ السلامةِ، وفي الخُروجِ منها كمالُ النَّقصِ. والقِسمُ الرابعُ: ما لا يَمنعُ مِنْ استدامةِ الإمامةِ، واختُلفَ في منعِه مِنْ ابتداءِ عقدِها، وهو ما شانَ وقَبحَ ولم يؤثِّرْ في عَملٍ ولا في نهضةٍ، كجَدعِ الأنفِ وسَملِ إحدَى العَينينِ، فلا يَخرجُ به مِنْ الإمامةِ بعدَ عقدِها؛ لعَدمِ تأثيرِه في شَيءٍ مِنْ حُقوقِها. وفي مَنعِه مِنْ ابتداءِ عقدِها مَذهبانِ للفُقهاءِ: أحَدُهما: إنه لا يَمنعُ مِنْ عقدِها، وليسَ ذلكَ مِنْ الشروطِ المُعتبَرةِ فيها؛ لعَدمِ تأثيرِه في حقوقِها. والمَذهبُ الثاني: إنه يَمنعُ مِنْ عقدِ الإمامةِ، وتكونُ السلامةُ منه شَرطًا مُعتبَرًا في عَقدِها؛ ليَسلمَ وُلاةُ الملَّةِ مِنْ شَينٍ يُعابُ ونَقصٍ يُزدرَى، فتَقلُّ به الهَيبةُ، وفي قِلَّتِها نُفورٌ عن الطاعةِ، وما أدَّى إلى هذا فهو نقصٌ في حُقوقِ الأمَّةِ.

стр. 12813

فصلٌ في: «نُقصَان حُرَّيةِ التصرُّفِ». وأما نَقصُ التَّصرفِ فضَربانِ: حَجرٌ وقَهرٌ. فأما الحَجرُ: فهو أنْ يَستوليَ عليهِ مِنْ أعوانِه مَنْ يَستبدُّ بتَنفيذِ الأمورِ مِنْ غيرِ تظاهُرٍ بمَعصيةٍ ولا مُجاهَرةٍ بمُشاقَّةٍ، فلا يَمنعُ ذلكَ مِنْ إمامتِه ولا يَقدحُ في صحَّةِ وِلايتِه، ولكنْ يُنظَرُ في أفعالِ مِنْ استَولى على أمورِه، فإنْ كانَت جاريةً على أحكامِ الدِّينِ ومُقتضَى العدلِ جازَ إقرارُه عليها تنفيذًا لها وإمضاءً لأحكامِها؛ لئلَّا يَقفَ مِنْ الأمورِ الدِّينيةِ ما يَعودُ بفَسادٍ على الأُمةِ. وإنْ كانَت أفعالُه خارِجةً عن حُكمِ الدِّينِ ومُقتضَى العَدلِ لم يَجُزْ إقرارُه عليها، ولَزمَه أنْ يَستنصرَ مَنْ يَقبضُ يَدَه ويُزيلُ تغلُّبَه. وأما القَهرُ: فهو أنْ يَصيرَ مأسورًا في يَدِ عدوٍّ قاهرٍ لا يقدرُ على الخلاصِ منه، فيَمنعُ ذلكَ عن عَقدِ الإمامةِ له؛ لعَجزِه عن النظَرِ في أمورِ المُسلمينَ، وسَواءٌ كانَ العدوُّ مُشركًا أو مُسلمًا باغيًا، وللأمَّةِ اختيارُ مَنْ عَداهُ مِنْ ذوِي القُدرةِ، وإنْ أُسِرَ بعدَ أنْ عُقدتْ له الإمامةُ فعلى كافَّةِ الأمَّةِ استِنقاذُه؛ لِما أوجَبَتْه الإمامةُ مِنْ نُصرتِه، وهو على إمامتِه ما كانَ مَرجوَّ الخَلاصَ مَأمولَ الفِكاكِ، إما بقتالٍ أو فِداءٍ، فإنْ وقَعَ الإياسُ منه لم يَخْلُ حالُ مَنْ أسَرَه مِنْ أنْ يكونُوا مُشركينَ أو بَغاةُ المُسلمينَ، فإنْ كانَ في أسرِ المُشركينَ خرَجَ مِنْ الإمامةِ؛ لليأسِ مِنْ خَلاصِه، واستَأنفَ أهلُ الاختيارِ بَيعةَ غيرِه على الإمامةِ. فإنْ عَهدَ بالإمامةِ في حالِ أسرِه نُظرَ في عَهدِه؛ فإنْ كانَ بعدَ الإياسِ مِنْ خَلاصِه كانَ عهدُه باطلًا؛ لأنه عَهِدَ بعدَ خُروجِه مِنْ الإمامةِ، فلَم يَصحَّ منه عهدٌ، وإنْ عَهِدَ قبلَ الإياسِ مِنْ خَلاصِه وقتَ هو فيه مَرجوُّ الخَلاصِ صَحَّ

стр. 12814

عهدُه؛ لبَقاءِ إمامتِه، واستَقرَّتْ إمامةُ وليِّ عهدِه بالإياسِ مِنْ خَلاصِه؛ لزوالِ إمامتِه، فلو خلَصَ مِنْ أسرِه بعدَ عهدِه نُظرَ في خَلاصِه، فإنْ كانَ بعد الإياسِ منه لم يَعُدْ إلى إمامتِه؛ لخُروجِه منها بالإياسِ، واستقرَّتْ في وليِّ عهدِه، وإنْ خلَصَ قبلَ الإياسِ فهو على إمامتِه، ويكونُ العهدُ في وليِّ العَهدِ ثابتًا وإنْ لم يَصِرْ إمامًا. وإنْ كانَ مأسورًا مع بُغاةِ المُسلمينَ، فإنْ كانَ مَرجوَّ الخَلاصِ فهو على إمامتِه، وإنْ لم يُرْجَ خَلاصُه لم يَخلُ حالُ البُغاةِ مِنْ أحدِ أمرَينِ: إما أنْ يَكونوا نَصَبوا لأنفُسِهم إمامًا أو لم يَنصِبوا، فإنْ كانُوا فوضَى لا إمامَ لهم فالإمامُ المَأسورُ في أيديهِم على إمامتِه؛ لأنَّ بَيعتَه لهم لازمةٌ وطاعتَه عليهم واجِبةٌ، فصارَ معَهم كمَصيرِه مع أهلِ العَدلِ إذا صارَتْ تحتَ الحَجرِ، وعلى أهلِ الاختيارِ أنْ يَستَنيبوا عنه ناظرًا يَخلُفُه إنْ لم يَقدرْ على الاستِنابةِ، فإنْ قدَرَ عليها كانَ أحقَّ باختيارِ مَنْ يَستنيبُه منهم، فإنْ خلَعَ المأسورَ نفسَه أو ماتَ لم يَصِرِ المُستنابُ إمامًا؛ لأنها نيابةٌ عن مَوجودٍ، فزالَتْ بفَقدِه. وإنْ كانَ أهلُ البغيِ قد نَصَبوا لأنفُسِهم إمامًا دَخَلوا في بَيعتِه وانقادُوا لطاعتِه فالإمامُ المَأسورُ في أيديهِم خارجٌ مِنْ الإمامةِ بالإياسِ مِنْ خَلاصِه؛ لأنهُم قد انحازُوا بدارٍ تفرَّدَ حُكمُها عن الجَماعةِ، وخرَجوا بها عن الطاعةِ، فلَم يَبْقَ لأهلِ العَدلِ بهم نُصرةٌ وللمأسورِ معَهم قُدرةٌ، وعلى أهلِ الاختيارِ في دارِ العَدلِ أنْ يَعقِدوا الإمامةَ لمَن ارتَضَوا لها، فإنْ خلَصَ المأسورُ لم يَعُدْ إلى الإمامةِ؛ لخُروجِه منها (١).

стр. 12815

السَّمعُ والطاعةُ للإمامِ وعَدمُ الخُروجِ عليهِ: الإمامُ إمَّا أنْ يكونَ عَدلًا وثَبتَتْ بَيعتُه ولم يَطرأْ عليهِ فِسقٌ، وإما أنْ يَطرأَ عليهِ فِسقٌ. فإنْ كانَ الإمامُ عَدلًا وثَبتَتْ بَيعتُه ولم يَطرأْ عليهِ فِسقٌ فإنَّ الأمَّةَ مُجمِعةٌ على حُرمةِ الخُروجِ عليهِ، وأنه يجبُ طاعتُه والسَّمعُ له، ما لم يأمُرْ بمَعصيةٍ فلا طاعَةَ له. واستَدلُّوا على ذلكَ بالكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ: أمَّا الكِتابُ: فقَولُ اللهِ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. ذكَرَ ابنُ جَريرٍ الطبَريُّ أقوالَ السَّلفِ في المَقصودِ بأُولِي الأمرِ في هذهِ الآيةِ، ثمَّ قالَ: وأَولى الأقوالِ في ذلكَ بالصَّوابِ قَولُ منَ قالَ: هُمْ الأمراءُ والوُلاةُ؛ لصحَّةِ الأخبارِ عن رَسولِ اللهِ بالأمرِ بطاعةِ الأئمَّةِ والوُلاةِ فيما كانَ طاعةً وللمُسلمينَ مَصلحةً (١). وقالَ ابنُ كَثيرٍ ﵀: هذهِ أوامرُ بطاعةِ العُلماءِ والأمَراءِ، ولهذا قالَ تعالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ أي: اتَّبِعوا كِتابَه، ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أي: خُذُوا بسُنَّتِه، ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ أي: فيما أمَرُوكُم به من طاعةِ اللهِ لا في مَعصيةِ اللهِ (٢).

стр. 12816

وأمَّا السُّنةُ: فمِنها قَولُ النبيِّ ﷺ : «اسمَعوا وأَطِيعوا وإنْ استُعمِلَ عليكم عبدٌ حَبشيٌّ كانَ رَأسَه زَبيبةٌ» (١). وعن ابنِ عُمرَ ﵄ عن النبيِّ ﷺ قالَ: «على المَرءِ المُسلمِ السَّمعُ والطَّاعةُ فيما أحَبَّ وكَرِهَ، إلا أنْ يُؤمَرَ بمَعصيةٍ، فإنْ أُمرَ بمَعصيةٍ فلا سَمْعَ ولا طاعةَ» (٢). وعن عَليٍّ ﵁ قالَ: «بعَثَ النبيُّ ﷺ سَريَّةً وأمَّرَ عليهِم رَجلًا مِنْ الأنصارِ وأمَرَهم أنْ يُطيعوهُ، فغَضِبَ عليهم وقالَ: أليسَ قد أمَرَ النبيُّ ﷺ أنْ تُطيعونِي؟! قالوا: بلى، قالَ: قد عَزَمتُ عليكم لمَا جَمَعتُم حَطبًا وأوقَدتُم نارًا ثمَّ دَخَلتُم فيها، فجَمَعوا حَطبًا فأوقَدُوا، فلما هَمُّوا بالدخولِ فقامَ يَنظرُ بعضُهم إلى بعضٍ قالَ بَعضُهم: إنما تَبِعْنا النبيَّ ﷺ فِرارًا مِنْ النارِ، أفنَدخلُها؟ فبَينَما هم كذلكَ إذْ خمَدَتِ النارُ وسكَنَ غضَبُه، فذُكِرَ للنبيِّ ﷺ فقالَ: «لو دَخَلوها ما خَرَجوا منها أبدًا، إنما الطاعةُ في المَعروفِ» (٣). قالَ محمدُ بنُ جَريرٍ ﵀: في حَديثِ عليٍّ وحديثِ ابنِ عُمرَ البَيانُ الواضِحُ عن نَهيِ اللهِ على لِسانِ رَسولِه عِبادَه عن طاعةِ مَخلوقٍ في مَعصيةِ خالِقِه، سُلطانًا كانَ الآمِرُ بذلكَ أو سُوقةً أو والدًا أو كائنًا مَنْ كانَ، فغيرُ جائزٍ لأحَدٍ أنْ يُطيعَ أحَدًا مِنْ الناسِ في أمرٍ قد صَحَّ عندَه نَهيُ اللهِ عنه، فإنْ

стр. 12817

ظَنَّ ظانٌّ أنَّ في قَولِه ﷺ في حَديثِ أنسٍ: «اسمَعُوا وأطيعُوا وإنْ استُعملَ عليكُم عَبدٌ حَبشيٌّ» وفي قولِه في حَديثِ ابنِ عبَّاسٍ: «مَنْ رَأى مِنْ أميرِه شَيئًا يَكرهُه فلْيَصبِرْ» حُجةٌ لمَن أقدَمَ على مَعصيةِ اللهِ بأمرِ سُلطانٍ أو غيرِه، وقالَ: «قد وَرَدتِ الأخبارُ بالسمعِ والطاعةِ لوُلاةِ الأمرِ» فقدْ ظنَّ خَطئًا؛ وذلكَ أنَّ أخبارَ رَسولِ اللهِ ﷺ لا يَجوزُ أنْ تَتضادَّ، ونهيُه وأمرُه لا يَجوزُ أنْ يَتناقضَ أو يَتعارضَ، وإنما الأخبارُ الوارِدةُ بالسَّمعِ والطاعةِ لهُم ما لم يَكنْ خِلافًا لأمرِ اللهِ وأمرِ رَسولهِ، فإذا كانَ خِلافًا لذلكَ فغيرُ جائزٍ لأحدٍ أنْ يُطيعَ أحدًا في مَعصيةِ اللهِ ومَعصيةِ رَسولِه، وبنحوِ ذلكَ قالَ عامَّةُ السلَفِ (١). وأمَّا الإجماعُ فقالَ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقُوا أنَّ الإمامَ الواجبَ إمامتُه فإنَّ طاعتَه في كلِّ ما أمَرَ ما لم يَكنْ مَعصيةً فَرضٌ، والقتالُ دونَه فَرضٌ، وخِدمتُه فيما أمَرَ به واجِبةٌ، وأحكامُه وأحكامُ مَنْ ولَّى نافِذةٌ، وعَزلُه مَنْ عزَلَ نافِذٌ (٢). وقالَ أيضًا: وأما وُجوبُ طاعةِ الأئمَّةِ فذلكَ حَقُّ كلِّ إمامٍ عَدلٍ كانَ أو يكونُ إلى يومِ القِيامةِ، وإنما ذلكَ فيما وافَقَ طاعَةَ اللهِ وكانَ حقًّا، وليسَ ذلكَ في أنْ يُشرِّعوا لنا قَولًا لم يَأتِنا به نَصٌّ ولا إجماعٌ (٣).

стр. 12818

وقالَ القاضي عِياضٌ ﵀: لا خِلافَ في وُجوبِ طاعةِ الأمَراءِ فيما لا يُخالِفُ أمْرَ اللهِ، ما لم يَأمرْ بمَعصيةٍ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: ولا يَلزمُ مِنْ طاعةِ الخليفةِ المُبايَعِ إلا ما كانَ في المَعروفِ؛ لأنَّ رَسولَ اللهِ لم يَكنْ يَأمرُ إلا بالمَعروفِ، وقد قالَ: «إنما الطاعةُ في المَعروفِ». وأجمَعَ العُلماءُ على أنَّ مَنْ أمَرَ بمُنكَرٍ لا تَلزمُ طاعتُه، قالَ اللهُ : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَنْ اتَّفقَ المُسلمونَ على إمامتِه وبَيعتِه ثَبتتْ إمامتُه ووجَبَتْ مَعونتُه؛ لِما ذكَرْنا مِنْ الحديثِ والإجماعِ، وفي مَعناهُ مَنْ ثبتَتْ إمامتُه بعهدِ النبيِّ ﷺ أو بعهدِ إمامٍ قبلَه إليهِ، فإنَّ أبا بَكرٍ ثبتَتْ إمامتُه بإجماعِ الصَّحابةِ على بَيعتِه، وعُمرُ ثبتَتْ إمامتُه بعهدِ أبي بكرٍ إليه وأجمَعَ الصَّحابةُ على قَبولِه … فمَن خرَجَ على مَنْ ثبتَتْ إمامتُه بأحَدِ هذهِ الوُجوهِ باغيًا وجَبَ قتالُه (٣). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: ولكنْ عليَّ أنْ أطيعَ اللهَ ورسولَه وأطيعَ أُولِي الأمرِ إذا أمَرونِي بطاعةِ اللهِ، فإذا أمَرُوني بمَعصيةِ اللهِ فلا طاعَةَ لمَخلوقٍ في مَعصيةِ الخالقِ، هكذا دَلَّ عليهِ الكِتابُ والسُّنةُ واتَّفقَ عليهِ أئمَّةُ الأمةِ (٤).

стр. 12819

الخُروجُ على الأئمَّةِ الظلَمةِ الفَسقةِ: اختَلفَ أهلُ العِلمِ في حُكمِ الخُروجِ على الأئمَّةِ الظَّلمةِ الفَسقةِ، هل يَجوزُ الخُروجُ عليهِم؟ أم لا يجوزُ الخروجُ عيلهم ويجبُ الصبْرُ عليهِم؟ فذهَبَ طائِفةٌ مِنْ أهلِ العِلمِ إلى جَوازِ الخُروجِ عليهِم، وطائفةٌ قالَتْ: يَجبُ الصبْرُ عليهِم وعَدمُ الخُروجِ عليهم؛ لِما في ذلكَ مِنْ الفِتنةِ وسَفكِ الدماءِ، وأنا أنقُلُ أقوالَ كَلامِ كثيرٍ مِنْ الفُقهاءِ ممَّن قالَ بجَوازِ الخُروجِ وعَدمِ جَوازِه؛ ليُعلَمَ أنه لا إجماعَ في المَسألةِ، وبكِلَا القَولينِ قالَ جَماعةٌ مِنْ خِيارِ الأمَّةِ وفُضلائِها. قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأما قولُه -أي النبيِّ ﷺ : «ألَّا ننازِعَ الأمرَ أهلَه» فقدِ اختَلفَ الناسُ في ذلكَ، فقالَ القائِلونَ منهُم: أهلُه أهلُ العَدلِ والإحسانِ والفَضلِ والدِّينِ مع القوَّةِ على القيامِ بذلكَ، فهَؤلاءِ لا يَنازعونَ؛ لأنهُم أهلُه، وأما أهلُ الجَورِ والفِسقِ والظُّلمِ فلَيسوا بأهلٍ له. واحتَجُّوا بقولِ اللهِ لإبراهيمَ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ [البقرة: ١٢٤]، ذهَبَ إلى هذا طائِفةٌ مِنْ السلَفِ الصالحِ، واتَّبعَهم بذلكَ خلَفٌ مِنْ الفُضلاءِ والقرَّاءِ والعُلماءِ مِنْ أهلِ المَدينةِ والعراقِ. وبهذا خرَجَ ابنُ الزُّبيرِ والحُسينُ على يَزيدَ، وخرَجَ خِيارُ أهلِ العِراقِ وعُلماؤُهم على الحجَّاجِ، ولهذا أخرَجَ أهلُ المَدينةِ بَني أميَّةَ عنهم وقامُوا عليهم فكانَتِ الحَرَّةُ، وبهذه اللفظةِ وما كانَ مِثلَها في مَعناها مَذهبٌ تَعلَّقتْ به طائِفةٌ مِنْ المُعتزلةِ، وهو مَذهبُ جَماعةِ الخَوارجِ.

стр. 12820

وأما جَماعةُ أهلِ السُّنةِ وأئمَّتُهم فقالوا: هذا هو الاختِيارُ، أنْ يكونَ الإمامُ فاضِلًا عالِمًا عدلًا مُحسِنًا قَويًّا على القيامِ كما يَلزمُه في الإمامةِ، فإنْ لم يَكنْ فالصبْرُ على طاعَةِ الإمامِ الجائرِ أَولى مِنْ الخُروجِ عليهِ؛ لأنَّ في مُنازعتِه والخُروجِ عليهِ استِبدالَ الأمنِ بالخَوفِ وإراقةَ الدِّماءِ وانطِلاقَ أيدِي الدَّهماءِ وتَبييتَ الغاراتِ على المُسلمينِ والفسادَ في الأرضِ، وهذا أعظَمُ مِنْ الصبْرِ على جَورِ الجائرِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: احتَجَّ بهذا الحَديثِ -أي قَولِ النبيِّ ﷺ : «السمعُ والطاعةُ حَقٌّ ما لم يُؤمَرْ بالمَعصيةِ، فإذا أُمرَ بمَعصيةٍ فلا سَمْعَ ولا طاعةَ» - الخَوارجُ، ورَأَوا الخُروجَ على أئمَّةِ الجَورِ والقيامَ عليهِم عندَ ظهورِ جَورِهم، والذي عليهِ جُمهورُ الأمَّةِ أنه لا يَجبُ القيامُ عليهِم ولا خَلعُهم إلا بكُفرِهم بعدَ الإيمانِ وتَركِهم إقامةَ الصلَواتِ، وأما دونَ ذلكَ مِنْ الجَورِ فلا يجوزُ الخُروج عليهِم إذا استَوطأَ أمرُهم وأمرُ الناسِ معَهم؛ لأنَّ في تَركِ الخُروجِ عليهِم تَحصينَ الفُروجِ والأموالِ وحقْنَ الدماءِ، وفي القيامِ عليهِم تفرُّقَ الكَلمةِ وتَشتُّتَ الألفةِ، وكذلكَ لا يَجوزُ القتالُ معَهم لمَن خرَجَ عليهِم عن ظُلمٍ ظهَرَ منهُم؛ لقَولِه ﷺ : «فإذا أمرَ بمَعصيةٍ فلا سمْعَ ولا طاعةَ». وقالَ ﷺ : «لا طاعةَ لمَخلوقٍ في مَعصيةِ الخالقِ» (٢).

стр. 12821

وقالَ أيضًا: وقولُه: «مَنْ رَأى شَيئًا يَكرهُه فلْيَصبرْ» يعني: مِنْ الظُّلمِ والجَورِ، فأما مَنْ رَأى شَيئًا مِنْ مُعارَضةِ اللهِ ببدعةٍ أو قَلبِ شَريعةٍ فلْيَخرجْ مِنْ تلكَ الأرضِ ويُهاجرْ منها، وإنْ أمكَنَه إمامٌ عَدلٌ واتَّفقَ عليهِ جُمهورُ الناسِ فلا بأسَ بخَلعِ الأوَّلِ، فإنْ لم يَكنْ معَه إلا قِطعةٌ مِنْ الناسِ أو ما يُوجِبُ الفُرقةَ فلا يَحلُّ له الخُروجُ. قالَ أبو بَكرِ بنُ الطيِّبِ: أجمَعَتِ الأمَّةُ أنه يُوجِبُ خلْعَ الإمامِ وسُقوطَ فَرضِ طاعتِه كُفرُه بعدَ الإيمانِ وتَركُه إقامةَ الصَّلاةِ والدَّعاَء إليها، واختَلفُوا إذا كانَ فاسِقًا ظالمًا غاصِبًا للأموالِ يَضربُ الأبشارَ ويَتناولُ النُّفوسَ المحرَّمةَ ويُضيِّعُ الحدودَ ويُعطِّلُ الحقوقَ، فقالَ كَثيرٌ مِنْ الناسِ: يَجبُ خَلعُه لذلكَ، وقالَ الجُمهورُ مِنْ الأمةِ وأهلِ الحَديثِ: لا يُخلعُ بهذهِ الأمورِ، ولا يَجبُ الخروجُ عليهِ؛ بل يجبُ وَعظُه وتَخويفُه وتَركُ طاعتِه فيما يَدعو إليه مِنْ مَعاصِي اللهِ (١). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأجمَعَ أهلُ السُّنةِ أنه لا يَنعزلُ السُّلطانُ بالفِسقِ، وأما الوَجهُ المَذكورُ في كُتبِ الفِقهِ لبعضِ أصحابِنا أنه يَنعزلُ وحُكيَ عن المُعتزلةِ أيضًا فغَلطٌ مِنْ قائلِه مُخالِفٌ للإجماعِ، قالَ العُلماءُ: وسَببُ عَدمِ انعِزالِه وتَحريمِ الخُروجِ عليهِ ما يَترتبُ على ذلكَ مِنْ الفِتنِ وإراقةِ الدِّماءِ وفَسادِ ذاتِ البَينِ، فتكونُ المَفسدةُ في عَزلِه أكثَرَ منها في بَقائِه، قالَ القاضي عياضٌ: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ الإمامةَ لا تَنعقدُ لكافرٍ، وعلى أنه لو طرَأَ عليهِ الكفرُ انعَزلَ، قالَ: وكذا لو ترَكَ إقامةَ الصَّلواتِ والدعاءَ إليها، قالَ:

стр. 12822

وكذلكَ عندَ جُمهورِهم البِدعةُ، قالَ: وقالَ بعضُ البَصريينَ: تَنعقدُ له وتُستدامُ له؛ لأنه مُتأوِّلٌ، قالَ القاضي: فلو طرَأَ عليهِ كُفرٌ وتُغييرٌ للشرعِ أو بِدعةٌ خرَجَ عن حُكمِ الوِلايةِ وسقَطتْ طاعتُه ووجَبَ على المُسلمينَ القيامُ عليهِ وخَلعُه ونَصبُ أمامٍ عادلٍ إنْ أمكَنَهم ذلكَ، فإنْ لم يَقعْ ذلكَ إلا لطائِفةٍ وجَبَ عليهِم القيامُ بخَلعِ الكافرِ، ولا يَجبُ في المُبتدِعِ، إلا إذا ظنُّوا القُدرةَ عليهِ، فإنْ تَحقَّقوا العَجزَ لم يَجبِ القيامُ، ولْيُهاجِرِ المُسلمُ عن أرضِه إلى غيرِها ويَفرَّ بدِينِه، قالَ: ولا تَنعقدُ لفاسقٍ ابتداءً، فلو طرَأَ على الخَليفةِ فسَقَ، قالَ بعضُهم: يَجبُ خَلعُه إلا أنْ تَترتبَ عليهِ فِتنةٌ وحَربٌ، وقالَ جَماهيرُ أهلِ السُّنةِ مِنْ الفُقهاءِ والمُحدِّثينَ والمُتكلِّمينَ: لا يَنعزلُ بالفِسقِ والظُّلمِ وتَعطيلِ الحُقوقِ، ولا يُخلعُ ولا يَجوزُ الخروجُ عليهِ بذلكَ، بل يَجبُ وَعظُه وتَخويفُه؛ للأحاديثِ الواردةِ في ذلكَ، قالَ القاضي: وقد ادَّعى أبو بكرِ بنُ مُجاهدٍ في هذا الإجماعَ، وقد رَدَّ عليهِ بعضُهم هذا بقيامِ الحَسنِ وابنِ الزُّبيرِ وأهلِ المَدينةِ على بَنِي أميَّةَ، وبقيامِ جَماعةٍ عَظيمةٍ مِنْ التابِعينَ والصَّدرِ الأولِ على الحجَّاجِ مع ابنِ الأشعَثِ، وتأوَّلَ هذا القائِلُ قولَه: «أنْ لا نُنازِعَ الأمرَ أهلَه» في أئمَّةِ العَدلِ، وحُجةُ الجُمهورِ أنَّ قيامَهم على الحجَّاجِ ليسَ بمُجرَّدِ الفِسقِ، بل لِما غيَّرَ مِنْ الشرعِ وظاهَرَ مِنْ الكُفرِ، قالَ القاضي: وقيلَ أنَّ هذا الخِلافَ كانَ أولًا ثم حصَلَ الإجماعُ على مَنعِ الخُروجِ عليهِم (١). وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: ولهذا كانَ المَشهورُ مِنْ مَذهبِ أهلِ السُّنةِ أنهم لا يَرَونَ الخُروجَ على الأئمَّةِ وقتالَهم بالسَّيفِ وإنْ كانَ فيهم

стр. 12823

ظُلمٌ، كما دلَّتْ على ذلكَ الأحاديثُ الصَّحيحةُ المُستفيضةُ عن النبيِّ ﷺ ؛ لأنَّ الفسادَ في القِتالِ والفِتنةِ أعظَمُ مِنْ الفَسادِ الحاصلِ بظُلمِهم بدونِ قتالٍ ولا فتنةٍ، فلا يُدفَعُ أعظَمُ الفَسادينِ بالتِزامِ أدناهُما، ولعَلَّه لا يكادُ يُعرَفُ طائفةً خرَجَتْ على ذي سلطانٍ إلا وكانَ في خُروجِها مِنْ الفسادِ ما هو أعظَمُ مِنْ الفَسادِ الذي أزالَتْه. واللهُ تعالَى لم يأمُرْ بقِتالِ كلِّ ظالمٍ وكلِّ باغٍ كيفَما كانَ، ولا أمَرَ بقتالِ الباغينَ ابتِداءً، بل قالَ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ [الحجر: ٩]، فلَم يأمُرْ بقتالِ الباغيةِ ابتِداءً، فكيفَ يأمرُ بقِتالِ ولاةِ الأمرِ ابتداءً؟! وفي صَحيحِ مُسلمٍ عن أمِّ سَلمةَ ﵂ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «سَيكونُ أمَراءُ فتَعرِفونَ وتُنكرِونَ، فمَن عرفَ بِرَئَ، ومَن أنكَرَ سَلِمَ، ولكنْ رَضِيَ وتابَعَ، قالوا: أفَلا نُقاتِلُهم؟ قالَ: لا، ما صَلُّوا»، فقدْ نهَى رَسولُ اللهِ ﷺ عن قِتالِهم مع إخبارِه أنهُم يَأتونَ أمورًا مُنكَرةً، فدَلَّ على أنه لا يَجوزُ الإنكارُ عليهِم بالسَّيفِ كما يَراهُ مَنْ يقاتِلُ ولاةَ الأمرِ مِنْ الخَوارجِ والزَّيديةِ والمُعتزلةِ وطائِفةٍ مِنْ الفُقهاءِ وغيرِهم. وفي الصَّحيحينِ عن ابنِ مَسعودٍ ﵁ قالَ: قالَ لنا رَسولُ اللهِ ﷺ : «إنكُم سَتَرونَ بعدِي أثَرةً وأمورًا تُنكِرونَها، قالوا: فما تأمُرُنا يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: تُؤدُّونَ الحقَّ الذي عليكُم وتَسألونَ اللهَ الذي لكُم».

стр. 12824

فقدْ أخبَرَ النبيُّ ﷺ أنَّ الأمَراءَ يَظلمونَ ويَفعلونَ أمورًا مُنكَرةً، ومع هذا فأمَرَنا أنْ نُؤتيَهم الحقَّ الذي لهُم ونَسألَ اللهَ الحقَّ الذي لنا، ولم يَأذنْ في أخذِ الحَقِّ بالقتالِ، ولم يُرخِّصْ في تركِ الحقِّ الذي لهم. وفي الصَّحيحينِ عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ عن النبيِّ ﷺ قالَ: «مَنْ رَأى مِنْ أميرِه شَيئًا يَكرهُه فلْيَصبِرْ عليهِ، فإنه مَنْ فارَقَ الجَماعةَ شِبرًا فماتَ إلا ماتَ مِيتةً جاهِليةً»، وفي لَفظٍ: «فإنه مَنْ خرَجَ مِنْ السُّلطانِ شِبرًا فماتَ ماتَ مِيتةً جاهِليةً» واللفظُ للبُخاريِّ، وقد تقدَّمَ قولُه ﷺ لمَّا ذكَرَ أنهُم لا يَهتدونَ بهَديِه ولا يَستنُّونَ بسُنتِه، قالَ حُذيفةُ: «كيفَ أصنَعُ يا رَسولَ اللهِ إنْ أدرَكْتُ ذلكَ؟ قالَ: تَسمعُ وتُطيعُ للأميرِ وإنْ ضرَبَ ظهرَكَ وأخَذَ مالَكَ فاسمَعْ وأطِعْ»، فهذا أمرٌ بالطاعةِ مع ظُلمِ الأميرِ. وتقدَّمَ قولُه ﷺ : «مَنْ وَلِيَ عليهِ والٍ فرَآهُ يأتي شَيئًا مِنْ مَعصيةِ اللهِ فلْيَكرَهْ ما يَأتي مِنْ مَعصيةِ اللهِ ولا يَنزِعَنَّ يَدًا عن طاعةٍ»، وهذا نهيٌ عن الخُروجِ عن السُّلطانِ وإنْ عَصى. وتقدَّمَ حَديثُ عُبادةَ «بايَعْنا رَسولَ اللهِ ﷺ على السَّمعِ والطاعةِ في مَنشَطِنا ومَكرِهَنا وعُسرِنا ويُسرِنا وأثَرةٍ علينا، وأنْ لا نُنازِعَ الأمرَ أهلَه، قالَ: إلا أنْ تَرَوا كُفرًا بَواحًا عندَكُم مِنْ اللهِ فيه بُرهانٌ» وفي رِوايةٍ: «وأنْ نَقولَ أو نَقومَ بالحقِّ حيثُ ما كنَّا لا نَخافُ في اللهِ لَومةَ لائمٍ»، فهذا أمرٌ بالطاعةِ مع استِئثارِ وَليِّ الأمرِ، وذلكَ ظُلمٌ منه، ونَهيٌ عن مُنازَعةِ الأمرِ أهلَه، وذلكَ نهيٌ عن الخُروجِ عليهِ؛ لأنَّ أهلَه هم أُولو الأمرِ الذينَ أمَرَ بطاعتِهم، وهُم الذينَ لهم سُلطانٌ يَأمرونَ به، وليسَ المُرادُ مَنْ يَستحقُّ أنْ

стр. 12825

يُولَّى ولا سُلطانَ له ولا المُتولِّي العادلِ؛ لأنه قد ذكَرَ أنهم يَستأثرونَ، فدَلَّ على أنه نهَى عن مُنازعةِ وليِّ الأمرِ وإنْ كانَ مُستأثرًا، وهذا بابٌ واسعٌ (١). وقالَ الإمامُ الخِرشيُّ ﵀: رَوى ابنُ القاسمِ عن مالكٍ: إنْ كانَ الإمامُ مثلَ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ وجَبَ على الناسِ الذَّبُّ عنه والقِتالُ معه، وأما غيرُه فلا، دَعْهُ وما يُرادُ منه، يَنتقمُ اللهُ مِنْ الظالمِ بظالمٍ ثم يَنتقمُ مِنْ كِلَيهما (٢). وقالَ الإمامُ الدُّسوقيُّ ﵀: ولا يَجوزُ الخُروجُ عليهِ؛ تَقديمًا لأخَفِّ المَفسدتَينِ، اللهمَّ إلا أنْ يَقومَ عليهِ إمامٌ عَدلٌ، فيَجوزُ الخُروجُ عليهِ وإعانةُ ذلكَ القائمِ (٣). فعامَّةُ مَنْ منَعَ الخروجَ على الحاكمِ الظالمِ إنما قالَ ذلكَ خَشيةَ وُقوعِ الفِتنةِ وارتكابَ أخَفِّ الضَّررينِ، فأما إذا وُجدَ عَدلٌ فأجازَ كثيرٌ مِنْ العُلماءِ -ومنهُم المالِكيةُ كما تَقدَّمَ في كَلامِ الدُّسوقيِّ- الخُروجَ على الحاكِمِ الظالِمِ وإعانةَ ذلكَ القائمِ.

стр. 12826

كتاب الجنايات والجراح

стр. 12827

كتاب الجنايات والجراح تَعريفُ الجِنايةِ: الجِناياتُ: جَمعُ جِنايةٍ، وهيَ في اللُّغةِ مَصدرُ جَنَى يَجنِي، إذا أذنَبَ، وجَنَى على نَفسِه: أسَاءَ إِليهَا، وجَنَى عَلى قَومِه: أَذنَبَ ذَنبًا يُؤخَذُ به. وتُطلَقُ الجِنايةُ على التَّعدِّي على بَدنٍ أو مالٍ أو عِرضٍ. وهيَ: كلُّ فِعلٍ مَحظورٍ يَتضمَّنُ ضَررًا. وقالَ أبو السَّعاداتِ: الجِنايةُ: الجُرمُ والذَّنبُ وما يَفعلُه الإنسانُ ممَّا يُوجِبُ عليهِ القِصاصَ والعِقابَ في الدُّنيا والآخِرةِ (١). وأمَّا الجِنايةُ في الاصطِلاحِ فعرَّفَها الفُقهاءُ بتَعريفاتٍ مُتقارِبةٍ.

стр. 12828

قالَ الحَنفيةُ: الجِنايةُ شَرعًا: عِبارةٌ عن فِعلٍ مُحرَّمٍ واقِعٍ في النُّفوسِ-ويُسمَّى قَتلًا- والأطرافِ -ويُسمَّى قَطعًا أو جَرحًا-. ويُقالَ: الجِنايةُ ما يَفعلُه الإنسانُ بغَيرِه أو بمالِ غَيرِه على وَجهِ التَّعدِّي، وهي تَعُمُّ الأنفُسَ والأطرافَ والأموالَ، إلَّا أنَّ اسمَها اختَصَّ بالأنفُسِ في تَعارُفِ أهلِ الشَّرعِ، ولهذا سمَّى الفُقهاءُ التَّعدِّيَ في الأنفُسِ جِنايةً، والتَّعدِّيَ في الأموالِ غَصبًا وإتلافًا. والمُرادُ بالعُدوانِ على النَّفسِ القَتلُ، سَواءٌ كانَ عَمدًا أو خَطأً، وبالعُدوانِ على الأطرافِ قَطعُ اليدِ أو الرِّجلِ أو فَقأُ العَينِ مَثلًا (١). وقالَ الحَنابلةُ: هيَ كلُّ فِعلِ عُدوانٍ على نَفسٍ أو مالٍ، لكنَّها في العُرفِ مَخصوصةٌ بما يَحصلُ فيه التَّعدِّي على الأبدانِ بما يُوجِبُ قِصاصًا أو نحوَه، وسَمَّوا الجِنايةَ على الأموالِ غَصبًا ونَهبًا وسَرقةً وإتلافًا (٢). ويُسمِّي بعضُ الفُقهاءِ كِتابَ الجِناياتِ بكِتابِ القِصاصِ وكِتابِ الدِّماءِ وكِتابِ الجِراحِ؛ تَغليبًا؛ لأنَّ الجِراحةَ أغلَبُ طُرقِ القَتلِ (٣). نُبيِّنُ في هذا البابِ أحكامَ الجِنايةِ على النَّفسِ أو على ما دُونَها مِنْ طَرفٍ أو غَيرِه كمُوضِحةٍ عَمدًا أو خَطأً، وما يَتعلَّقُ بذلكَ مِنْ قِصاصٍ وغَيرِه.

стр. 12829

حُكمُ الجِنايةِ شَرعًا: الجِنايةُ على البَدنِ حَرامٌ شَرعًا ومَنهيٌّ عنها، وهيَ مِنْ أكبَرِ الكَبائرِ، فلا يَجوزُ التَّعدِّي على الأبدانِ، ولا تَوجيهُ الأَذى إليهَا. ودَليلُ الحُرمةِ الكِتابُ والسُّنةُ والإجماعُ: أمَّا الكِتابُ: فقَولُ اللهِ ﵎: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾ [الإسراء: ٣٣]. أي: أَثبَتنَا لوَليِّه سَلطَنةَ القَتلِ. وقَولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢]. أي: ما يَنبغي أنْ يَصدُرَ مِنه قَتلٌ له. وقَولُه تعالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣]. وأمَّا الأدلَّةُ مِنْ السُّنةِ فكَثيرةٌ: منها: ما رَواهُ عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «لا يَحلُّ دَمُ امرِئٍ مُسلمٍ يَشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأني رَسولُ اللهِ إلا بإحدَى ثَلاثٍ: النَّفسُ بالنَّفسِ، والثَّيبُ الزَّاني، والمَارقُ مِنْ الدِّينِ التارِكُ للجَماعةِ» (١). وأمَّا الإجماعُ: فقدِ انعَقدَ إجماعُ المُسلمِينَ على تَحريمِ القَتلِ بغَيرِ حَقٍّ، ولم يُخالِفْ بذلكَ أحَدٌ، وهو مِنْ أكبَرِ الكَبائرِ بعدَ الكُفرِ باللَّهِ تَعالَى.

стр. 12830

قالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: لا خِلافَ بينَ الأمَّةِ في تَحريمِ القَتلِ بغيرِ حَقٍّ (١). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قالَ البَغويُّ: وهوَ -أي القَتلُ- أكبَرُ الكَبائرِ بعدَ الكُفرِ، وكذا نَصَّ عليهِ الشافِعيُّ (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأجمَعَ المُسلمونَ على تَحريمِ القَتلِ بغَيرِ حَقٍّ (٣). هل تُقبَلُ تَوبةُ القاتِلِ العَمدِ: إذا ثبَتَ هذا فمَن قتَلَ مُؤمنًا مُتعمِّدًا بغَيرِ حَقٍّ .. فسَقَ واستَوجبَ النارَ إلا أنْ يَتوبَ، وتُقبلُ التَّوبةُ منهُ عندَ أكثَرِ العُلماءِ، فإنْ قتَلَ مُسلمًا ثمَّ ماتَ قبْلَ التَّوبةِ منهُ لا يَتحتَّمُ دُخولُه النارَ، بل هو في مَشيئةِ اللهِ كسائِرِ الكَبائرِ، فإنْ دخَلَها لم يُخلَّدْ فيها. وحُكيَ عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنه قالَ: «لا تُقبَلُ تَوبةُ القاتِلِ؛ لقَولُه تعالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣]»، وهيَ مِنْ آخِرِ ما نزَلَ، قالَ ابنُ عبَّاسٍ ﵄: «ولَم يَنسخْها شَيءٌ»، ولأنَّ لفْظَ الآيةِ لَفظُ الخبَرِ، والأخبارُ لا يَدخلُها نَسخٌ ولا تَغييرٌ؛ لأنَّ خبَرَ اللهِ تعالَى لا يَكونُ إلا صِدقًا.

стр. 12831

والدَّليلُ على قَبولِ تَوبتِه قولُه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] إلى قَولِه: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان: ٧٠]. وقَولُ اللهِ تعالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فجعَلَه داخِلًا في المَشيئةِ. وقالَ تعالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]. ولحَديثِ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ ﵁ أنَّ نَبيَّ اللهِ ﷺ قالَ: «كانَ فيمَن كانَ قبلَكُم رَجلٌ قتَلَ تِسعةً وتِسعينَ نفسًا، فسَألَ عن أعلَمِ أهلِ الأرضِ فدُلَّ على راهبٍ، فأتَاهُ فقالَ إنهُ قتَلَ تِسعةً وتِسعينَ نفسًا فهلْ له مِنْ تَوبةٍ؟ فقالَ: لا، فقتَلَه فكمَّلَ به مِائةً، ثمَّ سَألَ عن أعلَمِ أهلِ الأرضِ فدُلَّ على رَجلٍ عالمٍ فقالَ إنه قتَلَ مِائةَ نَفسٍ فهلْ له مِنْ تَوبةٍ؟ فقالَ: نعمْ، ومَن يَحولُ بينَه وبينَ التَّوبةِ؟! انطَلِقْ إلى أرضِ كذا وكذا فإنَّ بها أُناسًا يَعبدُونَ اللهَ فاعبُدِ اللهَ معَهُم، ولا تَرجعْ إلى أرضِكَ فإنَّها أرضُ سَوءٍ، فانطَلقَ حتى إذا نصَفَ الطَّريقَ أتاهُ المَوتُ، فاختَصمَتْ فيه مَلائِكةُ الرَّحمةِ ومَلائكةُ العَذابِ، فقالَتْ مَلائكةُ الرَّحمةِ: جاءَ تائبًا مُقبِلًا بقَلبِه إلى اللهِ، وقالَتْ مَلائِكةُ العَذابِ: إنه لم يَعملْ خَيرًا قطُّ، فأتَاهُم ملَكٌ في صُورةِ آدَميٍّ فجَعلُوهُ بينَهُم فقالَ: قِيسُوا ما بينَ الأرضَينِ، فإلى أيَّتِهما كانَ أدنَى فهُو له، فقاسُوهُ فوَجَدوهُ أدنَى إلى الأرضِ التي أرادَ، فقبَضَتهُ مَلائكةُ الرَّحمةِ» (١).

стр. 12832

قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قَولُه ﷺ : «إنَّ رَجلًا قتَلَ تِسعًا وتِسعينَ نَفسًا ثم قتَلَ تَمامَ المِائةِ ثمَّ أفتاهُ العالِمُ بأنَّ له تَوبةً»، هذا مَذهبُ أهلِ العِلمِ، وإجماعُهم على صِحةِ تَوبةِ القاتِلِ عَمدًا، ولم يُخالِفْ أحدٌ منهُم إلا ابنَ عبَّاسٍ، وأما ما نُقلَ عن بَعضِ السلفِ مِنْ خِلافِ هذا فمُرادُ قائِلِه الزَّجرُ عن سَببِ التَّوبةِ، لا أنه يَعتقدُ بُطلانَ تَوبتِه (١). وعن عَبدِ اللهِ أنَّ عُبادةَ بنَ الصَّامتِ ﵁ وكانَ شَهِدَ بَدرًا وهو أحَدُ النُّقباءِ لَيلةَ العَقَبةِ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ وحَولَه عِصابةٌ مِنْ أصحابِه: «بايِعُونِي على أنْ لا تُشرِكُوا باللهِ شَيئًا ولا تَسرقُوا ولا تَزنُوا ولا تَقتلُوا أولادَكُم ولا تَأتُوا ببُهتانٍ تَفترونَه بينَ أيدِيكُم وأرجُلِكُم ولا تَعصُوا في مَعروفٍ، فمَن وَفِيَ مِنْكُمْ فأَجرُهُ على اللهِ، ومَن أصابَ مِنْ ذلكَ شَيئًا فعُوقِبَ في الدُّنيا فهو كفَّارةٌ له، ومَن أصابَ مِنْ ذلكَ شَيئًا ثمَّ سَتَرَه اللهُ فهو إلى اللهِ؛ إنْ شاءَ عَفَا عنه، وإنْ شاءَ عاقَبَه، فبايَعْناهُ على ذلكَ» (٢). قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: إجماعُ أهلِ الحَقِّ على أنَّ الزانِيَ والسارِقَ والقاتِلَ وغيرَهُم مِنْ أصحابِ الكَبائرِ غيرِ الشِّركِ لا يَكفرونَ بذلكَ، بل هُمْ مُؤمنونَ ناقِصُو الإيمانِ، إنْ تابُوا سَقطَتْ عُقوبتُهم، وإنْ ماتوا مُصرِّينَ على الكَبائرِ كانُوا في المَشيئةِ؛ فإنْ شاءَ اللهُ تعالَى عفَا عنهُم وأدخَلَهُم الجُنةَ أوَّلًا، وإنْ شاءَ عذَّبَهم ثمَّ أدخَلَهم الجُنةَ (٣).

стр. 12833

ولأنَّ التوبةَ تَصحُّ مِنْ الكُفرِ، فمِن القَتلِ أَولى، والآيةُ مَحمولةٌ على مَنْ لم يَتُبْ، أو على أنَّ هذا جَزاؤُه إنْ جازَاهُ، وله العَفوُ إذا شاءَ، وقَولُه: «لا يَدخلُها النَّسخُ» قُلنا: لكنْ يَدخلُها التَّخصيصُ والتأويلُ (١). أَقسامُ الجِنايةِ: قُلنا فيما سبَقَ: إنَّ الجِنايةَ شَرعًا هي التَّعدِّي على البَدنِ، وهذا التَّعدِّي: - إمَّا أنْ يَكونَ بإزهاقِ الرُّوحِ، وهو القَتلُ. - وإمَّا أنْ يَكونَ واقِعًا على عُضوٍ مِنْ الأعضاءِ دونَ إزهاقِ رُوحٍ، كقَطعِ يَدٍ أو قَلعِ عَينٍ أو قَطعِ أُذنٍ أو أَنفٍ أو ما شابَهَ ذلكَ. ولِكلِّ قِسمٍ مِنْ هَذينِ القِسمَينِ أحكامٌ تَتعلَّقُ به، سنُبيِّنُها إنْ شاءَ اللهُ تعالَى. أولاً: الجِنايةُ على النَّفسِ: ويُقصَدُ بالجِنايةِ على النَّفسِ هُنا القَتلُ وإزهاقُ الرُّوحِ، وهي أنواعٌ ثَلاثةٌ، لكلِّ نَوعٍ مِنها حُكمٌ يُبيَّنُ فِي حِينِه. أقسامُ القَتلِ: القَتلُ بغَيرِ حَقٍّ خَمسةُ أقسامٍ: ١ - عَمدٌ مَحضٌ. ٢ - وخَطأٌ مَحضٌ، وهذانِ مُتفَقٌ عليهِما.

стр. 12834

٣ - وعَمدٌ خَطأٌ، أو شِبهُ عَمدٍ، وبه قالَ الجُمهورُ خِلافًا للمالِكيةِ. وزادَ الحَنفيةُ نَوعانِ داخِلانِ في حُكمِ الخَطأِ: ٤ - وما أُجرِيَ مَجرَى الخَطأِ. ٥ - والقَتلِ بسَببٍ. القِسمُ الأولُ: القَتلُ العَمدُ: تَعريفُ القَتلِ العَمدِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في تَعريفِ القَتلِ العَمدِ، هل هو قَصدُ الفِعلِ والشَّخصِ بما يَقتلُ قَطعًا أو غالِبًا؟ أو قَصدُ الفِعلِ فقطْ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ قتْلَ العَمدِ هو أنْ يَقصدَ الفِعلَ والشَّخصَ بما يَقتلُ غالِبًا، ويَقصدُ قتْلَه بذلكَ. قالَ المالِكيةُ: القَتلُ العَمدُ: ما قُصدَ به إتلافُ النَّفسِ بآلةٍ تَقتلُ غالِبًا ولو بمُثقَّلٍ أو بإصابةِ المَقتلِ كعَصرِ الأُنثَيينِ وشِدةِ الضَّغطِ والخَنقِ أو يُطبقَ عليهِ بَيتًا ويَمنعَه الغِذاءَ حتَّى يَموتَ جُوعًا (١). وقيلَ: شَرطُ القَتلِ المُوجِبِ للقِصاصِ أنْ يَقصدَ القاتِلُ الضَّربَ -أي يَقصدَ إيقاعَه-، ولا يُشترطَ قَصدُ القَتلِ في غيرِ جِنايةِ الأصلِ على فَرعِه، فإذا قصَدَ ضرْبَه بما يَقتلُ غالِبًا فماتَ مِنْ ذلكَ فإنه يُقتَصُّ له، وكذا إذا قصَدَ ضرْبَه بما لا يَقتلُ غالبًا فماتَ مِنْ ذلكَ فإنه يُقتَصُّ له منهُ وإنْ كانَ بقَضيبٍ.

стр. 12835

فإنْ لم يَقصدْ ضرْبَه وثبَتَ ذلكَ إما ببَينةٍ أو بإقرارِ المَجنِي عليهِ فإنه لا قوَدَ عليهِ؛ لأنه خَطأٌ، وفيهِ الديَةُ على العاقِلةِ. وسَواءٌ قصَدَ الشَّخصَ المَضروبَ نفْسَه أو قصَدَ أنْ يَضربَ شَخصًا عُدوانًا فأصابَ غيرَه، فإنه يُقتلُ به، وما قِيلَ: «إنه مِنْ الخَطأِ» ضَعيفٌ. وأما لو قصَدَ ضرْبَ مَنْ يَحلُّ له ضَربُه فأصابَ غيرَه فهو خَطأٌ، بشَرطِ ضَربِ اللَّعبِ أو الأدَبِ، وقَولُنا: «في غَيرِ جِنايةِ الأصلِ .. إلخ» مُخرَّجٌ لجِنايةِ الأبِ على وَلدِه، فإنَّ قَصْدَ ضَربِه لا يَكونُ مُوجِبًا لقَتلِه كغَيرِه؛ لأنه كانَ سَببًا في إخراجِ الوَلدِ مِنْ العَدمِ إلى الوُجودِ، فلا يُقتلُ به، إلا إذا قصَدَ إزهاقَ رُوحِه (١). قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: واعلَمْ أنَّ القَتلَ على أوجُهٍ: الأولُ: أنْ لا يَقصدَ ضرْبَه، كرَميِه شَيئًا أو حَربيًّا فيُصيبَ مُسلمًا، فهذا خَطأٌ بإجماعٍ، فيهِ الديَةُ والكفَّارةُ. الثاني: أنْ يَقصدَ الضَّربَ على وَجهِ اللَّعبِ، فهو خَطأٌ على قَولِ ابنِ القاسِمِ ورُوايتِه في «المُدوَّنة»، خِلافًا لمُطرِّفٍ وابنِ الماجشُونِ، ومثلُه إذا قصَدَ به الأدبَ الجائِزَ، بأنْ كانَ بآلةٍ يُؤدبُ بها، وأما إنْ كانَ الضَّربُ للتأديبِ والغَضبِ فالمَشهورُ أنه عَمدٌ يُقتَصُّ منه، إلا في الأبِ ونحوِه فلا قِصاصَ، بل فيهِ دِيةٌ مُغلَّظةٌ.

стр. 12836

الثالِثُ: أنْ يَقصدَ القَتلَ على وَجهِ الغِيلةِ، فيَتحتَّمُ القَتلُ، ولا عَفوَ، قالَه ابنُ رُشدٍ في «المُقدِّمات» (١). وقالَ الشافِعيةُ: قَتلُ العَمدِ المَحضُ: أنْ يَقصدَ الفِعلَ والشَّخصَ المُعيَّنَ بشَيءٍ يَقتلُ غالبًا، فلا يُسمَّى قتْلَ عَمدٍ إلا إذا تَحقَّقَ فيهِ أمرَانِ: أحَدُهما: قَصدُ الشَّخصِ بالقَتلِ، فلو كانَ غيرَ قاصِدٍ لقَتلِه فإنه لا يُسمَّى عَمدًا، كمَن رَمَى سَهمًا يُريدُ صَيدًا فأصابَ شَخصًا فقتَلَه. ثانيهمَا: أنْ تَكونَ الوسِيلةُ في القَتلِ ممَّا يَقتلُ غالبًا، فلو أنه ضرَبَه بِعَصًا صَغيرةٍ أو بحَصاةٍ صَغيرةٍ في غيرِ مَقتلٍ فماتَ مِنْ ذلكَ الضَّربِ فإنه لا يُسمَّى ذلكَ القَتلُ قتْلَ عَمدٍ؛ لأنَّ تلكَ الوَسيلةَ لا تَقتلُ في الغالبِ (٢). وقالَ الحَنابلةُ: قَتلُ العَمدِ الذي يَختصُّ به القَودُ: أنْ يَقصدَ الجانِي مَنْ يَعلَمُه آدَميًّا مَعصومًا فيَقتلَه بشَيءٍ يَغلبُ على الظنِّ مَوتُه بهِ، مُحدَّدًا كانَ أو غيرَه، فلا قِصاصَ إنْ لم يَقصدِ القَتلَ، أو قصَدَه بما لا يَقتلُ غالِبًا (٣). وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ قتْلَ العَمدِ هو: أنْ يَتعمَّدَ ضرْبَ الآدَميِّ في أيِّ مَوضعٍ مِنْ جَسدهِ بآلةٍ تُفرِّقُ الأجزاءَ، مثلَ سِلاحٍ ومُثقَّلٍ ولو مِنْ حَديدٍ، ولو لم يَقصدْ قتْلَه؛ لأنَّ العَمدَ هو القَصدُ، ولا يُوقَفُ عليهِ إلا بدَليلِه، ودَليلُه

стр. 12837

استِعمالُ القاتِلِ آلَتَه، فأُقيمَ الدَّليلُ مَقامَ المَدلولِ؛ لأنَّ الدَّلائلَ تَقومُ مَقامَ مَدلولاتِها في المَعارفِ الظنِّيةِ الشَّرعيةِ. ويَجبُ القِصاصُ وإنْ لم يَذكرِ الشُّهودُ العَمدَ (١). صُوَرُ القَتلِ العَمدِ: القَتلُ العَمدُ له صُورٌ، مِنْ هذهِ الصُّورِ ما هو مُتفَقٌ عليهِ بينَ الفُقهاءِ، ومنها ما هو مُختلَفٌ فيه هل هو قَتلُ عَمدٍ يُوجِبُ القِصاصَ؟ أم هو خَطأٌ أو شِبهُ عَمدٍ تَجبُ فيه الديَةُ دونَ القِصاصِ؟ الصُّورةُ الأُولى: أنْ يَضربَه بمُحدَّدٍ: وهذهِ الصُّورةُ لا تَخلُو مِنْ ضَربينِ: الضَّربُ الأولُ: لا خِلافَ فيه بينَ العُلماءِ أنه يَجبُ فيه القِصاصُ: وهو أنْ يَضربَه بمُحدَّدٍ، وهو ما يَقطعُ ويَدخلُ في البَدنِ كالسيفِ والسِّكينِ والسِّنانِ وما في مَعناهُ، فيَجرحُ مِنْ الحَديدِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ والذَّهبِ والفِضةِ والزُّجاجِ والحَجرِ والقَصبِ والخَشبِ، فهذا كلُّه إذا جرَحَ به جُرحًا كَبيرًا فماتَ فهو قَتلُ عَمدٍ لا خِلافَ فيه بينَ العُلماءِ (٢).

стр. 12838

والضَّربُ الثانِي: مُختلَفٌ فيه: وهو أنْ يَقتلَه بجُرحٍ صَغيرٍ أو بغَرزِ إبرةٍ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو جرَحَ إنسانًا جُرحًا صَغيرًا كشَرطةِ الحجَّامِ أو غَرزةٍ بإبرةٍ أو شَوكةٍ ونَحوِها مِنْ كلِّ مُحدَّدٍ، فهذا لا يَخلو مِنْ حالتَينِ: الحالَةُ الأُولى: أنْ يَجرحَه في مَقتلٍ كالعَينِ والفُؤادِ والخاصِرةِ والصَّدغِ وأصلِ الأُذنِ والخِصيتينِ، فماتَ فهو عَمدٌ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ في المَذهبِ والشافِعيةِ والحَنبليةِ؛ لأنَّ الإصابةَ بذلكَ في المَقتلِ كالجَرحِ بالسِّكينِ في غيرِ المَقتلِ. وفي رِوايةٍ عن أبي حَنفيةَ أنه لو ضرَبَ رَجلًا بإبرةٍ وما يُشبهُ الإبرةَ عَمدًا فماتَ فلا قوَدَ عليهِ، وفي المِسلَّةِ القَودُ؛ لأنَّ الإبرةَ لا يُقصدُ بها القَتلُ عادَةً ويُقصَدُ بالمِسلةِ. وفي رِوايةٍ: إنْ غرَزَ بالإبرةِ في المَقتلِ قُتلَ، وإلا فَلا. الحالةُ الثانِيةُ: أنْ يَجرحَه في غيرِ مَقتلٍ، فهذا فيه خِلافٌ وتَفصيلٌ: قالَ الحَنفيةُ في المَذهبِ: إنْ جرَحَه في غيرِ مَقتلٍ بالإبرةِ مَثلًا فلا قِصاصَ فيه.

стр. 12839

وفي رِوايةٍ: فيه القِصاصُ، ولا فرْقَ بينَ أنْ يَكونَ في مَقتلٍ أو لا (١). وقالَ الشافِعيةُ: إنْ غرَزَه بالإبرةِ في غيرِ مَقتلٍ نُظرَ؛ إنْ ظهَرَ أثرُ الغَرزِ بأنْ تَورَّمَ المَوضعُ للإمعانِ في الغَرزِ والتَّوغلِ في اللَّحمِ وبقيَ مُتألِّمًا إلى أنْ ماتَ وجَبَ القِصاصُ على المَذهبِ. وإنْ لم يَظهرْ أثرٌ وماتَ في الحَالِ فثَلاثةُ أوجُهٍ: أصحها: لا يَجبُ القِصاصُ، ولكنَّه شِبهُ عَمدٍ، فيَجبُ الديَةُ. والثاني: يَجبُ القِصاصُ. والثالِثُ: لا يَجبُ قِصاصٌ ولا دِيةٌ؛ إحالةً للمَوتِ على سَببٍ آخَرَ. أما إذا تأخَّرَ المَوتُ عن الغَرزِ فلا ضَمانَ قَطعًا. وهذا التَّفصيلُ بينَ المَقتلِ وغيرِه إنما هو في حَقِّ المُعتدلِ، أما إذا غرَزَ في بَدنِ صَغيرٍ أو شَيخٍ هَرِمٍ أو نَضوِ الخِلقةِ في أيِّ مَوضعٍ كانَ فإنه يَجبُ القِصاصُ. ولو غرَزَها فيما لا يُؤلمُ كجِلدةِ عَقبٍ ولم يُبالغْ في إدخالِها فماتَ فلا شيءَ في غَرزِها بحالٍ، سَواءٌ أمَاتَ في الحالِ أم بَعدَه؛ للعِلمِ بأنه لم يَمُتْ منه، وإنما هو مُوافَقةُ قَدرٍ، كما إذا ألقَى عليهِ خِرقةً أو ضرَبَه بقَلمٍ فماتَ، أما إذا بالَغَ فيَجبُ القَودُ قَطعًا (٢).

стр. 12840

وقالَ الحَنابلةُ: وإنْ جرَحَه في غيرِ مَقتلٍ فإنْ كانَ قد بالَغَ في إدخالِها في البَدنِ فهو كالجُرحِ الكَبيرِ؛ لأنَّ هذا يَشتدُّ ألَمُه ويُفضي إلى القَتلِ كالكَبيرِ. وإنْ كانَ الغَورُ يَسيرًا أو جرَحَه بالكَبيرِ جُرحًا لَطيفًا كشَرطةِ الحجَّامِ فما دُونَها؛ فإنْ بَقيَ مِنْ ذلكَ ضَمَّنَّا حتَّى ماتَ ففيهِ القَودُ؛ لأنَّ الظاهِرَ أنه ماتَ منهُ، وإنْ ماتَ في الحالِ ففيهِ وَجهانِ: أحَدُهما: لا قِصاصَ فيه، قالَه ابنُ حامِدٍ؛ لأنَّ الظاهِرَ أنه لم يَمتْ منه. والثَّاني: فيه القِصاصُ؛ لأنَّ المُحدَّدَ لا يُعتبَرُ فيه غَلبةُ الظنِّ في حُصولِ القَتلِ به؛ بدَليلِ ما لو قطَعَ شَحمةَ أُذنِه أو قطَعَ أُنمُلتَه، ولأنه لمَّا لم يُمكِنْ إدارةُ الحُكمِ وضَبطُه بغَلبةِ الظنِّ وجَبَ رَبطُه بكَونِه مُحدَّدًا، ولا يُعتبَرُ ظُهورُ الحُكمِ في آحادِ صُورِ المَظنةِ، بل يَكفِي احتِمالُ الحِكمةِ، ولذلكَ ثبَتَ الحُكمُ به فيما إذا بَقيَ ضِمْنًا، مع أنَّ العَمدَ لا يَختلفُ مع اتِّحادِ الآلةِ والفِعلِ بسُرعةِ الإفضاءِ وإبطائِه، ولأنَّ في البَدنِ مَقاتلَ خَفيةً، وهذا له سِرايةٌ ومَوتٌ، فأشبَهَ الجُرحَ الكَبيرَ، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرقيِّ، فإنه لم يُفرِّقْ بينَ الصَّغيرِ والكَبيرِ، وهو مَذهبُ أبي حَنيفةَ، وللشافِعيِّ مِنْ التَّفصيلِ نَحوٌ ممَّا ذكَرْنا (١). أما المالِكيةُ فلَم أقَفْ لهم على قَولٍ في هَذهِ المَسألةِ.

стр. 12841

الصُّورةُ الثانِيةُ: القَتلُ بغَيرِ المحدَّدِ ممَّا يَغلبُ على الظَّنِّ حُصولُ الزُّهوقِ به عندَ استِعمالِه: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو قتَلَ إنسانًا بغَيرِ مُحدَّدٍ ممَّا يَغلبُ على الظنِّ حُصولُ الزُّهوقِ به، كمَن ضرَبَ آخَرَ بحَديدٍ أو خَشبٍ أو ألقَى عليهِ حائِطًا أو حَجرًا كَبيرًا لا حَدَّ فيه أو رَضَّ رَأسَه بحَجرٍ، هل هو عَمدٌ يُوجِبُ القِصاصَ؟ أم ليسَ بعَمدٍ ولا يُوجبُ القِصاصَ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ وأبو يُوسفَ ومُحمدٌ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنه عَمدٌ يُوجِبُ القِصاصَ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، وهذا مَقتولٌ ظُلمًا. وقالَ اللهُ تعالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]. ورَوى أنسٌ ﵁ «أنَّ يَهوديًّا قتَلَ جارِيةً على أوضَاحٍ لها فقتَلَها بحَجرٍ، فجِيءَ بها إلى النبيِّ ﷺ وبها رَمقٌ فقالَ: أقتَلَكِ فُلانٌ؟ فأشارَتْ برَأسِها أنْ لا، ثمَّ قالَ الثانِيةَ، فأشارَتْ برَأسِها أنْ لا، ثمَّ سَألَها الثالِثةَ، فأشارَتْ برَأسِها أنْ نَعمْ، فقتَلَه النبيُّ ﷺ بحَجرَينِ» (١). وروَى أبو هُريرةَ ﵁ قالَ: قامَ رَسولُ اللهِ ﷺ فقالَ: «ومَن قُتلَ له قَتيلٌ فهو بخَيرٍ النَّظرينِ: إما يُودَى، وإمَّا أنْ يُقادَ» (٢)، ولأنه يَقتلُ غالِبًا، فأشبَهَ المُحدَّدَ.

стр. 12842

وعن عَمرِو بنِ دِينارٍ أنه سَمعَ طاوُسًا عن ابن عبَّاسٍ عن عُمرَ أنه سَألَ عن قَضيةِ النبيِّ ﷺ في ذلكَ، فقامَ حمَلُ بنُ مالكِ بنِ النابِغةِ فقالَ: «كُنْتُ بينَ امرَأتينِ فضرَبَتْ إحداهُما الأُخرى بمِسطحٍ فقتَلَتْها وجَنينَها، فقَضَى رَسولُ اللهِ ﷺ في جَنينِها بغُرَّةٍ وأنْ تُقتلَ بها» (١)، قالَ أبو عُبيدٍ: المِسطحُ: عُودٌ مِنْ أعوَادِ الخِباءِ، أي: خَشبةٌ كَبيرةٌ تُركزُ في وَسطِ الخَيمةِ. ولأنها آلةٌ يُقصدُ بها القَتلُ في الغالِبِ، فجازَ أنْ يَجبَ القَودَ بها، أصلُه المُحدَّدُ، ولأنه تَعمَّدَ قتْلَ مُكافِئٍ لدَمِه ظُلمًا، فأشبَهَ أنْ يَحرقَه بالنارِ، ولأنَّ في إسقاطِ ذلكَ ذَريعةً إلى التَّسرعِ إلى القَتلِ (٢).

стр. 12843

وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ إلى أنه لا قوَدَ في ذلكَ، ولا قوَدَ إلا إذا قتَلَه بمُحدَّدٍ أو قتَلَه بالنارِ، ولا قتْلَ في مُثقَّلِ الخَشب ولا غَيرِه، وعنهُ في مُثقلِ الحَديدِ رِوايتانِ: المَذهبُ أنَّ فيه القوَدَ. لقَولِ النبيِّ ﷺ : «قَتيلُ الخَطأِ شِبهِ العَمدِ قَتيلُ السَّوطِ والعَصَا، مِائةٌ مِنْ الإبِلِ، أربَعونَ مِنها خَلفةٌ في بُطونِها أولادُها» (١)، فسَمَّاهُ عمْدَ الخَطأِ وأوجَبَ فيه الديَةَ دونَ القِصاصِ، ولأنَّ العَمدَ لا يُمكنُ اعتِبارُه بنَفسِه، فيَجبُ ضَبطُه بمَظنَّتِه، ولا يُمكنُ ضَبطُه بما يَقتلُ غالِبًا؛ لحُصولِ العَمدِ بدُونِه في الجُرحِ الصَّغيرِ، فوجَبَ ضَبطُه بالجُرحِ. ولأنَّ القَتلَ بآلةٍ غيرِ مُعدَّةٍ للقَتلِ دَليلُ عَدمِ القَصدِ؛ لأنَّ تَحصيلَ كلِّ فِعلٍ بالآلةِ المُعدَّةِ له، فحُصولُه بغَيرِ ما أُعِدَّ له دَليلُ عَدمِ القَصدِ، والمُثقَّلُ وما يَجرِي مَجراهُ ليسَ بمُعَدٍّ للقَتلِ عادةً، فكانَ القَتلُ به دَلالةَ عَدمِ القَصدِ، فيَتمكنُ في العَمديةِ شُبهةُ العَمدِ، بخِلافِ القتلِ بحَديدٍ لا حَدَّ له؛ لأنَّ الحَديدَ آلةٌ مُعدَّةٌ للقَتلِ، قالَ اللهُ ﵎: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥]، والقَتلُ بالعَمودِ مُعتادٌ، فكانَ القَتلُ به دَليلَ القَصدِ، فيَتمحَّضُ عَمدًا (٢).

стр. 12844

صور هذا النَّوعِ مِنْ القَتلِ عندَ الفُقهاءِ الَّذينَ قالُوا أنه عَمدٌ: لهذا النَّوعِ مِنْ القَتلِ عِدَّةُ صُورٍ أدرَجَها الجُمهورُ في حُكمِ قَتلِ العَمدِ، ومِن هذهِ الصُّورِ ما يلي: أحَدُها: أنْ يَضربَه بمُثقَّلٍ كَبيرٍ يَقتلُ مثلُه غالِبًا: ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ وأبو يُوسفَ ومُحمدٌ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنَّ الإنسانَ إذا ضرَبَ غيرَه بمُثقلٍ كَبيرٍ يَقتلُ مِثلُه غالبًا -سَواءٌ كانَ مِنْ حَديدٍ كاللَّتِ والسِّندانِ والمِطرقةِ، أو حَجرٍ ثَقيلَ أو خَشبةٍ كَبيرةٍ- فماتَ ففيهِ القِصاصُ وهو قَتلُ عَمدٍ؛ لِما رَوى أنسٌ ﵁ «أنَّ يَهوديًّا قتَلَ جارِيةً على أوضَاحٍ لها فقتَلَها بحَجرٍ، فجِيءَ بها إلى النبيِّ ﷺ وبها رَمقٌ فقالَ: أقتَلَكِ فُلانٌ؟ فأشارَتْ برَأسِها أنْ لا، ثمَّ قالَ الثانِيةَ، فأشارَتْ برَأسِها أنْ لا، ثمَّ سَألَها الثالِثةَ، فأشارَتْ برَأسِها أنْ نَعمْ، فقتَلَه النبيُّ ﷺ بحَجرَينِ» (١)، ولأنه يَقتلُ غالِبًا، فأشبَهَ المُحدَّدَ. وعن عَمرِو بنِ دِينارٍ أنه سَمعَ طاوُسًا عن ابن عبَّاسٍ عن عُمرَ أنه سَألَ عن قَضيةِ النبيِّ ﷺ في ذلكَ، فقامَ حمَلُ بنُ مالكِ بنِ النابِغةِ فقالَ: «كُنْتُ بينَ امرَأتينِ فضرَبَتْ إحداهُما الأُخرى بمِسطحٍ فقتَلَتْها وجَنينَها، فقَضَى رَسولُ اللهِ ﷺ في جَنينِها بغُرَّةٍ وأنْ تُقتلَ بها» (٢)، قالَ أبو عُبيدٍ:

стр. 12845

المِسطحُ: عُودٌ مِنْ أعوَادِ الخِباءِ، أي: خَشبةٌ كَبيرةٌ تُركزُ في وَسطِ الخَيمةِ. ولأنها آلةٌ يُقصدُ بها القَتلُ في الغالِبِ، فجازَ أنْ يَجبَ القَودَ بها، أصلُه المُحدَّدُ، ولأنه تَعمَّدَ قتْلَ مُكافِئٍ لدَمِه ظُلمًا، فأشبَهَ أنْ يَحرقَه بالنارِ، ولأنَّ في إسقاطِ ذلكَ ذَريعةً إلى التَّسرعِ إلى القَتلِ (١). وحَدَّ الخِرقيُّ مِنْ الحَنابلةِ الخَشبةَ الكَبيرةَ بما فَوقَ عَمودِ الفُسطاطِ، يَعني العُمدَ التي يَتخذُها الأعرابُ لبُيوتِها وفيها دِقةٌ، فأما عُمدُ الخِيامِ فكَبيرةٌ تَقتلُ غالبًا، فلم يُرِدْها الخِرقيُّ، وإنما حَدُّ المُوجِبَ للقِصاصِ ما فَوقَ عَمودِ الفُسطاطِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ «لمَّا سُئلَ عن المَرأةِ التي ضرَبَتْ ضَرَّتَها بعَمودِ فُسطاطٍ فقتَلَتْها وجَنينَها، قَضَى النبيُّ ﷺ في الجَنينِ بغُرَّةٍ، وقَضَى بالديَةِ على عاقِلتِها»، فعَن المُغيرةِ بنِ شُعبةَ «أنَّ امرَأةً قتَلَتْ ضرَّتَهَا بعَمودِ فُسطاطٍ، فأُتِيَ فيه رَسولُ اللهِ ﷺ ، فقَضَى على

стр. 12846

عاقِلتِها بالدِّيةِ، وكانَتْ حامِلًا فقَضَى في الجَنينِ بغُرَّةٍ، فقالَ بعضُ عصَبَتِها: أنَدِي مِنْ لا طَعِمَ ولا شَرِبَ ولا صاحَ فاستَهلَّ، ومِثلُ ذلكَ يُطلُّ؟ قالَ: فقالَ: سَجعٌ كسَجعِ الأعرَابِ» (١). والعاقِلةُ لا تَحملُ العَمدَ، فدَلَّ على أنَّ القَتلَ بعَمودِ الفُسطاطِ ليسَ بعَمدٍ، وإنْ كانَ أعظَمَ منه فهو عَمدٌ؛ لأنه يَقتلُ غالِبًا. ومِن هذا النَّوعِ أنْ يُلقيَ عليهِ حائِطًا أو صَخرةً أو خَشبةً عَظيمةً أو ما أشبَهَ ممَّا يُهلكُه غالِبًا فيُهلكَه ففيهِ القَودُ؛ لأنه يَقتلُ غالِبًا (٢). ثانيًا: أنْ يَضربَه بمُثقلٍ صَغيرٍ كالعَصَى والسَّوطِ والحَجرِ الصَّغيرِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو ضرَبَه بمُثقَّلٍ صَغيرٍ كالحَجرِ الصَّغيرِ أو السَّوطِ أو العصَى فماتَ، هل يَجبُ فيه القِصاصُ أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ -في الجُملةِ- المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ مَنْ ضرَبَ غيرَه بمُثقَّلٍ صَغيرٍ كالعصَى والسَّوطِ والحَجرِ الصَّغيرِ فماتَ وجَبَ فيه القِصاصُ. قالَ المالِكيةُ: شَرطُ القَتلِ المُوجِبِ للقِصاصِ أنْ يَقصدَ القاتلُ الضَّربَ، ولا يُشترطُ قَصدُ القَتلِ، فإذا قصَدَ ضرْبَه بما يَقتلُ غالِبًا فماتَ مِنْ ذلكَ فإنه يُقتصُّ له، وكذا إذا قصَدَ ضرْبَه بما لا يَقتلُ غالبًا كضَربِه بحَجرٍ أو بلَطمةٍ أو

стр. 12847

وَكزةٍ أو بُندُقةٍ أو قَضيبٍ أو عصًا أو غيرِ ذلكَ فماتَ مِنْ ذلكَ فإنه يُقتصُّ له منه، وإنْ لم يَكنْ يَقصدُ قتْلَه فمُجرَّدُ قَصدِ الضَّربِ كافٍ لوُجوبِ القِصاصِ. فإنْ لم يَقصدْ ضرْبَه وثبَتَ ذلكَ إما ببَينةٍ أو بإقرارِ المَجنِي عليهِ فإنه لا قَودَ عليهِ؛ لأنه خَطأٌ، وفيهِ الدِّيةُ على العاقِلةِ. وسَواءٌ قصَدَ الشَّخصَ المَضروبَ نفْسَه أو قصَدَ أنْ يَضربَ شَخصًا عُدوانًا فأصابَ غيرَه، فإنه يُقتلُ به، وما قِيلَ: «إنه مِنْ الخَطأِ» ضَعيفٌ. وأما لو قصَدَ ضرْبَ مَنْ يَحلُّ له ضَربُه فأصابَ غيرَه فهو خَطأٌ، بشَرطِ ضَربِ اللَّعبِ أو الأدَبِ، وكذا إنْ ضرَبَ غيرَه على وَجهِ اللَّعبِ فهو خَطأٌ على الصَّحيحِ، ومِثلُه إذا قصَدَ به الأدبَ الجائِزَ بأنْ كانَ بآلةٍ يُؤدبُ بها، وأما إنْ كانَ الضَّربُ للتأديبِ والغَضبِ فالمَشهورُ أنه عَمدٌ يُقتصُّ منه، إلا في الأبِ ونَحوِه فلا قِصاصَ، بل فيه دِيةٌ مُغلَّظةٌ (١). وقالَ الشافِعيةُ: إنْ ضرَبَه بسَوطٍ أو عَصًا خَفيفةٍ أو رَماهُ بحَجرٍ صَغيرٍ نُظرَ؛ إنْ وَالَى به الضَّربَ بأنْ بلَغَ عَددًا يَقتلُ مِثلُه في الغالبِ على حَسبِ حالِ المَضروب حتَّى ماتَ أو اشتَدَّ الألمُ وبَقيَ مُتألِّمًا حتَّى ماتَ وجَبَ القِصاصُ، وإنْ لم يُوالِ واقتَصرَ على سَوطٍ أو سَوطينِ فإنْ كانَ في مَقتلٍ أو في شِدةِ الحَرِّ أو البَردِ المُعِينينِ على الهَلاكِ أو كانَ المَضروبُ صَغيرًا أو

стр. 12848

ضَعيفًا بأصلِ الخِلقةِ أو بعارضٍ وجَبَ القِصاصُ؛ لأنه مُهلِكٌ غالبًا، وإنْ لم يَكنْ شَيءٌ مِنْ ذلكَ فهو شِبهُ عَمدٍ وفيه الديَةُ (١). وقالَ الحَنابلةُ: إنْ ضرَبَه بمُثقلٍ صَغيرٍ كالعَصَى والسَّوطِ والحَجرِ الصَّغيرِ، أو لكَزَه بيَديهِ في مَقتلٍ أو في حالِ ضَعفٍ مِنْ المَضروبِ لمَرضٍ أو صِغَرٍ، أو في زَمنٍ مُفرطِ الحَرِّ أو البَردِ بحَيثُ تَقتلُه تلكَ الضَّربةُ، أو كرَّرَ الضَّربَ حتى قتَلَه بما يَقتلُ غالبًا ففيهِ القَودَ؛ لأنه قتَلَه بما يَقتلُ مِثلُه غالبًا، فأشبَهَ الضَّربَ بمُثقلٍ كَبيرٍ. وإنِ ادَّعَى المَرضَ في ذلكَ كلِّه لم يُقبلْ، وكذا إنْ قالَ: «لم أَقصدْ قتْلَه» لم يُصدَّقْ؛ لأنَّ الظاهِرَ خِلافُه. ومِن هذا النَّوعِ لو عصَرَ خِصيتَه عَصرًا شَديدًا فقتَلَه بعَصرٍ يَقتلُ مِثلُه غالبًا فعليهِ القَودُ. وإنْ لم يَكنِ الضَّربُ بذلكَ في مَقتلٍ ولا في حالَةِ ضَعفِ قُوةٍ ونحوِه فهو عَمدُ الخَطأِ، وفيه الدِّيةُ، إلا أنْ يَصغرَ جِدًّا كالضَّربةِ بالقَلمِ والأصبَعِ في غَيرِ مَقتلٍ ونحوِ هذا ممَّا لا يُتوهَّمُ القَتلُ به فلا قوَدَ فيه ولا ديَةَ؛ لأنه لم يَمتْ به، وكذلكَ إنْ مَسَّه بالكَبيرِ ولم يَضربْه به؛ لأنَّ الدِّيةَ إنما تَجبُ بالقَتلِ، وليسَ هذا بقَتلٍ (٢).

стр. 12849

وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ مَنْ ضرَبَ غيرَه بعَصًا صَغيرةٍ أو بحَجرٍ صَغيرٍ أو لَطمةٍ ونحوِ ذلكَ ممَّا لا يَكونُ الغالِبُ فيه الهَلاكَ كالسَّوطِ ونحوِه إذا ضرَبَ ضَربةً أو ضَربتينِ ولم يُوالِ في الضَّرباتِ أنه شِبهُ عَمدٍ، ولا يَجبُ فيهِ القَصاصُ، وكذا إنْ ضرَبَه بالسَّوطِ الصَّغيرِ ويُوالي في الضَّرباتِ إلى أنْ يَموتَ، وهذا شِبهُ عَمدٍ بلا خِلافٍ عندَ فُقهاءِ الحَنفيةِ (١). ثالثًا: إذا قتَلَه خَنقًا: اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن قتَلَ غيرَه خَنقًا بيَدِه أو بحَبلٍ أو طرَحَ على وَجهِه مِخدةً أو مِنديلًا واتَّكأَ عليهِ حتى ماتَ، هل يُعتبرُ قتْلَ عَمدٍ ويُقتصُّ منه؟ أم هو شِبهُ عَمدٍ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ والصاحِبانِ مِنْ الحَنفيةِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ إلى أنَّ مَنْ قتَلَ غيرَه خَنقًا بيَدِه أو بحَبلٍ أو طرَحَ على وَجههِ مِخدةً أو مِنديلًا واتَّكأَ عليهِ حتَّى ماتَ فهوَ قَتلُ عَمدٍ، ويُقتَصُّ منهُ إذا فعَلَ ذلكَ مُدةً يَموتُ المَخنوقُ مِنْ مثلِها غالبًا، فيَجبُ على قاتِلِه القَودُ؛ لأنه تَعمَّدَ قتْلَه بما يَقتلُ غالِبًا؛ لقَولِ اللهِ جَلَّ ذِكرُه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا … ﴾ [النساء: ٩٣]، وهذا قاتِلُ عَمدٍ، فعَليهِ القتلُ. قالَ الصاحِبانِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: إذا خنَقَه حتى ماتَ فهو عَمدٌ وفيهِ القَودُ، وهذا إذا دامَ على الخَنقِ حتَّى ماتَ، أما إذا ترَكَه قبلَ المَوتِ يُنظَرُ؛ إنْ

стр. 12850

دامَ على الخَنقِ بمِقدارِ ما يَموتُ منه الإنسانُ غالبًا يَجبُ القِصاصُ عندَهُما، وإلَّا فلا إجماعًا (١). وقالَ المالِكيةُ: مَنْ خنَقَ غيرَه أو عصَرَ الأُنثَيينِ حتى ماتَ اقتُصَّ منه (٢). وقالَ الشافِعيةُ: إنْ خنَقَه بيَدِه أو بحَبلٍ أو وضَعَ يَدَه على فيهِ ومنَعَه التنفُّسَ أو طرَحَ على وَجهِه مِخدةً أو مِنديلًا واتَّكأَ عليهِ حتى ماتَ فإنْ فعَلَ ذلكَ مُدةً يَموتُ المَخنوقُ مِنْ مثلِها غالبًا .. وجَبَ على قاتِلِه القَودُ؛ لأنه تَعمدَ قتْلَه بما يَقتلُ مثلَه غالبًا، وإنْ كانَ في مدَّةٍ يَجوزُ أنْ يَموتَ مثلُه في مثلِها ويَجوزُ أنْ لا يَموتَ والغالِبُ أنه لا يَموتُ .. لم يَجبْ عليهِ القَودُ، وعليهِ دِيةٌ مُغلَّظةٌ؛ لأنَّ فِعلَه عَمدُ خَطأٍ. وإنْ خنَقَه خَنقًا يَموتُ مِثلُه مِنْ مِثلِه ثمَّ أرسَلَه حَيًّا ثمَّ ماتَ فإن كانَ قد أورَثَه الخَنقُ شَيئًا حتى لا يَخرجَ نَفَسُه أو بَقيَ مُتألِّمًا إلى أنْ ماتَ .. وجَبَ على الخانقِ القَودُ؛ لأنه ماتَ بسِرايةِ فِعلِه. وإنْ خنَقَه وأرسَلَه حيًّا لا يَتألمُ ولا به ضنًى فصبَرَ فبَرأَ وصَحَّ ثم ماتَ .. فلا يَجبُ قَودٌ على الخانقِ ولا دِيةٌ؛ لأنه ماتَ بسَببٍ آخَرَ، كما لو جرَحَه فاندَملَ جُرحُه ثم ماتَ.
следующие страницы →