← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 12846–12885 · переход к 12851.

стр. 12846

عاقِلتِها بالدِّيةِ، وكانَتْ حامِلًا فقَضَى في الجَنينِ بغُرَّةٍ، فقالَ بعضُ عصَبَتِها: أنَدِي مِنْ لا طَعِمَ ولا شَرِبَ ولا صاحَ فاستَهلَّ، ومِثلُ ذلكَ يُطلُّ؟ قالَ: فقالَ: سَجعٌ كسَجعِ الأعرَابِ» (١). والعاقِلةُ لا تَحملُ العَمدَ، فدَلَّ على أنَّ القَتلَ بعَمودِ الفُسطاطِ ليسَ بعَمدٍ، وإنْ كانَ أعظَمَ منه فهو عَمدٌ؛ لأنه يَقتلُ غالِبًا. ومِن هذا النَّوعِ أنْ يُلقيَ عليهِ حائِطًا أو صَخرةً أو خَشبةً عَظيمةً أو ما أشبَهَ ممَّا يُهلكُه غالِبًا فيُهلكَه ففيهِ القَودُ؛ لأنه يَقتلُ غالِبًا (٢). ثانيًا: أنْ يَضربَه بمُثقلٍ صَغيرٍ كالعَصَى والسَّوطِ والحَجرِ الصَّغيرِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو ضرَبَه بمُثقَّلٍ صَغيرٍ كالحَجرِ الصَّغيرِ أو السَّوطِ أو العصَى فماتَ، هل يَجبُ فيه القِصاصُ أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ -في الجُملةِ- المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ مَنْ ضرَبَ غيرَه بمُثقَّلٍ صَغيرٍ كالعصَى والسَّوطِ والحَجرِ الصَّغيرِ فماتَ وجَبَ فيه القِصاصُ. قالَ المالِكيةُ: شَرطُ القَتلِ المُوجِبِ للقِصاصِ أنْ يَقصدَ القاتلُ الضَّربَ، ولا يُشترطُ قَصدُ القَتلِ، فإذا قصَدَ ضرْبَه بما يَقتلُ غالِبًا فماتَ مِنْ ذلكَ فإنه يُقتصُّ له، وكذا إذا قصَدَ ضرْبَه بما لا يَقتلُ غالبًا كضَربِه بحَجرٍ أو بلَطمةٍ أو

стр. 12847

وَكزةٍ أو بُندُقةٍ أو قَضيبٍ أو عصًا أو غيرِ ذلكَ فماتَ مِنْ ذلكَ فإنه يُقتصُّ له منه، وإنْ لم يَكنْ يَقصدُ قتْلَه فمُجرَّدُ قَصدِ الضَّربِ كافٍ لوُجوبِ القِصاصِ. فإنْ لم يَقصدْ ضرْبَه وثبَتَ ذلكَ إما ببَينةٍ أو بإقرارِ المَجنِي عليهِ فإنه لا قَودَ عليهِ؛ لأنه خَطأٌ، وفيهِ الدِّيةُ على العاقِلةِ. وسَواءٌ قصَدَ الشَّخصَ المَضروبَ نفْسَه أو قصَدَ أنْ يَضربَ شَخصًا عُدوانًا فأصابَ غيرَه، فإنه يُقتلُ به، وما قِيلَ: «إنه مِنْ الخَطأِ» ضَعيفٌ. وأما لو قصَدَ ضرْبَ مَنْ يَحلُّ له ضَربُه فأصابَ غيرَه فهو خَطأٌ، بشَرطِ ضَربِ اللَّعبِ أو الأدَبِ، وكذا إنْ ضرَبَ غيرَه على وَجهِ اللَّعبِ فهو خَطأٌ على الصَّحيحِ، ومِثلُه إذا قصَدَ به الأدبَ الجائِزَ بأنْ كانَ بآلةٍ يُؤدبُ بها، وأما إنْ كانَ الضَّربُ للتأديبِ والغَضبِ فالمَشهورُ أنه عَمدٌ يُقتصُّ منه، إلا في الأبِ ونَحوِه فلا قِصاصَ، بل فيه دِيةٌ مُغلَّظةٌ (١). وقالَ الشافِعيةُ: إنْ ضرَبَه بسَوطٍ أو عَصًا خَفيفةٍ أو رَماهُ بحَجرٍ صَغيرٍ نُظرَ؛ إنْ وَالَى به الضَّربَ بأنْ بلَغَ عَددًا يَقتلُ مِثلُه في الغالبِ على حَسبِ حالِ المَضروب حتَّى ماتَ أو اشتَدَّ الألمُ وبَقيَ مُتألِّمًا حتَّى ماتَ وجَبَ القِصاصُ، وإنْ لم يُوالِ واقتَصرَ على سَوطٍ أو سَوطينِ فإنْ كانَ في مَقتلٍ أو في شِدةِ الحَرِّ أو البَردِ المُعِينينِ على الهَلاكِ أو كانَ المَضروبُ صَغيرًا أو

стр. 12848

ضَعيفًا بأصلِ الخِلقةِ أو بعارضٍ وجَبَ القِصاصُ؛ لأنه مُهلِكٌ غالبًا، وإنْ لم يَكنْ شَيءٌ مِنْ ذلكَ فهو شِبهُ عَمدٍ وفيه الديَةُ (١). وقالَ الحَنابلةُ: إنْ ضرَبَه بمُثقلٍ صَغيرٍ كالعَصَى والسَّوطِ والحَجرِ الصَّغيرِ، أو لكَزَه بيَديهِ في مَقتلٍ أو في حالِ ضَعفٍ مِنْ المَضروبِ لمَرضٍ أو صِغَرٍ، أو في زَمنٍ مُفرطِ الحَرِّ أو البَردِ بحَيثُ تَقتلُه تلكَ الضَّربةُ، أو كرَّرَ الضَّربَ حتى قتَلَه بما يَقتلُ غالبًا ففيهِ القَودَ؛ لأنه قتَلَه بما يَقتلُ مِثلُه غالبًا، فأشبَهَ الضَّربَ بمُثقلٍ كَبيرٍ. وإنِ ادَّعَى المَرضَ في ذلكَ كلِّه لم يُقبلْ، وكذا إنْ قالَ: «لم أَقصدْ قتْلَه» لم يُصدَّقْ؛ لأنَّ الظاهِرَ خِلافُه. ومِن هذا النَّوعِ لو عصَرَ خِصيتَه عَصرًا شَديدًا فقتَلَه بعَصرٍ يَقتلُ مِثلُه غالبًا فعليهِ القَودُ. وإنْ لم يَكنِ الضَّربُ بذلكَ في مَقتلٍ ولا في حالَةِ ضَعفِ قُوةٍ ونحوِه فهو عَمدُ الخَطأِ، وفيه الدِّيةُ، إلا أنْ يَصغرَ جِدًّا كالضَّربةِ بالقَلمِ والأصبَعِ في غَيرِ مَقتلٍ ونحوِ هذا ممَّا لا يُتوهَّمُ القَتلُ به فلا قوَدَ فيه ولا ديَةَ؛ لأنه لم يَمتْ به، وكذلكَ إنْ مَسَّه بالكَبيرِ ولم يَضربْه به؛ لأنَّ الدِّيةَ إنما تَجبُ بالقَتلِ، وليسَ هذا بقَتلٍ (٢).

стр. 12849

وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ مَنْ ضرَبَ غيرَه بعَصًا صَغيرةٍ أو بحَجرٍ صَغيرٍ أو لَطمةٍ ونحوِ ذلكَ ممَّا لا يَكونُ الغالِبُ فيه الهَلاكَ كالسَّوطِ ونحوِه إذا ضرَبَ ضَربةً أو ضَربتينِ ولم يُوالِ في الضَّرباتِ أنه شِبهُ عَمدٍ، ولا يَجبُ فيهِ القَصاصُ، وكذا إنْ ضرَبَه بالسَّوطِ الصَّغيرِ ويُوالي في الضَّرباتِ إلى أنْ يَموتَ، وهذا شِبهُ عَمدٍ بلا خِلافٍ عندَ فُقهاءِ الحَنفيةِ (١). ثالثًا: إذا قتَلَه خَنقًا: اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن قتَلَ غيرَه خَنقًا بيَدِه أو بحَبلٍ أو طرَحَ على وَجهِه مِخدةً أو مِنديلًا واتَّكأَ عليهِ حتى ماتَ، هل يُعتبرُ قتْلَ عَمدٍ ويُقتصُّ منه؟ أم هو شِبهُ عَمدٍ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ والصاحِبانِ مِنْ الحَنفيةِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ إلى أنَّ مَنْ قتَلَ غيرَه خَنقًا بيَدِه أو بحَبلٍ أو طرَحَ على وَجههِ مِخدةً أو مِنديلًا واتَّكأَ عليهِ حتَّى ماتَ فهوَ قَتلُ عَمدٍ، ويُقتَصُّ منهُ إذا فعَلَ ذلكَ مُدةً يَموتُ المَخنوقُ مِنْ مثلِها غالبًا، فيَجبُ على قاتِلِه القَودُ؛ لأنه تَعمَّدَ قتْلَه بما يَقتلُ غالِبًا؛ لقَولِ اللهِ جَلَّ ذِكرُه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا … ﴾ [النساء: ٩٣]، وهذا قاتِلُ عَمدٍ، فعَليهِ القتلُ. قالَ الصاحِبانِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: إذا خنَقَه حتى ماتَ فهو عَمدٌ وفيهِ القَودُ، وهذا إذا دامَ على الخَنقِ حتَّى ماتَ، أما إذا ترَكَه قبلَ المَوتِ يُنظَرُ؛ إنْ

стр. 12850

دامَ على الخَنقِ بمِقدارِ ما يَموتُ منه الإنسانُ غالبًا يَجبُ القِصاصُ عندَهُما، وإلَّا فلا إجماعًا (١). وقالَ المالِكيةُ: مَنْ خنَقَ غيرَه أو عصَرَ الأُنثَيينِ حتى ماتَ اقتُصَّ منه (٢). وقالَ الشافِعيةُ: إنْ خنَقَه بيَدِه أو بحَبلٍ أو وضَعَ يَدَه على فيهِ ومنَعَه التنفُّسَ أو طرَحَ على وَجهِه مِخدةً أو مِنديلًا واتَّكأَ عليهِ حتى ماتَ فإنْ فعَلَ ذلكَ مُدةً يَموتُ المَخنوقُ مِنْ مثلِها غالبًا .. وجَبَ على قاتِلِه القَودُ؛ لأنه تَعمدَ قتْلَه بما يَقتلُ مثلَه غالبًا، وإنْ كانَ في مدَّةٍ يَجوزُ أنْ يَموتَ مثلُه في مثلِها ويَجوزُ أنْ لا يَموتَ والغالِبُ أنه لا يَموتُ .. لم يَجبْ عليهِ القَودُ، وعليهِ دِيةٌ مُغلَّظةٌ؛ لأنَّ فِعلَه عَمدُ خَطأٍ. وإنْ خنَقَه خَنقًا يَموتُ مِثلُه مِنْ مِثلِه ثمَّ أرسَلَه حَيًّا ثمَّ ماتَ فإن كانَ قد أورَثَه الخَنقُ شَيئًا حتى لا يَخرجَ نَفَسُه أو بَقيَ مُتألِّمًا إلى أنْ ماتَ .. وجَبَ على الخانقِ القَودُ؛ لأنه ماتَ بسِرايةِ فِعلِه. وإنْ خنَقَه وأرسَلَه حيًّا لا يَتألمُ ولا به ضنًى فصبَرَ فبَرأَ وصَحَّ ثم ماتَ .. فلا يَجبُ قَودٌ على الخانقِ ولا دِيةٌ؛ لأنه ماتَ بسَببٍ آخَرَ، كما لو جرَحَه فاندَملَ جُرحُه ثم ماتَ.

стр. 12851

وإنْ جعَلَ في رَقبتِه خِراطةَ حَبلٍ وتَحتَ رِجلَيهِ كُرسيًّا وشَدَّ الحَبلَ إلى سَقفِ بَيتٍ وما أشبَهَه ونزَعَ الكُرسيَّ مِنْ تَحتِ رجلَيهِ فانخنَقَ وماتَ .. وجَبَ عليهِ القَودُ؛ لأنه أوحَى الخَنقِ. وكذا لو عصَرَ خِصيتيهِ عَصرًا شَديدًا إلى أنْ ماتَ وجَبَ القَودُ؛ لأنَّ ذلكَ يَقتلُ في الغالِبِ (١). وقالَ الحَنابلةُ: إذا منَعَ خُروجَ نفَسِه فهو نَوعانِ: أحَدُهما: أنْ يَجعلَ في عُنقِه خِراطةً -ما يُعرَفُ اليَومَ بالمِشنقةِ- ثمَّ يُعلِّقَه في خَشبةٍ أو شَيءٍ بحَيثُ يَرتفعُ عن الأرضِ فيَختنقُ ويَموتُ فهذا عَمدٌ، سَواءٌ ماتَ في الحالِ أو بَقيَ زَمنًا؛ لأنَّ هذا أوحَى أنواعِ الخَنقِ، وهو الذي جرَتِ العادةُ بفِعلِه مِنْ الوُلاةِ في اللُّصوصِ وأشباهِهم مِنْ المُفسدينَ. والثاني: أنْ يَخنقَه وهو على الأرضِ بيَديهِ أو مِنديلٍ أو حَبلٍ أو يَغمَّه بوِسادةٍ أو شَيءٍ يَضعُه على فيهِ وأنفِه أو يَضعَ يَديهِ عليهِما فيَموتَ فهذا إنْ فعَلَ به ذلكَ مُدةً يَموتُ في مثلِها غالبًا فماتَ فهو عَمدٌ فيه القِصاصُ. وإنْ فعَلَه في مُدةٍ لا يَموتُ في مثلِها غالبًا فماتَ فهو عَمدُ الخطأِ، إلا أنْ يكونَ ذلكَ يَسيرًا في العادةِ بحَيثُ لا يُتوهمُ المَوتُ منه فلا يُوجِبُ ضَمانًا؛ لأنه بمَنزلةِ لَمسِه.

стр. 12852

وإنْ خنَقَه وترَكَه مَثلًا حتى ماتَ ففيهِ القَودُ؛ لأنه ماتَ مِنْ سِرايةِ جِنايتِه، فهو كالمَيتِ مِنْ سِرايةِ الجُرحِ، وإنْ تَنفَّسَ وصَحَّ ثم ماتَ فلا قوَدَ؛ لأنَّ الظاهِرَ أنه لم يَمُتْ منه، فأشبَهَ ما لو اندَملَ الجُرحُ ثم ماتَ (١). وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ﵀ إلى أنَّ مَنْ خنَقَ غيرَه حتى ماتَ فليسَ فيه قِصاصٌ، وإنما هو شِبهُ عَمدٍ تَجبُ فيه الدِّيةُ مُغلَّظةً على عاقِلتِه، ولا يَجبُ فيه القِصاصُ على عاقِلتِه؛ لأنَّ الآلةَ فيها قُصورٌ يُوجِبُ التردُّدَ في أنه قصَدَ قتْلَه بهذا الفِعلِ أو قصَدَ المُبالَغةَ في إيلامِه وإدخالَ الضَّررِ على نَفسِه، فاتَّفقَ مَوتُه وعَدمُ احتِمالِه لذلكَ. لكنْ إنْ خنَقَ غيرَ مَرةٍ قُتلَ الآنَ؛ لأنه ظهَرَ قَصدُه إلى القتلِ بالتَّخنيقِ حَيثُ عُرفَ إفضاؤُه إلى القَتلِ ثمَّ صارَ يَعتمَّدُه، ولأنه صارَ ساعِيًا في الأرضِ بالفَسادِ، وكلُّ مَنْ كانَ كذلكَ يُدفعُ شَرُّه بالقَتلِ. لكنْ إنْ كانَ خنَّاقًا مَعروفًا قد خنَقَ غيرَ واحِدٍ فعَليهِ القتلُ؛ لأنه ظهَرَ قَصدُه إلى القتلِ بالتَّخنيقِ حَيثُ عُرفَ إفضاؤُه إلى القَتلِ ثمَّ صارَ يَعتمَّدُه، ولأنه صارَ ساعِيًا في الأرضِ بالفَسادِ، وكلُّ مَنْ كانَ كذلكَ يُدفعُ شَرُّه بالقَتلِ حَدًّا لا قِصاصًا (٢).

стр. 12853

رابِعًا: إنْ رَماهُ مِنْ شاهِقٍ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن رَمَى غيرَه مِنْ شاهِقٍ أو مِنْ سَطحِ جَبلٍ فماتَ، هل يَجبُ عليهِ القِصاصُ؟ أم هو شِبهُ عَمدٍ ويَجبُ فيهِ الدِّيةُ؟ فهوَ على نَفسِ الخِلافِ السابقِ. فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ والصاحِبانِ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنَّ مَنْ رمَى غيرَه مِنْ شاهقٍ أو مَكانٍ مُرتفعٍ أو مِنْ على سَطحِ جَبلٍ أنَّ فيه القِصاصَ. وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ﵀ إلى أنَّ مَنْ رَمَى غيرَه مِنْ شاهقٍ أو مِنْ سَطحِ جَبلٍ أنه شِبهُ عَمدٍ وفيهِ الدِّيةُ (١). خامِسًا: إنْ أغرَقَه في الماءِ حتَّى ماتَ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن رَمَى غيرَه في الماءِ فغَرقَ حتى ماتَ، هل عليهِ القِصاصُ؟ أم فيه الدِّيةُ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ والصاحِبانِ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنَّ مَنْ رَمى غيرَه في الماءِ فغَرقَ فماتَ وجَبَ فيه القِصاصُ، وذلكَ على تَفصيلٍ عندَهم. قالَ الصاحِبانِ: إذا ألقاهُ في الماءِ فغَرقَ فعَليهِ القِصاصُ إذا كانَ الماءُ لا يتخلَّصُ منه في الغالِبِ؛ لأنه كالقَتلِ بالنارِ، فيُشترطُ أنْ يَكونَ الماءُ عَظيمًا بحَيثُ لا تُمكنُه النَّجاةُ ليَكونَ عندَهُما عَمدًا مُوجِبًا للقِصاصِ، فلو قَليلًا لا

стр. 12854

يَقتلُ غالبًا أو عَظيمًا تُمكنُ النَّجاةُ منه بالسِّباحةِ بأنْ كانَ غيرَ مَشدودٍ وهو يُحسِنُ السِّباحةَ فهو شِبهُ عَمدٍ (١). وقالَ المالِكيةُ: مَنْ طرَحَ شَخصًا في نهرٍ وهو لا يُحسِنُ العَومَ في نَفسِ الأمرِ على وَجهِ العَداوةِ والقَتلِ فإنه يُقتلُ به، ولا قَسامةَ، خِلافًا لابنِ الحاجِبِ، وسَواءٌ عَلِمَ الطارحُ أنَّ المَطروحَ يُحسنُ العَومَ أم لا، ومِثلُه مَنْ يُحسِنُه وكانَ الغالِبُ عَدمُ النَّجاةِ لشِّدةِ بَردٍ أو طُولِ مَسافةٍ فغَرقَ فإنه يُقتلُ به، ولا يَكونُ الطَّرحُ في هذهِ الحالةِ إلا عَداوةً. وإلا بأنْ كانَ يُحسنُ العَومَ وكانَ الغالِبُ نَجاتَه ولم يَكنِ الطرحُ عَداوةً بل كانَ على وَجهِ اللَّعبِ وشبهِهِ وهو لا يُحسنُ العَومَ أو كانَ يُحسِنُه -سَواءٌ كانَ على وَجهِ العَداوةِ أو اللَّعبِ- فلا يُقتلُ به، وله عليهِ دِيةٌ مُخمَّسةٌ لا مُغلَّظةٌ (٢). وقالَ الشافِعيةُ: إذا ألقاهُ في الماءِ فغَرقَ فيه فهذا على ضَربينِ: أحَدُهما: أنْ يُلقيَه في لُجةِ بَحرٍ يَبعدُ ساحِلُه، فهذا قاتِلُ عَمدٍ وعليهِ القَودُ، سَواءٌ كانَ يُحسنُ العَومَ أو لا يُحسنُ؛ لأنه بالعَومِ لا يَصلُ إلى الساحِلِ مع بُعدِه.

стр. 12855

والضَّربُ الثاني: أنْ يُلقيَه في نَهرٍ أو بَحرٍ يَقربُ مِنْ الساحِلِ، فهذا على ضَربينِ: أحَدُهما: أنْ يَربطَه أو يُثقلَه حتَّى لا يَقدرَ على الخَلاصِ مِنْ الماءِ غًريقٌ فعَليهِ القَودُ أيضًا، كالمُلقَى في لُجةِ البَحرِ. والضَّربُ الثاني: أنْ يَكونَ مُطلَقًا غيرَ مَربوطٍ ولا مُثقلٍ، فهذا على ضَربينِ: أحَدُهما: أنْ لا يُحسنَ العَومَ، فعَليهِ القَودُ أيضًا؛ لأنه لا يَقدرُ على الخَلاصِ. والضَّربُ الثاني: أنْ يُحسِنَ العومَ فلا يَعومَ، فلا قوَدَ فيهِ؛ لأنه قدَرَ على خَلاصِ نَفسِه، فصارَ مُتلِفًا لها، وهل عليهِ دِيةٌ أم لا؟ فيه قَولانِ: الصَّحيحُ ليسَ عليهِ دِيةٌ. فلو ألقاهُ في الماءِ فالتَقمَه الحُوتُ فهَذا على ضَربينِ: أحَدُهما: أنْ يَكونَ الإلقاءُ في ذلكَ الماءِ غيرَ مُوجِبٍ للقَودِ على ما فصَّلْنا، فلا قوَدَ فيه إذا التَقمَه الحُوتُ؛ لأنه تَلفَ مِنْ غيرِه عليهِ، وعليهِ الدِّيةُ؛ لأنه سَببٌ مِنْ جِهتِه أفضَى إلى تَلفِه. والضَّربُ الثاني: أنْ يكونَ الإلقاءُ في ذلكَ الماءِ مُوجِبًا للقَودِ فالتَقمَه الحُوتُ قبلَ التَلفِ، ففي وُجوبِ القَودِ قَولانِ: أحَدُهما وهو ظاهِرُ مَنصوصِ الشافِعيِّ: عليهِ القَودُ؛ لأنه لو لم يَلتقمْه الحُوتُ لَوجَبَ، فلمْ يَسقطْ بالتِقامِه.

стр. 12856

والقَولُ الثاني حَكاهُ الرَّبيعِ: أنه لا قوَدَ عليهِ؛ لأنَّ مُباشَرةَ تَلفِه حصَلَتْ بغَيرِ فِعلِه، وتَلزمُه الدِّيةُ. قالَ الماوَرديُّ ﵀: ومِن أصحابِنا مَنْ حمَلَ القَولينِ على اختِلافِ حالَينِ، فالقَولُ الذي أُوجِبَ فيه القَودُ مَحمولٌ على نِيلِ مِصرَ الذي يَغلبُ عليهِ التَّماسيحُ فلا يَسلمُ منها أحَدٌ، والقَولُ الذي أُسقِطَ فيه القَودُ مَحمولٌ على غيرِه مِنْ البِحارِ والأنهارِ التي تَخلو غالبًا مِنْ مِثلِه (١). وقالَ الحَنابلةُ: إنْ ألقاهُ في ماءٍ يُغرقُه ولا يُمكنُه التَّخلصُ منهُ إما لكَثرةِ الماءِ، وإمَّا لعَجزِه عن التَّخلصِ لمَرضٍ أو صِغَرٍ، أو كَونِه مَربوطًا، أو منَعَه الخُروجَ ونحوَ هذا، أو ألقاهُ في بِئرٍ ذاتِ نَفسٍ فماتَ به عالِمًا بذلكَ فهذا كلُّه عَمدٌ؛ لأنه يَقتلُ غالبًا. وإنْ ألقاهُ في ماءٍ يَسيرٍ يَقدرُ على الخُروجِ منهُ فلَبثَ فيه اختيارًا حتى ماتَ فلا قَودَ فيه ولا دِيةَ؛ لأنَّ هذا الفِعلَ لم يَقتلْه، وإنما حصَلَ مَوتُه بلُبثِه فيهِ وهو فِعلُ نَفسِه، فلَم يَضمنْه غيرُه. وإنْ ألقاهُ في لُجةٍ لا يُمكنُه التَّخلصُ منها فالتَقمَه حُوتٌ ففيهِ وَجهانِ: أحَدُهما: عليهِ القَودُ؛ لأنَّه ألقاهُ في مَهلكةٍ فهلَكَ، فأشبَهَ ما لو غَرقَ فيها. والثاني: لا قوَدَ عليهِ؛ لأنه لم يَهلكْ بها، أشبَهَ ما لو قتَلَه آدَميٌّ آخَرُ.

стр. 12857

وإنْ ألقاهُ في ماءٍ يَسيرٍ فأكَلَه سَبعٌ أو التَقمَه حُوتٌ أو تِمساحٌ فلا قوَدَ عليهِ؛ لأنَّ الذي فعَلَه لا يَقتلُ غالبًا، وعليهِ ضَمانُه؛ لأنه هلَكَ بفِعلِه (١). وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ﵀ إلى أنَّ مَنْ ألقَى غيرَه في الماءِ فغَرقَ فماتَ فلا قِصاصَ عليهِ، وتَجبُ الدِّيةُ على العاقِلةِ، وقيلَ: إنْ سبَحَ ذلكَ ساعةً ثم غَرقَ بعدَ ذلكَ لم تَجبِ الدِّيةُ. وجاءَ في «الفَتاوَى الهِنديَّة»: ذكَرَ شَيخُ الإسلامِ في «شَرح زِياداتِ الأصلِ» أنَّ مَنْ غرَّقَ إنسانًا بالماءِ إنْ كانَ الماءُ قَليلًا لا يَقتلُ مثلُه غالبًا وتُرجَى منه النَّجاةُ بالسِّباحةِ في الغالِبِ فماتَ مِنْ ذلكَ فهو خَطأُ العَمدِ عندَهُم جَميعًا، وأمَّا إذا كانَ الماءُ عَظيمًا إنْ كانَ بحيثُ تُمكنُه النَّجاةُ منه بالسِّباحةِ بأنْ كانَ غيرَ مَشدودٍ ولا مُثقلٍ وهو يُحسنُ السِّباحةَ فماتَ يَكونُ خَطأَ العَمدِ أيضًا، وإنْ كانَ بحَيثُ لا تُمكنُه النَّجاةُ فعَلى قَولِ أبي حَنيفةَ ﵀ هو خَطأُ العَمدِ ولا قِصاصَ، وعلى قَولهِما هو عَمدُ مَحضٍ ويَجبُ القِصاصُ، كَذا في «المُحِيط». ولو أخَذَ رَجلٌ رَجلًا فقَمطَه -أي شَدَّ يَديهِ ورِجليهِ بحَبلٍ- ثمَّ ألقاهُ في البَحرِ فرَسبَ في الماءِ وماتَ ثمَّ طَفَا مَيتًا لا يُقتلُ به، وعليهِ الدِّيةُ مُغلَّظةً، وكذا لو غَطَّه في البَحرِ أو في الفُراتِ فلَم يَزلْ يَفعلُ به كذلكَ حتَّى ماتَ. ولو أنَّ رَجلًا طرَحَ رَجلًا مِنْ سَفينةٍ في البَحرِ أو في دِجلةَ وهو لا يُحسنُ السِّباحةَ فرسَبَ لا يُقتلُ به عندَ أبي حَنيفةَ ﵀، وعليهِ الدِّيةُ، وإنِ ارتَفعَ

стр. 12858

ساعةً وسَبحَ ثم غَرقَ وماتَ فإنَّ أبا حَنيفةَ ﵀ قالَ: ليسَ عليهِ قِصاصٌ ولا دِيةٌ، وكذا جَيدُ السِّباحةِ فأخَذَ يَسبحُ ساعةً طُرحَ في البَحرِ ليَتخلصَ فلَم يَزلْ يَسبحُ حتَّى فتَرَ وغَرقَ وماتَ فلا قوَدَ ولا ديَةَ، ولو أنه حِينَ طُرحَ في الماءِ ولا يُدرَى ماتَ أو خرَجَ ولم يُرَ له أثَرٌ لا شيءَ عَليهِ … ولو ألقَى رَجلًا في ماءٍ بارِدٍ في يَومِ الشِّتاءِ فكُزَّ ويَبسَ سَاعةَ ألقاهُ فعَليهِ الدِّيةُ، وكذلكَ لو جرَّدَه فجعَلَه في سَطحٍ في يَومٍ شَديدِ البَردِ ولم يَزلْ كذلكَ حتى ماتَ مِنْ البَردِ، وكذلكَ لو قَمطَه وجعَلَه في الثَّلجِ، كذا في «الظَّهيريَّة»، ولو أنَّ رَجلًا قَمطَ رَجلًا أو صَبيًّا ثمَّ وضَعَه في الشَّمسِ فلَم يَتخلصْ حتَّى ماتَ مِنْ حَرِّ الشمسِ فعَليهِ الديَةُ، كذا في «خِزانَة المُفتِين» (١). سادِسًا: إنْ أحرَقَه بالنارِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنَّ مَنْ أحرَقَ غيرَه بالنارِ فماتَ فعَليهِ القِصاصُ (٢). قالَ الحَنفيةُ: إذا أحرَقَه بالنارِ فعَليهِ القِصاصِ، قالَ مُحمدٌ ﵀ في «الجَامِع الصَّغير»: إذا أحمَى تَنورًا فألقَى فيها إنسانًا أو ألقاهُ في نارٍ لا

стр. 12859

يَستطيعُ الخُروجَ منها فأحرَقَتْه النارُ يَجبُ القِصاصُ، ومَوضوعُ المَسألةِ يُشيرُ إلى أنَّ الإحماءَ يَكفِي وإنْ لم تَكنْ فيه نارٌ. ولو ألقاهُ في النَّارِ ثمَّ أُخرجَ وبه رَمقٌ فمَكثَ أيامًا ولم يَزلْ صاحِبَ فِراشٍ حتَّى ماتَ قُتلَ، وإنْ كانَ يَجيءُ ويَذهبُ ثمَّ ماتَ لم يُقتلْ، كذا في «فتَاوى قاضِي خانْ». ولو قَمطَ رَجلًا -أي: شَدَّ يَديهِ ورِجليهِ بحَبلٍ- ثمَّ أغلَى له ماءً في قِدرٍ ضَخمةٍ حتَّى إذا صارَ كأنَّه نارٌ ألقاهُ في الماءِ فسُلخَ ساعةَ ألقاهُ فماتَ قُتلَ به، وإنْ كانَ الماءُ حارًّا لا يَغلي غَليانًا شَديدًا فألقاهُ فيه ثمَّ مكَثَ سَاعةً ثمَّ ماتَ وقد تَنفَّطَ جَسدُه -أي صارَ بهِ نَفطةٌ- أو نضَّجَه الماءُ قُتلَ به، وإلا فَلا، وإنْ هو أُخرجَ مِنْ القِدرِ في هذهِ الوُجوهِ وقد انسَلخَ وماتَ مِنْ ساعَتِه أو مِنْ يَومِه أو مكَثَ أيامًا مَضَينَ يُخافُ عليهِ مِنْ ذلكَ قُتلَ به، وإنْ تَماثلَ حتَّى يَجيءَ ويَذهبَ ثم ماتَ مِنْ ذلكَ لم يُقتلْ وعليهِ الدِّيةُ، وهذا قِياسُ قولِ أبي حَنيفةَ (١). وقالَ الشافِعيةُ: وإنْ طرَحَه في نارٍ في حَفيرٍ فلم يُمكنْه الخُروجُ منها حتى ماتَ .. وجَبَ عليهِ القَودُ؛ لأنه قتَلَه بما يَقتلُ غالبًا. وإنْ كانَتِ النارُ في بَسيطٍ مِنْ الأرضِ فإنْ كانَ لا يُمكنُه الخُروجُ منها لكَثرتِها أو لشِدةِ التِهابِها، أو بأنْ كتَفَه وألقاهُ فيها، أو بأنْ كانَ ضَعيفًا لا يَقدرُ

стр. 12860

على الخُروجِ .. وجَبَ عليهِ القَودُ؛ لأنه قتَلَه بما يَقتلُ غالبًا، وإنْ أمكَنَه الخُروجُ منها فلمْ يَخرجْ حتَّى ماتَ وهو يَعلمُ إمكانَ الخُروجِ بأنْ يَقولَ: «أنا أَقدرُ على الخُروجِ ولا أَخرجُ» .. لم يَجبِ القَودُ، وهل تَجبُ عليهِ الدِّيةُ؟ فيه قَولانِ: أحَدُهما: تَجبُ عليهِ الدِّيةُ؛ لأنه ضَمِنَه بطَرحِه في النارِ، فلَم يَسقطْ عنه الضَّمانُ بتَركِه الخُروجَ مع قُدرتِه عليهِ، كما لو جرَحَه جِراحةً وأمكَنَه مُداواتُها، فلَم يُداوِها حتَّى ماتَ. والثاني: لا تَجبُ عليهِ الدِّيةُ؛ لأنَّ النَّفسَ لم تَخرجْ بالطَّرحِ في النارِ، وإنما خرَجَتْ ببَقائِه فيها باختِيارِه، فهوَ كما لو خرَجَ منها ثمَّ عادَ إليها، ويُفارِقُ ترْكَ المُداواةِ؛ لأنه لم يُحدثْ أمرًا كانَ به التَّلفُ، بخِلافِ بَقائِه في النارِ؛ فإنه أحدَثَ أمرًا حصَلَ به التَّلفُ، ولأنَّ البُرءَ في الدَّواءِ أمرٌ مَظنونٌ، فلمْ تَسقطْ به الدِّيةُ، والسَّلامةُ بالخُروجِ أمرٌ مُتحقِّقٌ، فسقَطَ بتَركِه الضَّمانُ. فإذا قُلنَا بهذا وجَبَ على الطارحِ أرشُ ما عَمِلتْ فيه النارُ مِنْ حينِ طرَحَه فيها إلى أنْ أمكَنَه الخُروجُ فلَم يَخرجْ (١). وقالَ الحَنابلةُ: إنْ ألقاه في نار ولا يُمكنُه التَّخلصُ منهُ إما لكَثرةِ النارِ، وإمَّا لعَجزِه عن التَّخلصِ لمَرضٍ أو صِغَرٍ، أو كَونِه مَربوطًا، أو منَعَه الخُروجَ، أو كَونِه في حَفيرةٍ لا يَقدرُ على الصُّعودِ منها ونحوِ هذا فماتَ به عالِمًا بذلكَ فهذا كلُّه عَمدٌ؛ لأنه يَقتلُ غالبًا.

стр. 12861

وإنْ ترَكَه في نارٍ يُمكنُه التَّخلصُ منها لقِلَّتِها أو كَونِه في طَرفٍ منها يُمكنُه الخُروجُ بأدنَى حَركةٍ فلَم يَخرجْ حتَّى ماتَ فلا قوَدَ؛ لأنَّ هذا لا يَقتلُ غالبًا، وهل يَضمنُه؟ فيه وَجهانِ: أحَدُهما: لا يَضمنُه؛ لأنه مُهلكٌ لنَفسِه بإقامتِه، فلَم يَضمنْه كما لو ألقاهُ في ماءٍ يَسيرٍ، لكنْ يَضمنُ ما أصابَتِ النارُ منه. والثاني: يَضمنُه؛ لأنه جاءَ بالإلقاءِ المُفضِي إلى الهَلاكِ، وتَركُ التخلُّصِ لا يُسقطُ الضَّمانَ، كما لو فصَدَه فتَركَ شَدَّ فِصادِه مع إمكانِه، أو جرَحَه فتَركَ مُداواةَ جُرحِه، وفارَقَ الماءَ؛ لأنه لا يَهلكُ بنَفسِه، ولهذا يَدخلُه الناسُ للغُسلِ والسِّباحةِ والصَّيدِ، وأما النارُ فيَسيرُها يُهلكُ، وإنما تُعلَمُ قُدرتُه على التَّخلصِ بقَولِه: «أنا قادِرٌ على التَّخلصِ» أو نحوَ هذا؛ لأنَّ النارَ لها حَرارةٌ شَديدةٌ، فرُبَّما أزعَجَتْه حَرارتُها عن مَعرفةِ ما يَتخلصُ به، أو أذهَبَتْ عَقْلَه بألمِها ورُوعتِها (١). إذا حبَسَه ومنَعَ عنه الطَّعامَ والشَّرابَ حتَّى ماتَ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ مَنْ حبَسَ إنسانًا ولم يَمنعْه الطَّعامَ ولا الشَّرابَ فماتَ في حَبسِه فإنه لا شَيءَ عليهِ مِنْ قِصاصٍ ولا دِيةٍ. إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا فيمَن حبَسَ غيرَه في مَكانٍ ومنَعَ عنه الطَّعامَ والشَّرابَ حتَّى ماتَ في الحَبسِ، هل يُقتصُّ منه؟ أم يَجبُ عليهِ الدِّيةُ؟ أم لا يَجبُ عليهِ شَيءٌ أصلًا؟

стр. 12862

فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ﵀ إلى أنَّ مَنْ حبَسَ إنسانًا فماتَ منه مِنْ الجُوعِ أو العَطشِ لا يَضمنُ؛ لأنَّ الجُوعَ والعَطشَ مِنْ لَوازمِ الإنسانِ فلا يُضافُ للجاني؛ لأنَّ سبَبَه لا يُؤدِّي إلى التَّلفِ، وإنما ماتَ بسَببٍ آخَرَ، وهو فَقدُ الطَّعامِ والماءِ، فلمْ تَبْقَ إلا اليَدُ، والحُرُّ لا يُضمَنُ باليدِ. وذهَبَ الإمامانِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ -رحمهما الله- إلى أنَّ عليهِ الدِّيةَ؛ لأنه سَببٌ أدَّاهُ إلى التَّلفِ كسَقيِ السُّمِّ (١). وقالَ المالِكيةُ: إذا منَعَه الطَّعامَ والشَّرابَ قاصِدًا قتْلَه فإنه يُقتلُ به، وقيلَ: يُقتلُ وإنْ لم يَقصدْ قتْلَه؛ لأنَّ قصْدَ القَتلِ ليسَ شَرطًا في القِصاصِ، وحِينئذٍ يَجبُ عليهِ القِصاصُ وإنْ قصَدَ به التَّعذيبَ لا القتلَ. وكذا مَنْ منَعَ فضْلَ مائِه مُسافرًا عالِمًا بأنه لا يَحلُّ مَنعُه وأنه يَموتُ إنْ لم يَسقِه قُتلَ به وإنْ لم يَلِ قتْلَه بيَدِه (٢). وقالَ الشافِعيةُ: إنْ حبَسَ حُرًّا في بَيتٍ فماتَ جُوعًا أو عَطشًا نُظرَ؛ إنْ كانَ عِندَه فلَم يَتناولْه خَوفًا أو حُزنًا أو أمكَنَه طَلبُه ولو بالسُّؤالِ فلَم يَفعلْ لم يَجبْ على حابسِه قِصاصٌ ولا ضَمانٌ؛ لأنَّ المَحبوسَ قتَلَ نفْسَه. وإنْ منَعَه الطَّعامَ والشَّرابَ ومنَعَه الطلَبَ حتى ماتَ نُظرَ:

стр. 12863

إنْ مضَتْ مُدةٌ يَموتُ مِثلُه فيها غالبًا بالجُوعِ أو العَطشِ وجَبَ القِصاصُ؛ لأنه قتَلَه بما يَقتلُ مثلُه غالبًا، فهو كما لو قتَلَه بالسيفِ، وتَختلفُ المُدةُ باختِلافِ حالِ المَحبوسِ قُوةً وضَعفًا والزَّمانِ حَرٍّ أو بَردٍ؛ لأنَّ فقْدَ الماءِ في الحَرِّ ليسَ كفَقدِه في البَردِ. وإنْ لم تَمضِ مُدةٌ يَموتُ في مثلِها غالبًا وماتَ فإنْ لم يَكنْ به جُوعٌ أو عَطشٌ سابقٌ فهو شِبهُ عَمدٍ. وإنْ كانَ به بَعضُ جُوعٍ أو عَطشٍ ففِي وُجوبِ القِصاصِ ثَلاثةُ أقوالٍ: أظهَرُها: أنه إنْ عَلِمَ الحابسُ جُوعَه السابقَ لَزمَه القِصاصُ، وإلا فهو شِبهُ عَمدٍ في الأظهَرِ؛ لأنه لم يَقصدْ هَلاكَه ولا أتَى بما هو مُهلكٌ، كما لو دفَعَه دَفعًا خَفيفًا فسقَطَ على سِكينٍ وراءَهُ وهو جاهِلٌ فإنه لا قِصاصَ. والثاني: هو عَمدٌ ويَجبُ القِصاصُ؛ لحُصولِ الهَلاكِ به كما لو ضرَبَ المَريضَ ضَربًا يُهلكُه ولا يُهلِكُ الصَّحيحَ وهو جاهِلٌ بمَرضِه. والثالث: عَكسُه. فإنْ أوجَبْنا القِصاصَ وجَبَتْ دِيةُ عَمدٍ بكَمالِها إنْ كانَ عالِمًا، ودِيةُ شِبهِ عَمدٍ إنْ كانَ جاهِلًا، وإنْ لم نُوجِبِ القِصاصَ فقَولانِ: أحَدُهما: تَجبُ الدِّيةُ بكَمالِها، وإنما سقَطَ القِصاصُ للشُّبهةِ. وأظهَرُهمُا وبه قطَعَ الأكثَرونَ: تَجبُ نِصفُ دِيةِ العَمدِ أو شِبهِ العَمدِ. ولو منَعَه الشَّرابَ دُونَ الطَّعامِ فلَم يَأكلِ المَحبوسُ خَوفًا مِنْ العَطشِ

стр. 12864

فماتَ فلا قِصاصَ قَطعًا، ولا ضَمانَ أيضًا على الأصحِّ، وبه قطَعَ البَغويُّ؛ لأنه المُهلِكُ نفسَه، وقالَ القفَّالُ: يَجبُ. ولو حبَسَه وراعاهُ بالطَّعامِ والشَّرابِ فماتَ في الحَبسِ فإنْ كانَ عَبدًا ضَمِنَه باليَدِ، وإنْ كانَ حُرًّا فلا ضَمانَ أصلًا، سَواءٌ ماتَ حتْفَ أنفِه أو بانهِدامِ سَقفٍ أو جِدارٍ عليهِ، أو بلَسعِ حيَّةٍ ونَحوِها. ولو حبَسَه وعرَّاهُ حتَّى ماتَ بالبَردِ فهو كما لو حبَسَه، ومنَعَه الطَّعامَ والشَّرابَ. ولو أخَذَ طَعامَه أو شَرابَه أو ثِيابَه في مَفازةٍ فماتَ جُوعًا أو عَطشًا أو بَردًا فلا ضَمانَ؛ لأنه لم يُحدثْ فيه صُنعًا. ولو قتَلَه بالدُّخانِ بأنْ حبَسَه في بَيتٍ وسَدَّ مَنافذَه فاجتَمعَ عليهِ الدُّخانُ فضاقَ نفَسَه فماتَ وجَبَ القوَدُ، وكذا لو منَعَ مَنْ افتَصدَ مِنْ شَدِّ فِصادِه حتى ماتَ (١). وقالَ الحَنابلةُ: لو أنَّ رَجلًا حبَسَ آخَرَ في مَكانٍ ومنَعَه الطَّعامَ والشَّرابَ أو أحدَهُما -أي الطَّعامَ وحْدَه أو الشَّرابَ- مُدةً لا يَبقَى فيها حتَّى يَموتَ ففيهِ القَودُ؛ لأنَّ هذا يَقتلُ غالبًا، وهذا يَختلفُ باختِلافِ الناسِ والزَّمانِ والأحوالِ، فإذا كانَ عَطشانَ في شِدةِ الحَرِّ ماتَ في الزَّمنِ القَليلِ وإنْ كانَ ريَّانَ والزَّمنُ باردٌ ومُعتدلٌ لم يَمتْ إلا في زَمنٍ طَويلٍ، فيُعتبَرُ هذا فيهِ، وإنْ

стр. 12865

كانَ في مُدةٍ يَموتُ في مِثلِها غالبًا ففيهِ القَودُ، وإنْ كانَ لا يَموتُ في مِثلِها غالبًا فهو عَمدُ الخَطأِ، وإنْ شكَكْنا فيها لم يَجبِ القَودُ؛ لأننا شكَكْنا في السَّببِ، ولا يَثبتُ الحُكمُ مع الشَّكِّ في سَببِه، سيِّما القِصاصُ الذي يَسقطُ بالشبُهاتِ. فإنْ لم يَتعذرْ عليهِ الطلَبُ وترَكَه حتى ماتَ فهَدرٌ؛ لأنه المُهمِلُ لنَفسِه (١). إذا وضَعَه في أرضٍ مُسبَّعةٍ أو أمامَ أسَدٍ أو حَيوانٍ مُفتَرسٍ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن رَمَى رَجلًا في أرضٍ مُسبَّعةٍ أو بينَ بيدِ سَبعٍ فقتَلَه، هل يَجبُ القَودُ أم لا؟ على تَفصيلٍ عندَهُم. قالَ الحَنفيةُ: لو طرَحَ رَجلٌ غيرَه قُدَّامَ أسدٍ أو سَبعٍ فليسَ على الطارحِ قَودٌ ولا دِيةٌ، ولكنْ يُعزَّرُ ويُضرَبُ ضَربًا وَجيعًا ويُحبَسُ حتى يَتوبَ، وقالَ أبو يُوسفَ: أما أنَا فأرَى الحبْسَ حتَّى يَموتَ، وعن الإمامِ: عليهِ الدِّيةُ (٢). وقالَ الشافِعيةُ: وإنْ كتَفَ رَجلًا أو قيَّدَه فأكلَه السَّبعُ .. فلا يَخلُو مِنْ ثَلاثِ حالاتٍ: إحداهُنَّ: إذا قيَّدَه أو كتَفَه وطرَحَه في أرضٍ مُسبَّعةٍ فجاءَ السَّبعُ فأكلَهُ .. فإنه لا قوَدَ على الطارحِ له ولا دِيةَ؛ لأنَّ السَّبعَ أكلَه باختِيارِه، ولأنَّ له اختيارًا، كما لو أمسَكَه، فقتَلَه آخَرُ.

стр. 12866

الثانيةُ: إذا قيَّدَه في صَحراءَ ثم رَمَى بالسَّبعِ عليهِ، أو رمَى به على السَّبعِ فأكَلَه .. فلا قوَدَ عليهِ ولا دِيةَ؛ لأنَّ مِنْ طَبعِ السَّبعِ إذا رُميَ به على إنسانٍ، أو رُميَ بإنسانٍ عليهِ .. أنْ يَنفرَ عنه، فإذا لم يَنفرْ عنهُ .. كانَ أكلُه له باختِيارِه. الثالِثةُ: إذا كانَ السَّبعُ في مَضيقٍ أو بَيتٍ أو بِئرٍ أو زُبيةٍ (١) فرُميَ بالإنسانِ عليهِ، أو كانَ الإنسانُ في المَضيقِ أو في البَيتِ أو في البِئرِ أو في الزُّبيةِ فرُميَ بالسَّبعِ عليهِ فضرَبَه السَّبعُ فماتَ؛ فإنْ ضرَبَه السَّبعُ ضَربًا يَقتلُ مِثلُه في الغالِبِ .. وجَبَ على الرامِي القَودُ؛ لأنه قد اضطرَّ السَّبعَ إلى قَتلِه، وإنْ ضرَبَه ضَربًا لا يَقتلُ مثلُه في الغالِبِ فماتَ .. لم يَجبْ على الرامِي القَودُ؛ لأنَّ الغالِبَ منهُ السَّلامةُ، وتَجبُ عليهِ الدِّيةُ في مالِه، وكذلكَ حُكمُ النَّمرِ وما في مَعناهُ. وإنْ أمسَكَ السَّبعَ أو النَّمرَ وأفرَسَه إياهُ فأكَلَه .. فعَليهِ القَودُ؛ لأنه قد اضطرَّه إلى ذلكَ. وإنْ قيَّدَ رَجلًا وطرَحَه في أرضٍ ذاتِ حيَّاتٍ فنهَشَتْه حيَّةٌ منها فماتَ .. فلا قوَدَ عليهِ ولا دِيةَ، سَواءٌ كانَ في مَوضعٍ ضيِّقٍ أو واسِعٍ. وكذلكَ إذا رُميَ به على الحيَّةِ أو رُميَ بالحيَّةِ عليهِ؛ لأنَّ الحيَّاتِ والعَقاربَ مِنْ طَبعِها النُّفورُ مِنْ الإنسانِ.

стр. 12867

وإنْ أخَذَ الحيَّةَ أو العَقربَ بيَدِه وأنهَشَها إنسانًا .. قالَ الشافِعيُّ ﵀: (ضغَطَها أو لم يَضغطْها فنهَشَتْه فماتَ؛ فإنْ كانَ مِنْ الحيَّاتِ التي تَقتلُ في الغالِبِ كحيَّاتِ الطائفِ وأفاعِي مَكةَ .. وجَبَ عليهِ القَودُ؛ لأنه تَوصَّلَ إلى قَتلِه بما يَقتلُ غالبًا، فهو كما لو قتَلَه بالسَّيفِ، وإنْ كانَ ممَّا لا يَقتلُ غالبًا مِثلُها كثَعابينِ مَكةَ والحِجازِ وأفاعِي مِصرَ .. ففيهِ قَولانِ: أحَدُهما: لا يَجبُ عليهِ القَودُ؛ لأنه لا يَقتلُ مثلُها غالبًا، ويَجبُ عليهِ دِيةٌ مُغلَّظةٌ؛ لأنه شِبهُ عَمدٍ. والثاني: يَجبُ عليهِ القَودُ؛ لأنَّ جِنسَها يَقتلُ غالبًا، فهو بمَنزلةِ الجِراحِ) (١). وقالَ الحَنابلةُ: إنْ جمَعَ بينَه وبينَ أسدٍ أو نَمرٍ في مكانٍ ضَيِّقٍ كزُبيةٍ ونَحوِها فيَقتلُه فهذا عَمدٌ، فيه القِصاصُ إذا فعَلَ السَّبعُ به فِعلًا يَقتلُ مثلُه، وإنْ فعَلَ به فِعلًا لو فعَلَه الآدَميُّ لم يَكنْ عَمدًا لم يَجبِ القِصاصُ به؛ لأنَّ السَّبعَ صارَ آلةً للآدَميِّ، فكانَ فِعلُه كفِعلِه. وإنْ ألقاهُ مَكتوفًا بينَ يَدِي الأسدِ أو النَّمرِ في فَضاءٍ فأكَلَه فعليهِ القَودُ، وكذلكَ إنْ جمَعَ بينَه وبينَ حيَّةٍ في مكانٍ ضيِّقٍ فنهَشَتْه فقتَلَتْه فعليهِ القَودُ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وقالَ القاضِي: لا ضَمانَ عليهِ في الصُّورتينِ، وهو قَولُ أصحابِ الشافِعيِّ؛ لأنَّ الأسَدَ والحيَّةَ يَهربانِ مِنْ الآدَميِّ، ولأنَّ هذا سَببٌ غيرُ مُلجئٍ. ولنا: إنَّ هذا يَقتلُ غالبًا، فكانَ عَمدًا مَحضًا كسائرِ الصُّورِ.

стр. 12868

وقَولُهم: «إنهُما يَهربانِ» غيرُ صَحيحٍ؛ فإنَّ الأسَدَ يأخُذُ الآدَميَّ المُطلَقَ، فكيفَ يَهربُ مِنْ مَكتوفٍ أُلقيَ إليهِ ليَأكلَه، والحيَّةُ إنما تَهربُ في مكانٍ واسعٍ، أما إذا ضاقَ المَكانُ فالغالبُ أنها تَدفعُ عن نفسِها بالنَّهشِ على ما هو العادَةِ. وقد ذكَرَ القاضي فيمَن أُلقيَ مَكتوفًا في أرضٍ مُسبَّعةٍ أو ذاتِ حيَّاتٍ فقتَلَتْه أنَّ في وُجوبِ القِصاصِ رِوايتينِ، وهذا تَناقضٌ شَديدٌ؛ فإنَّه نفَى الضَّمانَ بالكُليةِ في صُورةٍ كانَ القَتلُ فيها أغلَبَ، وأوجَبَ القِصاصَ في صُورةٍ كانَ فيها أندَرَ، والصَّحيحُ أنه لا قِصاصَ هاهُنا، ويَجبُ الضَّمانُ؛ لأنه فعَلَ به فِعلًا مُتعمِّدًا تَلفَ به لا يَقتلُ مِثلُه غالبًا. وإنْ أنهَشَه حيَّةً أو سَبعًا فقتَلَه فعَليهِ القَودُ إذا كانَ ذلكَ مما يَقتلُ غالبًا؛ فإنْ كانَ مما لا يَقتلُ غالبًا كثُعبانِ الحِجازِ أو سَبعٍ صَغيرٍ ففيهِ وَجهانِ: أحَدُهما: فيه القَودُ؛ لأنَّ الجُرحَ لا يُعتبَرُ فيه غَلبةُ حُصولِ القَتلِ به، وهذا جُرحٌ، ولأنَّ الحَيةَ مِنْ جِنسِ ما يَقتلُ غالبًا. والثاني: هو شَبيهُ العَمدِ؛ لأنه لا يَقتلُ غالبًا، أشبَهَ الضَّربَ بالعَصا والحَجرِ. وإنْ كتَفَه وألقاهُ في أرضٍ غيرِ مُسبعةٍ فأكَلَه سَبعٌ أو نهَشتْه حيَّةٌ فماتَ فهو شِبهُ العَمدِ، وقالَ أصحابُ الشافِعيِّ: هو خَطأٌ مَحضٌ. ولنا: إنه فعَلَ به فِعلًا لا يَقتلُ مِثلُه غالبًا عَمدًا، فأفضَى إلى هَلاكِه، أشبَهَ ما لو ضرَبَه بعَصًا فماتَ، وكذلكَ إنْ ألقاهُ مَشدودًا في مَوضعٍ لم يَعهدْ

стр. 12869

وُصولَ زِيادةِ الماءِ إليه، فأما إنْ كانَ في مَوضعٍ يَعلمُ وُصولَ زِيادةِ الماءِ إليهِ في ذلكَ الوَقتِ فماتَ بها فهو عَمدٌ مَحضٌ، وإنْ كانَتْ غيرَ مَعلومةٍ إما لكَونِها تَحتملُ الوُجوبَ وعدَمَه أو لا تُعهدُ أصلًا فهو شِبهُ عَمدٍ (١). القَتلُ بالسُّمِّ: إذا قدَّمَ لغَيرِه طَعامًا مَسمومًا أو سَقاهُ سُمًّا فإنْ قدَّمَه لصَغيرٍ أو مَجنونٍ فقالَ له: «كُلْهُ أو اشرَبْه» فأكَلَه أو شَربَه فماتَ وجَبَ القِصاصُ على مُقدمِ الطَّعامِ إذا كانَ يَعلمُ أنَّ هذا السُّمَّ يَقتلُ غالبًا، وسَواءٌ أخبَرَه أنَّ الطَّعامَ مَسمومٌ أم لا. وإنْ سَقاهُ لبالغٍ فماتَ المَسقيُّ فهذا لا يَخلُو مِنْ حالتَينِ: الحالةُ الأُولى: أنْ يُكرهَه على شُربِ السمِّ أو يُوجِرَه في حَلقِه: إذا أكرهَ على شُربِ السمِّ بأن صَبَّه في حَلقِه مُكرِهًا له على ذلكَ فإنْ أقَرَّ الساقِي أنه سُمٌّ يَقتلُ مِثلُه غالبًا وجَبَ عليهِ القَودُ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ؛ لأنه قتَلَه بما يَقتلُ غالبًا، فهو كما لو قتَلَه بالسَّيفِ. وقالَ الحَنفيةُ: عليهِ الدِّيةُ ولا قِصاصَ عليهِ. وإنْ خلَطَ السُّمَّ بطَعامٍ أو شَرابٍ فأوجرَهُ في حَلقِه فماتَ وجَبَ القَودُ عندَ المالِكيةِ والحَنابلةِ؛ لِما رَواهُ أبو داودَ عن أبي سَلمةَ «أنَّ رَسولَ اللهِ

стр. 12870

ﷺ أَهدَتْ له يَهودِيةٌ بخَيبَرَ شاةً مَصليَّةً، قالَ: فماتَ بِشرُ بنُ البَراءِ بنِ مَعرورٍ الأنصاريُّ، فأرسَلَ إلى اليَهوديةِ … فأمَرَ بها رَسولُ اللهِ ﷺ فقُتلَتْ» (١)، ولأنَّ هذا يَقتلُ غالبًا ويُتخذُ طَريقًا إلى القَتلِ كَثيرًا، فأوجَبَ القِصاصَ كما لو أكرَهَه على شُربِه. وقالَ الشافِعيةُ: إنْ كانَ الطَّعامُ أو الشَّرابُ قد كسَرَ حِدةَ السُّمِّ فصارَ لا يَقتلُ غالبًا لم يَجبْ عليهِ القَودُ، وإنْ لم يَكسرْ حِدَّتَه فهو كما لو سَقاهُ السُّمَّ مُنفردًا فعَليهِ القودُ. وقالَ الحَنفيةُ: ولو أطعَمَ غيرَه سُمًّا فماتَ فإنْ كانَ تَناولَ بنَفسِه فلا ضَمانَ على الذي أطعَمَه؛ لأنه أكَلَه باختِيارِه، لكنَّه يُعزَّرُ ويُضرَبُ ويُؤدَّبُ؛ لأنه ارتَكبَ جِنايةً ليسَ لها حَدٌّ مُقدَّرٌ، وهي الغُرورُ. فإنْ أوجَرَه السُمَّ فعَليهِ الدِّيةُ (٢). الحالةُ الثانيةُ: أنْ يُقدِّمَ له السُّمَّ ولا يُكرِهَه على تَناولِه: إذا قدَّمَ له السمَّ ولم يُكرِهْه على ذلكَ وإنما ناوَلَه إياهُ فشَربَه وهو عالِمٌ به فلا ضَمانَ على الدافعِ؛ لأنه قتَلَ نفسَه باختِيارِه أو بتَفريطِه كما نَصَّ على ذلكَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ. وإنْ خلَطَه بطَعامٍ أو شَرابٍ وقدَّمَه إليه فأكَلَه أو أهداهُ إليهِ أو خلَطَه بطَعامِ رَجلٍ ولم يَعلمْ ذلكَ وجَبَ عليهِ القَودُ عندَ المالِكيةِ والشافِعيةِ في

стр. 12871

قَولٍ والحَنابلةِ؛ لِما رواهُ أبو داودَ عن أبي سَلمةَ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أَهدَتْ له يَهودِيةٌ بخَيبَرَ شاةً مَصليَّةً، قالَ: فماتَ بِشرُ بنُ البَراءِ بنِ مَعرورٍ الأنصاريُّ، فأرسَلَ إلى اليَهوديةِ … فأمَرَ بها رَسولُ اللهِ ﷺ فقُتلَتْ» (١)، ولأنَّ هذا يَقتلُ غالبًا ويُتخذُ طَريقًا إلى القَتلِ كَثيرًا، فأوجَبَ القِصاصَ كما لو أكرَهَه على شُربِه. ولأنَّ العادةَ جرَتْ أنَّ مَنْ قُدِّمَ إليه الطَّعامُ .. فإنه يَأكلُ منه، فصارَ كأنَّه ألجَأَه إلى أكلِه، فوجَبَ عليهِ القَودُ كما لو أكرَهَه عليهِ. والقَولِ الثاني عندَ الشافِعيةِ: لا يَجبُ عليهِ القَودُ؛ لأنه أكَلَه باختِيارِه، فصارَ كما لو قتَلَ نفْسَه بسِكينٍ، وهل تَجبُ عليهِ الدِّيةُ؟ فيه قَولانِ: أحَدُهما: لا تَجبُ عليهِ الدِّيةُ؛ لأنه هو الجانِي على نَفسِه. والثاني وهوَ المَذهبُ: تَجبُ عليهِ الديَةُ؛ لأنَّ التلَفَ حصَلَ بسَببٍ منهُ، فصارَ كما لو حفَرَ بِئرًا في طَريقِ الناسِ فهلَكَ فيها إنسانٌ. وإنْ خلَطَ السمَّ بطَعامٍ وقدَّمَه إلى رَجلٍ وقالَ: «فيهِ سُمٌّ يَقتلُ غالِبًا» فأكَلَه فماتَ .. فلا قوَدَ عليهِ ولا ديَةَ؛ لأنه قتَلَ نفْسَه، وهذا باتِّفاقِ المَذاهبِ الأربَعةِ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأما إنْ خلَطَ السمَّ بطَعامِ نَفسِه وترَكَه في مَنزلِه فدخَلَ إنسانٌ فأكَلَه فليسَ عليهِ ضَمانٌ بقِصاصٍ ولا دِيةٍ؛ لأنه لم يَقتلْه، وإنما الداخِلُ قتَلَ نفسَه، فأشبَهَ ما لو حفَرَ في دارِه بئرًا فدخَلَ رَجلٌ فوقَعَ فيها،

стр. 12872

وسَواءٌ قصَدَ بذلكَ قتْلَ الآكِلِ مِثلَ أنْ يَعلمَ ظالِمًا يُريدُ هُجومَ دارِه فتَركَ السُّمَّ في الطعامِ ليَقتلَه، فهو كما لو حفَرَ بئرًا في دارِه ليَقعَ فيها اللصُّ إذا دخَلَ ليَسرقَ منها. ولو دخَلَ رَجلٌ بإذنِه فأكَلَ الطَّعامَ المَسمومَ بغيرِ إذنِه لم يَضمنْه لذلكَ، وإنْ خلَطَه بطَعامِ رَجلٍ أو قدَّمَ إليه طَعامًا مَسمومًا وأخبَرَه بسُمِّه فأكَلَه لم يَضمنْه؛ لأنه أكَلَه عالِمًا بحالِه، فأشبَهَ ما لو قدَّمَ إليه سِكينًا فوجَأَ بها نفْسَه، وإنْ سَقَى إنسانًا سُمًّا أو خلَطَه بطَعامِه فأكَلَه ولم يَعلمْ به وكانَ ممَّا لا يَقتلُ مثلُه غالبًا فهو شِبهُ عَمدٍ، فإنِ اختُلفَ فيهِ هل يَقتلُ مِثلُه غالبًا أو لا؟ وثَمَّ بَينةٌ تَشهدُ عُملَ بها، وإنْ قالَتِ البَينةُ: «هو يَقتلُ النَّضوَ الضَّعيفَ دُونَ القويِّ» أو غيرَ هذا عُمِلتْ على حَسبِ ذلكَ، وإنْ لم يَكنْ مع أحَدِهما بَينةٌ فالقَولُ قولُ الساقي؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ وُجوبِ القِصاصِ، فلا يَثبتُ بالشكِّ، ولأنه أعلَمُ بصِفةِ ما سَقَى، وإنْ ثبَتَ أنه قاتِلٌ فقالَ: «لم أعلَمْ أنه قاتِلٌ» ففيه وَجهانِ: أحَدُهما: عليهِ القَودُ؛ لأنَّ السمَّ مِنْ جِنسِ ما يَقتلُ به غالبًا، فأشبَهَ ما لو جرَحَه وقالَ: «لم أعلَمْ أنه يَموتُ منه». والثاني: لا قوَدَ عليهِ؛ لأنه يَجوزُ أنْ يَخفَى عليهِ أنه قاتِلٌ، وهذهِ شُبهةٌ يَسقطُ بها القَودُ (١).

стр. 12873

وتَفصيلُ مَذهبِ الحَنفيةِ حَكاهُ ابنُ نُجيمٍ ﵀ حَيثُ قالَ: وإذا سَقَى رَجلًا سُمًّا فماتَ مِنْ ذلكَ فهو على ثَلاثةِ أوجُهٍ: إما أنْ يَكونَ أَوجرَه على كُرهٍ، أو أكرَهَه على شُربهِ حتَّى شَربَ، أو ناوَلَه وشَربَه مِنْ غيرِ أنْ يُكرهَه عليهِ. فإنْ أوجَرَه إيجارًا أو ناوَلَه وأكرَهَه على شُربِه حتى شَربَ فلا قِصاصَ، وعلى عاقِلتِه الدِّيةُ. وفي «الذَّخيرَة» ذكَرَ المَسألةَ في «الأصل» مُطلقًا مِنْ غيرِ خِلافٍ، ولم يُفصِّلْ بينَ ما إذا كانَ مِقدارًا يَقتلُ مثلُه غالبًا أو لا يَقتلُ، وهذا الجَوابُ لا يُشكِلُ على قولِ أبي حَنيفةَ؛ وذلكَ لأنَّ القَتلَ حصَلَ بحالٍ لا يَخرجُ لا مِنْ حَيثُ الحَقيقةُ ولا مِنْ حَيثُ الاعتبارُ، فكانَ خَطأَ العَمدِ على مَذهبِه، وأما على قَولِ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ فمِن مَشايخِنا مَنْ قالَ: الجَوابُ عندَهُما على التَّفصيلِ: إنْ كانَ ما أوجَرَه مِنْ السمِّ مِقدارَ ما يَقتلُ مثلُه غالبًا كانَ عَمدًا مَحضًا، وإنْ كانَ قَدرًا لا يَقتلُ مثلُه غالبًا فإنه يَكونُ خَطأَ العَمدِ، ومِن مَشايخِنا مَنْ قالَ بأنهُ على قَولِهم جَميعًا يَكونُ خَطأَ العَمدِ، سَواءٌ كانَ مما يَقتلُ مثلُه غالبًا أو لا يَقتلُ، وكانَ كمَن أوجَرَ رَجلًا سَقمونيَا لا تَحتملُه النُّفوسُ فماتَ لا يَكونُ عَمدًا مَحضًا. وإذا تَناولَه فشَربَ مِنْ غيرِ أنْ أُكرهَ لم يَكنْ عليهِ قِصاصَ ولا دِيةَ، سَواءٌ عَلِمَ الشاربُ بكَونِه سُمًّا أو لم يَعلمْ.

стр. 12874

وفي «الخانيَّة»: لا قِصاصَ عليهِ ولا دِيةَ؛ لأنه شَربَ باختيارِه، إلا أنَّ الدافعَ خدَعَه، فلا يَجبُ عليهِ إلا التَّعزيرُ والاستِغفارُ (١). وكذا لو قالَ لآخَرَ: «كُلْ هذا الطَّعامَ فإنه طيِّبٌ» فأكَلَه فإذا هو مَسمومٌ فماتَ لم يَضمنْ (٢). وهذا الخِلافُ السابقُ فيما لو قدَّمَ له السُمَّ وهو عالِمٌ أنه سُمٌّ، فإنْ لم يَعلمِ المُقدِّمُ فلا قِصاصَ عليهِ، وفيه الدِّيةُ؛ لأنه قَتلُ خَطأٍ. وقالَ المالِكيةُ: مَنْ قدَّمَ لشَخصٍ طَعامًا أو شَرابًا أو لباسًا مَسمومًا فأكَلَه فماتَ فإنه يُقتصُّ منه إذا كانَ عالِمًا بذلكَ وإنْ لم يَعلمْ به الآكِلُ، فإنْ لم يَعلمْ مُقدِّمُه بأنه سُمٌّ أو مَسمومٌ أو عَلِمَ به الآكلُ فلا قِصاصَ ولا شَيءَ عليهِ؛ لأنَّ المُتناوِلَ إذا عَلِمَ فهو القاتلُ لنَفسِه، وإذا لم يَعلمِ المُقدِّمُ فهو مَعذورٌ (٣). الإكراهُ على القَتلِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ أُكرِهَ على قَتلِ غَيرِه أنه لا يَجوزُ له الإقدامُ على قَتلِه ولا انتِهاكُ حُرمتِه بجَلدٍ أو غَيرِه، ويَصبِرُ على البَلاءِ الذي نزَلَ به، ولا يَحلُّ له أنْ يَفديَ نفسَه بغَيرِه ولا يسَعُه الإقدامُ عليهِ؛ لأنَّ ذلكَ مِنْ حُقوقِ

стр. 12875

النَّاسِ، وهُمَا مُتساوِيانِ في الحُقوقِ، فلا يَجوزُ إحياءُ نفسِه بقَتلِ غَيرِه بغيرِ استِحقاقٍ؛ لأنه ليسَ حِفظُ نفسِه بقَتلِ ذلكَ المَعصومِ أَولى مِنْ العَكسِ، فليسَ له أنْ يَظلمَ غيرَه فيَقتلُه لِئلَّا يُقتلَ هو؛ لِما فيه مِنْ طاعةِ المَخلوقِ في مَعصيةِ الخالقِ وإيثارِ رُوحِه على رُوحِ مَنْ هو مِثلُه في الحُرمةِ، وذلكَ لا يَجوزُ. قالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ مَنْ أُكرِهَ على قَتلِ غيرِه أنه لا يَجوزُ له الإقدامُ على قَتلِه ولا انتِهاكُ حُرمتِه بجَلدٍ أو غَيرِه، ويَصبِرُ على البَلاءِ الذي نزَلَ به، ولا يَحلُّ له أنْ يَفديَ نفسَه بغيرِه، ويَسألُ اللهَ العافيةَ في الدُّنيا والآخِرةِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ رَجبٍ الحَنبليُّ ﵀: واتَّفقَ العُلماءُ على أنه لو أُكرهَ على قَتلِ مَعصومٍ لم يَصحَّ له أنْ يَقتلَه، فإنه إنَّما يَقتلُه باختِيارِه افتِداءً لنَفسِه مِنْ القَتلِ، هذا إجماعٌ مِنْ العُلماءِ المُعتدِّ بهم (٢). إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا فيما لو أُكرهَ شَخصٌ إكراهًا تامًّا على قَتلِ إنسانٍ، هل يُقتصُّ مِنْ المُكرِهِ؟ أم مِنْ المُكرَهِ؟ أم منهُما جَميعًا؟ أم لا قِصاصَ على واحِدٍ منهُما؟ فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ والشافِعيةُ في قَولٍ -قالَ النَّوويُّ في «الرَّوضَة»: وهو الصَّحيحُ المَنصوصُ- ورِوايةٌ للحَنابلةِ إلى أنه لا قِصاصَ

стр. 12876

على المُستكرَهِ، وإنما يُقتصُّ مِنْ المُكرِهِ دونَ المُباشرِ، ويُعزَّرُ المُستكرَهُ فقط؛ لقَولِه ﵊: «إنَّ اللهَ وضَعَ عن أمِّتي الخَطأُ والنِّسيانُ وما استُكرِهوا عَليهِ» (١). ولأنَّ المُستكرَهَ مُجرَّدُ آلةٍ للمُكرِهِ؛ إذ القاتِلُ في المَعنَى هو المُكرِهِ، وإنَّما المَوجودُ مِنْ المُستكرَهِ صُورةُ القَتلِ، فأشبَهَ المُستكرَهُ الآلةَ، ولا قِصاصَ على الآلةِ، ولأنه قتَلَه لاستبقاءِ نَفسِه، فلَم يَجبْ عليهِ القَودُ، كما لو قصَدَ رجلٌ نفسَه، فلَم يُمكنْه دَفعُه إلا بقَتلِه. ولأنه مَحمولٌ على القَتلِ بطَبعِه إيثارًا لحَياتِه، فيَصيرُ آلةً للمُكرِهِ فيما يَصلحُ أنْ يَكونَ آلةً له، وهو الإتلافُ دونَ الإثمِ؛ وهذا لأنَّ الآلةَ هي التي تَعملُ بطَبعِها، كالسَّيفِ فإنَّ طبْعَه القَطعُ عندَ الاستِعمالِ في مَحلِّه، وكالنارِ فإنَّ طبْعَها الإحراقُ، وكالماءِ فإنَّ طبْعَه الإغراقُ، وباستِعمالِ الآلةِ يَجبُ القِصاصُ على المُستعمِلِ، فكذا هنا، والدَّليلُ على أنَّ الآمِرَ هو المُستعمِلُ له والمَأمورُ جارٍ على مُوجِبِ طَبعِه أنَّ ضَمانَ المالِ المُتلَفِ يَجبُ على الآمرِ، ولولا أنه هو المُتلِفُ بالاستِعمالِ لَمَا وجَبَ عليهِ، فعُلِمَ بهذا أنَّ الإتلافَ مَنسوبٌ إلى الآمرِ، وأنَّ المأمورَ آلةٌ له؛ إذْ لا وجْهَ لنِسبتِه إليهِ إلا بهذا الطَّريقِ، فكأنَّ الآمرَ مُباشِرٌ للإتلافِ لا مُتسبِّبٌ له؛ لأنه لو كانَ مُتسبِّبًا لَمَا وجَبَ عليه الضَّمانُ، وإنما كانَ يَجبُ على المأمورِ؛ لأنَّ المُباشِرَ والمُتسبِّبَ إذا اجتمَعَا على الإتلافِ كانَ الضَّمانُ على المُباشِرِ دونَ

стр. 12877

المُتسبِّبِ؛ وهذا لأنه يُمكِنُ أنْ يُجعلَ آلةً له في إتلافِ المالِ بالإجماعِ، بأنْ يَأخذَه ويُلقيَه في مالِ إنسانٍ، فكذا في النَّفسِ في حَقِّ الإتلافِ يَصلحُ أنْ يَكونَ آلةً له بهذا الطَّريقِ، بخِلافِ الإثمِ؛ فإنه لا يَصلحُ أنْ يَكونَ آلةً له في حقِّه؛ لأنَّ الإثمَ بالجِنايةِ على دِينِه، ولا يَقدرُ أحَدٌ أنْ يَجنِيَ على دِينِ غيرِه، فبَقيَ بالفِعلِ مَقصورًا في حَقِّه. وذهَبَ زُفرُ مِنْ الحَنفيةِ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنه يَجبُ القِصاصُ على المُكرَهِ دونَ المُكرِهِ؛ لأنَّ القِصاصَ يَجبُ على القاتلِ، والقاتلُ هو المُكرَهُ حَقيقةً؛ لأنه هو المُباشِرُ، وكذا حُكمًا لأنه يَأثمُ به؛ وهذا لأنَّ القَتلَ فِعلٌ حسِّيٌّ، وقد تَحقَّقَ مِنْ المُكرَهِ، والأصلُ في الأفعالِ أنْ يُؤاخَذَ بها فاعلُها، إلا إذا سقَطَ حُكمُ فِعلِه شَرعًا وأُضيفَ إلى غَيرِه كما في الإكرَاهِ على إتلافِ مالِ الغَيرِ، فإنه سقَطَ حُكمُه وهو الإثمُ عن الفاعلِ وأُضيفَ إلى غَيرِه، وهُنا لم يَسقطْ حُكمُ فِعلِه، بل قُرِّرَ حُكمُ فِعلِه؛ بدَليلِ أنه يَأثمُ إِثمَ القتلِ، وإِثمُ القَتلِ يَكونُ على القاتلِ، وأما المُكرِهُ فهو مُتسبِّبٌ، ولا قِصاصَ بالتسبُّبِ. وذهَبَ أبو يُوسفَ -وتُحكَى رِوايةً عندَ الحَنابلةِ- إلى أنه لا يُقتَصُّ مِنْ المُستكرِهِ ولا مِنْ المُكرَهِ؛ لأنَّ المُستكرِهَ ليسَ بقاتلٍ حَقيقةً، وإنما هو مُسبِّبٌ للقَتلِ، وإنما القاتِلُ هو المُستكرَهُ، ولمَّا لم يَجبِ القِصاصُ على المُستكرَهِ فلَأنْ لا يَجبَ على المُكرِهِ أَولى، وإنما الواجِبُ عليهِ فَقطْ هو الديَةُ، ولا يَرجعُ على المُستكرَهِ بشَيءٍ (١).

стр. 12878

وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يُقتَصُّ مِنْ المُكرِهِ والمُستكرَهِ؛ لأنَّ القِصاصَ شُرعَ لحِكمةِ الزَّجرِ والرَّدعِ، والقَتلُ بالإكراهِ مِنْ المُتغلِّبةِ غالبٌ، فلو لم يَجبِ القِصاصُ لَأدَّى إلى الفَسادِ، فيُوجَبُ على الكلِّ حَسمًا لمادَّتِه. أما وُجوبُه على المُستكرَهِ فلِأنَّه وُجدَ منه القَتلُ حَقيقةً ظُلمًا لاستِبقاءِ نَفسِه، فأشبَهَ ما لو قتَلَه في المَخمصةِ ليَأكلَه، ولأنه يُمكِنُه الامتناعُ، ولذلكَ أَثِمَ بقَتلِه وحَرُمَ عليهِ بالإجماعِ. ولأنه قتَلَ شَخصًا مُكافئًا له ظُلمًا بغَيرِ حَقٍّ، فأشبَهَ المُبتدئَ بالقَتلِ، ولأنَّ التلَفَ بضَرورةِ الجُوعِ مُتحقِّقٌ، وبالإكراهِ مَظنونٌ، ثمَّ في أشَدِّ الضَّرورتينِ يَجبُ القَودُ، ففي أضعَفِهما أَولى. وأما وُجوبُه على المُكرِهِ الآمرِ فلِأنَّه مُتسبِّبٌ في القَتلِ، والمُتسبِّبُ كالمُباشرِ كما ثبَتَ شَرعًا، كما لو شَهدَ شاهِدانِ على رَجلٍ بالقَتلِ فقتَلَه الحاكِمُ فالحُكمُ يَتعلَّقُ بهمَا. وإنْ صارَ الأمرُ إلى الديَةِ فهيَ عليهِما جَميعًا عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ؛ لأنهُما شَريكانِ يَجبُ القِصاصُ عليهِما جَميعًا، فوجَبَتِ الدِّيةُ عليهِما

стр. 12879

كالشَّريكينِ بالفِعلِ، فعَلى هذا إنْ أحَبَّ الوليُّ قتْلَ أحَدِهما وأخْذَ نِصفِ الدِّيةِ مِنْ الآخَرِ أو العَفوَ عنه فلهُ ذلكَ كما نَصَّ على ذلكَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ. وقالَ الشافِعيةُ: وإنْ قُلنا: لا يَجبُ على المَأمورِ المُكرَهِ القَودُ .. فعليهِ نِصفُ الدِّيةِ؛ لأنه قد باشَرَ القَتلَ، ويَجبُ على كلِّ واحِدٍ منهُما الكفَّارةُ على القَولينِ مَعًا، هذا نَقلُ البَغداديينِ. وقالَ الخُراسانيُّونَ: إذا قُلنَا: «لا يَجبُ على المَأمورِ القَودُ» .. فهلْ يَجبُ عليهِ نِصفُ الديَةِ؟ فيه وَجهانِ. وقالَ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ: لا دِيةَ على المُكرَهِ؛ لأنه آلةٌ. وهذا الخِلافُ فيما لو كانَ الإكراهُ تامًّا، وأمَّا إنْ كانَ الإكراهُ ناقِصًا فيَجبُ القِصاصُ على المُستكرَهِ بلا خِلافٍ؛ لأنَّ الإكراهَ الناقِصَ لا يَسلبُ الاختيارَ أصلًا، فلا يَمنعُ وُجوبَ القِصاصِ (١).

стр. 12880

إلا أنَّ المالِكيةَ قالُوا: ومَن أكرَهَ غيرَه على قتلِ رَجلٍ ظُلمًا فإنْ كانَ المأمورُ ممَّن يُمكِنُه مخالَفةُ الأمرِ ولا تَلزمُه طاعتُه قُتلَ المأمورُ المباشِرُ للقتلِ، وإنْ كانَ مُكرِهًا لا يُمكِنُه مُخالَفتُه كالسُّلطانِ الذي يَخافُ مَنْ يُخالِفُه أنْ يَقتلَه أو يَجريَ عليهِ مَكروهٌ لمخالَفتِه قُتِلَا جميعًا، ودَليلُنا على وُجوبِ قتلِ المُباشِرِ أنه قاتِلٌ لغَيرِه ظُلمًا، فوجَبَ أنْ يُقادَ به، أصلُه غيرُ المُكروهِ، ودَليلُنا على وُجوبِ قتلِ المُكرِهِ إذا كانَت تَلزمُه طاعتُه إذا اضطرَّهُ إلى قَتلِ غيرِه ظُلمًا وأنه ألجَأَ إلى قَتلِه، فوجَبَ أنْ يتعلَّقَ الحُكمُ بالقتلِ كالشاهِدينِ زُورًا بالقتلِ. ودليلُنا على وُجوبِ قتلِ المباشِرِ إذا كانَ لا يُمكِنُه المُخالَفةُ أنه قتَلَه لاستِبقاءِ نَفسِه منه ظُلمًا، فأشبَهَ إذا جاعَ فقتَلَه وأكَلَه. ودَليلُنا على أنَّ الآمِرَ إذا كانَ ممَّن لا يَلزمُ المأمورَ طاعتُه ولا قوَدَ عليهِ أنه لم يَكنْ منه إلجاؤُه إلى قَتلِه كالدالِّ (١). إذا أُكرِهَ الصبيُّ على قَتلِ غيرِه: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أَكرَهَ رجلٌ صَبيًّا أو مَجنونًا على قَتلِ غَيرِه أو اشتَركَ صبيٌّ وعاقِلٌ في قَتلِ إنسانٍ عَمدًا أو خَطأً، هل يُقتَصُّ مِنْ الآمِرِ أو المكرَهِ أم لا؟ وهل إذا وجبَتِ الدِّيةُ أو نِصفُها على الصَّبيِّ تكونُ في مالِهِ أم على عاقِلتِه؟

стр. 12881

فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الصَّبيَّ أو المَجنونَ إذا أمرَهَ رجلٌ أو أُكرِهَ على قَتلِ إنسانٍ فلا قِصاصَ على واحدٍ مِنهُما، لا على الآمِرِ ولا على الصَّبيِّ ولا المَجنونِ، وكانَتْ ديَةُ المَقتولِ على عاقِلةِ الصبيِّ أو المَجنونِ، ويَرجعُ بذلكَ عاقِلةُ الصَّبيِّ على عاقِلةِ الآمِرِ مِنْ قِبَلِ أنَّ قَولَ الرَّجلِ يَجوزُ ويُنفذُ على نفْسِه؛ لأنَّ الآمِرَ جانٍ في استعمالِه الصبيَّ وأمرِه إيَّاه بالقَتلِ، وهو الذي تَسبَّبَ بوُجوبِ الضَّمانِ على عاقِلةِ الصبيِّ، فثَبتَ لهُم حقُّ الرُّجوعِ بها على عاقِلتِه، حتَّى ولو كانَ الصَّبيُّ المكرَهُ يَعقِلُ وهو مُطاعٌ أو بالِغٌ مُختِلطَ العَقلِ وهوَ مُسلَّطٌ فلا قِصاصَ عليهِ. وإذا أمَرَ صبيٌّ صَبيًّا بقَتلِ إنسانٍ فالدِّيةُ على عاقِلةِ الصبيِّ القاتلِ؛ لأنَّ الصبيَّ هو المباشِرُ للقتلِ، وعَمدُه وخَطؤُه سَواءٌ، فيَجبُ على عاقِلتِه، ولا شيءَ على الصبيِّ الآمِرِ للصبيِّ؛ لأنهُما لا يُؤاخَذانِ بأقوالِهما؛ لأنَّ المُؤاخَذةَ فيها باعتبارِ الشَّرعِ ولم يَعتبِرْ قَولَهما، ولا رُجوعَ لعاقِلةِ الصبيِّ على الصبيِّ الآمِرِ أبدًا. وإذا اشتَركَ صبيٌّ ورَجلٌ، أو مَجنونٌ وصَحيحٌ، أو قاتِلُ عَمدٍ وقاتِلُ خَطأٍ في قَتلِ رَجلٍ فلا قِصاصَ على واحِدٍ منهُما، وعلى عاقِلةِ الصبيِّ الديَةُ، وهيَ على الرَّجلِ العامِدِ في مالِه، وفي المُخطِئِ على عاقِلتِه (١).

стр. 12882

وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ الأبَ أو المُعلِّمَ أو غيرَهما إذا أمَرَ صَبيًّا بقَتلٍ ولو مُراهِقًا بقَتلِ غيرِه فإنَّ الآمِرَ يُقتلُ دونَ الصبيِّ؛ لعَدمِ تَكليفِه، ويَكونُ على عاقِلةِ الصبيِّ القاتِلِ نِصفُ ديَةِ المَقتولِ عندَ ابنِ القاسِمِ؛ لأنَّ عمْدَه خَطأٌ. وإنْ تعمَّدَ المُكلَّفُ والصبيُّ كلٌّ منهُما قتْلَ ذلكَ الشخصِ وقتَلاهُ مِنْ غيرِ تَمالؤٍ واتفاقٍ منهُما على قَتلِه ولم يعلَمْ بالآخَرِ فلا قتْلَ على المُكلَّفِ المُشارِكِ للصبيِّ في القَتلِ؛ لاحتِمالِ كَونِ رميِ الصبيِّ هو القاتِلَ، وإنَّما عليهِ نِصفُ الديَةِ في مالِه ونِصفُها الآخَرُ على عاقِلةِ الصبيِّ، إلا أنْ يَدعيَ أولياءُ المَقتولِ أنه ماتَ مِنْ فِعلِ المُكلَّفِ فإنهم يُقسِمونَ عليهِ ويَقتلونَه، فيَسقطُ نِصفُ الديَةِ على عاقِلةِ الصبيِّ؛ لأنَّ القَسامةَ إنما يُقتلُ بها ويَستحقُّ بها واحِدٌ. وإنْ قَتَلاهُ خَطأً فعَلى عاقِلةِ كلٍّ منهُما نِصفُ الديَةِ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ إلى التَّفرقةِ بينَ الصبيِّ المُميِّزِ وغيرِ المميِّزِ: فقالُوا: ولو أكرَهَ بالغٌ عاقِلٌ مُراهِقًا أو عَكسُه على قَتلِ شَخصٍ فقتَلَه فعَلى البالغِ القِصاصُ؛ لوُجودِ مُقتضيهِ وهو القَتلُ المَحضُ العُدوانُ، هذا إنْ قُلنا: «عَمدُ الصبيِّ عَمدٌ» وهو الأظهَرُ، فإنْ قُلنا: «خَطأٌ» فلا قِصاصَ؛ لأنه شَريكُ مُخطِئٍ، ولا قِصاصَ على الصبيِّ بحالٍ؛ لعَدمِ تكليفِه.

стр. 12883

ومَحلُّ الخِلافِ في عَمدِ الصبيِّ والمَجنونِ هل هو عَمدٌ أو خَطأٌ إذا كانَ لهُما نوعُ تَمييزٍ، وإلا فخَطأٌ قَطعًا. قالَ في «الرَّوضَة»: لو أمَرَ رَجلٌ صَبيًّا أو مَجنونًا حُرًّا بقَتلِ شَخصٍ فقتَلَه، قالَ البَغويُّ: إنْ كانَ لهُما تَمييزٌ فلا شَيءَ على الآمِرِ سِوى الإثمِ، وتَجبُ الديَةُ في مالِ المَأمورِ مُغلَّظةً إنْ قُلنا: «عَمدُه عَمدٌ»، وإنْ قُلنَا: «خَطأٌ» فعَلى عاقِلتِه مُخفَّفةً، وإنْ لم يَكنْ لهُما تَمييزٌ وكانَا يُسرِعانِ إلى ما أُغريَا به أو كانَ المَجنونُ ضاريًا فالقِصاصُ أو كَمالُ الديَةِ على الآمِرِ، وَليًّا كانَ أو أجنَبيًّا، ولو أمَرَ أحَدَهما بقَتلِ نفسِه ففعَلَ فعَلى الآمِرِ القِصاصُ. قالَ الإمامُ: هذا إذا قُلنَا: «يَجبُ القِصاصُ على المُكرِهِ والمُكرَهِ» وجَعلناهُما كالشَّريكينِ، فأمَّا إنْ قُلنا: «لا قِصاصَ على المُكرَهِ» ففي وُجوبِ القصاصِ على المُكرِهِ مع قَولِنا: «عَمدُ الصبيِّ خَطأٌ» وَجهانِ. وأما الدِّيةُ فجَميعُها على المكرِهِ إنْ لم نُوجِبْ على المُكرَهِ شَيئًا، وإنْ أوجَبْنَا عليهِ نِصفَها فنِصفُها على المُكرِهِ ونِصفُها في مالِ الصبيِّ إنْ قُلنَا: «عَمدُه عَمدٌ»، وإنْ قُلنا: «خَطأٌ» فعَلى عاقِلتِه. ولو أكرَهَ مُراهِقٌ بالِغًا فلا قِصاصَ على المُراهقِ، وفي البالغِ القَولانِ إنْ قُلنَا: «عَمدُ الصبيِّ عَمدٌ»، وإنْ قُلنا: «خَطأٌ» فلا قِصاصَ قَطعًا؛ لأنه شَريك مُخطئ (١).

стр. 12884

وذهَبَ الحَنابلةُ إلى أنَّ البالغَ لو أمَرَ صَبيًّا لا يُميِّزُ أو مَجنونًا أو أعجَميًّا لا يَعلمُ خطَرَ القَتلِ فقتَلَ فيُقتلُ الآمِرُ دونَ المُباشِرِ، ولو أمَرَه بزنًا أو سَرقةٍ لم يَجبِ الحدُّ على الآمِرِ؛ لأنَّ الحَدَّ لا يَجبُ إلا على المُباشِرِ، والقِصاصُ يَجبُ بالتسبُّبِ، ولذلكَ وجَبَ على المكرهِ والشُّهودِ في القِصاصِ وفي قَولٍ: لا يَجبُ القِصاصُ لا عليهِ ولا على مَنْ أكرَهَه؛ لأنَّ عمْدَ الصبيِّ خَطأٌ، والمُكرِهُ (بالكَسرِ) شَريكُ المُخطئِ، ولا قِصاصَ على شَريكِ مُخطئٍ، وأما إذا كانَ الصبيُّ مُميِّزًا فلا يَجبُ القِصاصُ على المُكرِهِ (بالكَسرِ) ولا يَجبُ على الصبيِّ المميِّزِ. قالَ الإمامُ المِرداويُّ ﵀: وإنْ أمَرَ مِنْ لا يُميِّزُ أو مَجنونًا أو عبْدَه الذي لا يَعلمُ أنَّ القتلَ مُحرَّمٌ بالقتلِ فقتَلَ فالقِصاصُ على الآمِرِ، وكذا الحُكمُ لو أمَرَ كَبيرًا يَجهلُ تَحريمَه، وهذا المَذهبُ في ذلكَ كلِّه، وعليهِ الأصحابُ. إلا أنَّ أبا الخطَّابِ قالَ في «الانتِصَار»: ولو أمَرَ صَبيًّا بالقتلِ فقتَلَ هو وآخَرُ وجَبَ القِصاصُ على آمِرِه وشَريكهِ في رِوايةٍ، وإنْ سَلِمَ فلِعَجزِه غالبًا. تَنبيهٌ: مَفهومُ قَولِه: «وإنْ أمَرَ مَنْ لا يُميِّزُ بالقَتلِ فقتَلَ فالقِصاصُ على الآمِرِ» أنه لو أمَرَ مَنْ يُميِّزُ بالقتِل فقتَلَ فإنَّ القِصاصَ على القاتلِ. ومَفهومُ قَولِه: «وإنْ أمَرَ كَبيرًا عاقلًا عالِمًا بتَحريمِ القَتلِ به فقتَلَ فالقِصاصُ على القاتلِ» أنه لا قِصاصَ على غيرِ الكَبيرِ العاقلِ، فشَملَ مَنْ يُميِّزُ.

стр. 12885

فقالَ ابنُ مُنَجَّا في شَرحِه: لا قِصاصَ عليهِ ولا على الآمِرِ، أما الأولُ فلِأنَّه غيرُ مكلَّفٍ، وأما الثاني فلِأنَّ تَمييزَه يَمنعُ أنْ يَكونَ كالآلةِ، فلا قوَدَ على واحِدٍ مِنهُما، وقالَ في «الفُروع»: ومَن أمَرَ صَبيًّا بالقتلِ فقتَلَ لَزمَ الآمِرَ، فظاهِرُه إدخالُ المميِّزِ في ذلكَ (١). حُكمُ مَنْ قتَلَ غيرَه بالسِّحرِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن سحَرَ غيرَه فقتَلَه بسِحرِه، هل يُقتصُّ منه أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ مَنْ قتَلَ غيرَه بسِحرٍ اقتُصَّ منهُ، ويَثبتُ ذلكَ عندَ المالِكيةِ بالبيِّنةِ أو الإقرارِ. وقالَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ: هذا إذا كانَ سِحرُه يَقتلُ مثلُه غالِبًا لَزمَه القَودُ؛ لأنه قتَلَه بما يَقتلُ غالبًا، فأشبَهَ ما لو قتَلَه بالسِّكينِ. وإنْ كانَ مما لا يَقتلُ غالبًا أو كانَ مما يَقتلُ أو لا يَقتلُ ففيهِ الدِّيةُ دُونَ القِصاصِ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ؛ لأنه عَمدُ الخَطأِ، فأشبَهَ ضرْبَ العصَا. وإنْ قالَ الساحِرُ: «لا أعلَمُه قاتِلًا» لم يُقبَلْ قولُه على الصَّحيحِ عندَ الحَنابلةِ؛ لأنه خِلافُ الظاهرِ. وقالَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ في قَولٍ: يُقبَلُ قَولُه وعليهِ الديَةُ مُخفَّفةً إنْ قالَ: «سِحرِي لا يَقتلُ»، ومُغلَّظةً إنْ قالَ: «قد يَقتلُ وقد لا يَقتلُ»، والغالبُ منه السَّلامةُ.
следующие страницы →