فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الصَّبيَّ أو المَجنونَ إذا أمرَهَ رجلٌ أو أُكرِهَ على قَتلِ إنسانٍ فلا قِصاصَ على واحدٍ مِنهُما، لا على الآمِرِ ولا على الصَّبيِّ ولا المَجنونِ، وكانَتْ ديَةُ المَقتولِ على عاقِلةِ الصبيِّ أو المَجنونِ، ويَرجعُ بذلكَ عاقِلةُ الصَّبيِّ على عاقِلةِ الآمِرِ مِنْ قِبَلِ أنَّ قَولَ الرَّجلِ يَجوزُ ويُنفذُ على نفْسِه؛ لأنَّ الآمِرَ جانٍ في استعمالِه الصبيَّ وأمرِه إيَّاه بالقَتلِ، وهو الذي تَسبَّبَ بوُجوبِ الضَّمانِ على عاقِلةِ الصبيِّ، فثَبتَ لهُم حقُّ الرُّجوعِ بها على عاقِلتِه، حتَّى ولو كانَ الصَّبيُّ المكرَهُ يَعقِلُ وهو مُطاعٌ أو بالِغٌ مُختِلطَ العَقلِ وهوَ مُسلَّطٌ فلا قِصاصَ عليهِ.
وإذا أمَرَ صبيٌّ صَبيًّا بقَتلِ إنسانٍ فالدِّيةُ على عاقِلةِ الصبيِّ القاتلِ؛ لأنَّ الصبيَّ هو المباشِرُ للقتلِ، وعَمدُه وخَطؤُه سَواءٌ، فيَجبُ على عاقِلتِه، ولا شيءَ على الصبيِّ الآمِرِ للصبيِّ؛ لأنهُما لا يُؤاخَذانِ بأقوالِهما؛ لأنَّ المُؤاخَذةَ فيها باعتبارِ الشَّرعِ ولم يَعتبِرْ قَولَهما، ولا رُجوعَ لعاقِلةِ الصبيِّ على الصبيِّ الآمِرِ أبدًا.
وإذا اشتَركَ صبيٌّ ورَجلٌ، أو مَجنونٌ وصَحيحٌ، أو قاتِلُ عَمدٍ وقاتِلُ خَطأٍ في قَتلِ رَجلٍ فلا قِصاصَ على واحِدٍ منهُما، وعلى عاقِلةِ الصبيِّ الديَةُ، وهيَ على الرَّجلِ العامِدِ في مالِه، وفي المُخطِئِ على عاقِلتِه (١).
стр. 12882
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ الأبَ أو المُعلِّمَ أو غيرَهما إذا أمَرَ صَبيًّا بقَتلٍ ولو مُراهِقًا بقَتلِ غيرِه فإنَّ الآمِرَ يُقتلُ دونَ الصبيِّ؛ لعَدمِ تَكليفِه، ويَكونُ على عاقِلةِ الصبيِّ القاتِلِ نِصفُ ديَةِ المَقتولِ عندَ ابنِ القاسِمِ؛ لأنَّ عمْدَه خَطأٌ.
وإنْ تعمَّدَ المُكلَّفُ والصبيُّ كلٌّ منهُما قتْلَ ذلكَ الشخصِ وقتَلاهُ مِنْ غيرِ تَمالؤٍ واتفاقٍ منهُما على قَتلِه ولم يعلَمْ بالآخَرِ فلا قتْلَ على المُكلَّفِ المُشارِكِ للصبيِّ في القَتلِ؛ لاحتِمالِ كَونِ رميِ الصبيِّ هو القاتِلَ، وإنَّما عليهِ نِصفُ الديَةِ في مالِه ونِصفُها الآخَرُ على عاقِلةِ الصبيِّ، إلا أنْ يَدعيَ أولياءُ المَقتولِ أنه ماتَ مِنْ فِعلِ المُكلَّفِ فإنهم يُقسِمونَ عليهِ ويَقتلونَه، فيَسقطُ نِصفُ الديَةِ على عاقِلةِ الصبيِّ؛ لأنَّ القَسامةَ إنما يُقتلُ بها ويَستحقُّ بها واحِدٌ.
وإنْ قَتَلاهُ خَطأً فعَلى عاقِلةِ كلٍّ منهُما نِصفُ الديَةِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى التَّفرقةِ بينَ الصبيِّ المُميِّزِ وغيرِ المميِّزِ:
فقالُوا: ولو أكرَهَ بالغٌ عاقِلٌ مُراهِقًا أو عَكسُه على قَتلِ شَخصٍ فقتَلَه فعَلى البالغِ القِصاصُ؛ لوُجودِ مُقتضيهِ وهو القَتلُ المَحضُ العُدوانُ، هذا إنْ قُلنا: «عَمدُ الصبيِّ عَمدٌ» وهو الأظهَرُ، فإنْ قُلنا: «خَطأٌ» فلا قِصاصَ؛ لأنه شَريكُ مُخطِئٍ، ولا قِصاصَ على الصبيِّ بحالٍ؛ لعَدمِ تكليفِه.
стр. 12883
ومَحلُّ الخِلافِ في عَمدِ الصبيِّ والمَجنونِ هل هو عَمدٌ أو خَطأٌ إذا كانَ لهُما نوعُ تَمييزٍ، وإلا فخَطأٌ قَطعًا.
قالَ في «الرَّوضَة»: لو أمَرَ رَجلٌ صَبيًّا أو مَجنونًا حُرًّا بقَتلِ شَخصٍ فقتَلَه، قالَ البَغويُّ: إنْ كانَ لهُما تَمييزٌ فلا شَيءَ على الآمِرِ سِوى الإثمِ، وتَجبُ الديَةُ في مالِ المَأمورِ مُغلَّظةً إنْ قُلنا: «عَمدُه عَمدٌ»، وإنْ قُلنَا: «خَطأٌ» فعَلى عاقِلتِه مُخفَّفةً، وإنْ لم يَكنْ لهُما تَمييزٌ وكانَا يُسرِعانِ إلى ما أُغريَا به أو كانَ المَجنونُ ضاريًا فالقِصاصُ أو كَمالُ الديَةِ على الآمِرِ، وَليًّا كانَ أو أجنَبيًّا، ولو أمَرَ أحَدَهما بقَتلِ نفسِه ففعَلَ فعَلى الآمِرِ القِصاصُ.
قالَ الإمامُ: هذا إذا قُلنَا: «يَجبُ القِصاصُ على المُكرِهِ والمُكرَهِ» وجَعلناهُما كالشَّريكينِ، فأمَّا إنْ قُلنا: «لا قِصاصَ على المُكرَهِ» ففي وُجوبِ القصاصِ على المُكرِهِ مع قَولِنا: «عَمدُ الصبيِّ خَطأٌ» وَجهانِ.
وأما الدِّيةُ فجَميعُها على المكرِهِ إنْ لم نُوجِبْ على المُكرَهِ شَيئًا، وإنْ أوجَبْنَا عليهِ نِصفَها فنِصفُها على المُكرِهِ ونِصفُها في مالِ الصبيِّ إنْ قُلنَا: «عَمدُه عَمدٌ»، وإنْ قُلنا: «خَطأٌ» فعَلى عاقِلتِه.
ولو أكرَهَ مُراهِقٌ بالِغًا فلا قِصاصَ على المُراهقِ، وفي البالغِ القَولانِ إنْ قُلنَا: «عَمدُ الصبيِّ عَمدٌ»، وإنْ قُلنا: «خَطأٌ» فلا قِصاصَ قَطعًا؛ لأنه شَريك مُخطئ (١).
стр. 12884
وذهَبَ الحَنابلةُ إلى أنَّ البالغَ لو أمَرَ صَبيًّا لا يُميِّزُ أو مَجنونًا أو أعجَميًّا لا يَعلمُ خطَرَ القَتلِ فقتَلَ فيُقتلُ الآمِرُ دونَ المُباشِرِ، ولو أمَرَه بزنًا أو سَرقةٍ لم يَجبِ الحدُّ على الآمِرِ؛ لأنَّ الحَدَّ لا يَجبُ إلا على المُباشِرِ، والقِصاصُ يَجبُ بالتسبُّبِ، ولذلكَ وجَبَ على المكرهِ والشُّهودِ في القِصاصِ
وفي قَولٍ: لا يَجبُ القِصاصُ لا عليهِ ولا على مَنْ أكرَهَه؛ لأنَّ عمْدَ الصبيِّ خَطأٌ، والمُكرِهُ (بالكَسرِ) شَريكُ المُخطئِ، ولا قِصاصَ على شَريكِ مُخطئٍ، وأما إذا كانَ الصبيُّ مُميِّزًا فلا يَجبُ القِصاصُ على المُكرِهِ (بالكَسرِ) ولا يَجبُ على الصبيِّ المميِّزِ.
قالَ الإمامُ المِرداويُّ ﵀: وإنْ أمَرَ مِنْ لا يُميِّزُ أو مَجنونًا أو عبْدَه الذي لا يَعلمُ أنَّ القتلَ مُحرَّمٌ بالقتلِ فقتَلَ فالقِصاصُ على الآمِرِ، وكذا الحُكمُ لو أمَرَ كَبيرًا يَجهلُ تَحريمَه، وهذا المَذهبُ في ذلكَ كلِّه، وعليهِ الأصحابُ.
إلا أنَّ أبا الخطَّابِ قالَ في «الانتِصَار»: ولو أمَرَ صَبيًّا بالقتلِ فقتَلَ هو وآخَرُ وجَبَ القِصاصُ على آمِرِه وشَريكهِ في رِوايةٍ، وإنْ سَلِمَ فلِعَجزِه غالبًا.
تَنبيهٌ: مَفهومُ قَولِه: «وإنْ أمَرَ مَنْ لا يُميِّزُ بالقَتلِ فقتَلَ فالقِصاصُ على الآمِرِ» أنه لو أمَرَ مَنْ يُميِّزُ بالقتِل فقتَلَ فإنَّ القِصاصَ على القاتلِ.
ومَفهومُ قَولِه: «وإنْ أمَرَ كَبيرًا عاقلًا عالِمًا بتَحريمِ القَتلِ به فقتَلَ فالقِصاصُ على القاتلِ» أنه لا قِصاصَ على غيرِ الكَبيرِ العاقلِ، فشَملَ مَنْ يُميِّزُ.
стр. 12885
فقالَ ابنُ مُنَجَّا في شَرحِه: لا قِصاصَ عليهِ ولا على الآمِرِ، أما الأولُ فلِأنَّه غيرُ مكلَّفٍ، وأما الثاني فلِأنَّ تَمييزَه يَمنعُ أنْ يَكونَ كالآلةِ، فلا قوَدَ على واحِدٍ مِنهُما، وقالَ في «الفُروع»: ومَن أمَرَ صَبيًّا بالقتلِ فقتَلَ لَزمَ الآمِرَ، فظاهِرُه إدخالُ المميِّزِ في ذلكَ (١).
حُكمُ مَنْ قتَلَ غيرَه بالسِّحرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن سحَرَ غيرَه فقتَلَه بسِحرِه، هل يُقتصُّ منه أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ مَنْ قتَلَ غيرَه بسِحرٍ اقتُصَّ منهُ، ويَثبتُ ذلكَ عندَ المالِكيةِ بالبيِّنةِ أو الإقرارِ.
وقالَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ: هذا إذا كانَ سِحرُه يَقتلُ مثلُه غالِبًا لَزمَه القَودُ؛ لأنه قتَلَه بما يَقتلُ غالبًا، فأشبَهَ ما لو قتَلَه بالسِّكينِ.
وإنْ كانَ مما لا يَقتلُ غالبًا أو كانَ مما يَقتلُ أو لا يَقتلُ ففيهِ الدِّيةُ دُونَ القِصاصِ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ؛ لأنه عَمدُ الخَطأِ، فأشبَهَ ضرْبَ العصَا.
وإنْ قالَ الساحِرُ: «لا أعلَمُه قاتِلًا» لم يُقبَلْ قولُه على الصَّحيحِ عندَ الحَنابلةِ؛ لأنه خِلافُ الظاهرِ.
وقالَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ في قَولٍ: يُقبَلُ قَولُه وعليهِ الديَةُ مُخفَّفةً إنْ قالَ: «سِحرِي لا يَقتلُ»، ومُغلَّظةً إنْ قالَ: «قد يَقتلُ وقد لا يَقتلُ»، والغالبُ منه السَّلامةُ.
стр. 12886
وقالَ الحَنابلةُ: وإنْ وجَبَ قتلُه كانَ قتلُه حَدًّا، وقيلَ: يُقتلُ قِصاصًا.
وتَجبُ ديَةُ المَقتولِ في تَركةِ الساحرِ كما لو ماتَ أو قُتلَ بغيرِ السحر؟؛ لأنه يُقتلُ حَدًّا لا قِصاصًا على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الساحرَ إذا قتَلَ بسِحرِه ولا يَعتقدُ صِحةَ ذلكَ؛ فإنْ كانَ هو الفاعلَ بنَفسِه فقد قتَلَ بغيرِ الحَديدِ، فإنْ تكرَّرَ منه قُتلَ على وَجهِ الحَملِ لسَعيهِ في الأرضِ بالفسادِ، وإنْ لم يَتكرَّرْ فِعلُه فعَليهِ الدِّيةُ كقاتلٍ بغَيرِ الحَديدِ، وإنْ كانَ المَسحورُ يَتناولَ ذلكَ بنَفسِه فلا قوَدَ على عاقلِ السَّببِ، كما لو ناوَلَ غيرَه السمَّ فأكَلَه (٢).
عُقوبةُ العائِنِ إذا قتَلَ بعَينِه:
قالَ المالِكيةُ والحَنابلةُ: إذا أتلَفَ العائنُ شَيئًا فإنه يَضمنُه، أما إذا قتَلَ بعَينهِ فعَليهِ القصاصِ أو الدِّيةُ إذا تكرَّرَ منه ذلكَ بحَيثُ يَصيرُ عادةً.
وقالَ الدُّسوقيُّ ﵀: يُقتصُّ مِنْ العائنِ القاتلِ عَمدًا بعَينِه إذا عُلمَ ذلكَ منه وتكرَّرَ (٣).
стр. 12887
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: لو أتلَفَ العائنُ شَيئًا ضَمِنَه، ولو قتَلَ فعَليهِ القصاصُ أو الدِّيةُ إذا تكرَّرَ ذلكَ منه بحَيثُ يكونُ عادةً، وهو في ذلكَ كالساحرِ عندَ مَنْ لا يَقتلُه كُفرًا. انتَهى (١).
وقالَ الحافظُ ابن حجر ﵀: الإصابةُ بالعَينِ قد تَقتلُ، وقد اختُلفَ في جَرَيانِ القِصاصِ بذلكَ، فقالَ القُرطبيُّ: لو أتلَفَ العائنُ شَيئًا ضَمِنَه، ولو قتَلَ فعَليهِ القصاصُ أو الدِّيةُ إذا تكرَّرَ ذلكَ منه بحَيثُ يَصيرُ عادةً، وهو في ذلكَ كالساحِرِ عندَ مَنْ لا يَقتلُه كُفرًا. انتهى
ولم يَتعرَّضِ الشافِعيةُ للقصاصِ في ذلكَ، بل مَنَعوهُ وقالَوا: إنه لا يَقتلُ غالبًا ولا يُعَدُّ مُهلِكًا، وقالَ النَّوويُّ في «الرَّوضَة»: ولا ديَةَ فيه ولا كفَّارةَ؛ لأنَّ الحُكمَ إنما يَترتبُ على مُنضبطٍ عامٍّ دونَ ما يَختصُّ ببَعضِ الناسِ في بَعضِ الأحوالِ ممَّا لا انضِباطَ له، كَيفَ ولم يَقعْ منه فِعلٌ أصلًا؟ وإنما غايَتُه حَسدٌ وتَمنٍّ لزَوالِ نِعمةٍ، وأيضًا فالذي يَنشأُ عن الإصابةِ بالعَينِ حُصولُ مَكروهٍ لذلكَ الشَّخصِ، ولا يتعيَّنُ ذلكَ المَكروهُ في زَوالِ الحَياةِ، فقدْ يَحصلُ له مَكروهٌ بغَيرِ ذلكَ مِنْ أثَرِ العَينِ. اه
ولا يُعكِّرُ على ذلكَ إلا الحُكمُ بقَتلِ الساحرِ؛ فإنه في مَعناهُ، والفَرقُ بينَهُما فيه عُسرٌ، ونقَلَ ابنُ بطَّالٍ عن بَعضِ أهلِ العِلمِ: فإنه يَنبغي للإمامِ مَنعُ العائنِ إذا عُرِفَ بذلكَ مِنْ مُداخَلةِ الناسِ وأنْ يَلزمَ بَيتَه، فإنْ كانَ فَقيرًا رزَقَه
стр. 12888
ما يَقومُ به، فإنَّ ضرَرَه أشَدُّ مِنْ ضَررِ المَجذومِ الذي أمَرَ عُمرُ ﵁ بمَنعِه مِنْ مُخالَطةِ الناسِ كمَا تقدَّمَ واضِحًا في بابِه، وأشَدُّ مِنْ ضَررِ الثومُ الذي منَعَ الشارعُ آكِلَه مِنْ حُضورِ الجَماعةِ، قالَ النَّوويُّ: وهذا القَولِ صَحيحٌ مُتعيِّنٌ لا يُعرَفُ عن غيرِه تَصريحٌ بخِلافِه (١).
وقالَ الإمامُ البُهوتيُّ ﵀: والمِعيانُ الذي يَقتلُ بعَينِه، قالَ ابنُ نَصرِ اللهِ في «حَواشِي الفُروعِ»: يَنبغِي أنْ يُلحَقَ بالساحرِ الذي يَقتلُ بسِحرِه غالبًا، فإذا كانَتْ عَينُه يَستطيعُ القتلَ بها ويَفعلُه باختيارِه وجَبَ به القِصاصُ؛ لأنه فعَلَ به ما يَقتلُ غالبًا.
وإنْ فعَلَ ذلكَ بغيرِ قَصدِ الجِنايةِ فيَتوجَّهُ أنه خَطأٌ يَجبُ فيه ما يَجبُ في القتلِ الخَطأِ، وكذا ما أتلَفَه بعَينِه يَتوجَّهُ فيه القَولُ بضَمانِه، إلا أنْ يقَعَ بغيرِ قَصدٍ فيَتوجَّهُ عَدمُ الضَّمانِ. انتَهى
وقالَ ابنُ القيِّمِ في «شَرح مَنازلِ السائرِينَ»: إنْ كانَ ذلكَ بغيرِ اختيارِه بل غلبَ على نَفسِه لم يُقتصَّ منه وعليهِ الدِّيةُ، وإنْ عَمدَ ذلكَ وقدَرَ على رَدِّه وعَلِمَ أنه يَقتلُ به ساغَ للوالِي أنْ يَقتلَه بمِثلِ ما قتَلَ به، فيُعِينُه إنْ شاءَ كما أعانَ هو المَقتولَ، وأما قَتلُه قِصاصًا بالسيفِ فلا؛ لأنه غَيرُ مُماثلٍ للجِنايةِ، قالَ: وسألتُ شَيخَنا عن القتلِ بالحالِ هل يُوجِبُ القصاصَ؟ فقالَ: للوليِّ أنْ يَقتلَه بالحالِ التي قتَلَ به.
стр. 12889
وفرَّقَ ابنُ القيِّمِ في المَشهدِ الثاني مِنْ المَشاهدِ بينَ العائنِ والساحِرِ مِنْ وَجهينِ.
والعَينُ: نَظرٌ باستِحسانٍ مَشوبٌ بحَسدٍ مِنْ خَبيثِ الطَّبعِ يَحصلُ للمَنظورِ منه ضَررٌ، قالَ بعضُهم: وإنما يَحصلُ ذلكَ مِنْ سُمٍّ يَصلُ مِنْ عينِ العائِنِ مِنْ الهَواءِ إلى بَدنِ المَعيونِ، ونَظيرُ ذلكَ أنَّ الحائضَ تَضعُ يَدَها في إناءِ اللَّبنِ يُفسِدُه، ولو وَضعَتْه بعدَ طُهرِها لم يَفسدْ، وأنَّ الصَّحيحَ يَنظرُ في عَينِ الأرمَدِ فيَرمَدُ، ويَتثاءَبُ واحدٌ بحَضرتِه فيَتثاءبُ، قالَه الحافِظُ في «فَتح البارِي» (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ وكذا الحَنفيةُ إلى أنَّ مَنْ أصابَ غيرَه بالعَينِ واعتَرفَ بأنه قتَلَه بالعَينِ فلا قِصاصَ وإنْ كانَتِ العَينُ حقًّا؛ لأنه لا يُفضِي إلى القتلِ غالبًا ولا يُعَدُّ مُهلِكًا.
ولا دِيةَ فيه أيضًا ولا كفَّارةَ، ويُستحبُّ للعائِنِ أنْ يَدعوَ للمَعِينِ بالبَركةِ فيَقولَ: «اللهُمَّ بارِكْ فيه ولا تَضرَّهُ، وأنْ يَقولَ: ما شاءُ اللهُ لا قوَّةَ إلا باللهِ»، وفي «صَحيح مُسلمٍ»: أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «العَينُ حَقٌّ، وإذا استُغسِلْتُم فاغسِلُوا» (٢).
قالَ العُلماءُ: الاستِغسالُ أنْ يُقالَ للعائنُ: «اغسِلْ داخِلةَ إزارِكَ ممَّا يَلي الجِلدَ بماءٍ»، ثم يَصبُّ على المَعينِ.
стр. 12890
وعن عائِشةَ ﵂ قالَتْ: «كانَ يُؤمَرُ العائِنُ أنْ يَتوضَّأَ، ثم يَغتسلُ منه المَعِينُ» (١).
إذا شَهدَ رَجلانِ على رَجلٍ بما يُوجِبُ قتْلَه فقُتِلَ بشَهادتِهِما ثمَّ رَجعَا:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو شَهِدَ شاهِدانِ على رَجلٍ بما يُوجبُ القَتلَ فقُتلَ بشَهادتِهما ثمَّ رجَعَا واعترَفَا بتَعمُّدِ القتلِ ظُلمًا في شهادَتِهما، هل يَجبُ عليهِما القِصاصُ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يَجبُ عليهِما القِصاصُ؛ لِما رَوى القاسِمُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ «أنَّ رَجلينِ شَهِدَا على رَجلٍ عندَ عَليٍّ أنه سرَقَ ثمَّ رجَعَا عن شَهادتِهما فقالَ: لو أعلَمُكُما تَعمَّدتُماهُ لَقطَعتُ أيدِيَكُما، وأغرَمَهُما دِيةَ يَدِه» (٢).
ولأنهما تَوصَّلَا إلى قَتلِه بسَببٍ يَقتلُ غالبًا، فوجَبَ عليهِما القِصاصُ كالمكرهِ، وكما لو جَرَحاهُ فماتَ (٣).
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: ولو شَهِدا بجَرحٍ أو قَتلٍ أو ما يُوجِبُ رَجمًا فقُتلَ بشَهادتِهما ثمَّ اعتَرفَا بالزُّورِ اقتُصَّ منهُما، وإنْ قالَا: «شُبِّهَ عَلينَا» غَرِمَا
стр. 12891
الدِّيةَ في أموالِهما، وقد قيلَ: إنها دِيةٌ في أموالِهما على كُلِّ حالٍ ولا قِصاصَ، والأولُ أصَحُّ وبه يَقولُ أشهَبُ، فإنْ رجَعَ أحدُ الشُّهودِ الأربَعةِ في الزِّنى قبلَ أنْ يَقضيَ القاضي بشِهادتِهم حُدُّوا كلُّهم حَدَّ القَذفِ ولم يُقَمْ حَدُّ الزنى، وقد قيلَ: يُحَدُّ الراجعُ خاصَّةً، فإنْ رجَعَ أحَدُهم بعدَ الرَّجمِ غَرمَ رُبعَ الديَةِ، وإنْ رجَعَ الثاني غَرمَ نِصفَ الديَةِ، وهكذا على الحِسابِ أبدًا، ويُحَدُّونَ حدَّ الفِريةِ ولا يُحَدُّ قاذِفُهم، ولو كانَ الشُّهودُ على الزِّنى أكثَرَ مِنْ أربَعةٍ فرجَعَ بَعضُهم وبَقيَ مَنْ تَتمُّ به الشهادةُ فلا غُرمَ على مَنْ رجَعَ، وكلُّ مَنْ أتلَفَ بشَهادتِه شَيئًا مِنْ الأموالِ ثم رجَعَ عن شَهادتِه ضَمِنَ ما أتلَفَ، وإنْ كانَ شاهِدًا واحِدًا مع يَمينٍ ضَمنَ نِصفَ المُتلَفِ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: إذا شَهِدوا على رَجلٍ بما يُوجِبُ قتْلَه قِصاصًا أو برِدَّةٍ أو زِنًى وهو مُحصَنٌ فحكَمَ القاضي بشَهادتِهم وقتَلَه بمُقتَضاها ثم رجَعُوا وقالُوا: «تَعمَّدْنا وعَلِمْنا أنه يُقتلُ بشَهادتِنا» لَزمَهم القِصاصُ، ولو شَهِدوا بما يُوجبُ القَطعَ قِصاصًا أو في سَرقةٍ فقُطعَ ثم رجَعُوا وقالُوا: «تَعمَّدْنا» لَزمَهم القَطعُ، وإنْ سَرَى فعَليهِم القِصاصُ في النفسِ.
وإنما يَجبُ القصاصُ على الشُّهودِ بالرُّجوعِ، واعتِرافُهم بالتعمُّدِ لا بكَذبِهم، حتى لو تَيقَّنَّا كَذبَهم بأنْ شاهَدْنا المَشهودَ بقَتلِه حيًّا فلا قِصاصَ عليهِم؛ لاحتِمالِ أنهُم لم يَتعمَّدُوا، ولا يَلزمُهم القِصاصُ بالرُّجوعِ إلا إذا أخرَجَتْ شَهادتُهم مُباشَرةَ الوليِّ عن كَونِها عُدوانًا، أما إذا اعتَرفَ الوليُّ
стр. 12892
بكَونِه عالِمًا بكَذبِهم فلا قِصاصَ عليهِم، وعلى الوليِّ القِصاصُ رَجَعوا أم لم يَرجِعوا (١).
وقالَ الحَنابلةُ: إذا شَهدَ اثنانِ فأكثَرَ على شَخصٍ بقَتلِ عَمدٍ أو ردَّةٍ حيثُ امتَنعَتِ التَّوبةُ أو شَهدَ أربَعةٌ فأكثَرَ بزنَا مُحصَنٍ ونحوِ ذلكَ ممَّا يُوجِبُ القتلَ فقُتلَ بشَهادتِهم ثم رَجَعوا واعتَرفُوا بتعمُّدِ القتلِ فعَليهِم القِصاصُ؛ لِما رَوى القاسِمُ بنُ عَبدِ الرَّحمنِ «أنَّ رَجلينَ شَهِدا على رجلٍ عندَ عليٍّ أنه سرَقَ فقطَعَه، ثم رَجَعا عن شَهادتِهما فقالَ عليٌّ: لو أعلَمُ أنكُمَا عَمَدتُما لَقطعْتُ أيدِيَكُما»، ولأنهُما توصَّلَا إلى قتلِه بسَببٍ يَقتلُ غالبًا، أشبَهَ المُكرَهَ، وقَولُه: «حَيثُ امتَنعَتِ التَّوبةُ» بأنْ شَهِدا أنه سَبَّ اللهَ أو رَسولَه ونحوَ ذلكَ، بخِلافِ ما تُقبلُ فيه التوبةُ؛ إذ يُمكِنُه دَفعُهما بالتوبةِ.
وكذلكَ الحاكِمُ إذا حكَمَ على شَخصٍ بالقَتلِ عالِمًا بكَذبِ البيِّنةِ مُتعمِّدًا فقُتلَ واعتَرفَ الحاكِمُ بذلكَ فعَليهِ القصاصُ؛ لأنه في معنَى الشهودِ، فكانَ الحاصلُ بسَببِه عَمدًا كالقتلِ الحاصلِ بسَببِ الشاهدَينِ.
ولو أنَّ الوليَّ الذي باشَرَ قتْلَه أقَرَّ بعِلمِه بكَذبِ الشُّهودِ وتَعمُّدِ قَتلِه فعَليهِ القِصاصُ وحْدَه؛ لأنه باشَرَ القتلَ عَمدًا بغيرِ حقٍّ.
فإنْ أقَرَّ الشاهِدانِ والوليُّ والحاكِمُ جَميعًا بالكَذبِ والتعمُّدِ بقَتلِه فعَلى الوليِّ المباشِرِ للقتلِ القِصاصُ وحْدَه أيضًا؛ لأنه باشَرَ القتلَ عمدًا عُدوانًا،
стр. 12893
ويَنبغي أنْ لا يَجبَ على غيرِه شَيءٌ؛ لأنهُم مُتسبِّبونَ، والمُباشَرةُ تُبطِلُ حُكمَ التسبُّبِ، كالدافعِ مع الحافرِ.
وإنْ كانَ الوليُّ لم يُباشِرِ القتلَ وإنما باشَرَ وَكيلُه فإنْ كانَ الوكيلُ عالِمًا فعَليهِ القِصاصُ وحْدَه؛ لأنه المباشِرُ، وإنْ لم يَكنِ الوكيلُ عالِمًا فعَلى الوليُّ القصاصُ كما لو باشَرَ، فيَختصُّ مُباشرٌ عالمٌ بالقَودِ ثم وليٌّ عالمٌ ثم بيِّنةٌ وحاكِمٌ، ومتى لَزمَتِ الديَةُ الحاكمَ والبيِّنةَ فهي بَينَهم سَواءٌ، على الحاكِمِ مثلُ واحِدٍ منهُم؛ لأنَّ الجميعَ مُتسبِّبونَ.
ولو رجَعَ الوليُّ والبيِّنةُ ضَمِنَه الوليُّ وحْدَه؛ لمُباشَرتِه القتلَ.
ولو قالَ بَعضُهم: «عَمَدْنا قتْلَه» وقالَ بَعضُهم: «أخطَأْنا» يُريدُ كلُّ قائلٍ نفْسَه دونَ البعضِ الآخَرِ، أو قالَ واحِدٌ: «عَمَدتُ قتْلَه» وقالَ الآخَرُ: «أخطَأْتُ» فلا قوَدَ على المُتعمِّدِ؛ لأنَّ القتلَ لم يَتمحضْ مُوجبًا، وعلى المُتعمِّدِ حصَّتُه مِنْ الديَةِ المغلَّظةِ؛ مُؤاخَذةً له بإقرارِه، وعلى المُخطئِ حصَّتُه مِنْ الديَةِ المُخفَّفةِ.
ولو قالَ كلُّ واحدٍ منهُم: «تَعمَّدتُ وأخطَأَ شَريكِي»، أو قالَ واحِدٌ: «عَمَدْنا جَميعًا» وقالَ الآخَرُ: «عَمدْتُ وأخطَأَ صاحِبي»، أو قالَ واحدٌ: «عَمدتُ ولا أدرِي ما فعَلَ صاحِبي»؛ فعَليهِما القَودُ؛ لاعتِرافِ كلٍّ منهُما بالقَتلِ عُدوانًا.
ولو قالَ واحِدٌ: «عَمَدْنا» حالَ كونِه مُخبِرًا عنه وعمَّن معَه وقالَ الآخَرُ: «أخطَأْنا» مُخبِرًا عنه وعمَّن معَه لَزمَ المُقِرَّ بالعَمدِ القودُ؛ مُؤاخَذةً له بإقرارِه،
стр. 12894
ولَزمَ الآخرَ نِصفُ الديَةِ مخفَّفةً إذا كانَا اثنَينِ، فإنْ كانُوا ثَلاثةً فأكثرَ فقالَ واحِدٌ منهُم: «عَمدْنا» وقالَ آخَرُ: «أخطَأْنا» فلا قوَدَ، وعلى مَنْ قالَ: «عَمدْنا» حصَّتُه مِنْ الدِّيةِ المغلَّظةِ، والآخَر حِصتُه مِنْ الديةِ المخفَّفةِ، ولو قالَ: «عَمدْنا الإشهادَ دونَ القَتلِ» فالديةُ، وإنْ قالَا: «أخطَأْنا» فعَليهِما الديةُ مُخفَّفةً (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه إذا شَهدَ شاهِدانِ على رَجلٍ بقَتلٍ عَمدًا وقُبلَتْ شَهادتُهما ثم رجَعَا فعَليهِما الديَةُ في مالِهما؛ لأنَّ الشاهدَ سَببٌ للقَتلِ، والسببُ لا يُوجبُ القِصاصَ كحَفرِ البئرِ؛ وهذا لأنه يُعتبَرُ في القصاصِ المُساواةُ، ولا مُساواةَ بينَ السَّببِ والمُباشَرةِ.
فإذا لم يَجبِ القَودُ عَليهِما كانَ عليهِما الديَةُ في مالِهما إنْ رجَعَا؛ لأنَّ الشَّهادةَ منهُما بمَنزلةِ الإقرارِ منهُما بالإتلافِ، والعاقِلةُ لا تَعقلُ الإقرارَ.
وإنْ رجَعَ أحَدُهما فعَليهِ نِصفُ الديةِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهُما سَببٌ لإتلافِ نصفِ النفسِ.
فإنْ رجَعَ الوليُّ معَهُما أو جاءَ المَشهودُ بقَتلِه حيًّا فلوليِّ المَقتولِ الخيارُ بينَ أنْ يُضمِّنَ الشاهدَينِ الديَةَ وبينَ أنْ يُضمِّنَ القاتلَ؛ لأنَّ القاتلَ مُتلِفٌ للنفسِ حَقيقةً والشُّهودَ مُتلِفونَ له حُكمًا، والإتلافُ الحُكميُّ في
стр. 12895
حُكمِ الضَّمانِ كالإتلافِ الحَقيقيِّ، فكانَ له أنْ يُضمِّنَ أيَّهما شاءَ، فإنْ ضمَّنَ الوليَّ الديَةَ لم يَرجعْ على الشاهدَينِ بشَيءٍ؛ لأنه يَضمنُ بفِعلٍ باشَرَه لنَفسِه باختِيارِه.
وإنْ ضمَّنَ الشاهدَينِ لم يَرجعَا على الوليِّ أيضًا في قَولِ أبي حَنيفةَ
وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: ثبَتَ لهُما حقُّ الرُّجوعِ على الوليِّ بما ضَمِنَا؛ لأنهُما ضَمِنَا بشَهادتِهما وقد كانَا عاملَينِ فيه للوليِّ، فيَرجعانِ عليهِ بما يَلحقُهما مِنْ الضَّمانِ، كما لو شَهِدا بالقتلِ الخَطأِ أو بالمالِ فقضَى القاضِي واستَوفَى المَشهودُ له ثم رَجَعوا جَميعًا وضمَّنَ المَشهودُ عليهِ الشاهدَينِ كانَ لهُما أنْ يَرجعَا على المَشهودِ له (١).
إذا حكَمَ الحاكِمُ على رَجلٍ بالقَتلِ عامِدًا وجَبَ القِصاصُ:
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: الحاكِمُ إذا حكَمَ على رَجلٍ بالقَتلِ عالِمًا بذلكَ مُتعمِّدًا فقتَلَه واعتَرفَ بذلكَ وجَبَ القِصاصُ، والكَلامُ فيه كالكَلامِ في الشاهدَينِ، ولو أنَّ الوليَّ الذي باشَرَ قتْلَه أقَرَّ بعِلمِه بكَذبِ الشُّهودِ وتَعمَّدَ قتْلَه فعَليهِ القصاصُ، لا أعلَمُ فيه خِلافًا، فإنْ أقَرَّ الشاهدانِ والحاكِمُ والوليُّ جَميعًا بذلكَ فعَلى الوليُّ القِصاصُ؛ لأنه باشَرَ القتلَ عَمدًا وعُدوانًا، ويَنبغِي أنْ لا يَجبَ على غيرِه شَيءٌ؛ لأنهُم مُتسبِّبونَ، والمُباشَرةُ تُبطلُ حُكمَ المسبِّبِ، كالدافعِ مع الحافرِ، ويُفارِقُ هذا ما إذا لم يُقِرَّ؛ لأنه لم يَثبتْ حُكمُ مُباشَرةِ القتلِ في حَقِّه ظُلمًا، فكانَ وُجودُه كعَدمِه، ويَكونُ
стр. 12896
القصاصُ على الشاهدَينِ والحاكِمِ؛ لأنَّ الجَميعَ مُتسبِّبونَ، وإنْ صارَ الأمرُ إلى الدِّيةِ فهي عليهِم أثلاثًا.
ويَحتملُ أنْ يَتعلَّقَ الحُكمُ بالحاكمِ وحْدَه؛ لأنَّ تَسبُّبَه أخَصُّ مِنْ تسبُّبِهم؛ فإنَّ حُكمَه واسِطةٌ بينَ شَهادتِهم وقَتلِه، فأشبَهَ المباشِرَ مع المتسبِّبِ، ولو كانَ الوليُّ المُقِرُّ بالتعمُّدِ لم يُباشِرِ القتلَ وإنما وكَّلَ فيه نَظَرْت في الوكيلِ؛ فإنْ أقَرَّ بالعِلمِ وتعمَّدَ القتلَ ظُلمًا فهو القاتلُ وحْدَه؛ لأنه مباشِرٌ للقَتلِ عَمدًا ظُلمًا مِنْ غير إكراهٍ، فتَعلَّقَ الحُكمُ به، كما لو أمرَ بالقتلِ في غيرِ هذهِ الصُّورةِ، وإنْ لم يَعترفْ بذلكَ فالحكمُ مُتعلِّقٌ بالوليِّ كما لو باشَرَه، واللهُ أعلَمُ (١).
إذا وجَدَ رَجلاً مع امرَأتِه فقتَلَه:
الرَّجلُ إذا قتَلَ رَجلًا وادَّعَى أنه وجَدَه مع امرَأتِه وأنه قتَلَه دِفاعًا عن نَفسِه أو أنه دخَلَ مَنزلَه يُكابِرُه عن مالِه فلَم يَقدرْ على دَفعِه إلا بالقتلِ فهذا لا يَخلو مِنْ حالتَينِ:
الحالةُ الأُولى: أنْ لا يَأتيَ ببيِّنةٍ أو لا يَعترفَ أولياءُ المَقتولِ بهذا:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه إذا لم يَأتِ ببيِّنةٍ ولم يَعترفْ أولياءُ المَقتولِ بهذا فإنَّه لا يُقبلُ قَولُه ويَجبُ عليهِ القصاصُ، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وبه قالَ الشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وابنُ المُنذرِ، ولا أعلَمُ فيه مُخالِفًا، وسواءٌ وُجدَ في دارِ القاتلِ أو في غيرِها، أو وُجدَ معه سِلاحٌ أو لم يُوجدْ؛ لِما
стр. 12897
رواهُ مالكٌ عن يَحيى بنِ سَعيدٍ عن سعيدِ بنِ المُسيبِ «أنَّ رَجلًا مِنْ أهلِ الشامِ يُقالَ له ابن خَيبَريٍّ وجَدَ مع امرَأتِه رَجلًا فقتَلَه أو قتَلَهُما معًا، فأشكَلَ على مُعاويةَ بنِ أبي سُفيانَ القَضاءُ فيه، فكتَبَ إلى أبي مُوسَى الأشعَريِّ يَسألُ له عليَّ بنَ أبي طالبٍ عن ذلكَ، فسألَ أبو مُوسَى عن ذلكَ عليَّ بنَ أبي طالبٍ فقالَ له عَليٌّ: إنَّ هذا الشَّيءَ ما هو بأرضِي، عَزَمتُ عليكَ لَتُخبرنِي، فقالَ له أبو مُوسَى: كتَبَ إليَّ مُعاويةُ بنُ أبي سُفيانَ أنْ أسألَكَ عن ذلكَ، فقالَ عَليٌّ: أنا أبو حَسنٍ، إنْ لم يَأتِ بأربَعةِ شُهداءَ فلْيُعطَ برُمَّتِه» (١). ولأن الأصل عدم ما يدعيه فلا يثبت بمجرد الدعوى (٢).
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وعلى قَولِ عليٍّ ﵁ جَماعةُ فُقهاءِ الأمصارِ وأهلِ الرأيِ والآثارِ (٣).
وقالَ المِرداويُّ ﵀: لو قتَلَ رَجلًا في دارِه وادَّعَى أنه دخَلَ يُكابِرُه على أهلِه أو مالِه فقتَلَه دَفعًا عن نَفسِه وأنكَرَ وَليُّه وجَبَ القِصاصُ، والقَولُ قولُ المُنكِرِ، وهذا المَذهبُ وعليهِ الأصحابُ.
قالَ في «الفُرُوع»: ويَتوجَّهُ عَدمُه في مَعروفٍ بالفَسادِ، قلتُ: وهو الصَّوابُ، ويُعمَلُ بالقَرائنِ والأحوالِ (٤).
стр. 12898
ويُستدلُّ على هذا أيضًا بما رُويَ عن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ ﵁ قالَ: «إنَّا لَيلةَ الجمُعةِ في المَسجدِ إذ جاء رَجلٌ مِنْ الأنصارِ فقالَ: لو أنَّ رَجلًا وجَدَ مع امرَأتِه رَجلًا فتَكلَّمَ جَلدتُمُوهُ، أو قتَلَ قَتلتُمُوهُ، وَإنْ سكَتَ سكَتَ على غَيظٍ، واللهِ لَأسألَنَّ عنهُ رَسولَ اللهِ ﷺ ، فلمَّا كانَ مِنْ الغَدِ أتَى رَسولَ اللهِ ﷺ فسَألَهُ فقالَ: لو أنَّ رَجلًا وجَدَ مع امرَأتِه رَجلًا فتَكلَّمَ جَلدتُمُوهُ، أو قتَلَ قَتلتُمُوهُ، وَإنْ سكَتَ سكَتَ على غَيظٍ … » (١).
وقالَ الشافِعيُّ ﵀: وبهذا نَقولُ، فإذا وجَدَ الرَّجلُ مع امرَأتِه رَجلًا فادَّعَى أنه يَنالُ منها ما يُوجِبُ الحدَّ وهُمَا ثيِّبانِ معًا فقتَلَهُما أو أحَدَهما لم يُصدَّقْ، وكانَ عليهِ القَودُ أيَّهما قتَلَ، إلا أنْ يَشاءَ أولياؤُه أخْذَ الديَةِ أو العفوَ (٢).
وقالَ الماوَرديُّ ﵀: قالَ الشافِعيُّ: «ولو قتَلَ رَجلٌ رجلًا فقالَ: «وجَدْتُه على امرأتِي» فقدْ أقَرَّ بالقَودِ وادَّعَى، فإنْ لم يُقِمْ بيِّنةً قُتلَ، قالَ سَعدٌ: «يا رَسولَ اللهِ أرَأيتَ إنْ وُجَدتُ مع امرَأتي رَجلًا أُمهِلُه حتَّى آتِيَ بأرَبعةِ شُهداءَ؟ فقالَ ﵊: نعَمْ».
وقالَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁: «إنْ لم يَأتِ بأربَعةِ شُهداءَ فلْيُعطَ برُمَّتِه».
قالَ الماوَرديُّ: أما إذا وجَدَ الرجلُ مع امرَأتِه رَجلًا يَزني بها أو مع بِنتِه أو أُختِه أو مع ابنِه يَلوطُ به فواجِبٌ عليهِ أنْ يَدفعَه عنه ويَمنعَه منه، ورُويَ
стр. 12899
عن النبيِّ ﷺ «أنه لعَنَ الرَّكانَة» وهو الذي لا يَغارُ على أهلِه، ورُويَ عنه ﷺ أنه قالَ: «إنَّ اللهَ تعالَى يَغارُ للمُسلمِ، فلْيغِرْ».
ولأنَّ منْعَه مِنْ الفاحِشةِ حقٌّ مِنْ حُقوقِ اللهِ تعالَى وحقُّ نَفسِه في أهلِه وحَقُّ امرَأتِه إنْ كانَتْ مُكرَهةً، فلَم يَسَعْه إضاعةُ هذهِ الحقوقِ بالكفِّ والإمساكِ، فأمَّا إنْ كانَ وجَدَه يَزني بأجنَبيةٍ ليسَتْ مِنْ أهلِه فعَليهِ أنْ يَمنعَه منها ويَكفَّه عنها، فإنْ كانَتْ مُكرَهةً تَفرَّدَ المنعُ به دونَها، وإنْ كانَتْ مُطاوِعةً توجَّهَ المنعُ إليهِما والإنكارُ عليهِما؛ لِما يَلزمُ مِنْ صِيانةِ مَحارمِ اللهِ تعالَى وحِفظِ حُقوقِه والكفِّ عن مَعاصيهِ، والفَرقُ بينَ أنْ يَرَى ذلكَ في أهلِه وبينَ أنْ يَراهُ في غيرِ أهلِه أنَّ فرْضَه في أهلِه مُتعيِّنٌ عليهِ، وفي غَيرِ أهلِه على الكِفايةِ.
فإذا تَقرَّرَ ما ذكَرْنا مِنْ وُجوبِ الدفعِ نُظِرَ حالُ الرجلِ الزاني؛ فإنْ لم يَكنْ قد أولَجَ فعَلى الزَّوجِ أنْ يَدفعَه بما قدَرَ عليهِ، ولا يَجوزُ أنْ يَنتهيَ إلى القَتلِ إلا أنْ لا يَقدرَ على دَفعِه بغيرِ القَتلِ، كما قُلنَا في دَفعِه عن طَلبِ النَّفسِ والمالِ، ويُنظَرْ؛ فإنْ لم يَكنْ قد وقَعَ عليها ففي الدَّفعِ أناةٌ، وإنْ وقَعَ عليهَا تَعجَّلَ الدَّفعُ وتغلَّظَ، وإنْ كانَ قد أولَجَ جازَ أنْ يَبدأَ في دَفعِه بالقَتلِ ولا يَترتَّبُ على ما قَدَّمْناه؛ لأنه في كلِّ لَحظةٍ تَمرُّ عليهِ مُواقِعًا له بالزِّنا لا يَستدرِكُ بالأناةِ، فجازَ لأجْلِها أنْ يُعجِّلَ القتلَ، رُويَ أنَّ رَجلًا قالَ لعَليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵇: «إنني وَجَدتُ مع امرَأتِي رَجلًا فلَم أقتُلْه، فقالَ عليٌّ: أمَا إنه لو كانَ أبا عبدِ اللهِ لَقتَلَتُه»، يَعنِي الزُّبيرَ بنَ العوَّامِ، فدَلَّ ذلكَ مِنْ قَولِه على وُجوبِ قَتلِه، وفي هذا القَتلِ وَجهانِ مُحتملانِ:
стр. 12900
أحَدُهما: أنه قَتلُ دَفعٍ، فعَلى هذا يَختصُّ بالرَّجلِ دونَ المَرأةِ، ويَستوِي فيه البِكرُ والثيِّبُ.
والوَجهُ الثاني: أنه قَتلُ حَدٍّ يَجوزُ أنْ يَنفردَ به دونَ السُّلطانِ؛ لأمرَينِ: أحَدُهما: لتَفرُّدِه بالمُشاهَدةِ التي لا تَتعدَّاهُ، والثاني: لاختِصاصِه فيه بحَقِّ نفسِه في إفسادِ فراشِه عليهِ في الزِّنا بزَوجتِه، فعَلى هذا يَجوزُ فيه بينَ الرَّجلِ والمَرأةِ إنْ كانَتْ مُطاوِعةً، إلا أنَّ المَرأةَ يُفرَّقُ فيها بينَ البِكرِ والثيِّبِ، فتُقتلُ إنْ كانَتْ ثَيبًا، وتُجلدُ إنْ كانَتْ بِكرًا، وأما الرَّجلُ ففيهِ وَجهانِ:
أحَدُهما: أنه يُفرَّقُ فيه بينَ البِكرِ والثيِّبِ؛ لأنه حَدُّ زنًا كالمَرأةِ.
والوَجهُ الثاني وهو أظهَرُ: أنه لا يُفرَّقُ فيه بينَ البِكرِ والثيِّبِ، ويُقتلُ في الحالَينِ؛ لأمرَينِ: أحَدُهما: أنَّ قتْلَه حَدًّا أغلَظُ مِنْ قَتلِه دَفعًا، ويَجوزُ لتَغليظِ حالِه أنْ يُقتلَ دَفعًا، فجازَ أنْ يُقتلَ حَدًّا.
والثاني: أنَّ السُّنةَ لم تُفرِّقْ في إباحتِه بينَ البِكرِ والثيِّبِ؛ لتَغليظِ حُكمِه في حَقِّ المُستَوفي.
فإذا ثبَتَ ما وَصَفْنا وادَّعَى القاتِلُ أنه قتَلَه لأنه وجَدَه على امرأتِه وأنكَرَ وَليُّه ذلكَ وادَّعَى قتْلَه لغَيرِ سَببٍ وجَبَ على القاتِلِ إقامةُ البيِّنةِ على ما ادَّعاهُ مِنْ وُجودِه على امرَأتِه، فإنْ أقامَها بَرئَ، وإنْ لم يُقِمْها أُحلفَ الوليُّ وأُقيدَ مِنْ القاتلِ؛ لأنه مُقِرٌّ بالقَتلِ ومُدَّعٍ سُقوطَ القَودِ، ورُويَ أنَّ سعدَ بنَ عُبادةَ قالَ: «يا رَسولَ اللهِ إنْ وَجَدتُ مع امرأتِي رَجلًا أقتُلُه أو لا حتَّى آتِيَ بأربَعةِ
стр. 12901
شُهداءَ؟ قالَ: لا حتى تأتِيَ بأربَعةِ شُهداءَ، كفَى بالسَّيفِ شاهدًا»، يَعني شاهِدًا عَليكَ، ومعنَى هذا السؤالِ أنه سَألَ عن سُقوطِ القَودِ.
ورَوى سَعيدُ بنُ المُسيبِ أنَّ رَجلًا مِنْ أهلِ الشامِ يُقالَ له ابنُ خَيريٍّ وجَدَ مع امرَأتِه رَجلًا فقتَلَه وقتَلَها، فرُفعَ إلى مُعاويةَ فأشكلَ عليهِ، فكتَبَ إلى أبي مُوسَى الأشعَريٍّ ليَسألَ عليَّ بنَ أبي طالبٍ ﵇ عن ذلكَ، فسَألَه فقالَ عليٌّ: ليسَ هذا بأرضِنَا، عَزَمتُ عليكَ لتُخبرنِي، فأخبَرَه فقالَ عليٌّ: يَرضُونَ بحُكمِنا ويَنقمونَ عَلينا! إنْ لم ما يَأتِ بأربَعةِ شُهداءَ فلْيُعطَ برُمَّتِه»، وفيهِ تَأويلانِ:
أحَدُهما: مَعناهُ: فلْيُضرَبْ على رُمَّتِه قَودًا.
والثاني: مَعناهُ: فلْتُبذَلْ رُمَّتُه للقَودِ استِسلامًا.
فإنْ قيلَ: فإنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ ﵁ لم يُكلِّفْ في مِثلِ هذا البَينةَ وأهدَرَ الدَّمَ بشاهِدِ الحالِ فيما رُويَ «أنَّ رَجلًا خرَجَ في الجِهادِ وخَلفَ زوْجَتَه وأخاهُ، وكانَ له جارٌ يَهوديٌّ، فمَرَّ الأخُ ببابِ أخيهِ ذاتَ ليلةٍ فسَمعَ منها كَلامَ اليَهوديِّ وهو يُنشدُ:
وأشعَثَ غرَّهُ الإسلامُ مِنِّي … خَلَوتُ بعِرسِه ليلَ التَّمامِ
أبِيتُ على تَرائبِها وتُمسِي … على جَرداءَ لاحِقةِ الخِزامِ
كأنَ مَواضِعَ الرَّبَلاتِ منها … فِئامٌ يَنهضونَ إلى فِئامِ
فدخَلَ الدَّارَ فوجَدَه معَها فقتَلَه، فرُفعَ إلى عُمرَ فأهدَرَ دَمَه مِنْ غيرِ بيِّنةٍ».
стр. 12902
فعَنهُ جَوابانِ: أحَدُهما: أنَّ اشتِهارَ الحالِ بالاستِفاضةِ أغنَى عن البيِّنةِ الخاصَّةِ.
والثاني: أنَّ إقامَةَ البيِّنةِ مَوقوفٌ على طَلبِ الوليِّ، فإذا لم يَطلبْ سقَطَ لُزومُها (١).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وسُئلَ مالِكٌ عن تَفسيرِ حَديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ: «إنْ لم يَأتِ بأربَعةِ شُهداءَ فلُيْعطَ برُمَّتِه»، أي البِكرُ والثيِّبُ جَميعًا إذا أُتِيَ بأربَعةِ شُهداءَ خُلِّيَ سَبيلُه، قالَ: لا أدرِي ما هذا، لم أسمَعْ فيه شَيئًا، إنما أريدَ بهذا الحَديثِ مَوضعُ الشَّهادةِ الذي يدَّعي هذا الأمرَ للبَراءةِ له، قالَ ابنُ القاسِمِ: أرَى إذا قامَ أربَعةُ شُهداءَ في البِكرِ والثيِّبِ يَشهدونَ أنهُم رَأوهُ يَزني بها تُركَ، وهذا تَفسيرُ الحَديثِ.
قالَ مُحمدُ بنُ رُشدٍ: قَولُه في الحَديثِ: «فلْيُعطَ برُمَّتِه» مَعناهُ: فليُسلِّمْ بذاتِه للقَودِ منه بمَن قتَلَ منهُما، فنَصَّ ﵁ على أنه يُقتلُ إنْ لم يَأتِ بأربَعةِ شُهداءَ، وسكَتَ عن الحُكمِ في ذلكَ إنْ أتَى بهم، فاقتَضَى دَليلُ قَولِه بحَملِه على عُمومِه ألَّا يُقتلَ إنْ أتَى بأربَعةِ شُهداءَ على مُعايَنةِ الزِّنا، كانَ المَقتولُ منهُما بِكرًا أو ثيِّبًا، وقد اختُلفَ في القَولِ بدَليلِ الخِطابِ، ولذلكَ توقَّفَ مالكٌ في ذلكَ فقالَ: لا أدرِي ما هذا، لم أسمَعْ فيه شَيئًا، ثم قالَ بعدَ ذلكَ: إنما أريدَ بهذا الحديثِ مَوضعُ الشَّهادةِ الذي يدَّعي هذا الأمرَ للبَراءةِ له، فرَأى بدَليلِ الخِطابِ ألا يُقتلَ إذا أتَى بأربعةِ شُهداءَ، ظاهِرُه في البِكرِ
стр. 12903
والثيِّبِ مثلَ قولِ ابنِ القاسِمِ، وقد اختُلفَ في ذلكَ إذا كانَ المَقتولُ منهُما بكرًا على أربَعةِ أقوالٍ:
أحَدُها: أنه لا يُقتلُ ويَكونُ دَمُه هَدرًا، وهو قَولُ المُغيرةِ وعبدِ الرَّحمنِ، وظاهرُ قولِ ابنِ القاسمِ ورِوايتُه عن مالكٍ في هَذهِ الروايةِ، وقالَ ابنُ عبدِ الحَكمِ: إذا عُلِمَ التشكِّي منه به قبلَ ذلكَ.
والثاني: أنه لا يُقتلُ به وتَكونُ الديَةُ فيه على عاقِلتِه، وهو قولُ ابنِ القاسِمِ في كِتابِ ابنِ الموَّازِ وفي المَدنيةِ وفي تَفسيرِ ابنِ مزينَ مِنْ روايةِ أصبَغَ عنه.
والثالِثُ: أنه لا يُقتلُ وتكونُ الديَةُ عليهِ في مالِهِ، وهو قَولُ أصبَغَ مِنْ رِوايتِه في تَفسيرِ ابنِ مزينَ.
والرابعُ: أنه يُقتلُ به، وهو قَولُ ابنِ الماجشُونَ.
فوجهُ القَولِ الأولِ أنَّ مَنْ أصابَه مثلُ هذا يُدركُه مِنْ الغَضبِ ما يَفقدُ معَه عقْلَه، فيَكونُ حُكمُه في ذلكَ حُكمَ المَجنونِ الذي لا يَعقلُ، وقد قيلَ فيه: إنَّ جِنايتَه في المالِ والدَّمِ هَدرٌ … (١).
الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَأتيَ ببَينةٍ أو يَعترفَ أولياءُ المَقتولِ:
نَصَّ الحَنابلةُ على أنه إذا قتَلَه وأتَى ببيِّنةٍ أنه كانَ مع زَوجتِه أو قتَلَه دِفاعًا عن نَفسِه أو اعتَرفَ الوليُّ بذلكَ فإنه لا قِصاصَ عليهِ ولا ديَةَ؛ لِما رُويَ عن عُمرَ ﵁ «أنه كانَ يَومًا يَتغدَّى إذْ جاءَه رَجلٌ يَعدُو وفي يَدِه
стр. 12904
سَيفٌ مُلطخٌ بالدمِ ووَراءَه قَومٌ يَعدُونَ خَلفَه، فجاءَ حتى جلَسَ مع عُمرَ، فجاءَ الآخَرونَ فقالُوا: يا أميرَ المُؤمنينَ إنَّ هذا قتَلَ صاحِبَنا، فقالَ له عُمرُ: ما يَقولونَ؟ فقالَ يا أميرَ المُؤمنينَ إني ضَرَبتُ فَخِذَي امرَأتِي، فإنْ كانَ بينَهُما أحَدٌ فقدْ قتَلتُه، فقالَ عُمرُ: ما يقول؟ قالُوا: يا أميرَ المُؤمنينَ إنه ضرَبَ بالسَّيفِ فوقَعَ في وَسطِ فَخِذَي المَرأةِ، فأخَذَ عُمرُ سَيفَه فهَزَّه ثم دفَعَه إليه وقالَ: إنْ عادُوا فعُدْ» (١)، ورُويَ عن الزُّبيرِ «أنه كانَ يومًا قد تَخلَّفَ عن الجَيشِ ومعَه جارِيةٌ له، فأتاهُ رَجلانِ فقالَا: أعِطَنا شَيئًا، فألقَى إليهِما طَعامًا كانَ معَه، فقالَا: خَلِّ عنِ الجارِيةِ، فضرَبَهُما بسَيفِه فقطَعَهُما بضَربةٍ واحِدةٍ»، ولأنَّ الخَصمَ اعتَرفَ بما يُبيحُ قتْلَه، فسقَطَ حَقُّه كما لو أقَرَّ بقَتلِه قِصاصًا أو في حَدٍّ يُوجِبُ قتْلَه، وإنْ ثبَتَ ذلكَ ببيِّنةٍ فكذلكَ (٢).
وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: ولو أقَرَّ أولياءُ المَقتولِ منهُما أنه كانَ معَها في الثَّوبِ وتَحرَّكَ تَحرُّكَ المُجامِعِ وأنزَلَ ولم يَقِرُّوا بما يُوجِبُ الحدَّ لم يَسقطْ عنه القَودُ، ولو أقَرُّوا بما يُوجِبُ الحدَّ وكانَ المَقتولُ بكرًا بدَعوَى أوليائِه إخوَتِه أو ابنِه فادَّعى القاتِلُ أنه ثيِّبٌ فالقَولُ قَولُ أوليائِه، وعلى القاتِلِ القَودُ؛ لأنه ليسَ على البِكرِ قَتلٌ في الزِّنى، فإنْ جاءَ ببيِّنةٍ أنه كانَ ثَيبًا سقَطَ عنه العَقلُ والقَودُ.
стр. 12905
ويَسعُه فيما بينَه وبينَ اللهِ قَتلُ الرَّجلِ وامرَأتِه إذا كانَا ثيِّبينِ وعَلِمَ أنه قد نالَ منها ما يُوجِبُ القَتلَ، ولا يُصدَّقُ بقَولِه فيما يُسقطُ عنه القَودُ، وهكذا لو وَجَده يَتلوَّطُ بابنِه أو يَزنِي بجارِيتِه لا يَختلفُ ولا يَسقطُ عنه القَودُ والعَقلُ والقَودُ في القَتلِ، إلا بأنْ يَفعلَ ما يُحِلُّ دَمَه، ولا يَحِلُّ دَمُه وأنْ يُعمدَ قَتلُه إلا بكُفرٍ بعدَ إيمانٍ أو زِنًا بعدَ إحصانٍ أو قَتلِ نَفسٍ بغيرِ نَفسٍ.
ولو أنَّ رَجلًا وجَدَ مع امرَأتِه رَجلًا يَنالُ منها ما يُحَدُّ به الزاني فقتَلَهُما والرَّجلُ ثَيبٌ والمَرأةُ غيرُ ثَيبٍ فلا شَيءَ في الرَّجلِ وعليهِ القَودُ في المَرأةِ، ولو كانَ الرَّجلُ غيرَ ثَيبٍ والمَرأةُ ثَيبًا كانَ عليهِ في الرَّجلِ القَودُ ولا شَيءَ عليهِ في المَرأةِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: وقَولُه في الحَديثِ: «لو أنَّ رَجلًا وجَدَ معَ امرَأتِه رَجلًا يَقتلُه فتَقتلونَه به؟» دَليلٌ على أنَّ مَنْ قتَلَ رَجلًا في دارِه وادَّعَى أنه وجَدَه معَ امرَأتِه أو حَريمِه قُتلَ فيه، ولا يُقبَلُ قَولُه؛ إذ لو قُبلَ قَولُه لَأُهدِرَت الدماءُ وكانَ كلُّ مَنْ أرادَ قتْلَ رَجلٍ أدخَلَه دارَه وادَّعَى أنه وجَدَه مع امرَأتِه.
ولكنْ هاهُنا مَسألتانِ يَجبُ التَّفريقُ بينَهُما:
إحداهُما: هل يَسعُه فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالَى أنْ يَقتلَه أم لا؟
والثانيةُ: هل يُقبلُ قَولُه في ظاهرِ الحُكمِ أم لا؟
стр. 12906
وبهذا التَّفريقِ يَزولُ الإشكالُ فيما نُقلَ عن الصَّحابةِ ﵃ في ذلكَ، حتى جعَلَها بعضُ العُلماءِ مَسألةَ نِزاعٍ بينَ الصَّحابةِ وقالَ: «مَذهبُ عُمرَ ﵁ أنه لا يُقتلُ به، ومَذهبُ عَليٍّ أنه يُقتلُ بهِ»، والذي غَرَّه ما رَواهُ سَعيدُ ابنُ مَنصورٍ في سُننِه «أنَّ عُمرَ بنَ الخَطابِ ﵁ بينَا هو يَومًا يَتغدَّى إذ جاءَه رَجلٌ يَعدُو وفي يَدِه سَيفٌ مُلطخٌ بدَمٍ ووَراءَه قَومٌ يَعدُونَ، فجاءَ حتَّى جلَسَ مع عُمرَ، فجاءَ الآخَرونَ فقالُوا: يا أميرَ المُؤمنينَ إنَّ هذا قتَلَ صاحِبَنا، فقالَ له عُمرُ ﵁: ما تَقولُ؟ فقالَ له: يا أميرَ المُؤمنينَ إني ضَرَبتُ بينَ فَخِذَي امرَأتِي، فإنْ كانَ بينَهُما أحَدٌ فقدْ قَتلتُه، فقالَ عُمرُ: ما تَقولونَ؟ فقالُوا: يا أميرَ المُؤمنينَ إنه ضرَبَ السيفَ فوقَعَ في وَسطِ الرَّجلِ وفَخِذَي المَرأةِ، فأخَذَ عُمرُ ﵁ سَيفَه فهَزَّه ثم دفَعَه إليهِ وقالَ: إنْ عادُوا فعُدْ»، فهذا ما نُقلَ عن عُمرَ ﵁.
وأمَّا عليٌّ فسُئلَ عمَّن وجَدَ مع امرَأتِه رَجلًا فقتَلَه فقالَ: «إنْ لم يَأتِ بأربَعةِ شُهداءَ فلْيُعطَ برُمَّتِه»، فظَنَّ أنَّ هذا خِلافُ المَنقولِ عن عُمرَ، فجعَلَها مَسألةَ خِلافٍ بينَ الصَّحابةِ، وأنتَ إذا تأمَّلتَ حُكمَيهِما لم تَجدْ بينَهُما اختِلافًا؛ فإنَّ عُمرَ إنما أسقَطَ عنه القوَدَ لمَّا اعتَرفَ الوليُّ بأنه كانَ مع امرَأتِه، وقد قالَ أصحابُنا واللَّفظُ لصاحِبِ «المُغنِي»: «فإنِ اعتَرفَ الوليُّ بذلكَ فلا قِصاصَ ولا دِيةَ؛ لِما رُويَ عن عُمرَ» ثم ساقَ القِصةَ، وكَلامُه يُعطِي أنه لا فرْقَ بينَ أنْ يَكونَ مُحصنًا وغيرَ مُحصنٍ، وكذلكَ حكَمَ عُمرُ في هذا القَتيلِ، وقَولُه أيضًا: «فإنْ عادُوا فعُدْ» ولم يُفرِّقْ بينَ المُحصَنِ وغيرِه، وهذا هو
стр. 12907
الصَّوابُ، وإنْ كانَ صاحِبُ «المُستَوعب» قد قالَ: وإنْ وجَدَ مع امرَأتِه رَجلًا يَنالُ منها ما يُوجِبُ الرَّجمَ فقتَلَه وادَّعَى أنه قتَلَه لأجْلِ ذلكَ فعَليهِ القِصاصُ في ظاهرِ الحُكمِ، إلا أنْ يَأتِيَ ببيِّنةٍ بدَعواهُ فلا يَلزمُه القِصاصُ، قالَ: وفي عَددِ البيِّنةِ رِوايتانِ: إحداهُما: شاهِدانِ، اختارَها أبو بَكرٍ؛ لأنَّ البيِّنةَ على الوُجودِ لا على الزِّنى، والأخرى: لا يُقبَلُ أقلُّ مِنْ أربعةٍ، والصَّحيحُ أنَّ البيِّنةَ متَى قامَتْ بذلكَ أو أقَرَّ به الوليُّ سقَطَ القِصاصُ، مُحصنًا كانَ أو غيرَه، وعليهِ يَدلُّ كَلامُ عليٍّ؛ فإنه قالَ «فيمَن وجَدَ مع امرَأتِه رَجلًا فقتَلَه: إنْ لم يَأتِ بأربَعةِ شُهداءَ فلْيُعطَ برُمتِه»؛ وهذا لأنَّ هذا القتلَ ليسَ بحَدِّ الزِّنى، ولو كانَ حدًّا لَمَا كانَ بالسَّيفِ ولَاعتُبِرَ له شُروطُ إقامةِ الحدِّ وكَيفيتُه، وإنما هو عُقوبةٌ لمَن تَعدَّى عليهِ وهتَكَ حَريمَه وأفسَدَ أهلَه، وكذلكَ فعَلَ الزبيرُ ﵁ «لمَّا تَخلَّفَ عن الجَيشِ ومعَه جاريةٌ له، فأتاهُ رَجلانِ فقالَا: أعطِنا شَيئًا، فأعطاهُما طَعامًا كانَ معه، فقالَا: خَلِّ عن الجارِيةِ، فضَربَهُما بسَيفِه فقطَعَهما بضَربةٍ واحدةٍ» …
وعلى هذا فيَجوزُ له فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالَى قَتلُ مَنْ اعتَدى على حَريمِه، سَواءٌ كانَ مُحصنًا أو غيرَ مُحصنٍ، مَعروفًا بذلكَ أو غيرَ مَعروفٍ، كما دَلَّ عليهِ كَلامُ الأصحابِ وفَتاوَى الصَّحابةِ، وقد قالَ الشافِعيُّ وأبو ثَورٍ: يَسعُه قَتلُه فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالَى إذا كانَ الزاني مُحصنًا، جَعَلاهُ مِنْ بابِ الحُدودِ.
وقالَ أحمَدُ وإسحاقُ: يُهدَرُ دَمُه إذا جاءَ بشاهدَينِ، ولم يُفصِلَا بينَ المُحصنِ وغيرِه.
стр. 12908
واختَلفَ قَولُ مالكٍ في هَذهِ المَسألةِ، فقالَ ابنُ حَبيبٍ: إنْ كانَ المَقتولُ مُحصنًا وأقامَ الزَّوجُ البيِّنةَ فلا شيءَ عليهِ، وإلا قُتلَ بهِ، وقالَ ابنُ القاسِمِ: إذا قامَتِ البيِّنةُ فالمُحصَنُ وغيرُ المُحصنِ سَواءٌ ويُهدَرُ دَمُه، واستَحبَّ ابنُ القاسِمِ الديَةَ في غيرِ المُحصنِ (١).
مُوجَبُ القَتلِ العَمدِ:
ومُوجَبُ القَتلِ العَمدِ سِتةُ أشياءَ:
أوَّلًا: المَأثَمُ: فيَأثمُ القاتِلُ بالإجماعِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣].
وعَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «لا يَزالُ المُؤمِنُ في فُسحةٍ مِنْ دِينِه ما لم يُصِبْ دمًا حَرامًا» (٢).
ثانيًا: القَوَدُ (القِصاصُ) بالإجماعِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]. والمُرادُ به العَمدُ؛ لأنهُ لا قِصاصَ في غَيرِه، فلا قِصاصَ في شِبهِ العَمدِ ولا الخَطأِ بالإجماعِ.
قالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: ولا خِلافَ بيْنَ أحَدٍ مِنْ الأمَّةِ في أنَّ القوَدَ ليسَ إلَّا في العَمدِ فقَطْ (٣).
стр. 12909
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا صِفةُ الَّذي يَجبُ بهِ القِصاصُ فاتَّفقوا على أنَّه العَمدُ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ حَجرٍ الهَيتَميُّ ﵀: ولا قِصاصَ إلَّا في العَمدِ … إجماعًا، بخِلافِ الخَطأِ … وشِبهِ العَمدِ (٢).
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ القودَ لا يَجبُ إلا بالعَمدِ، ولا نَعلمْ بينَهُم في وُجوبِه بالقَتلِ العَمدِ إذا اجتَمعَتْ شُروطُه خِلافًا (٣).
وقد دلَّتِ الآياتُ والأخبارُ بعُمومِها على القِصاصِ في العَمدِ، فمِن ذلكَ:
قولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣].
وقالَ تعالَى: ﴿عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨].
وقالَ تعالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، يُريدُ أنَّ وُجوبَ القِصاصِ يَمنعُ مَنْ يُريدُ القَتلَ منه شَفقةً على نَفسِه مِنْ القَتلِ، فتَبقَى الحياةُ فيمَن أُريدَ قتلُه.
وقيلَ: إنَّ القاتلَ تَنعقدُ العَداوةُ بينَه وبينَ قَبيلةِ المَقتولِ، فيُريدُ قتْلَهم خَوفًا منهُم، ويُريدونَ قتْلَه وقتْلَ قَبيلتِه استيفاءً، ففي الاقتِصاصِ منه بحُكمِ الشرعِ قَطعٌ لسَببِ الهلاكِ بينَ القَبيلتينِ.
стр. 12910
وقالَ الله تعالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥].
وقالَ النبيُّ ﷺ : «مَنْ قُتلَ له قَتيلٌ فهو بخَيرِ النَّظرينِ: إما أنْ يُقتلَ وإمَّا أنْ يُفدَى» (١).
وعن أبي شُريحٍ الخُزاعيِّ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أُصيبَ بدَمٍ أو خَبْلٍ -والخَبْلُ الجُرحُ- فهو بالخِيارِ بينَ إحدَى ثَلاثٍ، فإنْ أرادَ الرابِعةَ فخُذوا على يَدَيهِ: أنْ يَقتلَ أو يَعفوَ أو يَأخذَ الدِّيةَ، فمَن فعَلَ شَيئًا مِنْ ذلكَ فعادَ فإنَّ له نارَ جَهنَّمَ خالِدًا مُخلَّدًا فيها أبدًا» (٢).
وقالَ النبي ﷺ : «مَنْ قُتلَ في عِمِّيَّا في رَميٍ يَكونُ بَينَهم بحِجارةٍ أو بالسِّياطِ أو ضَربٍ بعَصًا فهو خَطأٌ وعَقلُه عَقلُ الخَطأِ، ومَن قُتلَ عَمدًا فهو قوَدٌ، ومَن حالَ دُونَه فعَليهِ لَعنةُ اللهِ وغَضبُه لا يُقبَلُ منه صَرفٌ ولا عَدلٌ» (٣).
الحِكمةُ مِنْ مَشروعِيةِ القِصاصِ:
الحِكمةُ تَقتضي شَرعيَّةَ القِصاصِ، فإنَّ الطِّباعَ البَشريةَ والأنفُسَ الشِّريرةَ تَميلُ إلى الظُّلمِ والاعتِداءِ وتَرغبُ في استِيفاءِ الزائدِ على الابتِداءِ، سِيَّما سُكانُ البَوادي وأهلُ الجَهلِ العادِلينَ عن سُننِ العَقلِ والعَدلِ كما نُقلَ مِنْ عادتِهِم في الجاهِليةِ، فلو لم تُشرَعْ الأجْزِيةُ الزاجِرةُ عن التعَدِّي والقِصاص مِنْ غيرِ زِيادةٍ ولا انتِقاصٍ لَتَجرَّأَ ذَوُو الجَهلِ والحَميةِ والأنفُسِ الأبيةِ على القَتلِ والفَتكِ في الابتِداءِ وإضعافِ ما جُنيَ عليهِم في الاستِيفاءِ، فيُؤدِّي ذلكَ إلى التَّفاني، وفيهِ
стр. 12911
مِنْ الفَسادِ ما لا يَخفَى، فاقتَضتِ الحِكمةُ شرْعَ العُقوباتِ الزاجِرةِ عن الابتِداءِ في القَتلِ والقِصاصِ المانعِ مِنْ استِيفاءِ الزائِدِ على المِثلِ، فورَدَ الشرعُ بذلكَ لهذهِ الحِكمةِ حَسمًا عن مادَّةِ هذا البابِ، فقالَ تعالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩].
العَفو عن القِصاصِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنه يَجوزُ لوَليِّ القِصاصِ أنْ يَعفوَ عن القِصاصِ، وأنَّ عفْوَه أفضَلُ مِنْ القِصاصِ، واستَدلُّوا على ذلكَ بالكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ.
أمَّا الكِتابُ: فقَولُ اللهِ تعالَى في سِياقِ قَولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨].
وقالَ تعالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] إلى قَولِه: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥]، قيلَ في تَفسيرِه: فهو كفَّارةٌ للجاني يَعفُو صاحِبُ الحقِّ عنه.
وقيلَ: فهو كَفارةٌ للعافي بصَدقتِه.
وأمَّا السُّنةُ: فإنَّ أنسَ بنَ مالكٍ قالَ: «ما رَأيتُ النبيَّ ﷺ رُفِعَ إليه شَيءٌ فيه قِصاصٌ إلا أمَرَ فيه بالعَفوِ» (١).
стр. 12912
وعنِ الشعبيِّ قالَ: قالَ عُبادةُ بنُ الصامِتِ: سَمعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «مَنْ جُرحَ في جَسدِه جِراحةً فتَصدَّقَ بها كفَّرَ اللهُ عنه بمِثلِ ما تَصدَّقَ بهِ» (١).
وأمَّا الإجماعُ: فقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على إجازةِ العَفوِ عن القِصاصِ، وأنه أفضَلُ (٢).
وقالَ الزَّركشيُّ ﵀: العَفوُ عن القِصاصِ … إجماعٌ وللهِ الحَمدُ، بل هو أفضَلُ (٣).
عَفوُ الأولياءِ عن قَتلِ الغِيلةِ:
لا فرْقَ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ بيْنَ قَتلِ الغِيلةِ وغَيرِه في القِصاصِ والعَفوِ، وأنَّ ذلكَ لِلوَليِّ دُونَ السُّلطانِ؛ لعُمومِ قَولِه تعالَى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣].
وقَولِ النبيِّ ﷺ : «ومَن قُتِلَ لهُ قَتيلٍ فهوَ بخَيرِ النَّظرَينِ: إمَّا يُؤْدِي، وإمَّا أنْ يُقادَ» (٤)، ولأنَّه قَتيلٌ في غَيرِ المُحارَبةِ فكانَ أمْرُه إلى وَليِّه كسائِرِ القتْلَى (٥).
стр. 12913
قالَ الإمامُ محمَّدُ بنُ الحَسنِ الشَّيباني ﵀: قالَ أبو حَنيفةَ ﵁: مَنْ قتَلَ رَجلًا عَمدًا قتْلَ غِيلةٍ أو غيرَ غيلةٍ فذلكَ إلى أولياءِ القَتيلِ، فإنْ شاؤُوا قتَلَوا، وإنْ شاؤُوا عَفَوا، وقالَ أهلُ المَدينةِ: إذا قتَلَه قتْلَ غِيلةٍ مِنْ غيرِ نائِرةٍ ولا عَداوةٍ فإنه يُقتلُ، وليسَ لوُلاةِ المَقتولِ أنْ يَعفُوا عنه، وذلكَ إلى السُّلطانِ يَقتلُ فيه القاتلَ.
وقالَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ: قَولُ اللهِ أصدَقُ مِنْ غَيرِه؛ قالَ اللهُ : ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾ [الإسراء: ٣٣]، وقالَ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨] إلى قَولِه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾، فلَم يُسَمِّ في ذلكَ قتْلَ الغِيلةِ ولا غيْرَها.
فمَن قُتلَ وَليُّه فهو وَليُّه في دَمِه دُونَ السُّلطانِ، إنْ شاءَ قتَلَ وإنْ شاءَ عفَا، وليسَ إلى السُّلطانِ مِنْ ذلكَ شَيءٌ (١).
وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: كلُّ مَنْ قُتِلَ في حِرابةٍ أو صَحراءَ أو مِصرٍ أو مُكابَرةٍ، أو قُتِلَ غِيلةً على مالٍ أو غَيرِه، أو قُتِلَ نائِرةً فالقِصاصُ والعَفوُ إلى الأَولياءِ، وليسَ إلى السُّلطانِ مِنْ ذلكَ شَيءٌ، إلَّا الأدبُ إذا عفَا الوَليُّ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وقَتلُ الغِيلةِ وغيرُه سَواءٌ في القِصاصِ والعَفوِ، وذلكَ للوليِّ دونَ السُّلطانِ، وبه قالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وابنُ المُنذرِ.
стр. 12914
وقالَ مالكٌ: الأمرُ عِندَنا أنْ يُقتلَ به، وليسَ لوليِّ الدمِّ أنْ يَعفوَ عنه، وذلكَ إلى السُّلطانِ، والغيلةُ عندَه أنْ يُخدعَ الإنسانُ فيُدخلَ بيتًا أو نحوَه فيُقتلَ أو يُؤخذُ مالُه، ولَعلَّه يَحتجُّ بقَولِ عُمرَ في الذي قُتلَ غيلةً: «لو تَمالأَ عليهِ أهلُ صَنعاءَ لَأقدْتُهم بهِ»، وبقِياسِه على المُحارِبِ.
ولنا: عُمومِ قولِه تعالَى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، وقُولُ النبيِّ ﷺ : «فأهلُه بينَ خِيرَتينِ»، ولأنه قَتيلٌ في غيرِ المُحارَبةِ، فكانَ أمرُه إلى وَليِّه كسائرِ القتلَى، وقَولُ عُمرَ: «لَأقدْتُهم به» أي: أمكَنْتُ الوليَّ مِنْ استِيفاءِ القَودِ منهُم (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنه ليسَ لوليِّ المَقتولِ العَفوُ في قتلِ الغيلةِ، ويُقتلُ به، وليسَ ذلكَ قِصاصًا وإنما لفَسادِه في الأرضِ.
وقَتلُ الغِيلةِ أنْ يَقتلَه ليَأخذَ مالَه كما يَصنعُ قاطعُ الطَّريقِ، لا يَقتلُه لثَائرةٍ ولا عَداوةٍ، سَواءٌ كانَ القَتلُ خِفيةً -كما لو خدَعَه فذهَبَ به لمَحلٍّ فقتَلَه فيه لأخذِ المالِ- أو كانَ ظاهِرًا على وَجهٍ يَتعذرُ معه الغَوثُ -وإنْ كانَ الثاني يُسمَّى حِرابةً-، ولا يُقتلُ به قِصاصًا، بل للفَسادِ، ولذا قالَ الإمامُ مالكٌ: لا عفْوَ فيه ولا صُلحَ، وصُلحُ الوليِّ مَردودٌ والحُكمُ فيه للإمامِ (٢).
стр. 12915
جاءَ في «المُدوَّنة الكُبرَى»: ما جاءَ في رَجلٍ قتَلَ رَجلًا قتْلَ غِيلةٍ فصالَحَه وَليُّ المَقتولِ على مالٍ.
(قلتُ): أرَأيتَ إنْ قتَلَ رَجلٌ وليًّا لي قتْلَ غِيلةٍ فصالَحتُه على الديَةِ، أيَجوزُ هذا في قَولِ مالكٍ؟ (قالَ): لا، إنما ذلكَ إلى السلطانِ، ليسَ لكَ هاهُنا شَيءٌ، وتَردُّ ما أخَذْتَ منه، ويَحكمُ عليهِ السلطانُ بحُكمِ المُحارِبِ، فيَقتلُه السُّلطانِ بضربِ عُنقَه أو بصَلبِه إنْ أحَبَّ حيًّا فيَقتلُه مَصلوبًا، (قُلتُ): وهذا قولُ مالكٍ؟ (قالَ): أمَّا في القتلِ فكذلكَ قالَ لي مالكٌ وفي الصَّلبِ، وأما في الصُّلحِ فإنه لا يَجوزُ وهو رَأيِي؛ لأنَّ مالكًا قالَ: ليسَ لوُلاةِ الدمِ فيه قِيامٌ بالدمِ مثلَ العَمدِ، وإنما ذلكَ إلى الإمامِ يَرَى فيه رأيَه، يَقتلُه على ما يَرَى مِنْ أشنَعِ ذلكَ (١).
سُقوطُ القِصاصِ إذا عَفَا بعضُ أولياءِ القَتيلِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه إذا كانَ للمَقتولِ أولياءُ يَستحقونَ القِصاصَ فعَفَى واحِدٌ منهُم سقَطَ القِصاصُ كلُّه وانتقلَ إلى الدِّيةِ؛ لأنَّ مِنْ شَرطِ وُجوبِ القِصاصِ اجتماعُ جَميعِ الأولياءِ على طَلبِه.
قالَ الإمامُ السَّرخسيُّ ﵀: ولا خِلافَ أنَّ أحَدَ الشَّريكينِ في الدمِ إذا عَفَا أنَّ للآخَرِ أنْ يَستوفِيَ المالَ (٢).
стр. 12916
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: أجمَعُوا على أنَّ المَقتولَ عَمدًا إذا كانَ له بَنونَ بالِغونَ فعَفَا أحَدُهم أنَّ القِصاصَ قد بطَلَ ووجَبَتِ الديةُ.
واختَلفُوا في اختِلافِ البَناتِ مع البَنينَ في العَفوِ أو القِصاصِ، وكذلكَ الزَّوجةُ أو الزَّوجُ والأخواتُ؛ فقالَ مالِكٌ: ليسَ للبَناتِ ولا الأخواتِ قَولٌ مع البَنينَ والإخوَةِ في القِصاصِ أو ضَدِّه، ولا يُعتبَرُ قَولُهنَّ مع الرِّجالِ، وكذلكَ الأمرُ في الزَّوجةِ والزوجِ … وقَالَ أَبُو حنِيفة، وَالثَّوريُّ، وأَحمدُ وَالشَّافعيُّ كُلُّ وارِثٍ يُعتبَرُ قَولُهُ في إِسْقَاطِ القِصَاصِ وفِي إِسقَاطِ حَظِّهِ مِنَ الدِّيةِ، وفِي الأَخذِ بِهِ قَالَ الشَّافعِيُّ: الغَائِبُ مِنهُم وَالحَاضِرُ وَالصَّغِيرُ وَالكَبِيرُ سَوَاءٌ.
وَعُمدَةُ هَؤُلَاءِ اعتِبَارُهُمُ الدَّمَ بِالدِّيَةِ. وَعُمدَةُ الْفَرِيقِ الأَوَّلِ أَنَّ الوِلَايَةَ إِنَّمَا هِيَ لِلذُّكْرَانِ دُونَ الْإِنَاثِ (١).
وقالَ: إذا كانَ للمَقتولِ أولياءُ صِغارٌ وكِبارٌ أنْ يُؤخَّرَ القَتلُ إلى أنْ يَكبَرَ الصِّغارُ فيَكونُ لهم الخِيارُ، ولا سِيَّما إذا كانَ الصغارُ يَحجُبونَ الكِبارَ مثلَ البَنينَ مع الإخوةِ.
قالَ القاضي: وقد كانَتْ وقَعَتْ هذه المَسألةُ بقُرطبةَ حياةَ جَدِّي ﵀، فأفتَى أهلُ زَمانِه بالرِّوايةِ المَشهورةِ وهو أنْ لا يُنتظرَ الصَّغيرِ، فأفتَى هوَ ﵀ بانتِظارِه على القِياسِ، فشنَّعَ أهلُ زَمانِه ذلكَ عليهِ لِمَا
стр. 12917
كانُوا عليهِ مِنْ شِدَّةِ التقليدِ، حتَّى اضطرَّ أنْ يضَعَ في ذلكَ قَولًا يَنتصرُ فيه لهذا المَذهبِ، وهو مَوجودٌ بأيدِي الناسِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنه إذا عَفَى أحَدُ الأولياءِ مِنْ الرِّجالِ سقَطَ القِصاصُ وانتقلَ الأمرُ إلى الديَةِ.
واختَلفُوا فيما إذا عَفَتِ المَرأةُ مِنْ الأولياءِ، فقالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأحمَدُ: يَسقطُ القَودُ.
وأما مالِكٌ فقالَ عبدُ الوهابِ في «المَعونَة»: اختَلفتِ الرِّوايةُ عن مالكٍ في النِّساءِ هل لهُنَّ مَدخلٌ في الدمِ أم لا؟ فعَنهُ فيه رِوايتانِ:
أحَدُهما: لهُنَّ فيه مَدخلٌ كالرِّجالِ إذا لم يَكنْ في دَرجتِهنَّ عَصبةٌ.
والأخرَى: أنه لا مَدخلَ لهُنَّ، وإذا قالَ: «لهُنَّ مَدخلٌ في ذلكَ» ففِي أيِّ شَيءٍ لهنَّ مَدخلٌ؟ فيهِ عنهُ رِوايتانِ: إحداهُما: في القَودِ دونَ العَفوِ، والثانيةُ: في العَفوِ دُونَ القودِ.
واتَّفقُوا على أنه إذا كانَ الأولياءُ حُضورًا بالِغينَ وطالَبُوا لمْ يُؤخَّرِ القِصاصُ، إلا أنْ يَكونَ القاتلُ امرَأةً وتَكونَ حامِلًا يُؤخَّرُ القِصاصُ حتى تضَعَ.
واتَّفقوا على أنه إذا كانَ الأولياءُ صِغارًا أو غُيِّبًا فإنه يُؤخرُ القِصاصُ، إلا أبا حَنيفةَ فإنه قالَ في الصِّغارِ: إنْ كانَ لهُم أبٌ استَوفَى القِصاصُ ولم يُؤخرْ.
стр. 12918
فإنْ كانَ فيهِم صِغارٌ أو غُيَّبٌ أو مَجنونٌ فقالُوا كلُّهم: أنَّ الغائِبَ يُؤخَّرُ القِصاصُ لأجْلِه حتى يَقدُمَ، ثم اختَلفُوا في الصَّغيرِ والمَجنونِ:
فقالَ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ: لا يُؤخرُ القِصاصُ لأجْلِهم.
وقالَ الشافِعيُّ: يُؤخرُ القِصاصُ حتى يفيقَ المَجنونُ ويَكبَرَ الصَّغيرُ.
وعن أحمَدَ رِوايتانِ: أظهَرُهما: أنه يُؤخَّرُ، والأخرَى: كمَذهبِ أبي حَنيفةَ ومالكٍ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا كانَ للمَقتولِ أولياءُ يَستحقونَ القِصاصَ فمِن شَرطِ وُجوبِه اجتِماعُهم على طَلبِه، ولو عَفَى واحدٌ منهُم سقَطَ كلُّه، وإنْ كانَ بَعضُهم غائِبًا أو غيرَ مُكلَّفٍ لم يَكنْ لشُركائِه القصاصُ حتى يَقدمَ الغائبُ ويَختارَ القِصاصَ أو يُوكِّلَ، ويَبلغَ الصبيُّ ويفيقَ المَجنونُ ويَختاراهُ (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: القِصاصُ حقٌّ لجَميعِ الوَرثةِ مِنْ ذَوِي الأنسابِ والأسبابِ والرِّجالِ والنساءِ والصِّغارِ والكِبارِ، فمَن عَفَا منهُم صَحَّ عَفوُه وسقَطَ القِصاصُ ولم يَبْقَ لأحدٍ إليه سَبيلٌ، وهذا قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، منهُم عَطاءٌ والنَّخعيُّ والحَكمُ وحمَّادٌ والثوريُّ وأبو حَنيفةَ والشافِعيُّ، ورُويَ معنَى ذلكَ عن عُمرَ وطاوسٍ والشعبيِّ.
стр. 12919
وقالَ الحَسنُ وقَتادةُ والزُّهريُّ وابنُ شُبرمةَ والليثُ والأوزاعيُّ: ليسَ للنِّساءِ عَفوٌ، والمَشهورُ عن مالِكٍ أنه مَوروثٌ للعصَباتِ خاصَّةً، وهو وَجهٌ لأصحابِ الشافِعيِّ؛ لأنه ثبَتَ لدَفعِ العارِ، فاختَصَّ به العَصباتُ كوِلايةِ النكاحِ، ولهُم وَجهٌ ثالِثٌ: أنه لذوِي الأنسابِ دونَ الزَّوجينِ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «مَنْ قُتلَ له قَتيلٌ فأهلُه بينَ خِيرتينِ: بينَ أنْ يَقتلُوا أو يَأخُذوا العَقلَ»، وأهلُه ذَوُو رَحِمِه.
وذهَبَ بعضُ أهلِ المَدينةِ إلى أنَّ القِصاصَ لا يَسقطُ بعَفوِ بعضِ الشُّركاءِ، وقيلَ: هو رِوايةٌ عن مالِكٍ؛ لأنَّ حَقَّ غيرِ العافي لا يَرضَى بإسقاطِه، وقد تُؤخذُ النفسُ ببَعضِ النفسِ؛ بدَليلِ قتلِ الجَماعةِ بالواحدِ.
ولنا: عُمومُ قولِه ﵇: «فأهلُه بينَ خِيرتَينِ»، وهذا عامٌّ في جَميعِ أهلِه، والمَرأةُ مِنْ أهلِه؛ بدَليلِ قولِ النبيِّ ﷺ : «مَنْ يعذُرنِي مِنْ رَجلٍ يَبلغنِي أذاهُ في أهلِي، وما عَلِمتُ على أهلِي إلا خَيرًا، ولقد ذَكَروا رَجلًا ما عَلِمتُ عليهِ إلا خَيرًا، وما كانَ يَدخلُ على أهلِي إلا معِي»، يُريدُ عائِشةَ، وقالَ له أسامةُ: «يا رَسولَ اللهِ أهلُكَ، ولا نَعلمُ إلا خَيرًا».
ورَوى زَيدُ بنُ وَهبٍ «أنَّ عُمرَ أُتِيَ برَجلٍ قتَلَ قَتيلًا فجاءَ وَرثةُ المَقتولِ ليَقتلوهُ، فقالَتِ امرَأةُ المَقتولِ وهيَ أختُ القاتِلِ: قد عَفوتُ عن حَقِّي، فقالَ عُمرُ: اللهُ أكبَرُ عُتِقَ القَتيلُ» رَواهُ أبو داودَ.
وفي رِوايةٍ عن زَيدٍ قالَ: «دخَلَ رَجلٌ على امرَأتِه فوجَدَ عِندَها رَجلًا فقتَلَها، فاستَعدَى إخوَتُها عُمرَ، فقالَ بَعضُ إخوتِها: قد تَصدَّقتُ، فقَضَى لسائرِهم بالدِّيةِ».
стр. 12920
ورَوى قَتادةُ: «أنَّ عُمرَ رُفعَ إليه رَجلٌ قتَلَ رَجلًا، فجاءَ أولادُ المَقتولِ وقد عَفَا بَعضُهم، فقالَ عُمرُ لابنِ مَسعودٍ: ما تَقولُ؟ قالَ: إنه قد أُحرِزَ مِنْ القتلِ، فضرَبَ على كَتفِه وقالَ: كَنيفٌ مُلِئَ عِلمًا».
والدَّليلُ على أنَّ القِصاصَ لِجَميعِ الوَرثةِ ما ذكَرْناهُ في مَسألةِ القِصاصِ بيْنَ الصَّغيرِ والكَبيرِ، ولأنَّ مَنْ وَرِثَ الدِّيَةَ وَرثَ القِصاصَ كالعَصبةِ، فإذَا عَفَا بعضُهُم صحَّ عفْوُه كعَفوِه عن سائِرِ حُقوقِه، وزَوالُ الزَّوجيةِ لا يَمنعُ استِحقاقَ القِصاصِ كما لم يَمنَعِ استحقاقَ الديَةِ وسائرِ حُقوقِه المَوروثةِ، ومتَى ثبَتَ أنه حَقٌّ مُشترَكٌ بينَ جَميعِهم سقَطَ بإسقاطِ مَنْ كانَ مِنْ أهلِ الإسقاطِ منهُم؛ لأنَّ حقَّه منه له، فيَنفذُ تَصرفُه فيه، فإذا سقَطَ سقَطَ جَميعُه؛ لأنه ممَّا لا يَتبعضُ كالطَّلاقِ والعِتاقِ، ولأنَّ القِصاصَ حقٌّ مُشترَكٌ بينَهُم لا يَتبعضُ، مَبناهُ على الدَّرءِ والإسقاطِ، فإذا أسقَطَ بعضُهم سَرَى إلى الباقي كالعِتقِ، والمَرأةُ أحدُ المُستحِقينَ، فسقَطَ بإسقاطِها كالرَّجلِ.
ومتَى عَفَا أحدُهم فللباقِينَ حقُّهم مِنْ الديَةِ، سَواءٌ عفَا مُطلَقًا أو إلى الدِّيةِ، وبهذا قالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ، ولا أعلَمُ لهُمَا مُخالِفًا ممَّنْ قالَ بسُقوطِ القِصاصِ؛ وذلكَ لأنَّ حقَّه مِنْ القِصاصِ سقَطَ بغيرِ رِضاهُ، فثبَتَ له البَدلُ كما لو ورثَ القاتِلُ بعضَ دَمِه أو ماتَ، ولِما ذكَرْناه مِنْ خبَرِ عُمرَ ﵁ (١).