← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 12916–12955 · переход к 12921.

стр. 12916

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: أجمَعُوا على أنَّ المَقتولَ عَمدًا إذا كانَ له بَنونَ بالِغونَ فعَفَا أحَدُهم أنَّ القِصاصَ قد بطَلَ ووجَبَتِ الديةُ. واختَلفُوا في اختِلافِ البَناتِ مع البَنينَ في العَفوِ أو القِصاصِ، وكذلكَ الزَّوجةُ أو الزَّوجُ والأخواتُ؛ فقالَ مالِكٌ: ليسَ للبَناتِ ولا الأخواتِ قَولٌ مع البَنينَ والإخوَةِ في القِصاصِ أو ضَدِّه، ولا يُعتبَرُ قَولُهنَّ مع الرِّجالِ، وكذلكَ الأمرُ في الزَّوجةِ والزوجِ … وقَالَ أَبُو حنِيفة، وَالثَّوريُّ، وأَحمدُ وَالشَّافعيُّ كُلُّ وارِثٍ يُعتبَرُ قَولُهُ في إِسْقَاطِ القِصَاصِ وفِي إِسقَاطِ حَظِّهِ مِنَ الدِّيةِ، وفِي الأَخذِ بِهِ قَالَ الشَّافعِيُّ: الغَائِبُ مِنهُم وَالحَاضِرُ وَالصَّغِيرُ وَالكَبِيرُ سَوَاءٌ. وَعُمدَةُ هَؤُلَاءِ اعتِبَارُهُمُ الدَّمَ بِالدِّيَةِ. وَعُمدَةُ الْفَرِيقِ الأَوَّلِ أَنَّ الوِلَايَةَ إِنَّمَا هِيَ لِلذُّكْرَانِ دُونَ الْإِنَاثِ (١). وقالَ: إذا كانَ للمَقتولِ أولياءُ صِغارٌ وكِبارٌ أنْ يُؤخَّرَ القَتلُ إلى أنْ يَكبَرَ الصِّغارُ فيَكونُ لهم الخِيارُ، ولا سِيَّما إذا كانَ الصغارُ يَحجُبونَ الكِبارَ مثلَ البَنينَ مع الإخوةِ. قالَ القاضي: وقد كانَتْ وقَعَتْ هذه المَسألةُ بقُرطبةَ حياةَ جَدِّي ﵀، فأفتَى أهلُ زَمانِه بالرِّوايةِ المَشهورةِ وهو أنْ لا يُنتظرَ الصَّغيرِ، فأفتَى هوَ ﵀ بانتِظارِه على القِياسِ، فشنَّعَ أهلُ زَمانِه ذلكَ عليهِ لِمَا

стр. 12917

كانُوا عليهِ مِنْ شِدَّةِ التقليدِ، حتَّى اضطرَّ أنْ يضَعَ في ذلكَ قَولًا يَنتصرُ فيه لهذا المَذهبِ، وهو مَوجودٌ بأيدِي الناسِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنه إذا عَفَى أحَدُ الأولياءِ مِنْ الرِّجالِ سقَطَ القِصاصُ وانتقلَ الأمرُ إلى الديَةِ. واختَلفُوا فيما إذا عَفَتِ المَرأةُ مِنْ الأولياءِ، فقالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأحمَدُ: يَسقطُ القَودُ. وأما مالِكٌ فقالَ عبدُ الوهابِ في «المَعونَة»: اختَلفتِ الرِّوايةُ عن مالكٍ في النِّساءِ هل لهُنَّ مَدخلٌ في الدمِ أم لا؟ فعَنهُ فيه رِوايتانِ: أحَدُهما: لهُنَّ فيه مَدخلٌ كالرِّجالِ إذا لم يَكنْ في دَرجتِهنَّ عَصبةٌ. والأخرَى: أنه لا مَدخلَ لهُنَّ، وإذا قالَ: «لهُنَّ مَدخلٌ في ذلكَ» ففِي أيِّ شَيءٍ لهنَّ مَدخلٌ؟ فيهِ عنهُ رِوايتانِ: إحداهُما: في القَودِ دونَ العَفوِ، والثانيةُ: في العَفوِ دُونَ القودِ. واتَّفقُوا على أنه إذا كانَ الأولياءُ حُضورًا بالِغينَ وطالَبُوا لمْ يُؤخَّرِ القِصاصُ، إلا أنْ يَكونَ القاتلُ امرَأةً وتَكونَ حامِلًا يُؤخَّرُ القِصاصُ حتى تضَعَ. واتَّفقوا على أنه إذا كانَ الأولياءُ صِغارًا أو غُيِّبًا فإنه يُؤخرُ القِصاصُ، إلا أبا حَنيفةَ فإنه قالَ في الصِّغارِ: إنْ كانَ لهُم أبٌ استَوفَى القِصاصُ ولم يُؤخرْ.

стр. 12918

فإنْ كانَ فيهِم صِغارٌ أو غُيَّبٌ أو مَجنونٌ فقالُوا كلُّهم: أنَّ الغائِبَ يُؤخَّرُ القِصاصُ لأجْلِه حتى يَقدُمَ، ثم اختَلفُوا في الصَّغيرِ والمَجنونِ: فقالَ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ: لا يُؤخرُ القِصاصُ لأجْلِهم. وقالَ الشافِعيُّ: يُؤخرُ القِصاصُ حتى يفيقَ المَجنونُ ويَكبَرَ الصَّغيرُ. وعن أحمَدَ رِوايتانِ: أظهَرُهما: أنه يُؤخَّرُ، والأخرَى: كمَذهبِ أبي حَنيفةَ ومالكٍ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا كانَ للمَقتولِ أولياءُ يَستحقونَ القِصاصَ فمِن شَرطِ وُجوبِه اجتِماعُهم على طَلبِه، ولو عَفَى واحدٌ منهُم سقَطَ كلُّه، وإنْ كانَ بَعضُهم غائِبًا أو غيرَ مُكلَّفٍ لم يَكنْ لشُركائِه القصاصُ حتى يَقدمَ الغائبُ ويَختارَ القِصاصَ أو يُوكِّلَ، ويَبلغَ الصبيُّ ويفيقَ المَجنونُ ويَختاراهُ (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: القِصاصُ حقٌّ لجَميعِ الوَرثةِ مِنْ ذَوِي الأنسابِ والأسبابِ والرِّجالِ والنساءِ والصِّغارِ والكِبارِ، فمَن عَفَا منهُم صَحَّ عَفوُه وسقَطَ القِصاصُ ولم يَبْقَ لأحدٍ إليه سَبيلٌ، وهذا قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، منهُم عَطاءٌ والنَّخعيُّ والحَكمُ وحمَّادٌ والثوريُّ وأبو حَنيفةَ والشافِعيُّ، ورُويَ معنَى ذلكَ عن عُمرَ وطاوسٍ والشعبيِّ.

стр. 12919

وقالَ الحَسنُ وقَتادةُ والزُّهريُّ وابنُ شُبرمةَ والليثُ والأوزاعيُّ: ليسَ للنِّساءِ عَفوٌ، والمَشهورُ عن مالِكٍ أنه مَوروثٌ للعصَباتِ خاصَّةً، وهو وَجهٌ لأصحابِ الشافِعيِّ؛ لأنه ثبَتَ لدَفعِ العارِ، فاختَصَّ به العَصباتُ كوِلايةِ النكاحِ، ولهُم وَجهٌ ثالِثٌ: أنه لذوِي الأنسابِ دونَ الزَّوجينِ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «مَنْ قُتلَ له قَتيلٌ فأهلُه بينَ خِيرتينِ: بينَ أنْ يَقتلُوا أو يَأخُذوا العَقلَ»، وأهلُه ذَوُو رَحِمِه. وذهَبَ بعضُ أهلِ المَدينةِ إلى أنَّ القِصاصَ لا يَسقطُ بعَفوِ بعضِ الشُّركاءِ، وقيلَ: هو رِوايةٌ عن مالِكٍ؛ لأنَّ حَقَّ غيرِ العافي لا يَرضَى بإسقاطِه، وقد تُؤخذُ النفسُ ببَعضِ النفسِ؛ بدَليلِ قتلِ الجَماعةِ بالواحدِ. ولنا: عُمومُ قولِه ﵇: «فأهلُه بينَ خِيرتَينِ»، وهذا عامٌّ في جَميعِ أهلِه، والمَرأةُ مِنْ أهلِه؛ بدَليلِ قولِ النبيِّ ﷺ : «مَنْ يعذُرنِي مِنْ رَجلٍ يَبلغنِي أذاهُ في أهلِي، وما عَلِمتُ على أهلِي إلا خَيرًا، ولقد ذَكَروا رَجلًا ما عَلِمتُ عليهِ إلا خَيرًا، وما كانَ يَدخلُ على أهلِي إلا معِي»، يُريدُ عائِشةَ، وقالَ له أسامةُ: «يا رَسولَ اللهِ أهلُكَ، ولا نَعلمُ إلا خَيرًا». ورَوى زَيدُ بنُ وَهبٍ «أنَّ عُمرَ أُتِيَ برَجلٍ قتَلَ قَتيلًا فجاءَ وَرثةُ المَقتولِ ليَقتلوهُ، فقالَتِ امرَأةُ المَقتولِ وهيَ أختُ القاتِلِ: قد عَفوتُ عن حَقِّي، فقالَ عُمرُ: اللهُ أكبَرُ عُتِقَ القَتيلُ» رَواهُ أبو داودَ. وفي رِوايةٍ عن زَيدٍ قالَ: «دخَلَ رَجلٌ على امرَأتِه فوجَدَ عِندَها رَجلًا فقتَلَها، فاستَعدَى إخوَتُها عُمرَ، فقالَ بَعضُ إخوتِها: قد تَصدَّقتُ، فقَضَى لسائرِهم بالدِّيةِ».

стр. 12920

ورَوى قَتادةُ: «أنَّ عُمرَ رُفعَ إليه رَجلٌ قتَلَ رَجلًا، فجاءَ أولادُ المَقتولِ وقد عَفَا بَعضُهم، فقالَ عُمرُ لابنِ مَسعودٍ: ما تَقولُ؟ قالَ: إنه قد أُحرِزَ مِنْ القتلِ، فضرَبَ على كَتفِه وقالَ: كَنيفٌ مُلِئَ عِلمًا». والدَّليلُ على أنَّ القِصاصَ لِجَميعِ الوَرثةِ ما ذكَرْناهُ في مَسألةِ القِصاصِ بيْنَ الصَّغيرِ والكَبيرِ، ولأنَّ مَنْ وَرِثَ الدِّيَةَ وَرثَ القِصاصَ كالعَصبةِ، فإذَا عَفَا بعضُهُم صحَّ عفْوُه كعَفوِه عن سائِرِ حُقوقِه، وزَوالُ الزَّوجيةِ لا يَمنعُ استِحقاقَ القِصاصِ كما لم يَمنَعِ استحقاقَ الديَةِ وسائرِ حُقوقِه المَوروثةِ، ومتَى ثبَتَ أنه حَقٌّ مُشترَكٌ بينَ جَميعِهم سقَطَ بإسقاطِ مَنْ كانَ مِنْ أهلِ الإسقاطِ منهُم؛ لأنَّ حقَّه منه له، فيَنفذُ تَصرفُه فيه، فإذا سقَطَ سقَطَ جَميعُه؛ لأنه ممَّا لا يَتبعضُ كالطَّلاقِ والعِتاقِ، ولأنَّ القِصاصَ حقٌّ مُشترَكٌ بينَهُم لا يَتبعضُ، مَبناهُ على الدَّرءِ والإسقاطِ، فإذا أسقَطَ بعضُهم سَرَى إلى الباقي كالعِتقِ، والمَرأةُ أحدُ المُستحِقينَ، فسقَطَ بإسقاطِها كالرَّجلِ. ومتَى عَفَا أحدُهم فللباقِينَ حقُّهم مِنْ الديَةِ، سَواءٌ عفَا مُطلَقًا أو إلى الدِّيةِ، وبهذا قالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ، ولا أعلَمُ لهُمَا مُخالِفًا ممَّنْ قالَ بسُقوطِ القِصاصِ؛ وذلكَ لأنَّ حقَّه مِنْ القِصاصِ سقَطَ بغيرِ رِضاهُ، فثبَتَ له البَدلُ كما لو ورثَ القاتِلُ بعضَ دَمِه أو ماتَ، ولِما ذكَرْناه مِنْ خبَرِ عُمرَ ﵁ (١).

стр. 12921

وقالَ الزَّركشيُّ ﵀: مَنْ عَفَى مِنْ الوَرثةِ عن القِصاصِ سقَطَ؛ إذِ القَتلُ عِبارةٌ عن زُهوقِ الرُّوحِ بآلةٍ صالِحةٍ، وذلكَ لا يَتبعضُ، فإذا أسقَطَ بعضُ مُستحِقيهِ حقَّه منه سقَطَ؛ لتَعذُّرِ استيفائِه (١). واستَدلَّ الفُقهاءُ على ذلكَ بما رَواهُ أبو داودَ وغيرُه عن عائِشةَ ﵂ عن رَسولِ اللهِ ﷺ أنه قالَ: «على المُقتتِلِينَ أنْ يَنحَجِزوا الأوَّلَ فالأولَ وإنْ كانَتِ امرَأةً» (٢). قالَ أبو دَاودَ: بلَغَني أنَّ عفْوَ النساءِ في القَتلِ جائزٌ إذا كانَتْ إحدَى الأولياءِ، وبلَغَني عن أبي عُبيدٍ في قَولِه: «يَنحَجِزوا» يَكفُّوا عن القَودِ (٣). قالَ أبو عُبيدٍ: وهذا الانحِجازُ هو العَفوُ عن الدمِ، وفي هذا الحديثِ ما قد دَلَّ على جَوازِ عَفوِ النساءِ عن الدمِ العَمدِ كما يجوزُ عفوُ الرجالِ عنه، كلُّ هذا مِنْ كَلامِ أبي عُبيدٍ (٤). وبما رَواهُ عبدُ الرزاقِ عن مَعمرٍ عن قَتادةَ «أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ رُفعَ إليه رَجلٌ قتَلَ رَجلًا، فجاءَ أولياءُ المَقتولِ وقد عَفَا أحَدُهم، فقالَ عُمرُ لابنِ مَسعودٍ وهو إلى جَنبِه: ما تَقولُ؟ فقالَ ابنُ مَسعودٍ: أقولُ إنه قد أُحرِزَ مِنْ القَتلِ، قالَ: فضرَبَ على كَتفِه ثمَّ قالَ: كُنيفٌ مُلِئَ عِلمًا» (٥).

стр. 12922

ورَوى عبدُ الرزَّاقِ عن مَعمرٍ عن الأعمَشِ عن زَيدِ بنِ وَهبٍ «أنَّ عُمرَ ابنَ الخطَّابِ رُفعَ إليه رَجلٌ قتَلَ رَجلًا، فأرادَ أولياءُ المَقتولِ قتْلَه، فقالَتْ أختُ المَقتولِ وهي امرَأةُ القاتلِ: قد عَفوتُ عن حِصَّتي مِنْ زَوجِي، فقالَ عُمرُ: عُتقَ الرَّجلُ مِنْ القتلِ» (١). إذا قتَلَه الشَّريكُ الذي لم يَعْفُ، هل يُقتَصُّ منهُ أم لا؟ قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ قتَلَه الشريكُ الذي لم يَعْفُ عالِمًا بعَفوِ شَريكِه وسُقوطِ القِصاصِ به فعَليهِ القِصاصُ، سَواءٌ حكَمَ به الحاكِمُ أو لم يَحكمْ، وبهذا قالَ أبو حَنيفةَ وأبو ثَورٍ، وهو الظاهِرُ مِنْ مَذهبِ الشافِعيِّ، وقيلَ: له قَولٌ آخَرُ: لا يَجبُ القِصاصُ؛ لأنَّ له فيه شُبهةً؛ لوُقوعِ الخِلافِ. ولنا: إنه قتَلَ مَعصومًا مُكافِئًا له عَمدًا يَعلمُ أنه لا حَقَّ له فيهِ، فوجَبَ عليهِ القِصاصُ كما لو حكَمَ بالعَفوِ حاكمٌ، والاختِلافُ لا يُسقطُ القِصاصَ؛ فإنه لو قتَلَ مُسلمًا بكافرٍ قَتلناهُ به معَ الاختلافِ في قَتلِه. وأما إنْ قتَلَه قبلَ العِلمِ بالعَفوِ فلا قِصاصَ عليهِ، وبه قالَ أبو حَنيفةَ، وقالَ الشافِعي في أحَدِ قَوليهِ: عليهِ القِصاصُ؛ لأنه قَتلُ عَمدٍ عُدوانٍ لمَن لا حَقَّ له في قَتلِه. ولنا: إنه قتَلَه مُعتقِدًا ثُبوتَ حقِّه فيه، مع أنَّ الأصلَ بَقاؤُه، فلَم يَلزمْه قِصاصٌ، كالوَكيلِ إذا قتَلَ بعدَ عَفوِ المُوكِّلِ قبلَ عِلمِه بعَفوِه، ولا فرْقَ بينَ

стр. 12923

أنْ يَكونَ الحاكمُ قد حكَمَ بالعَفوِ أو لم يَحكمْ به؛ لأنَّ الشُّبهةَ مَوجودةٌ مع انتفاءِ العِلمِ مَعدومةٌ عندَ وُجودِه. وقالَ الشافِعيُّ: متَى قتَلَه بعدَ حُكمِ الحاكِمِ لَزمَه القِصاصُ، عَلِمَ بالعَفوِ أو لم يَعلمْ، وقد بيَّنَّا الفرقَ بينَهُما. ومتَى حكَمْنا عليهِ بوُجوبِ الدِّيةِ إما لكَونِه مَعذورًا وإما للعفوِ عن القِصاصِ فإنه يَسقطُ عنه منها ما قابَلَ حقَّه على القاتِلِ قِصاصًا، ويَجبُ عليهِ الباقي، فإنْ كانَ الوليُّ عفَا إلى غيرِ مالٍ فالواجِبُ لوَرثةِ القاتلِ ولا شَيءَ عليهِم، وإنْ كانَ عفَا إلى الدِّيةِ فالواجِبُ لوَرثةِ القاتلِ وعليهِم نَصيبُ العافي مِنْ الدِّيةِ، وقيلَ فيه: «إنَّ حَقَّ العافي مِنْ الديةِ على القاتلِ» لا يَصحُّ؛ لأنَّ الحَقَّ لم يَبْقَ مُتعلِّقًا بعينِه، وإنما الديةُ واجبةٌ في ذمَّتِه، فلمْ تَنتقلْ إلى القاتلِ كما لو قتَلَ غَريمَه. فَصلٌ: فإنْ كانَ القاتلُ هو العافي فعَليهِ القِصاصُ، سَواءٌ عَفَا مُطلقًا أو إلى مالٍ، وبهذا قالَ عِكرمةُ والثَّوريُّ ومالِكٌ والشافِعيُّ وابنُ المُنذرِ، ورُويَ عن الحَسنِ: تُؤخذُ منه الدِّيةُ ولا يُقتلُ. وقالَ عُمرُ بنُ عَبدِ العَزيزِ: الحُكمُ فيه إلى السُّلطانِ. ولنا: قولُه تعالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)﴾ [البقرة: ١٧٨]، قالَ ابنُ عبَّاسٍ وعَطاءٌ والحَسنُ وقَتادةُ في تَفسيرِها: أي بعدَ أخذِه الديةَ.

стр. 12924

وعن الحَسنِ عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «لا أُعفِي مَنْ قتَلَ بعدَ أَخذِه الدِّيةَ» (١)، ولأنه قتَلَ مَعصومًا مُكافئًا، فوجَبَ عليهِ القِصاصُ كما لو لم يَكنْ قتَلَ. فصلٌ: وإذا عَفَا عن القاتلِ مُطلَقًا صَحَّ ولم تَلزمْه عُقوبةٌ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ وإسحاقُ وابنُ المنذِرِ وأبو ثَورٍ، وقالَ مالكٌ والليثُ والأوزاعيُّ: يُضرَبُ ويُحبسُ سَنةً. ولنا: إنه إنَّما كانَ عليهِ حقٌّ واحدٌ وقد أسقَطَه مُستحِقُّه، فلَم يَجبْ عليهِ شيءٌ آخَرُ كما لو أسقَطَ الديةَ عن القاتلِ خَطأً (٢). الدِّيةُ: اختَلفَ الفُقهاءُ في مُستحَقِّ القَتلِ، هل هو القَودُ فقطْ ولا تَجبُ الدِّيةُ إلا بالتَّراضي؟ أم مُستحقُّ القتلِ مُخيَّرٌ بينَ القَودِ والدِّيةِ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في قَولٍ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ قتْلَ العَمدِ مُوجِبٌ للقَودِ، ولا تَجبُ الدِّيةُ إلا برِضَى الجاني، وإذا ماتَ الجانِي سقَطَ القِصاصُ؛ لفَواتِ مَحلِّه ولا تَجبُ الدِّيةُ. وهذا لأنَّ مُوجبَ العَمدِ القَودُ عَينًا، فلا يَجبُ المالُ إلا بالصُّلحِ برِضَا القاتِلِ، بَيانُه قَولُه تعالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، فلو وجَبَ المالُ أو أحَدُهما لا يَكونُ النَّفسُ بالنَّفسِ، وشَريعةُ مَنْ تَقدَّمَنا

стр. 12925

تَلزمُنا إلا أنْ يَثبتَ النَّسخُ، وجَميعُ أحادِيثِ التَّخييرِ بينَ القِصاصِ والدِّيةِ أخبارُ آحادٍ لا يُنسَخُ بها الكِتابُ. وقَولُه تعالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]. وهو المُماثَلةُ لُغةً، والمُماثَلةُ بينَ النَّفسِ والنفسِ لا بينَها وبينَ المالِ، أو نَقولُ: ذكَرَ القِصاصَ ولَم يَذكرِ الدِّيةَ، فلو ثبَتَ التخييرُ أو الديةُ لَثبَتَ بخبَرِ الواحدِ، وأنه زِيادةٌ على الكِتابِ، والزِّيادةُ نَسخٌ والكِتابُ لا يُنسخُ به، وقالَ ﷺ : «العَمدُ قَودٌ، إلا أنْ يَعفوَ وليُّ المَقتولِ» (١)، وفي لفظٍ: «ومَن قُتلَ عَمدًا فهو قَودٌ» (٢). وقالَ ﷺ : «كِتابُ اللهِ القِصاصُ» (٣)، فأخبَرَ ﵊ أنَّ الذي في كِتابِ اللهِ هو القِصاصُ دونَ غيرِه. ولأنَّ القتلَ مُوجِبٌ للقَودِ في عَمدِه والديةِ في خَطأِه، فلمَّا لم يَجُزِ العُدولُ عن الدِّيةِ في خَطأٍ إلى غيرِها إلا عن مُراضاةٍ لم يَجبْ أنُ يُعدلَ عن القَودِ إلى غيرِه إلا عن مُراضاةٍ، ولأنَّ القتلَ يُستحقُّ بالقَودِ تارةً، وبالدَّفعِ عن النفسِ أُخرى، فلمَّا لم يَملكْ بدَلَ قَتلِه دَفعًا لم يَملكْ بدَلَ قتلِه قَودًا. ثمَّ إذا صالَحَ الأولياءُ عن مالٍ جازَ، قليلًا كانَ أو كَثيرًا، مِنْ جِنسِ الدِّيةِ أو مِنْ غَيرِ جِنسِها، حالًّا أو مُؤجَّلًا، فإنْ لم يُصالِحوا ولكنْ عَفَا بعضُهم

стр. 12926

بطَلَ القِصاصُ، ولا يَنقلبُ نَصيبُ العافي مالًا، ويَنقلبُ نَصيبُ الباقي مالًا؛ لأنَّ القِصاصَ متى تَعذَّرَ استِيفاؤُه مِنْ قِبلِ مَنْ له القِصاصُ لا يَنقلبُ نَصيبُه مالًا، ومتى تَعذَّرَ مِنْ جِهةِ مَنْ عليهِ القِصاصُ يَنقلبُ نَصيبُه مالًا، ثمَّ نَصيبُ العافي لا يَنقلبُ مالًا؛ لأنَّ الاستِيفاءَ تَعذَّرَ مِنْ جِهتِه، ونَصيبُ الذي لمْ يَعْفُ يَنقلبُ مالًا؛ لأنه تَعذَّرَ الاستِيفاءُ مِنْ جِهةِ غَيرِه. ويَكونُ هذا المالُ المصالَحُ عليهِ في مالِ القاتلِ؛ لقولِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄: «لا تَحمِلُ العاقِلةُ عَمدًا، ولا عَبدًا، ولا صُلحًا، ولا اعتِرافًا» (١)، وهذا عَمدٌ وصُلحٌ، فلا تَتحمَّلُه العاقِلةُ، فيجبُ في مالِه على ما شرَطَا مِنْ التأجيلِ والتَّعجيلِ والتَّنجيمِ، والأصلُ فيهِ قَولُه تعالَى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]. والمُرادُ به الصُّلحُ (٢). وذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ قتْلَ العَمدِ مُوجبٌ للقَودِ، ولوَليِّ المقتولِ أنْ يَعفوَ عنه إلى الدِّيةِ، ولا يَفتقرُ إلى مُراضاةِ القاتلِ، فيُطالبُه بأخذِ الدِّيةِ ولو لم يَرْضَ الجاني؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]، معناهُ:

стр. 12927

فمَن عَفَا له عن القِصاصِ فلْيَتبعِ الوليُّ الديةَ بمَعروفٍ، ويُؤدِّيها القاتلُ بإحسانٍ، فجعَلَ للوليِّ الاتباعَ، وعلى القاتِلِ الأداءَ، فلمَّا تفرَّدَ القاتلُ بالأداءِ وجَبَ أنْ يَنفردَ الوليُّ بالاتباعِ ولا يَقفَ على المُراضاةِ. وعن أبي شُريحٍ الكَعبيِّ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: « … إنَّكُم مَعشرَ خُزاعةَ قتَلتُم هذا الرَّجلَ مِنْ هُذَيلٍ، وإنِّي عاقِلُه، فمَن قُتلَ له قَتيلٌ بعدَ اليَومِ فأهلُه بينَ خِيرَتينِ: إمَّا أنْ يَقتلُوا أو يَأخذُوا العَقلَ» (١). فجعَلَ الوليَّ مُخيَّرًا بينَ القَودِ والدِّيةِ، وهذا نَصٌّ. ورَوى أبو هُريرةَ قالَ: قامَ رَسولُ اللهِ ﷺ فقالَ: «ومَن قُتلَ له قَتيلٌ فهو بخَيرِ النَّظرينِ: إما يُؤديَ وإما أنْ يُقادَ» (٢). ولأنَّ القَودَ قد يَسقطُ بعَفوِ الوليِّ إذا كانَ واحِدًا، ويَعفُو أحَدُهم إذا كانُوا جَماعةً، ثمَّ ثبَتَ أنَّ سُقوطَه بعَفوِ أحَدِهم مُوجِبٌ للديةِ بغيرِ مُراضاةٍ، فكذلكَ يَكونُ وُجوبُها بعَفوِ جَميعِهم. وتَحريرُه قِياسًا: أنه قَودٌ سقَطَ بالعفوِ عنه، فلَم تَقفِ الدِّيةُ فيه على مُراضاةٍ كما لو عَفَا عنه أحَدُهم، ولأنَّ للقتلِ بَدلينِ، وأغلَظُهما القَودُ وأخَفُّهما الديةُ، فلمَّا ملَكَ القودَ الأغلَظَ بغيرِ مُراضاةٍ كانَ بأنْ يَملكَ الديَةَ الأخفَّ بغيرِ مُراضاةٍ أَولى، ولأنَّ قتْلَ العَمدِ أغلَظُ وقتْلَ الخَطأِ أخَفُّ، فلمَّا ملَكَ الديَةَ في أخفِّهِما فأَولى أنْ يَملكَها في أغلَظِهما.

стр. 12928

ولأنَّ للنَّفسِ بَدلينِ القَودَ والديَةَ، فلا يُستحقُّ على وَليِّ الدمِ الاقتِصارُ على أحَدِهما. ولمَن وجَبَ له القِصاصُ الصُّلحُ على أكثَرَ مِنْ الديةِ. ولو عَفَا الوليُّ عن القِصاصِ تَعيَّنتِ الديةُ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ. ومتَى اختارَ الوليُّ الديَةَ تَعيَّنتْ وسقَطَ القِصاصُ عندَ الشافِعيةِ في المَذهبِ والحَنابلةِ، قالَ أحمَدُ: إذا أخَذَ الديةَ فقدْ عفَا عن الدَّمِ ولا يَملكُ طلَبَ القَودِ بعدَ اختيارِ الديةِ؛ لأنه إذا أسقطَ لا يَعودُ، فإنْ قتَلَه بعدَ اختيارِ الديةِ قُتلَ به؛ لأنه عَمدٌ عُدوانٌ. وعندَ الشافِعية في قَولٍ: إنِ اختارَ الديَةَ لا يَسقطُ القِصاصُ، ولو اختارَ القِصاصَ لم يَسقطْ حقُّه مِنْ الديَةِ، بل يَبقَى خِيارُه كما كانَ. وإنْ عَفَا مُطلقًا بأنْ لم يُقيِّدْه بقَودٍ ولا دِيةٍ فله الديةُ؛ لانصرافِ العفوِ إلى القودِ؛ لأنه في مُقابَلةِ الانتقامِ، والانتقامُ إنما يكونُ بالقتلِ. أو عَفا على غيرِ مالٍ بأنْ عَفَا على خَمرٍ ونحوِه فلَه الديةُ، أو عفَا على القَودِ مُطلقًا بأنْ قالَ: «عَفوتُ عن القَودِ» ولم يُقيِّدْه بشيءٍ ولو كانَ العَفوُ عن يَدِه -أي المَجنيِّ عليهِ، أو رِجلِه ونَحوِهما- فلهُ الديةُ؛ لانصِرافِ العَفوِ إلى القودِ. وإنْ قالَ مُستحقُّ القَودِ لمَن له عَليهِ قَودٌ: «عَفوتُ عن جِنايتِكَ، أو عَفوتُ عنكَ» بَرئَ مِنْ الديَةِ كالقَودِ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ في المَذهبِ؛ لأنَّ عَفوَه عن ذلكَ يَتناولُهما.

стр. 12929

وقيلَ: إنْ قصَدَها، وقيلَ: إنِ ادَّعَى قصْدَ القَودِ فقطْ قُبلَ، وإلا بَرئَ (١). قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: اتَّفقُوا على أنَّ لوليِّ الدمِ أحَدَ شَيئينِ: القِصاصَ أو العَفوَ، إما على الدِّيةِ وإما على غيرِ الديةِ. واختَلفُوا هل الانتقالُ مِنْ القِصاصِ إلى العَفوِ على أخذِ الديةِ هو حَقٌّ واجبٌ لوليِّ الدمِ دونَ أنْ يكونَ في ذلكَ خيارٌ للمُقتَصِّ منه؟ أم لا تَثبتُ الديَةُ إلا بتَراضي الفَريقينِ -أعنِي الوليَّ والقاتلَ- وأنه إذا لم يُرِدِ المُقتصُّ منه أنْ يُؤديَ الديَةَ لم يَكنْ لوليِّ الدمِ إلا القِصاصُ مُطلقًا أو العَفوُ؟ فقالَ مالِكٌ: لا يَجبُ للوليِّ إلا أنْ يَقتصَّ أو يَعفُو عن غيرِ دِيةٍ، إلا أنْ يَرضَى بإعطاءِ الديةِ القاتِلُ، وهي رِوايةُ ابنِ القاسِمِ عنه، وبهِ قالَ أبو حَنيفةَ والثوريُّ والأوزاعيُّ وجَماعةٌ. وقالَ الشافِعيُّ وأحمدُ وأبو ثَورٍ وداودُ وأكثَرُ فُقهاءِ المَدينةِ مِنْ أصحابِ مالكٍ وغيرِه: وليُّ الدمِ بالخِيارِ إنْ شاءَ اقتصَّ وإنْ شاءَ أخَذَ الديةَ، رَضيَ القاتلُ أو لم يَرْضَ، ورَوى ذلكَ أشهَبُ عن مالكٍ، إلا أنَّ المَشهورَ عنه هي الرِّوايةُ الأُولى. فعُمدةُ مالكٍ في الرِّوايةِ المَشهورةِ حَديثُ أنسِ بنِ مالكٍ في قِصةِ سِنِّ

стр. 12930

الرُّبيِّعِ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «كِتابُ اللهِ القِصاصُ» (١)، فعُلِمَ بدَليلِ الخِطابِ أنه ليسَ له إلا القصاصُ. وعُمدةُ الفَريقِ الثاني حَديثُ أبي هُريرةَ الثابتِ: «مَنْ قُتلَ له قَتيلٌ فهو بخَيرِ النَّظرينِ: بينَ أنْ يَأخذَ الدِّيةَ وبينَ أنْ يَعفوَ»، هُما حَديثانِ مُتفَقٌ على صِحتِهما، لكنَّ الأولَ ضَعيفُ الدلالةِ في أنه ليسَ له إلا القِصاصُ، والثاني نَصٌّ في أنَّ له الخِيارَ. والجَمعُ بينَهُما يُمكنُ إذا رُفعَ دليلُ الخِطابِ مِنْ ذلكَ، فإنْ كانَ الجَمعُ واجبًا ومُمكِنًا فالمَصيرُ إلى الحَديثِ الثاني واجِبٌ، والجُمهورُ على أنَّ الجَمعَ واجِبٌ إذا أمكَنَ، وأنه أَولى مِنْ التَّرجيحِ. وأيضًا فإنَّ اللهَ يَقولُ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وإذا عُرضَ على المُكلَّفِ فِداءُ نَفسِه بمالٍ فواجِبٌ عليهِ أنْ يَفديَها، أصلُه إذا وجَدَ الطَّعامَ في مَخمصةٍ بقِيمةِ مِثلِه وعندَه ما يَشتريهِ، أعني أنه يُقضَى عليهِ بشِرائهِ، فكيفَ بشراءِ نَفسهِ؟! ويَلزمُ على هذهِ الرِّوايةِ إذا كانَ للمَقتولِ أولياءُ صِغارٌ وكِبارٌ أنْ يُؤخرَ القتلُ إلى أنْ يَكبَرَ الصغارُ فيَكونَ لهُم الخيارُ، ولا سيَّما إذا كانَ الصغارُ يَحجبونَ الكِبارَ مثلَ البَنينَ مع الإخوةِ. قالَ القاضي: وقد كانَتْ وقَعَتْ هذه المَسألةُ بقُرطبةَ حَياةَ جَدِّي ﵀، فأفتَى أهلُ زَمانِه بالرِّوايةِ المَشهورةِ، وهو أنْ لا يُنتظرَ الصغيرُ، فأفتَى هو ﵀ بانتِظارِه على القِياسِ، فشنَّعَ أهلُ زَمانِه ذلكَ عليهِ لِمَا

стр. 12931

كانُوا عليهِ مِنْ شِدةِ التَّقليدِ، حتى اضطرَّ أنْ يَضعَ في ذلكَ قولًا يَنتصرُ فيه لهذا المَذهبِ، وهو مَوجودٌ بأيدي الناسِ (١). دِيةُ العَمدِ في مالِ القاتِلِ أو الجانِي: إذا أُخذَتِ الدِّيةُ في القتلِ العَمدِ فهي مِنْ مالِ الجانِي بالإجماعِ؛ لقَولِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄: «لا تَحمِلُ العاقِلةُ عَمدًا، ولا عَبدًا، ولا صُلحًا، ولا اعتِرافًا» (٢). قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ العاقِلةَ لا تَحملُ دِيةَ العَمدِ، وأنها تَحملُ ديةَ الخَطأِ (٣). وسَيأتي بَيانُ ذلكَ في كِتابِ الدِّياتِ. الكفَّارةُ في قَتلِ العَمدِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن قتَلَ غيرَه عَمدًا، هل يَجبُ عليهِ الكفَّارةُ -وهي عِتقُ رَقبةٍ، فإنْ لم يَجدْ فصِيامُ شَهرينِ مُتتابعَينِ-؟ أم لا يَجبُ عليهِ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا كفَّارةَ في قَتلِ العَمدِ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى ذكَرَ العَمدَ وحُكمَه، فقالَ تعالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣]،

стр. 12932

ولمْ يَذكرِ الكفَّارةَ، وذكَرَ الخَطأَ وحُكمَه، فبَيَّنَ الكفَّارةَ في الخَطأِ، فلو كانَتْ واجِبةً في العَمدِ كوُجوبِها في الخَطأِ لَبيَّنَها. ولأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، فنَصَّ على إيجابِ الكفَّارةِ في قَتلِ الخَطأِ، وذكَرَ قتْلَ العَمدِ في قَولِه تعالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقالَ: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ وخصَّهُ بالعَمدِ، فلمَّا كانَ كلُّ واحِدٍ مِنْ القَتيلينِ مَذكورًا بعَينِه ومَنصوصًا على حُكمِه لم يَجُزْ لنا أنْ نَتعدَّى ما نَصَّ اللهُ تعالَى علينا فيهِما؛ إذ غيرُ جائزٍ قِياسُ المَنصوصاتِ بعضِها على بَعضٍ؛ لأنَّ الكفَّارةَ لا تَجبُ إلا حَيثُ أوجَبَها اللهُ؛ لأنَّ الكفَّاراتِ عباداتٌ، ولا يَجوزُ التمثيلُ عليها، وليسَ يَجوزُ لأحَدٍ أنْ يَفرضَ فَرضًا يُلزِمُه عِبادَ اللهِ إلا بكِتابٍ أو سُنةٍ أو إجماعٍ، وليسَ مع مَنْ فرَضَ على القاتلِ عَمدًا كفَّارةً حُجةٌ مِنْ حَيثُ ذكَرْتُ. ولأنه معنًى مُوجِبٌ للقَتلِ، فلَم يُوجِبْ على فاعِلِه كفَّارةً، أصلُه الزنا مع الإحصانِ، ولأنَّ القتلَ لو تَعلَّقتْ به كفَّارةٌ لم يَتعلَّقْ به قَودٌ، ألَا تَرى أنَّ قتْلَ الخَطأِ لمَّا نزَلَتْ به كَفارةٌ لم يَلزمْ به قَودٌ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ وأحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الكفَّارةَ تَجبُ في قَتلِ العَمدِ وشِبهِ العَمدِ والخَطأِ وفي القَتلِ بالسَّببِ كما في المُباشَرةِ،

стр. 12933

فتَجبُ على حافرِ البئرِ عُدوانًا ومَن نصَبَ شَبكةً فهلَكَ بها شَخصٌ وعلى المُكرِهِ وشاهِدِ الزُّورِ. والدليلُ عليهِ قولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، فنَصَّ على وُجوبِ الكفَّارةِ في قَتلِ الخَطأِ؛ ليُنبِّهَ على وُجوبِها في قَتلِ العَمدِ المَحضِ وعَمدِ الخَطأِ؛ لأنَّ الخطَأَ أخَفُّ حالًا مِنْ قَتلِ العَمدِ؛ لأنه لا قودَ فيه ولا إثمَ والديةَ فيه مُخفَّفةٌ، فإذا وجَبَتْ فيه الكفَّارةُ .. فلَأنْ تَجبَ في قتلِ العمدِ المَحضِ وعَمدِ الخطأِ أَولى. ورَوى واثِلةُ بنُ الأسقَعِ قالَ: كنَّا مع النبيِّ ﷺ في غَزوةِ تَبوكَ فأتاهُ نَفرٌ مِنْ بَنِي سُليمٍ فقالُوا: يا رَسولَ اللَّهِ إنَّ صاحِبًا لنا قد أوجَبَ -يعني النَّارَ- بالقتلِ، فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «أَعتِقُوا عنه رَقبةً يُعتِقُ اللَّهُ بكلِّ عُضوٍ منها عُضوًا منهُ مِنْ النارِ» (١)، ولا يَستوجبُ النارَ إلا في قَتلِ العَمدِ. ولأنها إذا وجَبَتْ في قتلِ الخَطأِ ففي العَمدِ أَولى؛ لأنه أعظَمُ إثمًا وأكبَرُ جُرمًا وحاجتُه إلى تَكفيرِ ذَنبِه أعظَمُ (٢).

стр. 12934

الحِرمانُ مِنْ الميراثِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ القاتلَ عَمدًا لا يَرثُ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «لا يَرثُ القاتِلُ»؛ لأنَّ اللهَ تعالَى جعَلَ استِحقاقَ المِيراثِ تَواصلًا بينَ الأحياءِ والأمواتِ لاجتِماعِهم على المولاةِ، والقاتِلُ قاطعٌ للمُوالاةِ عادلٌ عن التواصلِ، فصارَ أسوَأَ حالًا مِنْ المُرتدِّ، ولأنه لو وُرِّثَ القاتلُ لَصارَ ذلكَ ذَريعةً إلى قَتلِ كلِّ مُورِّثٍ رَغِبَ وارثُه في استِعجالِ مِيراثِه، وما أفضَى إلى مِثلِ هذا فالشَّرعُ مانعٌ منه (١). قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: ولم أسمَعِ اختِلافًا في أنَّ قاتلَ الرَّجلِ عَمدًا لا يَرثُ مَنْ قتَلَ مِنْ دِيةٍ ولا مالٍ شَيئًا (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ القاتلَ عَمدًا لا يَرثُ مِنْ مالِ مَنْ قتَلَه ولا مِنْ دِيتِه شَيئًا. وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ القاتلَ خَطأً لا يَرثُ مِنْ دِيةِ مَنْ قتَلَه شَيئًا (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأجمَعَ العُلماءُ على أنَّ القاتِلَ عَمدًا لا يَرثُ شَيئًا مِنْ مالِ المَقتولِ ولا مِنْ دِيتِه (٤).

стр. 12935

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ قاتِلَ العَمدِ لا يَرثُ مِنْ المَقتولِ شَيئًا، إلا ما حُكيَ عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ وابنِ جُبيرٍ أنهُما ورَّثاهُ، وهو رَأيُ الخَوارجِ؛ لأنَّ آيةَ المِيراثِ تَتناولُه بعُمومِها، فيَجبُ العَملُ بها فيه، ولا تَعويلَ على هذا القَولِ؛ لشُذوذِه وقيامِ الدَّليلِ على خِلافِه. فإنَّ عُمرَ ﵁ أعطَى ديَةَ ابنِ قَتادةَ المذحَجيِّ لأخيه دُونَ أبيه وكانَ حذَفَه بسَيفِه فقتَلَه، واشتَهرتْ هذه القِصةُ بينَ الصحابةِ ﵃ فلَم تُنكَرْ فكانَتْ إجماعًا، وقالَ عُمرُ: سَمعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «ليسَ للقاتِلِ شَيءٌ» رواهُ مالِكٌ في مُوطئِه والإمامُ أحمَدُ بإسنادِه، ورَوى عَمرُو بنُ شُعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه عن النبيِّ ﷺ نحْوَه، رَواهُ ابنُ اللبَّانِ بإسنادِه، ورَواهُما ابنُ عبدِ البَرِّ في كتابِه. ورَوى ابنُ عبَّاسٍ ﵄ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ قتَلَ قَتيلًا فإنه لا يَرثُه وإنْ لم يَكنْ له وارِثٌ غيرَه، وإنْ كانَ والِدَه أو ولَدَه، فليسَ لقاتِلٍ مِيراثٌ» (١) رواهُ الإمامُ أحمَدُ بإسنادِه، ولأنَّ تَوريثَ القاتِلِ يُفضِي إلى تَكثيرِ القَتلِ؛ لأنَّ الوارِثَ ربَّما استَعجلَ موتَ مَوروثِه ليَأخذَ مالَه، كما فعَلَ الإسرائيليُّ الذي قتَلَ عَمَّه فأنزَلَ اللهُ تعالَى فيه قِصةَ البَقرةِ، وقيلَ: ما ورثَ قاتِلٌ بعدَ عاميلَ، وهو اسمُ القَتيلِ (٢).

стр. 12936

الحِرمانُ مِنْ الوَصيةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في جَوازِ الوَصيةِ للقاتِلِ، هل تَجوزُ أم لا؟ وهل هُناكَ فَرقٌ بينَ القَتلِ العَمدِ والخَطأِ أم لا؟ فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنه لا يُشترطُ لصِحةِ الوَصيةِ أنْ لا يَكونَ المُوصَى له قاتِلًا للمُوصي، سَواءٌ كانَ عَمدًا أو خَطأً؛ لعُمومِ قولِه تعالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] ولم يُفرِّقْ، ولقَولِه تعالَى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨١] وإبطالُ الوَصيةِ تَبديلٌ. ولأنه تَمليكٌ يَفتقرُ إلى القَبولِ، فلَم يَمنعِ القَتلُ منه كالبيعِ، ولأنها هِبةٌ، فالقَتلُ لا يَمنعُها اعتِبارًا بحالِ الحياةِ، ولأنه تَملُّكٌ، فصَحَّ في القاتلِ كإسقاطِ الحُقوقِ. وأما حَديثُ: «ليسَ لقاتِلٍ وَصيةٌ» باطِلٌ مُنكَرٌ، والقياسُ على الإرثِ مُنتقِضٌ بأمِّ الولدِ إذا قتَلَتْ سيِّدَها فإنها تُعتَقُ. قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: لا نَعلمُ حُجةً تَمنعُ منه (١).

стр. 12937

قالَ المالِكيةُ: يَصحُّ الإيصاءُ مِنْ المَقتولِ إلى قاتِلِه بشَرطِ أنْ يعلَمَ أنه هو الذي قتَلَه، سَواءٌ كانَ القَتلُ عَمدًا أو خَطأً، وتَكونُ الوَصيةُ في الخَطأِ في مالِ المُوصي والدِّيةُ -أي المَأخوذةُ مِنْ عاقِلةِ القاتِلِ، فتكونُ الوَصيةُ في ثُلثِهما، وفي العَمدِ في المالِ فقطْ، أي في ثُلثِه، إلا أنْ يُنفِذَ مَقاتِلَه ويَقبلَ وارثُه الديَةَ ويعلَمَ بها. فإنْ لم يَعلَمِ المُوصي بأنَّ المُوصَى له هو الذي قتَلَه فهل تَنفذُ الوَصيةُ له أو تَبطلُ؟ فيه تَأويلانِ: أصَحُّهما: لا شَيءَ له، وهو قَولُ ابنِ القاسمِ؛ لأنَّ المُوصيَ لو عَلِمَ أنَّ هذا القاتِلَ له لم يُوْصِ له؛ لأنَّ الشأنَ أنَّ الإنسانَ لا يُحسِنُ لمَن أساءَ إليه. والثاني: الوَصيةُ نافِذةٌ له، عَلِمَ أو لم يَعلمْ؛ لأنَّ الوَصيةَ بعدَ الضَّربِ، فلا يُتَّهمُ على الاستِعجالِ، وتكونُ في المالِ وفي دِيةِ الخَطأِ فقطْ. وأما لو قالَ: «أعطُوا مِنْ قَتلَني» فتَصحُّ اتفاقًا (١). وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في مُقابلِ الأظهَرِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يُشترطُ في المُوصَى له أنْ لا يَكونَ قاتِلًا للمُوصِي، فإذا قتَلَ المُوصيَ بطَلَتْ الوَصيةُ؛ لِما رَواهُ الدارقُطنيُّ مَرفوعًا: «ليسَ لقاتِلٍ وصِيةٌ» (٢)، ولأنه

стр. 12938

استَعجلَ ما أخَّرَه اللهُ، فيُحرَمُ الوَصيةَ كما يُحرَمُ المِيراثَ؛ لأنَّ حِرمانَ القاتلِ عن المِيراثِ بسَببِ مُغايَظةِ الوَرثةِ مُقاسَمةَ قاتلِ أبيهم في تَركتِه، والمُوصَى له يُشاركُه في هذا المعنَى، فجازَ القياسُ عليهِ، والمُشابَهةُ بينَ المَقيسِ والمَقيسِ عليهِ مِنْ كلِّ وَجهٍ غيرُ مُلتزَمٍ. وقد رُويَ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «ليسَ لقاتِلٍ شيءٌ» (١)، ذكَرَ الشَّيءَ نَكرةً في مَحلِّ النفيِ، فتَعمُّ المِيراثَ والوَصيةَ جَميعًا، وبه تبيَّنَ أنَّ القاتلَ مَخصوصٌ عن عُموماتِ الوَصيةِ؛ ولأنَّ الوَصيةَ أختُ المِيراثِ، ولا مِيراثَ للقاتلِ، والوَصيةُ بمَنزلةِ المِيراثِ، ولأنَّ الوَرثةَ تتأذَّى بوَضعِ الوَصيةِ في القاتلِ كما يَتأذَّى البعضُ بوَضعِها في البَعضِ، فيُؤدِّي إلى قَطعِ الرَّحمِ وأنه حَرامٌ، ولأنَّ المَجروحَ إذا صارَ صاحِبَ فِراشٍ فقدْ تعلَّقَ حَقُّ الوَرثةِ بمالِه نَظرًا لهُم؛ لئلَّا يُزيلَ المُورِّثُ مِلكَه إلى غَيرِهم لعَداوةٍ أو أذًى لَحِقَه مِنْ جِهتِهم فيَتضرَّرونَ بذلكَ، لكنْ مع بَقاءِ مِلكِ المُورِّثِ نَظرًا له لحاجتِه إلى دَفعِ حَوائجِه الأصليةِ، وسَببُ ثُبوتِ حقِّهم في مرضِ المَوتِ ما هو سَببُ ثُبوتِ مِلكِهم بعدَ المَوتِ وهو القَرابةُ، فكانَ يَنبغِي أنْ لا يَملكَ التَّبرعَ بشَيءٍ مِنْ مالِه، إلا أنه ملَكَ ذلكَ على غيرِ القاتلِ والوَارثِ، بخِلافِ القياسِ، فيَبقى الأمرُ فيهما على أصلِ القياسِ، ولأنَّ القتلَ بغَيرِ حَقٍّ جِنايةٌ عَظيمةٌ، فتَستدعِي الزجرَ بأبلَغِ الوُجوهِ، وحِرمانُ الوَصيةِ يَصلحُ زاجِرًا لحِرمانِ المِيراثِ، فيَثبتُ (٢).

стр. 12939

ويَتفرَّعُ على هذا ما يَلي: أ- أنْ يُوصِيَ له بعدَما ضرَبَه وعَلِمَ به: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو جرَحَ المُوصَى له المُوصيَ ثمَّ أوصَى له بعدَ عِلمِه أنه الجارحُ ثم ماتَ مِنْ هذا الجُرحِ، هل تَصحُّ الوَصيةُ أم لا؟ فقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ (وهو قَولُ المالِكيةِ كمَا سَيأتي): إذا جرَحَه ثم أوصَى المَجروحُ لجارِحِه فماتَ المَجروحُ مِنْ الجُرحِ لم تَبطلْ وَصيَّتُه؛ لأنَّ الوَصيةَ بعدَ الجرحِ صدَرَتْ مِنْ أهلِها في مَحلِّها لم يَطرأْ عليهَا ما يُبطلُها، بخِلافِ ما إذا تَقدَّمتْ؛ فإنَّ القتلَ طرَأَ عليهَا فأبطَلَها؛ لأنه يُبطِلُ ما هو آكَدُ منها. ويُحقِّقُه أنَّ القتلَ إنما منَعَ المِيراثَ لكَونِه بالقتلِ استَعجلَ المِيراثَ الذي انعَقدَ سَببُه، فعُورِضَ بنَقيضِ قَصدِه وهو مَنعُ المِيراثِ دَفعًا لمَفسدةِ قَتلِ المَوروثينَ، ولذلكَ بطَلَ التَّدبيرُ بالقتلِ الطارئِ عليهِ أيضًا، وهذا المَعنى مُتحقِّقٌ في القَتلِ الطارئِ على الوَصيةِ، فإنه ربَّما استَعجلَها بقَتلِه. وفارَقَ القَتلَ قبلَ الوَصيةِ؛ فإنه لم يَقصدْ به استِعجالَ مالٍ؛ لعَدمِ انعِقادِ سَببِه، والمُوصِي راضٍ بالوَصيةِ له بعدَ صُدورِ ما صدَرَ منه في حقِّه، ولا

стр. 12940

فرْقَ بينَ العَمدِ والخَطأِ في هذا كما لا يَفترقُ الحالُ بذلكَ في المِيراثِ (١). وقالَ الحَنفيةُ (والحَنابلةُ في قَولٍ): لا فرْقَ بينَ أنْ يُوصيَ له قبلَ الجِنايةِ أو بعدَها؛ لأنَّ الوَصيةَ إنما تَقعُ تَمليكًا بعدَ المَوتِ، فتَقعُ وَصيةً للقاتلِ، تَقدَّمتِ الجِنايةُ أو تَأخَّرتْ؛ لأنَّ الوَصيةَ لو جازَتْ كانَتْ مُتعلِّقةً بالمَوتِ، وهو قاتِلٌ بعدَ المَوتِ، فلا وَصيةَ له. ولإطلاقِ الحَديثِ السابقِ؛ فإنه بإطلاقِه لا يَفصلُ بينَ تقدُّمِ الجرحِ على الوَصيةِ وتَأخُّرِه عنها، ولأنَّ المُعتبَرَ في كون المُوصَى له قاتِلًا أو غيرَ قاتلٍ لجوازِ الوَصيةِ وفَسادِها يومُ المَوتِ (٢). وأما الشافِعيةُ فقالَ العَمرانِيُّ: قالَ المَسعوديُّ: واختَلفَ أصحابُنا في مَوضعِ القَولينِ: فمِنهم مَنْ قالَ: القَولانِ إذا وصَّى رَجلٌ لرَجلٍ ثم قتَلَ المُوصَى له المُوصيَ. فأما إذا جرَحَ رَجلٌ رَجلًا ثم أوصَى المَجروحُ للجارحِ ثم ماتَ المَجروحُ .. فيَصحُّ قَولًا واحِدًا.

стр. 12941

ومنهُم مَنْ قالَ: القَولانِ في الحالَينِ، وهو قَولُ الشيخِ أبي حامدٍ، وهو المَشهورُ (١). ب- أنْ يَكونَ القتلُ عَمدًا أو خَطأً: قالَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ: القَتلُ سَواءٌ كانَ عَمدًا أو خَطأً يُبطِلُ الوَصيةَ؛ لأنَّ القتلَ الخَطأَ قتلٌ وأنه جازَ المُؤاخذةُ عليهِ عَقلًا. قالَ الحَنفيةُ: القتلُ الذي يَمنعُ الوَصيةَ هو القَتلُ مُباشَرةً، سَواءٌ كانَ عَمدًا أو خَطئًا، أما القَتلُ بالتسبُّبِ فلا يَمنعُ الإرثَ ولا الوَصيةَ؛ لأنه ليسَ بقَتلٍ حَقيقةً (٢). وقالَ الحَنابلةُ: القَتلُ الذي يَمنعُ الوَصيةَ هو المَضمونُ بقِصاصٍ أو دِيةٍ أو كفَّارةٍ ولو كانَ خَطأً، وسَواءٌ كانَ القتلُ مُباشَرةً أو تَسبُّبًا (٣). ج- إذا أجازَ وَرثةُ المُوصِي المَقتولِ الوَصيةَ: اختَلفَ الحَنفيةُ فيما لو أجازَ وَرثةُ المُوصِي المَقتولِ الوَصيةَ للمُوصَى له القاتلِ، هل تَصحُّ أم لا؟

стр. 12942

فقالَ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ -رحمهما الله-: إذا أجازُوها جازَتْ؛ لأنَّ الامتِناعَ لحَقِّ الوَرثةِ؛ لأنَّ نفْعَ بُطلانِها يَعودُ إليهِم كنَفعِ بُطلانِ المِيراثِ، فإذا أجازُوها جازَتْ. وقالَ أبو يُوسفَ ﵀: لا تَجوزُ؛ لأنه مِنْ الوَصيةِ على طريقِ العُقوبةِ، فهو كحِرمانِ المِيراثِ وهو لا يَقفُ على إجازَتِهم، فكذا الوَصيةُ (١). د- إذا قالَ: أوصَيتُ لمَن يَقتلُني: نَصَّ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنه لا تَصحُّ الوَصيةُ لمَن يَقتلُه، فإذا قالَ: «أوصَيتُ لمَن يَقتلُني» لم تَصحَّ، قالَ الماوَرديُّ ﵀: قَولًا واحِدًا؛ لأمرَينِ: أحَدُهما: لأنها وَصيةٌ عَقدتْ على مَعصيةٍ. والثاني: أنَّ فيها إغراءً بقَتلِه (٢). قَتلُ الجَماعةِ بالواحِدِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الجَماعةِ إذا اشتَركُوا في قتْلِ إنسانٍ مَعصومٍ وتَعاوَنوا عليهِ وقامَتْ على ذلكَ البيِّنةُ أو كانَ الإقرارُ، هل يُقتَلونَ بهِ إذا كانَ مُكافِئًا لهُم؟ أم لا يُقتَلونَ وتَجبُ الدِّيَةُ؟

стр. 12943

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الجَماعةَ إذا اشتَركُوا في قَتلِ مَعصومٍ وتَعاوَنوا عليهِ وكانَ فِعلُ كلِّ واحِدٍ مِنهُم لوِ انفَردَ وجَبَ عليهِ القِصاصُ فإنَّهُم يُقتَلونَ بهِ وإنْ كَثرُوا. واستَدلُّوا على ذلكَ بما يَلي: قَولِه تعالَى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣]، فلا فرْقَ بيْنَ أنْ يَكونَ القاتِلُ واحِدًا أو جَماعةً؛ لوُقوعِ اسمِ القَتلةِ عليهِم، ولأنَّ اللهَ تعالَى جعَلَ الحُجَّةَ لوَليِّ المَقتولِ عليهِم. وقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وسَببُ الحَياةِ أنَّه إذا عَلِمَ القاتِلُ بوُجوبِ القِصاصِ عليهِ إذا قتَلَ كَفَّ عنِ القَتلِ، فحَي القاتِلُ والمَقتولُ؛ لأنَّه لو لم تُقتَلِ الجَماعةُ بالواحِدِ لأدَّى ذلكَ إلى رفْعِ الحَياةِ في القِصاصِ الذي جعَلَه اللهُ حَياةً. ولو عَلِمَ الجَماعةُ أنهُم إذا قتَلَوا واحِدًا لم يُقتلُوا لَتعاونَ الأعداءُ على قَتلِ أعدائِهم بالاشتِراكِ في قَتلِهم وبَلَغوا الأملَ مِنْ التشفِّي منهُم. وأيضًا فإنَّ النَّفسَ لا تَتبعَّضُ في الإتلافِ؛ بدَليلِ أنه لا يُقالَ: «قاتِلُ بَعضِ نَفسٍ»؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ قد حصَلَ مِنْ جِهتِه فِعلُ ما يَتعلقُ به خُروجُ الرُّوحِ عندَه، وهذا لا يَتبعضُ؛ لامتِناعِ أنْ يَكونَ بعضُ الرُّوحِ خرَجَ بفِعلِ أحَدِهم وبَعضُها بفِعلِ الباقينَ، فكانَ كلُّ واحدٍ منهُم قاتِلَ نَفسٍ، ومثلُ هذا لو أنَّ جَماعةً دَفَعوا حَجرًا لَكانَ كلُّ واحدٍ منهُم دافِعًا له؛ لأنَّ الحجَرَ لا يَتبعضُ كما أنَّ النَّفسَ لا تَتبعضُ.

стр. 12944

وقولُه تعالَى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] الألفُ واللامُ للجِنسِ، فتَقديرُه: الأنفُسُ بالأنفُسِ، وكذلكَ قولُه: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨] تَقديرُه: الأحرارُ بالأحرارِ، فلا فرْقَ بينَ جَماعةٍ قَتَلوا واحِدًا أو جَماعةً. ورَوى ابنُ المُسيبِ أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ ﵁ قتَلَ نَفرًا خَمسةً أو سَبعةً برَجلٍ واحدٍ قَتَلوهُ قتْلَ غِيلةٍ، وقالَ عُمرُ: «لو تَمالأَ عليهِ أهلُ صَنعاءَ لَقَتلتُهم جَميعًا» (١).

стр. 12945

والغِيلةُ: الحِيلةُ، وهو أنْ يَحتالُوا له بالتمكُّنِ مِنْ الاستِخفاءِ حتى يَقتلوهُ. ورُويَ عن عليٍّ ﵁ «أنه قتَلَ ثَلاثةً قَتَلوا واحِدًا، وكتَبَ إلى أهلِ النَّهروانِ حينَ قَتَلوا عامِلَه خبَّابَ بنَ الأرَتِّ: سَلِّموا إليَّ قاتِلَه، قالُوا: كُلُّنا قتَلَه، قالَ: فاستَسلِمُوا إذِنْ أُقِدْ مِنكُم، وسارَ إليهِم فقتَلَ أكثَرَهم». وقتَلَ المُغيرةُ بنُ شُعبةَ سَبعةً بواحِدٍ. وقالَ ابنُ عبَّاسٍ: «إذا قتَلَ جَماعةٌ واحِدًا قُتِلوا به ولو كانُوا مائةً»، وهذا قَولُ أربَعةٍ مِنْ الصَّحابةِ فيهِم إمامانِ عَمِلَا بما قالَا به. ولأنَّ قتْلَ النَّفسِ أغلَظُ مِنْ هَتكِ العِرضِ بالقَذفِ، فلمَّا حُدَّ الجَماعةُ بقَذفِ الواحدِ كانَ أَولى أنْ يُقتَلوا بقَتلِ الواحدِ. ولأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنْ الجَماعةِ يَنطلقُ اسمُ القَتلِ عليهِ، فوجَبَ أنْ يَجريَ عليهِ حُكمُه كالواحِدِ، ولأنَّ ما وجَبَ في قَتلِ الواحِدِ لم يَسقطْ في قَتلِ الجَماعةِ كالديَةِ. ولأنَّ حُرمةَ الواحِدِ كحُرمةِ الجَماعةِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، فوجَبَ أنْ يَكونَ القَودُ فيهِما واحِدًا. وسَواءٌ قَتَلوهُ بمُحدَّدٍ أو مُثقلٍ أو أَلقَوهُ مِنْ شاهِقٍ أو في بَحرٍ أو جَرَحوهُ جِراحاتٍ مُجتمعةً أو مُتفرِّقةً.

стр. 12946

فإذا ثبَتَ قتلُ الجَماعةِ بالواحدِ كانَ الوَليُّ فيه بالخِيارِ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ بينَ ثَلاثةِ أحوالٍ: إما أنْ يَقتصَّ مِنْ جَميعِهم، أو يَعفُوَ عن جَميعِهم إلى الديَةِ فتُقسَّطُ الديَةُ الواحِدةُ بينَهُم على أعدادِهِم، أو يَعفوَ عن بَعضِهم ويَقتصَّ مِنْ بَعضِهم ويَأخذَ ممَّن عفَى عنه مِنْ الدِّيةِ بقِسطِه. وفي قَولٍ عندَ الحَنابلةِ: إذا عَفَا الوليُّ عنهُم يَأخذُ مِنْ كلِّ واحِدٍ منهُم دِيةً. وعندَ الحَنفيةِ في قَولٍ: إذا عَفَا الوليُّ عن أحَدِ القاتِلينَ أو صالَحَه لم يَكنْ له أنْ يَقتصَّ مِنْ غيرِه. وفي القَولِ الثاني وهوَ الصَّحيحُ: أنَّ العَفوَ عن أحَدِ القاتِلينَ لا يُبطلُ القوَدَ عن الآخَرِ، وكذلكَ الصُّلحُ مع أحَدِهما؛ لأنَّ القِصاصَ لَزمَهما بالقَتلِ ثم سقَطَ أحَدُهما بالعَفوِ، ودَمُ أحَدِهما مُتميِّزٌ عن دَمِ الآخَرِ، فسُقوطُه عن أحَدِهما لا يُورثُ شُبهةً في حَقِّ الآخَرِ، بخِلافِ ما إذا لم يَجبِ القِصاصُ على أحَدِ القاتِلينِ؛ لأنَّ هُناكَ الفِعلانِ اجتَمعَا في مَحلٍّ واحِدٍ وأحَدُهما مُوجِبٌ والآخَرُ غيرُ مُوجبٍ، ودمُ المَقتولِ لا يَتميزُ بعضُه عن بعضٍ. واتَّفقَ الجَميعُ -الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ- على أنه لا يُعتبَرُ في وُجوبِ القِصاصِ على المُشتركينَ التَّساوِي في سَببِه، فلو جرَحَه رَجلٌ جُرحًا والآخَرُ مائِةً، أو جرَحَه أحَدُهما مُوضِحةً والآخَرُ آمَّةً، أو أحَدُهما جائِفةً والآخَرُ غيرَ جائِفةٍ، فماتَ كانَا سَواءً في القِصاصِ والدِّيةِ؛ لأنَّ اعتبارَ التَّساوي يُفضي إلى سُقوطِ القِصاصِ عن المُشتركينَ؛ إذْ

стр. 12947

لا يَكادُ جُرحانِ يَتساويانِ مِنْ كلِّ وَجهٍ، ولو احتُملَ التَّساوي لم يَثبتِ الحُكمُ؛ لأنَّ الشرطَ يُعتبَرُ العلمُ بوُجودِه، ولا يُكتفَى باحتمالِ الوُجودِ، بل الجَهلُ بوُجودِه كالعِلمِ بعَدمِه في انتِفاءِ الحُكمِ، ولأنَّ الجُرحَ الواحِدَ يُحتملُ أنْ يَموتَ منه دُونَ المائةِ كما يُحتملُ أنْ يَموتَ مِنْ المُوضِحةِ دونَ الآمَّةِ، ومِن غيرِ الجائِفةِ دونَ الجائفةِ، ولأنَّ الجِراحَ إذا صارَتْ نفسًا سقَطَ اعتِبارُها، فكانَ حُكمُ الجَماعةِ كحُكمِ الواحِدِ، ألَا ترَى أنه لو قطَعَ أطرافَه كلَّها فماتَ وجَبَتْ دِيةٌ واحِدةٌ كما لو قطَعَ طرَفَه فماتَ، وهذا باتِّفاقِهم جَميعًا. وقالَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في القِصاصِ مِنْ الجَماعةِ بالواحدِ: لا تُقتَلُ الجَماعةُ بالواحِدِ إلَّا إذا جَنَى كلُّ واحِدٍ مِنهُم جنايَةً لوِ انفَردَ بها وماتَ أُضِيفَ القَتلُ إليهِ ووَجبَ القِصاصُ عليهِ، فأمَّا إنْ كانَتْ جِنايةُ أحَدِهم لا تَقتلُ وجِنايةُ الآخَرِ تَقتلُ فلا قِصاصَ على الَّذي جِنايتُه لا تَقتلُ. فإنْ قطَعَ أحَدُهما يَدَه وحَزَّ الآخَرُ رَقبتَه أو قطَعَ حُلقومَه ومَريئَه أو شَقَّ بطْنَه فأخرَجَ حَشوتَه فالأوَّلُ قاطعٌ يَجبُ عليهِ ما يَجبُ على القاطِعِ، والثاني قاتلٌ؛ لأنَّ الثاني قطَعَ سِرايةَ القَطعِ، فصارَ كما لو اندَملَ الجُرحُ ثم قتَلَه الآخَرُ، وإنْ قطَعَ أحَدُهما حُلقومَه ومَريئَه أو شَقَّ بطْنَه وأخرَجَ حَشوتَه ثم حَزَّ الآخَرُ رَقبتَه فالقاتِلُ هو الأولُ؛ لأنه لا تَبقَى بعدَ جِنايتِه حَياةٌ مُستقِرةٌ، وإنَّما يَتحركُ حَركةَ مَذبوحٍ، ولهذا يَسقطُ حُكمُ كَلامِه في الإقرارِ والوَصيةِ والإسلامِ والتَّوبةِ.

стр. 12948

وإنِ اشتَركَ جَماعةٌ في القَتلِ وجِنايةُ بعضِهم عَمدٌ وجِنايةُ البَعضِ خَطأٌ لم يَجبِ القِصاصُ على واحدٍ منهُم؛ لأنه لم يَتمحَّضْ قَتلُ العَمدِ، فلَم يَجبِ القِصاصُ (١). وقالَ المالِكيةُ: الجَماعةُ المُتمالئَةُ على قتلِ شَخصٍ يُقتلونَ وإنْ لم يَضرِبوهُ بآلةٍ تَقتلُ كاليَدِ والسَّوطِ، بل ولو لم يَلِ القَتلَ إلا واحدٌ بشَرطِ أنْ يكونُوا بحَيثُ لو استُعينَ بهِم أعانُوا، كما أنَّ المُتسبِّبَ يُقتلُ مع المُباشِرِ، كمَن حفَرَ بِئرًا ليقَعَ فيها شَخصٌ مُعيَّنٌ فوقَفَ على شَفيرِها فردَّاهُ غيرُ الحافرِ. فيُقتَلونَ جَميعًا بشَرطِ أنْ يَقصِدوا جَميعًا إلى قَتلِه على هذا الوَجهِ؛ لقَولِ عُمرَ ﵁، وهذا إذا ضَرَبوهُ عَمدًا عُدوانًا وماتَ مَكانَه، أو رُفعَ مَغمورًا واستَمرَّ حتى ماتَ، أو مَنفوذَ المَقاتلِ ولم تَتميَّزِ الضَّرباتُ، أو

стр. 12949

تَميَّزتْ واستَوتْ، أو اختَلفَتْ ولم يُعلَمْ عَينُ مَنْ ضَربَتْه هيَ التي يَنشأُ عنها المَوتُ، فإنْ تَأخرَ مَوتُه غيرَ مَنفوذِ مَقتلٍ ولا مَغمورٍ قُتلَ واحِدٌ فقطْ بقَسامةٍ؛ إذ لا يُقتلُ بالقَسامةِ أكثرُ مِنْ واحِدٍ. وإنْ تَميَّزتْ جِناياتُ كلِّ واحدٍ منهُم فإنَّه يُقتصُّ ممَّن ماتَ مِنْ ضَربتِه إنْ عُلِمَ واقتُصَّ مِنْ الباقي مِثلُ فِعلِه، فيُقتصُّ ممَّن جرَحَ أو قطَعَ، ويُؤدَّبُ مَنْ لم يَجرحْ، فإنْ لم تَتميَّزِ الضرَباتُ بأنْ تَساوتْ أو لم يُعلَمِ الأقوَى قُتلَ الجَميعُ إنْ ماتَ مَكانَه حَقيقةً أو حُكمًا، وإلا فواحِدٌ بقَسامةٍ. وإنْ قصَدَ كلُّ واحدٍ منهُم ضرْبَه بدُونِ تَمالؤٍ ولم يَقصدْ أحدٌ منهُم قتْلَه ثم إنهُم قَتَلوهُ مُجتمِعينَ وماتَ مِنْ ضَربِهم فإنهُم لا يُقتلونَ؛ لأنَّ قصْدَ الضربِ ليسَ مثلَ قصدِ القتلِ بالنِّسبةِ للجماعةِ. وقيلَ: إنَّ قصْدَ الضَّربِ مثلُ قصدِ القتلِ، فيُقتلونَ به. هذا إذا كانَ جَميعُ المُتمالِئينَ مُكلَّفينَ، فإنِ اشتَركَ مُكلَّفٌ مع صبيٍّ في قَتلِ مَعصومِ الدمِ فعَلى المُكلَّفِ القِصاصُ، وعلى عاقِلةِ الصبيِّ نِصفُ الديَةِ إنْ تَمالَآ على قَتلِه (١). وذهَبَ الحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنه لا تُقتلُ الجَماعةُ بالواحِدِ، وتَجبُ الدِّيةُ دونَ القَودِ.

стр. 12950

وهذا قَولُ ابنِ الزُّبيرِ والزُّهريِّ وابنِ سِيرينَ وحَبيبِ بنِ أبي ثابتٍ وعبدِ اللهِ ورَبيعةَ وداودَ وابنِ المُنذرِ، وحكاهُ ابن أبي مُوسَى عن ابنِ عبَّاسٍ. ورُويَ عن مُعاذِ بنِ جَبلٍ وابنِ الزُّبيرِ وابنِ سِيرينَ والزُّهريِّ أنه يُقتلُ منهُم واحدٌ ويُؤخذُ مِنْ الباقينَ حِصَصُهم مِنْ الديَةِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهُم مُكافئٌ له، فلا تُستوفَى أبدالٌ بمُبدَلٍ واحدٍ، كما لا تَجبُ ديَاتٌ لمَقتولٍ واحِدٍ، ولأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقالَ: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، فمُقتضاهُ أنه لا يُؤخَذُ بالنفسِ أكثَرُ مِنْ نَفسٍ واحِدةٍ، ولأنَّ التَّفاوتَ في الأوصافِ يمنَعُ؛ بدَليلِ أنَّ الحُرَّ لا يُؤخَذُ بالعبدِ، والتفاوتُ في العَددِ أَولى. قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: لا حُجةَ مع مَنْ أوجَبَ قتْلَ جَماعةٍ بواحِدٍ (١). قالَ الإمامُ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: اختَلفَ الفُقهاءُ في قتلِ الجَماعةِ بالواحِدِ، فقالَ جَماعةُ فُقهاءِ الأمصارِ منهُم الثَّوريُّ والأوزاعيُّ والليثُ ومالكٌ وأبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأصحابُهم وأحمَدُ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ: تُقتلُ الجَماعةُ بالواحِدِ إذا قَتَلوهُ، كَثُرتِ الجَماعةُ أو قلَّتْ إذا اشتَركَتْ في قَتلِ الواحدِ. ويُروَى ذلكَ عن عُمرَ وعليٍّ والمُغيرةِ بنِ شُعبةَ وابنِ عبَّاسٍ ﵃، قالَ ابنُ عبَّاسٍ: «لو أنَّ مِائةً قَتَلوا واحِدًا قُتِلوا به»، وبه قالَ إبراهيمُ والشعبيُّ وقَتادةُ وأبو سَلمةَ والحَسنُ وسُليمانُ بنُ مُوسَى.

стр. 12951

وقالَ داودُ: لا تُقتلُ الجَماعةُ بالواحِدِ، ولا يُقتلُ بنَفسٍ واحدةٍ أكثَرُ مِنْ واحدٍ، وهو قَولُ ابنِ الزُّبيرِ. ذكَرَ عبدُ الرزَّاقِ عن ابنِ جُريجٍ عن عَمرِو بنِ دِينارٍ قالَ: كانَ ابنُ الزُّبيرِ وعبدُ المَلكِ لا يَقتُلانِ منهم إلا واحِدًا، وما عَلِمتُ أحَدًا يَقتلُهم جَميعًا إلا ما قالُوا في عُمرَ، ورُويَ ذلكَ عن مُعاذِ بنِ جَبلٍ. ذكَرَ أبو بكرٍ قالَ: حَدَّثني عُبيدُ اللهِ بنُ موسَى عن حَسنِ بنِ صالحٍ عن سِمَاكَ عن دُهلِ بنِ كَعبٍ أنَّ مُعاذًا قالَ لعُمرَ: «ليسَ لكَ أنْ تَقتلَ نَفسَينِ بنَفسٍ واحِدةٍ»، وبه قالَ مُحمدُ بنُ سِيرينَ وابنُ شهابٍ والزهريُّ وحَبيبُ بنُ أبي ثابتٍ. قالَ مَعمرٌ عن الزُّهريِّ: «لا يُقتلُ الرَّجلانِ بالرَّجلِ، ولا تُقطعُ يَدانِ بيَدٍ». قالَ أبو عُمرَ: اضطَردَ قولُ الزهريُّ وداودَ في أنه لا تُقطعُ يَدانِ بيَدٍ، ولا يُقتلُ رَجلانٍ برَجلٍ. وكذلكَ اضطَردَ قولُ مالكٍ والشافِعيِّ وأحمَدَ وإسحاقَ وأبي ثورٍ في أنه تُقطعُ باليَدِ الواحدةِ يَدانِ وأكثَرُ إذا اشتَركُوا في قَطعِ اليدِ الواحِدةِ، كما تُقتلُ الجَماعةُ بالواحِدِ إذا قَتَلوه معًا. وتَناقضَ أبو حَنيفةَ وأصحابُه فقالُوا: لا تُقطعُ يَدانِ بيَدٍ، وكذلكَ سائرُ الأعضاءِ، وهو قَولُ الثوريِّ، وهُم يَقولونَ: إنَّ الجَماعةَ تُقتلُ بالواحِدِ، ومِن حُجَّتِهم أنَّ النفسَ لا تَتجزَّأُ واليَدَ وسائِرَ الأعضاءِ تَتجزأُ، وإنما

стр. 12952

قطَعَ كلُّ واحدٍ منهُم بعضَ العُضوِ، فمُحالٌ أنْ يُقطعَ منه عُضوٌ كاملٌ ولم يَقطعْه كامِلًا (١). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأما قَتلُ الجَماعةِ بالواحدِ فإنَّ جُمهورَ فُقهاءِ الأمصارِ قالُوا: تُقتلُ الجَماعةُ بالواحدِ، منهم مالكٌ وأبو حَنيفةَ والشافِعيُّ والثوريُّ وأحمَدُ وأبو ثَورٍ وغيرُهم، سَواءٌ كَثُرتِ الجَماعةُ أو قلَّتْ، وبه قالَ عُمرُ، حتى رُويَ أنه قالَ: «لو تَمالأَ عليهِ أهلُ صَنعاءَ لَقَتلتُهم جَميعًا». وقالَ داودُ وأهلُ الظاهرِ: لا تُقتلُ الجَماعةُ بالواحدِ، وهو قَولُ ابنِ الزُّبيرِ، وبه قالَ الزهريُّ، ورُويَ عن جابرٍ. وكذلكَ عندَ هذهِ الطائفةِ لا تُقطعُ أَيدٍ بيَدٍ، أعنِي إذا اشتَركَ اثنانِ فما فوقَ ذلكَ في قَطعِ يَدٍ. وقالَ مالكٌ والشافِعيُّ: تُقطعُ الأيدِي باليَدِ. وفرَّقَتِ الحَنفيةُ بينَ النَّفسِ والأطرافِ، فقالوا: تُقتلُ الأنفُسُ بالنَّفسِ ولا يُقطعُ بالطَّرفِ إلا طَرفٌ واحِدٌ، وسَيأتي هذا في بابِ القِصاصِ مِنْ الأعضاءِ. فعُمدةُ مَنْ قتَلَ بالواحِدِ الجَماعةَ النظرُ إلى المَصلحةِ؛ فإنه مَفهومٌ أنَّ القتلَ إنما شُرعَ لنَفيِ القتلِ كما نبَّهَ عليهِ الكِتابُ في قَولِه تعالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وإذا كانَ ذلكَ كذلكَ فلو لم

стр. 12953

تُقتَلِ الجَماعةُ بالواحدِ لَتَذرَّعَ الناسُ إلى القتلِ بأنْ يَتعمَّدوا قتْلَ الواحدِ بالجَماعةِ، ولكنْ للمُعتَرِضِ أنْ يقولَ: إنَّ هذا إنما كانَ يَلزمُ لو لم يَقتلْ مِنْ الجَماعةِ أحدٌ، فأما إنْ قتَلَ منهُم واحدٌ وهو الذي مِنْ قتْلِه يُظنُّ إتلافُ النفسِ غالبًا على الظنِّ فليسَ يَلزمُ أنْ يَبطلَ الحدُّ حتى يَكونَ سَببًا للتَّسليطِ على إذهابِ النفوسِ. وعُمدةُ مَنْ قتَلَ الواحِدَ بالواحدِ قولُه تعالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥] (١). إذا أمسَكَ رَجلاً وقتَلَه آخَرُ قُتِلَ القاتِلُ: إذا أمسَكَ رَجلًا عَمدًا على مَنْ يَقتلُه ظُلمًا فقتَلَه فإنَّ الفُقهاءَ اتَّفقُوا على أنه يُقتلُ القاتِلُ؛ لأنه قتَلَ مِنْ يُكافئُه عَمدًا بغَيرِ حَقٍّ. واختَلفُوا هل يُقتلُ المُمسِكُ؟ أم يُحبَسُ إلى أنْ يَموتَ؟ فذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أن المُمسِكَ إذا لم يَعلمْ أنَّ القاتلَ يَقتلُه فلا شَيءَ عليهِ؛ لأنَّ مَوتَه ليسَ بفِعلِه ولا بأثرِ فِعلِه، وكذا لو أمسَكَه للَّعبِ أو للضَّربِ فلا قوَدَ على المُمسكِ؛ لأنه مُتسببٌ والقاتلُ مُباشرٌ، فسقَطَ حُكمُ المُتسببِ به. وإنْ أمسَكَه له ليَقتلَه مِثلَ أنْ ضبَطَه له حتَّى ذبَحَه أو فتَحَ فمَهُ وسَقاهُ الآخَرُ سُمًّا فقُتلَ فإنْ المُمسِكَ يُحبَسُ حتى يَموتَ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، والقاتِلُ

стр. 12954

اعتَدَى بالقَتلِ فيُقتلُ، والمُمسكُ اعتَدَى بالحَبسِ إلى المَوتِ فيُحبسُ إلى أنْ يَموتَ. ولِما رَوى الدارقُطنيُّ بإسنادِه عن ابنِ عُمرَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «إذا أمسَكَ الرَّجلُ الرَّجلَ وقتَلَه الآخَرُ يُقتلُ الذي قتَلَ، ويُحبَسُ الذي أمسَكَ» (١). وعن عليٍّ ﵁: «أنه أُتِيَ برَجلينِ قتَلَ أحَدُهما وأمسَكَ الآخَرُ، فقتَلَ الذي قتَلَه، وقالَ للذي أمسَكَ: أمسكَتَه للمَوتِ، فأنا أحبِسُكَ في السِّجنِ حتَّى تَموتَ»، ولا يُعرَفُ له مُخالِفٌ في الصحابةِ. ولأنه حبَسَه إلى المَوتِ فيُحبسُ الآخَرُ إلى المَوتِ، كما لو حبَسَه عن الطَّعامِ والشَّرابِ حتى ماتَ فإننا نَفعلُ به ذلكَ حتى يَموتَ (٢). وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلة في رِوايةٍ إلى أنه يُقتلُ المُمسِكُ أيضًا؛ لأنه لو لم يُمسِكْه ما قدَرَ على قَتلِه، وبإمساكِه تَمكَّنَ مِنْ قتلِه، فالقتلُ حاصِلٌ بفِعلِهما، فيَكونانِ شَريكينِ فيه، فيَجبُ عليهِما القصاصُ كما لو جَرَحاهُ، ولقَولِه تعالَى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾، ولأنه أمسَكَه على مَنْ يَعلمُه قاتِلًا له ظُلمًا بغَيرِ حَقٍّ، فوجَبَ أنْ يَلزمَه القودُ، أصلُه إذا أمسَكَه على نارٍ حتَّى احتَرقَ.

стр. 12955

قالَ الإمامُ مالِكٌ في الرَّجلِ يُمسكُ الرَّجلَ للرَّجلِ فيَضربُه فيَموتُ مَكانَه أنه إنْ أمسَكَه وهو يَرَى أنه يُريدُ قتْلَه قُتِلَا به جَميعًا، وإنْ أمسَكَه وهو يَرَى أنه إنما يُريدُ الضَّربَ ممَّا يُضربُ به الناسُ لا يَرَى أنه عمَدَ لقَتلِه فإنه يُقتلُ القاتلُ، ويُعاقَبُ المُمسكُ أشَدَّ العُقوبةِ ويُسجَنُ سَنةً، لأنه أمسَكَه، ولا يَكونُ عليهِ القتلُ (١). وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ وأبو ثَورٍ وابنُ المُنذرِ إلى أنه يُعاقَبُ ويَأثمُ ولا يُقتلُ المُمسكُ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ أعتَى الناسِ على اللهِ مَنْ قتَلَ غيرَ قاتِلِه» (٢)، والمُمسكُ غيرُ قاتلٍ، ولأنَّ الإمساكَ سَببٌ غيرُ مُلجِئٍ، فإذا اجتمَعَتْ معَه المُباشَرةُ كانَ الضمانُ على المُباشِرِ، كما لو لم يَعلمِ المُمسكُ أنه يَقتلُه، وكما يَحدُّ الزاني دونَ الذي أمسَكَ المَرأةَ. قالَ الماوَرديُّ ﵀: رَجلٌ أمسَكَ رَجلًا حتى قتَلَه آخَرُ فعَلى القاتلِ القَودُ، فأما المُمسكُ فإنْ كانَ القاتلُ يَقدرُ على القَتلِ مِنْ غيرِ إمساكٍ، أو كانَ المَقتولُ يَقدرُ على الهَربِ بعدَ الإمساكِ فلا قوَدَ على المُمسكِ بالإجماعِ. وإنْ كانَ القاتلُ لا يَقدرُ على القَتلِ إلا بالإمساكِ، وكانَ المقتولُ لا يَقدرُ على الهَربِ بعدَ الإمساكِ فقدِ اختَلفَ الفُقهاءُ في المُمسكِ، فمَذهبُ الشافِعيِّ وأبي حَنيفةَ: أنه لا قوَدَ عليهِ ولا دِيةَ، ويُعزَّرُ أدبًا.
следующие страницы →