وقالَ داودُ: لا تُقتلُ الجَماعةُ بالواحِدِ، ولا يُقتلُ بنَفسٍ واحدةٍ أكثَرُ مِنْ واحدٍ، وهو قَولُ ابنِ الزُّبيرِ.
ذكَرَ عبدُ الرزَّاقِ عن ابنِ جُريجٍ عن عَمرِو بنِ دِينارٍ قالَ: كانَ ابنُ الزُّبيرِ وعبدُ المَلكِ لا يَقتُلانِ منهم إلا واحِدًا، وما عَلِمتُ أحَدًا يَقتلُهم جَميعًا إلا ما قالُوا في عُمرَ، ورُويَ ذلكَ عن مُعاذِ بنِ جَبلٍ.
ذكَرَ أبو بكرٍ قالَ: حَدَّثني عُبيدُ اللهِ بنُ موسَى عن حَسنِ بنِ صالحٍ عن سِمَاكَ عن دُهلِ بنِ كَعبٍ أنَّ مُعاذًا قالَ لعُمرَ: «ليسَ لكَ أنْ تَقتلَ نَفسَينِ بنَفسٍ واحِدةٍ»، وبه قالَ مُحمدُ بنُ سِيرينَ وابنُ شهابٍ والزهريُّ وحَبيبُ بنُ أبي ثابتٍ.
قالَ مَعمرٌ عن الزُّهريِّ: «لا يُقتلُ الرَّجلانِ بالرَّجلِ، ولا تُقطعُ يَدانِ بيَدٍ».
قالَ أبو عُمرَ: اضطَردَ قولُ الزهريُّ وداودَ في أنه لا تُقطعُ يَدانِ بيَدٍ، ولا يُقتلُ رَجلانٍ برَجلٍ.
وكذلكَ اضطَردَ قولُ مالكٍ والشافِعيِّ وأحمَدَ وإسحاقَ وأبي ثورٍ في أنه تُقطعُ باليَدِ الواحدةِ يَدانِ وأكثَرُ إذا اشتَركُوا في قَطعِ اليدِ الواحِدةِ، كما تُقتلُ الجَماعةُ بالواحِدِ إذا قَتَلوه معًا.
وتَناقضَ أبو حَنيفةَ وأصحابُه فقالُوا: لا تُقطعُ يَدانِ بيَدٍ، وكذلكَ سائرُ الأعضاءِ، وهو قَولُ الثوريِّ، وهُم يَقولونَ: إنَّ الجَماعةَ تُقتلُ بالواحِدِ، ومِن حُجَّتِهم أنَّ النفسَ لا تَتجزَّأُ واليَدَ وسائِرَ الأعضاءِ تَتجزأُ، وإنما
стр. 12952
قطَعَ كلُّ واحدٍ منهُم بعضَ العُضوِ، فمُحالٌ أنْ يُقطعَ منه عُضوٌ كاملٌ ولم يَقطعْه كامِلًا (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأما قَتلُ الجَماعةِ بالواحدِ فإنَّ جُمهورَ فُقهاءِ الأمصارِ قالُوا: تُقتلُ الجَماعةُ بالواحدِ، منهم مالكٌ وأبو حَنيفةَ والشافِعيُّ والثوريُّ وأحمَدُ وأبو ثَورٍ وغيرُهم، سَواءٌ كَثُرتِ الجَماعةُ أو قلَّتْ، وبه قالَ عُمرُ، حتى رُويَ أنه قالَ: «لو تَمالأَ عليهِ أهلُ صَنعاءَ لَقَتلتُهم جَميعًا».
وقالَ داودُ وأهلُ الظاهرِ: لا تُقتلُ الجَماعةُ بالواحدِ، وهو قَولُ ابنِ الزُّبيرِ، وبه قالَ الزهريُّ، ورُويَ عن جابرٍ.
وكذلكَ عندَ هذهِ الطائفةِ لا تُقطعُ أَيدٍ بيَدٍ، أعنِي إذا اشتَركَ اثنانِ فما فوقَ ذلكَ في قَطعِ يَدٍ.
وقالَ مالكٌ والشافِعيُّ: تُقطعُ الأيدِي باليَدِ.
وفرَّقَتِ الحَنفيةُ بينَ النَّفسِ والأطرافِ، فقالوا: تُقتلُ الأنفُسُ بالنَّفسِ ولا يُقطعُ بالطَّرفِ إلا طَرفٌ واحِدٌ، وسَيأتي هذا في بابِ القِصاصِ مِنْ الأعضاءِ.
فعُمدةُ مَنْ قتَلَ بالواحِدِ الجَماعةَ النظرُ إلى المَصلحةِ؛ فإنه مَفهومٌ أنَّ القتلَ إنما شُرعَ لنَفيِ القتلِ كما نبَّهَ عليهِ الكِتابُ في قَولِه تعالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وإذا كانَ ذلكَ كذلكَ فلو لم
стр. 12953
تُقتَلِ الجَماعةُ بالواحدِ لَتَذرَّعَ الناسُ إلى القتلِ بأنْ يَتعمَّدوا قتْلَ الواحدِ بالجَماعةِ، ولكنْ للمُعتَرِضِ أنْ يقولَ: إنَّ هذا إنما كانَ يَلزمُ لو لم يَقتلْ مِنْ الجَماعةِ أحدٌ، فأما إنْ قتَلَ منهُم واحدٌ وهو الذي مِنْ قتْلِه يُظنُّ إتلافُ النفسِ غالبًا على الظنِّ فليسَ يَلزمُ أنْ يَبطلَ الحدُّ حتى يَكونَ سَببًا للتَّسليطِ على إذهابِ النفوسِ.
وعُمدةُ مَنْ قتَلَ الواحِدَ بالواحدِ قولُه تعالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥] (١).
إذا أمسَكَ رَجلاً وقتَلَه آخَرُ قُتِلَ القاتِلُ:
إذا أمسَكَ رَجلًا عَمدًا على مَنْ يَقتلُه ظُلمًا فقتَلَه فإنَّ الفُقهاءَ اتَّفقُوا على أنه يُقتلُ القاتِلُ؛ لأنه قتَلَ مِنْ يُكافئُه عَمدًا بغَيرِ حَقٍّ.
واختَلفُوا هل يُقتلُ المُمسِكُ؟ أم يُحبَسُ إلى أنْ يَموتَ؟
فذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أن المُمسِكَ إذا لم يَعلمْ أنَّ القاتلَ يَقتلُه فلا شَيءَ عليهِ؛ لأنَّ مَوتَه ليسَ بفِعلِه ولا بأثرِ فِعلِه، وكذا لو أمسَكَه للَّعبِ أو للضَّربِ فلا قوَدَ على المُمسكِ؛ لأنه مُتسببٌ والقاتلُ مُباشرٌ، فسقَطَ حُكمُ المُتسببِ به.
وإنْ أمسَكَه له ليَقتلَه مِثلَ أنْ ضبَطَه له حتَّى ذبَحَه أو فتَحَ فمَهُ وسَقاهُ الآخَرُ سُمًّا فقُتلَ فإنْ المُمسِكَ يُحبَسُ حتى يَموتَ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، والقاتِلُ
стр. 12954
اعتَدَى بالقَتلِ فيُقتلُ، والمُمسكُ اعتَدَى بالحَبسِ إلى المَوتِ فيُحبسُ إلى أنْ يَموتَ.
ولِما رَوى الدارقُطنيُّ بإسنادِه عن ابنِ عُمرَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «إذا أمسَكَ الرَّجلُ الرَّجلَ وقتَلَه الآخَرُ يُقتلُ الذي قتَلَ، ويُحبَسُ الذي أمسَكَ» (١).
وعن عليٍّ ﵁: «أنه أُتِيَ برَجلينِ قتَلَ أحَدُهما وأمسَكَ الآخَرُ، فقتَلَ الذي قتَلَه، وقالَ للذي أمسَكَ: أمسكَتَه للمَوتِ، فأنا أحبِسُكَ في السِّجنِ حتَّى تَموتَ»، ولا يُعرَفُ له مُخالِفٌ في الصحابةِ.
ولأنه حبَسَه إلى المَوتِ فيُحبسُ الآخَرُ إلى المَوتِ، كما لو حبَسَه عن الطَّعامِ والشَّرابِ حتى ماتَ فإننا نَفعلُ به ذلكَ حتى يَموتَ (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلة في رِوايةٍ إلى أنه يُقتلُ المُمسِكُ أيضًا؛ لأنه لو لم يُمسِكْه ما قدَرَ على قَتلِه، وبإمساكِه تَمكَّنَ مِنْ قتلِه، فالقتلُ حاصِلٌ بفِعلِهما، فيَكونانِ شَريكينِ فيه، فيَجبُ عليهِما القصاصُ كما لو جَرَحاهُ، ولقَولِه تعالَى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾، ولأنه أمسَكَه على مَنْ يَعلمُه قاتِلًا له ظُلمًا بغَيرِ حَقٍّ، فوجَبَ أنْ يَلزمَه القودُ، أصلُه إذا أمسَكَه على نارٍ حتَّى احتَرقَ.
стр. 12955
قالَ الإمامُ مالِكٌ في الرَّجلِ يُمسكُ الرَّجلَ للرَّجلِ فيَضربُه فيَموتُ مَكانَه أنه إنْ أمسَكَه وهو يَرَى أنه يُريدُ قتْلَه قُتِلَا به جَميعًا، وإنْ أمسَكَه وهو يَرَى أنه إنما يُريدُ الضَّربَ ممَّا يُضربُ به الناسُ لا يَرَى أنه عمَدَ لقَتلِه فإنه يُقتلُ القاتلُ، ويُعاقَبُ المُمسكُ أشَدَّ العُقوبةِ ويُسجَنُ سَنةً، لأنه أمسَكَه، ولا يَكونُ عليهِ القتلُ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ وأبو ثَورٍ وابنُ المُنذرِ إلى أنه يُعاقَبُ ويَأثمُ ولا يُقتلُ المُمسكُ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ أعتَى الناسِ على اللهِ مَنْ قتَلَ غيرَ قاتِلِه» (٢)، والمُمسكُ غيرُ قاتلٍ، ولأنَّ الإمساكَ سَببٌ غيرُ مُلجِئٍ، فإذا اجتمَعَتْ معَه المُباشَرةُ كانَ الضمانُ على المُباشِرِ، كما لو لم يَعلمِ المُمسكُ أنه يَقتلُه، وكما يَحدُّ الزاني دونَ الذي أمسَكَ المَرأةَ.
قالَ الماوَرديُّ ﵀: رَجلٌ أمسَكَ رَجلًا حتى قتَلَه آخَرُ فعَلى القاتلِ القَودُ، فأما المُمسكُ فإنْ كانَ القاتلُ يَقدرُ على القَتلِ مِنْ غيرِ إمساكٍ، أو كانَ المَقتولُ يَقدرُ على الهَربِ بعدَ الإمساكِ فلا قوَدَ على المُمسكِ بالإجماعِ.
وإنْ كانَ القاتلُ لا يَقدرُ على القَتلِ إلا بالإمساكِ، وكانَ المقتولُ لا يَقدرُ على الهَربِ بعدَ الإمساكِ فقدِ اختَلفَ الفُقهاءُ في المُمسكِ، فمَذهبُ الشافِعيِّ وأبي حَنيفةَ: أنه لا قوَدَ عليهِ ولا دِيةَ، ويُعزَّرُ أدبًا.
стр. 12956
وقالَ إبراهيمُ النخَعيُّ ورَبيعةُ بنُ أبي عبدِ الرَّحمنِ: بحبس المُمسِك حتى يَموتَ؛ لأنه أمسَكَ المَقتولَ حتَّى ماتَ، فوجَبَ أنْ يُجازَى بمِثلِه، فيُحبسُ حتى يَموتَ.
وقالَ مالكٌ: يُقتلُ المُمسكُ قَودًا كما يُقتلُ القاتلُ، إلا أنْ يُمسكَ مازِحًا مُلاعِبًا فلا يُقادُ؛ استِدلالًا بقولِ اللهِ تعالَى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، وبما رُويَ عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁ «أنه قتَلَ جَماعةً بواحدٍ وقالَ: لو تَمالأَ عليهِ أهلُ صَنعاءَ لَقَتلتُهم به»، أي: لو تَعاوَنوا عليهِ، والمُمسكُ قد عاوَنَ على القتلِ، ولأنهُما تَعاونَا في قَتلِه، فوجَبَ أنْ يَستويَا في القَودِ، كما لو اشتَركَا في قَتلِه، ولأنَّ مُمسكَ الصَّيدِ لمَّا جَرَى عليهِ حُكمُ القاتلِ في وجوبِ الجزاءِ، ولو أمسَكَه أحدُ المُحرِمينَ وقتَلَه الآخَرُ اشتَركَا في الجَزاءِ، وجَبَ أنْ يكونَ مُمسكُ المَقتولِ يَجري عليهِ حُكمُ القاتلِ في وُجوبِ القَودِ ويَكونَا فيه سَواءً، ولأنَّ الإمساكَ سَببٌ أفضَى إلى القتلِ، فلَم يَمنعْ أنْ يَجريَ عليهِ حُكمُ المُباشَرةِ للقتلِ، كالشُّهودِ إذا شَهِدوا عندَ الحاكمِ على رَجلٍ بالقتلِ فقُتلَ ثم رَجَعوا قُتِلوا قَودًا بالشَّهادةِ وإنْ كانَتْ سَببًا، كذلكَ الممسكُ.
ودَليلُنا: ما رُويَ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «يُقتلُ القاتِلُ، ويُصبَرُ الصابرُ»، قالَ أبو عُبيدةَ: يَعنِي يُحبَسُ؛ لأنَّ المَصبورَ هو المَحبوسُ، يُريدُ بالحَبسِ التأديبَ، لا كما تَأوَّلَه رَبيعةُ على الحبسِ إلى المَوتِ، ولأنَّ الإمساكَ سَببٌ والقَتلَ مُباشرةٌ، فإذا اجتَمعَا ولم يَكنْ في السببِ إلجاءٌ
стр. 12957
كالشُّهودِ سقَطَ حُكمُ السببِ بوُجودِ المُباشرةِ، كما لو حفَرَ رَجلٌ بئرًا فدفَعَ رَجلٌ فيها إنسانًا فماتَ كانَ القَودُ على الدافعِ دونَ الحافرِ، ولأنَّ هذا القاتِلَ قد يَصلُ إلى القَتلِ تَارةً بالإمساكِ وتارةً بالحَبسِ، ثم ثبَتَ أنه لو قتَلَه بعدَ الحَبسِ لم يُقتلِ الحابسُ، كذلكَ إذا قتَلَه بعدَ الإمساكِ لم يُقتلِ المُمسكُ، ولأنَّ حُكمَ المُمسكِ مُخالِفٌ لحُكمِ المُباشرِ في الزِّنا؛ لأنه لو أمسَكَ امرأةً حتى زنَا بها رَجلٌ وجَبَ الحدُّ على الزاني دُونَ المُمسكِ، ووجَبَ أنْ يَكونَ حُكمُ المُمسكِ في القَتلِ بمَثابتِه في وُجوبِ القَودِ على القاتلِ دُونَ المُمسكِ، ولو جازَ أنْ يُساويَه في القَودِ جازَ أنْ يُساويَه في الحَدِّ.
ولأنَّ الإمساكَ غيرُ مَضمونٍ لو انفَردَ، فكانَ أَولى أنْ لا يُضمنَ إذا تَعقَّبَه القتلُ.
ولأنَّ ما لا يَضمنُ خَطؤُه لم يُضمنْ عَمدُه كالضَّربِ بما لا يَقتلُ.
فأما الآية فقد قالَ: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣] والسرف أن يتجاوز القاتل إلى من ليس بقاتل. وقول عمر ﵁: «لو تَمالأَ عليهِ أهلُ صَنعاءَ لَقَتلتُهم به» مَحمولٌ على اشتِراكِهم في قَتلِه؛ لأنَّ المُعاونةَ هي التَّساوِي في الفِعلِ، وبه يُجابُ عن قِياسِهم على الاشتِراكِ في القَتلِ، ثمَّ المَعنَى في المُشتركَينَ في القتلِ أنَّ كلَّ واحدٍ منهُما يَضمنُ إذا انفَردَ، فضَمِنَ إذا شارَكَ، والمُمسكُ لا يَضمنُ إذا انفَردَ، فلَم يَضمنْ إذا تَعقَّبَه قاتلٌ … ، ولو كانَ الإمساكُ جارِيًا مَجرَى مُباشَرةِ القَتلِ لَوجَبَ إذا أمسَكَ المَجوسيُّ شاةً
стр. 12958
فذَبحَها مُسلمٌ أنْ لا تُؤكلَ، كما لو اشتَركَ في ذَبحِها مَجوسيٌّ ومُسلمٌ، وفي إجماعِهم على جَوازِ أكلِها دَليلٌ على الفَرقِ بينَ المُمسِكِ والمُشارِكِ.
وما استَدلُّوا به مِنْ الشاهدَينِ فلا يَصحُّ؛ لأنهما ألجَأَ الحاكمَ إلى القَتلِ، ولم يَكنْ مِنْ المُمسكِ إلجاءٌ، فافتَرقَا (١).
وقالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: المُمسكُ مُعِينٌ وليسَ بقاتلٍ، وقد يَحتملُ قَولُ عُمرَ ﵁: «لو تَمالأَ عليهِ أهلُ صَنعاءَ لَقَتلتُهم به» الوجهَينِ جَميعًا العونَ والمباشَرةَ.
وقد أجمَعُوا أنه لو أعانَه ولم يَحضرْ قتْلَه لم يُقتلْ به (٢).
стр. 12959
شُروطُ وُجوبِ القِصاصِ في النَّفسِ أو الأطرافِ:
اشتَرطَ الفُقهاءُ لوُجوبِ القِصاصِ على الجاني عِدةَ شُروطٍ:
أولاً: التَّكْلِيفُ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه يُشترطُ في الجاني حتَّى يُقتصَّ منه أنْ يَكونَ مُكلَّفًا بالغًا عاقِلًا، وأمَّا الصَّبيُّ والمَجنونُ فلا يُقتصُّ منهُما؛ لأنَّ عمْدَهُما وخطَأَهُما سَواءٌ، والدِّيةُ على عاقِلتِهما عندَ جَماهيرِ الفُقهاءِ إلا قَولًا للشَّافعيِّ، ولو كانَ المَجنونُ يُفيقُ أحيانًا ويُجَنُّ أحيانًا وجَنَى حالَ إفاقَتِه اقتُصَّ منهُ حالَ إفاقتِه، فإنْ جُنَّ بعدَ الجِنايةِ انتُظِرتْ إفاقتُه واقتُصَّ منه بعدَها، فإنْ لم يَفقْ فالدِّيةُ في مالِه، والسَّكرانُ بحَلالٍ كالمَجنونِ، فلا يُقتلُ والدِّيةُ على عاقِلتِه.
قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأجمَعَ العُلماءُ أنَّ ما جَناهُ المَجنونُ في حالِ جُنونِه هَدرٌ وأنه لا قوَدَ عليهِ في ما يَجنِي، فإنْ كانَ يفيقُ أحيانًا ويغيبُ أحيانًا فما جَناهُ في حالِ إفاقتِه فعَليهِ فيه ما على غيرِه مِنْ البالغينِ غيرِ المَجانينِ.
وأجمَعَ العُلماءُ أنَّ الغُلامَ والنائِمَ لا يَسقطُ عنهُما ما أتلَفَا مِنْ الأموالِ، وإنما يَسقطُ عنهُم الإثمُ، وأما الأموالُ فتُضمَنُ بالخَطأِ كما تُضمَنُ بالعَمدِ، والمَجنونُ عندَ أكثَرِ العُلماءِ مِثلُهما (١).
стр. 12960
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: لا خِلافَ بينَ أهلِ العِلمِ أنه لا قِصاصَ على صَبيٍّ ولا مَجنونٍ، وكذلكَ كلُّ زائلِ العَقلِ بسَببٍ يُعذَرُ فيه مثلَ النائمِ والمُغمَى عليهِ ونحوِهما، والأصلُ في هذا قَولُ النبيِّ ﷺ : «رُفعَ القَلمُ عن ثَلاثةٍ: عن الصبيِّ حتَّى يَبلغَ، وعن النائمِ حتَّى يَستيقظَ، وعن المَجنونِ حتى يَفيقَ»، ولأنَّ القِصاصَ عُقوبةٌ مُغلَّظةٌ، فلَم تَجبْ على الصبيِّ وزائلِ العَقلِ كالحُدودِ، ولأنهُم ليسَ لهم قَصدٌ صَحيحٌ، فهُم كالقاتلِ خَطأٍ (١).
القِصاصُ مِنْ السَّكرانِ:
السَّكرانُ إذا قتَلَ في حالِ سُكرِه فإنْ زالَ عَقلُه بغَيرِ مُحرَّمٍ فهو كالمُغمَى عليهِ لا قِصاصَ عليهِ اتِّفاقًا؛ لأنه لا قصْدَ له ولا زجْرَ عليهِ.
ثمَّ اختَلفُوا فيما لو سَكِرَ بمُحرَّمٍ وقتَلَ في حالِ سُكرِه وثبَتَ عليهِ ببيِّنةٍ أو إقرارٍ، هل يُقتصُّ منه أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى وُجوبِ القِصاصِ على السَّكرانِ المُتعدِّي بسُكرِه إذا قتَلَ حالَ
стр. 12961
سُكرِه؛ لأنَّ المَعاصي لا تكونُ أسبابَ الرُّخَصِ، ولئلَّا يُؤدِّي إلى تَركِ القصاصِ؛ لأنَّ مَنْ رامَ القتلَ لا يَعجرُ أنْ يَسكرَ حتى لا يُقتصَّ منه.
ولأنَّ الصحابةَ ﵃ أقامُوا سُكرَه مَقامَ قَذفِه، فأوجَبُوا عليهِ حدَّ القاذفِ، فلولا أنَّ قذْفَه مُوجِبٌ للحدِّ عليهِ لَمَا وجَبَ الحدُّ بمَظنتِه، وإذا وجَبَ الحَدُّ فالقِصاصُ المُتمحضُ حَقَّ آدميٍّ أَولى، ولأنه حُكمٌ لو لم يَجبِ القصاصُ والحَدُّ لَأفضَى إلى أنَّ مَنْ أرادَ أنْ يَعصيَ اللهَ تعالَى شَربَ ما يُسكرُه ثم يَقتلُ ويَزني ويَسرقُ ولا يَلزمُه عُقوبةٌ ولا مَأثمٌ، ويَصيرُ عِصيانُه سَببًا لسُقوطِ عُقوبةِ الدُّنيا والآخرةِ عنه، ولا وجْهَ لهذا، وفارَقَ هذا الطَّلاقَ؛ لأنه قَولٌ يُمكنُ إلغاؤُه بخِلافِ القتلِ (١).
وأُلحقَ به عندَ الشافِعيةِ مَنْ تَعدَّى بشُربِ دواءٍ يُزيلُ العَقلَ، أما غيرُ المُتعدِّي فهو كالمَعتوهِ، فلا قِصاصَ عليهِ.
وقالَ الحَنابلةُ: فأما إنْ شَربَ أو أكَلَ ما يُزيلُ عقْلَه غيرَ الخمرِ على وَجهٍ مُحرَّمٍ فإنْ زالَ عقلُه بالكلِّيةِ بحَيثُ صارَ مَجنونًا فلا قِصاصَ عليهِ، وإنْ كانَ يَزولُ قَريبًا ويَعودُ مِنْ غيرِ تَداوٍ فهو كالسُّكرِ على ما فُصِّلَ فيه (٢).
стр. 12962
وذهَبَ الحَنابلة في قَولٍ إلى أنه لا يَجبُ عليهِ؛ لأنه زائِلُ العَقلِ، فأشبَهَ المَجنونَ، ولأنه غيرُ مُكلَّفٍ، أشبَهَ الصبيَّ والمَجنونَ (١).
وسُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ عن رَجلينِ شَرِبَا وكانَ مَعهُما رَجلٌ آخَرُ، فلمَّا أرادُوا أنْ يَرجِعوا إلى بُيوتهِم تَكلَّمَا فضرَبَ واحدٌ صاحِبَه ضَربةً بالدبوسِ فوقَعَ عن فَرسِه، فوقَفَ عندَه ذلكَ الرجلُ الذي معَهُما حتى رَكِبَ فرَسَه وجاءَ معَه إلى مَنزلِه، ولم يَقفْ عندَه فوقَعَ عن فَرسِه ثانيةً، ثم إنه أصبَحَ مَيتًا، فسَألَ رَجلٌ مِنْ أصحابِ المَيتِ ذلكَ الرَّجلَ خِفيةً ولم يُعلِمْه بمَوتِه، فذكَرَ له قَضيَّتَهما، فشَهدَ عليهِ الشُّهودُ بأنَّ فُلانًا ضرَبَه، ولم يَسمعِ الشُّهودُ مِنْ المَيتِ، وأنَّ المَتهومَ لم يُظهرْ نفْسَه خوفَ العُقوبةِ لكِي لا يُقِرَّ على نَفسِه، وللمَيتِ بنتٌ تَرضعُ وأخوةٌ.
فأجابَ: إنْ كانَ الذي شَربَ الخَمرَ يَعلمُ ما يَقولُ فهذا إذا قتَلَ فهو قاتلٌ يَجبُ عليهِ القَودُ وعُقوبةُ قاتلِ النَّفسِ باتِّفاقِ العُلماءِ.
وأما إنْ كانَ قد سَكِرَ بحَيثُ لا يَعلمُ ما يَقولُ أو أكثَرَ مِنْ ذلكَ وقتَلَ فهل يَجبُ عليهِ القَودُ ويُسلَّمُ إلى أولياءِ المَقتولِ ليَقتلوهُ إنْ شَاؤُوا؟ هذا فيه قَولانِ للعُلماءِ، وفيه رِوايتانِ عن أحمَدَ، لكنَّ أكثرَ الفُقهاءِ مِنْ أصحابِ أبي حَنيفةَ ومالكٍ والشافِعيِّ وكثيرٍ مِنْ أصحابِ أحمَدَ يُوجِبونَ عليهِ القَودَ كما يُوجِبونَه على الصاحي، فإنْ لم يَشهدْ بالقَتلِ إلا واحِدٌ لم يُحكمْ به، إلا أنْ يَحلفَ مع ذلكَ أولياءُ المَقتولِ خَمسينَ يَمينًا، وهذا إذا ماتَ بضَربِه وكانَ ضَربُه عُدوانًا مَحضًا، فإما إنْ ماتَ مع ضَربِ الآخَرِ ففي القَودِ نِزاعٌ،
стр. 12963
وكذلكَ إنْ ضرَبَه دَفعًا لعُدوانِه عليهِ، أو ضرَبَه مثلَ ما ضرَبَه، سَواءٌ ماتَ بسَببٍ آخَرَ أو غيرِه، واللهُ أعلَمُ (١).
ثانيًا: عِصمةُ المقتولِ:
اشتَرطَ الفُقهاءِ في المَقتولِ حتَّى يَجبَ القِصاصُ أنْ يكونَ مَعصومَ الدمِ، فلا قِصاصَ على المُسلمِ إذا قتَلَ:
١ - الحَربِيَّ، بل يُهدَرُ دمُه؛ لعَدمِ العِصمةِ، ولأنه إذا جاءَ تائبًا فإنه لا يُقتلُ بما قتَلَ قبلَ تَوبتِه، ولا خِلافَ في ذلكَ، وسواءٌ كانَ ممَّن تُقبلُ منه الجِزيةُ كاليهوديِّ والنصرانِيِّ، أو لا تُقبلُ منه كالوثنيِّ؛ لأنَّ شرْطَ القاتِلِ الذي يُقتصُّ منه أنْ يَكونَ مُلتزِمًا للأحكامِ، والحَربيُّ غيرُ مُلتزِمٍ لها.
٢ - وكذا الحًربيُّ المُستأمنُ إذا قتَلَه مُسلمٌ لا يُقتصُّ منهُ عندَ الحَنفيةِ في ظاهِرِ الرِّوايةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ؛ لأنَّ عِصمتَه ما ثبتَتْ مُطلَقةً، بل مُؤقَّتةً إلى غايةِ مُقامِه في دارِ الإسلامِ؛ وهذا لأنَّ المُستأمنَ مِنْ أهلِ دارِ الحَربِ، وإنما دخَلَ دارَ الإسلامِ لا لقَصدِ الإقامةِ، بل لعارِضِ حاجةٍ يَدفعُها ثم يَعودُ إلى وَطنِه الأصليِّ، فكانَتْ في عِصمتِه شُبهةُ العَدمِ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «المُسلمونَ تَتكافأُ دِماؤُهم يَسعَى بذِمَّتِهم أدناهُم ويُجيرُ عليهِم أقصَاهُم وهُم يدٌ على مَنْ سِواهُم، يَردُّ مُشدُّهُم على مُضعفِهم، ومُتسّرِّعُهم على قاعدِهِم، لا يُقتلُ مُؤمنٌ بكافِرٍ، ولا ذو عَهدٍ في عَهدِه» (٢).
стр. 12964
ورُويَ عن أبي يُوسفَ أنه يُقتلُ به قِصاصًا؛ لقِيامِ العِصمةِ وقتَ القتلِ.
٣ - ولا على قاتلِ مُرتدٍّ كذلك؛ لأنه مُباحُ الدمِ، أشبَهَ الحربيَّ.
٤ - ولا على قاتِلِ زانٍ مُحصَنٍ كذلكَ، وسواءٌ كانَ القاتلُ مُسلِمًا أو ذِميًّا؛ لوُجودِ الصفةِ المُبيحةِ لدَمِه، ويُعزَّرُ القاتلُ فقط؛ لافتِئاتِه على وليِّ الأمرِ (١).
ثالثًا: المُكافَأةُ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ إلى أنه يُشترطُ مُكافَأةُ الجاني للمَجنيِّ عليهِ، وهو أنْ يكونَ ممَّن يُحَدُّ أحَدُهما بقَذفِ الآخرِ، فعِنَدئذٍ يَجبُ القِصاصُ على الجاني، فإنْ قتَلَ المُسلمُ مُسلمًا، أو الكافِرُ كافرًا -سَواءٌ كانَا على دِينٍ أو على دِينَينِ-، أو قتَلَ الرَّجلُ رَجلًا، أو المَرأةُ امرأةً، أو قتَلَ الحُرُّ حُرًّا، أو قتَلَ العَبدُ عَبدًا .. وجَبَ القِصاصُ على القاتِل؛ لقَولِه تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، ولأنَّ كلَّ واحدٍ منهُما مُساوٍ لصاحِبِه، فقُتلَ به.
стр. 12965
ويُقتلُ الكافرُ بالمُسلمِ، والعَبدُ بالحُرِّ، والأُنثى بالذَّكرِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، وهو إجماعٌ مِنْ أهلِ العِلمِ، ولأنه إذا قُتلَ بمَن يُساويهِ .. فلَأنْ يُقتلَ بمَن هو أَعلى منه أَولى.
قَتلُ الذَّكرِ بالأُنثى:
يُقتلُ الذَّكرُ بالأنثى عندَ المَذاهبِ الأربَعةِ، وهو قَولُ أكثرِ العُلماءِ، لقَولِه تعالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩]، وقَولِه تعالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، وهذا عامٌّ إلا فيما خَصَّه الدليلُ.
ولأنه شَخصٌ قتَلَ مُكافئًا له في دِينِه، فلَم يَكنْ له إلا القصاصُ كالرَّجلينِ.
قالَ ابنُ بطَّالٍ ﵀: اتَّفقَ أئمَّةُ الأمصارِ على أنَّ الرَّجلَ يُقتلُ بالمَرأةِ والمَرأةَ بالرَّجلِ إذا كانَ القَتلُ عَمدًا، حاشَا الحسنَ البَصريَّ وعَطاءً وما رُويَ عن عليٍّ.
وذهَبَ مالكٌ والثَّوريُّ والشافِعيُّ وأكثَرُ الفُقهاءِ إلى أنَّ القِصاصَ بينَ الرجالِ والنساءِ في الجِراحاتِ كما هو في النَّفسِ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: لا قِصاصَ بينَ الرِّجالِ والنساءِ فيما دونَ النَّفسِ مِنْ الجِراحاتِ، واحتَجَّ أصحابُه بأنَّ المُساواةَ عندَهم مُعتبَرةٌ في النفسِ وغيرُ مُعتبرةٍ في الأطرافِ، ألَا تَرى أنَّ اليدَ الصَّحيحةَ لا تُؤخذُ بالشَّلاءِ، والنَّفسَ الصَّحيحةَ تُؤخذُ بالمَريضةِ، وهذه نُكتَتُهم وعليهَا يَبنونَ الكَلامَ، وكذلكَ لا
стр. 12966
يَقطعونَ يَدَ المَرأةِ بيَدِ الرجلِ، ولا يَدَ الحُرِّ بالعَبدِ، وإنْ جَرَى القِصاصُ بينَهُما في النفسِ.
وقالَ ابنُ المُنذرِ: ولمَّا أجمَعُوا أنَّ نفْسَه بنَفسِها، وهي أكبَرُ الأشياءِ، واختَلفُوا فيما دُونَ ذلكَ كانَ ما اختَلفُوا فيه مَردودًا إلى ما أجمَعُوا عليهِ؛ لأنَّ الشيءَ إذا ما أُبيحَ منه الكَثيرُ كانَ القَليلُ أَولى (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأما قَتلُ الذَّكرِ بالأُنثى فإنَّ ابنَ المُنذرِ وغيرَه ممَّن ذكَرَ الخلافَ حَكَى أنه إجماعٌ، إلا ما حُكيَ عن عليٍّ مِنْ الصحابةِ وعن عُثمانَ البتيِّ أنه إذا قُتلَ الرَّجلُ بالمَرأةِ كانَ على أولياءِ المَرأةِ نِصفُ الدِّيةِ.
وحكَى القاضي أبو الوليدِ الباجيُّ في «المُنتقَى» عن الحسَنِ البَصريِّ أنه لا يُقتلُ الذَّكرُ بالأنثى، وحَكاهُ الخطَّابيُّ في «مَعالِم السُّننِ»، وهو شَاذٌّ ولكنَّ دَليلَه قَويُّ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، وإنْ كانَ يُعارِضُ دَليلَ الخِطابِ هَهُنا العُمومُ الذي في قَولِه تعالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، لكنْ يَدخلُه أنَّ هذا الخِطابَ وارِدٌ في غيرِ شَريعتِنا، وهي مَسألةٌ مُختلَفٌ فيها، أعنِي: هل شَرعُ مَنْ قَبلَنا شَرعٌ لنا أم لا؟ والاعتِمادُ في قَتلِ الرَّجلِ بالمَرأةِ هو النَّظرُ إلى المَصلحةِ العامَّةِ (٢).
стр. 12967
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويُقتلُ الذَّكرُ بالأُنثى، والأنثَى بالذَّكرِ، هذا قَولُ عامَّةِ أهلِ العِلمِ، منهُم النخَعيُّ والشعبيُّ والزهريُّ وعُمرُ بنُ عَبدِ العزيزِ ومالكٌ وأهلُ المَدينةِ والشافِعيُّ وإسحاقُ وأصحابُ الرأيِ وغيرُهم.
ورُويَ عن عليٍّ ﵁ أنه قالَ: «يُقتلُ الرَّجلُ بالمَرأةِ ويُعطَى أولياؤُه نِصفَ الديَةِ» أخرَجُه سَعيدٌ، ورُويَ مثلُ هذا عن أحمَدَ، وحُكيَ ذلكَ عن الحَسنِ وعطاءٍ، وحُكيَ عنهُما مثلُ قَولِ الجماعةِ، ولَعلَّ مَنْ ذهَبَ إلى القَولِ الثاني يَحتجُّ بقَولِ عليٍّ ﵁، ولأنَّ عقْلَها نِصفُ عَقلِه، فإذا قُتلَ بها بَقيَ له بَقيةٌ فاستُوفيَتْ ممَّن قتَلَه.
ولنَا: قولُه تعالَى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وقولُه: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨] معَ عُمومِ سائرِ النُّصوصِ، وقد ثبَتَ «أنَّ النبيَّ ﷺ قتَلَ يَهوديًّا رَضَّ رأسَ جارِيةٍ مِنْ الأنصارِ»، ورَوى أبو بكرِ بنُ مُحمدِ بنِ عَمرِو ابنِ حَزمٍ عن أبيه عن جَدِّه «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كتَبَ إلى أهلِ اليَمنِ بكِتابٍ فيه الفَرائضُ والأسنانُ، وأنَّ الرَّجلَ يُقتلُ بالمَرأةِ» وهو كِتابٌ مُشهورٌ عندَ أهلِ العِلمِ مُتلقًّى بالقَبولِ عندَهم، ولأنهُما شَخصانِ يُحَدُّ كلُّ واحدٍ منهُما بقَذفِ صاحبِه، فقُتلَ كلُّ واحدٍ منهُما بالآخَرِ كالرَّجلينِ، ولا يَجبُ مع القِصاصِ شَيءٌ؛ لأنه قِصاصٌ واجِبٌ، فلَم يَجبْ معَه شَيءٌ على المُقتصِّ كسائرِ القِصاصِ، واختِلافُ الأبدالِ لا عِبرةَ به في القِصاصِ؛ بدَليلِ أنَّ الجَماعةَ يُقتلونَ بالواحِدٍ، والنصرانِيُّ يُؤخذُ بالمَجوسيِّ مع اختِلافِ دِينَيهما، ويُؤخذُ العَبدُ بالعَبدِ مع اختلافِ قِيمتِهما.
стр. 12968
فَصلٌ: ويُقتلُ كلُّ واحِدٍ مِنْ الرَّجلِ والمَرأةِ بالخُنثَى، ويُقتلُ بهِما؛ لأنه لا يَخلُو مِنْ أنْ يَكونَ ذَكرًا أو أنثَى (١).
لا تُشترطُ المساواةُ في الذَّاتِ ولا في كَمالِ الصِّفاتِ:
ولا يُشترطُ أنْ يَكونَ المَقتولُ مثلَ القاتلِ في كَمالِ الذاتِ، وهو سَلامةُ الأعضاءِ، ولا أنْ يَكونَ مِثلَه في الشَّرفِ والفَضيلةِ، فيُقتلُ سَليمُ الأطرافِ بمَقطوعِ الأطرافِ والأشَلِّ، ويُقتلُ العالمُ بالجاهلِ، والشَّريفُ بالوَضيعِ، والعاقِلُ بالمَجنونِ، والبالغُ بالصبيِّ إجماعًا (٢).
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الحرَّ المُسلمَ يُقادُ به قاتِلُه وإنْ كانَ مُجدَّعَ الأطرافِ مَعدومَ الحواسِّ والقاتلُ صَحيحٌ سَويُّ الخَلقِ، أو كانَ بالعَكسِ، وكذلكَ إنْ تَفاوتَا في العِلمِ والشَّرفِ والغِنَى والفَقرِ والصِّحةِ والمَرضِ والقُوةِ والضعفِ والكِبَرِ والصِّغرِ والسُّلطانِ والسُّوقةِ ونحوِ هذا مِنْ الصِّفاتِ لم يمنَعِ القِصاصُ بالاتِّفاقِ، وقد دلَّتْ عليهِ العُموماتُ التي تَلَوناها، وقَولُ النبيِّ ﷺ : «المُؤمنُونَ تَتكافأُ دِماؤُهم»، ولأنَّ اعتبارَ التَّساوي في الصِّفاتِ والفَضائلِ يُفضِي إلى إسقاطِ القِصاصِ بالكلِّيةِ وفَواتِ حِكمةِ الرَّدعِ والزَّجرِ، فوجَبَ أنْ يَسقطَ اعتِبارُه كالطُّولِ والقِصَرِ والسَّوادِ والبَياضِ (٣).
стр. 12969
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا في مَسألةٍ وهي:
قَتلُ المُسلمِ بالكافِرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو قتَلَ مُسلمٌ ذِميًّا مَعصومَ الدمِ، هل يُقتلُ به مُطلَقًا؟ أم لا يُقتلُ به مُطلَقًا؟ أم يُقتلُ به إذا قتَلَه غِيلةً ولا يُقتلُ به إذا لم يَقتلْه غِيلًة؟ على ثَلاثةِ أقوالٍ للفُقهاءِ:
القَولُ الأولُ: أنَّ المُسلمَ إذا قتَلَ كافِرًا ذِميًّا مَعصومَ الدمِ لا يقتلُ به، وهو مَذهبُ الشافِعيةِ والحَنابلةِ وأكثَرِ أهلِ العِلمِ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «المُسلمُونَ تَتكافأُ دِماؤُهم، يَسعَى بذِمَّتِهم أدناهُمْ، ويُجيرُ عليهِم أقصَاهُم، وهُم يَدٌ على مَنْ سِواهُم، يَردُّ مُشدُّهُم على مُضعفِهم، ومُتسرِّعُهم على قاعدِهِم، لا يُقتلُ مُؤمنٌ بكافِرٍ ولا ذو عَهدٍ في عَهدِهِ» (١).
وعن أبي جُحيفةَ قالَ: سَألتُ عَليًّا ﵁: هل عِندكُم شَيءٌ ما ليسَ في القُرآنِ؟ -وقالَ مرَّةً: ما ليسَ عندَ الناسِ؟ - فقالَ: «والذِي فلَقَ الحَبَّةَ وبرَأَ النَّسمةَ ما عِندَنا إلا ما في القُرآنِ إلا فَهمًا يُعطَى رَجلٌ في كِتابِه وما في الصَّحيفةِ، قلتُ: وما في الصَّحيفةِ؟ قالَ: العَقلُ وفِكَاكُ الأسِيرِ وأنْ لا يُقتلَ مُسلِمٌ بكافرٍ» (٢)، ولأنه مَنقوصٌ بالكُفرِ، فلا يُقتلُ به المُسلمُ كالمُستأمنِ؛
стр. 12970
لأنه ناقِصٌ بالكُفرِ كالحَربيِّ والمُستأمنِ، ولأنه حَدٌّ لا يَجبُ استِيفاؤُه إلا بالمُطالَبةِ، فلَم يَجبْ لكافرٍ على مُسلمٍ كحَدِّ القذفِ (١).
ولأنهم أجمَعُوا أنه لا يُقادُ الكافرُ مِنْ المُسلمِ فيما دُونَ النفسِ مِنْ الجِراحِ، فالنَّفسُ بذلكَ أحرَى (٢).
القَولُ الثانِي: ذهَبَ الإمامُ مالكٌ إلى نَفسِ قَولِ الشافِعيةِ والحَنابلةِ أنَّ المُسلمَ إذا قتَلَ كافِرًا -أيَّ كافرٍ كانَ- لا يُقتلُ به إلا إذا قتَلَ المُسلمُ الذِّميَّ غِيلةً فإنه يُقتلُ به، وقَتلُ الغِيلةِ أنْ يَقتلَه ليَأخذَ مالَه كما يَصنعُ قاطعُ الطَّريقِ، لا يَقتلُه لثائرةٍ ولا عَداوةٍ، سَواءٌ كانَ القتلُ خِفيةً كما لو خدَعَه فذهَبَ به لمَحلٍّ فقتَلَه فيه لأخذِ المالِ، أو كانَ ظاهِرًا على وَجهٍ يَتعذرُ معَه الغَوثُ، وإنْ كانَ الثاني يُسمَّى حِرابةً، ولا يُقتلُ به قِصاصًا، بل للفَسادِ، ولذا قالَ الإمامُ مالكٌ: لا عفْوَ فيه ولا صُلحَ، وصُلحُ الوليِّ مَردودٌ، والحُكمُ فيه للإمامِ (٣).
القَولُ الثالِثُ: وهو قَولُ الحَنفيةِ: أنَّ المُسلمَ إذا قتَلَ ذِميًّا يُؤدِّي الجِزيةَ وتَجرِي عليهِ أحكامُ الإسلامِ فإنه يُقتلُ به قِصاصًا؛ لعُموماتِ القِصاصِ مِنْ
стр. 12971
نَحوِ قولِه ﵎: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقَولِه : ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقَولِه جَلَّتْ عَظمَتُه: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] مِنْ غيرِ فَصلٍ بينَ قَتيلٍ وقَتيلٍ ونَفسٍ ونَفسٍ ومَظلومٍ ومَظلومٍ، فمَن ادَّعَى التَّخصيصَ والتقييدَ فعَليهِ الدليلُ.
وقَوله عَزَّ مِنْ قائلٍ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وتَحقيقُ معنَى الحَياةِ في قَتلِ المُسلمِ بالذِّميِّ أبلَغُ منه في قَتلِ المُسلمِ بالمُسلمِ؛ لأنَّ العَداوةَ الدِّينيةَ تَحملُه على القَتلِ، خُصوصًا عندَ الغَضبِ، ويَجبُ عليهِ قَتلُه لغُرمائِه، فكانَتِ الحاجَةُ إلى الزاجِرِ أمَسَّ، فكانَ في شَرعِ القِصاصِ فيه في تَحقيقِ معنَى الحَياةِ أبلَغَ.
ولِما رَواهُ ابنُ عُمرَ «أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قتَلَ مُسلِمًا بمُعاهَدٍ، وقالَ: أنَا أكرَمُ مَنْ وَفَى بذِمَّتِه» (١)، ولأنَّ المُساواةَ في العِصمةِ ثابتةٌ نَظرًا إلى التَّكليفِ والدارِ، والمُبيحُ كُفرُ المُحارِبِ دونَ المُسالِمِ، ولأنهُم إنما أعطَوُا الجِزيةَ لتَكونَ أموالُهم كأموالِنا ودِماؤُهم كدِمائِنا، ولاستِوائِهما في العِصمةِ المُؤبَّدةِ، ولأنَّ عدَمَ القِصاصِ تَنفيرٌ لهم عن قَبولِ عَقدِ الذمَّةِ، وفيه مِنْ الفَسادِ ما لا يَخفَى.
ولأنه لا خِلافَ في أنَّ المُسلمَ إذا سرَقَ مِنْ الذميِّ فإنه يُقطعُ، فكذا إذا قتَلَه.
стр. 12972
والمُرادُ بقَولِه ﷺ : «لا يُقتلُ مُسلمٌ بكافِرٍ» الحَربيُّ؛ لأنَّ الكافرَ متَى أُطلقَ يَنصرفُ إلى الحَربيِّ عادةً وعُرفًا، فيَنصرفُ إليه تَوفيقًا بينَ الحَديثينِ.
ولأنَّ المُبيحَ هو الكُفرُ الباعِثُ على الحِرابِ، وكُفرُه ليسَ ببَاعثٍ على الحِرابِ، فلا يُكونُ مُبيحًا.
ولأنَّ المُساواةَ في الدِّينِ ليسَتْ بشَرطٍ، ألَا تَرى أنَّ الذميَّ إذا قتَلَ ذِميًّا ثم أسلَمَ القاتِلُ يُقتلُ به قِصاصًا ولا مُساواةَ بينَهُما في الدِّينِ، لكنَّ القِصاصَ مِحنةٌ امتُحِنُوا الخَلقُ بذلكَ، فكُلُّ مَنْ كانَ أقبَلَ بحَقِّ اللهِ تعالَى وأشكَرَ لنِعَمِه كانَ أَولى بهذهِ المِحنةِ؛ لأنَّ العُذرَ له في ارتِكابِ المَحذورِ أقلُّ، وهو بالوفاءِ بعَهدِ اللهِ تعالَى أَولى، ونِعَمُ اللهِ تعالَى في حقِّه أكمَلُ، فكانَتْ جِنايتُه أعظَمَ (١).
رابعًا: انتِفاءُ الأبوَّةِ: (الوالِدُ إذا قتَلَ ولَدَه، هل يُقتلُ به أم لا؟):
اختَلفَ الفُقهاءُ في الوالِدِ وإنْ عَلا إذا قتَلَ ولَدَه عَمدًا، هل يُقتلُ به أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الوالِدَ إذا قتَلَ ولَدَه لا يُقتلُ به، وعليهِ الدِّيةُ في مالِه؛ لِما رواهُ عَمرُو بنُ شُعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه قالَ: «قتَلَ رَجلٌ ابنَهُ عَمداً فرُفِعَ إلى عُمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁
وأيضًا نهَى النبيُّ ﷺ حَنظلةَ بنَ أبي عامِرٍ الراهِبَ عن قتلِ أبيه وكانَ مُشرِكًا مُحارِبًا للهِ ولرَسولِه وكانَ مع قُريشٍ يُقاتلُ النبيَّ ﷺ يومَ أحُدٍ، فلو جازَ للابنِ قَتلُ أبيه في حالٍ لَكانَ أَولى الأحوالِ بذلكَ حالُ مَنْ قاتَلَ النبيَّ ﷺ وهو مُشرِكٌ؛ إذ ليسَ يَجوزُ أنْ يكونَ أحَدٌ أَولى باستِحقاقِ العُقوبةِ والذمِّ والقتلِ ممَّن هذه حالُه، فلمَّا نهَاهُ ﷺ عن قَتلِه في هذهِ الحالِ عَلِمْنا أنه لا يَستحقُّ قتْلَه بحالٍ، وكذلكَ لو قذَفَه لم يُحَدَّ له، ولو قطَعَ يَدَه لم يُقتَصَّ منه.
ولأنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «أنتَ ومالُكَ لأبيكَ»، فأضافَ نفْسَه إليه كإضافةِ مالِه، وإطلاقُ هذهِ الإضافةِ يَنفي القَودَ كما يَنفي أنْ يُقادَ المَولَى بعَبدِه؛ لإطلاقِ إضافتِه إليه بلَفظٍ يَقتضِي المِلكَ في الظَّاهرِ، والأبُ وإنْ كانَ غيرَ مالكٍ لابنِه في الحَقيقةِ فإنَّ ذلكَ لا يُسقطُ استِدلالَنا بإطلاقِ الإضافةِ؛ لأنَّ القوَدَ يُسقطُه الشُّبهةُ، وصِحةُ هذهِ الإضافةِ شُبهةٌ في سُقوطِه، ويَدلُّ عليهِ أيضًا ما رُويَ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «إنَّ أطيَبَ ما أكَلَ الرَّجلُ مِنْ كَسبِه، وإنَّ ولَدَه مِنْ كَسبِه»، وقالَ ﷺ : «إنَّ أولادَكُم مِنْ كَسبِكُم، فكُلُوا مِنْ كَسبِ أولادِكم»، فسَمَّى ولَدَه كَسبًا له كمَا أنَّ عبْدَه كَسبُه، فصارَ ذلكَ شُبهةً في سُقوطِ القِصاصِ به؛ لأنه يُدرأُ بالشُّبهاتِ، ولأنه سَببُ إيجادِه، فلا يَنبغي أنْ يَتسلطَ بسَببِه على إعدامِه.
ويُفارِقُ الأبُ سائرَ الناسِ؛ فإنهُم لو قَتَلوهُ بالحَذفِ بالسيفِ وجَبَ عليهِم القِصاصُ، والأبُ بخِلافِه.
стр. 12975
والجَدُّ وإنْ عَلا كالأبِ في هذا، وسَواءٌ كانَ مِنْ قِبلِ الأبِ أو مِنْ قِبلِ الأمِّ في قَولِ أكثَرِ مُسقطِي القِصاصِ عن الأبِ؛ لأنه والِدٌ، فيَدخلُ في عُمومِ النصِّ، ولأنَّ ذلكَ حُكمٌ يَتعلقُ بالوِلادةِ، فاستَوى فيه القَريبُ والبَعيدُ كالمَحرميَّةِ والعتقِ إذا ملَكَه، والجَدُّ مِنْ قِبلِ الأبِ كالجَدِّ مِنْ قِبلِ الأمِّ؛ لأنَّ ابنَ البِنتِ يُسمَّى ابنًا، قالَ النبيُّ ﷺ في الحَسنِ: «إنَّ ابنِي هذا سَيدٌ».
والأمُّ في ذلكَ كالأبِ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ عندَ الحَنابلةِ؛ لأنَّ اسمَ الوالِدِ والوَلدِ يَتناولُ كلَّ والِدٍ وإنْ عَلا وكلَّ وَلدٍ وإنْ سَفلَ.
ورُويَ عن أحمَدَ ﵀ ما يَدلُّ على أنه لا يَسقطُ عن الأمِّ؛ لأنه لا وِلايةَ لها عليهِ، فتُقتلُ به كالأخِ.
والصَّحيحُ الأولُ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «لا يُقتلُ والِدٌ بوَلدِه»، ولأنها أحَدُ الوالِدَينِ، فأشبَهَتِ الأبَ، ولأنها أَولى بالبِرِّ فكانَتْ أَولى بنَفي القِصاصِ عنها، والوِلايةُ غيرُ مُعتبرةٍ؛ بدَليلِ انتفاءِ القِصاصِ عن الأبِ بقَتلِ الكَبيرِ الذي لا وِلايةَ عليهِ، وعنِ الجَدِّ ولا ولايةَ له، وعن الأبِ المُخالِفِ في الدِّينِ أو الرقيقِ.
والجَدةُ وإنْ عَلَتْ في ذلكَ كالأمِّ، وسَواءٌ في ذلكَ مِنْ قِبلِ الأبِ أو مِنْ قِبلِ الأمِّ؛ لِما ذكَرْنا في الجَدِّ (١).
стр. 12976
وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا ذبَحَ ولَدَه أو عَملَ به عَملًا لا يُشَكُّ في أنه عمَدَ إلى قَتلِه دونَ أدَبٍ فإنه يُقادُ به، وإنْ حذَفَه بسَيفٍ أو عَصًا لم يُقتلْ به، وكذلكَ الجَدُّ؛ لعُمومِ قولِ النبيِّ ﷺ : «المُسلمُونَ تَتكافأُ دِماؤُهم» (١)، ولأنَّ القِصاصَ حَقٌّ مِنْ حُقوقِ الآدميِّينَ؛ فجازَ أنْ يَثبتَ للابنِ على الأبِ، أصلُه سائرُ الحُقوقِ (٢).
قالَ الإمامُ ابنُ العرَبيِّ المالِكيُّ ﵀: هل يُقتلُ الأبُ بولَدِه مع عُمومِ آياتِ القِصاصِ؟
قالَ مالكٌ: يُقتلُ به إذا تَبيَّنَ قَصدُه إلى قَتلِه، بأنْ أضجَعَه وذبَحَه، فإنْ رَماهُ بالسِّلاحِ أدَبًا وحنَقًا لم يُقتلْ به، ويُقتلُ الأجنَبيُّ بمِثلِ هذا، وخالَفَه سائرُ الفُقهاءِ وقالوا: لا يُقتلُ به.
سَمعتُ شَيخَنا فخْرَ الإسلامِ أبا بَكرٍ الشاشيَّ يَقولُ: في النَّظرِ لا يُقتلُ الأبُ بابنِه؛ لأنَّ الأبَ كانَ سبَبَ وُجودِه، فكيفَ يكونُ هو سبَبَ عَدمِه؟
стр. 12977
وهذا يَبطلُ بما إذا زنَى بابنتِه فإنه يُرجَمُ وكانَ سبَبَ وُجودِها وتَكونُ هي سبَبَ عدَمِه، ثمَّ أيُّ فِقهٍ تَحتَ هذا، ولِمَ لا يَكونُ سبَبَ عَدمِه إذا عصَى اللهَ تعالَى في ذلكَ.
وقد أُثِرَ عن رَسولِ اللهِ ﷺ أنه قالَ: «لا يُقادُ والِدٌ بوَلدِه»، وهو حَديثٌ باطلٌ، ومُتعلَّقُهم أنَّ عُمرَ ﵁ قضَى بالدِّيةِ مُغلَّظةً في قاتلِ ابنِه، ولم يُنكِرْ أحَدٌ مِنْ الصَّحابةِ عليهِ، فأخَذَ سائرُ الفُقهاءِ المُسألةَ مُسجَلةً وقالوا: لا يُقتلُ الوالِدُ بوَلدِه، وأخَذَها مالكٌ مُحكَمةً مُفصَّلةً فقالَ: إنه لو حذَفَه بسَيفٍ، وهذه حالةٌ مُحتمِلةٌ لقَصدِ القتلِ وغَيرِه، وشَفقةُ الأبوَّةِ شُبهةٌ مُنتصِبةٌ شاهِدةٌ بعَدمِ القَصدِ إلى القَتلِ تُسقِطُ القوَدَ، فإذا أضجَعَه كشَفَ الغِطاءَ عن قَصدِه، فالتَحقَ بأصلِه (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واختَلفُوا مِنْ هذا البابِ في الأبِ والابنِ، فقالَ مالِكٌ: لا يُقادُ الأبُ بالابنِ إلا أنْ يُضجِعَه فيَذبحَه، فأما إنْ حذَفَه بسَيفٍ أو عَصًا فقتَلَه لم يُقتلْ، وكذلكَ الجَدُّ عندَه مع حَفيدِه.
وقالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ والثوريُّ: لا يُقادُ الوالِدُ بوَلدِه ولا الجَدُّ بحَفيدِه إذا قتَلَه بأيِّ وَجهٍ كانَ مِنْ أوجُهِ العَمدِ، وبه قالَ جُمهورُ العُلماءِ.
وعُمدَتُهم حَديثُ ابنِ عبَّاسٍ أنَّ النبيَّ ﵊ قالَ: «لا تُقامُ الحُدودُ في المَساجدِ، ولا يُقادُ بالوَلدِ الوالِدُ» (٢).
стр. 12978
وعُمدةُ مالِكٍ عُمومُ القِصاصِ بينَ المُسلمينَ.
وسَببُ اختِلافِهم: ما رَوَوهُ عن يَحيَى بنِ سَعيدٍ عن عَمرِو بنِ شُعيبٍ «أنَّ رَجلًا مِنْ بَني مُدلِجٍ يُقالَ له قَتادةُ حذَفَ ابنًا له بالسيفِ فأصابَ ساقَهَ فنزَفَ جُرحُه فماتَ، فقَدِمَ سُراقةُ بنُ جُعشُمٍ على عُمرَ بنِ الخطَّابِ فذكَرَ ذلكَ له، فقالَ له عُمرُ: اعدُدْ على ماءِ قُدَيدٍ عِشرينَ ومائةَ بَعيرٍ حتى أَقدمَ عليكَ، فلمَّا قَدِمَ عليهِ عُمرُ أخَذَ مِنْ تِلكَ الإبلِ ثَلاثينَ حِقَّةً وثَلاثينَ جَذعةً وأربَعينَ خَلفةً، ثم قالَ: أينَ أخو المَقتولِ؟ فقالَ: ها أنا ذا، قالَ: خُذْها؛ فإنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «ليسَ لقاتِلٍ شَيءٌ»، فإنَّ مالِكًا حمَلَ هذا الحَديثَ على أنه لم يَكنْ عَمدًا مَحضًا، وأثبَتَ منه شِبهَ العَمدِ فيما بينَ الابنِ والأبِ.
وأما الجُمهورُ فحَمَلوهُ على ظاهِرِه مِنْ أنه عَمدٌ؛ لإجماعِهِم أنَّ مَنْ حذَفَ آخَرَ بسَيفٍ فقتَلَه فهو عَمدٌ.
وأما مالِكٌ فرَأى لِمَا للأبِ مِنْ التسلُّطِ على تَأديبِ ابنِه ومِن المَحبةِ له أنْ حمَلَ القتلَ الذي يَكونُ في أمثالِ هذهِ الأحوالِ على أنه ليسَ بعَمدٍ ولم يتَّهِمْه؛ إذ كانَ ليسَ بقَتلِ غِيلةٍ، فإنما يُحملُ فاعِلُه على أنه قصَدَ القتلَ مِنْ جِهةِ غَلبةِ الظنِّ وقُوةِ التهمةِ؛ إذ كانَت النيَّاتُ لا يطَّلعُ عليها إلا اللهُ تعالَى، فمالِكٌ لم يَتهِمِ الأبَ حيثُ اتهَمَ الأجنبيَّ؛ لقُوةِ المحبَّةِ التي بينَ الأبِ والابنِ.
والجُمهورُ إنما عَلَّلوا درْءَ الحدِّ عن الأبِ لمَكانِ حقِّه على الابنِ.
والذي يَجيءُ على أصولِ أهلِ الظاهِرِ أنْ يُقادَ (١).
стр. 12979
قَتلُ الابنِ إذا قتَلَ والِدَه:
وأما الابنُ إذا قتَلَ أباهُ أو أمَّه فإنه يُقتلُ بإجماعِ أهلِ العِلمِ.
قالَ العَمرانِيُّ ﵀: ويُقتلُ الولدُ بالوالِدِ؛ لأنَّ الوالِدَ أكمَلُ منه .. فقُتلَ به، كما يُقتلُ الكافِرُ بالمُسلمِ، والعَبدُ بالحُرِّ، والمرأةُ بالرَّجلِ، وذلكَ كلُّه إجماعٌ (١).
قالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أكثَرُ العُلماءِ على أنَّ الأبَ لا يُقتلُ بابنِه إذا قتَلَه عَمدًا، ويُقتلُ الابنُ عندَ الجَميعِ بالأبِ إذا قتَلَه عَمدًا (٢).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: ويُقتلُ الوَلدُ بالوالدِ؛ لعُموماتِ القِصاصِ مِنْ غيرِ فَصلٍ، ثم خُصَّ منها الوالِدُ بالنصِّ الخاصِّ، فبَقيَ الولدُ داخِلًا تحتَ العُمومِ، ولأنَّ القصاصَ شُرعَ لتَحقيقِ حِكمةِ الحَياةِ بالزَّجرِ والرَّدعِ، والحاجةُ إلى الزَّجرِ في جانِبِ الوَلدِ لا في جانِبِ الوالدِ؛ لأنَّ الوالدَ يَحبُّ ولَدَه لولَدِه لا لنَفسِه بوُصولِ النفعِ إليه مِنْ جِهتِه، أو يُحبُّه لحَياةِ الذكرِ لِما يَحيَى به ذِكرُه، وفيه أيضًا زِيادةُ شَفقةٍ تَمنعُ الوالدَ عن قتلِه.
فأما الوَلدُ فإنما يُحبُّ والِدَه لا لوالِدِه بل لنَفسِه وهو وُصولُ النفعِ إليه مِنْ جِهتِه، فلَم تَكنْ مَحبتُه وشَفقتُه مانِعةً مِنْ القَتلِ فلَزِمَ المَنعُ بشَرعِ القِصاصِ كما في الأجانبِ.
стр. 12980
ولأنَّ مَحبَّةَ الوَلدِ لوالِدِه لمَّا كانَتْ لمَنافعَ تَصلُّ إليه مِنْ جِهتِه لا لعَينِه، فربَّما يَقتلُ الوالدَ ليَتعجَّلَ الوُصولَ إلى أملاكِه، لا سيَّما إذا كانَ لا يَصلُ النفعُ إليه مِنْ جِهتِه لعَوارضَ، ومثلُ هذا يَندرُ في جانبِ الأبِ (١).
كَيفيةُ القِصاصِ في النَّفسِ: (قَتلُ القاتِلِ بما قتَلَ به):
اختَلفَ الفُقهاءُ في كَيفيةِ القِصاصِ مِنْ القاتِلِ، هل يُقتَصُّ منه بمِثلِ ما قتَلَ به القتيلَ، فإذا قتَلَه حَرقًا فإنه يُحرقُ بالنارِ، وإذا قتَلَه غَرقًا فإنه يُغرقُ بالماءِ مَثلًا؟ أم لا قِصاصَ إلا بالسَّيفِ؟
بعدَ اتِّفاقِهم جَميعًا على أنَّ أهلَ القَتيلِ إذا قَتَلوهُ بالسَّيفِ جازَ، وأيضًا اتَّفقُوا على أنه إذا قتَلَه بالسَّيفِ لا يَجوزُ قَتلُه إلا بالسَّيفِ، لكنَّ الخِلافَ هل إذا قتَلَه بغيرِ السَّيفِ يُقتلُ بمِثلِ ما قتَلَه؟ أم لا بُدَّ مِنْ السَّيفِ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا قِصاصَ إلا بالسَّيفِ، سَواءٌ قتَلَه به أو بغَيرِه مِنْ المُحدَّدِ أو النارِ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «لا قَوَدَ إلا بالسَّيفِ» (٢)، وهذا تَنصيصٌ على نفيِ وُجوبِ القَودِ واستيفاءِ القَودِ بغيرِ السَّيفِ، والمُرادُ بالسَّيفِ السلاحُ؛ وذلكَ لأنَّ المُرادَ مِنْ السِّلاحِ في الاستِيفاءِ الحَديدُ المُحدَّدُ كالخِنجرِ والسكِّينِ، وإنما كَنَّى بالسَّيفِ عن السِّلاحِ لأنَّ المُعَدَّ للقِتالِ على الخُصوصِ مِنْ بينِ الأسلِحةِ السَّيفُ؛. فإنه لا يُرادُ به لشَيءٍ آخَرَ سِوى القِتالِ، وقد يُرادُ بسائرِ الأسلِحةِ مَنافعُ سِواهُ،
стр. 12981
وهو معنَى قولِه ﷺ : «بُعثْتُ بالسَّيفِ بينَ يَدَيِ الساعةِ»، يعنِي السلاحَ الذي هو آلةُ القِتالِ.
ولأنَّ استِحقاقَ القَتلِ يَمنعُ مِنْ استِيفائِه بغَيرِ السَّيفِ كالمُرتدِّ وكالقاتِلِ بالسَّيفِ، ولأنَّ تَفويتَ النُّفوسِ المُباحةِ لا يَجوزُ إلا بالمُحدَّدِ كالذَّبائحِ، مع أنَّ نُفوسَ الآدميِّينَ أغلَظُ حُرمةً مِنْ نُفوسِ البَهائمِ.
ولأنَّ القِصاصَ أحَدُ بَدَلي النَّفسِ فدخَلَ الطَّرفُ في حُكمِ الجُملةِ كالدِّيةِ؛ فإنه لو صارَ الأمرُ إلى الدِّيةِ لم تَجبْ إلا دِيةُ النفسِ، ولأنَّ القَصدَ مِنْ القِصاصِ في النَّفسِ تَعطيلُ الكلِّ وإتلافُ الجُملةِ، وقد أمكَنَ هذا بضَربِ العُنقِ، فلا يَجوزُ تَعدِيتُه بإتلافِ أطرافِه، كما لو قتَلَه بسَيفٍ كالٍّ فإنه لا يُقتلُ بمِثلِه.
وإنْ أرادَ الوَليُّ أنْ يَقتلَ بغيرِ السَّيفِ لا يُمكَّنُ، ولو فعَلَ يُعزَّرُ، لكنْ لا ضَمانَ عليهِ، ويَصيرُ مُستوفِيًا بأيِّ طَريقٍ قتَلَه، سواءٌ قتَلَه بالعَصا أو بالحَجرِ أو ألقاهُ مِنْ السَّطحِ أو ألقاهُ في البئرِ أو ساقَ عليهِ دابَّةً حتى ماتَ ونحوَ ذلكَ؛ لأنَّ القتلَ حقُّه، فإذا قتَلَه فقدِ استَوفَى حقَّه بأيٍّ طَريقٍ كانَ، إلا أنه يَأثمُ بالاستِيفاءِ لا بطَريقٍ مَشروعٍ؛ لمُجاوَزتِه حَدَّ الشَّرعِ.
وله أنْ يَقتلَ بنَفسِه وبنائبِه بأنْ يَأمرَ غيرَه بالقَتلِ؛ لأنَّ كلَّ أحَدٍ لا يَقدرُ على الاستِيفاءِ بنَفسِه إما لضَعفِ بَدنِه أو لضَعفِ قَلبِه أو لقلَّةِ هِدايتِه إليه، فيَحتاجُ إلى الإنابةِ، إلا أنه لا بُدَّ مِنْ حُضورِه عندَ الاستِيفاءِ (١).
стр. 12982
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ اختَارَها شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ إلى أنه يُقتلُ كلُّ قاتلٍ بما قتَلَ به، فمَن قتَلَ غيرَه بالتَّحريقِ حُرِّقَ بالنارِ حتى يَموتَ، ومَن قتَلَ غيرَه بسُمٍّ قُتِلَ به، ومَن قتَلَ غيرَه بضَربٍ بحَجرٍ قُتلَ بما ما قتَلَ به.
واستَدلُّوا على ذلكَ بالكِتابِ والسُّنةِ.
أمَّا الكِتابُ: فقَولُه تعالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقولُه تعالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقولُه تعالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].
وأمَّا السُّنةُ: منها ما رَواهُ البَراءُ بنُ عازبٍ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «مَنْ حرَّقَ حَرَّقناهُ، ومَن غرَّقَ غرَّقْناهُ» (١)، ولأنَّ القِصاصَ مُشعِرٌ بالمُماثَلةِ، فيَجبُ أنْ يُعملَ بمُقتضاهُ.
ورَوى أنسٌ ﵁ «أنَّ يَهوديًّا قتَلَ جارِيةً على أوضاحٍ لها فقتَلَها بحَجرٍ، فجِيءَ بها إلى النبيِّ ﷺ وبها رمَقٌ، فقالَ أقَتلَكِ فُلانٌ؟ فأشارَتْ برَأسِها أنْ لا، ثمَّ قالَ الثانِيةَ، فأشارَتْ برَأسِها أنْ لا، ثمَّ سَألَها
стр. 12983
الثالِثةَ فأشارَتْ برَأسِها أنْ نَعمْ، فقتَلَه النبيُّ ﷺ بحَجَرَينِ» (١).
ولأنَّ كلَّ آلةٍ قتَلَ مثلُها جازَ استِيفاءُ القِصاصِ بمِثلِها كالسيفِ، ولأنَّ القِصاصَ مَوضوعٌ للمُماثَلةِ، وهي مُعتبَرةٌ في النَّفسِ، فكانَ أَولى أنْ تُعتبَرَ في آلةِ القَتلِ، ولأنَّ القتلَ مُستحَقٌّ للهِ تعالَى تارةً وللآدميِّينَ تارةً، فلمَّا تَنوَّعَ في حَقِّ اللهِ تعالَى نَوعينِ بالحَديدِ تارةً وبالمُثقَّلِ في رَجمِ الزاني المَحصَنِ، وجَبَ أنْ يَتنوَّعَ في حُقوقِ الآدميِّينَ نَوعينِ بمُثقَّلٍ وغيرِ مُثقَّلٍ.
وتَحريرُه قِياسًا: أنه أحَدُ القَتلينِ، فوجَبَ أنْ يَتنوعَ استِيفاء نَوعينِ كالقتلِ في حُقوقِ اللهِ تعالى.
فأما الجَوابُ عن قَولِه ﷺ : «لا قوَدَ إلا بالسَّيفِ» إنْ صَحَّ فمَحمولٌ على القَتلِ إذا كانَ بسَيفٍ أو حَديدةٍ.
ونَصَّ المالِكيةُ والشافِعيةُ -والحَنابلةُ هُنا- على أنه يُقتلُ بكُلِّ ما قتَلَ به، إلا بثَلاثةِ أشياءَ: أنْ يَقتلَ بالسِّحرِ، أو باللِّواطِ، أو بسَقيِ الخَمرِ، فلا يُقتلُ بالسِّحرِ وإنْ قتَلَ، ولا يُقتلُ باللِّواطِ وإنْ لاطَ به، ولا يُقتلُ بسَقيِ الخَمرِ وإنْ سَقاهُ، ويُعدَلُ إلى قَتلِه بالسيفِ؛ لأنَّ ذلكَ مُحرَّمٌ لعَينِه، فسقَطَ وبَقيَ القَتلُ (٢).
стр. 12984
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: قالَ كَثيرٌ مِنْ الفُقهاءِ: إذا قتَلَه بتَحريقٍ أو تَغريقٍ أو خَنقٍ أو نحوِ ذلكَ فإنه يُفعلُ به كما فعَلَ ما لم يَكنِ الفِعلُ مُحرَّمًا في نَفسِه كتَجريعِ الخَمرِ واللِّواطِ به، ومنهُم مَنْ قالَ: «لا قوَدَ عليهِ إلا بالسَّيفِ»، والأولُ أشبَهُ بالكِتابِ والسُّنةِ والعَدلِ (١).
وقالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: ومِن ذلكَ المُماثَلةُ في القِصاصِ في الجِناياتِ الثلاثِ: على النُّفوسِ والأموالِ والأعراضِ، فهذهِ ثلاثُ مَسائلَ:
الأُولى: هل يُفعلُ بالجاني كما يُفعلُ بالمَجنيِّ عليهِ؟ فإنْ كانَ الفِعلُ مُحرَّمًا لحَقِّ اللهِ كاللِّواطِ وتَجريعِه الخمرَ لم يُفعلْ به كما فعَلَ اتِّفاقاً.
وإنْ كانَ غيرَ ذلكَ كتَحريقِه بالنارِ وإلقائِه في الماءِ ورَضِّ رأسِه بالحَجرِ ومَنعِه مِنْ الطَّعامِ والشَّرابِ حتى يَموتَ فمالكٌ والشافِعيُّ وأحمَدُ في إحدَى الرِّواياتِ عَنهُ يَفعلونَ به كما فعَلَ، ولا فرْقَ بينَ الجُرحِ المُزهِقِ وغَيرِه.
وأبو حَنيفةَ وأحمَدُ في رِوايةٍ عنه يَقولانِ: لا يُقتلُ إلا بالسَّيفِ في العُنقِ خاصَّةً.
وأحمَدُ في رِوايةٍ ثالثةٍ يَقولُ: إنْ كانَ الجُرحُ مُزهِقًا فُعلَ به كما فعَلَ، وإلا قُتلَ بالسيفِ.
وفي رِوايةٍ رابعةٍ يقولُ: إنْ كانَ مُزهِقًا أو مُوجِبًا للقَودِ بنَفسِه لو انفرَدَ فُعلَ به كما فعَلَ، وإنْ كانَ غيرَ ذلكَ قُتلَ بالسيفِ.
стр. 12985
والكِتابُ والمِيزانُ مع القَولِ الأولِ، وبه جاءَتِ السُّنةُ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ «رَضَّ رأسَ اليَهوديِّ بينَ حَجَرينِ كما فعَلَ بالجارِيةِ»، وليسَ هذا قَتلًا لنَقضِه العَهدَ؛ لأنَّ ناقِضَ العَهدِ إنما يُقتلُ بالسَّيفِ في العُنقِ، وفي أثرٍ مَرفوعٍ: «مَنْ حرَّقَ حَرَّقناهُ، ومَن غرَّقَ غَرَّقناهُ»، وحديثُ: «لا قوَدَ إلا بالسَّيفِ» قالَ الإمامُ أحمَدُ: ليسَ إسنادُه بجَيدٍ، والثابتُ عن الصَّحابةِ أنه يُفعلُ به كما فعَلَ، فقدِ اتَّفقَ على ذلكَ الكِتابُ والسُّنةُ والقِياسُ وآثارُ الصَّحابةِ، واسمُ القِصاصِ يَقتضيهِ؛ لأنه يَستلزمُ المُماثَلةَ (١).
стр. 12986
القِسمُ الثاني مِنْ أقسامِ القَتلِ: القَتلُ الخَطأُ المحضُ:
تَعريفُ قَتلِ الخَطأِ:
هُنا جُزءٌ مُجمَعٌ عليهِ بينَ الفُقهاءِ أنه قَتلُ خَطأٍ، قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ القتلَ الخَطأَ أنْ يُريدَ يَرمي الشيءَ فيُصيبُ غيرَه (١).
إلا أنَّ للفُقهاءِ تَعريفاتٍ وتَقسيماتٍ لقَتلِ الخَطأِ:
قالَ الحَنفيةُ: الخَطأُ على وَجهينِ:
الأولُ: خَطأٌ في القَصدِ: وهو أنْ يَرميَ شَخصًا يَظنُّه صَيدًا فإذا هو آدَميٌّ، أو ظَنَّه حَربيًّا فإذا هو مُسلمٌ، أو رَمَى إلى حَربيٍّ أسلَمَ وهو لا يَعلمُ، أو رَمَى إلى رَجلٍ فأصابَ غيرَه، فهذا كلُّه خَطأٌ في القَصدِ.
وأمَّا إذا قصَدَ عُضوًا مِنْ شَخصٍ فأصابَ عُضوًا آخَرَ مِنْ ذلكَ الشَّخصِ فهو عَمدٌ يَجبُ به القِصاصُ.
والثَّاني: خَطأٌ في الفِعلِ: وهو أنْ يَرميَ غَرضًا فيُصيبَ آدَميًّا؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنْ القِسمَينِ خَطأٌ، إلا أنَّ أحَدَهما في الفِعلِ والآخَرَ في القَصدِ (٢).
وقالَ المالِكيةُ: الخَطأُ على ضَربينِ:
الأولُ: أنْ لا يَقصدَ ضرْبَه: كرَميهِ شَيئًا أو حَربيًّا فيُصيبُ مُسلِمًا، فهذا خطأٌ بإجماعٍ فيه الديةُ والكفَّارةُ.
стр. 12987
الثاني: أنْ يَقصدَ الضَّربَ على وَجهِ اللعبِ فهو خَطأٌ، ومِثلُه إذا قصَدَ به الأدَبَ الجائزَ بأنْ كانَ بآلةٍ يُؤَدبُ بها، وأمَّا إنْ كانَ الضَّربُ للتَّأديبِ والغَضبِ فالمَشهورُ أنه عَمدٌ يُقتصُّ منه، إلا في الأب ونَحوِه فلا قِصاصَ، بل فيه دِيةٌ مُغلَّظةٌ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: الخَطأُ: هو فقدُ قَصدِهِما أو فقدُ قَصدِ أحَدِهما -أي: الفِعل أو الشَّخص- بأنْ وقَعَ عليهِ فماتَ، أو رَمَى شَجرةً أو دابَّةً فأصابَه فماتَ، أو رَمَى آدَميًّا فأصابَ غيرَه فماتَ فخَطأٌ؛ لعَدمِ قَصدِ عَينِ الشَّخصِ (٢).
وقالَ الحَنابلةُ: الخَطأُ ضَربانِ:
ضَربٌ في الفِعلِ: كرَميِ صَيدٍ أو غَرضٍ أو شَخصٍ ولو مَعصومًا أو بَهيمةٍ ولو مُحترمةً فيُصيبُ آدَميًّا مَعصومًا لم يَقصدْه، فهو خَطأٌ.
وقيلَ: إذا رَمَى مَعصومًا أو بهيمَةً مُحترمةً فأصابَ آدَميًّا مَعصومًا لم يَقصدْه فهو عَمدٌ، قالَ في «الإنصَاف»: وهو مَنصوصُ الإمامِ أحمَدَ، قالَه القاضِي في رِوايتَيهِ، وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرقيِّ. اه، وهو مَفهومُ «المُنتهَى».
أو يَنقلبَ عليهِ نائمٌ ونَحوُه كمَغمًى عليهِ، فعَليهِ الكفَّارةُ والديةُ على العاقِلةِ.
стр. 12988
الضَّربُ الثاني: وهو نَوعانِ:
أحَدُهما: أنْ يَرميَ ما يَظنُّه صَيدًا أو هَدفًا فيَصيبَ آدَميًّا لم يَقصدْه أو مُباحَ الدمِ.
الثاني: إنْ قتَلَ في دارِ الحَربِ مَنْ يَظنُّه حَربيًّا فيَتبيَّنَ مُسلمًا، أو يَرميَ إلى صَفِّ الكفَّارِ فيُصيبَ مُسلمًا لم يَقصدْه، أو يَتترسَ الكفَّارُ بمُسلمٍ ويَخافُ على المَسلمينِ إنْ لم يَرْمِهم فيَرميهم فيَقتلُ المُسلمَ، فهذا فيهِ الكفَّارةُ بلا دِيةٍ، قالَ الشَّيخُ: هذا في المُسلمِ الذي هو بينَ الكفَّارِ مَعذورٌ كالأسيرِ والمُسلمِ الذي لا يُمكِنُه الهِجرةُ والخُروجُ مِنْ صفِّهِم، فأما الذي يَقفُ في صَفِّ قِتالِهم باختيارِه فلا يُضمَنُ بحالٍ؛ لأنه الذي عرَّضَ نفْسَه للتلَفِ بلا عُذرٍ.
وإنْ قتَلَ بسَببٍ كالذي يَحفرُ بِئرًا أو يَنصبُ حَجرًا أو سِكينًا ونحوَه تَعدِّيًا ولم يَقصدْ جِنايةً فيَؤولُ إلى إتلافِ الإنسانِ فسَبيلُه سَبيلُ الخَطأِ؛ لأنه يُشاركُ الخطَأَ في الإتلافِ (١).
الواجِبُ على مَنْ قتَلَ غيرَه خَطأً أو شِبهَ عَمدٍ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ قتَلَ غيرَه بالخَطأِ على الصِّفةِ المُتقدِّمةِ أنه يَجبُ عليهِ أمرَانِ: الكفَّارةُ وتَكونُ في مالِه، والديةُ وتَكونُ على العاقِلةِ.
стр. 12989
أولًا: الكفَّارةُ في الخَطأِ وشِبهِ العَمدِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ مَنْ قتَلَ غيرَه خَطأً أو شِبهَ عَمدٍ فعليهِ الكفَّارةُ، وهي عِتقُ رَقبةٍ، فإنْ لم يَجدْ فصِيامُ شَهرينِ مَتتابعَينِ، ولا مَدخلَ للإطعامِ فيها عندَ الجُمهورِ إلا قَولًا للشافِعيةِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾ [النساء: ٩٢].
قالَ الإمامُ أبو جَعفرٍ الطحَاويُّ ﵀: قد اتَّفقُوا على وُجوبِ الكفَّارةِ على قاتلِ العَبدِ خَطأً (١).
وقالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: قد اتَّفقُوا على وُجوبِ الكفَّارةِ على قاتلِ العَبدِ المُؤمنِ خَطأً (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعَ أهلُ العِلمِ عَلى أنَّ عَلى القاتلِ خَطأً رَقبةٌ مُؤمِنةٌ وديَةٌ مُسلَّمةٌ إلى أهلِه (٣).
стр. 12990
وقالَ أيضًا: وأجمَعُوا على أنَّ على القاتِلِ خَطأً الكفَّارةُ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ على القاتلِ خَطأً كفَّارةٌ، سَواءٌ كانَ المقتولُ ذَكرًا أو أنثَى، وتَجبُ في قتلِ الصغيرِ والكبيرِ، سَواءٌ باشَرَه بالقتلِ أو تَسبَّبَ إلى قتلِه بسَببٍ يَضمنُ به النفسَ كحَفرِ البئرِ ونَصبِ السكِّينِ وشَهادةِ الزُّورِ، وبهذا قالَ مالكٌ والشافِعيُّ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: لا تَجبُ بالتسبُّبِ؛ لأنه ليسَ بقَتلٍ، ولأنه ضَمِنَ بدَلَه بغيرِ مُباشرةٍ للقتلِ، فلَم تَلزمْه الكفَّارةُ كالعاقِلةِ.
ولنا: إنه كالمُباشرةِ في الضَّمانِ، فكانَ كالمُباشرةِ في الكفارةِ.
ولأنه سَببٌ لإتلافِ الآدَميِّ يَتعلقُ به ضَمانُه، فتَعلَّقتْ به الكفارةُ كما لو كانَ راكِبًا فأوطَأَ دابَّتَه إنسانًا.
وقياسُهُم يَنتقضُ بالأبِ إذا أكرَهَ إنسانًا على قَتلِ ابنِه؛ فإنَّ الكفَّارةَ تَجبُ عليهِ مِنْ غيرِ مُباشرةٍ، وفارَقَ العاقِلةَ؛ فإنها تَتحملُ عن غيرِها ولم يَصدرْ منها قَتلٌ ولا تَسببٌ إليه.
وقولُهم: «ليسَ بقَتلٍ» مَمنوعٌ، قالَ القاضي: ويَلزمُ الشُّهودَ الكفَّارةُ، سواءٌ قالوا: «أخطَأْنا، أو تَعمَّدْنا»، وهذا يَدلُّ على أنَّ القتلَ بالسَّببِ تَجبُ به الكفَّارةُ بكلِّ حالٍ، ولا يُعتبَرُ فيه الخَطأُ والعَمدُ؛ لأنه إنْ قصَدَ به القتلَ فهو جارٍ مَجرَى الخَطأِ في أنه لا يَجبُ به القِصاصُ (٢).