القِسمُ الثاني مِنْ أقسامِ القَتلِ: القَتلُ الخَطأُ المحضُ:
تَعريفُ قَتلِ الخَطأِ:
هُنا جُزءٌ مُجمَعٌ عليهِ بينَ الفُقهاءِ أنه قَتلُ خَطأٍ، قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ القتلَ الخَطأَ أنْ يُريدَ يَرمي الشيءَ فيُصيبُ غيرَه (١).
إلا أنَّ للفُقهاءِ تَعريفاتٍ وتَقسيماتٍ لقَتلِ الخَطأِ:
قالَ الحَنفيةُ: الخَطأُ على وَجهينِ:
الأولُ: خَطأٌ في القَصدِ: وهو أنْ يَرميَ شَخصًا يَظنُّه صَيدًا فإذا هو آدَميٌّ، أو ظَنَّه حَربيًّا فإذا هو مُسلمٌ، أو رَمَى إلى حَربيٍّ أسلَمَ وهو لا يَعلمُ، أو رَمَى إلى رَجلٍ فأصابَ غيرَه، فهذا كلُّه خَطأٌ في القَصدِ.
وأمَّا إذا قصَدَ عُضوًا مِنْ شَخصٍ فأصابَ عُضوًا آخَرَ مِنْ ذلكَ الشَّخصِ فهو عَمدٌ يَجبُ به القِصاصُ.
والثَّاني: خَطأٌ في الفِعلِ: وهو أنْ يَرميَ غَرضًا فيُصيبَ آدَميًّا؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنْ القِسمَينِ خَطأٌ، إلا أنَّ أحَدَهما في الفِعلِ والآخَرَ في القَصدِ (٢).
وقالَ المالِكيةُ: الخَطأُ على ضَربينِ:
الأولُ: أنْ لا يَقصدَ ضرْبَه: كرَميهِ شَيئًا أو حَربيًّا فيُصيبُ مُسلِمًا، فهذا خطأٌ بإجماعٍ فيه الديةُ والكفَّارةُ.
стр. 12987
الثاني: أنْ يَقصدَ الضَّربَ على وَجهِ اللعبِ فهو خَطأٌ، ومِثلُه إذا قصَدَ به الأدَبَ الجائزَ بأنْ كانَ بآلةٍ يُؤَدبُ بها، وأمَّا إنْ كانَ الضَّربُ للتَّأديبِ والغَضبِ فالمَشهورُ أنه عَمدٌ يُقتصُّ منه، إلا في الأب ونَحوِه فلا قِصاصَ، بل فيه دِيةٌ مُغلَّظةٌ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: الخَطأُ: هو فقدُ قَصدِهِما أو فقدُ قَصدِ أحَدِهما -أي: الفِعل أو الشَّخص- بأنْ وقَعَ عليهِ فماتَ، أو رَمَى شَجرةً أو دابَّةً فأصابَه فماتَ، أو رَمَى آدَميًّا فأصابَ غيرَه فماتَ فخَطأٌ؛ لعَدمِ قَصدِ عَينِ الشَّخصِ (٢).
وقالَ الحَنابلةُ: الخَطأُ ضَربانِ:
ضَربٌ في الفِعلِ: كرَميِ صَيدٍ أو غَرضٍ أو شَخصٍ ولو مَعصومًا أو بَهيمةٍ ولو مُحترمةً فيُصيبُ آدَميًّا مَعصومًا لم يَقصدْه، فهو خَطأٌ.
وقيلَ: إذا رَمَى مَعصومًا أو بهيمَةً مُحترمةً فأصابَ آدَميًّا مَعصومًا لم يَقصدْه فهو عَمدٌ، قالَ في «الإنصَاف»: وهو مَنصوصُ الإمامِ أحمَدَ، قالَه القاضِي في رِوايتَيهِ، وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرقيِّ. اه، وهو مَفهومُ «المُنتهَى».
أو يَنقلبَ عليهِ نائمٌ ونَحوُه كمَغمًى عليهِ، فعَليهِ الكفَّارةُ والديةُ على العاقِلةِ.
стр. 12988
الضَّربُ الثاني: وهو نَوعانِ:
أحَدُهما: أنْ يَرميَ ما يَظنُّه صَيدًا أو هَدفًا فيَصيبَ آدَميًّا لم يَقصدْه أو مُباحَ الدمِ.
الثاني: إنْ قتَلَ في دارِ الحَربِ مَنْ يَظنُّه حَربيًّا فيَتبيَّنَ مُسلمًا، أو يَرميَ إلى صَفِّ الكفَّارِ فيُصيبَ مُسلمًا لم يَقصدْه، أو يَتترسَ الكفَّارُ بمُسلمٍ ويَخافُ على المَسلمينِ إنْ لم يَرْمِهم فيَرميهم فيَقتلُ المُسلمَ، فهذا فيهِ الكفَّارةُ بلا دِيةٍ، قالَ الشَّيخُ: هذا في المُسلمِ الذي هو بينَ الكفَّارِ مَعذورٌ كالأسيرِ والمُسلمِ الذي لا يُمكِنُه الهِجرةُ والخُروجُ مِنْ صفِّهِم، فأما الذي يَقفُ في صَفِّ قِتالِهم باختيارِه فلا يُضمَنُ بحالٍ؛ لأنه الذي عرَّضَ نفْسَه للتلَفِ بلا عُذرٍ.
وإنْ قتَلَ بسَببٍ كالذي يَحفرُ بِئرًا أو يَنصبُ حَجرًا أو سِكينًا ونحوَه تَعدِّيًا ولم يَقصدْ جِنايةً فيَؤولُ إلى إتلافِ الإنسانِ فسَبيلُه سَبيلُ الخَطأِ؛ لأنه يُشاركُ الخطَأَ في الإتلافِ (١).
الواجِبُ على مَنْ قتَلَ غيرَه خَطأً أو شِبهَ عَمدٍ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ قتَلَ غيرَه بالخَطأِ على الصِّفةِ المُتقدِّمةِ أنه يَجبُ عليهِ أمرَانِ: الكفَّارةُ وتَكونُ في مالِه، والديةُ وتَكونُ على العاقِلةِ.
стр. 12989
أولًا: الكفَّارةُ في الخَطأِ وشِبهِ العَمدِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ مَنْ قتَلَ غيرَه خَطأً أو شِبهَ عَمدٍ فعليهِ الكفَّارةُ، وهي عِتقُ رَقبةٍ، فإنْ لم يَجدْ فصِيامُ شَهرينِ مَتتابعَينِ، ولا مَدخلَ للإطعامِ فيها عندَ الجُمهورِ إلا قَولًا للشافِعيةِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾ [النساء: ٩٢].
قالَ الإمامُ أبو جَعفرٍ الطحَاويُّ ﵀: قد اتَّفقُوا على وُجوبِ الكفَّارةِ على قاتلِ العَبدِ خَطأً (١).
وقالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: قد اتَّفقُوا على وُجوبِ الكفَّارةِ على قاتلِ العَبدِ المُؤمنِ خَطأً (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعَ أهلُ العِلمِ عَلى أنَّ عَلى القاتلِ خَطأً رَقبةٌ مُؤمِنةٌ وديَةٌ مُسلَّمةٌ إلى أهلِه (٣).
стр. 12990
وقالَ أيضًا: وأجمَعُوا على أنَّ على القاتِلِ خَطأً الكفَّارةُ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ على القاتلِ خَطأً كفَّارةٌ، سَواءٌ كانَ المقتولُ ذَكرًا أو أنثَى، وتَجبُ في قتلِ الصغيرِ والكبيرِ، سَواءٌ باشَرَه بالقتلِ أو تَسبَّبَ إلى قتلِه بسَببٍ يَضمنُ به النفسَ كحَفرِ البئرِ ونَصبِ السكِّينِ وشَهادةِ الزُّورِ، وبهذا قالَ مالكٌ والشافِعيُّ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: لا تَجبُ بالتسبُّبِ؛ لأنه ليسَ بقَتلٍ، ولأنه ضَمِنَ بدَلَه بغيرِ مُباشرةٍ للقتلِ، فلَم تَلزمْه الكفَّارةُ كالعاقِلةِ.
ولنا: إنه كالمُباشرةِ في الضَّمانِ، فكانَ كالمُباشرةِ في الكفارةِ.
ولأنه سَببٌ لإتلافِ الآدَميِّ يَتعلقُ به ضَمانُه، فتَعلَّقتْ به الكفارةُ كما لو كانَ راكِبًا فأوطَأَ دابَّتَه إنسانًا.
وقياسُهُم يَنتقضُ بالأبِ إذا أكرَهَ إنسانًا على قَتلِ ابنِه؛ فإنَّ الكفَّارةَ تَجبُ عليهِ مِنْ غيرِ مُباشرةٍ، وفارَقَ العاقِلةَ؛ فإنها تَتحملُ عن غيرِها ولم يَصدرْ منها قَتلٌ ولا تَسببٌ إليه.
وقولُهم: «ليسَ بقَتلٍ» مَمنوعٌ، قالَ القاضي: ويَلزمُ الشُّهودَ الكفَّارةُ، سواءٌ قالوا: «أخطَأْنا، أو تَعمَّدْنا»، وهذا يَدلُّ على أنَّ القتلَ بالسَّببِ تَجبُ به الكفَّارةُ بكلِّ حالٍ، ولا يُعتبَرُ فيه الخَطأُ والعَمدُ؛ لأنه إنْ قصَدَ به القتلَ فهو جارٍ مَجرَى الخَطأِ في أنه لا يَجبُ به القِصاصُ (٢).
стр. 12991
ثانيًا: الديَةُ تكونُ على عاقِلتِه:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ في قتلِ الخَطأِ وشِبهِ العَمدِ الدِّيةُ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]، وتكونُ الدِّيةُ على العاقِلةِ، واستَدلُّوا على ذلكَ بالسُّنةِ والإجماعِ.
أما السُّنةُ: فعنِ المُغيرةِ بنِ شُعبةَ «أنَّ امرَأةً قتَلَتْ ضرَّتَها بعَمودِ فُسطاطٍ فأُتِيَ فيه رَسولُ اللهِ ﷺ فقَضَى على عاقِلتِها بالدِّيةِ، وكانَتْ حامِلًا فقَضَى في الجنِينِ بغُرَّةٍ، فقالَ بَعضُ عَصَبتِها: أنَدِي مَنْ لا طَعِمَ ولا شَرِبَ ولا صاحَ فاستَهلَّ، ومِثلُ ذلكَ يُطلُّ؟! قالَ: فقالَ: سَجعٌ كسَجعِ الأعرابِ» (١).
وفي سُننِ ابنِ ماجَه عن المُغيرةِ بنِ شُعبةَ ﵁ قالَ: «قَضَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ بالدِّيةِ على العاقِلةِ» (٢).
ولقَولِه ﷺ : «ألَا إنَّ دِيةَ الخَطأِ شِبهِ العَمدِ ما كانَ بالسَّوطِ والعَصا مِائةٌ مِنْ الإبِلِ، منها أربَعونَ في بُطونِها أولادُها» (٣).
وحَديثُ أبي هُريرةَ ﵁: «اقتَتلَتِ امرَأتانِ مِنْ هُذيلٍ، فرَمَتْ إحداهُما الأُخرى بحَجرٍ، فقتَلَتْها وما في بَطنِها، فقَضَى النبيُّ ﷺ أنَّ دِيةَ جَنينها عَبدٌ أو وَليدةٌ، وقَضَى بدِيةِ المَرأةِ على عاقلتِها» (٤).
و «لأنه ﷺ لمَّا سُئلَ عن المَرأةِ التي ضرَبَتْ ضرَّتَها بعَمودِ فُسطاطٍ فقتَلَتْها وجَنينَها، فقضَى في الجَنينِ بغُرةٍ، وقَضَى بالديَةِ على عاقِلتِها» (٥).
стр. 12992
ولأنَّ كلَّ دِيةٍ تَجبُ بالقَتلِ مِنْ غيرِ صُلحٍ ولا عَفوٍ لبَعضٍ فإنها تَجبُ على العاقلةِ.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ ديَةَ الخَطأِ على العاقِلةِ (١).
واتَّفقَ فُقهاءُ الأمصارِ أنَّ ديَةَ الخطَأِ تكونُ مُؤجَّلةً في ثلاثِ سَنواتٍ، وسَيأتي بيانُ ذلكَ في كتابِ الدِّياتِ بالتَّفصيلِ.
حِرمانُ القاتلِ الخَطأِ وشِبهِ العَمدِ مِنْ الميراثِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ قاتلَ الخَطأِ وشِبهِ العَمدِ لا يَرثُ مِنْ الديةِ شيئًا، واختَلفُوا هل يَرثُ مِنْ مالِ المَقتولِ أم لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ إلى أنه يَرثُ مِنْ مالِه ولا يَرثُ مِنْ دِيتِه شَيئًا، وحُكيَ ذلكَ عن عطاءِ بنِ أبي رَباحٍ وابنِ المُسيبِ ومُجاهدٍ والزُّهريِّ، وبه قالَ الأوزاعيُّ وسَعيدُ بنُ عبدِ العزيزِ وإسحاقُ بنُ راهَويهِ وأبو ثَورٍ، واحتَجَّ أبو ثَورٍ بأنه إنما وَرثَه مِنْ سائرِ المالِ بالكِتابِ؛ لأنَّ اللهَ جَلَّ ذِكرُه سمَّى المَواريثَ لأهلِها ولم يَذكرْ قاتِلًا، فلمَّا اختَلفُوا في القَتلِ خَطأً كانَ له
стр. 12993
المِيراثُ بالكِتابِ؛ لأنَّا لا نَدعُ ظاهِرَ الكِتابِ أبَدًا إلا بكتابٍ أو سُنةٍ أو إجماعٍ يَدلُّ على إخراجِ شيءٍ مِنْ جُملتِه، فإذا لم يَكنْ شَيءٌ مِنْ ذلكَ كانَ الكتابُ على ظاهِرِه.
ولأنَّ منْعَ القاتلِ مِنْ المِيراثِ عُقوبةٌ، والخاطِئُ لا عُقوبةَ عليهِ كما لا قوَدَ عليهِ (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَرثُ القاتِلُ عَمدًا ولا خَطأً شَيئًا مِنْ مالِه؛ لعُمومِ قولِ النبيِّ ﷺ : «القاتِلُ لا يَرثُ» (٢)، وهذا عامٌّ في كلِّ قاتلٍ.
وعن عَمرِو بنِ شُعيبٍ أنَّ أبا قَتادةَ -رَجلٌ مِنْ بَني مُدلِجٍ- قتَلَ ابنَه فأخَذَ منه عُمرُ مِائةً مِنْ الإبلِ ثَلاثينَ حِقَّةً وثَلاثينَ جَذعةً وأربَعينَ خَلفةً، فقالَ: أين أخو المَقتولِ؟ سَمعتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ يَقولُ: «ليسَ لقاتِلٍ ميراثٌ».
وفي رِوايةٍ: «لولا أني سَمعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «ليسَ لقاتلٍ شَيءٌ» لوَرَّثتُكَ، قالَ: ودَعَا أخَا المَقتولِ فأعطاهُ الإبلَ» (٣).
وفي لَفظِ أبي داودَ: «ليسَ للقاتِلِ شَيءٌ، وإنْ لم يَكنْ له وارِثٌ فوارِثُه أقرَبُ الناسِ إليهِ، ولا يَرِثُ القاتلُ» (٤).
القِسمُ الثالِثُ مِنْ أنوعِ القَتلِ: القَتلُ شِبهُ العَمدِ:
تَعريفُ شِبهِ العَمدِ:
شِبهُ العَمدِ يُسمَّى أيضًا عمْدَ الخَطأِ وخطَأَ العَمدِ؛ لاجتماعِ العَمدِ والخَطأِ فيه؛ لأنه عمَدَ الفِعلَ وأخطَأَ في القَتلِ.
وقد عرَّفَ الفُقهاءُ شِبهَ العَمدِ بتَعريفاتٍ:
فشِبهُ العَمدِ عندَ الإمامِ أبي حَنيفةَ ﵀ هو: أنْ يَتعمَّدَ ضرْبَه بما ليسَ بسِلاحٍ ولا ما أُجريَ مَجرَى السِّلاحِ، بل يَضربُه بشَيءٍ الغالبُ منه الهَلاكُ كمِدقَّةِ القصَّارِينَ والحَجرِ الكَبيرِ والعَصا الكَبيرةِ ونحوِ ذلكَ، فإذا قتَلَه بذلكَ فهو شِبهُ العَمدِ، وكذا إذا ضرَبَه بعَصًا صغيرةٍ أو لطَمَه عَمدًا فماتَ أو ضرَبَه بسَوطٍ فماتَ فهو شِبهُ عَمدٍ.
وسُمِّيَ هذا القَتلُ بشِبهِ العَمدِ -أي خَطَأ يُشبِهُ العمدَ-؛ لِما فيه مِنْ مَعنى العَمدِ بالنظرِ إلى قَصدِ الفاعِلِ إلى الضربِ، ومَعنى الخَطأِ بالنظرِ إلى انعِدامِ قَصدِ القتلِ، فشِبهُ العَمدِ أنْ يَتعمَّدَ القتلَ بكُلِّ آلةٍ لم تُوضعْ للقَتلِ (١).
وشِبهُ العَمدِ عندَ الإمامِ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ والشافِعيةِ والحَنابلةِ هو: أنْ يَقصدَ ضرْبَه بما لا يَقتلُ غالبًا كالسَّوطِ والعصَا الصغيرِ والحَجرِ الصَّغيرِ؛
стр. 12996
لأنَّ بمثلِ ذلكَ يُقصدُ التأديبُ، أما إنْ ضرَبَه بحَجرٍ عَظيمٍ أو بخَشبةٍ عَظيمةٍ فعَمدٌ عندَهم جَميعًا، وعندَ أبي حَنيفةَ شِبهُ عَمدٍ (١).
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وأما شِبهُ العَمدِ فثَلاثةُ أنواعٍ، بَعضُها مُتفَقٌ على كونِه شِبهَ عَمدٍ، وبَعضُها مُختلَفٌ فيه.
أما المُتفَقُ عليهِ فهو أنْ يَقصدَ القتلَ بعصًا صَغيرةٍ أو بحَجرٍ صَغيرٍ أو لَطمةٍ ونحوِ ذلكَ ممَّا لا يَكونُ الغالبُ فيه الهَلاكَ كالسوطِ ونحوِه إذا ضرَبَ ضَربةً أو ضَربتَينِ ولم يُوالِ في الضرَباتِ.
وأما المُختلَفُ فيه فهو أنْ يَضربَ بالسَّوطِ الصغيرِ ويُواليَ في الضرَباتِ إلى أنْ يَموتَ، وهذا شِبهُ عَمدٍ بلا خِلافٍ بينَ أصحابِنا ﵏ …
وإنْ قصَدَ قتْلَه بما يَغلبُ فيه الهَلاكُ ممَّا ليسَ بجارحٍ ولا طاعِنٍ كمِدقَّةِ القصَّارينَ والحَجرِ الكَبيرِ والعصَا الكَبيرِة ونحوِها فهو شِبهُ عَمدٍ عندَ أبي حَنيفةَ ﵁، وعِندَهما والشافِعيِّ: هو عَمدٌ، ولا يَكونُ فيما دونَ النَّفسِ شِبهُ عَمدٍ.
فما كانَ شِبهَ عَمدٍ في النَّفسِ فهو عَمدٌ فيما دُونَ النَّفسِ؛ لأنَّ ما دُونَ النفسِ لا يُقصدُ إتلافُه بآلةٍ دونَ آلةٍ عادةً، فاستَوتِ الآلاتُ كلُّها في الدَّلالةِ على القَصدِ، فكانَ الفعلُ عَمدًا مَحضًا، فيُنظرُ إنْ أمكَنَ
стр. 12997
إيجابُ القِصاصِ يَجبُ القصاصُ، وإنْ لم يُمكنْ يَجبُ الأرشُ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: عَمدُ الخَطأِ أو شِبهُ العَمدِ: هو أنْ يَقصدَ الفِعلَ والشَّخصَ معًا بما لا يَقتلُ غالبًا، كما إذا ضرَبَه بسَوطٍ أو عصًا ضَربةً خَفيفةً، أو رَماهُ بحَجرٍ صَغيرٍ ولم يُوالِ به الضربَ، ولم يَشتدَّ الألَمُ بسَببِ ذلكَ، ولم يَكنْ وقتَ حَرٍّ ولا بَردٍ شَديدينِ، أو لم يَكنِ المَضروبُ ضَعيفًا أو صَغيرًا فهو شِبهُ عَمدٍ، فإنْ كانَ فيه شيءٌ مِنْ ذلكَ فهو عَمدٌ؛ لأنه يَقتلُ غالبًا في هذهِ الأحوالِ (٢).
وقالَ الحَنابلةُ: شِبهُ العَمدِ: هو أنْ يَقصدَه بجِنايةٍ لا تَقتلُ غالبًا ولم يَجرحْه بها، أو أنْ يَقصدَ ضرْبَه بما لا يَقتلُ غالبًا إما لقَصدِ العُدوانِ عليهِ أو لقَصدِ التأديبِ له فيُسرفَ فيه، كمَن ضرَبَ شَخصًا في غَيرِ مَقتلٍ بسَوطٍ أو عَصًا أو حَجرٍ صَغيرٍ، أو لَكَزَه بيَدِه وسائرِ ما لا يَقتلُ غالبًا، فإذا قتَلَه فهو شِبهُ عَمدٍ؛ لأنه قصَدَ الضربَ دونَ القتلِ، وكذا لو ألقاهُ في ماءٍ قَليلٍ أو صاحَ بعاقِلٍ اغتَفلَه أو بصَغيرٍ على سَطحٍ ونَحوِ ذلكَ فماتَ (٣).
هل يُوجَدُ قَتلٌ شِبهُ عَمدٍ في الشَّرعِ أم لا؟
اختَلفَ الفُقهاءُ هل يُوجَدُ قَتلٌ شِبهُ عَمدٍ؟ أم لا يُوجَدُ إلا عَمدٌ وخَطأٌ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ القتلَ أنواعٌ، وأنَّ هذا القِسمَ السابقَ تَعريفُه شِبهُ عَمدٍ، وأنه قد وَردتْ
стр. 12998
به السُّنةُ، ومنها قَولُ النبيِّ ﷺ : «قَتيلُ الخَطأِ شِبهِ العَمدِ قَتيلُ السَّوطِ والعصَا مِائةٌ مِنْ الإبِلِ أربَعونَ منها خَلفةٌ في بُطونِها أولادُها» (١).
فأثبَتَ شِبهَ العَمدِ، ولأنَّ وصْفَه بذلكَ يُفيدُ أنه أخَذَ شَبهًا مِنْ العَمدِ وشَبهًا من الخَطأِ، فلَم يَكنْ له حُكمُ أحَدِهما على التَّجريدِ، وشَبهُه بالعَمدِ قَصدُ القاتلِ إلى الضَّربِ بما لا يَقتلُ مثلُه غالبًا، وشَبهُه بالخطأِ أنه لم يَقصدِ القتلَ، فوجَبَ أنْ يَثبتَ له حُكمٌ مُنفرَدٌ عن حُكمٍ يَخصُّهما.
وعن المُغيرةِ بنِ شُعبةَ «أنَّ امرَأةً قتَلَتْ ضرَّتَها بعَمودِ فُسطاطٍ، فأُتِيَ فيه رَسولُ اللهِ ﷺ ، فقَضَى على عاقِلتِها بالدِّيةِ، وكانَتْ حامِلًا فقَضَى في الجَنينِ بغُرةٍ، فقالَ بعضُ عَصَبتِها: أنَدِي مَنْ لا طَعِمَ ولا شَرِبَ ولا صاحَ فاستَهلَّ، ومِثلُ ذلكَ يُطلُّ؟ قالَ: فقالَ: سَجعٌ كسَجعِ الأعرابِ» (٢).
وعن عَمرِو بنِ شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «عَقلُ شِبهِ العَمدِ مُغلَّظٌ مِثلُ عَقلِ العَمدِ ولا يُقتلُ صاحِبُه» (٣).
وهذا قِسمٌ ثالثٌ ثبَتَ بالسُّنةِ، والعَمدُ والخَطأُ ثبَتَ بالكِتابِ، ولأنه قَتلٌ لا يُوجبُ القودَ، فكانَتْ دِيتُه على العاقِلةِ كقتلِ الخَطأِ (٤).
стр. 12999
وأما المالِكيةُ فالصَّحيحُ عندَهُم أنَّ القَتلَ قِسمانِ فَقطْ: عَمدٌ وخَطأٌ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى ذكَرَ أنواعَ القَتلِ فذكَرَ العَمدَ المَحضَ والخطأَ المَحضَ، ولم يَذكرْ زائدًا عليهِما، ولأنَّ العمدَ معنًى معقولٌ، وهو قَصدُ الفاعلِ إلى الفِعلِ، والخَطأُ مَعنًى مَعقولٌ، وهو ما يَكونُ مِنْ غيرِ قَصدٍ، وذلكَ مُمتنعٌ مِنْ الفعلِ الواحدِ؛ لأنهُما صِفتانِ مُتعانِدتانِ (١).
وجاءَ في «المُدوَّنة الكُبرَى»: قالَ سحنونٌ: قلتُ لابنِ القاسمِ: هل كانَ مالكٌ يَعرفُ شِبهَ العَمدِ في الجِراحاتِ أو في قَتلِ النفسِ؟ (قالَ): قالَ مالكٌ: شِبهُ العَمدِ باطلٌ، وإنما هو عَمدٌ أو خَطأٌ، ولا أَعرفُ شِبهَ العَمدِ (٢).
ومُوجبُ قَتلِ شِبهِ العَمدِ ثَلاثةُ أشياءَ:
أولاً: المأثَمُ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ أنَّ القتلَ شِبهَ العَمدِ حرامٌ؛ لأنه ارتَكبَ فِعلًا مُحرَّمًا، وهو الضربُ قَصدًا، واللهُ تعالَى قالَ: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾ [المائدة: ٨٧].
стр. 13000
ثانيًا: الكفَّارةُ على القاتِلِ:
لشَبهِه بالخَطأِ بالنظرِ إلى الآلةِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]. ولا قَودَ فيه؛ لأنه ليسَ بعَمدٍ مَحضٍ عندَ كلِّ مَنْ يَقولُ بشِبهِ العَمدِ.
ثالثًا: الدِّيةُ المغَلَّظةُ على العاقِلةِ:
اتَّفق كُلُّ مَنْ يَقولُ بقَتلِ شِبهِ العَمدِ أنَّ الديَةَ تجبُ فيه وتكونُ على العاقِلةِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : «ألَا إنَّ دِيةَ الخَطأِ شِبهِ العَمدِ ما كانَ بالسَّوطِ والعَصا مِائةٌ مِنْ الإبِلِ، منها أربَعونَ في بُطونِها أولادُها» (١).
وحَديثُ أبي هُريرةَ ﵁: «اقتَتلَتِ امرَأتانِ مِنْ هُذيلٍ، فرَمَتْ إحداهُما الأُخرى بحَجرٍ، فقتَلَتْها وما في بَطنِها، فقَضَى النبيُّ ﷺ أنَّ دِيةَ جَنينها عَبدٌ أو وَليدةٌ، وقَضَى بدِيةِ المَرأةِ على عاقلتِها» (٢).
وَ «لأنه ﷺ لمَّا سُئلَ عن المَرأةِ التي ضرَبَتْ ضرَّتَها بعَمودِ فُسطاطٍ فقتَلَتْها وجَنينَها، فقضَى في الجَنينِ بغُرةٍ، وقَضَى بالديَةِ على عاقِلتِها» (٣).
стр. 13001
وعن عَمرِو بنِ شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «عَقلُ شِبهِ العَمدِ مُغلَّظٌ مِثلُ عَقلِ العَمدِ ولا يُقتلُ صاحِبُه» (١).
ولأنه قَتلٌ لا يُوجبُ القَودَ، فكانَتْ دِيتُه على العاقِلةِ كقَتلِ الخَطأِ (٢).
ولأنَّ كلَّ دِيةٍ تَجبُ بالقَتلِ مِنْ غَيرِ صُلحٍ ولا عَفوٍ لبَعضٍ فإنها تَجبُ على العاقِلةِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: والديَةُ -أي في قَتلِ شِبهِ العَمدِ- على العاقِلةِ في قَولِ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، وجعَلَه مالكٌ عَمدًا مُوجبًا للقِصاصِ (٣).
وهذهِ الديَةُ تكونُ مُغلَّظةً على العاقِلةِ، ولا يَشتركُ فيها الجاني عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ، وعندَ الحَنفيةِ يَشتركُ فيها معَهُم كأحَدِهم، وقد تَقدَّمَ بيانُه في قِسمِ قَتلِ الخَطأِ.
وباقي أحكامِ شِبهِ العَمدِ هي نَفسُها أحكامُ قَتلِ الخَطأِ السابقِ ذِكرُها.
стр. 13002
القِسمُ الرابعُ مِنْ أنواعِ القَتلِ: ما أُجرِيَ مَجرَى الخَطأِ:
هذا النَّوعُ مِنْ القتلِ ذكَرَه فُقهاءُ الحَنفيةِ والحَنابلةِ وغيرُهم، قالَ فُقهاءُ الحَنفيةِ: ما أُجرِيَ مَجرَى الخَطأِ- مثلَ النائمِ يَنقلبُ على رَجلٍ فيَقتلُه- فحُكمُه حُكمُ الخَطأِ، يَعني مِنْ سُقوطِ القِصاصِ ووُجوبِ الدِّيةِ وحِرمانِ المِيراثِ.
أمَّا سُقوطُ القِصاصِ فلأنه لم يَتعمَّدْ، وأما وُجوبُ الدِّيةِ فلأنه ماتَ بفِعلِه، وأمَّا حِرمانُ المِيراثِ فلِجَوازِ أنْ يَكونَ تَعمَّدَ قتْلَه وأظهَرَ النومَ.
وإنما أُجريَ مَجرَى الخَطأِ لأنَّ النائمَ لا قصْدَ له، فلا يُوصَفُ فِعلُه بالعَمدِ ولا بالخَطأِ، فلهذا لم يُطلَقْ عليه اسمُ الخَطأِ، إلا أنه في حُكمِ الخَطأِ لحُصولِ المَوتِ بفِعلِه كالخاطئِ (١).
وذكَرَ كَثيرٌ مِنْ الحَنابلةِ هذا القِسمَ، وقالوا: ما أُجريَ مَجرَى الخَطأِ -نحوُ أنْ يَنقلبَ نائمٌ على شَخصٍ فيَقتلَه، أو يَقعَ عليهِ مِنْ عُلوٍّ- فحُكمُه حُكمُ الخَطأِ في جَميعِ أحكامِه (٢).
وهذا القِسمُ عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ يَجري مَجرَى الخَطأِ ويَأخذُ جَميعَ أحكامِ قَتلِ الخَطأِ؛ فإنهُم أدرَجُوا هذا في قِسمِ الخَطأِ، ولا مشاحةَ في الاصطلاحِ.
стр. 13003
القِسمُ الخامِسُ: القَتلِ بسَببٍ:
القَتلُ بسَببٍ عندَ الحَنفيةِ: هو القَتلُ نَتيجةَ فِعلٍ لا يُؤدِّي مُباشَرةً إلى قَتلٍ، كحافرِ البِئرِ وواضِعِ الحَجرِ في غيرِ مِلكِه فيَعطَبُ به إنسانٌ فيَموتُ؛ فلم يَتعمَّدِ القَتلَ، ولم يُخطئْ فيه، وإنما هو سَببٌ فيه لتَعدِّيه.
ومُوجَبُ ذلكَ عندَ الحَنفيةِ إذا تَلفَ فيه آدَميٌّ الدِّيةُ على العاقِلةِ؛ لأنه سَببُ التلفِ.
ولا كفَّارةَ فيه؛ لأنه لم يُباشِرِ القتلَ بنَفسِه ولا وقَعَ بثِقلِه.
ولا يُحرمُ المِيراثَ بسَببِ الحَفرِ ووَضعِ الحَجرِ؛ لأنه غيرُ مُتهَمٍ في ذلك، وهذا كلُّه إذا حفَرَها في مَمرِّ الناسِ، أما في غيرِ مَمرِّهم فلا ضَمانَ عليهِ.
وإنما يَضمنُ بذلكَ إذا لم يَتعمَّدِ المارُّ المَشيَ على الحَجرِ، أما إذا تَعمَّدَ المارُّ ذلكَ فلا يَضمنُ؛ لأنه هو الذي جَنَى على نَفسِه بتَعمُّدِه المُرورَ عليهِ.
ولو وضَعَ حَجرًا فنَحَّاهُ غيرُه عن مَوضعِه فالضَّمانُ على الذي نحَّاه.
وإذا اختَلفَ الوليُّ والحافِرُ، فقالَ الحافِرُ: «هو الذي أسقَطَ نفسَه» فالقولُ قولُ الحافرِ، ولو غلَّقَ على حُرٍّ بَيتًا أو طيَّنَه فماتَ جُوعًا أو عَطشًا لم يَضمنْ شيئًا؛ لأنه سَببٌ لا يُؤدِّي إلى التلفِ، وإنما ماتَ بسَببٍ آخرَ وهو فقدُ الطعامِ والماءِ، فلَم يَبْقَ إلا اليدُ، والحُرُّ لا يُضمَنُ باليدِ.
وإنْ سَقى رَجلًا سُمًّا أو أطعَمَه إياهُ فماتَ، فإنْ كانَ الميِّتُ أكَلَه بنَفسِه فلا ضَمانَ على الذي أطعَمَه، ولكنْ يُعزَّرُ ويُضربُ، وإنْ أوجَرَه إياهُ أو كلَّفَه
стр. 13004
أكْلَه فعليهِ الديَةُ؛ لأنه إذا أكَلَه بنَفسِه فهو القاتِلُ لها، والذي قدَّمَه إليه إنَّما غَرَّه، والغُرورُ لا يَتعلَّقُ به ضَمانُ النَّفسِ (١).
وهذا النَّوعُ عندَ الحَنابلةِ له نَفسُ حُكمِ القَتلِ الخَطأِ مِنْ وُجوبِ الدِّيةِ والكفَّارةِ.
قالَ الحَنابلةُ: والقَتلُ بالسَّببِ كحَفرِ البئرِ ونَصلِ السِّكينِ وقَتلِ غيرِ المُكلَّفِ أُجريَ مَجرَى الخَطأِ وإنْ كانَ عَمدًا، قالَ ابن قُدامةَ ﵀: وهذهِ الصُّورةُ التي ذكَرَها عندَ الأكثَرينَ مِنْ قِسمِ الخَطأِ؛ فإنَّ صاحِبَها لم يَعمدِ الفِعلَ أو عمَدَه وليسَ هو مِنْ أهلِ القَصدِ الصَّحيحِ، فسَمَّوهُ خَطأً فأعطَوهُ حُكمَه، وقد صرَّحَ الخِرقيُّ بذلكَ فقالَ في الصبيِّ والمَجنونِ: عَمدُهما خَطأٌ (٢).
أما المالِكيةُ فيَرونَ أنَّ الجِنايةَ بالتَّسببِ تأخذُ حُكمَ العَمدِ، قالوا: لو تَسبَّبَ الجاني في الإتلافِ، وهو أنْ يَفعلَ فِعلًا يكونُ سَببًا للإتلافِ، كحَفرِ بِئرٍ، وإنْ حفَرَها ببَيتِه فوقَعَ فيها المَقصودُ، أو وَضعِ شَيءٍ مُزلقٍ كقِشرِ بطِّيخٍ، أو ماءٍ بنَحوِ طينٍ مُزلقٍ بطَريقٍ لمَقصودٍ، أو رَبطِ دابَّةٍ بطَريقٍ لمَقصودٍ، أو اتِّخاذِ كَلبٍ عَقورٍ، لمُعيَّنٍ- راجعٍ لجَميعِ ما قبلَه- وهلَكَ المُعيَّنُ المَقصودُ
стр. 13005
بالبئرِ وما بعدَه؛ فالقودُ مِنْ المُتسبِّبِ، فيُقتصُّ منه حَيثُ كانَ مُكافئًا للمَقتولِ أو كانَ المَقتولُ أَعلَى.
والحاصلُ أنَّ القودَ في المَسائلِ الأربَعِ المَذكورةِ مُقيَّدٌ بقُيودٍ ثَلاثةٍ:
أنْ يَقصدَ الفاعِلَ بفِعلِه الضرَرَ.
وأنْ يَكونَ مَنْ قصَدَ ضرَرَه مُعيَّنًا.
وأنْ يَهلكَ ذلكَ المُعيَّنُ.
وإلا يَهلِكِ المَقصودُ بل هلَكَ غيرُه، أو لم يَكنْ لمُعيَّنٍ بل قصَدَ مُطلَقَ الضَّررِ فهلَكَ بها إنسانٌ فتجبُ الدِّيةُ.
وإنْ لم يَقصدْ ضَررًا بالحَفرِ وما بعدَه فلا شيءَ عليهِ، ويَكونُ هَدرًا، وهذا إنْ حفَرَ البئرَ بمِلكِه أو بمَواتٍ لمَنفعةٍ ولو لعامَّةٍ، أو وضَعَ المُزلِقَ لا بطَريقٍ الناسِ، أو ربَطَ الدابَّةَ ببَيتِه أو بطَريقٍ على وَجهِ الاتِّفاقِ كسُوقٍ وعندَ مَسجدٍ أو بَيتِ أحَدٍ لنَحوِ ضِيافةٍ، أو اتَّخذَ الكَلبَ ببَيتِه لحِراسةٍ، وإلا فالدِّيةُ أيضًا (١).
وقالَ الشافِعيةُ: يَجبُ القِصاصُ بالسَّببِ كالمُباشَرةِ؛ لأنَّ ما له دَخلٌ مِنْ الأفعالِ في الزُّهوقِ إما مُباشَرةً -وهيَ ما يُؤثرُ في الهَلاكِ ويُحصِّلُه كالجُرحِ السابقِ ففيها القِصاصُ- وإمَّا شَرطٌ -وهو ما لا يُؤثرُ في الهَلاكِ ولا
стр. 13006
يُحصِّلُه، بل يَحصلُ التلفُ عندَه بغيرِه ويَتوقفُ تَأثيرُ ذلكَ الغيرِ عليهِ، كالحَفرِ مع التَّردِّي، فإنه لا يُؤثرُ في التلفِ ولا يُحصلُه، وإنما يُؤثِّرُ التخطِّي في صَوبِ الحُفرةِ، والمُحصِّلُ للتلفِ التردِّي فيها ومُصادمتُها، لكنْ لولا الحَفرُ لَمَا حصَلَ التلفُ، ولهذا سُمِّيَ شرطًا-.
ومثلُه الإمساكُ للقاتلِ، وهذا لا قِصاصَ فيه.
وإما سَببٌ، وهو ما يُؤثرُ في الهلاكِ ولا يُحصلُه.
وَجهُ الحَصرِ في ذلكَ أنَّ الفاعلَ لا يَخلو إما أنْ يَقصدَ عَينَ المَجنيِّ عليهِ أو لا، فإنْ قصَدَه بالفِعلِ المُؤدِّي إلى الهَلاكِ بلا واسِطةٍ فهو المُباشَرةُ، وإنْ أدَّى إليه بواسِطةٍ فهو السببُ كالشَّهادةِ بمُوجِبِ قِصاصٍ، وإنْ لم يَقصدْ عينَ المَجنيِّ عليهِ بالكلِّيةِ فهو الشرطُ.
والسَّببُ يَنقسمُ إلى ثَلاثةِ أضرُبٍ:
الأوَّلُ شَرعيٌّ: كشَهادةِ الزُّورِ، ويُقتصٌّ مِنْ شُهودِ الزُّورِ، فلو شَهدَا رَجلانِ على شَخصٍ عندَ قاضٍ بقِصاصٍ-أي: بمُوجِبِه- في نَفسٍ أو طَرفٍ، أو شَهدَا عليهِ برِدَّةٍ أو سَرقةٍ فقُتلَ المَشهودُ عليهِ أو قُطعَ بعدَ حُكمِ القاضي بشَهادتِهما ثمَّ رجَعَا عنها وقالا: «تَعمَّدْنا الكَذبَ فيها وعَلِمْنا أنه يُقتلُ أو يُقطعُ بشَهادتِنا» لَزمَهُما حِينئذٍ القِصاصُ؛ لأنهما تَسبَّبَا في إهلاكِه بما يَقتلُ غالبًا، فأشبَهَ ذلكَ الإكراهَ الحسِّيَّ، إلا أنْ يَعترفَ وَليُّ المَقتولِ بعِلمِه بكَذبِهما في شَهادتِهما حينَ القَتلِ فلا قِصاصَ عليهِما حِينئذٍ؛ لأنهما لم يَلجَآ إلى قَتلِه حِسًّا ولا شَرعًا، فصارَ قَولُهما شَرطًا مَحضًا كالإمساكِ مع القاتِلِ،
стр. 13007
فيَجبُ على الوَليِّ القِصاصُ، أما لو قالَ الوَليُّ: «عَرَفتُ كَذبَهما» بعدَ القَتلِ فلا يَسقطُ القِصاصُ عنهُما.
والثاني عُرفِيٌّ: كتَقديمِ مَسمومٍ لمَن يَأكلُه، فلو ضَيَّفَ بمَسمومٍ يَقتلُ غالبًا أو ناوَلَه صَبيًّا غيرَ مُميِّزٍ أو مَجنونًا فأكَلَه فماتَ منه وجَبَ القِصاصُ؛ لأنه ألجأَه إلى ذلكَ، سَواءٌ أقالَ له: «هو مَسمومٌ» أم لا، وفي مَعناهُما الأعجَميُّ الذي يَعتقدُ وُجوبَ طاعةِ أمرِه؛ لأنه والحالةُ هذه بمَنزلةِ الصغيرِ والمَجنونِ، وأمَّا المُميِّزُ فكالبالِغِ، وكذا المَجنونُ الذي له تَمييزٌ، أو ضَيَّفَ به بالغًا عاقلًا ولم يَعلمِ الضَّيفُ حالَ الطعامِ فَديةٌ ولا قِصاصَ؛ لأنه تَناوَلَه باختِيارِه مِنْ غيرِ إلجاءٍ.
ولو ترَكَ المَجروحُ عِلاجَ جُرحٍ مُهلِكٍ له فماتَ مِنه وجَبَ القِصاصُ جَزمًا على الجارحِ؛ لأنَّ البُرءَ غيرُ مَوثوقٍ به لو عُولجَ، والجِراحةُ في نَفسِها مُهلكةٌ.
أمَّا ما لا يُهلكُ كانَ فصَدَه فلمْ يَعصبْ العِرقَ حتى ماتَ فإنه لا ضَمانَ؛ لأنه الذي قتَلَ نفسَه كما لو حبَسَه وعِندهُ ما يَأكلُ فلم يَفعلْ.
ولو أمسَكَه شَخصٌ فقتَلَه آخرُ، أو حفَرَ بئرًا ولو عُدوانًا فرَدَّاه فيها آخَرُ والتَّرديةُ تَقتلُ غالبًا، أو ألقاهُ مِنْ شاهِقٍ فتَلقَّاه آخَرُ فقَدَّه -أي: قطَعَه نِصفينِ- مثلًا قبلَ وُصولِه الأرضَ، فالقِصاصُ على القاتِلِ في الأُولى، كمُمسكِ المَرأةِ للزِّنا يُحَدُّ الزاني دُونَه، وكما لا قِصاصَ لا دِيةَ، بل يُعزَّرُ؛ لأنه آثمٌ.
стр. 13008
وعلى المُردِّي القِصاصُ في الثانِيةِ تَقديمًا للمُباشَرةِ؛ لأنَّ الحَفرَ شَرطٌ، ولا أثَرَ له مع المُباشرةِ.
وعلى القادِّ القِصاصُ في الثالِثةِ المُلتزِمِ للأحكامِ؛ لأنَّ فِعلَه قطَعَ أثَرَ السببِ، ولا شيءَ على المُلقِي وإنْ عرَفَ الحالَ أو كانَ القادُّ ممَّن لا يَضمنُ كحَربيٍّ.
والثالثُ حسِّيٌّ: كالإكراهِ على القتلِ.
فلو أكرَهَه على قَتلِ شَخصٍ بغَيرِ حقٍّ فقتَلَه فالقِصاصُ على المُكرِهِ -بكَسرِ الراءِ- وعلى المُكرَهِ أيضًا -بفَتحِها-، فأمَّا وُجوبُ القِصاصِ على المُكرِهِ- بكَسرِ الراءِ- فلِأنه أهلَكَه بما يُقصَدُ به الإهلاكُ غالبًا، فأشبَهَ ما لو رَماهُ بسَهمٍ فقتَلَه، وأمَّا وُجوبُه على المُكرَهِ- بفَتحِ الراءِ- فلِأنه قتَلَه عَمدًا عُدوانًا لاستِبقاءِ نَفسِه، فأشبَهَ ما لو قتَلَه المُضطرُّ ليَأكلَه؛ ولأنه آلةٌ للمُكرِهِ، فصارَ كما لو ضرَبَه به.
ولو أكرَهَ بالغٌ عاقلٌ مُراهِقًا أو عَكسُه على قَتلِ شَخصٍ فقتَلَه فعلى البالِغِ القِصاصُ؛ لوُجودِ مُقتضِيهِ وهو القَتلُ المَحضُ العُدوانُ.
ولو قالَ شَخصٌ لآخَرَ: «اقتُلنِي وإلا قَتلتُكَ» فقتَلَه ذلكَ الشَّخصُ فلا قِصاصَ عليهِ؛ لأنَّ الإذنَ شُبهةٌ دارِئةٌ للحَدِّ، ولا دِيةَ أيضًا (١).
وعامَّةُ هذهِ الصُّورِ قد مَرَّتْ معَنا في القِسمِ الأولِ وهو القَتلُ العَمدُ.
стр. 13009
فصل في القِصاصِ فِي الأطرافِ والجِراحاتِ
حُكمُ القِصاصِ في الأطرافِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على جَريانِ القِصاصِ في الأطرافِ في اليدِ والرِّجلِ والأنفِ والعَينِ والأُذنِ، والدَّليلُ عليهِ الكِتابُ والسُّنةُ والإجماعُ:
أمَّا الكِتابُ: فقَولُه تعالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] الآيَة، أي ذاتُ قِصاصٍ.
وأمَّا السُّنةُ: فعَن أنسٍ ﵁ قالَ: «كَسرَتِ الرُّبيِّعُ -وهي عمَّةُ أنسِ بنِ مالكٍ- ثَنيَّةَ جاريةٍ مِنْ الأنصارِ، فطلَبَ القَومُ القِصاصَ، فأَتَوا النبيَّ ﷺ فأمَرَ النبيُّ ﷺ بالقِصاصِ، فقالَ أنسُ بنُ النَّضْرِ عَمُّ أنسِ بنِ مالكٍ: لا واللهِ، لا تُكسَرُ سِنُّها يا رَسولَ اللهِ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : يا أنَسُ كِتابُ اللهِ القِصاصُ، فرَضِيَ القَومُ وقَبلُوا الأرشَ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : إنَّ مِنْ عِبادِ اللهِ مَنْ لو أقسَمَ على اللهِ لَأبَرَّهُ» (١).
стр. 13010
وأمَّا الإجماعُ:
فقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أما اليَدُ والذِّراعُ والرِّجلُ والساقُ فإذا قُطِعتِ اليدُ أو الرِّجلُ مِنْ المَفصلِ عَمدًا فلا خِلافَ بينَ العُلماءِ في أنَّ القِصاصَ واجِبٌ في ذلكَ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على جَريانِ القِصاصِ في الأطرافِ (٢).
وقالَ شَمسُ الدِّينِ المَقدسيُّ ﵀: وأجمَعَ المُسلمونَ على جَريانِ القِصاصِ فيما دُونَ النَّفسِ إذا أمكَنَ، ولأنَّ ما دُونَ النفسِ كالنفسِ في الحاجةِ إلى حِفظِه بالقِصاصِ، فكانَ كالنَّفسِ في وُجوبِه (٣).
وقالَ أيضًا: تُؤخَذُ العَينُ بالعَينِ، والأنفُ بالأنفِ، والأذنُ بالأذنِ، والسِّنُّ بالسِّنِّ، والجَفنُ بالجَفنِ، والشِّفةُ بالشِّفةِ، واليَدُ باليَدِ، والرِّجلُ بالرِّجلِ، أجمَعَ أهلُ العِلمِ على جَريانِ القِصاصِ في الأطرافِ (٤).
وقالَ الزَّركشيُّ ﵀: لا نِزاعَ في جَريانِ القِصاصِ في الأطرافِ (٥).
ولأنَّ القِصاصَ في النَّفسِ إنما جُعلَ لحِفظِ النَّفسِ، وهذا مَوجودٌ فيما دونَ النفسِ (٦).
стр. 13011
وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: وتُقطعُ اليَدُ باليَدِ، والرِّجلُ بالرِّجلِ، والأصابعُ بالأصابعِ، والأنامِلُ بالأنامِلِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، ولأنَّ لها مَفاصِلَ يُمكنُ القِصاصُ فيها مِنْ غيرِ حَيفٍ.
إذا ثبَتَ هذا فإنْ قطَعَ أصابعَه مِنْ مَفاصلِها .. فله أنْ يَقتصَّ، وإنْ قطَعَ يَدَه مِنْ وَسطِ الكفِّ .. فليسَ له أنْ يَقتصَّ مِنْ وَسطِ الكفِّ؛ لأنَّ كسْرَ العَظمِ لا يَثبتُ فيه القِصاصُ بإجماعِ الأمَّةِ.
وإنْ أرادَ أنْ يَقتصَّ مِنْ الأصابعِ مِنْ أصولِها .. كانَ له ذلكَ؛ لأنَّ الأصابعَ يُمكنُ القِصاصُ فيها (١).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: فإنْ قيلَ: ليسَ في كِتابِ اللهِ ﵎ بَيانُ حُكمِ ما دُونَ النَّفسِ إلا في هذهِ الآيةِ الشَّريفةِ، وأنه إخبارٌ عن حُكمِ التَّوراةِ، فيَكونُ شَريعةَ مَنْ قَبلَنا، وشَريعةُ مَنْ قبلَنا لا تَلزمُنا.
فالجَوابُ أنَّ مِنْ القُرَّاءِ المَعروفينَ مَنْ ابتَدأَ الكَلامَ مِنْ قَولِه عزَّ شَأنُه: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥] بالرَّفعِ إلى قَولِه ﵎: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ﴾ على ابتِداءِ الإيجابِ لا على الإخبارِ عمَّا في التَّوراةِ، فكانَ هذا شَريعتَنا لا شَريعةَ مَنْ قبلَنا، على أنَّ هذا إنْ كانَ إخبارًا عن شَريعةِ التَّوراةِ لكنْ لم يَثبتْ نَسخُه بكِتابِنا ولا بسُنةِ رَسولِنا، فيَصيرُ شَريعةً لنَبيِّنَا مُبتدأةً، فيَلزمُنا العَملُ به على أنه شَريعةُ رَسولِنا لا على أنه شَريعةُ مَنْ قبلَه مِنْ الرُّسلِ على ما عُرِفَ في أصولِ الفقهِ، إلا أنه لم يَذكرْ وُجوبَ القِصاصِ
стр. 13012
في اليَدِ والرِّجلِ نَصًّا، لكنَّ الإيجابَ في العَينِ والأنفِ والأذنِ والسنِّ إيجابٌ في اليَدِ والرِّجلِ دَلالةً؛ لأنه لا يَنتفعُ بالمَذكورِ مِنْ السَّمعِ والبَصرِ والشمِّ والسنِّ إلا صاحبُه، ويَجوزُ أنْ يَنتفعَ باليَدِ والرِّجلِ غيرُ صاحبِهما، فكانَ الإيجابُ في العُضوِ المُنتفَعِ به في حقِّه على الخُصوصِ إيجابًا فيما هو مُنتفعٌ به في حقِّه وفي حَقِّ غيرِه مِنْ طَريقِ الأَولى، فكانَ ذِكرُ هذهِ الأعضاءِ ذِكرًا لليَدِ والرِّجلِ بطَريقِ الدَّلالةِ له كما في التأفُّفِ مع الضَّربِ في الشَّتمِ، على أنَّ في كِتابِنا حُكمَ ما دُونَ النفسِ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].
قالَ اللهُ تعالَى عزَّ شَأنُه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وأحَقُّ ما يُعملُ فيه بهاتينِ الآيتَينِ ما دُونَ النفسِ.
وقالَ ﵎: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [غافر: ٤٠]، ونَحو ذلكَ مِنْ الآياتِ.
وأمَّا المَعقولُ فهو إنَّ ما دونَ النفسِ له حُكمُ الأموالِ؛ لأنه خُلقَ وِقايةً للنفسِ كالأموالِ، ألَا تَرى أنه يُستوفَى في الحِلِّ والحَرمِ كما يُستوفَى المالُ.
وكذا الوَصيُّ يَلي استِيفاءَ ما دُونَ النفسِ للصَّغيرِ كما يَلي استِيفاءَ مالِه، فتُعتبَرُ فيه المُماثَلةُ كما تُعتبَرُ في إتلافِ الأموالِ (١).
стр. 13013
شُروطُ جَريانِ القِصاصِ في الأطرافِ والجُروحِ:
يُشترطُ لقِصاصِ الطَّرَفِ -وهو بفَتحِ الرَّاءِ: ما له حَدٌّ يَنتهي إليهِ كأُذنٍ ويدٍ ورِجلٍ- ولقِصاصِ الجُرحِ -بضُمِّ الجيمِ- ولغَيرِهِما ممَّا دُونَ النَّفسِ ما شُرطَ للنَّفسِ، وبَيانُها فيما يلي:
الشَّرطُ الأولُ: أنْ يكونَ الجاني مُكلَّفًا:
فإنْ كانَ الجاني صَغيرًا أو مَجنونًا فلا يُقتصُّ منهُما؛ لأنَّ عمْدَهُما وخَطأَهُما سَواءٌ، والدِّيةُ على عاقِلتِهما عندَ جَماهيرِ الفُقهاءِ.
قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأجمَعَ العُلماءُ أنَّ ما جَناهُ المَجنونُ في حالِ جُنونِه هَدرٌ وأنه لا قوَدَ عليهِ في ما يَجني، فإنْ كانَ يَفيقُ أحيانًا ويَغيبُ أحيانًا فما جَناهُ في حالِ إفاقتِه فعَليهِ فيه ما على غيرِه مِنْ البالغينَ غيرِ المَجانينِ.
وأجمَعَ العُلماءُ أنَّ الغُلامَ والنائِمَ لا يَسقطُ عنهُما ما أتلَفَا مِنْ الأموالِ، وإنما يَسقطُ عنهُم الإثمُ، وأما الأموالُ فتُضمَنُ بالخَطأِ كما تُضمَنُ بالعَمدِ.
والمَجنونُ عندَ أكثَرِ العُلماءِ مثلُهما (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: لا خِلافَ بينَ أهلِ العِلمِ أنه لا قِصاصَ على صَبيٍّ ولا مَجنونٍ، وكذلكَ كلُّ زائلِ العَقلِ بسَببٍ يُعذَرُ فيه مثلَ النائمِ والمُغمَى عليهِ ونَحوِهما، والأصلُ في هذا قَولُ النبيِّ ﷺ : «رُفعَ القَلمُ عن ثَلاثةٍ: عن الصبيِّ حتى يَبلغَ، وعن النائمِ حتَّى يَستيقظَ، وعن
стр. 13014
المَجنونِ حتَّى يَفيقَ»، ولأنَّ القِصاصَ عُقوبةٌ مُغلَّظةٌ، فلَم تَجبْ على الصبيِّ وزائلِ العَقلِ كالحُدودِ، ولأنهُم ليسَ لهم قَصدٌ صَحيحٌ، فهُم كالقاتلِ خَطأً (١).
الشَّرطُ الثاني: العَمدُ العُدوانُ:
فلا قِصاصَ في غيرِه، فلا قِصاصَ في الخَطأ إجماعًا؛ لأنه لا يُوجِبُ القِصاصَ في النَّفسِ وهي الأصلُ، ففيما دُونَها أَولَى، ولا في شِبهِ العَمدِ.
فأما الخَطأِ فلا قِصاصَ فيه إجماعًا؛ لأنَّ الخَطأَ لا يُوجبُ القِصاصَ في النفسِ وهي الأصلُ، ففيما دُونَها أَولى، ولا يَجبُ بعَمدِ الخَطأِ -وهو أنْ يَقصدَ ضرْبَه بما لا يُفضي إلى ذلكَ غالبًا مثلَ أنْ يَضربَه بحَصاةٍ لا يُوضِحُ مثلُها فتُوضِحَه- فلا يَجبُ به القِصاصُ؛ لأنه شِبهُ العَمدِ، ولا يَجبُ القِصاصُ إلا بالعَمدِ المَحضِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ: وقالَ أبو بَكرٍ: يَجبُ به القِصاصُ ولا يُراعَى فيه ذلكَ؛ لعُمومِ الآيةِ (٢).
стр. 13015
الشَّرطُ الثالِثُ: أنْ يَكونَ المجنيُّ عليهِ مُكافِئًا للجاني:
وهو أنْ يَكونَ الجاني ممَّن يُقادُ مِنْ المَجنيِّ عليهِ لو قتَلَه، كالحُرِّ المُسلمِ مع الحُرِّ المُسلمِ، فأما مَنْ لا يُقتلُ بقَتلِه فلا يُقتصُّ منه فيما دُونَ النَّفسِ له كالمُسلمِ مع الكافرِ والحُرِّ مع العَبدِ.
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: قد أجمَعُوا أنه لا يُقادُ الكافِرُ مِنْ المُسلمِ فيما دُونَ النَّفسِ مِنْ الجِراحِ (١).
وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: كلُّ شَخصينِ جَرَى القِصاصُ بينَهُما في النفسِ .. جَرَى القِصاصُ بينَهُما فيما دُونَ النفسِ، فتُقطعُ يَدُ الحرِّ المُسلمِ بيَدِ الحرِّ المُسلمِ، ويَدُ الكافرِ بيَدِ الكافرِ، ويَدُ المرأةِ بيَدِ المرأةِ، وهذا إجماعٌ (٢).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا هل يُقطعُ الرَّجلُ بالمَرأةِ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه لا قِصاصَ بينَ الرِّجالِ والنِّساءِ فيما دُونَ النَّفسِ مِنْ الجِراحاتِ؛ لأنَّ المُساواةَ مُعتبَرةٌ في النَّفسِ وغَيرُ مُعتبَرةٍ في الأطرافِ، ألَا تَرى أنَّ اليدَ الصَّحيحةَ لا تُؤخذُ بالشلَّاءِ، والنفسَ الصَّحيحةَ تُؤخذُ بالمَريضةِ.
فلا تُقطعُ يَدُ المَرأةِ بيَدِ الرَّجلِ، ولا يَدُ الرَّجلِ بيَدِ المَرأةِ، وإنْ جرَى القِصاصُ بينَهُما في النفسِ.
ولا يَجري القِصاصُ في الأطرافِ إلَّا بينَ مُستَوِي الدِّيةِ إذا قُطعَتْ مِنْ المَفصلِ وتَماثَلتْ.
стр. 13016
ولأنَّ الأطرافَ يُسلَكُ بها مَسلَكَ الأموالِ، ولهذا لا يُقطعُ الصَّحيحُ بالأشلِّ، والكاملُ بالناقِصِ الأصابعِ؛ لاختِلافِهما في القِيمةِ، بخِلافِ النَّفسِ على ما مَرَّ، وإذا كانَ كذلكَ تَنتفي المُماثَلةُ بانتِفاءِ المُساواةِ في الماليَّةِ، والماليَّةُ مَعلومةٌ بتَقديرِ الشَّرعِ، فأمكَنَ اعتِبارُ التَّساوِي فيها، ولا يُمكنُ التساوي في القَطعِ إلا إذا كانَ مِنْ المَفصلِ.
إذا ثبَتَ هذا فنَقولُ: لا يَجرِي القِصاصُ في الأطرافِ بينَ الرَّجلِ والمَرأةِ، حتَّى لو قطَعَ يَدَها عمدًا لا يَجبُ القِصاصُ؛ لأنَّ الأرشَ مُختلِفُ المِقدارِ، والتَّكافؤُ مُعتبَرٌ فيما دونَ النَّفسِ؛ بدَليلِ أنه لا يُقطعُ اليَمينُ باليَسارِ، ولا اليَدُ الصَّحيحةُ بالشَّلاءِ وناقِصةِ الأصابعِ، بخِلافِ القِصاصِ في الأنفُسِ، فإنَّ التَّكافؤَ لا يُعتبَرُ فيه، ولهذا يُقتلُ الصَّحيحُ بالزَّمِنِ والجَماعةُ بالواحدِ، فإنْ كانَ التَّكافؤُ مُعتبَرًا فيما دونَ النَّفسِ فلا تَكافؤَ بينَ يَدِ الرَّجلِ والمَرأةِ؛ لأنَّ يَدَها تَصلحُ لِما لا يَصلحُ له يَدُه، كالطَّحنِ والخَبزِ والغَزْلِ، وإذا سقَطَ القِصاصُ وجَبَ الأرشُ في مالِه حالًّا.
وكذا لا يَجرِي القِصاصُ في الأطرافِ بَينَ الحُرِّ والعَبدِ؛ لاختِلافِهما في القِيمةِ، وهي الدِّيةُ.
ويَجري القِصاصُ في الأطرافِ بينَ المُسلمِ والذِّميِّ؛ لتَساويهِما في الدِّيةِ، وكذا بينَ المَرأتينِ الحُرَّتينِ، والمُسلِمةِ والكتابيةِ، وكذا بينَ الكِتابيَّتينِ (١).
стр. 13017
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ القِصاصَ بينَ الرِّجالِ والنساءِ في الجِراحاتِ كما هو في النَّفسِ.
لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥] إلى قَولِه: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، فكانَ على عُمومِه، ولأنَّ كلَّ شَخصينِ جَرَى القِصاصُ بينَهُما في النفسِ جَرَى في الأطرافِ كالرَّجلينِ، ولأنَّ كلَّ قِصاصٍ جَرَى بينَ الرَّجلينِ والمَرأتينِ جازَ أنْ يَجريَ بينَ الرَّجلِ والمَرأةِ كالنُّفوسِ، وكلَّ قِصاصٍ جَرَى بينَ الحُرَّينِ جَرَى بينَ العَبدينِ كالنُّفوسِ.
وما ذكَرَه مِنْ اختِصاصِ أطرافِ الرَّجلِ بالمَنافعِ فيَفسدُ مِنْ ثَلاثةِ أوجُهٍ:
أحَدُها: ما اتَّفقوا عليهِ مِنْ أخذِ يَدِ الكاتِبِ والصانعِ والمُحارِبِ بيَدِ مَنْ ليسَ بكاتِبٍ ولا صانعٍ ولا مُحارِبٍ.
والثاني: أنَّ في يَدِ المَرأةِ مَنافعَ ليسَتْ في يَدِ الرَّجلِ، فتَقابلَا.
والثالثُ: أنَّ أطرافَ العَبيدِ تَماثَلُ في المَنافعِ ولا يَجرِي فيها قَودٌ، فبطَلَ هذا الاعتِبارُ.
وقالَ ابنُ المُنذرِ: إنهُم لمَّا أجمَعُوا على أنَّ نفْسَه بنَفسِها -وهي أكبَرُ الأشياءِ- واختَلفُوا فيما دونَ ذلكَ كانَ ما اختَلفُوا فيه مَردودًا على ما أجمَعُوا عليهِ؛ لأنَّ الشيءَ إذا أُبيحَ منه الكَثيرُ كانَ القليلُ أَولى.
стр. 13018
ولِما قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «المُؤمنونَ تَتكافأُ دِماؤُهم»، وكانَتِ المَرأةُ كافَأَتْه في النفسِ -وهو أعظَمُ خَطرًا ممَّا دُونَ النفسِ- كانَ ما دُونَ النَّفسِ أحرَى أنْ تَكونَ كافَأَتْه فيه (١).
الشَّرطُ الرابعُ: إمكانُ الاستيفاءِ مِنْ غَيرِ حَيفٍ ولا زِيادةٍ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه يُشترطُ لوُجوبِ القِصاصِ إمكانُ استِيفائِه مِنْ غَيرِ حَيفٍ ولا زِيادةٍ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقالَ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ولأنَّ دمَ الجاني مَعصومٌ إلا في قَدرِ جِنايتِه، فما زادَ عليهَا يَبقَى على العِصمةِ، فيَحرمُ استِيفاؤُه بعدَ الجِنايةِ كتَحريمِه قبلَها، ومِن ضَرورةِ المَنعِ مِنْ الزِّيادةِ المَنعُ مِنْ القِصاصِ؛ لأنها مِنْ لَوازمِه، فلا يُمكنُ المَنعُ منها إلا بالمَنعِ منه، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهذا لا خِلافَ فيه نَعلمُه، وممَّن منَعَ القِصاصَ فيما دُونَ المُوضِحةِ الحَسنُ والشافِعيُّ وأبو عُبيدٍ وأصحابُ الرأيِ.
إذا ثبَتَ هذا فإنَّ الجُرحَ الذي يُمكنُ استِيفاؤُه مِنْ غيرِ زِيادةٍ هو كلُّ جُرحٍ يَنتهي إلى عَظمٍ كالمُوضحةِ في الرَّأسِ والوَجهِ، ولا نَعلمُ في جَوازِ القِصاصِ في المُوضحةِ خِلافًا، وهي كُلُّ جُرحٍ يَنتهي إلى العَظمِ في الرَّأسِ
стр. 13019
والوَجهِ؛ وذلكَ لأنَّ اللهَ تعالَى أوجَبَ القِصاصَ في الجُروحِ، فلو لم يَجبْ هاهُنا لَسقَطَ حُكمُ الآيةِ، وفي مَعنَى المُوضِحةِ كلُّ جُرحٍ يَنتهي إلى عَظمٍ فيما سِوى الرَّأسِ والوجهِ، كالساعِدِ والعَضدِ والساقِ والفَخذِ في قَولِ أكثرِ أهلِ العِلمِ، وهو مَنصوصُ الشافِعيِّ.
وقالَ بعضُ أصحابِه: «لا قِصاصَ فيها؛ لأنه لا يُقدَّرُ فيها»، وليسَ بصَحيحٍ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، ولأنه أمكَنَ استِيفاؤُها بغيرِ حَيفٍ ولا زِيادةٍ؛ لانتِهائِها إلى عَظمٍ فهيَ كالمُوضِحةِ، والتقديرُ في المُوضِحةِ ليسَ هو المُقتضي للقِصاصِ ولا عَدمُه مانِعًا، وإنما كانَ التقديرُ في المُوضحةِ لكَثرةِ شَينِها وشَرفِ مَحلِّها، ولهذا ما قُدِّرَ ما فوقَها مِنْ شِجاجِ الرأسِ والوجهِ، ولا قِصاصَ فيه، وكذلكَ الجائِفةُ أرشُها مُقدَّرٌ لا قِصاصَ فيه (١).
وقالَ أيضًا: فإنْ كانَ مِنْ غيرِ مَفصلٍ فلا قِصاصَ فيه مِنْ مَوضعِ القَطعِ بغيرِ خِلافٍ نَعلمُه، وقد رَوى نَمرُ بنُ جابرٍ عن أبيه «أنَّ رَجلًا ضرَبَ رَجلًا على ساعِدِه بالسيفِ فقطَعَها مِنْ غيرِ مَفصلٍ، فاستَعدَى عليهِ النبيَّ ﷺ ، فأمَرَ له بالدِّيةِ، قالَ: إني أريدُ القِصاصَ، قالَ: «خُذِ الدِّيةَ بارَكَ اللهُ لكَ فيها، ولم يَقْضِ له بالقِصاصِ» (٢). رواهُ ابنُ ماجَه (٣).
стр. 13020
الشَّرطُ الخامِسُ: الاشتِراكُ في الاسمِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه يُشترطُ الاشتِراكُ في الاسِمِ الخاصِّ، فلا يُؤخذُ شَيءٌ مِنْ الأصلِ إلا بمِثلِه، فلا تُؤخذُ اليَدُ إلا باليَدِ؛ لأنَّ غيرَ اليَدِ ليسَ مِنْ جِنسِها، فلم يَكنْ مِثلًا لها؛ إذِ التجانُسُ شَرطٌ للمُماثلةِ.
وكذا الرِّجلُ والأصبَعُ والعَينُ والأنفُ ونحوُها؛ لِما قُلنا، وكذا الإبهامُ لا تُؤخذُ إلا بالإبهامِ، ولا السبَّابةُ إلا بالسَّبابةِ، ولا الوُسطَى إلا بالوُسطَى، ولا البِنصرُ إلا بالبِنصرِ، ولا الخُنصرُ إلا بالخُنصرِ؛ لأنَّ مَنافعَ الأصابعِ مُختلفةٌ، فكانَتْ كالأجناسِ المُختلفةِ.
وكذلكَ لا تُؤخذُ اليَدُ اليُمنَى إلا باليُمنَى، ولا اليُسرى إلا باليُسرى؛ لأنَّ لليَمينِ فَضلًا على اليَسارِ، ولذلكَ سُمِّيتْ يَمينًا، وكذلكَ الرِّجلُ، وكذلكَ أصابعُ اليَدينِ والرِّجلينِ، لا تُؤخذُ اليَمينُ منها إلا باليَمينِ، ولا اليُسرَى إلا باليُسرَى.
وكذلكَ الأعيُنُ؛ لِما قُلنا؛ وكذلكَ الأسنانُ لا تُؤخذُ الثَّنيةُ إلا بالثَّنيةِ، ولا النابُ إلا بالنابِ، ولا الضِّرسُ إلا بالضِّرسِ؛ لاختِلافِ مَنافعِها؛ فإنَّ بعضَها قَواطعُ وبَعضَها طَواحنُ وبعضَها ضَواحكُ، واختِلافُ المَنفعةِ بينَ الشَّيئينِ يُلحِقُهما بجِنسينِ، ولا مُماثلةَ عندَ اختِلافِ الجنسِ.
وكذا لا يُؤخذُ الأعلَى منها بالأسفلِ، ولا الأسفَلُ بالأعلَى؛ لتَفاوتِ بينَ الأعلَى والأسفلِ في المَنفعةِ.
стр. 13021
قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقوا على أنه لا تُقطعُ يَمينٌ بيَسارٍ، ولا يَسارٌ بيَمينٍ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا تُؤخذُ يَمينٌ بيَسارٍ، ولا يَسارٌ بيَمينٍ، هذا قولُ أكثرِ أهلِ العِلمِ، منهم مالكٌ والشافِعيُّ وأصحابُ الرأيِ، وحُكيَ عن ابنِ سِيرينِ وشَريكٍ أنَّ إحداهُما تُؤخَذُ بالأخرَى؛ لأنهما يَستويانِ في الخِلقةِ والمَنفعةِ.
ولنا: إنَّ كلَّ واحِدةٍ منهُما تَختصُّ باسمِ، فلا تُؤخذُ إحداهُما بالأخرَى كاليَدِ مع الرِّجلِ، فعَلى هذا كُلُّ ما انقَسمَ إلى يَمينٍ ويَسارٍ كاليَدينِ والرِّجلينِ والأذُنينِ والمِنخرينِ والثَّديينِ والأليَتينِ والأُنثيينِ لا تُؤخذُ إحداهُما بالأخرَى.
فصلٌ: وما انقَسمَ إلى أعلَى وأسفَلَ كالجَفنينِ والشَّفتينِ لا يُؤخذُ الأعلَى بالأسفَلِ ولا الأسفَلُ بالأعلى؛ لِما ذكَرْنا، ولا تُؤخذُ أصبعٌ بأصبعٌ إلا أنْ يتَّفقَا في الاسمِ والمَوضعِ، ولا تُؤخذُ أنمُلةٌ بأنمُلةٍ إلا أنْ يَتفقَا في ذلكَ، ولا تُؤخذُ عُليَا بسُفلَى ولا وُسطَى، والوُسطَى والسُّفلَى لا تُؤخَذانِ بغيرِهما، ولا تُؤخذُ السِّنُّ بالسنِّ إلا أنْ يَتفقَ مَوضعُهما واسمُهما، ولا تُؤخذُ أصبعٌ ولا سِنٌّ أصليةٌ بزائِدةٍ ولا زائِدةٌ بأصليةٍ ولا زائِدةٌ بزائدةٍ في غيرِ مَحلِّها؛ لِما ذكَرْناه (٢).
стр. 13022
وقالَ القاضِي العَمرانِيُّ ﵀: وكُلُّ عُضوٍ وجَبَ فيه القِصاصُ .. فإنه يَجبُ فيه وإنِ اختَلفَ العُضوانِ في الصِّغرِ والكِبَرِ، والصِّحةِ والمَرضِ، والسِّمنِ والهُزالِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥] ولم يُفرِّقْ، ولأنَّا لو اعتبَرْنا هذهِ الأشياءَ .. لشَقَّ وضاقَ، فسقَطَ اعتِبارُه كما سقَطَ اعتبارُ ذلكَ في النفسِ.
وما كانَ مِنْ الأعضاءِ مُنقسِمًا إلى يَمينٍ ويَسارٍ كالعَينينِ والأذُنينِ واليَدينِ والرِّجلينِ .. لا يَجوزُ أخذُ اليُمنى منه باليُسرَى، ولا اليُسرَى باليُمنَى، وقالَ ابنُ شُبرمةَ: يَجوزُ.
دَليلُنا: أنَّ كلَّ واحدٍ منهُما يَختصُّ باسمٍ يَنفردُ به، فلا يُؤخذُ بغيرِه كما لا تُؤخذُ اليَدُ بالرِّجلِ.
وكذلكَ: لا يُؤخذُ الجَفنُ الأعلَى بالجَفنِ الأسفَلِ، ولا الأسفلُ بالأعلَى، وكذلكَ الشَّفتانِ مثلُه.
ولا تُؤخذُ سِنٌّ بسِنٍّ غيرِها، ولا إصبعٌ بإصبعٍ غيرِها، ولا أنمُلةٌ بأنمُلةٍ غيرِها، كما لا تُؤخذُ نَفسٌ بجِنايةِ نَفسٍ غيرِها، ولا يُؤخذُ ذلكَ وإنْ رَضيَ الجاني والمَجنيُّ عليهِ.
وكذلك: إذا رَضيَ الجاني بأنْ يُؤخذَ العُضوُ الكاملُ بالناقِصِ والصَّحيحُ بالأشلِّ .. لم يَجُزْ؛ لأنَّ الدِّماءَ لا تُستباحُ بالإباحةِ (١).
стр. 13023
وقالَ الكاسانِيُّ ﵀: ولا يُؤخذُ الصَّحيحُ مِنْ الأطرافِ إلا بالصَّحيحِ منها، فلا تُقطعُ اليَدُّ الصَّحيحةُ ولا كامِلةُ الأصابعِ بناقِصةِ الأصابعِ أو مَفصلٍ مِنْ الأصابعِ، وكذلكَ الرِّجلُ والأصبعُ وغيرُها؛ لعَدمِ المُماثلةِ بينَ الصَّحيحِ والمَعيبِ (١).
وقالَ الإمامُ العينيُّ ﵀: وأجمَعُوا أيضًا أنَّ اليُمنَى لا تُؤخذُ باليُسرَى، ولا اليُسرَى باليُمنَى، ولا يُؤخذُ شَيءٌ مِنْ الأعضاءِ إلا بمِثلِه مِنْ القاطعِ، الإبهامُ بالإبهامِ، والسَّبابةُ بالسبَّابةِ، والوُسطَى بالوُسطَى، والخِنصرُ بالخِنصرِ، والبُنصرُ بالبُنصرِ، وكذلكَ الأسنانُ الثنيَّةُ بالثنيةِ، والنابُ بالنابِ، والضِّرسُ بالضِّرسِ، ولا يُؤخذُ الأعلَى بالأسفلِ، ولا الأسفلُ بالأعلَى، وكذلكَ الشِّجاجُ والجِراحاتُ لا تقتضي فيما يَجبُ القِصاصُ منه إلا في مَوضعِ الشَّجةِ والجِراحةِ في المَشجوجِ والمَجروحِ (٢).
الشَّرطُ السادِسُ: أنْ لا يَكونَ بأحدِ الطَّرفينِ شَللٌ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه لا تُقطعُ اليَدُ الصَّحيحةُ باليَدِ الشلَّاءِ، فمَن قطَعَ يَدَ غيرِه وكانَت يَدُه التي قطَعَها شلَّاءَ فلا تُقطعُ يَدُ الجاني الصَّحيحةُ.
قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنه لا تُقطعُ اليدُ الصَّحيحةُ باليدِ الشلَّاءِ (٣).
стр. 13024
وقالَ الإمامُ العينيُّ ﵀: أجمَعُوا أنَّ الصَّحيحةَ لا تُؤخذُ بالشلَّاءِ (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: لا تُقطعُ يَدٌ أو رِجلٌ صَحيحةٌ بشلَّاءَ وإنْ رَضيَ به الجاني، وإنما الواجِبُ في الطرَفِ الأشَلِّ الحُكومةُ، كما لا يُقتلُ الحُرُّ بالعَبدِ والمُسلمُ بالذِّميِّ وإنْ رَضيَ الجاني، فلو خالَفَ المَجنيُّ عليهِ وقطَعَ الصَّحيحةَ لم تَقعْ قِصاصًا، بل عليهِ نِصفُ الديَةِ، ولو سَرَى فعَليهِ القصاصُ في النفسِ، فإنْ كانَ قطَعَ بإذنِ الجاني فلا قِصاصَ عندَ السِّرايةِ؛ لأنه بإذنٍ، ثم يُنظَرُ إنْ قالَ الجاني: «اقطَعْ يَدِي» وأطلَقَ جُعلَ المَجنيُّ عليهِ مُستوفِيًا لحَقِّه ولم يَلزمْه شيءٌ، وإنْ قالَ: «اقطَعْها عِوضًا عن يَدِكَ، أو قِصاصًا» فوَجهانِ:
أحَدُهما وبه قطَعَ البَغويُّ: أنَّ على المَجنيِّ عليهِ نِصفُ الديةِ وعلى الجاني الحُكومةُ؛ لأنه لم يَبذلْها مجَّانًا.
والثاني: لا شيءَ على المَجنيِّ عليهِ وكأنَّ الجاني أدَّى الجَيدَ عن الرَّديءِ وقبَضَه المُستحقُّ (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (وإذا كانَ القاطعُ سالِمَ الطَّرفِ والمَقطوعةُ شلَّاءَ فلا قوَدَ).
لا نَعلمُ أحَدًا مِنْ أهلِ العِلمِ قالَ بوُجوبِ قَطعِ يَدٍ أو رِجلٍ أو لِسانٍ صَحيحٍ بأشَلٍّ، إلا ما حُكيَ عن داودَ أنه أوجَبَ ذلكَ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٌ منهُما مُسمًّى باسمِ صاحبِه فيُؤخذُ به كالأذُنينِ.
стр. 13025
ولنا: إنَّ الشلَّاءَ لا نفْعَ فيها سِوى الجَمالِ، فلا يُؤخذُ بها ما فيه نَفعٌ كالصَّحيحةِ لا تُؤخذُ بالقائِمةِ، وما ذُكرَ له قياسٌ وهو لا يَقولُ بالقِياسِ، وإذا لم نُوجبِ القِصاصَ في العَينينِ مع قَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥] لأجلِ تَفاوُتِهما في الصِّحةِ والعَمى فلَأنْ لا يَجبَ ذلكَ فيما لا نَصَّ فيه أَولى (١).
أنواعُ الجِناياتِ فيما دُونَ النَّفسِ:
أنواعُ الجِناياتِ فيما دُونَ النَّفسِ ثَلاثةٌ: جُرحٌ يشقُّ، وقَطعٌ يُبينُ، وإزالةُ مَنفعةٍ بلا شَقٍّ ولا إبانةٍ.
النَّوعُ الأولُ: الجُرحُ:
وهو ضَربانِ:
الضَّربُ الأولُ: الجُرحُ الواقِعُ على الرَّأسِ والوَجهِ، وتُسمَّى الشِّجاجَ:
جِراحُ الوَجهِ والرَّأسِ يُسمَّى شِجاجًا، وهي جُرحٌ فِيهما، أمَّا في غَيرِهما فيُسمَّى جُرحًا لا شَجَّةً، وهي عَشرةٌ:
إحداها: الحارِصةُ: وهي ما شَقَّ الجِلدَ قَليلًا كالخَدشِ.
وهذهِ لا قِصاصَ فيها عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ؛ لأنه جُرحٌ لم يَرِدِ الشرعُ فيه بتَوقيتٍ، ولأنه لا يُؤمَنُ الزيادةُ والنُّقصانُ في طُولِ الجِراحةِ وعَرضِها، ولا يُوثقُ باستِيفاءِ المِثلِ، ولذلكَ لا يَجبُ القِصاصُ في كَسرِ العِظامِ.