← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 13021–13060 · переход к 13026.

стр. 13021

قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقوا على أنه لا تُقطعُ يَمينٌ بيَسارٍ، ولا يَسارٌ بيَمينٍ (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا تُؤخذُ يَمينٌ بيَسارٍ، ولا يَسارٌ بيَمينٍ، هذا قولُ أكثرِ أهلِ العِلمِ، منهم مالكٌ والشافِعيُّ وأصحابُ الرأيِ، وحُكيَ عن ابنِ سِيرينِ وشَريكٍ أنَّ إحداهُما تُؤخَذُ بالأخرَى؛ لأنهما يَستويانِ في الخِلقةِ والمَنفعةِ. ولنا: إنَّ كلَّ واحِدةٍ منهُما تَختصُّ باسمِ، فلا تُؤخذُ إحداهُما بالأخرَى كاليَدِ مع الرِّجلِ، فعَلى هذا كُلُّ ما انقَسمَ إلى يَمينٍ ويَسارٍ كاليَدينِ والرِّجلينِ والأذُنينِ والمِنخرينِ والثَّديينِ والأليَتينِ والأُنثيينِ لا تُؤخذُ إحداهُما بالأخرَى. فصلٌ: وما انقَسمَ إلى أعلَى وأسفَلَ كالجَفنينِ والشَّفتينِ لا يُؤخذُ الأعلَى بالأسفَلِ ولا الأسفَلُ بالأعلى؛ لِما ذكَرْنا، ولا تُؤخذُ أصبعٌ بأصبعٌ إلا أنْ يتَّفقَا في الاسمِ والمَوضعِ، ولا تُؤخذُ أنمُلةٌ بأنمُلةٍ إلا أنْ يَتفقَا في ذلكَ، ولا تُؤخذُ عُليَا بسُفلَى ولا وُسطَى، والوُسطَى والسُّفلَى لا تُؤخَذانِ بغيرِهما، ولا تُؤخذُ السِّنُّ بالسنِّ إلا أنْ يَتفقَ مَوضعُهما واسمُهما، ولا تُؤخذُ أصبعٌ ولا سِنٌّ أصليةٌ بزائِدةٍ ولا زائِدةٌ بأصليةٍ ولا زائِدةٌ بزائدةٍ في غيرِ مَحلِّها؛ لِما ذكَرْناه (٢).

стр. 13022

وقالَ القاضِي العَمرانِيُّ ﵀: وكُلُّ عُضوٍ وجَبَ فيه القِصاصُ .. فإنه يَجبُ فيه وإنِ اختَلفَ العُضوانِ في الصِّغرِ والكِبَرِ، والصِّحةِ والمَرضِ، والسِّمنِ والهُزالِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥] ولم يُفرِّقْ، ولأنَّا لو اعتبَرْنا هذهِ الأشياءَ .. لشَقَّ وضاقَ، فسقَطَ اعتِبارُه كما سقَطَ اعتبارُ ذلكَ في النفسِ. وما كانَ مِنْ الأعضاءِ مُنقسِمًا إلى يَمينٍ ويَسارٍ كالعَينينِ والأذُنينِ واليَدينِ والرِّجلينِ .. لا يَجوزُ أخذُ اليُمنى منه باليُسرَى، ولا اليُسرَى باليُمنَى، وقالَ ابنُ شُبرمةَ: يَجوزُ. دَليلُنا: أنَّ كلَّ واحدٍ منهُما يَختصُّ باسمٍ يَنفردُ به، فلا يُؤخذُ بغيرِه كما لا تُؤخذُ اليَدُ بالرِّجلِ. وكذلكَ: لا يُؤخذُ الجَفنُ الأعلَى بالجَفنِ الأسفَلِ، ولا الأسفلُ بالأعلَى، وكذلكَ الشَّفتانِ مثلُه. ولا تُؤخذُ سِنٌّ بسِنٍّ غيرِها، ولا إصبعٌ بإصبعٍ غيرِها، ولا أنمُلةٌ بأنمُلةٍ غيرِها، كما لا تُؤخذُ نَفسٌ بجِنايةِ نَفسٍ غيرِها، ولا يُؤخذُ ذلكَ وإنْ رَضيَ الجاني والمَجنيُّ عليهِ. وكذلك: إذا رَضيَ الجاني بأنْ يُؤخذَ العُضوُ الكاملُ بالناقِصِ والصَّحيحُ بالأشلِّ .. لم يَجُزْ؛ لأنَّ الدِّماءَ لا تُستباحُ بالإباحةِ (١).

стр. 13023

وقالَ الكاسانِيُّ ﵀: ولا يُؤخذُ الصَّحيحُ مِنْ الأطرافِ إلا بالصَّحيحِ منها، فلا تُقطعُ اليَدُّ الصَّحيحةُ ولا كامِلةُ الأصابعِ بناقِصةِ الأصابعِ أو مَفصلٍ مِنْ الأصابعِ، وكذلكَ الرِّجلُ والأصبعُ وغيرُها؛ لعَدمِ المُماثلةِ بينَ الصَّحيحِ والمَعيبِ (١). وقالَ الإمامُ العينيُّ ﵀: وأجمَعُوا أيضًا أنَّ اليُمنَى لا تُؤخذُ باليُسرَى، ولا اليُسرَى باليُمنَى، ولا يُؤخذُ شَيءٌ مِنْ الأعضاءِ إلا بمِثلِه مِنْ القاطعِ، الإبهامُ بالإبهامِ، والسَّبابةُ بالسبَّابةِ، والوُسطَى بالوُسطَى، والخِنصرُ بالخِنصرِ، والبُنصرُ بالبُنصرِ، وكذلكَ الأسنانُ الثنيَّةُ بالثنيةِ، والنابُ بالنابِ، والضِّرسُ بالضِّرسِ، ولا يُؤخذُ الأعلَى بالأسفلِ، ولا الأسفلُ بالأعلَى، وكذلكَ الشِّجاجُ والجِراحاتُ لا تقتضي فيما يَجبُ القِصاصُ منه إلا في مَوضعِ الشَّجةِ والجِراحةِ في المَشجوجِ والمَجروحِ (٢). الشَّرطُ السادِسُ: أنْ لا يَكونَ بأحدِ الطَّرفينِ شَللٌ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه لا تُقطعُ اليَدُ الصَّحيحةُ باليَدِ الشلَّاءِ، فمَن قطَعَ يَدَ غيرِه وكانَت يَدُه التي قطَعَها شلَّاءَ فلا تُقطعُ يَدُ الجاني الصَّحيحةُ. قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنه لا تُقطعُ اليدُ الصَّحيحةُ باليدِ الشلَّاءِ (٣).

стр. 13024

وقالَ الإمامُ العينيُّ ﵀: أجمَعُوا أنَّ الصَّحيحةَ لا تُؤخذُ بالشلَّاءِ (١). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: لا تُقطعُ يَدٌ أو رِجلٌ صَحيحةٌ بشلَّاءَ وإنْ رَضيَ به الجاني، وإنما الواجِبُ في الطرَفِ الأشَلِّ الحُكومةُ، كما لا يُقتلُ الحُرُّ بالعَبدِ والمُسلمُ بالذِّميِّ وإنْ رَضيَ الجاني، فلو خالَفَ المَجنيُّ عليهِ وقطَعَ الصَّحيحةَ لم تَقعْ قِصاصًا، بل عليهِ نِصفُ الديَةِ، ولو سَرَى فعَليهِ القصاصُ في النفسِ، فإنْ كانَ قطَعَ بإذنِ الجاني فلا قِصاصَ عندَ السِّرايةِ؛ لأنه بإذنٍ، ثم يُنظَرُ إنْ قالَ الجاني: «اقطَعْ يَدِي» وأطلَقَ جُعلَ المَجنيُّ عليهِ مُستوفِيًا لحَقِّه ولم يَلزمْه شيءٌ، وإنْ قالَ: «اقطَعْها عِوضًا عن يَدِكَ، أو قِصاصًا» فوَجهانِ: أحَدُهما وبه قطَعَ البَغويُّ: أنَّ على المَجنيِّ عليهِ نِصفُ الديةِ وعلى الجاني الحُكومةُ؛ لأنه لم يَبذلْها مجَّانًا. والثاني: لا شيءَ على المَجنيِّ عليهِ وكأنَّ الجاني أدَّى الجَيدَ عن الرَّديءِ وقبَضَه المُستحقُّ (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (وإذا كانَ القاطعُ سالِمَ الطَّرفِ والمَقطوعةُ شلَّاءَ فلا قوَدَ). لا نَعلمُ أحَدًا مِنْ أهلِ العِلمِ قالَ بوُجوبِ قَطعِ يَدٍ أو رِجلٍ أو لِسانٍ صَحيحٍ بأشَلٍّ، إلا ما حُكيَ عن داودَ أنه أوجَبَ ذلكَ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٌ منهُما مُسمًّى باسمِ صاحبِه فيُؤخذُ به كالأذُنينِ.

стр. 13025

ولنا: إنَّ الشلَّاءَ لا نفْعَ فيها سِوى الجَمالِ، فلا يُؤخذُ بها ما فيه نَفعٌ كالصَّحيحةِ لا تُؤخذُ بالقائِمةِ، وما ذُكرَ له قياسٌ وهو لا يَقولُ بالقِياسِ، وإذا لم نُوجبِ القِصاصَ في العَينينِ مع قَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥] لأجلِ تَفاوُتِهما في الصِّحةِ والعَمى فلَأنْ لا يَجبَ ذلكَ فيما لا نَصَّ فيه أَولى (١). أنواعُ الجِناياتِ فيما دُونَ النَّفسِ: أنواعُ الجِناياتِ فيما دُونَ النَّفسِ ثَلاثةٌ: جُرحٌ يشقُّ، وقَطعٌ يُبينُ، وإزالةُ مَنفعةٍ بلا شَقٍّ ولا إبانةٍ. النَّوعُ الأولُ: الجُرحُ: وهو ضَربانِ: الضَّربُ الأولُ: الجُرحُ الواقِعُ على الرَّأسِ والوَجهِ، وتُسمَّى الشِّجاجَ: جِراحُ الوَجهِ والرَّأسِ يُسمَّى شِجاجًا، وهي جُرحٌ فِيهما، أمَّا في غَيرِهما فيُسمَّى جُرحًا لا شَجَّةً، وهي عَشرةٌ: إحداها: الحارِصةُ: وهي ما شَقَّ الجِلدَ قَليلًا كالخَدشِ. وهذهِ لا قِصاصَ فيها عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ؛ لأنه جُرحٌ لم يَرِدِ الشرعُ فيه بتَوقيتٍ، ولأنه لا يُؤمَنُ الزيادةُ والنُّقصانُ في طُولِ الجِراحةِ وعَرضِها، ولا يُوثقُ باستِيفاءِ المِثلِ، ولذلكَ لا يَجبُ القِصاصُ في كَسرِ العِظامِ.

стр. 13026

وفيها حُكومةُ عَدلٍ عندَ الحَنفيةِ والحَنابلةِ؛ لأنه ليسَ فيها أرشٌ مُقدَّرٌ مِنْ جِهةِ السَّمعِ، ولا يُمكنُ إهدارُها، فيَجبُ فيها حُكومةُ عَدلٍ. وقالَ الشافِعيةُ: إنْ عُرِفتْ نِسبتُها مِنْ المُوضِحةِ وجَبَ قِسطٌ مِنْ أرشِها بالنِّسبةِ، وإنْ لم تُعرَفْ نِسبتُه منها فحُكومةٌ لا تَبلغُ أرشَ مُوضِحةٍ كجُرحِ سائرِ البَدنِ. تَفسيرُ الحُكومةِ: أنْ يُقوَّمَ لو كانَ مَملوكًا وليسَ به هذه الشَّجةُ، ويُقوَّمَ وهي به، ثُمَّ يُنظرُ كم نقَصَ ذلكَ مِنْ قِيمةِ العَبدِ، فيَجبُ ذلكَ القَدرُ مِنْ دِيةِ الحُرِّ، فإنْ كانَ نِصفَ عُشرِ القِيمةِ يَجبُ نِصفُ عُشرِ الدِّيةِ، وإنْ كانَ رُبعَ عُشرٍ فرُبعُ عُشرٍ. وقالَ المالِكيةُ: فيها القِصاصُ. الثانيةُ: الدَّامِيَةُ: وهي التي تَدمِي مَوضعَها مِنْ الشقِّ والخَدشِ مِنْ غيرِ سَيَلانِ دمٍ. وهي على نَفسِ الخِلافِ السابقِ، لا يَجبُ فيها القُصاصُ عندَ الجُمهورِ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ، وفيها القِصاصُ عندَ المالِكيةِ. الثالثةُ: الباضِعةُ: وهي التي تَقطعُ- أي: تَشقُّ- اللَّحمَ الذي بعدَ الجِلدِ شَقًّا خَفيفًا، مِنْ البَضعِ، وهو القَطعُ. وهي على نَفسِ الخِلافِ السابقِ، لا يَجبُ فيها القُصاصُ عندَ الجُمهورِ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ، وفيها القِصاصُ عندَ المالِكيةِ. الرابعةُ: المُتَلاحِمةُ: وهي التي تَغوصُ في اللحمِ ولا تَبلغُ الجِلدةَ التي

стр. 13027

بينَ اللحمِ والعَظمِ، وهي التي يَبقَى بينَها وبينَ العَظمِ سِتْرٌ رَقيقٌ، سُمِّيتْ بذلكَ تَفاؤلًا بما تَؤولُ إليه مِنْ الالتِحامِ، وتُسمَّى أيضًا المُلاحِمةَ. وهي على نَفسِ الخِلافِ السابقِ، لا يَجبُ فيها القُصاصُ عندَ الجُمهورِ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ، وفيها القِصاصُ عندَ المالِكيةِ. الخامِسةُ: السِمحَاقُ: وهي التي تَبلغُ الجِلدةَ التي بينَ اللَّحمِ والعَظمِ، سُمِّيتْ بذلكَ لأنَّ تلكَ الجِلدةَ يُقالَ لها: سِمحاقُ الرَّأسِ، مَأخوذةٌ مِنْ سَماحيقِ البَطنِ، وهي الشَّحمُ الرَّقيقُ. وهي على نَفسِ الخِلافِ السابقِ، لا يَجبُ فيها القُصاصُ عندَ الجُمهورِ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ، وفيها القِصاصُ عندَ المالِكيةِ. قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ الجُروحَ قِصاصٌ في كلِّ ما يَتأتَّى فيه القِصاصُ، ومِن الجُروحِ التي لا يَتأتَّى فيها: الخارِصةُ: وهي التي تَشقُّ الجِلدَ قَليلًا، وقيلَ: بل تَكشطُه، ومنه قَولُهم: خرَصَ القصَّارُ الثَّوبَ، أي شَقَّه، وتُسمَّى القاشِرةَ، وتُسمَّى المَلطاءَ. ثم الباضِعةُ: وهي التي تَشقُّ اللَّحمَ بعدَ الجِلدِ. ثم البازِلةُ: وهي التي تُنزلُ الدمَ، وتُسمَّى الدامِيةَ والدامِغةَ. والمُتلاحِمةُ: وهي التي تَغوصُ في اللَّحمِ. والسِّمحاقُ: وهي التي تَبقَى بينَها وبينَ العَظمِ جِلدةٌ رَقيقةٌ. فهذه الجِراحُ الخَمسُ ليسَ فيها تَقديرٌ شَرعيٌّ بإجماعِ الأئمَّةِ الأربَعةِ المَذكورينَ، إلا ما رُويَ عن أحمَدَ مِنْ أنه ذهَبَ إلى حُكمِ زَيدٍ في ذلكَ،

стр. 13028

وهو «أنَّ زَيدًا حكَمَ في الدامِغةِ ببَعيرٍ، وفي الباضِعةِ ببَعيرينِ، وفي المُتلاحِمةِ بثَلاثِ أبعِرةٍ، وفي السِّمحاقِ بأربَعةِ أبعِرةٍ»، قالَ أحمَدُ: فأنا أذهَبُ إليه، وهذه رِوايةُ أبي طالبٍ المِشكاتِيِّ عن أحمَدَ، والظاهِرُ مِنْ مَذهبِه أنه لا مُقدَّرَ فيها كالجماعةِ. وأجمَعُوا على أنَّ في كلِّ واحدٍ منها حُكومةٌ بعدَ الاندمالِ، والحُكومةُ أنْ يُقوَّمَ المجنيُّ عليهِ قبلَ الجنايِة كأنه كانَ عَبدًا، ويقالَ: كَمْ قِيمتُه قبلَ الجِنايةِ؟ وكم قِيمتُه بعدَها؟ فيَكونُ له بقَدرِ التفاوُتِ مِنْ دِيتِه. ثم اختَلفُوا في هذه الجِراحِ الخَمسِ التي فيها الحُكومةُ إذا بلَغَتْ مِقدارًا زائِدًا على ما فيهِ التَّوقيتُ، هل يُؤخذُ مِقدارُ التَّوقيتِ أو دُونُه؟ فقالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ: إذا بلَغَتِ الحدَّ المُؤقَّتَ فلا تُبلَغُ بها إليه في الارشِ، بل تُنقَصُ منه. وقالَ مالكٌ: يُبلغُ بها إليهِ إذا بلَغَتْه ويُزادُ على أرشِ المُؤقَّتِ إنْ زادَتْ هي عليهِ مِندملةً على شَيئينِ. وقالَ أحمَدُ: لا يُجاوَزُ بشَيءٍ مِنْ ذلكَ أرشُ المُؤقَّتِ، رِوايةً واحِدةً، وهل يُبلغُ بها أرشُ المؤقَّتِ؟ على رِوايتينِ: إحداهُما: لا يُبلغُ بها أرشُ المؤقَّتِ، وهي المَذهبُ. والأخرَى: يُبلغُ بها، والمُؤقَّتُ هو المُوضِحةُ (١).

стр. 13029

وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: قالَ مالكٌ: الأمرُ عِندَنا أنه ليسَ فيما دُونَ المُوضِحةِ مِنْ الشِّجاجِ عَقلٌ حتى تَبلغَ المُوضحةَ، وإنما العَقلُ في المُوضحةِ فما فوقَها؛ وذلكَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ انتهَى إلى المُوضحةِ في كِتابِه لعَمرِو بنِ حَزمٍ، فجعَلَ فيه خَمسًا مِنْ الإبلِ، ولم تَقْضِ الأئمَّةُ في القَديمِ ولا في الحَديثِ فيما دُونَ المُوضحةِ بعَقلٍ مُسمًّى. قالَ أبو عُمرَ: قولُه: إنه ليسَ فيما دُونَ المُوضحةِ عَقلٌ مُسمًّى، وإنما فيهِ حُكومةٌ يَجتهدُ فيها الحاكِمُ، وهو قَولُ الشافِعيِّ وأبي حَنيفةَ وقَولُ أكثرِ العُلماءِ (١). السادِسةُ: المُوضِحَة: وهي التي تُوضِحُ العَظمَ، أي تُبيِّنُه، وفيها القِصاصُ إذا كانَتْ عَمدًا باتِّفاقِ المَذاهبِ. قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: فأما المُوضِحةُ وهي التي تُوضِحُ عن العَظمِ وفي مُوضحةِ الوَجهِ ففي أيِّ مَوضعٍ كانَتْ مِنْ الوَجهِ فيها خَمسٌ مِنْ الإبلِ عندَ أبي حَنيفةَ والشافِعيِّ وأحمدَ في إحدَى رِوايتيهِ، والأخرَى: أنَّ فيها عَشرًا مِنْ الإبلِ. وقالَ مالِكٌ: في مُوضِحةِ الأنفِ واللِّحى والأسفلِ حُكومةٌ خاصَّةٌ، وباقي المَواضعُ فيها خَمسٌ مِنْ الإبلِ. فإن كانَتِ المُوضحةُ في الرَّأسِ فهل هي بمَنزلةِ المُوضِحةِ في الوَجهِ أم لا؟ قالَ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ: هي بمَنزلتِها، وعن أحمَدَ رِوايتانِ:

стр. 13030

إحداهُما: هي بمَنزلتِها، والأخرَى: إذا كانَت في الوجهِ ففيها عَشرٌ، وإذا كانَتْ في الرأسِ ففيها خَمسٌ. وأجمَعُوا على أنَّ المُوضحةَ فيها القِصاصُ إذا كانَت عَمدًا (١). وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وأما الشِّجاجُ فلا خِلافَ في أنَّ المُوضِحةَ فيها القِصاصُ؛ لعُمومِ قولِه : ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، إلا ما خُصَّ بدَليلٍ، ولأنه يُمكِنُ استيفاءُ القِصاصِ فيها على سَبيلِ المُماثلةِ؛ لأنَّ لها حدًّا تَنتهي إليه السكِّينُ وهو العَظمُ (٢). ولأنَّ المُماثَلةَ فيها مُمكِنةٌ، بأنْ تَنتهيَ السِّكينُ إلى العَظمِ فيَتساوَيانِ، ولا تَكونُ المُوضحةُ إلَّا في الرَّأسِ والوجهٍ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: الجُرحُ الذي يُمكنُ استيفاؤُه مِنْ غيرِ زيادةٍ هو كلُّ جُرحٍ يَنتهي إلى عَظمٍ كالمُوضِحةِ في الرأسِ والوَجهِ، ولا نَعلمُ في جَوازِ القِصاصِ في المُوضحةِ خِلافًا، وهي كلُّ جُرحٍ يَنتهي إلى العَظمِ في الرأسِ والوَجهِ؛ وذلكَ لأنَّ اللهَ تعالَى أوجَبَ القِصاصَ في الجُروحِ، فلو لم يَجبْ هاهُنا لَسقَطَ حُكمُ الآيةِ، وفي معنَى المُوضحةِ كلُّ جُرحٍ يَنتهي إلى عَظمٍ فيما سِوى الرأسِ والوجهِ، كالسَّاعدِ والعَضدِ والساقِ والفخذِ في قَولِ أكثرِ أهلِ العلمِ، وهو مَنصوصُ الشافِعيِّ.

стр. 13031

وقالَ بعضُ أصحابِه: «لا قِصاصَ فيها؛ لأنه لا يُقدَّرُ فيها»، وليسَ بصَحيحٍ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، ولأنه أمكَنَ استيفاؤُها بغيرِ حَيفٍ ولا زِيادةٍ؛ لانتِهائِها إلى عَظمٍ، فهي كالمُوضحةِ، والتقديرُ في المُوضحةِ ليس هو المُقتضي للقِصاصِ ولا عَدمُه مانِعًا، وإنما كانَ التقديرُ في المُوضحةِ لكَثرةِ شَينِها وشَرفِ مَحلِّها، ولهذا ما قُدِّرَ ما فوقَها مِنْ شِجاجِ الرأسِ والوجهِ، ولا قِصاصَ فيه، وكذلكَ الجائفةُ أرشُها مُقدَّرٌ لا قِصاصَ فيه (١). وقالَ أيضًا: فإنْ كانَ مِنْ غيرِ مَفصلٍ فلا قِصاصَ فيه مِنْ مَوضعِ القَطعِ بغيرِ خِلافٍ نَعلمُه، وقد رَوى نَمرُ بنُ جابرٍ عن أبيه «أنَّ رَجلًا ضرَبَ رَجلًا على ساعِدِه بالسيفِ فقطَعَها مِنْ غيرِ مَفصلٍ، فاستَعدَى عليهِ النبيَّ ﷺ ، فأمَرَ له بالدِّيةِ، قالَ: إني أريدُ القِصاصَ، قالَ: خُذِ الديَةَ بارَكَ اللهُ لكَ فيها، ولم يَقْضِ له بالقِصاصِ» (٢) رواهُ ابنُ ماجَه (٣). وفيها نِصفُ عُشرِ دِيةِ صاحِبها، ففيها لحُرِّ ذَكرٍ مُسلمٍ غيرِ جَنينٍ خَمسةُ أبعِرةٍ، فتُراعَى هذه النِّسبةُ في حَقِّ غَيرِه مِنْ المَرأةِ والكِتابيِّ وغيرِهما، ويَجبُ ذلكَ على العاقِلةِ في الخطأِ، وإنْ أدَّى مِنْ الإبلِ أدَّى في مُوضِحةِ

стр. 13032

الرَّجلِ خَمسًا مِنْ الإبلِ، وفي المَرأةِ نِصفَ ذلكَ؛ لأنَّ في كِتابِ عَمرِو بنِ حَزمٍ: «وفي المُوضِحةِ خَمسٌ مِنْ الإبلِ» (١). قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ في المُوضِحةِ خَمسًا مِنْ الإبلِ. وأجمَعوا على أنَّ المُوضحةَ تَكونُ في الرأسِ والوجهِ (٢). السابِعةُ: الهاشِمةُ: وهي التي تَهشِمُ العَظمَ-أي: تَكسرُه-، سَواءٌ أوضَحَتْه أم لا. والهاشِمةُ لا قِصاصَ فيها عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ؛ لأنه ليسَ لها حَدٌّ تنتهي إليه، ولا يُمكنُ الاستيفاءُ مِنْ غيرِ حَيفٍ. ونَصَّ الشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنَّ له أنْ يَقتصَّ مُوضِحةً بدَلًا عنها، ويجبُ له إذا اقتَصَّ مُوضحةً ما بينَ ديَةِ المُوضحةِ وبينَ ديةِ الهاشمةِ. والهاشِمةُ فيها عُشرُ الدِّيةِ، وهو مِنْ الدَّراهمِ ألفُ دِرهمٍ، ومِن الإبلِ عَشرٌ، وفي المَرأةِ نِصفُ ذلكَ إذا أوضِحَتْ، وقالَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ: بدُونِ إيضاحٍ فيها خَمسةُ أبعِرةٍ. وفي رِوايةٍ للحنابلةِ: فيها حُكومةٌ. وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأما الهاشِمةُ وهي التي تَكسرُ العَظمَ وتَهشِمُه، فقالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأحمَدُ: فيها عَشرٌ مِنْ الإبلِ.

стр. 13033

واختُلفَ عن مالكٍ، فقالَ في رِوايةٍ عنه: لا أعرِفُ الهاشِمةَ، فإذا أوضَحَ وهشَمَ فعَليهِ في الإيضاحِ خَمسٌ مِنْ الإبلِ، وفي الهَشمِ حُكومةٌ، وهي اختيارُ ابنِ القصَّارِ مِنْ أصحابِه، ورُويَ عنه أنَّ فيها خَمسَ عَشرةَ مِنْ الإبلِ كما في المُنقِّلةِ، وهذا اختِيارُ الأبهَريِّ مِنْ أصحابِه، وقالَ أشهَبُ: فيها عَشرٌ مِنْ الإبلِ (١). وقالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وليسَ في الهاشِمةِ عن رَسولِ اللهِ ﷺ فَرضٌ يُعلَمُ، وعَوامُّ أهلِ العِلمِ يَجعلونَ في الهاشمةِ عَشرًا مِنْ الإبلِ. وكلُّ مَنْ أحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ يَرى أنَّ معنَى قَولِهم: «حُكومةٌ» أنْ يقالَ: «إذا أصيبَ الإنسانُ بجُرحٍ لا عقْلَ له مَعلومٌ كم قِيمةُ هذا (العَبدِ) لو كانَ عبدًا قبلَ أنْ يُجرحَ هذا الجُرحَ أو يُضربَ هذا الضَّربَ؟ فإنْ قيلَ: مائةُ دينارٍ، قيلَ: وكَم قيمتُه وقد أصابَه هذا الجُرحُ وانتَهى بُرؤُه؟ فإنْ قيلَ: خَمسةٌ وتِسعونَ دينارًا» فالذي يَجبُ للمَجنيِّ عليهِ على الجاني نِصفُ عُشرِ الديَةِ، وإنْ قالُوا: «تِسعونَ» ففيه عُشرُ الديَةِ، وما زادَ أو نقَصَ فعلى هذا المِثالِ، ويُقبلُ فيه قولُ رَجلينِ ثِقتينِ مِنْ أهلِ المَعرفةِ، وقيلَ: بل يُقبلُ عدلٌ واحدٌ (٢). الثامِنةُ: المُنقِّلةُ: وهي التي تنقلُ العظمَ بعدَ الكَسرِ، أي تُحوِّلُه مِنْ مَحلٍّ إلى آخَرَ، سَواءٌ أوضَحَتْه وهشَمَتْه أم لا.

стр. 13034

وفيها عُشرٌ ونِصفُ عُشرٍ، وهو مِنْ الدَّراهمِ ألفٌ وخَمسُمائةٍ، ومِن الإبلِ خَمسةَ عشَرَ؛ لِما في كِتابِ عَمرِو بنِ حَزمٍ: «وفي المُنقِّلةِ خَمسَ عَشرةَ مِنْ الإبلِ» (١). قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ في المُنقِّلةِ خَمسةَ عشرَ مِنْ الإبلِ. وأجمَعُوا على أنَّ المُنقِّلةَ هي التي تنقلُ العِظامَ. وأجمَعُوا على أنَّ المُنقِّلةَ لا قوَدَ فيها، وانفَردَ ابنُ الزُّبيرِ، فَروينَا أنه أقادَ فيها (٢). وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأما المُنقِّلةُ فهي التي تُوضِحُ وتَهضمُ وتَسطُوا حتَّى يَنتقلَ منها العِظامَ، وفيها خَمسَ عَشرةَ مِنْ الإبلِ بالإجماعِ (٣). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وليسَ في شَيءٍ مِنْ شِجاجِ الرأسِ قِصاصٌ سِوى المُوضحةِ، وسَواءٌ في ذلكَ ما دونَ المُوضحةِ كالحارِصةِ والبازِلةِ والباضِعةِ والمُتلاحِمةِ والسِّمحاقِ، وما فوقَها وهي الهاشِمةُ والمُنقِّلةُ والآمَّةُ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ، فأما ما فوقَ المُوضِحةِ فلا نَعلمُ أحدًا أوجَبَ فيها القِصاصَ، إلا ما رُويَ عن ابنِ الزُّبيرِ أنه أقادَ مِنْ المُنقِّلةِ، وليسَ بثابتٍ عنه، وممَّن قالَ به عطاءٌ وقَتادةُ وابنُ شُبرمةَ و مالكٌ و الشافِعيُّ وأصحابُ

стр. 13035

الرأيِ، وقالَ ابنُ المُنذرِ: لا أعلَمُ أحدًا خالَفَ ذلكَ، ولأنهُما جِراحتانِ لا تُؤمنُ الزِّيادةُ فيهما، أشبَهَا المأمومةَ والجائفةَ (١). التاسِعةُ: المَأمومةُ: وتُسمَّى الآمَّةَ، وهي التي قَطَعتِ العَظمَ وبَلَغتْ إلى قِشرةٍ رَقيقةٍ فوقَ الدِّماغِ. وهذهِ ليسَ فيها قِصاصٌ إجماعًا، وفيها ثُلثُ الدِّيةِ إجماعًا، لقَولِ النبيِّ ﷺ في حَديثِ عَمرِ بنِ حزمٍ: «وفي المَأمومةِ ثلُثُ الديةِ ثَلاثٌ وثَلاثونَ مِنْ الإبلِ وثُلثٌ، أو قِيمتُها مِنْ الذَّهبِ أو الوَرِقِ أو البَقرِ أو الشَّاءِ» (٢). قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعُوا أنَّ في المَأمومةِ ثُلثَ الديةِ. وأجمَعُوا أنْ لا قوَدَ في المأمومةِ (٣). وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأما المَأمومةُ فهي التي تَصلُ إلى الجِلدةِ التي للدِّماغِ، وتُسمَّى الآمةَ، ففيها ثُلثُ الديَةِ إجماعًا (٤). قالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: لا أعلَمُ أحدًا قالَ في المأمومةِ قَودٌ ولا في الجائفةِ … قالَ أبو عُمرَ: اتَّفق مالكٌ والشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ وأصحابُهم على أنه لا

стр. 13036

قِصاصَ في شَيءٍ مِنْ شِجاجِ الرأسِ إلا في المُوضحةِ، وما عَداها مِنْ شِجاجِ الرأسِ ففيها الديةُ، وقد مَضَى ما في المُنقِّلةِ والهاشِمةِ. واتَّفقوا على أنَّ في المَأمومةِ ثُلثَ الدِّيةِ، وكذلكَ في كِتابِ النبيِّ ﷺ لعَمرِو بنِ حَزمٍ في الديَاتِ قالَ: «وفي المَأمومةِ ثُلثُ الديةِ». قالَ أبو عُمرَ: أهلُ العِراقِ يُسمُّونَها الآمَّةَ، قالوا: هي التي تَؤُمُّ الدِّماغَ، وفيها ثلثُ الديةِ (١). العاشِرةُ: الدامِغةٌ: وهي التي تَخرِقُ جِلدةَ الدماغِ وتَصلُ إليهِ، وقيلَ: لا يَعيشُ صاحبُها غالبًا. ولم يَذكُرْها فُقهاءُ الحَنفيةِ؛ لأنَّ الإنسانَ لا يَعيشُ معَها في الغالبِ، فلا مَعنى لذِكرِها، ويَكونُ حُكمُها حُكمُ القتلِ. ولا قِصاصَ فيها اتِّفاقًا. واختَلفُوا فيها هل تَجبُ فيها دِيةٌ كامِلةٌ؟ أم ثُلثُ الدِّيةِ؟ أم حُكومةٌ؟ فعندَ بعضِ الشافِعيةِ: فيها الدِّيةُ كامِلةً؛ لأنَّ الإنسانَ لا يَعيشُ معَها غالبًا. وعندَ الشافِعيةِ في المَذهبِ والحَنابلةِ في المَذهبِ: فيها ما في المَأمومةِ ثُلثُ الديةِ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ خرَقَ جِلدةَ الدِّماغِ فهي الدامِغةُ وفيها ما في المَأمومةِ، قالَ القاضي: لم يَذكرْ أصحابُنا الدامِغةَ؛ لمُساواتِها المَأمومةَ

стр. 13037

في أرشِها، وقيلَ: فيها في ذلكَ حُكومةٌ؛ لخَرقِ جِلدةِ الدِّماغِ، ويحتملُ أنهُم تَرَكوا ذِكرَها لكَونِها لا يَسلمُ صاحبُها في الغالبِ (١). وقالَ البَغويُّ ﵀: والعاشِرةُ الدامِغةُ: وهي التي تَخرقُ الخَريطةَ فتَصلُ إلى الدِّماغِ، فلا تُتصوَّرُ الحياةُ بعدَه، فيَجبُ فيها كمالُ ديةِ النفسِ (٢). وقالَ الشِّيرازيُّ ﵀: وأما الدامِغةُ فقدْ قالَ بعضُ أصحابِنا: يجبُ فيها ما يَجبُ في المَأمومةِ. وقالَ أقضَى القُضاةِ أبو الحَسنِ الماوَرديُّ البَصريُّ: يَجبُ عليهِ أرشُ المَأمومةِ وحُكومةٌ؛ لأنَّ خرْقَ الجِلدِ جِنايةٌ بعدَ المأمومةِ، فوجَبَ لأجلِها حُكومةٌ (٣).

стр. 13038

الضَّربُ الثاني: الجِراحاتُ في سائرِ البَدنِ: الجِراحاتُ في سائرِ البَدنِ فيها القِصاصُ عندَ أكثَرِ العُلماءِ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: الجُرحُ الذي يُمكنُ استيفاؤُه مِنْ غيرِ زيادةٍ هو كلُّ جُرحٍ يَنتهي إلى عَظمٍ كالمُوضِحةِ في الرأسِ والوَجهِ، ولا نَعلمُ في جَوازِ القِصاصِ في المُوضحةِ خِلافًا، وهي كلُّ جُرحٍ يَنتهي إلى العَظمِ في الرأسِ والوَجهِ؛ وذلكَ لأنَّ اللهَ تعالَى أوجَبَ القِصاصَ في الجُروحِ، فلو لم يَجبْ هاهُنا لَسقَطَ حُكمُ الآيةِ، وفي معنَى المُوضحةِ كلُّ جُرحٍ يَنتهي إلى عَظمٍ فيما سِوى الرأسِ والوجهِ، كالسَّاعدِ والعَضدِ والساقِ والفخذِ في قَولِ أكثرِ أهلِ العلمِ، وهو مَنصوصُ الشافِعيِّ. وقالَ بعضُ أصحابِه: «لا قِصاصَ فيها؛ لأنه لا يُقدَّرُ فيها»، وليسَ بصَحيحٍ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، ولأنه أمكَنَ استيفاؤُها بغيرِ حَيفٍ ولا زِيادةٍ؛ لانتِهائِها إلى عَظمٍ، فهي كالمُوضحةِ، والتقديرُ في المُوضحةِ ليس هو المُقتضي للقِصاصِ ولا عَدمُه مانِعًا، وإنما كانَ التقديرُ في المُوضحةِ لكَثرةِ شَينِها وشَرفِ مَحلِّها، ولهذا ما قُدِّرَ ما فوقَها مِنْ شِجاجِ الرأسِ والوجهِ، ولا قِصاصَ فيه، وكذلكَ الجائفةُ أرشُها مُقدَّرٌ لا قِصاصَ فيه (١).

стр. 13039

وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: وأما الجِراحةُ في غيرِ الرأسِ والوَجهِ فيُنظرُ فيها: فإنْ وصَلتْ إلى عَظمٍ .. وجَبَ فيها القِصاصُ. ومِن أصحابِنا مَنْ قالَ: لا يَجبُ فيها القِصاصُ؛ لأنها لمَّا خالَفَتْ مُوضحةَ الرَّأسِ والوَجهِ في تَقديرِ الأرشِ .. خالَفَتْها في وُجوبِ القِصاصِ. والمَنصوصُ هو الأولُ؛ لأنه يُمكنُ القصاصُ فيها مِنْ غيرِ حَيفٍ، فهي كالمُوضحةِ في الرأسِ والوجهِ. فعَلى هذا: إنْ كانَتْ في مَوضعٍ عليهِ شَعرٌ كَثيرٌ .. فالمُستحبُّ أنْ يُحلَقَ مَوضعُها ويُعلَّمَ على مَوضعِها بسَوادٍ أو غيرِه، ويُقدَّرَ الطولُ والعَرضُ على ما ذكَرْناهُ في مُوضحةِ الرأسِ، وإنْ كانَتِ الجِراحةُ في العَضدِ فزادَ قَدرُها على عَضدِ الجاني .. لم ينزلْ في الزِّيادةِ إلى الساعدِ، وإنْ كانَتْ في الفَخذِ وزادَ قَدرُها على فَخذِ الجاني .. لم ينزلْ في الزيادةِ إلى الساقِ، وإنْ كانَتْ في الساقِ وزادَ قَدرُها على ساقِ الجاني .. لم ينزلْ في الزيادةِ إلى القَدمِ، كما لا ينزلُ في مُوضحةِ الرأسِ إلى الوَجهِ والقفَا. وإنْ كانَتْ فيما دُونَ المُوضحةِ .. لم يَجبْ فيها القِصاصُ على المَشهورِ مِنْ المَذهبِ؛ لأنه لا يُمكنُ المُماثلةُ في ذلكَ، وعلى ما اعتبَرَه الشيخُ أبو حامِدٍ وحكاهُ الخُراسانيونَ فيما دونَ المُوضحةِ مِنْ الجِراحاتِ على الرأسِ والوَجهِ يكونُ هاهُنا مثلهُ. وإنْ كانَتِ الجِراحةُ جائِفةً أو كسَرتْ عَظمًا .. لم يَجبِ القِصاصُ فيها؛

стр. 13040

لأنه لا يُمكنُ المُماثلةُ فيها، ويُخافُ فيها الحَيفُ، بل إنْ كانَتْ في مَوضعٍ ووصَلتْ إلى العَظمِ ثم كسَرتْ أو أجافَتْ .. وجَبَ القِصاصُ فيها إلى العَظمِ، ووجَبَ الأرشُ فيما زادَ (١). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: الجِراحاتُ في سائرِ البَدنِ فما لا قِصاصَ فيه إذا كانَ على الرأسِ والوجهِ لا قِصاصَ فيه إذا كانَ على غيرِهما، وأما المُوضحةُ التي تُوضِحُ عظْمَ الصَّدرِ أو العُنقِ أو الساعدِ أو الأصابعِ ففِي وُجوبِ القِصاصِ فيها وَجهانِ: أحَدُهما: لا، كما لا يَجبُ فيها أرشٌ مُقدَّرٌ. وأصَحُّهما: نعمْ، وهو ظاهِرُ النصِّ؛ لتيسُّرِ استيفاءِ المثلِ، وإذا اختَصرْتَ وأجبْتَ في الجِراحاتِ في جَميعِ البَدنِ بالمُختارِ قلتَ: يَجبُ القِصاصُ في الجِراحةِ على أيِّ مَوضعٍ كانَتْ بشَرطِ أنْ تَنتهيَ إلى عَظمٍ ولا تَكسرَه (٢). حُكمُ الجائِفةِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الجائِفةَ مِنْ جِراحِ الجَسدِ لا مِنْ شِجاجِ الرأسِ، وأنها تكونُ في الظَّهرِ وفي البَطنِ، وأنه لا قِصاصَ فيها وفيها ثُلثُ الديَةِ إجماعًا، فإنْ نفَذَتْ إلى الجانبِ الآخَرِ فهُمَا جائِفتانِ وفيهمَا ثُلثَا الديةِ؛ لِما في كتابِ عمرِو بنِ حزمٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «وفي الجائِفةُ ثُلثُ الديَةِ» (٣).

стр. 13041

وحَديث عمرِو بنِ شعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه مَرفوعًا وفيه: «وفي الجائِفةُ ثلثُ العَقلِ» (١) (٢). وقالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وفي الجائِفةِ ثُلثُ دِيةِ النفسِ باتفاقٍ، وهي التي تَخرقُ إلى الجَوفِ. والجائفةُ لا تَكونُ إلا في البَطنِ أو الظَّهرِ أو الجَنيينِ، وهي التي تَصلُ إلى الجَوفِ، وفيها ثُلثُ الديَةِ، ولا تَنازُعَ بينَ أهلِ العِلمِ في ذلكَ (٣). وقالَ: وأجمَعُوا على أنَّ في الجائِفةِ ثلثَ الديَةِ، إلا شَيئًا رُويَ عن مَكحولٍ، فإنه فرَّقَ بينَ العَمدِ والخَطأِ، رُويَ عنه أنه قالَ: إذا كانَتِ الجائفةُ عَمدًا ففيها ثُلثَا الديةِ، وإنْ كانَت خَطأً ففيها ثُلثٌ. قالَ أبو بكرٍ: ولا نَعلمُ أحدًا وافَقَه على ذلكَ، وهو مع شُذوذِه وانفِرادِه عن أهلِ العِلمِ خِلافُ ظاهرِ حَديثِ عمرِو بنِ حزمٍ، ولا فرْقَ بينَ الخَطأِ والعَمدِ فيه (٤). وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأما الجائِفةُ فأجمَعَ العلماءُ على أنها مِنْ جِراحِ الجَسدِ لا مِنْ شِجاجِ الرأسِ، وأنها تكونُ في الظَّهرِ وفي البَطنِ،

стр. 13042

إذا وصَلَ شيءٌ منها إلى الجَوفِ ولو بمَدخلِ إبرةٍ فهي جائفةٌ، وفيها ثُلثُ الديةِ ولا قوَدَ فيها وإنْ كانَتْ عمدًا (١). وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: الجائِفةُ وهي التي تَصلُ إلى الجَوفِ، وفيها ثُلثُ الديةِ إجماعًا (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: والجائفةُ في البَدنِ وهي التي تَصلُ إلى الجَوفِ، وليسَ فيها قِصاصٌ عندَ أحَدٍ مِنْ أهلِ العِلمِ نَعلمُه (٣). وقالَ أيضًا: مَسألةٌ: قالَ: (وفي الجائفةِ ثُلثُ الديَةِ، وهي التي تَصلُ إلى الجوفِ). هذا قَولُ عامةِ أهلِ العِلمِ، منهُم أهلُ المَدينةِ وأهلُ الكُوفةِ وأهلُ الحَديثِ وأصحابُ الرأيِ، إلا مَكحولًا قالَ: فيها في العَمدِ ثُلثَا الديَةِ. ولنا: قَولُ النبيِّ ﷺ في كِتابِ عمرِو بنِ حَزمٍ: «وفي الجائِفةِ ثلثُ الديَةِ» (٤). وعن ابنِ عُمرَ عن النبيِّ ﷺ مثلُ ذلكَ. ولأنها جِراحةٌ فيها مُقدَّرٌ، فلَم يَختلفْ أرشُها بالعَمدِ والخطأِ كالمُوضحةِ، ولا نَعلمُ في جِراحِ البَدنِ الخاليةِ عن قَطعِ الأعضاءِ وكَسرِ العِظامِ مُقدَّرًا غيرَ الجائِفةِ.

стр. 13043

والجائِفةُ: ما وصَلَ إلى الجَوفِ مِنْ بَطنٍ أو ظَهرٍ أو صَدرٍ أو ثَغرةِ نَحرٍ أو وِركٍ أو غيرِه، وذكَرَ ابنُ عبدِ البَرِّ أنَّ مالكًا وأبا حَنيفةَ والشافِعيَّ والبتيَّ وأصحابَهُم اتَّفقُوا على أنَّ الجائِفةَ لا تكونُ إلا في الجَوفِ، قالَ ابنُ القاسمِ: الجائِفةُ ما أفضَى إلى الجَوفِ ولو بمِغرزِ إبرةٍ، فأما إنْ خرَقَ شِدقَه فوصَلَ إلى باطِنِ الفمِ فليسَ بجائِفةٍ؛ لأنَّ داخلَ الفمِ حُكمُه حُكمُ الظاهرِ لا حُكمُ الباطنِ، وإنْ طعَنَه في وجنَتِه فكسَرَ العظمَ ووصَلَ إليه فيه فليسَ بجائِفةٍ؛ لِما ذكَرْنا. وقالَ الشافِعيُّ في أحَدِ قَوليهِ: «هو جائِفةٌ؛ لأنه قد وصَلَ إلى جَوفٍ»، وهذا يَنتقضُ بما إذا خرَقَ شِدقَه، فعَلى هذا يَكونُ عليهِ ديةُ هاشِمةٍ لكَسرِ العَظمِ وفيما زادَ حُكومةٌ، وإنْ جرَحَه في أنفِه فأنفَذَه فهو كما لو جرَحَه في وجنَتِه فأنفَذَه إلى فيهِ في الحُكمِ والخِلافِ، وإنْ جرَحَه في ذَكرِه فوصَلَ إلى مَجرَى البَولِ مِنْ الذَّكرِ فليسَ بجائِفةٍ؛ لأنه ليسَ بجَوفٍ يُخافُ التلفُ مِنْ الوُصولِ إليه، بخِلافِ غيرِه. فصلٌ: وإنْ أجافَهُ جائفَتينِ بينَهُما حاجزٌ فعَليهِ ثُلثَا الدِّيةِ، وإنْ خرَقَ الجاني ما بينَهُما أو ذهَبَ بالسِّرايةِ صارَ جائِفةً واحِدةً فيها ثلثُ الديةِ لا غيرُ، وإنْ خرَقَ ما بينَهُما أجنَبيٌّ أو المَجنيُّ عليهِ فعَلى الأولِ ثُلثَا الدِّيةِ وعلى الأجنبيِّ الثاني ثُلثُها، ويَسقطُ ما قابَلَ فعلَ المَجنيِّ عليهِ، وإنِ احتاجَ إلى خَرقِ ما بينَهُما للمُداواةِ فخرَقَها المَجنيُّ عليهِ أو غيرُه بأمرِه أو خرَقَها وليُّ المَجنيِّ عليهِ لذلكَ أو الطبيبُ بأمرِه فلا شَيءَ في خَرقِ الحاجزِ، وعلى الأولِ ثُلثَا الديةِ.

стр. 13044

وإنْ أجافَه رَجلٌ فوسَّعَها آخَرُ فعَلى كلِّ واحدٍ منهُما أرشُ جائِفةٍ؛ لأنَّ فِعلَ كلِّ واحِدٍ منهُما لو انفَردَ كانَ جائِفةً، فلا يَسقطُ حُكمُه بانضِمامِه إلى فِعلِ غيرِه؛ لأنَّ فِعلَ الإنسانِ لا يَنبني على فعلِ غيرِه، وإنْ وسَّعَها الطبيبُ بإذنِه أو إذنِ وَليِّه لمَصلحتِه فلا شيءَ عليهِ … فصلٌ: وإنْ جرَحَ فَخذَه ومَدَّ السكينَ حتى بلَغَ الوِركَ فأجافَ فيه أو جرَحَ الكَتفَ وجَرَّ السكِّينَ حتى بلَغَ الصَّدرَ فأجافَه فيه فعَليهِ أرشُ الجائِفةِ وحُكومةٌ في الجِراحِ؛ لأنَّ الجِراحَ في غَيرِ مَوضعِ الجائِفةِ، فانفرَدتْ بالضَّمانِ كما لو أوضَحَه في رأسِه وجَرَّ السكينَ حتَّى بلَغَ القفَا فإنه يَلزمُه أرشُ مُوضحةٍ وحُكومةٌ لجُرحِ القفَا (١). إذا نفَذَتِ الجائِفةُ إلى الجانِبِ الآخَرِ ففِيها ثُلثَا الدِّيةِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الجائِفةَ إذا نفَذَتْ إلى الجانِبِ الآخَرِ أنَّ فيها ثُلثَا الديةِ. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وكُلُّ مَنْ أحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ يَجعلُ في الجائِفةِ النافِذةِ ثُلثَي الدِّيةِ، روينَا عن أبي بكرٍ الصديقِ أنه قضَى بذلك (٢). وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: فإنْ نفَذَتْ إلى الجانِبِ الآخَرِ فهُمَا جائِفتانِ وفيهِما ثُلثَا الديةِ.

стр. 13045

وقد رُويَ عن سيِّدِنا أبي بَكرٍ الصِّديقِ أنه حكَمَ في جائِفةٍ نفَذَتْ إلى الجانبِ الآخَرِ بثُلثَي الديَةِ، وكانَ ذلكَ بمَحضرٍ مِنْ الصَّحابةِ الكِرامِ، ولم يُنقَلْ أنه خالَفَه في ذلكَ أحَدٌ منهُم، فيَكونُ إجماعًا (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ جرَحَه في جَوفِه فخرَجَ مِنْ الجانِبِ الآخَرِ فهُمَا جائِفتانِ. هذا قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، منهُم عَطاءٌ ومُجاهدٌ وقَتادةُ ومالكٌ والشافِعيُّ وأصحابُ الرأيِ، قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: لا أعلَمُهم يَختلفونَ في ذلكَ، وحُكيَ عن بعضِ أصحابِ الشافِعيِّ أنه قالَ: هي جائِفةٌ واحِدةٌ، وحُكيَ أيضًا عن أبي حَنيفةَ؛ لأنَّ الجائِفةَ هي التي تَنفذُ مِنْ ظاهِرِ البَدنِ إلى الجَوفِ، وهذهِ الثانيةُ إنما نفَذَتْ مِنْ الباطنِ إلى الظاهِرِ. ولنا: ما رَوَى سَعيدُ بنُ المُسيبِ «أنَّ رَجلًا رمَى رَجلًا بسَهمٍ فأنفَذَه، فقَضَى أبو بَكرٍ ﵁ بثُلثَي الديَةِ» ولا مُخالِفَ له، فيَكونُ إجماعًا، أخرَجَه سَعيدُ بنُ مَنصورٍ في سُننِه، ورُويَ عن عَمرِو بنِ شُعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه «أنَّ عُمرَ قَضَى في الجائِفةِ إذا نفَذَتِ الجوفَ بأرشِ جائفَتينِ»؛ لأنه أنفَذَه مِنْ مَوضعينِ، فكانَ جائفَتينِ كما لو أنفَذَه بضَربتينِ، وما ذكَرَه غيرُ صَحيحٍ؛ فإنَّ الاعتبارَ بوُصولِ الجُرحِ إلى الجَوفِ لا بكَيفيةِ إيصالِه؛ إذْ لا أثَرَ لصُورةِ الفِعلِ مع التساوي في المعنَى، ولأنَّ ما ذَكَروهُ مِنْ الكَيفيةِ ليسَ بمَذكورٍ في خبَرٍ، وإنما العادةُ والغالبُ وقوعُ الجائفةِ هكذا، فلا يُعتبَرُ، كما

стр. 13046

أنَّ العادةَ والغالِبَ حُصولُها بالحَديدِ، ولو حصَلَتْ بغيرِه لَكانَتْ جائفةً، ثم يَنتقضُ ما ذَكَروهُ بما لو أدخَلَ يَدَه في جائِفةِ إنسانٍ فخرَقَ بطْنَه مِنْ مَوضعٍ آخَرَ فإنه يَلزمُه أرشُ جائِفةٍ بغَيرِ خِلافٍ نَعلمُه، وكذلكَ يخرجُ فيمَن أوضَحَ إنسانًا في رأسِه ثم أخرَجَ رأسَ السكِّينِ مِنْ مَوضعٍ آخَرَ فهيَ مُوضِحتانِ، فإنْ هشَمَه هاشِمةً لها مَخرجانِ فهي هاشِمتانِ، وكذلكَ ما أشبَهَه (١). النَّوعُ الثاني: القِصاصُ في الأطرافِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على جَرَيانِ القِصاصِ في الأطرافِ -كما تَقدَّمَ-، فيَجبُ القِصاصُ في كلِّ ما يَنتهي منها إلى مَفصلٍ، وبَيانُ ذلكَ فيما يلي: القِصاصُ في العَينِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على جَرَيانِ القِصاصِ في العَينِ في العَمدِ، فتُؤخذُ العَينُ بالعَينِ، فإذا جَنَى شَخصٌ على آخَرَ فأذهَبَ عيْنَه فإنَّ القِصاصَ واجِبٌ للمَجنيِّ عليهِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥]. قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ العينَ بالعَينِ … وأجمَعُوا على أنَّ في العَينينِ الدِّيةَ كامِلةً … واختَلفُوا في العينِ القائِمةِ التي لا يُبصرُ بها، واليَدِّ الشلَّاءِ، ولِسانِ الأخرَسِ، والذَّكرِ الأشلِّ، والسنِّ السَّوداءِ، فقالَ مالكٌ وأبو حَنيفةَ والشافِعيُّ في أحَدِ قَوليهِ: فيها حُكومةٌ، وعن الشافِعيِّ قَولٌ في ذَكرِ الخَصيِّ والعِنينِ إذا قُطعَ الديَةُ كامِلةٌ، ذكَرَه الشاشيُّ، وعن أحمَدَ

стр. 13047

رِواياتٌ: أظهَرُها: فيها ثلثُ الديةِ، وعن أحمَدَ رِوايةٌ: فيها حُكومةٌ، كمَذهبِ الجَماعةِ، وعن أحمَدَ رِوايةٌ ثالثةٌ: أنَّ في ذَكرِ الخَصيِّ والعِنينِ الديَةَ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على القصاصِ في العَينِ، وممَّن بلَغَنا قولُه في ذلكَ مَسروقٌ والحَسنُ وابنُ سِيرينَ والشَّعبيُّ والنَّخعيُّ والزُّهريُّ والثوريُّ ومالِكٌ والشافِعيُّ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرأيِ، ورُويَ عن عليٍّ ﵁، والأصلُ فيه قولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥]، ولأنها تَنتهي إلى مَفصلٍ، فجَرى القِصاصُ فيها كاليَدِ، وتُؤخذُ عَينُ الشابِّ بعَينِ الكَبيرِ المَريضةِ، وعَينُ الصَّغيرِ بعَينِ الكَبيرِ والأعمَشِ، ولا تُؤخذُ صَحيحةٌ بقائِمةٍ؛ لأنه يأخُذُ أكثرَ مِنْ حقِّه. فَصلٌ: فإنْ قلَعَ عيْنَه بأصبعِه لم يَجزْ أنْ يَقتصَّ بأصبعُه؛ لأنه لا يُمكنُ المُماثلةُ فيه، وإنْ لطَمَه فذهَبَ ضَوءُ عَينِه لم يَجُزْ أنْ يَقتصَّ منه باللَّطمةِ؛ لأنَّ المُماثلةَ فيها غيرُ مُمكِنةٍ، ولهذا لو انفَردَتْ مِنْ إذهابِ الضَّوءِ لم يَجبْ فيها قِصاصٌ، ويَجبُ القِصاصُ في البَصرِ، فيُعالَجُ بما يَذهبُ ببَصرِه مِنْ غيرِ أنْ يقلعَ عَينهُ، كما رَوى يَحيى بنُ جعدةَ «أنَّ أعرابيًّا قَدِمَ بحَلوبةٍ له إلى المَدينةِ فساوَمَه فيها مولًى لعُثمانَ بنِ عفَّانَ ﵁ فنازَعَه فلطَمَه ففقَأَ عيْنَه، فقالَ له عُثمانُ: هل لكَ أنْ أضعِفَ لك الديَةَ وتَعفوَ عنه؟ فأبى، فرفَعَهُما إلى عليٍّ ﵁ فدعَا عليٌّ بمِرآةٍ فأحماهَا ثم وضَعَ القُطنَ على عَينِه الأخرَى ثمَّ أخَذَ المرآةَ بكلبتَينِ فأدناها مِنْ عَينِه حتَّى سالَ إنسانُ عَينِه»، وإنْ وضَعَ فيها كافورًا

стр. 13048

يَذهبُ بضَوئِها مِنْ غيرِ أنْ يَجنيَ على الحَدقةِ جازَ، وإنْ لم يُمكِنْ إلا بالجِنابةِ على العُضوِ سقَطَ القِصاصُ؛ لتعذُّرِ المُماثلةِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: جاءَ الحَديثُ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «في العَينينِ الديَةُ» (٢). وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ العَينَينِ إذا أُصيبتَا خطَأً فيهِما الديَةُ، وفي العَينِ الواحِدةِ نصفُ الديةِ. واختَلفُوا في عَينِ الأعوَرِ، فقالَت طائِفةٌ: فيها الديَةُ، رُويَ ذلكَ عن عُمرَ، وعُثمانَ، وبه قالَ عَبدُ المَلكِ بنُ مَروانَ والزُّهريُّ وقتادةُ ومالكٌ والليثُ بنُ سَعدٍ وأحمَدُ وإسحاقُ. وفيه قولٌ ثانٍ وهو: أنَّ في عَينِ الأعورِ نِصفَ الديَةِ، رُويَ هذا القَولُ عن مَسروقٍ وعبدِ اللهِ بنِ مَعقلٍ والنخَعيِّ، وبه قالَ سفيانُ الثوريُّ والشافِعيُّ والنُّعمانُ، وبه نَقولُ؛ لأنَّ في الحَديثِ: «في العَينَينِ الديَةُ»، ومَعقولٌ إذا كانَ كذلكَ أنَّ في إحداهُما نصفَ الديةِ (٣). الأعوَرُ يَفقأُ عيْنَ الصَّحيحِ: قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: واختَلفُوا في الأعوَرِ يَفقأُ عيْنَ الصَّحيحِ. فروينَا عن عُمرَ وعُثمانَ أنهُما قالَا: «لا قوَدَ عليهِ، وعليهِ الديةُ كاملةً»، وبه قالَ عَطاءٌ وسَعيدُ بنُ المُسيبِ وأحمَدُ بنُ حَنبلٍ.

стр. 13049

وقالَت طائِفةٌ: عليهِ القَودُ، على ظاهِرِ قولِه تعالَى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥] الآيَة، هذا قَولُ مَسروقٍ والشَّعبيِّ وابنِ سِيرينَ وابنِ مَعقلٍ والثوريِّ والشافِعيِّ والنُّعمانِ. وقالَ الحَسنُ والنخَعيُّ: إنْ شاءَ اقتَصَّ منه وأعطاهُ نِصفَ الديةِ. وقالَ مالِكٌ: إنْ شاءَ فقَأَ عيْنَ الأعورِ فتَركَه أعمَى، وإنْ شاءَ أخَذَ الديَةَ كامِلةً ديَةَ عينِ الأعورِ؛ لأنه إنما يَأخذُ دِيةَ العَينِ التي كانَتْ ألفَ دينارٍ. قالَ أبو بَكرٍ: قالَ اللهُ : ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥]، وجعَلَ النبيُّ ﷺ في العَينينِ الديَةَ، ففي العَينِ نِصفُ الديةِ، والقصاصُ بينَ الأعورِ وصَحيحِ العَينِ كهوَ بينَ سائرِ الناسِ. واختَلفُوا في عَينِ الأعوَرِ التي لا يُبصرُ بها. فروينَا عن زيدِ بنِ ثابتٍ أنه قالَ: فيها مِائةُ دِينارٍ. وعن عُمرَ بنِ الخطَّابِ أنه قالَ: «فيها ثُلثُ دِيتِها»، وبه قالَ إسحاقُ. وقالَ مُجاهدٌ: فيها نِصفُ دِيتِها. وقالَ مَسروقٌ والزهريُّ ومالكٌ والشافِعيُّ وأبو ثَورٍ والنُّعمانُ: فيها حُكومةٌ. وبه نَقولُ؛ لأنه الأقلُّ مما قيلَ. وفي هَذهِ المَسألةِ قَولانِ سِوى ما ذكَرْناهُ. أحَدُهما عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ أنه قالَ: عُشرُ الديَةِ.

стр. 13050

والثاني عن عُمرَ بنِ عبدِ العزيزِ أنَّ عقْلَها خَمسُ مائةِ دينارٍ إنْ لم يَكنْ أُخذَ لها عَقلٌ (١). جُفونُ العَينينِ: جُفونُ العَينينِ أربَعةٌ تُحيطُ بالعَينينِ مِنْ أعلَى وأسفلَ، وتَحفظُهما مِنْ الأذَى، وتَجلبُ إليهِما النَّومَ، ويَكملُ بهنَّ جَمالُ الوَجهِ والعَينِ. ولا قِصاصَ فيها؛ لأنه لا يُمكنُ استِيفاءُ المِثلِ فيها (٢). واختَلفَ الفُقهاءُ في جُفونِ العَينينِ إذا استُؤصِلَتْ، هل فيها الديةُ أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنبليةُ إلى أنَّ في كلِّ جَفنٍ رُبعَ الديَةِ؛ لأنها مِنْ تَمامِ الخِلقةِ فيها مَنفعةٌ وجَمالٌ تَألمَ بقَطعِها ويُخافُ على النفسِ مِنْ سِرايةِ الجِنايةِ عليها، فوجَبَ أنْ تَكملَ الديَةُ فيها كسائرِ الأعضاءِ ولا يمتنعَ، وإنْ كانَت تَبعًا أنْ تُساويَ مَتبوًعا في الديَةِ إذا اختُصَّتْ بزيادةِ جَمالٍ ومَنفعةٍ، كالأنفِ في الشمِّ، والأذُنينِ في السَّمعِ، فإذا ثبَتَ أنَّ فيها الديَةَ فسَواءٌ استُؤصلَتْ مِنْ صَغيرٍ أو كَبيرٍ أو بَصيرٍ، لأنَّ للضَّريرِ بها منفعةً وجَمالًا وإنْ كانَت مَنفعةُ البَصرِ بها أعَمَّ. قالَ الماوَرديُّ ﵀: فأما القَودُ فإنْ أمكَنَ فيها ولم يَتعَدَّ ضَررُه إلى العَينينِ وجَبَ، وإنْ لم يُمكنْ سقَطَ، فإنْ قلَعَ جَفنًا واحدًا ففيه رُبعِ الديَةِ؛ لأنَّ كلَّ ذي عَددٍ مِنْ الأعضاءِ إذا كَملَتْ فيه الديةُ تَقسَّطتْ على عَددِها،

стр. 13051

كاليَدينِ في تَقسيطِ دِيتِها على الأصابعِ، وتُقسَّطُ ديةُ الإصبعِ على الأناملِ، وسَواءٌ كانَ الجَفنُ أعلَى أو أسفَلَ، وفي الجَفنينِ نِصفُ الديَةِ، وفي ثلاثةِ جُفونٍ ثلاثةُ أرباعِ الديةِ، فلو جَنَى على عَينيهِ فقطَعَ جُفونَهما وأذهَبَ بصَرَهما لَزمَتْه ديَتانِ إحدُاهما في الجُفونِ والأخرَى في العَينينِ، كما لو قطَعَ أُذنيهِ وأذهَبَ سمْعَه (١). وقالَ الشافِعيُّ ﵀: وإذا قطَعَ جُفونَ العَينينِ حتى يَستأصلَها ففيها الدِّيةُ كاملةً، في كلِّ جَفنٍ رُبعُ الديةِ؛ لأنها أربَعةٌ في الإنسانِ وهي مِنْ تَمامِ خِلقتِه وممَّا يَألمُ بقَطعِه؛ قياسًا على أنَّ النبيَّ ﷺ جعَلَ في بَعضِ ما في الإنسانِ منه واحِدٌ الديَةَ، وفي بَعضِ ما في الإنسانِ منه اثنانُ نِصفَ الديةِ، ولو فقَأَ العَينينِ وقطَعَ جُفونَهما كانَ في العَينينِ الدِّيةُ وفي الجُفونِ الديةُ؛ لأنَّ العَينينَ غيرُ الجُفونِ، ولو نتَفَ أهدابَهُما فلَم تَنبتْ كانَ فيها حُكومةٌ، وليسَ في شَعرِ الشَّفرِ أرشٌ مَعلومٌ؛ لأنَّ الشَّعرَ بنفسِه يَنقطعُ فلا يَألمُ به صاحِبُه، ويَنبتُ ويَقلُّ ويَكثرُ، ولا يُشبهُ ما يَجرِي فيه الدمُ وتَكونُ فيه الحَياةُ فيَألمُ المَجنيُّ عليهِ بما نالَه ممَّا يُؤلمُ، وما أُصيبَ مِنْ جُفونِ العَينينِ ففيهِ مِنْ الديةِ بحِسابِه (٢). وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ في جُفونِ العَينينِ حُكومةً، وكذلكَ في كلِّ جَفنٍ منها؛ لأنَّ مَقاديرَ الديَاتِ مَوقوفٌ على النصِّ، وليسَ فيها نَصٌّ، ولأنها تبَعٌ

стр. 13052

للعَينينِ، فلَم تَجبْ فيها الدِّيةُ الواجِبةُ في العَينينِ؛ لأنَّ حُكمَ التبعِ أخَفُّ مِنْ حُكمِ المَتبوعِ. جاءَ في «المُدوَّنة الكُبرَى»: قُلتُ: أرَأيتَ جُفونَ العَينينِ أَفيها الديةُ عندَ مالكٍ؟ (قالَ): ليسَ في الجُفونِ إلا الاجتِهادُ، (قلتُ): وأشفارُ العَينينِ كذلكَ في قَولِ مالكٍ إنما فيهِما الاجتهادُ؟ (قالَ): نعم، (قلتُ): أرَأيتَ الحاجِبينِ فيهِما الديَةُ أم لا؟ (قالَ): قالَ مالِكٌ: ليسَ فيهما إلا الحُكومةُ إذا لم يَنبتَا (١). قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ في الأجفانِ الأربَعةِ الديَةَ كامِلةً، وفي كلِّ واحِدٍ منها رُبعَ الديةِ. إلا مالِكًا فإنه قالَ: فيها حُكومةٌ (٢). القِصاصُ في الأنفِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الأنفَ تُؤخذُ بالأنفِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ﴾ [المائدة: ٤٥]، ولأنه يَنتهي إلى مَفصلٍ، فيُؤخذُ الأنفُ الكَبيرُ بالصَّغيرِ، والغَليظُ بالدَّقيقِ؛ لأنَّ الأطرافَ يَجبُ القِصاصُ فيها وإنِ اختَلفَتْ في الصِّغَرِ والكِبَرِ.

стр. 13053

وفيهِ الدِّيةُ كامِلةً؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «وفي الأنفِ إذا أُوعِبَ جَدعُه الدِّيةُ» (١). قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ الأنفَ إذا أُوعبَ جَدعًا الديةُ (٢). والقِصاصُ مِنْ الأنفِ إذا كانَتِ الجِنايةُ عَمدًا كالقِصاصِ مِنْ سائرِ الأعضاءِ على ظاهِرِ كتابِ اللهِ (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ الأنفَ بالأنفِ، وأجمَعُوا على أنَّ في الأنفِ إذا استُوعبَ جَذعًا الديةُ (٤). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأجمَعُوا على جَرَيانِ القِصاصِ في الأنفِ أيضًا؛ للآيةِ والمعنَى، ويُؤخذُ الكَبيرُ بالصَّغيرِ، والأَقنى (٥) بالأفطَسِ (٦)، وأنفُ الأشَمِّ (٧) بأنفِ الأخشَمِ (٨) الذي لا يَشمُّ؛ لأنَّ ذلكَ لعِلةٍ في الدِّماغِ والأنفُ صَحيحٌ، كما تُؤخذُ أُذنُ السَّميعِ بأُذنِ الأصمِّ، وإنْ كانَ بأنفِه جُذامٌ

стр. 13054

أُخذَ به الأنفُ الصَّحيحُ ما لم يَسقطْ منه شَيءٌ؛ لأنَّ ذلكَ مَرضٌ، فإنْ سقَطَ منه شَيءٌ لم يُقطعْ به الصَّحيحُ، إلا أنْ يَكونَ مِنْ أحدِ جانبَيهِ، فيَأخذُ مِنْ الصَّحيحِ مثلَ ما بَقيَ منه أو يأخذُ أرشَ ذلكَ. والذي يَجبُ فيه القِصاصُ أو الدِّيةُ هو المارِنُ، وهو ما لَانَ منه دُونَ قَصبةِ الأنفِ؛ لأنَّ ذلكَ حَدٌّ يَنتهِي إليه، فهو كاليَدِ يَجبُ القِصاصُ فيما انتَهى إلى الكُوعِ، وإنْ قطَعَ الأنفَ كلَّه مِنْ القَصبةِ فعَليهِ القِصاصُ في المارنِ وحُكومةٌ للقَصبةِ، هذا قَولُ ابنِ حامِدٍ ومَذهبُ الشافِعيِّ، وفيه وَجهٌ آخَرُ أنه لا يَجبُ مع القِصاصُ حُكومةٌ؛ كي لا يَجتمعَ في عُضوٍ واحِدٍ قِصاصٌ ودِيةٌ، وقياسُ قولِ أبي بَكرٍ أنه لا يَجبُ القِصاصُ هاهُنا؛ لأنه يَضعُ الحَديدةَ في غيرِ المَوضعِ الذي وضَعَها الجاني فيه، فلَم يَملكْ ذلكَ، كقَولِه فيمَن قطَعَ اليدَ مِنْ نِصفِ الذِّراعِ أو الكفِّ. وذكَرَ القاضي هاهُنا كقَولِ أبي بَكرٍ، وفي نَظائرِه مثلَ قولِ ابنِ حامِدٍ، ولا يَصحُّ التَّفريقُ مع التساوي، وإنْ قطَعَ بعضَ الأنفِ قُدِّرَ بالأجزاءِ وأُخذَ منه بقَدرِ ذلكَ كقَولِنا في الأذنِ، ولا يُؤخذُ بالمَساحةِ؛ لئلَّا يُفضيَ إلى قَطعِ جَميعِ أنفِ الجاني لصِغرِه ببعضِ أنفِ المَجنيِّ عليهِ لكِبَرِه، ويُؤخذُ المِنخرُ الأيمَنُ بالأيمنِ، والأيسَرُ بالأيسَرُ، ولا يُؤخذُ أيمَنُ بأيسَرَ، ولا أيسَرُ بأيمَنَ، ويُؤخذُ الحاجزُ بالحاجزِ؛ لأنه يُمكنُ القِصاصُ فيه؛ لانتِهائِه إلى حَدٍّ (١). وقالَ الماوَرديُّ: قالَ الشافِعيُّ ﵁: «والأنفُ بالأنفِ».

стр. 13055

قالَ الماوَرديُّ: وهذا صَحيحٌ، القِصاصُ في الأنفِ واجِبٌ بالنصِّ، فإذا جدَعَ أنفَه مِنْ العَظمِ حتى استَوعبَ جَميعَ مارِنِه اقتصَّ منه بمِثلِه وقُطعَ جَميعُ مارِنِه، ويُقتصُّ مِنْ أنفِ الشامِّ بأنفِ الأخشَمِ، ومِن الكَبيرِ بالصَّغيرِ، ومِن الأقنَى بالأفطَسِ، ومِن الصَّحيحةِ بالخَرماءِ إذا لم يَذهبْ بالخَرمِ منها شَيءٌ، فإنْ قطَعَ أنفَه مِنْ نِصفِ المارِنِ اقتصَّ مِنْ نِصفِ مارِنِه، بخِلافِ القاطعِ مِنْ نصفِ الذِّراعِ؛ لأنَّ في الذراعِ عَظمًا يَمنعُ مِنْ مُماثَلةِ القِصاصِ، ومارِنُ الأنفِ ليسَ يُمكنُ فيه القِصاصُ، فلو قطَعَه مِنْ نِصفِ العَظمِ صارَ حِينئذٍ كالقاطعِ مِنْ نِصفِ الذِّراعِ، فيُقتصُّ له مِنْ حَدِّ العَظمِ ويُستوعبُ به جَميعُ المارِنِ، ويُعطَى حُكومةً فيما قُطعَ مِنْ العَظمِ، فلو أوضَحَ عن العَظمِ ولم يَقطعْه أخَذَ منه ديَةَ مُوضحةٍ، ولو هشَمَه أخَذَ منه ديَةَ هاشِمةٍ، ولو نقَّلَه أخَذَ منه ديَةَ مُنقِّلةٍ، وفي حُكومةِ قَطعٍ أكثرُ مِنْ ديةِ مُنقِّلةٍ. وإذا قطَعَ أحَدَ شِقِّي أنفِه اقتصَّ منه؛ لأنَّ حاجِزَ المِنخرينِ حدٌّ يَنتهي القِصاصُ إليه، ولو قطَعَ حاجِزَ المِنخرينِ اقتصُّ منه إلى الحدِّ الذي قطَعَه؛ لإمكانِ الاقتِصاصِ مِنْ جَميعِه، ولو ضرَبَ أنفَه فاستَحشَفَ لم يُقتصَّ منه وكانَ له الديَةُ، كما لو ضرَبَ يَدَه فشُلَّت، ويَحتملُ أنْ يَتخرَّجَ فيه قَولٌ آخَرُ مِنْ استِشحافِ الأُذنِ أنَّ له حُكومةً، ولو كسَرَ أنفَه مُجبَّرةً أُعطيَ حكومةً ولا قوَدَ له، فلو انجبَرَ مُعوَجًّا كانَت الحكومةُ أكثَرَ منها لو انجبَرَ مُستقيمًا (١).

стр. 13056

وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وأما الأنفُ فإنْ قُطعَ المارِنُ ففيه القِصاصُ بلا خِلافٍ بينَ أصحابِنا ﵏؛ لقَولِه : ﴿وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ﴾ [المائدة: ٤٥]، ولأنَّ استِيفاءَ المِثلِ فيه مُمكنٌ؛ لأنَّ له حَدًّا مَعلومًا، وهو ما لانَ منه، فإنْ قطَعَ بعضَ المارِنِ فلا قِصاصَ فيه؛ لتعذُّرِ استِيفاءِ المِثلِ. وإنْ قطَعَ قَصبةَ الأنفِ فلا قِصاصَ فيه؛ لأنه عَظمٌ ولا قِصاصَ في العَظمِ ولا في السنِّ؛ لِما نَذكرُ إنْ شاءَ اللهُ تعالى. وقالَ أبو يُوسفَ: إنْ استوعبَ ففيه القِصاصُ، وقالَ مُحمدٌ: لا قِصاصَ فيه وإنِ استوعبَ، ولا خِلافَ بينَهُما في الحَقيقةِ؛ لأنَّ أبا يُوسفَ أرادَ استيعابَ المارِنِ، وفيه القِصاصُ بلا خِلافٍ، ومُحمدٌ ﵀ أرادَ به استِيعابَ القصَبةِ، ولا قِصاصَ فيها بلا خِلافٍ (١). القِصاصُ في الأُذنِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على جَريانِ القِصاصِ في الأُذنِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾ [المائدة: ٤٥]، فيُؤخذُ الكَبيرُ بالصَّغيرِ، والصَّغيرُ بالكبيرِ، والغَليظُ بالدَّقيقِ، والصَّحيحُ بالمَجذومِ، والأصَمُّ بالسميعِ، والسَّميعُ بالأصمِّ، والمَثقوبُ بالصَّحيحِ، والصَّحيحُ بالمَثقوبِ؛ لأنَّ الثقبَ ليسَ بنَقصٍ في الأُذنِ، وإنما تُثقبُ للجَمالِ. قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ … الأذنَ بالأذنِ … وأجمَعُوا على أنَّ في أطرافِ الأُذنَينِ -وهي الجِلدُ القائمُ بينَ العِذارِ

стр. 13057

والبَياضِ الذي حوْلَها- الديةُ، إلا مالِكًا فإنه قد رُويَتْ عنه رِوايتانِ: إحداهُما: فيها حُكومةٌ، والأُخرى: فيها الدِّيةُ، كمَذهبِ الجَماعةِ (١). وقالَ الكاسانِيُّ ﵀: وأما الأذنُ فإنِ استَوعبَها ففيها القِصاصُ؛ لقَولِه ﵎: ﴿وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾ [المائدة: ٤٥]، ولأنَّ استِيفاءَ المِثلِ فيها مُمكنٌ، فإنْ قطَعَ بعضَها فإنْ كانَ له حدٌّ يُعرَفُ ففيه القِصاصُ، وإلا فلا (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الأذنَ تُؤخذُ بالأذنِ؛ وذلكَ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾ [المائدة: ٤٥]، ولأنها تَنتهي إلى حَدٍّ فاصلٍ، فأشبَهَتِ اليَدَ، وتُؤخذُ الكَبيرةُ بالصَّغيرةِ، وتُؤخذُ أذنُ السَّميعِ بأذنِ السميعِ، وتُؤخذُ أذنُ الأصمِّ بكلِّ واحدةٍ منهُما؛ لتَساويهِما، فإنَّ ذهَابِ السَّمعِ نَقصٌ في الرأسِ؛ لأنه مَحلُّه، وليسَ بنَقصٍ فيهما، وتُؤخذُ الصَّحيحةُ بالمَثقوبةِ؛ لأنَّ الثقبَ ليسَ بعَيبٍ، وإنما يُفعلُ في العادةِ للقُرطِ والتزيُّنِ به، فإنْ كانَ الثقبُ في غيرِ مَحلِّه أو كانَتْ مَخرومةً أُخذتْ بالصَّحيحةِ ولم تُؤخذِ الصَّحيحةُ بها؛ لأنَّ الثقبَ إذا انخَرمَ صارَ نقصًا فيها، والثقبُ في غيرِ مَحلِّه عَيبٌ، ويُخيَّرُ المجنيُّ عليهِ بينَ أخذِ الديةِ إلا قدْرَ النقصِ، وبينَ أنْ يقتصَّ فيما سِوَى المَعيبِ ويَتركَه مِنْ أُذنِ الجاني، وفي وُجوبِ الحُكومةِ له في قَدرِ الثقبِ وَجهانِ، وإنْ قُطعَتْ بعضُ أذنِه فله أنْ يقتصَّ مِنْ أذنِ الجاني، وتَقديرُ ذلكَ بالأجزاءِ، فيُؤخذُ النِّصفُ بالنِّصفُ، والثلثُ بالثلُثِ، وعلى

стр. 13058

حِسابِ ذلكَ، وقالَ بعضُ أصحابِ الشافِعيِّ: لا يجري القِصاصُ في البَعضِ؛ لأنه لا يَنتهي إلى حَدٍّ. ولنا: إنه يُمكنُ تَقديرُ المَقطوعِ وليسَ فيها كَسرُ عَظمٍ، فجَرى القِصاصُ في بَعضِها كالذَّكرِ، وبهذا يَنتقصُ ما ذَكَروهُ. وتُؤخذُ الأذنُ المُستحشِفةُ بالصَّحيحةِ، وهل تُؤخذُ الصَّحيحةُ بها؟ فيه وَجهانِ: أحَدُهما: لا تُؤخذُ بها؛ لأنها ناقِصةٌ مَعيبةٌ، فلَم تُؤخذْ بها الصَّحيحةُ كاليدِ الشَّلاءِ وسائرِ الأعضاءِ. والثَّاني: تُؤخذُ بها؛ لأنَّ المَقصودَ منها جَمعُ الصَّوتِ وحِفظُ محلِّ السَّمعِ والجَمالُ، وهذا يَحصلُ بها كحُصولِه بالصَّحيحةِ، بخِلافِ سائرِ الأعضاءِ. فَصلٌ: وإنْ قطَعَ أُذنَه فأبانَها فألصَقَها صاحبُها فالتَصقَتْ وثبتَتْ فقالَ القاضِي: يَجبُ القِصاصُ، وهو قَولُ الثوريِّ والشافِعيِّ وإسحاقَ؛ لأنه وجَبَ بالإبانةِ وقد وُجدَتِ الإبانةُ. وقالَ أبو بَكرٍ: لا قِصاصَ فيها، وهو قَولُ مالكٍ؛ لأنها لم تَبِنْ على الدَّوامِ، فلَم يَستحقَّ إبانةَ أذنِ الجاني دَوامًا، وإنْ سَقطَتْ بعدَ ذلكَ قَريبًا أو بَعيدًا فله القِصاصُ، ويَردُّ ما أخَذَ، وعلى قَولِ أبي بكرٍ: إذا لم تَسقطْ له ديةُ الأذنِ، وهو قولُ أصحابِ الرأيِ، وكذلكَ قولُ الأوَّلينَ إذا اختارَ الديَةَ، وقالَ مالكٌ: لا عقْلَ لها إذا عادَتْ مكانَها، فأما إنْ قطَعَ بعضَ أذنِه فالتَصقَ

стр. 13059

فله أرشُ الجُرحِ ولا قِصاصَ فيه، وإنْ قطَعَ أذنَ إنسانٍ فاستَوفَى منه فألصَقَ الجاني أُذنَه فالتَصقَتْ وطلَبَ المجنيُّ عليهِ إبانَتَها لم يَكنْ له ذلكَ؛ لأنَّ الإبانةَ قد حَصلَتْ والقِصاصَ قد استُوفِيَ، فلَم يَبْقَ له قِبلَه حقٌّ، فأما إنْ كانَ المجنيُّ عليهِ لم يَقطعْ جَميعَ الأذنِ إنما قطَعَ بعضَها فالتَصقَ كانَ للمَجنيِّ عليهِ قَطعُ جَميعِها؛ لأنه استَحقَّ إبانةَ جَميعِها ولم يَكنْ إبانةٌ، والحُكمُ في السنِّ كالحُكمِ في الأذنِ. فصلٌ: ومَن ألصَقَ أُذنَه بعدَ إبانتِها أو سِنَّه فهل تَلزمُه إبانتُها؟ فيه وَجهانِ مَبنيَّانِ على الرِّوايتينِ فيما بانَ مِنْ الآدَميِّ هل هو نَجسٌ أو طاهرٌ؟ إنْ قُلنا: «هو نَجسٌ» لَزمَتْه إزالتُها ما لم يَخَفِ الضررَ بإزالتِها، كما لو جبَرَ عظْمَه بعَظمٍ نَجسٍ، وإنْ قُلنا بطَهارتِها لم تَلزمْه إزالتُها، وهو اختِيارُ أبي بَكرٍ وقَولُ عَطاءِ بنِ أبي رَباحٍ وعطاءٍ الخُراسانِيِّ، وهو الصَّحيحُ؛ لأنه جُزءُ آدَميٍّ طاهرٍ في حَياتِه ومَوتِه، فكانَ طاهِرًا كحالةِ اتِّصالِه، فأما إنْ قطَعَ بعضَ أُذنِه فالتَصقَ لم تَلزمْه إبانتُها؛ لأنها طاهِرةٌ على الرِّوايتينِ جَميعًا؛ لأنها لم تَصِرْ مَيتةً؛ لعَدمِ إبانتِها، ولا قِصاصَ فيها، قالَه القاضِي، وهو مَذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنه لا يُمكنُ المُماثَلةُ في المَقطوعِ منها (١). وقالَ الزَّركشيُّ ﵀: وتُقطعُ الأذنُ بالأذنِ، هذا إجماعٌ في الجُملةِ (٢).

стр. 13060

القِصاصُ في الذَّكرِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الذَّكَرِ إذا قُطعَ، هل يَجبُ فيه القِصاصُ أم لا؟ فذهَبَ جَماهيرُ أهلِ العِلمِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ القِصاصَ يَجري في الذَّكرِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]؛ لأنه عُضوٌ له حَدٌّ وغايةٌ، فإذا استَوعبَه مِنْ أصلِ القَضيبِ اقتُصَّ منه، ويُؤخذُ الطَّويلُ بالقَصيرِ، والغَليظُ بالدَّقيقِ، وذكَرُ الشابِّ بذَكرِ الشيخِ، وذكَرُ الذي يَأتي النِّساءَ بذَكرِ العِنينِ، والذَّكرُ الذي يَنتشرُ بالذي لا يَنتشرُ ما لم يَكنْ به شَللٌ (١). قالَ ابن قُدامةَ ﵀: لا نَعلمُ بينَ أهلِ العِلمِ خِلافًا في أنَّ القِصاصَ يَجريِ في الذَّكرِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، ولأنَّ له حَدًّا يَنتهي إليه ويُمكِنُ القِصاصُ فيه مِنْ غيرِ حَيفٍ، فوجَبَ فيه القِصاصُ كالأنفِ، ويَستوِي في ذلكَ الصغيرُ والكَبيرُ، والشيخُ والشابُّ، والذَّكرُ الكبيرُ والصَّغيرُ، والصَّحيحُ والمَريضُ؛ لأنَّ ما وجَبَ فيه القِصاصُ مِنْ الأطرافِ لم يَختلفْ بهذه المَعاني، كذلكَ الذكَرُ، ويُؤخذُ كلُّ واحدٍ مِنْ المَختونِ والأغلَفِ بصاحبِه؛ لأنَّ الغُلفةَ زِيادةٌ تُستحقُّ إزالتُها، فهي كالمَعدومةِ (٢). وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه لا قِصاصَ في الذَّكرِ؛ لأنه يَنقبضُ ويَنبسطُ، فلا
следующие страницы →