الحَديثَينِ وجبَ، ولم يُحمَل على النَّسخِ، ثم يُحتَملُ أنَّ أبا بَكرٍ كانَ الإمامَ، قالَ ابنُ المُنذرِ في بعضِ الأخبارِ: إنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى بالناسِ، وفي بعضِها: إنَّ أبا بَكرٍ كانَ الإمامَ، وقالَت عائِشَةُ: «صلَّى النَّبيُّ ﷺ خلفَ أَبِي بَكرٍ في مرَضِهِ الذي مَاتَ فيه قاعِدًا» (١). وقالَ أنَسٌ: «صلَّى النَّبيُّ ﷺ في مرَضِهِ خلفَ أَبِي بَكرٍ قاعِدًا في ثَوبٍ مُتوشِّحًا بِه» (٢). قالَ التِّرمذِيُّ: كِلا الحَديثَينِ حَسَنٌ صَحِيحٌ، ولا يُعرَفُ لِلنَّبيِّ ﷺ خلفَ أبي بَكرٍ صَلاةٌ إلا في هذا الحَديثِ (٣).
أمَّا إمامَةُ العاجِزِ عن تَوفِيَةِ الأركانِ لِمِثلِه فجائِزةٌ باتِّفاقِ الفُقهاءِ (٤).
ز- السَّلامةُ مِنْ فَقدِ شَرطٍ مِنْ شُرُوطِ الصَّلاةِ:
يُشترطُ في الإمامِ السَّلامةُ مِنْ فَقدِ شَرطٍ مِنْ شُروطِ صحَّةِ الصَّلاةِ، كالطَّهارةِ مِنْ حَدثٍ أو خَبثٍ، فلا تَصحُّ إمامةُ مُحدِثٍ ولا مُتنَجِّسٍ، إذا كانَ يَعلَمُ ذلك باتِّفاقٍ؛ لأنَّه أخَلَّ بشَرطٍ مِنْ شُروطِ الصَّلاةِ، مع القُدرةِ على الإتيانِ به، ولا فَرقَ في ذلكَ بينَ الحَدثِ الأصغَرِ أو الحَدثِ الأكبَرِ، ولا بينَ نَجاسةِ الثَّوبِ أو نَجاسةِ البَدنِ والمَكانِ.
إلَّا أنَّ للعُلماءِ تَفصيلًا فيما لو صلَّى الإمامُ مُحدِثًا أو جُنبًا، سواءٌ كانَ عالِمًا بحَدثِه أو غيْرَ عالِمٍ، هل تَصحُّ صلاةُ المأمومِينَ خلْفَه أم لا تَصحُّ؟
стр. 1332
وهل هُناكَ فَرقٌ بيْنَ أنْ يَعرِفُوا حدَثَ الإمامِ في أثناءِ الصَّلاةِ أو بَعدَ الصَّلاةِ أم لا؟ وهل إذا بَطلَتْ صلاةُ الإمامِ بسَبْقِ حَدَثٍ هل تَبطلُ صلاةُ المأمومِينَ أم تَصحُّ ويَستخلِفُ الإمامُ؟ بيانُ ذلكَ فيما يليَ مِنْ حالاتٍ:
الحالَةُ الأُولى: أنْ يُصلِّيَ الإمامُ وهوَ مُحدِثٌ أو جُنبٌ وهوَ عالِمٌ بحَدثِه وبالجَنابةِ أو كانَ المأمُومُ يَعلمُ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الإمامَ إذا صلَّى وهوَ جُنبٌ أو مُحدِثٌ وهو عالِمٌ بحَدثِه ثمَّ عَلِمَ المأمومُونَ في أثناءِ الصَّلاةِ أو بَعدَ الصَّلاةِ أنَّ صلاتَهُم تَفسدُ ويَجبُ عَليهم إعادةُ الصَّلاةِ مرَّةً ثانِيةً.
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: إنْ صلَّى خلْفَ المُحدِثِ بجَنابةٍ أو بَولٍ وغَيرِه والمأمومُ عالِمٌ بحدَثِ الإمامِ أَثِمَ بذلكَ وصَلاتُه باطِلةٌ بالإجماعِ (١).
واختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو صلَّى الإمامُ وهوَ عالِمٌ بحَدَثِ نَفسِه ولَم يَعلمِ المأمومُونَ، هل تَجبُ عَليهم إعادةُ الصَّلاةِ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحنفيَّةُ والمالكيَّةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه تَجبُ عَليهم إعادةُ الصَّلاةِ جَميعًا الإمامُ والمأمومُونَ.
قالَ الإمامُ مالِكٌ ﵀: إنْ صلَّى بهم ذاكِرًا لِجَنابتِه فصَلاتُهم كُلهمْ فاسِدةٌ، وكذلكَ إنْ ذكَرَ في الصَّلاةِ فتَمادَى بهِم جاهِلًا أو مُستحيِيًا فقدْ أفسَدَ عَليهم.
стр. 1333
قالَ ابنُ القاسمِ: كلُّ إمامٍ دخَلَ عَليهِ ما يُنقضُ صَلاتَه فتَمادى بهِم فإنَّ صَلاتَه مُنتقِضةٌ، وعَليهِم أنْ يُعيدُوا متَى عَلمُوا (١).
وذهَبَ الشَّافعيةُ إلى أنَّه لا يَجبُ عليهِم إعادةُ الصَّلاةِ، قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: إنْ صلَّى خلْفَ المُحدِثِ بجَنابةٍ أو بَولٍ وغَيرِه والمأمُومُ عالِمٌ بحدَثِ الإمامِ أَثِمَ بذلكَ وصَلاتُه باطِلةٌ بالإجماعِ.
وإنْ كانَ جاهِلًا بحدَثِ الإمامِ فإنْ كانَ في غَيرِ الجمُعةِ انعَقدَتْ صَلاتُه، فإنْ عَلمَ في أثناءِ الصَّلاةِ حدَثَ الإمامِ لَزمَه مُفارَقتُه وأتَمَّ صَلاتَه مُنفرِدًا بانِيًا على ما صلَّى معهُ، فإنِ استَمرَّ على المُتابَعةِ لحظةً أو لم يَنوِ المُفارَقةَ بَطلَتْ صَلاتُه بالاتِّفاقِ؛ لأنَّه صلَّى بعْضَ صَلاتِه خلْفَ مُحدِثٍ مع عِلمِه بحَدثِه، وممَّن صرَّحَ ببُطلانِ صَلاتِه إذا لم يَنوِ المُفارَقةَ ولم يُتابِعْه في الأفعالِ الشَّيخُ أبو حامِدٍ والقاضي أبو الطَّيبِ في تَعليقِهما والمَحامِليُّ وخَلائِقُ مِنْ كبارِ الأصحابِ، وإنْ لم يَعلمْ حتَّى سلَّمَ منها أجزَأتْهُ؛ لِمَا ذكَرَه المُصنِّفُ، وسواءٌ كانَ الإمامُ عالِمًا بحدَثِ نفْسِه أم لا؛ لأنَّه لا تَفريطَ مِنْ المأمومِ في الحالَينِ، هذا هوَ المَذهبُ وبهِ قطَعَ الجُمهورُ، وقالَ الشَّافعيُّ ﵀ في كِتابِ البُوَيطيِّ قبْلَ كِتابِ الجَنائزِ بأسطُرٍ: إنْ كانَ الإمامُ عالِمًا بحدَثِه لم تَصحَّ صلاةُ المأمومِينَ، وإنْ كانَ ساهِيًا صحَّتْ، ونقَلَ صاحبُ «التَّلخِيص» فيما إذا تَعمَّدَ الإمامُ قولَينِ في وُجوبِ الإعادَةِ وقالَ: هُمَا مَنصوصانِ للشَّافعيِّ،
стр. 1334
قالَ القفَّالُ في «شَرح التَّلخيصِ»: قالَ أصحابُنا: غَلَط في هذهِ المَسألةِ، ولا يَختلفُ مَذهبُ الشَّافعيِّ أنَّ الإعادةَ لا تَجبُ وإنْ تَعمَّدَ الإمامُ، وإنَّما حكَى الشَّافعيُّ مَذهبَ مالِكٍ أنَّه إنْ تَعمَّدَ لَزمَ المأمومَ الإعادةُ، وفي بَعضِ نُسخِ «شَرح التَّلخيصِ»: قالَ القفَّالُ: قالَ الأكثَرونَ مِنْ أصحابِنا: لا تَجبُ الإعادةُ وإنْ تَعمَّدَ، وقالَ بَعضُ أصحابِنا فيها قَولانِ، وقالَ الشَّيخُ أبو عَليٍّ السِّنجيُّ في «شَرح التَّلخيصِ»: أنكَرَ أصحابُنا على صاحِبِ «التَّلخِيص» وقَالوا: المَعروفُ للشَّافعيِّ أنَّه لا إعادةَ وإنْ تَعمَّدَ الإمامُ، (قُلتُ): الصَّوابُ إثباتُ قولَينِ، وقَد نصَّ على وُجوبِ الإعادةِ في البُّوَيطيِّ، ورأيتُ النَّصَّ في نُسخةٍ مُعتمَدةٍ منهُ، ونقَلَه أيضًا صاحِبُ «التَّلخِيص» وهوَ ثقةٌ وإمامٌ، فوجَبَ قَبولُه، ووجَّهَه الشَّيخُ أبو عَليٍّ بأنَّ الإمامَ العامِدَ للصَّلاةِ مُحدِثًا مُتلاعِبٌ ليسَتْ أفعالُه صلاةً في نَفسِ الأمرِ ولا في اعتِقادِه، فلا تَصحُّ الصَّلاةُ وراءَهُ كالكافِرِ وغَيرِه ممَّن لا يَعتقدُ صَلاتَه صلاةً، (وأمَّا قَولُهم): «إنَّ الحدَثَ يَخفَى» (فيُجابُ) عنهُ بأنَّه وإنْ خَفيَ فتَعمُّدُ الإمامِ الصَّلاةَ مُحدِثًا نادِرٌ، والنَّادرُ لا يُسقِطُ الإعادةَ، وكيفَ كانَ فالمَذهبُ الصَّحيحُ المَشهورُ أنَّه لا إعادةَ إذا تَعمَّدَ الإمامُ (١).
الحالةُ الثَّانيةُ: أنْ يُصليَّ الإمامُ وهوَ مُحدِثٌ أو جنُبٌ غيْرَ عالِمٍ بحَدثِه ولا بالجَنابةِ إلَّا بعْدَ إتمامِ الصَّلاةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو صلَّى الإمامُ وهوَ مُحدِثٌ أو جُنبٌ ولم يَعلمْ إلَّا بعْدَ الصَّلاةِ، هل يَلزمُ المأمومِينَ إعادةُ الصَّلاةِ أم لا؟ بعْدَ اتِّفاقِ الجَميعِ على أنَّه يَجبُ على الإمامِ إعادةُ الصَّلاةِ.
стр. 1335
فذهَبَ الحنفيَّةُ إلى أنَّ مَنْ صلَّى خلْفَ جُنبٍ أو مُحدِثٍ وهوَ لا يَعلمُ لم تَصحَّ صَلاتُه، ويَلزمُه الإعادةُ؛ لأنَّ صَلاتَه مُرتبِطةٌ بصَلاةِ إمامِه، فإذا لم تكُن له صَلاةٌ لم تكُن له، ولِمَا رُويَ مَرفوعًا: «مَنْ أَمَّ قَومًا ثمَّ ظهَرَ أنهُ كانَ مُحدِثًا أو جُنبًا أعادَ صَلاتَه وأعادُوا» (١).
ولأنَّ كلَّ ما لا يَصحُّ الاقتداءُ به معَ العلمِ لا يَصحُّ معَ الجَهلِ، كالكافرِ والمَرأةِ، ولأنَّ كلَّ طَهارةٍ كانَتْ شَرطًا في صحَّةِ الصَّلاةِ استَوَى العلمُ والجَهلُ بها، كطَهارةِ نفْسِه.
ولأنَّ عدَمَ طَهارةِ الإمامِ أُجريَتْ مَجرَى عدمِ طَهارةِ المَأمومِ؛ بدَلالةِ أنَّه إنْ عَلِمَ بذلكَ لم تَجُزْ صَلاتُه، فإذا استَوَى في طَهارةِ نفْسِه العِلمُ والجَهلِ كذلكَ طَهارةُ إمامِه.
ولا يُقالُ: إنها بَطلَتْ صَلاتُه معَ العلمِ؛ لأنَّه يَعتقدُ أنَّ إمامَه في غَيرِ صَلاةٍ؛ ألَا ترَى أنهُ لوِ اعتَقدَ ذلكَ -والإمامُ على طَهارةٍ- لم تَصحَّ صَلاتُه
стр. 1336
خلْفَه، وذلكَ لا يمتنعُ أنْ تكونَ صَلاتُه معَ العلمِ فاسِدةً لأمرَينِ: لِعَدمِ الطَّهارةِ، والاعتِقادِ، فإذا كانَ الإمامُ على الطَّهارةِ بَطلتْ صَلاتُه؛ للاعتِقادِ خاصَّةً، يُبيِّنُ ذلكَ أنَّ فِعلَ الطَّهارةِ في التَّأثيرِ في الصَّلاةِ أبلَغُ مِنْ الاعتِقادِ، فلا يَجوزُ أنْ يُعلَّقَ الحُكمُ بما دُونَ العِلتَينِ معَ وُجودِ أقواهُما، ولهذا مَنْ عَلِمَ بعَدمِ طَهارةِ نفْسِه لم تَجُزْ صَلاتُه؛ لفَقدِ الطَّهارةِ لا للاعتِقادِ (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالكيَّةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الإمامَ إذا صلَّى بالجَماعةِ مُحدِثًا، أو جُنُبًا غيرَ عالِمٍ بحَدثِه، فلم يَعلَم هو ولا المَأمُومونَ، حتى فَرَغوا مِنْ الصَّلاةِ، فصَلاتُهم صَحِيحةٌ، وصَلاةُ الإمامِ باطِلةٌ، لِإجماعِ الصَّحابةِ على ذلك؛ فإنَّه قد رُويَ أنَّ عمرَ ﵁: «صلَّى بِالنَّاسِ الصُّبحَ، ثم خرَج إلى الجُرُفِ، فَأَهرَقَ المَاءَ، فَوجدَ في ثَوبِه احتِلَامًا، فَأَعادَ، وَلَم يُعِيدُوا» (٢).
وعن مُحمدِ بنِ عَمرِو بنِ الحارِثِ الخُزاعِيِّ «أنَّ عُثمانَ صلَّى بالناسِ صَلاةَ الفَجرِ، فلمَّا أصبَحَ وارتَفَعَ النَّهارُ فإذا هو بأثَرِ الجَنابَةِ، فقالَ: كَبِرتُ وَاللَّهِ، كَبِرتُ وَاللَّهِ، فأَعادَ الصَّلاةَ، وَلَم يَأمُرهُم أَنْ يُعِيدُوا» (٣).
стр. 1337
وعن علِيٍّ ﵁ أنَّه قالَ: «إذَا صلَّى الجُنُبُ بِالقَومِ، فَأَتَمَّ بِهمُ الصَّلاةَ، آمُرُه أَنْ يَغتَسِلَ وَيُعِيدَ، ولا آمُرُهم أَنْ يُعِيدُوا» (١).
وعنِ ابنِ عمرَ ﵄: «أنَّه صلَّى بهمُ الغَداةَ، ثمَّ ذكَرَ أنَّه صلَّى بغَيرِ وُضوءٍ، فأَعادَ، ولم يُعيدُوا» (٢). وهذا في مَحَلِّ الشُّهرةِ، ولم يُنقَل خِلافُه، فكانَ إجماعًا، ولأنَّ الحَدثَ ممَّا يَخفَى، ولا سَبيلَ لِلمَأمومِ إلى مَعرِفَتِه؛ فكانَ مَعذورًا في الاقتِداءِ به (٣).
ولِمَا روَى أنسُ بنُ مالكٍ ﵁ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ دخَلَ في صَلاتِه فكبَّرَ وكبَّرْنا معهُ، ثمَّ أشارَ إلى القَومَ أنِ امكُثُوا كمَا أنتُم، فلَمْ نَزَلْ قِيامًا حتَّى أتَى رَسولُ اللهِ ﷺ قدِ اغتَسلَ ورأسُهُ يَقطُرُ ماءً فصلَّى بهم»، ولو لَم تَكنْ صَلاتُهم مُنعقِدةً لم يُكلِّفْهم استَدامةَ القِيامِ، فدَلَّ على أنَّ عدَمَ طهارةِ الإمامِ لا تَمنعُ انعقادَ صلاةِ المُقتدِي إذا لم يَعلمْ بحالِ الإمامِ.
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: الإمامُ إذا صلَّى بالجَماعةِ مُحدِثًا أو جُنبًا غيْرَ عالمٍ بحَدثِه فلَم يَعلمْ هوَ ولا المأمومونَ حتَّى فَرغُوا مِنْ الصَّلاةِ فصَلاتهُم صَحيحةٌ وصَلاةُ الإمامِ باطِلةٌ، رُويَ ذلكَ عن عُمرَ وعُثمانَ وعليٍّ
فأجابَ: أمَّا المأمومُ إذا لم يَعلمْ بحَدثِ الإمامِ أو النَّجاسةِ الَّتي عَليهِ حتَّى قُضِيتِ الصَّلاةُ فلا إعادةَ عليهِ عندَ الشَّافعيِّ، وكذلكَ عندَ مالكٍ وأحمَدَ إذا كانَ الإمامُ غيْرَ عالِمٍ، ويُعِيدُ وحْدَه إذا كانَ مُحدِثًا، وبذلكَ مَضتْ سُنةُ الخُلفاءِ الرَّاشدينِ، فإنَّهم صَلَّوا بالنَّاسِ ثمَّ رَأَوُا الجَنابةَ بعدَ الصَّلاةِ فأعادُوا ولم يأمُرُوا النَّاسَ بالإعادةِ، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ أيضًا: انعقادُ صَلاةِ المأمومِ بصَلاةِ الإمامِ، النَّاسُ فيهِ على ثَلاثةِ أقوالٍ:
أحَدَها: أنَّه لا ارتِباطَ بيْنَهما، وأنَّ كلَّ امرِئٍ يُصلِّي لِنَفسِه، وفائِدةُ الائتِمامِ في تَكثيرِ الثَّوابِ بالجَماعةِ، وهذا هو الغالِبُ على أصلِ الشَّافعيِّ، لكنْ قد عُورِضَ بمَنعِه اقتِداءَ القارِئِ بالأُمِّيِّ، والرَّجلِّ بالمَرأةِ، وإبطالِ صَلاةِ المُؤتمِّ بمَن لا صَلاةَ لهُ كالكافرِ والمُحدِثِ، وفي هذهِ المسائلِ كَلامٌ ليسَ هذا مَوضعَه.
ومِن الحُجَّةِ فيهِ قولُ النبيِّ ﷺ في الأئمَّةِ: «إنْ أَحسَنُوا فلَكُم ولهُم، وإنْ أساؤُوا فلَكُم وعَليهِم» (٢).
والقولُ الثَّاني: أنها مُنعقِدةٌ بصَلاةِ الإمامِ وفرعٌ عليها مُطلَقًا، فكُلُّ خَللٍ حصَلَ في صلاةِ الإمامِ يَسرِي إلى صَلاةِ المأمومِ؛ لقَولِه ﷺ :
стр. 1342
«الإمامُ ضامِنٌ» (١)، وعلى هذا فالمُؤتَمُّ بالمُحدِثِ النَّاسي لِحَدثِه يُعيدُ كما يُعيدُ إمامُه، وهذا مَذهبُ أبي حَنيفةَ وروايةٌ عن أحمَدَ اختَارَها أبو الخطَّابِ، حتَّى اختارَ بعضُ هَؤلاءِ كمُحمدِ بنِ الحسَنِ أنْ لا يَأتَمَّ المُتوضِئُّ بالمُتيمِّمِ؛ لِنَقصِ طَهارتِه عنهُ.
والقَولُ الثالِثُ: أنها مُنعقِدةٌ بصَلاةِ الإمامِ بها، لكنْ إنَّما يَسرِي النَّقصُ إلى صَلاةِ المأمومِ معَ عَدمِ العُذرِ مِنهُما، فأمَّا معَ العُذرِ فلا يَسرِي النَّقصُ، فإذا كانَ الإمامُ يَعتقِدُ طهارتَه فهوَ مَعذورٌ في الإمامَةِ، والمأمومُ مَعذورٌ في الائتمامِ، وهذا قولُ مالِكٍ وأحمَدَ وغَيرِهما، وعَليهِ يَنزلُ ما يُؤثَرُ عنِ الصَّحابةِ في هذهِ المَسألةِ، وهوَ أوسَطُ الأقوالِ كما ذكَرْنا في نَفسِ صِفةِ الإمامِ الناقِصِ أنَّ حُكمَه معَ الحاجَةِ يُخالِفُ حُكمَه مع عَدمِ الحاجَةِ، فحُكمُ صَلاتِه كحُكمِ نفْسِه.
وعَلى هذا أيضًا يَنبنِي اقتداءُ المُؤتَمِّ بإمامٍ قد ترَكَ ما يَعتقدُه المأمومُ مِنْ فَرائضِ الصَّلاةِ إذا كانَ الإمامُ مُتأوِّلًا تأويلًا يَسوغُ، كأنْ لا يَتوضَّأَ مِنْ خُروجِ النَّجاساتِ مِنْ غَيرِ السَّبيلَينِ ولا مِنْ مَسِّ الذَّكرِ ونَحوِ ذلكَ، فإنَّ اعتِقادَ الإمامِ هُنا صحَّةَ صَلاتِه كاعتِقادِه صحَّتَها معَ عدَمِ العِلمِ بالحدَثِ، وأَولَى؛ فإنَّه هُناكَ تَجبُ عَليهِ الإعادةُ، وهذا أصلٌ نافِعٌ أيضًا.
ويَدلُّ على صحَّةِ هذا القَولِ ما أخرَجَه البُخاريُّ في صَحيحِه عَنْ أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «يُصلُّونَ لكُم، فإنْ أصابوا
стр. 1343
فلَكُم ولَهُم، وإنْ أخطَأُوا فلَكُم وعَليهِم» (١)، فهذا نَصٌّ في أنَّ الإمامَ إذا أخطَأَ كانَ دَركُ خَطئِه عَليهِ لا على المأمومِينَ، فمَن صلَّى مُعتقِدًا لَطهارتِه وكانَ مُحدِثًا أو جُنبًا أو كانَتْ عَليهِ نَجاسةٌ وقُلنا «عَليهِ الإعادةُ للنَّجاسةِ كما يُعيدِ مِنْ الحدَثِ» فهذا الإمامُ مُخطِئٌ في هذا الاعتِقادِ، فيَكونُ خَطؤُه عَليهِ، فيُعيدُ صَلاتَه، وأمَّا المأمومُونَ فلَهُم هذهِ الصَّلاةُ، وليسَ عَليهِم مِنْ خَطئِه شَيءٌ، كمَا صرَّحَ بهِ رَسولُ اللهِ ﷺ ، وهذا نَصٌّ في إجزاءِ صَلاتهِم.
وكذلكَ لو ترَكَ الإمامُ بعضَ فَرائضِ الصَّلاةِ بِتأويلٍ أخطَأَ فيهِ عِنْدَ المأمومِ، مثلَ أنْ يَمسَّ ذكَرَه ويُصلِّي، أو يَحتجِمَ ويُصلِّي، أو يَتركُ قراءةَ البَسملةِ، أو يُصلِّي وعَليهِ نَجاسةٌ لا يُعفَى عنها عِنْدَ المأمومِ ونَحوِ ذلكَ، فهذا الأمامُ أسوَأُ أحوالِه أنْ يكونَ مُخطِئًا إنْ لم يَكنْ مُصيبًا، فتكونُ هذهِ الصَّلاةُ للمأمومِ وليسَ عَليهِ مِنْ خطَأِ إمامِه شَيءٌ (٢).
الحالةُ الثَّالثةُ: إذا عَلِمَ الإمامُ بحَدثِ نفْسِه في الصَّلاةِ أو عَلِمَه المأمومُونَ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو عَلِمَ الإمامُ في الصَّلاةِ بحدَثِ نفْسِه أو عَلِمَ المأمومُونَ بحدَثِ الإمامِ، هل تَبطلُ صَلاتُهم أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الإمامَ إذا عَلِمَ بحدَثِ نفْسِه في الصَّلاةِ وتَمادى فيها جاهِلًا أو مُستحيِيًا أو عَلِمَ
стр. 1344
المأمومُونَ لَزمَهمُ استِئنافُ الصَّلاةِ؛ لأنَّه ائتَمَّ بمَن صلاتُه فاسِدةٌ معَ العلمِ مِنهُما أو مِنْ أحَدِهما، أشبَهَ ما لوِ ائتَمَّ بامرَأةٍ.
وإنَّما خُولِفَ هذا فيما إذا استَمرَّ الجَهلُ مِنهُما للإجماعِ، ولأنَّ وُجوبَ الإعادةِ على المأمومِينَ حالَ استِمرارِ الجَهلِ يَشقُّ لِتَفريقِهم، بخِلافِ ما إذا عَلِمُوا في الصَّلاةِ (١).
وإنْ عَلِمَ بعضُ المأمومُونَ دُونَ بَعضٍ فالمَنصوصُ عِنْدَ الحَنابلةِ أنَّ صَلاةَ الجَميعِ تَفسدُ، قالَ ابنُ قدامةَ ﵀: والأَولى أنْ يَختصَّ البُطلانُ بمَن عَلِمَ دُونَ مَنْ جَهِلَ؛ لأنَّه مَعنًى مُبطِلٌ اختَصَّ بهِ، فاختَصَّ بالبُطلانِ كحدَثِ نَفسِه (٢).
قالَ الإمامُ مالِكٌ ﵀: وإذا صلَّى الجُنبُ بالقَومِ رَكعةً أو رَكعتَينِ وهوَ لا يَعلمُ ثمَّ ذكَرَ جَنابتَه فلْيَستخلِفْ مَنْ يُصلِّي بالقَومِ ما بَقِيَ مِنْ صَلاتِه، وتتمُّ صَلاتهُم، وإنْ لم يَذكرْ حتَّى فرَغَ فصَلاةُ مَنْ خَلفهُ تامَّةٌ، ويُعيدُ هوَ وحْدُه، وإنْ صلَّى بهِم ذاكِرًا لِجَنابتِه فصَلاتهُم كُلهمْ فاسِدةٌ، وكذلكَ إنْ ذكَرَ في الصَّلاةِ فتَمادَى بهِم جاهِلًا أو مُستحيِيًا فقَدْ أفسَدَ عَليهِم.
стр. 1345
قالَ ابنُ القاسِمِ: كلُّ إمامٍ دخَلَ عَليهِ ما يَنقضُ صَلاتَه فتَمادَى بهِم فإنَّ صَلاتَه مُنتقِضةٌ، وعَليهِم أنْ يُعيدُوا متَى عَلِمُوا (١).
قالُوا: وإنْ عَلِمَ المُؤتَمُّ بحدَثِ إمامِه بَطلَتْ صَلاتُه قَولًا واحِدًا (٢).
وذهَبَ الشَّافعيةُ إلى أنهُم يَبنونَ على صَلاتهِم، سَواءٌ عَلِمَ بذلكَ أو عَلِمَ المأمومُونَ؛ لأنَّ ما مضَى مِنْ صَلاتهِم صَحيحٌ، فكانَ لهُم البِناءُ عَليهِ كما لو قامَ إلى خامِسةٍ فسَبَّحُوا بهِ فلَمْ يَرجعْ.
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: فإنْ عَلِمَ في أثناءِ الصَّلاةِ حدَثَ الإمامِ لَزمَه مُفارَقتُه وأتَمَّ صَلاتَه مُنفرِدًا بانِيًا على ما صلَّى معهُ، فإنِ استَمرَّ على المُتابعةِ لَحظةً أو لم يَنوِ المُفارَقةَ بَطلتْ صَلاتُه بالاتِّفاقِ؛ لأنَّه صلَّى بعضَ صَلاتِه خلْفَ مُحدِثٍ معَ عِلمِه بحَدثِه، وممَّن صرَّحَ ببُطلانِ صَلاتِه إذا لم يَنوِ المُفارَقةَ ولم يُتابِعْه في الأفعالِ الشَّيخُ أبو حامِدٍ والقاضي أبو الطَّيبِ في تَعليقِهما والمَحامِليُّ وخَلائِقُ مِنْ كبارِ الأصحابِ، وإنْ لم يَعلمْ حتَّى سلَّمَ منها أجزَأتْهُ؛ لِمَا ذكَرَه المُصنِّفُ، وسواءٌ كانَ الإمامُ عالِمًا بحدَثِ نفْسِه أم لا؛ لأنَّه لا تَفريطَ مِنْ المأمومِ في الحالَينِ، هذا هوَ المَذهبُ وبهِ قطَعَ الجُمهورُ … (٣).
стр. 1346
وعَن أحمَدَ ﵀ رِوايةٌ أخرَى إذا عَلِمَ المأمومُونَ بحدَثِ الإمامِ فإنهُم يَبنُونَ على صَلاتهِم (١).
وقالَ ابنُ عَبدِ البرِّ ﵀: واختَلفَ مالِكٌ والشافِعيُّ والمَسألةُ بحالِها في الإمامِ يَتمادَى في صَلاتِه ذاكِرًا لِجَنابَتِه، أو ذَاكِرًا أنَّه على غيرِ وُضوءٍ، أو مُبتَدِئًا صَلاتَه كذلك، وهو مع ذلك مَعروفٌ بالإسلامِ، فقالَ مالِكٌ وأصحابُه: إذا علِم الإمامُ بأنَّه على غيرِ طَهارةٍ وتَمادَى في صَلاتِه عامِدًا، بطَلت صَلاةُ مَنْ خلفَه؛ لأنَّه أفسَدَ عليهم.
وقالَ الشافِعيُّ: صَلاةُ القَومِ جائِزةٌ تَامَّةٌ، ولا إعادةَ عليهم؛ لأنَّهم لم يُكلَّفُوا عِلمَ ما غابَ عنهم، وقد صَلوا خلفَ رَجلٍ مُسلِمٍ في عِلمِهم، وبهذا قالَ جُمهورُ فُقهاءِ الأمصارِ وجُمهورُ أهلِ الحَديثِ، وإليه ذَهب ابنُ نافِعٍ صاحِبُ مالِكٍ.
ومِن حُجَّةِ مَنْ قالَ بهذا القولِ أنَّه لا فَرقَ بينَ عَمدِ الإمامِ ونِسيانِه في ذلك؛ لأنَّهم لم يُكلَّفُوا عِلمَ الغَيبِ في حالِه، فحالُهم في ذلك واحدةٌ، وإنَّما تفسُدُ صَلاتُهم إذا عَلِموا بأنَّ إمامَهم على غيرِ طَهارةٍ، فتَمادَوا خلفَه، فيَكونونَ حينَئذٍ المُفسِدِينَ على أنفُسِهم، وأمَّا هو فغيرُ مُفسِدٍ عليهم بما لا يَظهرُ مِنْ حالِه إليهم، لكنَّ حالَه في نَفسِه تَختلِفُ، فيَأثَمُ في عَمدِه إن تَمادَى، ولا إثم عليه إن لم يَعلَم ذلك وسَهَا عنه (٢).
стр. 1347
الحالةُ الرَّابعةُ: إذا أحدَثَ الإمامُ أثناءَ الصَّلاةِ فاستَخلَفَ مَنْ يُصلِّي بالقَومِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الإمامَ إذا أحدَثَ عامِدًا في صَلاتِه فإنَّ صلاتَهُ تَبطلُ.
إلَّا أنهُم اختَلفُوا فيما لو أحدَثَ الإمامُ في أثناءِ الصَّلاةِ، هل تَبطلُ صلاةُ المأمومِينَ أيضًا؟ أم يَصحُّ استِخلافُ إمامٍ آخَرَ يُصلِّي بهِم ولا تَبطلُ صَلاتُهم؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحنفيَّةُ والمالكيَّةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الإمامَ إذا سبَقَه الحدَثُ في صَلاتِه دُونَ تَعمُّدٍ لم تَبطلْ صَلاةُ المأمومِينَ، ويَستخلِفُ الإمامُ مَنْ يُصلِّي بهِم؛ لِمَا رُويَ عنِ النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «إذا قاءَ أحَدُكُم في صَلاتِه أو قَلَسَ فلْيَنصَرِفْ فلْيَتوضَّأْ، ولْيَبنِ على صَلاتِه ما لم يَتكلَّمْ» (١).
ورُويَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لمَّا أمَرَ أبا بَكرٍ ﵁ أنْ يُصلِّيَ بالنَّاسَ وجَدَ في نَفسِه خِفَّةً، فخرَجَ يُهادِي بيْنَ اثنَينِ وقدِ افتتَحَ أبو بَكرٍ الصَّلاةَ، فلمَّا سَمِعَ حِسَّ رَسولِ اللهِ ﷺ تأخَّرَ وتَقدَّمَ النَّبيُّ ﷺ وافتَتحَ القراءَةَ مِنْ المَوضعِ الَّذي انتَهى إليهِ أبو بَكرٍ» (٢).
وإنَّما تأخَّرَ لأنَّه عجَزَ عنِ المُضيِ؛ لكَونِ المُضيِ مِنْ بابِ التقدُّمِ على
стр. 1348
رَسولِ اللهِ ﷺ ، وقالَ اللهُ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]، فصارَ هذا أصلًا في حَقِّ كلِّ إمامٍ عجَزَ عنِ الإتمامِ أنْ يتأخَّرَ ويَستخلِفَ غيْرَه.
قالَ ابنُ عَبدِ البرِّ ﵀: ففِي هذا الحَديثِ دليلٌ على جَوازِ الاستِخلافِ في الصَّلاةِ إذا أحدَثَ الإمامُ أو منَعَه مانعٌ مِنْ تمامِ صَلاتِه؛ لأنَّ الإمامَ إذا أحدَثَ كانَ أَولَى بالاستِخلافِ، وكانَ ذلكَ مِنهُ أجوَزَ مِنْ تأخُّرِ أبي بَكرٍ ﵁ مِنْ غَيرِ حدَثٍ؛ لأنَّ المُحدِثَ لا يَجوزُ له أنْ يَتمادَى في تِلكَ الصَّلاةِ، وقد كانَ لأبي بَكرٍ أنْ يَتمادَى لولا مَوضِعُ فَضيلةِ رَسولِ اللهِ ﷺ التَّقدمُ بيْنَ يَديهِ بغَيرِ إذنِه ﷺ ، وقد كانَ يَجوزُ له أنْ يَثبتَ ويَتمادَى؛ لإشارةِ رَسولِ اللهِ ﷺ أنِ امكُثْ مَكانَكَ، وليسَ كذلكَ المُحدِثُ، ولهذا يَستخلِفُ عِنْدَ جُمهورِ العُلماءِ (١).
وعَن عُمرَ ﵁ «أنَّه سبَقَه الحدَثُ فتَأخَّرَ وقدَّمَ رَجلًا» وعَن عُثمانَ ﵁ مِثلُه.
ولأنَّ بهِم حاجَةً إلى إتمامِ صلاتهِم بالإمامِ، وقدِ التزَمَ الإمامُ ذلكَ، فإذا عجَزَ عنِ الوَفاءِ بما التزَمَ بنَفسِه يَستعينُ بمَن يَقدرُ عَليهِ؛ نَظرًا لهُم كيلَا تَبطلُ عَليهِم الصَّلاةُ بالمُنازَعةِ (٢).
وقالَ المالكيَّةُ: الإمامُ إذا أحدَثَ في صَلاتِه مِنْ غَيرِ تَعمُّدٍ لم تَبطلْ صَلاةُ
стр. 1349
المأمومِ، إلَّا أنْ يَتمادَى على الإمامةِ بعْدَ الحَدثِ فتَبطلُ، وكذَا لو رَعفَ أو ذكَرَ أنَّه جنُبٌ أو على غَيرِ وُضوءٍ استَخلفَ قبْلَ أنْ يَخرجَ، فإنْ تَمادَى بعْدَ ذِكرِه أوِ ابتَدأَ ذاكِرًا أفسَدَ عَليهِم.
فإنْ لم يَفعلِ استَخلُفوا هُمْ، فإنْ لم يَفعلُوا وصَلَّوا وحْدَانًا أجزَأتهُم صَلاتهُم، وإنِ افتَرقُوا واستَخلفَ كلُّ طائِفةٌ مِنهم إمامًا بَطلتْ صَلاتهُم (١).
وقالَ الإمامُ الشَّافعيُّ ﵀: والاختِيارُ إذا أحدَثَ الإمامُ حدَثًا لا يَجوزُ له معهُ الصَّلاةُ مِنْ رُعافٍ أو انتِقاضِ وُضوءٍ أو غَيرِه؛ فإنْ كانَ مضَى مِنْ صَلاةِ الإمامِ شَيءٌ رَكعةٌ أو أكثَرُ أنْ يُصلِّيَ القَومُ فُرادَى لا يُقدِّمونَ أحَدًا، وإنْ قدَّمُوا أو قدَّمَ إمامٌ رَجلًا فأتَمَّ لهُم ما بَقِيَ مِنْ الصَّلاةِ أجزَأتهُم صَلاتهُم، وكذلِكَ لو أحدَثَ الإمامُ الثَّاني والثَّالثُ والرَّابعُ، وكذلِكَ لو قدَّمَ الإمامُ الثَّاني أو الثَّالثُ بعضَ مَنْ في الصَّلاةِ أو تَقدَّمَ بنَفسِه ولم يُقدِّمْه الإمامُ فسَواءٌ، وتُجزيهِم صَلاتهُم في ذلكَ كلِّهِ؛ لأنَّ أبا بكرٍ قدِ افتَتحَ للنَّاسِ الصَّلاةَ ثمَّ استأخَرَ فتَقدَّمَ رسولُ اللهِ ﷺ ، فصارَ أبو بكرٍ مأمُومًا بعْدَ أنْ كانَ إمامًا، وصارَ النَّاسُ يُصلُّونَ مع أبي بَكرٍ بصَلاةِ رَسولِ اللهِ ﷺ وقد افتَتحُوا بصَلاةِ أبي بكرٍ، وهكذا لوِ استَأخرَ الإمامُ مِنْ غَيرِ حدَثٍ وتقدَّمَ غَيرُه أجزَأتْ مَنْ خَلفَه صَلاتهُم، وأختارُ أنْ لا يَفعلَ هذا الإمامُ، وليسَ أحدٌ في
والثَّاني: قالَ في الجَديدِ: (يَجوزُ)، وبهِ قالَ مالكٌ وأبُو حَنيفةَ، وهوَ الصَّحيحُ.
والدَّليلُ عَليهِ: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ استَخلَفَ أبَا بكرٍ ليُصلِّيَ بالنَّاسِ في مرَضِه الَّذي ماتَ فيهِ، فأقامَ سَبعةَ عشَرَ يومًا يُصلِّي بالنَّاس، فوجَدَ رَسولُ اللهِ ﷺ يومًا في نَفسِه خِفَّةً، فخَرجَ يُهادَى بيْنَ رَجلَينِ، فقامَ على يَسارِ أبي بكرٍ وصلَّى بالنَّاسِ، فصارَ أبو بَكرٍ والنَّاسُ مُؤتمِّينَ بالنَّبيِّ ﷺ بعدَ أنْ كانَ النَّاسُ مُؤتمِّينَ بأبي بَكرٍ».
ورُويَ أيضًا: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ خرَجَ لِيُصلحَ بيْنَ بَني عَمرِو بنِ عَوفٍ، فأُقيمَتِ الصَّلاةُ فتَقدَّمَ أبو بَكرٍ فصلَّى بهِم بَعضَ الصَّلاةِ، فجاءَ رَسولُ اللهِ ﷺ ، فلمَّا رآهُ النَّاسُ … أكثَرُوا التَّصفِيقَ، وكانَ أبو بَكرٍ لا يَلتفِتُ في الصَّلاةِ، فلمَّا أكثَرُوا التَّصفِيقَ التَفَتَ فرَأى رَسولَ اللهَ ﷺ فتَأخَّرَ، فقالَ لهُ النَّبيُّ ﷺ : «اثبُتْ مَكانَكَ»، وتَقدَّمَ النَّبيُّ ﷺ وصلَّى بهِم» (١).
ومَن قالَ بهذا … قالَ: فِعلُ النَّبيِّ ﷺ حينَ ذكَرَ أنَّه جُنبٌ في الصَّلاةِ لا يَدلُّ على أنَّه لا يَجوزُ الاستِخلافُ، وإنَّما يَدلُّ على أنَّ الاستِخلافَ لا يَجبُ. وكذلكَ نَقولُ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ قدامَةَ ﵀: فَصلٌ: إذا سبَقَ الإمامَ الحدَثُ فلَه أنْ
стр. 1352
يَستخلِفَ مَنْ يُتمُّ بهِم الصَّلاةَ، رُويَ ذلكَ عَنْ عُمرَ وعَليٍّ وعَلقمةَ وعطاءٍ والحسَنِ والنَّخَعيِّ والثَّوريِ والأوزاعيِّ والشَّافعيِّ وأصحابِ الرَّأيِ.
وحُكيَ عن أحمَدَ رِوايةٌ أخرَى أنَّ صلاةَ المأمومِينَ تَبطلُ؛ لأنَّ أحمَدَ قالَ: كُنْتُ أذهَبُ إلى جَوازِ الاستِخلافِ وجَبنْتُ عَنهُ.
وقالَ أبو بَكرٍ: تَبطلُ صَلاتهُم رِوايةً واحِدةً؛ لأنَّه فقَدَ شرْطَ صِحةِ الصَّلاةِ في حَقِّ الإمامِ، فبَطلتْ صَلاةُ المأمُومِ كمَا لو تَعمَّدَ الحدَثَ.
ولنَا: إنَّ عُمرَ ﵁ لمَّا طعَنَ أخَذَ بيَدِ عَبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ فقَدَّمَه فأتَمَّ بهِم الصَّلاةَ، وكانَ ذلكَ بمَحضرٍ مِنْ الصَّحابةِ وغَيرِهم، ولَم يُنكِرْه مُنكِرٌ فكانَ إجماعًا، وقدِ احتَجَّ أحمَدُ بقَولِ عُمرَ وعَليٍّ، وقَولُهُما عِندَه حجَّةٌ، فلا مَعدِلَ عنهُ، وقَولُ أحمَدَ: «جَبنْتُ عَنهُ» إنَّما يَدلُّ على التَّوقُّفِ، وتَوقُّفُه مرَّةً لا يُبطِلُ ما انعَقدَ الإجماعُ عَليهِ، وإذا ثبَتَ هَذا فإنَّ للإمامِ أنْ يَستخلِفَ مَنْ يُتمُّ بهِم الصَّلاةَ كما فعَلَ عُمرُ ﵁، وإنْ لم يَستخلِفْ فقَدَّمَ المأمومُونَ مِنهُم رَجلًا فأتَمَّ بهِم جازَ، وإنْ صَلَّوا وحْدَانًا جازَ، وقالَ الزُّهريُّ في إمامٍ يَنوبُه الدَّمُ أو رَعفٌ أو يَجدُ مَذيًّا: يَنصرِفُ ولْيَقُلْ: «أَتِمُّوا صَلاتَكم».
وقالَ الشَّافعيُّ في آخِرِ قَوليهِ: الاختِيارُ أنْ يُصلِّيَ القَومُ فُرادَى إذا كانَ ذلكَ، ولعلَّ تَوقُّفَ أحمَدَ إنَّما كانَ في الاستِخلافِ لا في صحَّةِ صلاةِ المأمومِينَ؛ فإنَّه قَدْ نَصَّ على أنَّ صَلاةَ المأمومِينَ لا تَفسدُ بضَحكِ الإمامِ، فهَذا أَولى، وإنْ قدَّمتْ كُلُّ طائِفةٍ مِنْ المأمُومِينَ لهُم إمامًا يُصلِّي بهِم فقِياسُ
стр. 1353
المَذهبِ جَوازُه، وهوَ مَذهبُ الشَّافعيِّ، وقالَ أصحابُ الرَّأيِ: تَفسدُ صَلاتهُم كُلِّهم.
ولنَا: أنَّ لهُم أنْ يُصلُّوا وحدانًا، فكانَ لهُم أنْ يُقدِّموا رِجالًا كحالَةِ ابتِداءِ الصَّلاةِ.
وإنْ قدَّمَ بعضُهم رَجلًا وصلَّى الباقُونَ وحْدَانًا جازَ (١).
الأحقُّ بالإمامةِ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في تَقديمِ الأعلَمِ والأقرَأِ على سائرِ الناسِ، ولو كانَ في القَومِ مَنْ هو أفضَلُ منه في الوَرَعِ والسُّننِ وسائرِ الأوصافِ، إلا أنَّهم قدِ اختَلَفوا في: أيُّهما يُقدَّمُ على صاحِبِه: هلِ الأقرَأُ أو الأفقَهُ؟
فذَهب الإمامُ أحمدُ وأبو يُوسفَ مِنْ الحَنفيَّةِ إلى تَقديمِ الأقرَأِ الذي يُحسِنُ جَميعَ القُرآنِ، ويَعلَمُ أحكامَ الصَّلاةِ، وإن كانَ الآخَرُ يَعرِفُ مِنْ الفِقهِ أكثرَ ممَّا يَعرِفُ، ويُحسِنُ مِنْ القُرآنِ ما تُجزِئُ به الصَّلاةُ.
وذلك لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «يَؤُمُّ القَومَ أَقرَؤُهُم لِكتابِ اللهِ، فَإِنْ كانُوا في القِراءَةِ سَوَاءً فَأَعلَمُهم بِالسُّنةِ، فَإِنْ كانُوا في السُّنةِ سَوَاءً فَأَقدَمُهم هِجرَةً، فَإِنْ كانُوا في الهِجرَةِ سَوَاءً فَأَقدَمُهم سِلمًا». قالَ الأَشَجُّ في رِوايَتِه -مَكانَ سِلمًا-: «سِنًّا» (٢).
стр. 1354
ولمَا رَوى أبو سَعيدٍ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «إذا كانُوا ثَلاثةً فَليَؤُمَّهُم أَحدُهُم، وَأَحقُّهُم بِالإِمَامَةِ أَقرَؤُهُم» (١). رَواه مُسلِمٌ، وعنِ ابنِ عمرَ قالَ: «لمَّا قَدِمَ المُهَاجِرُونَ الأَوَّلُونَ العُصبَةَ، مَوضِعٌ بِقُباءَ، قبلَ مَقدَمِ رَسولِ اللهِ ﷺ كانَ يَؤُمُّهُم سَالِمٌ مَولى أبي حُذَيفَةَ، وكانَ أكثرَهُم قُرآنًا» (٢).
وكانَ فيهم عمرُ بنُ الخطَّابِ، وأبو سَلمةَ بنُ عَبد الأسَدِ، وفي حَديثِ عمرَ بنِ سَلمةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لِيَؤُمَّكم أكثرُكم قُرآنًا» (٣)؛ ولأنَّ القِراءةَ رُكنٌ في الصَّلاةِ، كانَ القادِرُ عليها أَولَى، كالقادِرِ على القِيامِ مع العاجزِ عنه.
وذَهب الأئمَّةُ الثَّلاثةُ أبو حَنيفَةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ إلى أنَّ الأعلَمَ بأحكامِ الفِقهِ أولَى بالإمامةِ مِنْ الأقرَأِ، إذا كانَ يُحسِنُ مِنْ القِراءةِ ما تَجوزُ به الصَّلاةُ؛ لافتِقارِ الصَّلاةِ بعدَ هذا القَدرِ مِنْ القِراءةِ إلى العِلمِ؛ ليَتمكَّنَ به مِنْ تَدارُكِ ما عَسَى أن يَعرِضَ في الصَّلاةِ مِنْ العَوارِضِ، ولِافتِقارِ القِراءةِ أيضًا إلى العِلمِ بالخَطَأِ المُفسِدِ لِلصَّلاةِ فيها.
فلذلكَ كانَ الأعلَمُ أفضَلَ، حتى قالوا: إنَّ الأعلَمَ إذا كانَ ممَّن يَجتَنِبُ الفَواحشَ الظاهِرةَ، وكانَ الأقرَأُ أورَعَ منه، فالأعلَمُ أولَى، إلا أنَّ النَّبيَّ ﷺ قدَّم الأقرَأَ في الحَديثِ؛ لأنَّ الأقرَأَ في ذلك الزَّمانِ كانَ أعلَمَ؛
стр. 1355
لتَلقِّيهِمُ القُرآنَ بمعانِيهِ وأحكامِه، فأمَّا في زَمنِنا فقد يَكونُ الرَّجلُ ماهِرًا في القُرآنِ، ولا حَظَّ له مِنْ العِلمِ؛ فكانَ الأعلَمُ أولَى. وأيضًا: لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «مُرُوا أَبا بَكرٍ فَليُصلِّ بِالنَّاسِ» (١).
وكانَ ثَمةَ مَنْ هو أقرَأُ منه، لا أعلَمُ منه، لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «أَقرَؤُكُم أُبَيٌّ» (٢).
ولقولِ أبي سَعيدٍ: «وكانَ أَبو بَكرٍ أَعلَمَنَا» (٣). وهذا آخرُ الأمرَينِ مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فيَكونُ المُعوَّلَ عليه، ولأنَّ الحاجَةَ إلى الفِقهِ أهَمُّ منها إلى القِراءةِ؛ لأنَّ القِراءةَ إنَّما يَحتَاجُ إليها لِإقامةِ رُكنٍ واحدٍ، والفِقهَ يَحتَاجُ إليه لجَميعِ الأركانِ والواجِباتِ والسُّننِ (٤).
أخذُ الأُجرةِ على الإمامةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ أخذِ الأُجرةِ على الإمامةِ في الصَّلاةِ، هل تَجوزُ أو لا؟
стр. 1356
فذَهب مُتقدِّمُو الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابلَةُ في المَذهبِ وابنُ حَبيبٍ مِنْ المالِكيَّةِ إلى أنَّه لا يَجوزُ أخذُ الأُجرةِ على الإمامةِ في الصَّلاةِ المَفروضةِ، وكذا النافِلةُ، كالتَّراويحِ في الأصَحِّ؛ لأنَّه مُصَلٍّ لِنَفسِه، ومتى صلَّى اقتَدَى به مَنْ أرادَ، وإن لم يَنوِ الإمامةَ، وإن تَوَقَّفَ على نيَّتِه شَيءٌ، فهو إحرازُ فَضيلةِ الجَماعةِ، وهذه فائِدةٌ تَختَصُّ به، لا تَحصُلُ لِلمُستَأجِرِ.
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: الاستِئجارُ لِإمامَةِ الصَّلواتِ المَفروضةِ باطِلٌ، وكذا لِلتَّراويحِ وسائرِ النَّوافِلِ، على الأصَحِّ؛ لأنَّه مُصَلٍّ لِنَفسِه، ومتى صلَّى اقتَدَى به مَنْ أرادَ، وإن لم يَنوِ الإمامةَ، وإن تَوَقَّفَ على نيَّتِه شَئٌ فهو إحرازُ فَضيلةِ الجَماعةِ، وهذه فائِدةٌ تَختَصُّ به، ومَن جَوَّزَه شَبَّهَه بالأذانِ في الشِّعارِ (١).
وذَهب المالِكيَّةُ في المَشهورِ ومُتأخِّرُو الحَنفيَّةِ -وعليه الفَتوَى عندَهم- والشافِعيَّةُ في قَولٍ والحَنابلَةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَجوزُ أخذُ الأُجرةِ على الإمامةِ؛ لتَأدِّي الشِّعارِ به، كالأذانِ.
رَوى أشهَبُ عن مالِكٍ أنَّه سُئلَ عن الصَّلاةِ خلفَ مَنْ يُستأجَرُ في رَمضانَ يَقومُ بالناسِ، فقالَ: أرجو ألا يَكونَ به بَأسٌ، وإن كانَ به بَأسٌ فعَلَيه، لا على مَنْ صلَّى خلفَه، ورَوى عنه ابنُ القاسِمِ أنَّه كَرِهَهُ، قال: وهو أشَدُّ كَراهةً له في الفَريضةِ.
стр. 1357
قالَ المالِكيَّةُ: يُكرَهُ أخذُ الأُجرةِ على الصَّلاةِ، أي: إمامَتِها، مُفرَدةً، فَرضًا أو نَفلًا، وهو في المَكتوبةِ أشَدُّ كَراهيةً، وإن وقعَت صحَّت، وحُكم بها، كالإجارةِ على الحَجِّ، وتَجوزُ الصَّلاةُ خلفَ مَنْ يَأخُذُ الأُجرةَ مِنْ غيرِ كَراهةٍ؛ لأنَّ الإجارةَ ليست عليه حَرامًا؛ فَتَكونَ جَرحةً فيه، تَقدَحُ في إمَامَتِه، وإنَّما هي له مَكروهةٌ، فتَركُها أفضَلُ. ولا تُكرَهُ إمامَةُ مَنْ فعلَ ما تَركُه أفضَلُ، كما لا تُكرَهُ إمامةُ مَنْ تركَ ما فِعلُه أفضَلُ مِنْ النَّوافِلِ.
ومَحَلُّ الكَراهةِ إذا كانَتِ الأُجرةُ تُؤخَذُ مِنْ المُصلِّينَ، وأمَّا إذا أُخِذَت مِنْ بَيتِ المالِ، أو مِنْ وَقفِ المَسجدِ، فلا كَراهةَ؛ لأنَّه مِنْ بابِ الإعانةِ، لا مِنْ بابِ الإجارةِ (١).
أمَّا أخذُ الرِّزقِ على الإمامةِ فمُجمَعٌ عَلى جَوازِه.
قالَ القَرافيُّ ﵀: وتَناوُلُ الأرزاقِ على الإمامةِ مُجمَعٌ على جَوازِه؛ لأنَّها مِنْ بابِ المَعروفِ، لا مِنْ بابِ الإجارةِ، كما ظَنَّه كَثيرٌ مِنْ الفُقهاءِ، فقالَ: إنَّما يَجوزُ تَناوُلُ الرِّزقِ على الإمامةِ في الصَّلاة بِناءً على القولِ بجَوازِ الإجارةِ عليها، وتَورَّعَ عن تَناوُلِه بِناءً على الخِلافِ في جَوازِ الإجارةِ عليها، ولم يَفهَم أنَّ جَوازَ الأرزاقِ عليها كجَوازِ الوَقفِ عليها، بدُونِ أدنى خِلافٍ؛ إذِ الرِّزقُ ليس بمُعاوَضةٍ ألبَتَّةَ، وكيف يَكونُ كذلك
стр. 1358
وقد أجازوا تَناوُلَه في أضيَقِ المَواضِعِ التي تَمتنِعُ فيها المُعاوَضةُ قَطعًا، وهي القَضاءُ، والحكمُ بينَ الناسِ، فحينَئذٍ لا ورعَ في تَناوُلِ الأرزاقِ على الإمامةِ مِنْ هذا الوَجهِ … (١).
стр. 1359
فصل في صَلاةِ الجمُعةِ
الجمُعةُ: اسمٌ إِسلاميٌّ لليَومِ، لمْ يَكنْ في الجاهِليَّةِ، إنَّما كانَ يَومُ الجمُعةِ يُسمَّى في الجاهِلِيَّة العُروبَةَ، فسُميَ في الإِسلامِ يومَ الجمُعةِ؛ لأنَّه يُجتمَعُ فيه للصَلاةِ، فهو اسمٌ مَأخوذٌ مِنْ الجَمعِ، فلا تَكونُ صَلاةُ الجمُعةِ إلا في جَماعةٍ (١).
فَضلُ يَومِ الجمُعةِ:
قد ورَدَ في فَضلِ يَومِ الجمُعةِ أَحاديثُ كَثيرةٌ؛ فقدْ ثبَتَ في صَحيحِ مُسلمٍ عن أَبي هُريرةَ ﵁ عن رَسولِ اللهِ ﷺ قالَ: «خَيرُ يَومٍ طلَعَت عليه الشَّمسُ يَومُ الجمُعةِ، فيه خُلقَ آدمُ، وَفيه أُدخلَ الجَنةَ، وفيه أُخرجَ منها، ولا تَقومُ السَّاعةُ إلا في يَومِ الجمُعةِ» (٢). وزادَ مالِكٌ في المُوَطأِ وأبو داودَ وغيرُهما بأسانيدَ على شَرطِ البُخارِيِّ ومُسلمٍ: «وَفيه تِيبَ عليه، وَفيه ماتَ، وَفيه تَقومُ السَّاعةُ، وما مِنْ دابَّةٍ إلا وهي مُسِيخةٌ -أي: مُصغِيةٌ- يومَ الجمُعةِ مِنْ حينِ تُصبحُ حتى تَطلُعَ الشَّمسُ؛ شَفقًا مِنْ السَّاعةِ، إلا الجِنَّ والإِنسَ، وَفيه
стр. 1360
سَاعةٌ لَا يُصادِفُها عبد مُسلمٌ وهو يُصلِّي يَسألُ اللَّهَ حاجَةً إلا أَعطاهُ إِيَّاها» (١).
وعنه قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «نَحنُ الآخرُونَ السابقُونَ يومَ القِيامةِ، بَيدَ أنَّهم أُوتُوا الكتابَ مِنْ قبلِنا، ثم هذا يَومُهم الذي فُرضَ عليهم، فاختَلفُوا فيه، فهَدانا اللهُ؛ فالنَّاسُ لنا فيه تبَعٌ: اليَهودُ غَدًا، والنَّصارَى بعدَ غَدٍ» (٢).
قيلَ: مَعنى: «بَيدَ أنَّهم»: غيرَ أنَّهم، وقِيلَ: مع أنَّهم، وقيلَ: على أنَّهم (٣).
دَليلُ فَرضِيَّتِها:
صَلاةُ الجمُعةِ مِنْ الفَرائضِ المَعلومِ فَرضِيتُها مِنْ الدِّينِ بالضَّرورةِ، ولا يَسعُ تَركُها، ويَكفرُ جاحِدُها، والدَّليلُ على فَرضيَّةِ الجمُعةِ الكتابُ والسُّنةُ وإِجماعُ الأمَّةِ.
أمَّا الكتابُ: فقولُ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩].
قالَ الكاسانِيُّ ﵀: قيلَ: ذِكرُ اللهِ هو صَلاةُ الجمُعةِ، وقيلَ: هو الخُطبةُ، وكلُّ ذلك حُجةٌ؛ لأنَّ السَّعيَ إلى الخُطبةِ إنَّما يَجبُ لِأجلِ الصَّلاةِ، بدَليلِ أنَّ مَنْ سقَطَت عنه الصَّلاةُ لا يَجبُ عليه السَّعيُ إلى الخُطبةِ، فكانَ فَرضُ السَّعيِ إلى الخُطبةِ فَرضًا للصَّلاةِ، ولأنَّ ذِكرَ اللهِ يَتناوَلُ
стр. 1361
الصَّلاةَ، ويَتناوَلُ الخُطبةَ مِنْ حيثُ إنَّ كلَّ واحدٍ منهما ذكرُ اللهِ تَعالى (١).
وقالَ الإمامُ السَّرخسِيُّ ﵀: والأمرُ بالسَّعيِ إلى الشَّيءِ لا يَكونُ إلا لوُجوبِه، والأمرُ بتَركِ البَيعِ المُباحِ لِأجلِه دَليلٌ على وُجوبِه أيضًا (٢).
وأمَّا السُّنةُ: فقولُ النَّبيِّ ﷺ : «لَيَنتَهينَّ أَقوامٌ عن وَدعِهمُ الجمُعاتِ، أو ليَختِمنَّ اللهُ على قُلوبِهم، وليُكتبُنَّ مِنْ الغَافلِينَ» (٣).
وعن أَبي الجَعدِ الضَّمرِيِّ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «مَنْ ترَكَ ثَلاثَ جُمعٍ تَهاوُنًا بها، طبَعَ اللهُ على قَلبِه» (٤). ومِثلُ هذا الوَعيدِ لا يَلحقُ إلا بتَركِ الفَرضِ.
وعن طارِقِ بنِ شِهابٍ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «الجمُعةُ حَقٌّ وَاجبٌ على كلِّ مُسلمٍ في جَماعَةٍ، إلا أربَعةً: عبدٌ مَملُوكٌ، أو امرَأةٌ، أو صَبيٌّ، أو مَريضٌ» (٥). وقولُه ﷺ : «رَواحُ الجمُعةِ وَاجبٌ على كلِّ مُحتلِمٍ» (٦). وغيرُ ذلك مِنْ الأَحاديثِ.
أمَّا الإِجماعُ: فقالَ ابنُ المنذِرِ ﵀: أَجمَعوا على أنَّ الجمُعةَ واجِبةٌ على الأَحرارِ البالِغينَ المُقيمِينَ الذينَ لا عُذرَ لهم (٧).
стр. 1362
شُروطُ صحَّة الجمُعةِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ شُروطَ صحَّةِ الجمُعةِ هي شُروطُ صحَّةِ الصَّلاةِ بعَينِها المُتقدِّمةُ، ما عَدا الوقتَ ؛ فإنَّهم اختَلَفوا فيه، وكذلك اختَلَفوا في شُروطِها المُختصَّةِ بها.
أمَّا الوقتُ فإنَّ جُمهورَ الفُقهاءِ الحَنفيةَ والمالِكيةَ والشافِعيةَ على أنَّ وقتَها وقتُ الظُّهرِ بعَينِه -أي: وقتَ الزَّوالِ- وأنَّها لا تَجوزُ قبلَ الزَّوالِ، فلوِ ابتَدأَ الخَطيبُ الخُطبةَ قبلَه لم تَصحَّ الجمُعةُ، وإن وقَعَت الصَّلاةُ في داخِلِ الوقتِ.
ويَستمِرُّ وقتُها إلى دُخولِ العَصرِ، فإذا خرَجَ وقتُ الظُّهرِ سقَطَت الجمُعةُ، واستُبدِلَ بها الظُّهرُ؛ لأنَّ الجمُعةَ صَلاةٌ لا تُقضَى بالتَّفويتِ، واحتَجُّوا على ذلك بحَديثِ أنَسٍ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ : «كانَ يُصلِّي الجمُعةَ حينَ تَميلُ الشَّمسُ» (١).
وعن سَلمةَ بنِ الأكوَعِ ﵁ قالَ: «كُنا نُجمِّعُ مع رَسولِ اللهِ ﷺ إذا زالَت الشَّمسُ، ثم نَرجعُ نَتتبَّعُ الفَيءَ» (٢).
وهذا هو المَعروفُ مِنْ فِعلِ السَّلفِ والخَلَفِ، وأيضًا لمَّا كانَت الجمُعةُ بَدلًا مِنْ الظُّهرِ، وجَبَ أن يَكونَ وقتُها وقتَ الظُّهرِ، ولأنَّ إحداهُما
стр. 1363
بَدلٌ مِنْ الأُخرى، وقائِمةٌ مَقامَها فأشبَهَ الأصلَ المَذكورَ؛ ولأنَّ آخرَ وقتِهما واحدٌ، فكانَ أوَّلُه واحدًا، كصَلاةِ الحَضرِ والسَّفرِ.
وحَمَلوا الأَحاديثَ التي احتَجَّ بها الحَنابلَةُ الآتي ذِكرُها على شِدَّةِ المُبالَغةِ في تَعجيلِها (١).
وذهَبَ الحَنابلَةُ إلى جَوازِ فِعلِها قبلَ الزَّوالِ، بل قالوا: إنَّ أوَّلَ وقتِها هو أوَّلُ وقتِ صَلاةِ العِيدِ.
قالَ في «الإنصافِ»: ويُشتَرطُ لصحَّةِ الجمُعةِ أربَعةُ شُروطٍ: أحدُها: الوقتُ، وأوَّلُه أوَّلُ وقتِ صَلاةِ العِيدِ، وهذا المَذهبُ، وعليه أكثرُ الأَصحابِ، ونُصَّ عليه. قالَ في «الفُروع»: اختارَهُ الأكثرُ، قالَ الزَّركشِيُّ: اختارَه عامَّةُ الأَصحابِ (٢).
واحتَجُّوا على ذلك بحَديثِ جابرٍ ﵁ قالَ: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُصلِّي -يَعني: الجمُعةَ- ثم نَذهَبُ إلى جِمالِنَا فنُريحُها حتى تَزولَ الشَّمسُ» (٣).
стр. 1364
وعن سَلمةَ بنِ الأكوَعِ ﵁ قالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مع النَّبيِّ ﷺ الجمُعةَ، ثم نَنصرِفُ وليسَ للحِيطانِ ظِلٌّ نَستَظلُّ فيه» رَواهُ البُخاريُّ ومُسلمٌ، وفي رِوايةٍ لمُسلمٍ: «كُنا نُجمِّعُ مع رَسولِ اللهِ ﷺ إذا زالَتِ الشَّمسُ، ثم نَرجعُ نَتتبَّعُ الفَيءَ» (١).
وعن سَهلِ بنِ سَعدٍ ﵁ قالَ: «مَا كُنا نَقِيلُ ولا نَتغدَّى إلَّا بعدَ الجمُعةِ، في عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ » (٢).
وعن عبدِ اللهِ بنِ سِيدانَ السُّلمِيِّ قالَ: «شَهِدتُ الخُطبةَ معَ أَبي بَكرٍ، فَكانَت صَلاتُه وَخُطبتُه قبلَ نِصفِ النَّهارِ، وشهِدتُهَا معَ عمرَ بنِ الخَطابِ، فَكانَت صَلاتُه وَخُطبتُه إلى أَنْ أَقولَ: قدِ انتَصفَ النَّهارُ، ثم صلَّيتُها معَ عُثمانَ بنِ عَفانَ، فَكانَت صَلاتُه وَخُطبتُه إلى أَنْ أَقولَ: قَدْ زالَ النَّهارُ، فمَا رَأيتُ أَحدًا عابَ ذلك ولا أَنكرَه» (٣).
وكذلك رُويَ عن ابنِ مَسعودٍ وجابرٍ وسَعيدٍ ومُعاوِيةَ ﵃ أنَّهم صَلوا قبلَ الزَّوالِ، وأَحاديثُهم تَدلُّ على أنَّ النَّبيَّ ﷺ فعَلَها بعدَ الزَّوالِ في كَثيرٍ مِنْ أَوقاتِه، ولا خِلافَ في جَوازِه، وأنَّه الأفضَلُ والأَولَى، وأَحاديثُنا تَدلُّ على جَوازِ فِعلِها قبلَ الزَّوالِ، ولا تَنافِيَ بينَهما.
стр. 1365
ولأنَّها عِيدٌ، جازَت في وقتِ العِيدِ، كالفِطرِ والأضحَى، والدَّليلُ على أنَّها عِيدٌ قولُ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّ هذا يَومٌ جعَلَه اللهُ عِيدًا للمسلِمينَ»، وقولُه: «قدِ اجتَمعَ لكم في يَومِكم هذا عِيدانِ».
إلّا أنَّ ابنَ قُدامةَ ﵀ رَأى أنَّها لا تُفعَلُ في أوَّلِ النَّهارِ، قالَ: مَسألةٌ: قالَ: (وإن صَلوا الجمُعةَ قبلَ الزَّوالِ في السَّاعةِ السَّادسةِ، أجزَأَتهم).
وفي بعضِ النُّسخِ: في السَّاعةِ الخَامِسةِ، والصَّحيحُ: في السَّاعةِ السَّادسةِ؛ فظاهرُ كَلامِ الخرقِيِّ أنَّه لا تَجوزُ صَلاتُها فيما قبلَ السَّادسةِ، ورُويَ عن ابنِ مَسعودٍ وجابرٍ وسَعيدٍ ومُعاوِيةَ أنَّهم صَلوها قبلَ الزَّوالِ، وقالَ القاضِي وأَصحابُه: يَجوزُ فِعلُها في وقتِ صَلاةِ العِيدِ، ورَوى ذلك عبدِ اللهِ عن أبيه، قالَ: نَذهَبُ إلى أنَّها كصَلاةِ العِيدِ.
وأمَّا في أوَّلِ النَّهارِ فالصَّحيحُ أنَّها لا تَجوزُ؛ لمَا ذكرَه أكثرُ أهلِ العِلمِ، ولأنَّ التَّوقيتَ لا يثبُتُ إلا بدَليلٍ مِنْ نَصٍّ، أو ما يَقومُ مَقامَه، ولم يثبُتْ عن النَّبيِّ ﷺ ولا عن خُلفائِه أنَّهم صَلوها في أوَّلِ النَّهارِ.
ولأنَّ مُقتضَى الدَّليلِ كَونُ وقتِها وقتَ الظُّهرِ، وإنَّما جازَ تَقديمُها عليه بما ذكَرْنا مِنْ الدَّليلِ، وهو مُختَصٌّ بالسَّاعةِ السَّادسةِ، فلم يَجزْ تَقديمُها عليها، واللهُ أعلَمُ.
ولأنها لو صُلِّيت في أوَّلِ النَّهارِ لفاتَت أكثرَ المُصلِّينَ؛ فإنَّ العادةَ اجتِماعُهم لها عندَ الزَّوالِ، وإنَّما يَأتيها ضُحًى آحادٌ مِنْ الناسِ، وعددٌ يَسيرٌ،
стр. 1366
كما رُويَ عن ابنِ مَسعودٍ أنَّه أتى الجمُعةَ فوجَدَ أربَعةً قد سبَقوه، فقالَ: «رابِعُ أربَعةٍ، وما رابِعُ أربَعةٍ ببَعيدٍ».
إذا ثبَتَ هذا فالأَولى ألَّا تُصلَّى إلا بعدَ الزَّوالِ ليَخرجَ مِنْ الخِلافِ، ويَفعلُها في الوقتِ الذي كانَ النَّبيُّ ﷺ يَفعلُها في أكثرِ أَوقاتِه، ويُعجِّلُها في أوَّلِ وقتِها في الشِّتاءِ والصَّيفِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يُعجِّلُها، بدَليلِ الأَخبارِ التي روَيْناها، ولأنَّ الناسَ يَجتمِعونَ لها في أوَّلِ وقتِها يُبكِّرونَ إليها قبلَ وقتِها، فلوِ انتظَرَ الإِبرادَ بها لَشَقَّ على الحاضِرينَ، وإنَّما جُعلَ الإِبرادُ بالظُّهرِ في شدَّةِ الحَرِّ دَفعًا للمَشقَّةِ التي يَحصلُ أعظَمُ منها بالإِبرادِ بالجمُعةِ (١).
شُروطُ وُجوبِ الجمُعةِ:
وهي خَمسةٌ، وذلك بعدَ اعتِبارِ الشُروطِ التي تَتوقَّفُ عليها أهلِيَّةُ التَّكليفِ بصُورةٍ عامَّةٍ مِنْ عَقلٍ وبُلوغٍ.
الأوَّلُ: الإِقامةُ بمِصرٍ: (الاستِيطانُ) اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الجمُعةَ لا تَجبُ على مُسافِرٍ، ثم لا فَرقَ في الإِقامةِ بينَ أن تَكونَ على سَبيلِ الاستِيطانِ، أو دونَ ذلك، فمَن تَجاوَزَت أَيامُ إقامَتِه في بَلدَةٍ ما الفَترةَ
стр. 1367
التي يُشرعُ له فيها قَصرُ الصَّلاةِ، وجَبَت عليه صَلاةُ الجمُعةِ، وإلا فلا، ودَليلُ ذلك قولُه ﷺ : «مَنْ كانَ يُؤمنُ باللَّهِ واليَومِ الآخرِ فَعليه الجمُعةُ يومَ الجمُعةِ، إِلَّا مَريضٌ أو مُسافِرٌ أو امرَأةٌ أو صَبيُّ أو مَملوكٌ، فمَن استَغنَى بلَهوٍ أو تِجارةٍ استَغنَى اللَّهُ عنه، واللَّهُ غَنيُّ حَميدٌ» (١).
قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: أَجمعَ أئمَّةُ الفَتوى أنَّ المُسافِرينَ لا جمُعةَ عليهم (٢).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يُسافِرُ، فلا يُصلِّي الجمُعةَ في سَفرِه، وكان في حَجةِ الوَداعِ بعَرفةَ يومَ جمُعةٍ، فصلَّى الظُّهرَ والعَصرَ وجمَعَ بينَهما، ولم يُصلِّ جمُعةً، والخُلفاءُ الرَّاشِدونَ ﵃ كانوا يُسافِرونَ في الحَجِّ وغيرِه فلمْ يُصلِّ أَحدٌ منهم الجمُعةَ في سَفرِه، وكذلك غيرُهم مِنْ أَصحابِ رِسولِ اللهِ ﷺ ومَن بعدَهم، وقد قالَ إِبراهيمُ: «كانوا يُقيمُونَ بالرَّيِّ السَّنةَ وأكثرَ مِنْ ذلك، وبسِجِستانَ السِّنينَ، لا يُجمِّعونَ ولا يُشرِّقونَ»، وعن حَسنٍ عن عبد الرَّحمنِ بنِ سمُرةَ قالَ: «أَقمتُ معه سِنينَ بكابُلَ نَقصُرُ الصَّلاةَ ولا نُجمِّعُ»، رواها سَعيدٌ، وأقامَ أنسٌ بنَيسابورَ سَنةً أو سَنَتَينِ فكانَ لا يُجمِّعُ، ذكرَه ابنُ المنذِرِ، وهذا إِجماعٌ مع السُّنةِ الثَّابتَةِ فيه، فلا يَسوغُ مُخالَفتُه (٣).
стр. 1368
وقالَ الإمامُ السَّرخسيُّ ﵀: ولأنَّ المُسافِرَ تَلحَقُه المَشقَّةُ بدُخولِ المِصرِ وحُضورِ الجمُعةِ، وربَّما لا يَجدُ أَحدًا يَحفظُ رَحلَه، وربَّما يَنقطِعُ عن أَصحابِه؛ فلدَفعِ الحَرجِ أسقَطَها الشَّرعُ عنه (١).
الشَّرطُ الثاني: الذُّكورةُ: فلا تَجبُ على النِّساءِ بلا خِلافٍ.
قال ابنُ المنذِرِ ﵀: أَجمعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أَهلِ العِلمِ أن لا جمُعةَ على النِّساءِ، وأَجمَعوا على أنَّهنَّ إن حَضرنَ الإمامَ فصلَّينَ معه أنَّ ذلك يُجزِئُ عَنهُنَّ (٢).
وقالَ ابنُ بطَّالٍ ﵀: أَجمَعوا أنَّه لا جمُعةَ على النِّساءِ (٣).
وقالَ أيضًا: وأَجمعَ أئمَّةُ الفَتوى أنَّ الصِّبيانَ والنِّساءَ لا تَلزمُهم الجمُعةُ، فسقَطَ الغُسلُ عنهم (٤).
ولأنَّ المَرأةَ ليسَت مِنْ أهلِ الحُضورِ في مَجامعِ الرِّجالِ، ولذلك لا تَجبُ عليها جَماعةٌ؛ ولأنَّ المَرأةَ مَشغولةٌ بخِدمةِ الزَّوجِ، مَمنوعةٌ
стр. 1369
من الخُروجِ إلى مَحافلِ الرِّجالِ؛ لكَونِ الخُروجِ سَببًا للفِتنةِ (١).
الشَّرطُ الثالِثُ: الصِّحةُ: ويُقصدُ بها خلُوُّ البَدنِ ممَّا يَنكَسرُ معه -عُرفًا- الخُروجُ لشُهودِ الجمُعةِ في المَسجدِ، كمرَضٍ وألَمٍ شَديدٍ، والمرَضُ المُسقِطُ هذا هو الذي يَلحقُ صاحِبَه بقَصدِ الجمُعةِ مَشقَّةٌ ظاهِرةٌ غيرُ مُحتمَلةٍ.
وأُلحقَ بالمَريضِ مُمرِّضُه الذي يَقومُ بأمرِ تَمريضِه وخِدمتِه، بشَرطِ ألَّا يُوجَدَ مَنْ يَقومُ مَقامَه في ذلك لو ترَكَه. ويَلتحِقُ أيضًا بالمَريضِ في هذا مَنْ به إِسهالٌ كَثيرُ (٢)، والدَّليلُ على ذلك قولُه ﷺ : «مَنْ كانَ يُؤمنُ باللَّهِ واليَومِ الآخرِ فَعليه الجمُعةُ يومَ الجمُعةِ، إِلَّا مَريضٌ أو مُسَافِرٌ أو امرَأةٌ أو صَبيُّ أو مَملوكٌ، فمَن استَغنَى بلَهوٍ أو تِجارَةٍ استَغنَى اللَّهُ عنه، واللَّهُ غَنيُّ حَميدٌ» (٣).
الشَّرطُ الرابِعُ: الحرِّيةُ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يَجبُ على العبدِ صَلاةُ الجمُعةِ، وذهَبَ الإمامُ أحمدُ في الرِّوايةِ الثانيةِ إلى أنَّها تَجبُ عليه (٤).
стр. 1370
الشَّرطُ الخامِسُ: (السَّلامةُ): والمَقصودُ بها سَلامةُ المُصلِّي مِنْ العاهاتِ المُقعِدةِ أو المُتعِبةِ له في الخُروجِ إلى صَلاةِ الجمُعةِ؛ كالشَّيخوخةِ المُقعِدةِ، والعَمى، فإن وجَدَ الأعمَى قائِدًا، ولو بأُجرةٍ، أو مُتبَرِّعًا، وجَبَت عليه الجمُعةُ عندَ جُمهورِ العُلماءِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلَةِ والصَّاحبَينِ مِنْ الحَنفيةِ، خِلافًا لِأبي حَنيفةَ ﵀ (١).
وكذلك أيضًا لا تَجبُ الجمُعةُ في حالةِ خَوفٍ مِنْ عَدوٍّ أو سبُعٍ أو لِصٍّ أو سُلطانٍ، ولا في حالةِ مَطرٍ شَديدٍ، أو وَحلٍ أو ثَلجٍ، يَتعثَّرُ معها الخُروجُ إليها؛ إذ لا تُعدُّ السَّلامةُ مُتوافِرةً في مِثلِ هذه الحالاتِ (٢).
النَّوعُ الثَّالثُ مِنْ الشُروطِ: شُروطُ الصِّحةِ فقط: وهي ثَلاثةُ شُروطٍ:
الأوَّلُ: الخُطبةُ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ، المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّه لا تَصحُّ الجمُعةُ حتى يَتقدَّمَها خُطبَتانِ؛ لمَا رُويَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «صَلُّوا كما رَأيتمُونِي أُصلِّي» (٣). ولم يُصلِّ الجمُعةَ إلا بخُطبَتينِ، ورَوى ابنُ عمرَ ﵄ قالَ: «كانَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ يَخطُبُ يومَ الجمُعةِ خُطبَتينِ، يَجلسُ بينَهما» (٤).