وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وأما الأنفُ فإنْ قُطعَ المارِنُ ففيه القِصاصُ بلا خِلافٍ بينَ أصحابِنا ﵏؛ لقَولِه : ﴿وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ﴾ [المائدة: ٤٥]، ولأنَّ استِيفاءَ المِثلِ فيه مُمكنٌ؛ لأنَّ له حَدًّا مَعلومًا، وهو ما لانَ منه، فإنْ قطَعَ بعضَ المارِنِ فلا قِصاصَ فيه؛ لتعذُّرِ استِيفاءِ المِثلِ.
وإنْ قطَعَ قَصبةَ الأنفِ فلا قِصاصَ فيه؛ لأنه عَظمٌ ولا قِصاصَ في العَظمِ ولا في السنِّ؛ لِما نَذكرُ إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
وقالَ أبو يُوسفَ: إنْ استوعبَ ففيه القِصاصُ، وقالَ مُحمدٌ: لا قِصاصَ فيه وإنِ استوعبَ، ولا خِلافَ بينَهُما في الحَقيقةِ؛ لأنَّ أبا يُوسفَ أرادَ استيعابَ المارِنِ، وفيه القِصاصُ بلا خِلافٍ، ومُحمدٌ ﵀ أرادَ به استِيعابَ القصَبةِ، ولا قِصاصَ فيها بلا خِلافٍ (١).
القِصاصُ في الأُذنِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على جَريانِ القِصاصِ في الأُذنِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾ [المائدة: ٤٥]، فيُؤخذُ الكَبيرُ بالصَّغيرِ، والصَّغيرُ بالكبيرِ، والغَليظُ بالدَّقيقِ، والصَّحيحُ بالمَجذومِ، والأصَمُّ بالسميعِ، والسَّميعُ بالأصمِّ، والمَثقوبُ بالصَّحيحِ، والصَّحيحُ بالمَثقوبِ؛ لأنَّ الثقبَ ليسَ بنَقصٍ في الأُذنِ، وإنما تُثقبُ للجَمالِ.
قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ … الأذنَ بالأذنِ … وأجمَعُوا على أنَّ في أطرافِ الأُذنَينِ -وهي الجِلدُ القائمُ بينَ العِذارِ
стр. 13057
والبَياضِ الذي حوْلَها- الديةُ، إلا مالِكًا فإنه قد رُويَتْ عنه رِوايتانِ: إحداهُما: فيها حُكومةٌ، والأُخرى: فيها الدِّيةُ، كمَذهبِ الجَماعةِ (١).
وقالَ الكاسانِيُّ ﵀: وأما الأذنُ فإنِ استَوعبَها ففيها القِصاصُ؛ لقَولِه ﵎: ﴿وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾ [المائدة: ٤٥]، ولأنَّ استِيفاءَ المِثلِ فيها مُمكنٌ، فإنْ قطَعَ بعضَها فإنْ كانَ له حدٌّ يُعرَفُ ففيه القِصاصُ، وإلا فلا (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الأذنَ تُؤخذُ بالأذنِ؛ وذلكَ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾ [المائدة: ٤٥]، ولأنها تَنتهي إلى حَدٍّ فاصلٍ، فأشبَهَتِ اليَدَ، وتُؤخذُ الكَبيرةُ بالصَّغيرةِ، وتُؤخذُ أذنُ السَّميعِ بأذنِ السميعِ، وتُؤخذُ أذنُ الأصمِّ بكلِّ واحدةٍ منهُما؛ لتَساويهِما، فإنَّ ذهَابِ السَّمعِ نَقصٌ في الرأسِ؛ لأنه مَحلُّه، وليسَ بنَقصٍ فيهما، وتُؤخذُ الصَّحيحةُ بالمَثقوبةِ؛ لأنَّ الثقبَ ليسَ بعَيبٍ، وإنما يُفعلُ في العادةِ للقُرطِ والتزيُّنِ به، فإنْ كانَ الثقبُ في غيرِ مَحلِّه أو كانَتْ مَخرومةً أُخذتْ بالصَّحيحةِ ولم تُؤخذِ الصَّحيحةُ بها؛ لأنَّ الثقبَ إذا انخَرمَ صارَ نقصًا فيها، والثقبُ في غيرِ مَحلِّه عَيبٌ، ويُخيَّرُ المجنيُّ عليهِ بينَ أخذِ الديةِ إلا قدْرَ النقصِ، وبينَ أنْ يقتصَّ فيما سِوَى المَعيبِ ويَتركَه مِنْ أُذنِ الجاني، وفي وُجوبِ الحُكومةِ له في قَدرِ الثقبِ وَجهانِ، وإنْ قُطعَتْ بعضُ أذنِه فله أنْ يقتصَّ مِنْ أذنِ الجاني، وتَقديرُ ذلكَ بالأجزاءِ، فيُؤخذُ النِّصفُ بالنِّصفُ، والثلثُ بالثلُثِ، وعلى
стр. 13058
حِسابِ ذلكَ، وقالَ بعضُ أصحابِ الشافِعيِّ: لا يجري القِصاصُ في البَعضِ؛ لأنه لا يَنتهي إلى حَدٍّ.
ولنا: إنه يُمكنُ تَقديرُ المَقطوعِ وليسَ فيها كَسرُ عَظمٍ، فجَرى القِصاصُ في بَعضِها كالذَّكرِ، وبهذا يَنتقصُ ما ذَكَروهُ.
وتُؤخذُ الأذنُ المُستحشِفةُ بالصَّحيحةِ، وهل تُؤخذُ الصَّحيحةُ بها؟ فيه وَجهانِ:
أحَدُهما: لا تُؤخذُ بها؛ لأنها ناقِصةٌ مَعيبةٌ، فلَم تُؤخذْ بها الصَّحيحةُ كاليدِ الشَّلاءِ وسائرِ الأعضاءِ.
والثَّاني: تُؤخذُ بها؛ لأنَّ المَقصودَ منها جَمعُ الصَّوتِ وحِفظُ محلِّ السَّمعِ والجَمالُ، وهذا يَحصلُ بها كحُصولِه بالصَّحيحةِ، بخِلافِ سائرِ الأعضاءِ.
فَصلٌ: وإنْ قطَعَ أُذنَه فأبانَها فألصَقَها صاحبُها فالتَصقَتْ وثبتَتْ فقالَ القاضِي: يَجبُ القِصاصُ، وهو قَولُ الثوريِّ والشافِعيِّ وإسحاقَ؛ لأنه وجَبَ بالإبانةِ وقد وُجدَتِ الإبانةُ.
وقالَ أبو بَكرٍ: لا قِصاصَ فيها، وهو قَولُ مالكٍ؛ لأنها لم تَبِنْ على الدَّوامِ، فلَم يَستحقَّ إبانةَ أذنِ الجاني دَوامًا، وإنْ سَقطَتْ بعدَ ذلكَ قَريبًا أو بَعيدًا فله القِصاصُ، ويَردُّ ما أخَذَ، وعلى قَولِ أبي بكرٍ: إذا لم تَسقطْ له ديةُ الأذنِ، وهو قولُ أصحابِ الرأيِ، وكذلكَ قولُ الأوَّلينَ إذا اختارَ الديَةَ، وقالَ مالكٌ: لا عقْلَ لها إذا عادَتْ مكانَها، فأما إنْ قطَعَ بعضَ أذنِه فالتَصقَ
стр. 13059
فله أرشُ الجُرحِ ولا قِصاصَ فيه، وإنْ قطَعَ أذنَ إنسانٍ فاستَوفَى منه فألصَقَ الجاني أُذنَه فالتَصقَتْ وطلَبَ المجنيُّ عليهِ إبانَتَها لم يَكنْ له ذلكَ؛ لأنَّ الإبانةَ قد حَصلَتْ والقِصاصَ قد استُوفِيَ، فلَم يَبْقَ له قِبلَه حقٌّ، فأما إنْ كانَ المجنيُّ عليهِ لم يَقطعْ جَميعَ الأذنِ إنما قطَعَ بعضَها فالتَصقَ كانَ للمَجنيِّ عليهِ قَطعُ جَميعِها؛ لأنه استَحقَّ إبانةَ جَميعِها ولم يَكنْ إبانةٌ، والحُكمُ في السنِّ كالحُكمِ في الأذنِ.
فصلٌ: ومَن ألصَقَ أُذنَه بعدَ إبانتِها أو سِنَّه فهل تَلزمُه إبانتُها؟ فيه وَجهانِ مَبنيَّانِ على الرِّوايتينِ فيما بانَ مِنْ الآدَميِّ هل هو نَجسٌ أو طاهرٌ؟ إنْ قُلنا: «هو نَجسٌ» لَزمَتْه إزالتُها ما لم يَخَفِ الضررَ بإزالتِها، كما لو جبَرَ عظْمَه بعَظمٍ نَجسٍ، وإنْ قُلنا بطَهارتِها لم تَلزمْه إزالتُها، وهو اختِيارُ أبي بَكرٍ وقَولُ عَطاءِ بنِ أبي رَباحٍ وعطاءٍ الخُراسانِيِّ، وهو الصَّحيحُ؛ لأنه جُزءُ آدَميٍّ طاهرٍ في حَياتِه ومَوتِه، فكانَ طاهِرًا كحالةِ اتِّصالِه، فأما إنْ قطَعَ بعضَ أُذنِه فالتَصقَ لم تَلزمْه إبانتُها؛ لأنها طاهِرةٌ على الرِّوايتينِ جَميعًا؛ لأنها لم تَصِرْ مَيتةً؛ لعَدمِ إبانتِها، ولا قِصاصَ فيها، قالَه القاضِي، وهو مَذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنه لا يُمكنُ المُماثَلةُ في المَقطوعِ منها (١).
وقالَ الزَّركشيُّ ﵀: وتُقطعُ الأذنُ بالأذنِ، هذا إجماعٌ في الجُملةِ (٢).
стр. 13060
القِصاصُ في الذَّكرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الذَّكَرِ إذا قُطعَ، هل يَجبُ فيه القِصاصُ أم لا؟
فذهَبَ جَماهيرُ أهلِ العِلمِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ القِصاصَ يَجري في الذَّكرِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]؛ لأنه عُضوٌ له حَدٌّ وغايةٌ، فإذا استَوعبَه مِنْ أصلِ القَضيبِ اقتُصَّ منه، ويُؤخذُ الطَّويلُ بالقَصيرِ، والغَليظُ بالدَّقيقِ، وذكَرُ الشابِّ بذَكرِ الشيخِ، وذكَرُ الذي يَأتي النِّساءَ بذَكرِ العِنينِ، والذَّكرُ الذي يَنتشرُ بالذي لا يَنتشرُ ما لم يَكنْ به شَللٌ (١).
قالَ ابن قُدامةَ ﵀: لا نَعلمُ بينَ أهلِ العِلمِ خِلافًا في أنَّ القِصاصَ يَجريِ في الذَّكرِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، ولأنَّ له حَدًّا يَنتهي إليه ويُمكِنُ القِصاصُ فيه مِنْ غيرِ حَيفٍ، فوجَبَ فيه القِصاصُ كالأنفِ، ويَستوِي في ذلكَ الصغيرُ والكَبيرُ، والشيخُ والشابُّ، والذَّكرُ الكبيرُ والصَّغيرُ، والصَّحيحُ والمَريضُ؛ لأنَّ ما وجَبَ فيه القِصاصُ مِنْ الأطرافِ لم يَختلفْ بهذه المَعاني، كذلكَ الذكَرُ، ويُؤخذُ كلُّ واحدٍ مِنْ المَختونِ والأغلَفِ بصاحبِه؛ لأنَّ الغُلفةَ زِيادةٌ تُستحقُّ إزالتُها، فهي كالمَعدومةِ (٢).
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه لا قِصاصَ في الذَّكرِ؛ لأنه يَنقبضُ ويَنبسطُ، فلا
стр. 13061
يُمكنُ اعتبارُ المُساواةِ، وعن أبي يُوسفَ: أنه إذا قُطعَ مِنْ أصلِه يَجبُ؛ لأنه يُمكنُ اعتبارُ المساواةِ.
إلا أنْ تُقطعَ الحَشفةُ؛ لأنَّ مَوضعَ القَطعِ مَعلومٌ كالمَفصلِ، ولو قطَعَ بعضَ الحَشفةِ أو بعضَ الذكَرِ فلا قِصاصَ فيه؛ لأنَّ البعضَ لا يُعلَمُ مِقدارُه، بخِلافِ الأذنِ إذا قُطعَ كلُّه أو بعضُه؛ لأنه لا يَنقبضُ ولا يَنبسطُ وله حَدٌّ يُعرَفُ، فيُمكنُ اعتبارُ المساواةِ (١).
ذكَرُ الخَصيِّ والعِنينِ:
ذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنه يُقطعُ ذَكرُ الفَحلِ بذَكرِ الخَصيِّ والعنِّينِ؛ لأنهُما مُستويانِ في السَّلامةِ، وإنما عَدمُ الإنزالِ والجِماعِ لمَعنًى في غيرِه، فلَم يَمنعِ القِصاصَ، كأُذنِ السَّميعِ بأُذنِ الأصمِّ، ولا يُقطعُ الذكَرُ السليمُ بالذكَرِ الأشَلِّ؛ لأنه لا يُساويهِ (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنه لا يُقطعُ به.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأما ذكَرُ الخصيِّ والعنِّينِ فذكَرَ الشَّريفُ أنَّ غيرَهُما لا يُؤخذُ بهما، وهو قَولُ مالكٍ؛ لأنه لا مَنفعةَ فيهما؛ لأنَّ العنِّينَ لا يَطأُ ولا يُنزِلُ، والخَصيَّ لا يُولَدُ له ولا يُنزلُ ولا يَكادُ يَقدرُ على الوَطءِ، فهُمَا كالأشَلِّ، ولأنَّ كلَّ واحِدٍ منهُما ناقِصٌ، فلا يُؤخذُ به الكاملُ كاليَدِ الناقِصةِ بالكاملةِ.
стр. 13062
وقالَ أبو الخطَّابِ: يُؤخذُ غيرُهما بهمَا في أحَدِ الوجهَينِ، وهو مَذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنهُما عُضوانِ صَحيحانِ يَنقبضانِ ويَنبسطانِ، فيُؤخذُ بهمَا غيرُهما كذَكرِ الفَحلِ غيرِ العنِّينِ، وإنما عَدمُ الإنزالِ لذَهابِ الخِصيةِ، والعُنَّةُ لعِلةٍ في الظَّهرِ، فلَم يَمنعْ ذلكَ مِنْ القصاصِ بهمَا كأذنِ الأصمِّ وأنفِ الأخشَمِ.
وقالَ القاضِي: لا يُؤخذُ ذكَرُ الفَحلِ بالخَصيِّ؛ لتَحقُّقِ نقصِه والإياسِ مِنْ بُرئِه، وفي أخذِه بذكَرِ العِنينِ وَجهانِ:
أحَدُهما: يُؤخذُ به غيرُه؛ لأنه غيرُ مَأيوسٍ مِنْ زَوالِ عُنتِه، ولذلكَ يُؤجَّلُ سَنةً، بخِلافِ الخَصيِّ، والصَّحيحُ الأولُ، فإذا تَردَّدتِ الحالُ بينَ كَونِه مُساويًا للآخَرِ وعَدمِه لم يَجبِ القِصاصُ؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُه، فلا يَجبُ بالشكِّ سيِّما وقد حَكَمْنا بانتفاءِ التَّساوي؛ لقيامِ الدَّليلِ على عُنتِه وثُبوتِ عَيبِه، ويُؤخذُ كلُّ واحِدٍ مِنْ الخَصيِّ والعِنينِ بمثلِه؛ لتَساويهِما، كما يُؤخذُ العَبدُ بالعَبدِ والذِّميُّ بالذميِّ.
فَصلٌ: ويُؤخذُ بَعضُه ببَعضِه، ويُعتبَرُ ذلكَ بالأجزاءِ دونَ المَساحةِ، فيُؤخذُ النِّصفُ بالنِّصفِ والرُّبعُ بالرُّبعِ، وما زادَ أو نقَصَ فبَحسبِ ذلكَ على ما ذكَرْناهُ في الأنفِ والأذنِ (١).
стр. 13063
الديَةُ في الذَّكرِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ في الذكَرِ الدِّيةَ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «وفي البَيضَتَينِ الدِّيةُ، وفي الذَّكَرِ الديةُ» (١).
قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ في الذكَرِ الدِّيةُ، وانفَردَ قَتادةُ فقالَ: في ذكَرِ الذي لا يَأتي النِّساءَ ثُلثُ ما في ذكَرِ الذي يأتي النساءَ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ في كُلِّ الذَّكرِ الديةُ (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ في الذَّكرِ الدِّيةُ، وفي كِتابِ النبيِّ ﷺ لعَمرِو بنِ حَزمٍ: «وفي الذَّكرِ الدِّيةُ»، ولأنه عُضوٌ واحِدٌ فيه الجَمالُ والمَنفعةُ، فكَمُلتْ فيه الديةُ كالأنفِ واللِّسانِ، وفي شَللِه دِيتُه؛ لأنه ذهَبَ بنَفعِه، أشبَهَ ما لو أشَلَّ لِسانَه، وتَجبُ الدِّيةُ في ذَكرِ الصَّغيرِ والكَبيرِ والشَّيخِ والشابِّ سَواءٌ قدَرَ على الجِماعِ أو لم يَقدرْ.
فأمَّا ذكَرُ العِنينِ فأكثَرُ أهلِ العِلمِ على وُجوبِ الدِّيةِ؛ لعُمومِ الحَديثِ، ولأنه غيرُ مَأيوسٍ مِنْ جِماعِه، وهو عُضوٌ سَليمٌ في نَفسِه، فكَمُلتْ دِيتُه كذَكرِ الشيخِ.
وذكَرَ القاضي فيه عن أحمَدَ رِوايتينِ:
إحداهُما: تَجبُ فيه الدِّيةُ لذلكَ.
стр. 13064
والثانيةُ: لا تَكملُ دِيتُه، وهو مَذهبُ قَتادةَ؛ لأنَّ مَنفعتَه الإنزالُ والإحبالُ والجِماعُ، وقد عُدمَ ذلكَ منه في حالِ الكَمالِ، فلَم تَكملْ دِيتُه كالأشَلِّ، وبهذا فارَقَ ذكَرَ الصبيِّ والشيخِ.
واختَلفَتِ الرِّوايةُ في ذَكرِ الخَصيِّ، فعَنه: فيه دِيةٌ كامِلةٌ، وهو قولُ سَعيدِ بنِ عبدِ العَزيزِ والشافِعيِّ وابنِ المُنذرِ؛ للخبَرِ، ولأنَّ مَنفعةَ الذَّكرِ الجِماعُ، وهو باقٍ فيه.
والثانيةُ: لا تَجبُ فيه، وهو قَولُ مالكٍ والثوريِّ وأصحابِ الرأيِ وقَتادةَ وإسحاقَ؛ لِما ذكَرْنا في ذَكرِ العِنينِ، ولأنَّ المَقصودَ منه تَحصيلُ النَّسلِ، ولا يُوجدُ ذلكَ منهُ، فلَم تَكملْ دِيتُه كالأشَلِّ، والجِماعُ يَذهبُ في الغالبِ؛ بدَليلِ أنَّ البَهائمَ يَذهبُ جِماعُها بخِصائِها.
والفرقُ بينَ ذَكرِ العِنينِ وذَكرِ الخَصيِّ أنَّ الجِماعَ في ذَكرِ العِنينِ أبعَدُ منه في ذَكرِ الخَصيِّ، واليأسُ مِنْ الإنزالِ مُتحقِّقٌ في ذَكرِ الخَصيِّ دون ذَكرِ العِنينِ، فعلى قَولِنا: «لا تَكملُ الديَةُ في ذَكرِ الخَصيِّ» إنْ قطَعَ الذَّكرَ والأنثَيينِ دفعةً واحِدةً أو قطَعَ الذَّكرَ ثم قطَعَ الأنثَيينِ لَزمتْه دِيتانِ، فإنْ قطَعَ الأنثَيينِ ثم قطَعَ الذَّكرَ لم يَلزمْه إلا دِيةٌ واحِدةٌ في الأنثَيينِ وفي الذَّكرِ حُكومةٌ؛ لأنه ذكَرُ خَصيٍّ، قالَ القاضي: ونَصَّ أحمَدُ على هذا، وإنْ قطَعَ نِصفَ الذَّكرِ بالطُّولِ ففيهِ نصفُ الديَةِ، ذكَرَه أصحابُنا، والأَولى أنْ تَجبَ الديةُ كامِلةً؛ لأنه ذهَبَ بمَنفعةِ الجِماعِ به، فكَمُلتْ دِيتُه كما لو أشَلَّه أو كسَرَ صُلبَه فذهَبَ جِماعُه.
стр. 13065
وإنْ قطَعَ قِطعةً منه ممَّا دونَ الحَشفةِ وكانَ البولُ يَخرجُ على ما كانَ عليهِ وجَبَ بقَدرِ القِطعةِ مِنْ جَميعِ الذَّكرِ مِنْ الديَةِ، وإنْ خرَجَ البولُ مِنْ مَوضعِ القَطعِ وجَبَ الأكثَرُ مِنْ حِصةِ القِطعةِ مِنْ الديةِ أو الحُكومةِ، وإنْ ثقَبَ ذكَرَه فيما دونَ الحَشفةِ فصارَ البولُ يَخرجُ مِنْ الثقبِ ففيه حُكومةٌ لذلكَ (١).
وقالَ القاضِي عبدُ الوهابِ المالِكيُّ ﵀: في ذَكرِ الخَصيِّ حُكومةٌ، وقالَ الشافِعيُّ: فيه الديَةُ؛ فدَليلُنا: أنَّ مَنفعتَه ناقِصةٌ؛ لأنه لا يُنزِلُ ووَطؤُه ناقِصٌ، ولزَوجتِه الخيارُ إذا تَزوَّجتْه، فلَم يَستحقَّ به كَمالَ الدِّيةِ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: اختَلفَ أهلُ العِلمِ في ذَكرِ الخَصيِّ:
فقالَتْ طائِفةٌ: في ذَكرِ الخَصيِّ ما في ذَكرِ الفَحلِ؛ لأنَّ في الحَديثِ «في الذَّكرِ الدِّيةُ»، والخَصيُّ والفَحلُ داخِلانِ في ظاهِرِ الحَديثِ، وغيرُ جائزٍ إخراجُ شَيءٍ مِنْ جُملةِ الحَديثِ إلا بحُجةٍ، هذا قَولُ الشافِعيِّ وسَعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ.
وقالَتْ فِرقةٌ: في ذَكرِ الخَصيِّ حُكومةٌ، كذلكَ قالَ مالكُ بنُ أنسٍ وسُفيانُ الثوريُّ وأحمَدُ بنُ حَنبلٍ، ورُويَ ذلكَ عن النخَعيِّ، وبه قالَ أصحابُ الرأيِ.
قالَ أبو بَكرٍ: وبالقَولِ الأولِ أقولُ (٣).
الأخرَى» .. اقتُصَّ منه، وإنْ قيلَ: «تَتلفُ الأخرَى» .. لم يُقتصَّ منه؛ لأنه لا يَجوزُ أخذُ أُنثَيينِ بواحدةٍ، ويَجبُ له نِصفُ الدِّيةِ)، وهل تَتبعُها جِلدتُها أو تَنفردُ بحُكومةٍ؟ فيه وَجهانِ حَكاهُما في «الفُروع» (١).
وأما الحَنفيةُ فلَم يُوجدْ عندَهُم نَصٌّ في الكُتبِ الظاهِرةِ على وُجوبِ القِصاصِ في الأُنثيَينِ في حالةِ العَمدِ، جاءَ في «الفَتاوَى الهِنديَّة»: ولم يُوجدْ في الكُتبِ الظاهِرةِ أنه هل يَجبُ في قَطعِ الأنثَيينِ القِصاصُ حالةَ العَمدِ؟ كذا في «الظَّهيريةِ» (٢).
ومِن أجْلِ هذا اختَلفَ فُقهاءُ المَذهبِ، فذكَرَ الإمامُ ابنُ نُجيمٍ القِصاصَ فيهِما فَقالَ ﵀: ولم يَذكرْ (أي: الماتِنُ صاحِبُ «كَنز الدَّقائقِ») في الكِتابِ أنه إذا قطَعَ الأنثَيينِ عَمدًا هل يَجبُ القِصاصُ؟ والظاهِرُ أنه يَجبُ فيهِما القِصاصُ حالةَ العَمدِ (٣).
وذهَبَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀ إلى عَدمِ القِصاصِ فيهما، فقالَ: لم يُذكرْ حُكمُ الأنثَيينِ في وُجوبِ القِصاصِ فيهما، ويَنبغي أنْ لا يَجبَ القِصاصُ فيهما؛ لأنَّ كلَّ ذلكَ ليسَ له مَفصلٍ مَعلومٌ، فلا يُمكِنُ استِيفاءُ المِثلِ (٤).
стр. 13068
الدِّيةُ في الأُنثَيَينِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ في الأُنثَيينِ الديةُ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «وفي البَيضَتَينِ الدِّيةُ» (١).
قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وبه قالَ عَوامُّ أهلِ العِلمِ أنَّ في البَيضتينِ الدِّيةُ وفي كلِّ واحِدةٍ نصفُ الدِّيةِ.
واتَّفقُوا أنَّ في الأُنثيينِ على كلِّ حالٍ إذا أُصيبَا خَطأً مِنْ الحُرِّ المُسلمِ -بَقيَ الذكَرُ بعدَهُما أو لم يَبْقَ الذكَرُ- الديَةَ كاملةً (٢).
وقالَ أيضًا: وأجمَعوا أنَّ في الأُنثَيينِ الديةَ (٣).
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأما قولُه: «وفي الأُنثَيينِ الدِّيةُ» فرُويَ ذلكَ عن عُمرَ وعليٍّ وزَيدٍ وابنِ مَسعودٍ، وهَؤلاءِ فُقهاءُ الصحابةِ، ولا مُخالِفَ لهُم مِنْ التابعِينَ ولا مِنْ غَيرِهم، كلُّهم يَقولونَ: في البَيضتينِ الدِّيةُ، وفي كلِّ واحدةٍ منهُما نصفُ الديةِ.
وعلى هذا مَذهبُ أئمَّةِ الفتوَى بالأمصارِ، إلا سَعيدَ بنَ المُسيبِ فإنه رُويَ عنه مِنْ وُجوهٍ أنه قالَ: في البَيضةِ اليُسرَى ثُلثَا الدِّيةِ؛ لأنَّ الولدَ يكونُ مِنها، وفي اليُمنَى ثلثُ الدِّيةِ (٤).
стр. 13069
وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقُوا أنَّ في الصُّلبِ إذا كُسرَ فتَقبَّضَ وأذهَبَ مَشيَه مِنْ المِسلمِ الحُرِّ خطَأً الديَةَ كاملةً، وأنَّ في الأنثَيينِ على كلِّ حالٍ إذا أُصيبتَا خَطأً مِنْ الحرِّ المُسلمِ وبَقيَ الذَّكرُ بعدَها أو لم يَبْقَ الديةَ كامِلةً (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (وفي الأُنثيينِ الديةُ، لا نَعلمُ في هذا خِلافًا، وفي كِتابِ النبيِّ ﷺ لعَمرِو بنِ حَزمٍ: «وفي البَيضتينِ الديةُ»، ولأنَّ فيهِما الجَمالَ والمَنفعةَ؛ فإنَّ النَسلَ يكونُ بهمَا، فكانَت فيهما الديةُ كاليَدينِ.
وروَى الزهريُّ عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ أنه قالَ: «مَضَتِ السُّنةُ أنه في الصُّلبِ الدِّيةُ، وفي الأنثيينِ الدِّيةُ»، وفي إحداهُما نِصفُ الديةِ في قَولِ أكثرِ أهلِ العِلمِ، وحُكيَ عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ أنَّ في اليُسرَى ثُلثَي الديةِ وفي الثانيةِ ثُلثَها؛ لأنَّ نفْعَ اليُسرَى أكثَرُ؛ لأنَّ النَّسلَ يكونُ بها.
ولنا: إنَّ ما وجَبَتِ الديةُ في شَيئينِ منه وجَبَ في أحَدِهما نِصفُها كاليَدينِ وسائرِ الأعضاءِ، ولأنهُما ذُو عَددٍ تَجبُ فيه الديةُ، فاستَوتْ دِيتُهما كالأصابعِ، وما ذَكَروهُ يَنتقضُ بالأصابعِ والأجفانِ تَستوِي دِياتُها مع اختِلافِ نَفعِها، ثم يحتاجُ إلى إثباتِ ذلكَ الذي ذكَرَه.
وإنْ رَضَّ أُنثَييهِ أو أشَلَّهما كَمُلتْ دِيتُهما كما لو أشَلَّ يَديهِ أو ذكَرَه، فإنْ قطَعَ أُنثييهِ فذهَبَ نَسلُه لم يَجبْ أكثرُ مِنْ ديةٍ؛ لأنَّ ذلكَ نَفعُهما،
стр. 13070
فلَم تَزدَدِ الديةُ بذهابِه معَهما، كالبَصرِ مع ذَهابِ العَينينِ، والبَطشِ مع ذَهابِ الرِّجلينِ.
وإنْ قطَعَ إحداهُما فذهَبَ النسلُ لم يَجبْ أكثرُ مِنْ نِصفِ الديةِ؛ لأنَّ ذَهابَه غيرُ مُتحقِّقٍ (١).
وجاءَ في «المُدوَّنة»: (قلتُ): أرَأيتَ مَنْ لا ذكَرَ له وله أُنثَيانِ فقطَعَ رَجلٌ أُنثَييهِ؟ (قالَ): قالَ مالكٌ فيمَن قطَعَ ذكَرَ رَجلٍ وأُنثييهِ جَميعًا: إنَّ عليهِ دِيتَينِ، فإنْ كانَ قطَعَ أُنثييهِ ولم يَقطعِ الذكَرَ ففيه الدِّيةُ كاملةً، وإنْ قطَعَ ذكَرَه بعدَ ذلكَ ففيهِ الدِّيةُ كاملةً، وإنْ قطَعَ ذكَرَه ثم قطَعَ أنثييهِ بعد ذلكَ ففي الذَّكرِ الدِّيةُ وفي الأُنثيينِ أيضًا بعدَ ذلكَ الديةُ كامِلةً، (قلتُ): فمَن لا ذكَرَ له ففي أُنثييهِ الديةُ كاملةً في قَولِ مالكٍ؟ (قالَ): كذلكَ قالَ مالكٌ: (قلتُ): ومَن لا أُنثيينِ له أفي ذكَرِه الديةُ كاملةً؟ (قالَ): نعم، (قلت): أرَأيتَ البَيضتينِ أهُمَا سَواءٌ عندَ مالكٍ اليُمنى واليُسرى؟ (قالَ): نعمْ في كلِّ واحدةٍ منهُما نِصفُ الدِّيةِ عندَ مالكٍ (٢).
القِصاصُ في السِّنِّ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على جَريانِ القِصاصِ في السنِّ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] الآيَة.
стр. 13071
وعن أنسٍ ﵁ قالَ: «كَسرَتِ الرُّبيِّعُ -وهي عمَّةُ أنسِ بنِ مالكٍ- ثَنيَّةَ جاريةٍ مِنْ الأنصارِ، فطلَبَ القَومُ القِصاصَ، فأَتَوا النبيَّ ﷺ فأمَرَ النبيُّ ﷺ بالقِصاصِ، فقالَ أنسُ بنُ النَّضْرِ عَمُّ أنسِ بنِ مالكٍ: لا واللهِ، لا تُكسَرُ سِنُّها يا رَسولَ اللهِ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : يا أنَسُ كِتابُ اللهِ القِصاصُ، فرَضِيَ القَومُ وقَبلُوا الأرشَ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : إنَّ مِنْ عِبادِ اللهِ مَنْ لو أقسَمَ على اللهِ لَأبَرَّهُ» (١).
قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥]، وأجمَعَ العُلماءُ أنَّ هذهِ الآيةَ في العَمدِ، فمَن أصابَ سِنَّ أحَدٍ عَمدًا ففيه القِصاصُ، على حَديثِ أنسٍ (٢).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وُجوبُ القِصاصِ في السنِّ، وهو مُجمَعٌ عليهِ إذا أقَلَّها كلَّها، فإنْ كسَرَ بعضَها ففيهِ وفي كَسرِ سائرِ العِظامِ خلافٌ مَشهورٌ للعُلماءِ، والأكثَرونَ على أنه لا قِصاصَ (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على القصاصِ في السنِّ؛ للآيةِ وحَديثِ الرُّبيعِ، ولأنَّ القِصاصَ فيها مُمكنٌ؛ لأنها مَحدودةٌ في نَفسِها، فوجَبَ فيها القِصاصُ كالعَينِ، وتُؤخذُ الصَّحيحةُ بالصحيحةِ، وتُؤخذُ المَكسورةُ بالصَّحيحةِ؛ لأنه يَأخذُ بعضَ حقِّه، وهل يَأخذُ مع القِصاصِ أرشَ الباقي؟ فيه وَجهانِ ذكَرْناهُما فيما مضَى.
стр. 13072
فَصلٌ: ولا يُقتصُّ إلا مِنْ سنِّ مَنْ أثغَرَ -أي سقَطَتْ رَواضعُه ثمَّ نَبتَتْ، يقالَ لمَن سَقطَتْ رَواضعُه ثَغر فهو مَثغورٌ، فإذا نبتَتْ قيلَ: أثغَرَ وأُثغرَ، لُغتانِ-، وإنْ قلَعَ سنَّ مَنْ لم يُثغرْ لم يُقتصَّ مِنْ الجاني في الحالِ، وهذا قولُ مالكٍ والشافِعيِّ وأصحابِ الرأيِ؛ لأنها تَعودُ بحُكمِ العادةِ، فلا يُقتصُّ منها كالشَّعرِ، ثمَّ إنْ عادَ بَدلُ السنِّ في مَحلِّها مثلُها على صِفتِها فلا شيءَ على الجاني، كما لو قلَعَ شَعرةً ثم نبتَتْ، وإنْ عادَتْ مائِلةً عن مَحلِّها أو مُتغيرةً عن صِفتِها كانَ عليهِ حُكومةٌ؛ لأنها لو لم تَعُدْ ضَمنَ السنَّ، فإذا عادَتْ ناقِصةً ضَمِنَ ما نقَصَ منها بالحِسابِ، ففي ثُلثِها ثُلثُ دِيتِها، وفي رُبعِها رُبعُها، وعلى هذا، وإنْ عادَتْ والدمُ يَسيلُ ففيها حُكومةٌ؛ لأنه نَقصٌ حصَلَ بفِعلِه، وإنْ مضَى زَمنُ عَودِها ولم تَعُدْ سُئلَ أهلُ العِلمِ بالطبِّ، فإنْ قالوا: «قد يُئسَ مِنْ عَودِها» فالمَجنيُّ عليهِ بالخِيارِ بينَ القِصاصِ أو ديةِ السنِّ، فإنْ ماتَ المَجنيُّ عليهِ قبلَ الإياسِ مِنْ عَودِها فلا قِصاصَ؛ لأنَّ الاستِحقاقَ له غيرُ مُتحقِّقٍ، فيَكونُ ذلكَ شُبهةً في دَرئِه، وتَجبُ الديةُ؛ لأنَّ القَلعَ مَوجودٌ والعَودَ مَشكوكٌ فيه، ويَحتملُ أنه إذا ماتَ قبلَ مَجيءِ وقتِ عَودِها أنْ لا يَجبَ شيءٌ؛ لأنَّ العادةَ عَودُها، فأشبَهَ ما لو حلَقَ شعْرَه فماتَ قبلَ نَباتِه.
فأما إنْ قلَعَ سنَّ مَنْ قد أثغَرَ وجَبَ القِصاصُ له في الحالِ؛ لأنَّ الظاهرَ عَدمُ عَودِها، وهذا قولُ بعضِ أصحابِ الشافِعيِّ.
وقالَ القاضي: يُسألُ أهلُ الخِبرةِ، فإنْ قالوا: «لا تَعودُ» فله القِصاصُ في الحالِ، وإنْ قالوا: «يُرجَى عَودُها» إلى وَقتٍ ذَكَروهُ لم يُقتصَّ حتى يَأتِيَ
стр. 13073
ذلكَ الوقتُ، وهذا قَولُ بعضِ أصحابِ الشافِعيِّ؛ لأنها تَحتملُ العودَ، فأشبَهَتْ سنَّ مَنْ لم يُثغرْ.
وإذا ثبَتَ هذا فإنها إنْ لم تَعُدْ بعدُ فلا كَلامَ، وإنْ عادَتْ لم يجبْ قِصاصٌ ولا دِيةٌ، وهذا قولُ أبي حَنيفةَ وأحَدُ قولَي الشافِعيِّ، وقالَ في الآخَرِ: لا يَسقطُ الأرشُ؛ لأنَّ هذه السِّنَّ لا تَستخلفُ عادةً، فإذا عادَتْ كانَتْ هِبةً مُجدَّدةً، ولذلكَ لا يُنتظرُ عَودُها في الضمانِ.
ولنا: إنها سِنٌّ عادَتْ، فسقَطَ الأرشُ كسِنِّ مَنْ لم يُثغرْ، ونُدرةُ وُجودِها لا يَمنعُ ثبوتَ حُكمِها إذا وُجدتْ، فعلى هذا إنْ كانَ أخَذَ الأرشَ رَدَّه، وإنْ كانَ استَوفَى القِصاصَ لم يَجزْ قَلعُ هذهِ قصاصًا؛ لأنه لم يَقصدِ العُدوانَ، وإنْ عادَتْ سِنُّ الجاني دُونَ سِنِّ المَجنيِّ عليهِ ففيه وَجهانِ:
أحَدُهما: لا تُقلعُ؛ لئلَّا يَأخذَ سِنَّينِ بسِنٍّ واحدةٍ، وإنما قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥].
والثاني: تُقلعُ وإنْ عادتْ مرَّاتٍ؛ لأنه قلَعَ سِنَّه وأعدَمَها، فكانَ له إعدامُ سنِّه، ولأصحابِ الشافِعيِّ وَجهانِ كهَذينِ.
فصلٌ: وإنْ قلَعَ سِنًّا فاقتصَّ منه ثم عادَتْ سِنُّ المَجنيِّ عليهِ فقلَعَها الجاني ثانيةً فلا شيءَ عليهِ؛ لأنَّ سِنَّ المَجنيِّ عليهِ لمَّا عادَتْ وجَبَ للجاني عليهِ دِيةُ سِنِّه، فلمَّا قلَعَها وجَبَ على الجاني دِيتُها للمَجنيِّ عليهِ، فقدْ وجَبَ لكلِّ واحِدٍ منهُما ديةُ سنٍّ، فيَتقاصَّانِ (١).
стр. 13074
القِصاصُ في العِظامِ:
نَصَّ أكثَرُ أهلِ العِلمِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ -بل حُكِيَ فيهِ الإجماعُ- على أنَّه لا قِصاصَ في كَسرِ العَظمِ ما خَلا السِّنَّ، فإذا كسَرَ الجاني عظْمَ المَجنيِّ عليهِ - في أيِّ مَوضعٍ منهُ- فإنَّ القِصاصَ لا يَجبُ فلا يُكسرُ عَظمُ الجاني بعَظمِ المَجنيِّ عليهِ، وقد نقَلَ عددٌ مِنْ العُلماءِ الإجماعَ على هذا، وإنَّما فيهِ حُكومةٌ.
واستَدلَّ العُلماءُ على ذلكَ بما رواهُ ابنُ ماجَه عن نِمران بنِ جارِيةَ عن أبيه «أنَّ رَجلًا ضرَبَ رَجلًا على ساعِدِه بالسَّيفِ فقطَعَها مِنْ غَيرِ مَفصلٍ، فاستَعدَى عليهِ النبيَّ ﷺ ، فأمَرَ له بالدِّيةِ، فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ إني أريدُ القِصاصَ، فقالَ: خُذِ الدِّيةَ بارَكَ اللهُ لكَ فيها، ولم يَقْضِ له بالقِصاصِ» (١).
قالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: كَسرُ العَظمِ لا يَثبتُ فيه القِصاصُ بإجماعِ الأُمةِ (٢).
وقالَ الإمامُ الطحَاويُّ ﵀: قالَ أبو حَنيفةَ وأصحابُه: لا قِصاصَ في عَظمٍ ما خَلا السنَّ.
وقالَ الليثُ والشافِعيُّ مثلَ ذلكَ ولم يَستَثنوا السنَّ.
وقالَ ابنُ القاسمِ عن مالكٍ: عِظامُ الجَسدِ كلُّها فيها القَودُ، إلا ما كانَ مَخوفًا مثلَ الفَخذِ وما أشبَهَه فلا قوَدَ فيه، وليسَ في الهاشِمةِ قَودٌ، وكذلكَ
стр. 13075
المُنقِّلةُ، وفي الذِّراعينِ والعَضدِ والساقَينِ والقَدمينِ والكَعبينِ والأصابعِ إذا كُسرَتْ ففيها القصاصُ.
وقالَ الأوزاعيُّ: ليسَ في المَأمومةِ قِصاصٌ.
قالَ أبو جَعفرٍ: لمَّا اتَّفقوا على أنْ لا قِصاصَ في عَظمِ الرأسِ فكذلكَ سائرُ العِظامِ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، وذلكَ غيرُ مُمكنٍ في العِظامِ.
ورَوى حمَّادُ بنُ سَلمةَ عن عَمرِو بنِ دِينارٍ عن ابنِ الزبيرِ «أنه اقتَصَّ مِنْ مَأمومةٍ، فأُنكرَ ذلكَ عليهِ»، وهذا يَدلُّ على أنَّ الذينَ أنكَروهُ كانوا نُظراءَه مِنْ الصَّحابةِ، وإنه لم يُنكِروهُ مِنْ طريقِ الرأيِ؛ لأنَّ ما كانَ طَريقُه الاجتهادَ لا يَجوزُ النَّكيرُ فيه (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥]، وأجمَعَ العُلماءُ أنَّ هذهِ الآيةَ في العَمدِ، فمَن أصابَ سِنَّ أحَدٍ عَمدًا ففيهِ القِصاصُ على حَديثٍ أنسٍ.
واختَلفَ العُلماءُ في سائرِ عِظامِ الجَسدِ إذا كُسرَتْ عَمدًا، فقالَ مالكٌ: عِظامُ الجَسدِ كلُّها فيها القَودُ إذا كُسِرتْ عَمدًا الذِّراعانِ والعَضدانِ والسَّاقانِ والقَدمانِ والكَعبانِ والأصابعِ إلا ما كانَ مَخوفًا مثلَ الفَخذِ وشبهِهِ كالمَأمومةِ والمُنقِّلةِ والهاشِمةِ والصَّلبِ، ففي ذلكَ الديةُ.
стр. 13076
وقالَ الكُوفيُّونَ: لا قِصاصَ في عَظمٍ يُكسَرُ إلا السِّنَّ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥]، وهو قَولُ الليثِ والشافِعيِّ، واحتَجَّ الشافِعيُّ فقالَ: إنَّ دونَ العَظمِ حائلًا مِنْ الجِلدِ ولَحمٍ وعَصَبٍ، فلو استَيقنَّا أنَّا نَكسرُ عَظمه كما كسَرَ عَظمه لا يَزيدُ عليهِ ولا يَنقصُ فَعلْناهُ، ولكنَّا لا نَصلُ إلى العَظمِ حتى نَنالَ منه ما دُونَه ممَّا ذكَرْناهُ أنا لا نَعرفُ قدْرَه ممَّا هو أقلُّ أو أكثَرُّ مما نالَ غيرهُ، وأيضًا فإنَّا لا نَقدرُ أنْ يَكونَ كَسرٌ ككَسرٍ أبدًا، فهو مَمنوعٌ.
وقالَ الطحَاويُّ: اتَّفقُوا أنه لا قِصاصَ في عَظمِ الرَّأسِ، فكذلكَ سائرُ العِظامِ.
والحجةُ لمالكٍ حَديثُ أنسٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ في سِنِّ الرُّبيعِ: «كِتابُ اللهِ القِصاصُ»، فلمَّا جازَ القِصاصُ في السنِّ إذا كُسرِتْ وهيَ عَظمٌ فكذلكَ سائرُ العِظامِ، إلا عَظمًا أجمَعوا أنه لا قِصاصَ فيه؛ لخَوفِ ذَهابِ النفسِ منه، وأنه لا يُقدَرُ على الوُصولِ فيه إلى مثلِ الجِنايةِ بالسَّواءِ، فلا يَجوزُ أنْ يُفعلَ ما يُؤدِّي في الأغلبِ إلى التَلفِ إذا كانَ الجارحُ الأولُ لم يُؤَدِّ فعلُه إلى التلفِ.
وقالَ ابنُ المُنذرِ: ومَن قالَ: «لا قِصاصَ في عَظمٍ» فهو مُخالفٌ للحَديثِ، والخُروجُ إلى النَّظرِ غيرُ جائزٍ مع وُجودِ الخبَرِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: قالَ مالكٌ: الأمرُ المُجتمعُ عليهِ عندَنا أنَّ مَنْ كسَرَ يدًا أو رِجلًا عَمدًا أنه يُقادُ منه ولا يُعقلُ.
стр. 13077
قالَ أبو عُمرَ: أما اليدُ والذِّراعُ والرِّجلُ والساقُ فإذا قُطِعتِ اليدُ أو الرِّجلِ مِنْ المَفصلِ عَمدًا فلا خِلافَ بينَ العُلماءِ في أنَّ القصاصَ واجبٌ في ذلكَ.
وأما الساقُ والذِّراعُ ففيهِما يَقعُ الكَسرُ وفي سائرِ أعضاءِ الجَسدِ تَنازَعَ العُلماءُ.
فذهَبَ مالكٌ وأصحابُه إلى أنَّ القِصاصَ في ذلكَ، وذكَرَ أنه أمرٌ مُجتمعٌ عليهِ عندَهم، ولم يَرَ في كَسرِ الفَخذِ قَودًا.
ورَواهُ أبو بَكرِ بنُ مُحمدِ بنِ عَمرِو بنِ حَزمٍ، وهو رَأيُ أبيه.
قالَ ابنُ القاسمُ عن مالكٍ: عِظامُ الجَسدِ مثلُ العَجُزِ وما أشبَهَه كلُّها فيها القَودُ، إلا ما كانَ مَخوفًا عليهِ مثلَ الفَخذِ وما أشبَهَه.
قالَ: وليسَ في الهاشِمةِ ولا المُنقِّلةِ ولا المَأمومةِ قَودٌ.
قالَ: وأما الذِّراعانِ والعَضدانِ والساقانِ والقدَمانِ ففي ذلكَ كلِّه إذا كُسرَ شَيءٌ منه القَودُ …
وقالَ الليثُ بنُ سعدٍ والشافِعيُّ: لا قِصاصَ في عَظمٍ مِنْ العِظامِ لم يُكسرْ ولم يُشِنْها شَيئًا ولا ضِرسًا.
وقالَ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ ومُحمدٌ: لا قِصاصَ في عَظمٍ ما خَلا السنَّ.
قالَ أبو عُمرَ: رُويَ عن ابنِ عبَّاسٍ أنه قالَ: «ليسَ في العِظامِ قِصاصٌ».
стр. 13078
وعن عطاءِ بنِ أبي رَباحٍ وعامرٍ الشَّعبيِّ والحَسنِ البَصريِّ وابنِ شهابٍ الزهريِّ وإبراهيمَ النخَعيِّ وعُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ مثلُ ذلكَ، وهو قَولُ سُفيانَ الثوريِّ …
قالَ أبو عُمرَ: في هذا البابِ حَديثانِ مَرفوعانِ، أحَدُهما صَحيحٌ لا مَقالَ في إسنادِه، وهو حَديثُ أنسٍ، قِصةُ ثَنيةِ الرُّبيعِ.
حدَّثَنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ قالَ: حدَّثَنا قاسمُ بنُ أصبَغَ قالَ: حَدَّثنا مُحمدُ بنُ وضَّاحٍ قالَ: حَدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شَيبةَ قالَ: حَدَّثنا أبو خالدٍ الأحمَرُ عن حُميدٍ عن أنَسٍ «أنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ بالقِصاصِ في السِّنِّ، وقالَ: كِتابُ اللهِ القِصاصُ».
قالَ أبو عُمرَ: هذا حَديثٌ مُختصَرٌ وليسَ فيه حُجةٌ؛ لأنه قد يُحتملُ أنْ تكونَ السِّنُّ قُلِعتْ أو سَقطَتْ مِنْ ضَربةٍ، فإذا كانَ كذلكَ فلا خِلافَ في القِصاصِ، قالَ اللهُ : ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥]، وإنما الخِلافُ في السنِّ تُكسَرُ هل فيها قِصاصٌ أم لا؟ وحَديثُ أنسٍ هذا مَحفوظٌ في كَسرِ السنِّ والقِصاصِ.
حدَّثَني عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ وأحمَدُ بنُ قاسمٍ قالَا: حَدَّثنا قاسمُ ابنُ أصبغَ قالَ: حَدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامةَ قالَ: حَدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ بكرٍ السَّهميِّ قالَ: حَدَّثني حُميدٌ عن أنسٍ «أنَّ الرُّبيِّعَ عمَّتَه كسَرَتْ ثَنيةَ جاريةٍ فطَلَبوا إليها العَفوَ فأبَوا، والأرشَ فأبَوا، فأتَوا رَسولَ اللهِ ﷺ فأبَوا إلا القِصاصَ، فأمَرَ رَسولُ اللهِ ﷺ بالقِصاصِ، فقالَ أنسُ
стр. 13079
ابنُ النَّضرِ: أتُكسَرُ ثَنيةُ الربيِّعِ؟! لا والذي بعَثَكَ بالحقِّ لا تُكسَرُ ثَنيتُها، فقالَ رَسولُ اللهِ: ﷺ يا أنسُ كِتابُ اللهِ القِصاصُ، ثمَّ أرضَى القَومَ فكَفُّوا، فقالَ رَسولُ اللهِ: ﷺ إنَّ مِنْ عِبادِ اللهِ مَنْ لو أقسَمَ على اللهِ لَأبرَّه» (١).
قالَ أبو عُمرَ: هذا الحَديثُ حُجةٌ لمالكٍ، وهو حَديثٌ ثابتٌ، وإذا كانَ القِصاصُ في السنِّ إذا كُسرَتْ وهي عَظمٌ فسائرُ العِظامِ كذلكَ، إلا عَظمًا اجتَمَعوا على أنه لا قِصاصَ فيه لخَوفِ ذَهابِ النَّفسِ منه، أو لأنه لا يُقدَرُ على الوُصولِ فيه إلى مِثلِ الجِنايةِ بالسَّواءِ، واللهُ أعلَمُ.
وأما الحَديثُ الآخَرُ الذي يَنفِي القِصاصَ في العِظامِ فحَدَّثَناهُ عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ قالَ: حدَّثَنا قاسمُ بنُ أصبَغَ قالَ: حَدَّثنا أحمَدُ بنُ زَهيدٍ قالَ: حَدَّثنا مُحمدُ بنُ مَنيعٍ قالَ: حَدَّثنا أبو بكرِ بنُ عيَّاشٍ عن دَهثَمِ بنِ قُرَّانَ عن نَمِرانَ بنِ جاريَةَ عن أبيه «أنَّ رَجلًا ضرَبَ رَجلًا على ساعِدِه بالسيفِ مِنْ غيرِ المَفصلِ فقطَعَها، فاستَعدَى النبيَّ ﷺ فأمَرَ له بالدِّيةِ، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إني أريدُ القِصاصَ، فقالَ: خُذِ الديَةَ بارَكَ اللهُ لكَ فيها، ولم يَقْضِ له بالقِصاصِ».
قالَ أبو عُمرَ: ليسَ لهذا الحَديثِ غيرُ هذا الإسنادِ، ودَهثمُ بنُ قُرَّانَ العُكليِّ ضَعيفٌ أعرابيٌّ ليسَ حَديثُه ممَّا يُحتجُّ به، ونَمِرانُ بنُ جاريةَ أعرابيٌّ أيضًا وأبوهُ جاريةُ بنُ ظَفَرٍ مَذكورٌ في الصحابةِ (٢).
стр. 13080
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واختَلفُوا في كَسرِ ما كُسرَ منها مثلَ الساقِ والذِّراعِ هل فيه قَودٌ أم لا؟ فذهَبَ مالكٌ وأصحابُه إلى أنَّ القودَ في كَسرِ جَميعِ العِظامِ إلا الفَخِذَ والصُّلبَ.
وقالَ الشافِعيُّ والليثُ: لا قِصاصَ في عَظمٍ مِنْ العِظامِ بكَسرٍ، وبه قالَ أبو حَنيفةَ إلا أنه استَثنَى السنَّ.
ورُويَ عن ابنِ عبَّاسٍ أنه لا قِصاصَ في عَظمٍ، وكذلكَ عن عُمرَ.
قالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ: ثبَتَ أنَّ النبيَّ ﷺ أقادَ في السِّنِّ المَكسورةِ مِنْ حَديثِ أنسٍ، قالَ: وقد رُويَ مِنْ حَديثٍ آخرَ «أنَّ النبيَّ ﵊ لم يُقِدْ مِنْ العَظمِ المَقطوعِ في غيرِ المَفصلِ»، إلا أنه ليسَ بالقَويِّ.
ورُويَ عن مالكٍ أنَّ أبا بكرِ بنَ مُحمدِ بنِ عَمرِو بنِ حَزمٍ أقادَ مِنْ كَسرِ الفَخذِ (١).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: والحُجةُ لمالِكٍ حَديثُ أنسٍ في السنِّ وهي عَظمٌ، فكذلكَ سائرُ العِظامِ، إلا عَظمًا أجمَعُوا على أنه لا قِصاصَ فيه لخَوفِ ذَهابِ النَّفسِ منه، قالَ ابنُ المُنذرِ: ومَن قالَ: «لا قِصاصَ في عَظمٍ» فهو مُخالِفٌ للحَديثِ، والخُروجُ إلى النظرِ غيرُ جائزٍ مع وُجودِ الخبَرِ، قلتُ: ويَدلُّ على هذا أيضًا قَولُه تعالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ
стр. 13081
مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وقولُه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وما أجمَعُوا عليهِ فغيرُ داخلٍ في الآيِ (١).
وهذا الخِلافُ إنما هو في العَظمِ الذي تَتأتَّى فيه المُماثَلةُ، أما العِظامُ التي لا تَتأتَّى فيها المُماثلةُ ويُخشَى معَها ذَهابُ النفسِ فالإجماعُ مُنعقدٌ على عَدمِ القِصاصِ فيها.
قالَ الإمامُ الصَّنعانِيُّ ﵀: وأما العَظمُ غيرَ السنِّ فقد قامَ الإجماعُ على أنه لا قِصاصَ في العَظمِ الذي يُخافُ منه ذَهابُ النفسِ إذا لم تَتأتَّ فيه المُماثلةُ بأنْ لا يُوقَفَ على قَدرِ الذاهِبِ (٢).
وقالَ الإمامُ الشَّوكانِيُّ ﵀: وقد حُكيَ الإجماعُ على أنه لا قِصاصَ في العَظمِ الذي يُخافُ منه الهَلاكُ (٣).
وقالَ الحطَّابُ ﵀: قالَ ابنُ الموَّازِ: واجتَمعَا أنه لا قِصاصَ في عِظامِ العُنقِ والفَخذِ والصُّلبِ وشِبهِ ذلكَ مِنْ المُتألِّفِ في العِظامِ، وفيه العَقلُ بقَدرِ الشَّينِ، إلا الصُّلبَ ففيهِ الديَةُ، ولا شَيءَ في شَينهِ إلا أنْ يكونَ انحنَى وهو معَ ذلكَ يَقومُ، ففيهِ مِنْ الديَةِ بحِسابِ ذلكَ.
وفي كَسرِ الفَخذِ حُكومةٌ بقَدرِ الشَّينِ، وقد يَبلغُ ذلكَ أكثَرَ مِنْ الديةِ،
стр. 13082
إلا أنْ يكونَ أشَلَّ رِجلَه فلا يَقدرُ أنْ يَمشيَ بها على الأرضِ ففيه دِيةُ الرِّجلِ كاملةً، أو يَشينُه بما يُنقصُ مَشيَه فله مِنْ الديةِ بقَدرِ ما نقَصَ منها.
وقالَ ابنُ القاسِمِ عن مالكٍ: وفي الظُّفرِ القِصاصُ إنْ استُطيعَ منه القَودُ.
ابنُ الموَّازِ: اختَلفَ فيه قولُ مالكٍ، وهذا أحَبُّ إلينا.
قالَ ابنُ عَبدوسٍ: يَنبغي أنْ يكونَ الظفُرُ كسِنِّ الصبيِّ؛ لأنه يَنبتُ. انتَهى
وقالَ ابنُ الحاجِبِ: ولو بَرِئَ العظمُ الخَطِرُ على غيرِ عَثمٍ فكالخَطأِ، فلا شَيءَ فيه سِوى الأدبِ في العَمدِ، بخِلافِ العَمدِ في غيرِه فإنه يُقادُ منه وإنْ بَرئَ على غيرِ عَثمٍ. انتهى
قالَ في «التَّوضِيح»: يعني أنَّ ما لا قِصاصَ فيه لخَطرِه لو بَرئَ على غيرِ عَيبٍ فلا شيءَ فيه، أمَّا القصاصُ فلِأنها مَخوفةٌ، وأما العِوضُ فلِأنَّ الشرعَ لم يُسَمِّ، نَعم يُؤدب القاضي المُتعمَد. انتهى
فائدةٌ: قالَ عياضٌ: العَثْمُ والعَثَلُ بالميمِ واللامِ معًا والعَينُ المُهملةُ المَفتوحةُ والثاءُ المُثلثةُ مَفتوحةً مع اللامِ وساكِنةٌ مع المِيمِ، وكِلاهُما بمعنًى، وهو الأثرُ والشَّينُ. انتهى مِنْ «التَّنبيهَات».
وقالَ أبو الحَسنِ: الضِّلعُ بالضَّادِ المُعجَمةِ مَكسورةً وفَتحِ اللامِ والتَّرقوةُ بفَتحِ التاءِ وضَمِّ القافِ غيرَ مَهموزٍ: أعلَى الصَّدرِ المُتصلِ بالعُنقِ، والزَّندُ بفَتحِ الزاي وبالنونِ (١).
стр. 13083
القِصاصُ في الطَّرَفِ بعدَ اندِمالِ الجُرحِ:
ذهَبَ أكثرُ أهلِ العِلمِ إلى أنه لا يَجوزُ القِصاصُ في الأطرافِ إلا بعدَ أنْ تَستقرَّ الجِنايةُ بالاندِمالِ أو السِّرايةِ إلى النَّفسِ؛ لحَديثِ عَمرِو بنِ شُعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه قالَ: «قضَى رَسولُ اللهِ ﷺ في رَجلٍ طعَنَ رَجلاً بقَرْنٍ في رِجلِه فقالَ: يا رَسولَ اللهِ أَقِدْني، فقالَ له رَسولُ اللهِ ﷺ : لا تَعجلْ حتى يَبرأَ جُرحُكَ، قالَ: فأَبَى الرَّجلُ إلا أنْ يَستقيدَ، فأقادَهُ رَسولُ اللهِ ﷺ منهُ، قالَ: فعرَجَ المُسْتقيدُ وبرَأَ المُستقادُ منهُ، فأتَى المُستقيدُ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَ له: يا رَسولَ اللهِ عَرَجتُ وبَرأَ صاحِبي، فقالَ له رَسولُ اللهِ ﷺ : ألَم آمرُكَ أنْ لا تَستقيدَ حتى يَبرأَ جُرحُكَ فعَصيتَني فأبعَدَكَ اللهُ وبطَلَ جُرحُكَ، ثمَّ أمَرَ رَسولُ اللهِ ﷺ بعدَ الرَّجلِ الذي عرَجَ مَنْ كانَ بهِ جُرحٌ أنْ لا يَستقيدَ حتى تَبرأَ جِراحتُه، فإذا بَرِئَتْ جِراحَتُه استَقادَ» (١).
وعن جابِرٍ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قالَ: «لا يُستقادُ مِنْ الجُرحِ حتَّى يَبرأَ» (٢).
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ الانتِظارَ بالقِصاصِ مِنْ الجُرحِ حتى يَبرأَ صاحبُ الجُرحِ، وهذا رأيُ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ
стр. 13084
العِلمِ، هكذا قالَ عطاءٌ والحَسنُ البَصريُّ ومالكٌ والثوريُّ والشافِعيُّ وأحمَدُ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ .. (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا يَجوزُ القِصاصُ في الطرَفِ إلا بعدَ اندِمالِ الجُرحِ في قَولِ أكثرِ أهلِ العلمِ، منهُم النخَعيُّ والثَّوريُّ وأبو حَنيفةَ ومالكٌ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ، ورُويَ ذلكَ عن عَطاءٍ والحَسنِ.
وقالَ ابنُ المُنذرِ: كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ يَرى الانتِظارَ بالجُرحِ حتَّى يَبرأَ (٢).
لكنْ ذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ في قَولٍ مُخرَّجٍ ذكَرَه ابنُ قُدامةَ إلى أنه يَجوزُ استِيفاءُ القِصاصِ قبلَ الاندِمالِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قالَ للرَّجلِ: «عَصيتَني فأبعَدَكَ اللهُ وبطَلَ جُرحُكَ»، فدَلَّ على جوازِ الاقتِصاصِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَتخرجُ لنا أنه يَجوزُ الاقتصاصُ قبلَ البُرءِ بناءً على قَولِنا: إنه إذا سَرَى إلى النَّفسِ يفعَلُ كما فعلَ، وهذا قولُ الشافِعيِّ … ولأنَّ القِصاصَ مِنْ الطرَفِ لا يَسقطُ بالسِّرايةِ، فوجَبَ أنْ يَملكَه في الحالِ كما لو بَرأَ (٣).
стр. 13085
وقالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: اتَّفقَ مالكٌ وأبو حَنيفةَ وأصحابُهما وسائرُ الكُوفيينَ والمَدنيُّونَ على أنه لا يُقتصُّ مِنْ جُرحٍ ولا يُبدَّى حتى يَبرأَ.
وقالَ الشافِعيُّ: يُقتصُّ منه في الحالِ ولا يُنتظرُ أنْ يَبرأَ، والاختِيارُ ما قالَه مالكٌ ومَن تابَعَه على ذلكَ، وهُم أكثَرُ أهلِ العِلمِ (١).
إذا اقتصَّ قبلَ الاندمالِ هُدِرَتْ سِرايةُ الجِنايةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو اقتصَّ قبلَ الاندِمالِ، هل تُهدرُ سِرايةُ الجِنايةِ أم لا؟
فذهَبَ الحَنابلةُ إلى أنه إنِ اقتصَّ قبلَ الاندمالِ هُدرتْ سِرايةُ الجِنايةِ؛ للخبَرِ السابقِ؛ ولأنه استَعجلَ ما لم يَكنْ له استِعجالُه، فبطَلَ حقُّه كقاتلِ مُوروثِه (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ المَجنيَّ عليهِ إذا اقتَصَّ قبلَ الاندمالِ ثم سرَتِ الجِنايةُ على المَجنيِّ عليهِ إلى عُضوٍ آخَرَ واندَملَ كانَتِ السِّرايةُ مَضمونةً بالديَةِ؛ لأنَّ هذهِ جِنايةٌ مَضمونةٌ، فكانَتْ سِرايتُها مَضمونةً كما لو لم يقتَصَّ، والخبَرُ مَحمولٌ على أنه أرادَ ﷺ لا حَقَّ لكَ في القِصاصِ (٣).
стр. 13086
سِرايةُ القِصاصِ:
إذا قطَعَ رَجلٌ يَدَ رَجلٍ أو رِجلَه فاقتَصَّ المَجنيُّ عليهِ مِنْ الجاني فاندَملَتْ يَدُ أو رِجلُ المَجنيِّ عليهِ وماتَ الجاني فإن دَمَه هدَرٌ عندَ جَماهيرِ أهلِ العِلمِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ وأبي يُوسفَ ومُحمدٍ مِنْ الحَنفيةِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾ [الشورى: ٤١]، ورُويَ عن عُمرَ وعليٍّ ﵄ أنهُما قالَا: «مَنْ ماتَ مِنْ حَدٍّ أو قِصاصٍ فلا دِيةَ له، الحَقُّ قتَلَه» وليسَ لهُمَا مُخالفٌ فصارَ إجماعًا، ولأنه قَطعٌ مُستحَقٌّ مُقدَّرٌ، فلا تُضمَنُ سِرايتُه كقَطعِ السارقِ.
إذا ثبَتَ هذا فلا فرْقَ بينَ سِرايتِه إلى النَّفسِ بأنْ يَموتَ منها أو إلى ما دُونَها مثلَ أنْ يقطَعَ أصبعًا فتَسريَ إلى كفِّه.
وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ﵀ إلى أنَّ سِرايةَ القِصاصِ مَضمونةٌ على المُقتصِّ كما أنَّ سِرايةَ الجِنايةِ مَضمونةٌ على الجاني، فإذا ماتَ الجاني مع سِرايةِ القِصاصِ ضَمِنَ المُقتصُّ جَميعَ دَيةِ نفسِه على عاقِلتِه؛ استِدلالًا بأنَّ ما حدَثَ عن المُباشرةِ كانَ مَضمونًا على المُباشرِ كالجاني، ولأنَّ القِصاصَ مُباحٌ وليسَ بلازمٍ؛ لتَخييرِ وليِّه بينَ فِعلِه وتَركِه، كضَربِ الرَّجلِ لزَوجتِه والأبِ لوَلدِه، ثمَّ ثبَتَ أنَّ ما حدَثَ مِنْ التلَفِ عن ضَربِ الزَّوجِ والأبِ مَضمونٌ عليهِما، كذلكَ ما حدَثَ عن القِصاصِ يَجبُ أنْ يَكونَ مَضمونًا على المُتقصِّ (١).
стр. 13087
سِرايةُ الجِنايةِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الإنسانَ إذا جرَحَ غيرَه فسَرَى إلى نَفسِه أنه يُؤاخَذُ بها.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وسِرايةُ الجِنايةِ مَضمونةٌ بلا خِلافٍ؛ لأنها أثرُ الجِنايةِ، والجِنايةُ مَضمونةٌ، فكذلكَ أثَرُها (١).
وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: سِرايةُ الجِنايةِ مَضمونةٌ بالاتِّفاقِ (٢).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وبالسِّرايةِ يَتبيَّنُ أنه لا مُوجبَ بهذه الجِراحةِ؛ لأنَّ عندَ السِّرايةِ يَجبُ مُوجبُ القَتلِ بالإجماعِ، وهو القِصاصُ إنْ كانَ عَمدًا، والديةُ إنْ كانَ خَطأً (٣).
النَّوعُ الثالِثُ: إبطَالُ المنافعِ بلا شَقٍّ ولا إبانةٍ:
إذا اعتَدَى إنسانٌ بالضَّربِ على آخَرَ وجنَى على مَنافعِ البدنِ، وذلكَ بإتلافِ مَنفعةِ العُضوِ معَ بقاءِ العُضوِ، كمَن اعتَدَى على غَيرِه فأتلَفَ سمْعَه أو بصَرَه أو ذوْقَه وما أشبَهَ ذلكَ فقد اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الإنسانَ إذا جَنَى على آخَرَ جِنايةً بأنْ ضرَبَه فذهَبَ سَمعُه أو بَصرُه أو ضرَبَ يَدَه فشَلَّها أنَّ فيه الديةَ.
стр. 13088
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا في ذَهابِ مَنفعةِ العُضوِ، هل يُقتصُّ منه أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى وُجوبِ القصاصِ في البَصرِ والسَّمعِ اتِّفاقًا، والشَمِّ عندَ المالِكيةِ والحَنابلةِ والصَّحيحِ عندَ الشافِعيةِ؛ لأنَّ لها مَحالَّ مَضبوطةً ولأهلِ الخِبرةِ طُرقًا في إبطَالِها، ورُويَ «أنَّ عُثمانَ ﵁ أُتِيَ برَجلٍ لطَمَ عيْنَ رَجلٍ فذهَبَ بَصرُه وعَينُه قائِمةٌ، فأرادَ عُثمانُ أنْ يُقيدَه فأعيَا ذلكَ عليهِ وعلى الناسِ، حتَّى أتَى عليًّا ﵁، فأمَرَ بالمُصيبِ فجعَلَ على عَينهِ كُرسفَ، ثمَّ استَقبلَ به عيْنَ الشمسِ وأُدنيَتْ مِنْ عَينِه مِرآةٌ فالتَمعَ بصَرُه وعَينُه قائمةٌ»، ورُويَ «أن علِيًّا ﵁ أمَرَ بمِرآةٍ فأُحميَتْ ثم أُدنيَتْ فقطَعَتْ عيْنَه وبَقيتْ قائِمةً مَفتوحةً».
قالَ المالِكيةُ: مَنْ ضرَبَ إنسانًا فذهَبَ نُورُ بَصرِه والعَينُ قائمةٌ مكانَها لم تخسفْ فإنه يُفعلُ بالجاني مثلُ ذلكَ، فإنِ استَطاعَ القودَ منه على هَذهِ الصُّورةِ أُقيدَ، وإنْ لم يَستطعْ أنْ يَفعلَ به مثلَ ذلكَ فإنه يَتعينُ العَقلُ، وكذا الحُكمُ في السَّمعِ والشمِّ والذوقِ.
وكذا مَنْ ضرَبَ يَدَ شَخصٍ أو رِجلَه عَمدًا فبسَببِ تلكَ الضَّربةِ شُلَّتْ يَدُ المَضروبِ فإنه يُفعلُ بالضاربِ مثلُ ذلكَ، فإنْ شُلَّتْ يَدُ الضاربِ وإلا فالعَقلُ في مالِه دونَ العاقِلةِ، وقيَّدَ أشهَبُ هذا بما إذا كانَتِ الضربةُ بجُرحٍ فيه القَودُ، وأما إنْ ضرَبَه على رَأسِه فشُلَّتْ يَدُه فلا قوَدَ فيه وعليهِ دِيةُ اليدِ،
стр. 13089
ولا يُنظرُ هنا لكَونِه يُستطاعُ فِعلُ الشَّللِ بدونِ الضَّربِ أم لا، ولعَلَّ الفرقَ بينَه وبينَ ما قبلَه نُدورُ الشلَلِ عن الضَّربِ، بخِلافِ ذَهابِ البَصرِ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: النوعُ الثالثُ: إبطالُ المَنافعِ: وهي لا تَفوتُ بالمُباشَرةِ لها، بل تَبعًا لمَحلِّها أو لمُجاورِها، فإنْ أذهَبَ ضَوءَ عَينيهِ -بفَتحِ الضادِ وضَمِّها- بهاشِمةٍ أو نحوِها ممَّا لا قِصاصَ فيه أذهَبَه مِنْ الجاني بكافورٍ أو بتَقريبِ حَديدةٍ حاميةٍ مِنْ حَدَقتِه أو بنحوِهما، وفي الهاشِمةِ أرشُها؛ لتعذُّرِ القصاصِ فيها، وإنْ أذهَبَه بمُوضِحةٍ وكذا بلَطمةٍ تُذهِبُ الضوءَ غالبًا اقتُصَّ بمِثلِ فعلِه، فإنْ لم يَذهبْ أذهَبَه بكافورٍ أو نحوِه، فإنْ لم يُمكنْ إذهابُه إلا بإذهابِ الحَدقةِ سقَطَ القصاصُ ووجَبَتِ الديةُ؛ لأنه لا يَجوزُ أنْ يَستوفِيَ أكثَرَ مِنْ حقِّه، وتَقييدُ ما ذُكرَ بضَوءِ العَينينِ ليسَ بقَيدٍ، بل ضَوءُ إحداهُما كذلكَ، إلا في مَسألةِ اللَّطمةِ؛ لأنه ربَّما لطَمَه فأذهَبَ ضَوءَ عَينيهِ معًا، بل يُذهبُه بالمُعالَجةِ إنْ أمكَنَ، وإلا فالدِّيةُ.
والسَّمعُ والشمُّ والذوقُ والكَلامُ والبَطشُ لا العَقلُ كالبَصرِ في أنَّ إبطَالَها يُوجبُ القصاصَ بالسِّرايةِ؛ لأنَّ لها مَحالَّ مَضبوطةً ولأهلِ الخِبرةِ طُرقًا في إبطَالِها، بخِلافِ العَقلِ؛ لتعذُّرِ إزالتِه بالسِّرايةِ؛ إذ لا يُوثَقُ بالمُعالَجةِ ممَّا يُزيلُه، ولاختِلافِ الناسِ في مَحلِّه.
стр. 13090
قالَ شَيخُ الإسلامِ زَكريَّا الأنصاريُّ ﵀: ثمَّ ما تقرَّرَ مِنْ وُجوبِ القِصاصِ في السَّمعِ هو ما جزَمَ به الشَّيخانِ ونَقَلاهُ عن تَصحيحِ الإمامِ، قالَ ابنِ الرِّفعةُ وغيرُه: والمَذهبُ فيه المَنعُ؛ إذ هو قولُ الجُمهورِ، ونَصَّ عليهِ في «الأمِّ». انتَهى (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وذكَرَ صاحِبُ «المُهذَّب» أنه لو جنَى على رَأسِه فذهَبَ عَقلُه أو على أنفِه فذهَبَ شمُّه أو على أذنِه فذهَبَ سَمعُه فلا قِصاصَ في العقلِ والشمِّ والسمعِ، والأقرَبُ منعُ القصاصِ في العَقلِ ووُجوبُه في الشمِّ والبطشِ والذَّوقِ؛ لأنَّ لها مَحالَّ مَضبوطةً، ولأهلِ الخِبرةِ طُرقٌ في إبطَالِها، وإذا ذهَبَ الضَّوءُ بالمُوضِحةِ واقتَصَصْنا في المُوضحةِ فلَم يَذهبْ ضوءُ الجاني أُذهِبَ بأخفِّ ما يُمكِنُ، كتَقريبِ حَديدةٍ مُحمَّاةٍ مِنْ عَينَيهِ أو طَرحِ كافورٍ فيها ونحوِهما، وإنْ ذهَبَ ضوءُ الجاني حصَلَ القِصاصُ (٢).
وقالَ الحَنابلةُ: مَنْ أوضَحَ إنسانًا أو شَجَّه دونَ مُوضحةٍ أو لطَمَه فذهَبَ ضوءُ عَينِه أو سَمعُه أو شَمُّه فإنه يُوضحُه، فإنْ ذهَبَ ذلكَ وإلا استعملَ فيه ما يُذهبُه مِنْ غيرِ أنْ يَجنيَ على حَدقتِه أو أذنِه أو أنفِه، فإنْ لم يُمكنْ إلا بالجِنايةِ على هذهِ الأعضاءِ سقَطَ القِصاصُ؛ لتعذُّرِ المُماثلةِ، وتَجبُ الديَةُ وتكونُ في مالِ الجاني لا على عاقِلتِه؛ لأنها لا تَحملُ العَمدَ.
стр. 13091
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وذكَرَ القاضِي أنه يُقتصُّ منه باللَّطمةِ، فيَلطمُه المَجنيُّ عليهِ مثلَ لَطمتِه، فإنْ ذهَبَ ضوءُ عَينِه وإلا كانَ له أنْ يُذهبَه بما ذكَرْنا، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ، وهذا لا يَصحُّ؛ فإنَّ اللطمةَ لا يُقتصُّ منها مُنفردةً، فلا يُقتصُّ منها إذا سَرَتْ إلى العينِ كالشَّجةِ إنْ كانَت دُونَ المُوضحةِ، ولأنَّ اللَّطمةَ إذا لم تَكنْ في العَينِ لا يُقتصُّ منها بمِثلِها مع الأمنِ مِنْ إفسادِ العُضوِ في العينِ، فمَع خوفِ ذلكَ أَولى، ولأنه قِصاصٌ فيما دُونَ النفسِ، فلَم يَجُزْ بغيرِ الآلة المُعدَّةِ كالمُوضحةِ.
وقالَ القاضي: لا يَجبُ القِصاصُ إلا أنْ تَكونَ اللَّطمةُ تَذهبُ بذلكَ غالبًا، فإنْ كانَت لا تَذهبُ به غالبًا فذهَبَ فهو شِبهُ عَمدٍ لا قِصاصَ فيه، وهو قَولُ الشافِعيِّ؛ لأنه فعلٌ لا يُفضي إلى الفَواتِ غالبًا، فلَم يَجبْ به القِصاصُ كشِبهِ العَمدِ في النفسِ.
وقالَ أبو بَكرٍ: يَجبُ القِصاصُ بكلِّ حالٍ؛ لعُمومِ قولِه: ﴿والعين بالعين﴾ [المائدة: ٤٥]، ولأنَّ اللَّطمةَ إذا أسَالَتْ إنسانَ العَينِ كانَتْ بمَنزلةِ الجُرحِ، ولا يُعتبَرُ في الجُرحِ الإفضاءُ إلى التلفِ غالبًا.
فَصلٌ: فلو لطَمَ عيْنَه فذهَبَ بَصرُها وابيَضَّتْ وشخَصَتْ فإنْ أمكَنَ مُعالَجةُ عينِ الجاني حتَّى يَذهبَ بَصرُها وتَبيضَّ وتَشخصَ مِنْ غيرِ جِنايةٍ على الحَدقةِ فعلَ ذلكَ، وإنْ لم يُمكنْ إلا ذَهابُ بعضِ ذلكَ مثلَ أنْ يَذهبَ البَصرُ دونَ أنْ تَبيضَّ وتشخَصَ فعليهِ حُكومةٌ للذي لم يُمكنِ القِصاصُ فيه، كما لو جرَحَ هاشِمةً فإنه يَقتصُّ مُوضِحةً ويأخذُ أرشَ باقي جُرحِه، وعلى قولِ أبي بَكرٍ لا يُستحقُّ مع القِصاصِ أرشٌ.
стр. 13092
وقالَ القاضي: إذا اقتَصَّ منه -يعنِي لطَمَه مثلَ لَطمتِه- فذهَبَ ضوءُ عَينِه ولم تَبيضَّ ولم تَشخصْ فإنْ أمكَنَ مُعالجتُها حتَّى تَبيضَّ وتَشخصَ مِنْ غيرِ ذَهابِ الحَدقةِ فعَلَه، وإنْ تعذَّرَ ذلكَ فلا شيءَ عليهِ، كما لو اندَملَتْ مُوضحةُ المَجنيِّ عليهِ وَحِشةً قَبيحةً ومُوضحةُ الجاني حَسنةً جَميلةً لم يَجبْ شيءٌ، كذلكَ هاهُنا، وهذا بَناهُ على أنَّ اللَّطمةَ حصَلَ بها القِصاصُ كما حصَلَ بجُرحِ المُوضحةِ، وقد بيَّنَّا فسادَ هذا.
فَصلٌ: وإنْ شَجَّه شَجةً دونَ المُوضحةِ فأذهَبَ ضوءَ عَينِه لم يقتَصَّ منه مثلَ شَجَّتِه بغيرِ خِلافٍ نَعلمُه؛ لأنها لا قصاصَ فيها إذا لم يَذهبْ ضوءُ العَينِ، فكذلكَ إذا ذهَبَ، ويُعالَجُ ضوءُ العَينِ بمثلِ ما ذكَرْنا في اللَّطمةِ، وإنْ كانَتِ الشَّجةُ فوقَ المُوضحةِ فله أنْ يَقتصَّ مُوضِحةً، وهل له أرشُ الزِّيادةِ عليها؟ فيه وَجهانِ: وإنْ ذهَبَ ضوءُ العَينِ وإلا استعملَ فيه ما يُزيلُه مِنْ غيرِ أنْ يَجنيَ على الحَدقةِ، وإنْ شَجَّه مُوضِحةً فله أنْ يَقتصَّ منها، وحُكمُ القِصاصِ في البَصرِ على ما ذكَرْنا مِنْ قبلُ.
واختَلفَ أصحابُ الشافِعيِّ في القِصاصِ في البَصرِ في هذهِ المَواضعِ كلِّها، فقالَ بَعضُهم: لا قِصاصَ فيه؛ لأنه لا يَجبُ بالسرايةِ كما لو قطَعَ أصبعَه فسَرَى القَطعُ إلى التي تَليها فأذهَبَها عندَهم، وقالَ بَعضُهم: يَجبُ القِصاصُ هاهُنا قولًا واحدًا؛ لأنَّ ضوءَ العَينِ لا تُمكنُ مُباشَرتُه بالجِنايةِ، فيُقتصُّ منه بالسِّرايةِ كالنفسِ، فيُقتصُّ مِنْ البَصرِ كما ذكَرْنا فيما قبلَ هذا (١).
стр. 13093
وأما الحَنفيةُ فقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: لو شَجَّ إنسانًا مُوضحةً مُتعمِّدًا فذهَبَ منها بَصرُه فلا قِصاصَ في قَولِ أبي حَنيفةَ، وفيها وفي البَصرِ الأرشُ، وقالَا: في المُوضحةِ القِصاصُ، وفي البصرِ الديةُ، هذه رِوايةُ «الجامِع الصَّغير» عن مُحمدٍ.
ورَوى ابنُ سماعةَ في نَوادرِه عنه أنَّ فيهِما جَميعًا القصاصُ.
وجهُ هذه الرِّوايةِ أنه تَولَّدَ مِنْ جِنايةِ العَمدِ إلى عُضوٍ يُمكنُ فيه القِصاصُ، فيَجبُ فيه القِصاصُ كما إذا سرَى إلى النفسِ.
وجهُ ظاهرِ قَولِهما: إنَّ تلَفَ البَصرِ حصَلَ مِنْ طَريقِ التَّسبيبِ لا مِنْ طريقِ السِّرايةِ؛ بدَليلِ أنَّ الشَّجةَ تبقَى بعدَ ذَهابِ البَصرِ، وحُدوثُ السِّرايةِ يُوجبُ تغيُّرَ الجِنايةِ، كالقَطعِ إذا سَرى إلى النفسِ أنه لا يَبقَى قَطعًا، بل يَصيرُ قتلًا، وهُنا الشَّجةُ لم تَتغيرْ، بل بَقيَتْ شَجةً كما كانَتْ، فدَلَّ أنَّ ذَهابَ البَصرِ ليسَ مِنْ طَريقِ السِّرايةِ، بل مِنْ طَريقِ التَّسبيبِ، والجنايةُ بطَريقِ التَّسبيبِ لا تُوجبُ القصاصَ كما في حَفرِ البئرِ ونحوِ ذلك …
ولو ذهبَتْ عَيناهُ ولسانُه وسَمعُه وجِماعُه فلا قِصاصَ في شَيءٍ مِنْ ذلكَ على أصلِ أبي حَنيفةَ ﵁، وعلى قَولِهما: في المُوضِحةِ القِصاصُ، ولا قِصاصَ في العَينينِ في ظاهِرِ قَولِهما، بل فيهما الأرشُ.
وعلى رِوايةِ «النَّوادر» عن مُحمدٍ: فيهِما القِصاصُ دونَ اللسانِ والسَّمعِ والجِماعِ؛ لأنه لا يُمكنُ فيهِما القِصاصُ؛ إذ لا قِصاصَ في ذَهابِ مَنفعةِ اللِّسانِ والسَّمعِ والجِماعِ في الشَّرعِ، وفي ذَهابِ البصرِ قِصاصٌ في الشريعةِ …
стр. 13094
ولو ضرَبَ على رَأسِ إنسانٍ حتَّى ذهَبَ عَقلُه أو سَمعُه أو كَلامُه أو شَمُّه أو ذَوقُه أو جِماعُه أو ماءُ صُلبِه فلا قِصاصَ في شَيءٍ مِنْ ذلكَ؛ لأنه لا يُمكنُه أنْ يَضربَ ضَربًا تَذهبُ به هذهِ الأشياءُ، فلَم يَكنِ استِيفاءُ المثلِ مُمكنًا، فلا يَجبُ القصاصُ.
وكذلكَ لو ضرَبَ على يَدِ رَجلٍ أو رِجلِه فشُلَّتْ لا قِصاصَ عليهِ؛ لأنه لا يُمكنُه أنْ يَضربَ ضَربًا مُشِلًّا، فلَم يَكنِ المِثلُ مَقدورَ الاستِيفاءِ، فلا يَجبُ القِصاصُ (١).