← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 13091–13130 · переход к 13096.

стр. 13091

وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وذكَرَ القاضِي أنه يُقتصُّ منه باللَّطمةِ، فيَلطمُه المَجنيُّ عليهِ مثلَ لَطمتِه، فإنْ ذهَبَ ضوءُ عَينِه وإلا كانَ له أنْ يُذهبَه بما ذكَرْنا، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ، وهذا لا يَصحُّ؛ فإنَّ اللطمةَ لا يُقتصُّ منها مُنفردةً، فلا يُقتصُّ منها إذا سَرَتْ إلى العينِ كالشَّجةِ إنْ كانَت دُونَ المُوضحةِ، ولأنَّ اللَّطمةَ إذا لم تَكنْ في العَينِ لا يُقتصُّ منها بمِثلِها مع الأمنِ مِنْ إفسادِ العُضوِ في العينِ، فمَع خوفِ ذلكَ أَولى، ولأنه قِصاصٌ فيما دُونَ النفسِ، فلَم يَجُزْ بغيرِ الآلة المُعدَّةِ كالمُوضحةِ. وقالَ القاضي: لا يَجبُ القِصاصُ إلا أنْ تَكونَ اللَّطمةُ تَذهبُ بذلكَ غالبًا، فإنْ كانَت لا تَذهبُ به غالبًا فذهَبَ فهو شِبهُ عَمدٍ لا قِصاصَ فيه، وهو قَولُ الشافِعيِّ؛ لأنه فعلٌ لا يُفضي إلى الفَواتِ غالبًا، فلَم يَجبْ به القِصاصُ كشِبهِ العَمدِ في النفسِ. وقالَ أبو بَكرٍ: يَجبُ القِصاصُ بكلِّ حالٍ؛ لعُمومِ قولِه: ﴿والعين بالعين﴾ [المائدة: ٤٥]، ولأنَّ اللَّطمةَ إذا أسَالَتْ إنسانَ العَينِ كانَتْ بمَنزلةِ الجُرحِ، ولا يُعتبَرُ في الجُرحِ الإفضاءُ إلى التلفِ غالبًا. فَصلٌ: فلو لطَمَ عيْنَه فذهَبَ بَصرُها وابيَضَّتْ وشخَصَتْ فإنْ أمكَنَ مُعالَجةُ عينِ الجاني حتَّى يَذهبَ بَصرُها وتَبيضَّ وتَشخصَ مِنْ غيرِ جِنايةٍ على الحَدقةِ فعلَ ذلكَ، وإنْ لم يُمكنْ إلا ذَهابُ بعضِ ذلكَ مثلَ أنْ يَذهبَ البَصرُ دونَ أنْ تَبيضَّ وتشخَصَ فعليهِ حُكومةٌ للذي لم يُمكنِ القِصاصُ فيه، كما لو جرَحَ هاشِمةً فإنه يَقتصُّ مُوضِحةً ويأخذُ أرشَ باقي جُرحِه، وعلى قولِ أبي بَكرٍ لا يُستحقُّ مع القِصاصِ أرشٌ.

стр. 13092

وقالَ القاضي: إذا اقتَصَّ منه -يعنِي لطَمَه مثلَ لَطمتِه- فذهَبَ ضوءُ عَينِه ولم تَبيضَّ ولم تَشخصْ فإنْ أمكَنَ مُعالجتُها حتَّى تَبيضَّ وتَشخصَ مِنْ غيرِ ذَهابِ الحَدقةِ فعَلَه، وإنْ تعذَّرَ ذلكَ فلا شيءَ عليهِ، كما لو اندَملَتْ مُوضحةُ المَجنيِّ عليهِ وَحِشةً قَبيحةً ومُوضحةُ الجاني حَسنةً جَميلةً لم يَجبْ شيءٌ، كذلكَ هاهُنا، وهذا بَناهُ على أنَّ اللَّطمةَ حصَلَ بها القِصاصُ كما حصَلَ بجُرحِ المُوضحةِ، وقد بيَّنَّا فسادَ هذا. فَصلٌ: وإنْ شَجَّه شَجةً دونَ المُوضحةِ فأذهَبَ ضوءَ عَينِه لم يقتَصَّ منه مثلَ شَجَّتِه بغيرِ خِلافٍ نَعلمُه؛ لأنها لا قصاصَ فيها إذا لم يَذهبْ ضوءُ العَينِ، فكذلكَ إذا ذهَبَ، ويُعالَجُ ضوءُ العَينِ بمثلِ ما ذكَرْنا في اللَّطمةِ، وإنْ كانَتِ الشَّجةُ فوقَ المُوضحةِ فله أنْ يَقتصَّ مُوضِحةً، وهل له أرشُ الزِّيادةِ عليها؟ فيه وَجهانِ: وإنْ ذهَبَ ضوءُ العَينِ وإلا استعملَ فيه ما يُزيلُه مِنْ غيرِ أنْ يَجنيَ على الحَدقةِ، وإنْ شَجَّه مُوضِحةً فله أنْ يَقتصَّ منها، وحُكمُ القِصاصِ في البَصرِ على ما ذكَرْنا مِنْ قبلُ. واختَلفَ أصحابُ الشافِعيِّ في القِصاصِ في البَصرِ في هذهِ المَواضعِ كلِّها، فقالَ بَعضُهم: لا قِصاصَ فيه؛ لأنه لا يَجبُ بالسرايةِ كما لو قطَعَ أصبعَه فسَرَى القَطعُ إلى التي تَليها فأذهَبَها عندَهم، وقالَ بَعضُهم: يَجبُ القِصاصُ هاهُنا قولًا واحدًا؛ لأنَّ ضوءَ العَينِ لا تُمكنُ مُباشَرتُه بالجِنايةِ، فيُقتصُّ منه بالسِّرايةِ كالنفسِ، فيُقتصُّ مِنْ البَصرِ كما ذكَرْنا فيما قبلَ هذا (١).

стр. 13093

وأما الحَنفيةُ فقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: لو شَجَّ إنسانًا مُوضحةً مُتعمِّدًا فذهَبَ منها بَصرُه فلا قِصاصَ في قَولِ أبي حَنيفةَ، وفيها وفي البَصرِ الأرشُ، وقالَا: في المُوضحةِ القِصاصُ، وفي البصرِ الديةُ، هذه رِوايةُ «الجامِع الصَّغير» عن مُحمدٍ. ورَوى ابنُ سماعةَ في نَوادرِه عنه أنَّ فيهِما جَميعًا القصاصُ. وجهُ هذه الرِّوايةِ أنه تَولَّدَ مِنْ جِنايةِ العَمدِ إلى عُضوٍ يُمكنُ فيه القِصاصُ، فيَجبُ فيه القِصاصُ كما إذا سرَى إلى النفسِ. وجهُ ظاهرِ قَولِهما: إنَّ تلَفَ البَصرِ حصَلَ مِنْ طَريقِ التَّسبيبِ لا مِنْ طريقِ السِّرايةِ؛ بدَليلِ أنَّ الشَّجةَ تبقَى بعدَ ذَهابِ البَصرِ، وحُدوثُ السِّرايةِ يُوجبُ تغيُّرَ الجِنايةِ، كالقَطعِ إذا سَرى إلى النفسِ أنه لا يَبقَى قَطعًا، بل يَصيرُ قتلًا، وهُنا الشَّجةُ لم تَتغيرْ، بل بَقيَتْ شَجةً كما كانَتْ، فدَلَّ أنَّ ذَهابَ البَصرِ ليسَ مِنْ طَريقِ السِّرايةِ، بل مِنْ طَريقِ التَّسبيبِ، والجنايةُ بطَريقِ التَّسبيبِ لا تُوجبُ القصاصَ كما في حَفرِ البئرِ ونحوِ ذلك … ولو ذهبَتْ عَيناهُ ولسانُه وسَمعُه وجِماعُه فلا قِصاصَ في شَيءٍ مِنْ ذلكَ على أصلِ أبي حَنيفةَ ﵁، وعلى قَولِهما: في المُوضِحةِ القِصاصُ، ولا قِصاصَ في العَينينِ في ظاهِرِ قَولِهما، بل فيهما الأرشُ. وعلى رِوايةِ «النَّوادر» عن مُحمدٍ: فيهِما القِصاصُ دونَ اللسانِ والسَّمعِ والجِماعِ؛ لأنه لا يُمكنُ فيهِما القِصاصُ؛ إذ لا قِصاصَ في ذَهابِ مَنفعةِ اللِّسانِ والسَّمعِ والجِماعِ في الشَّرعِ، وفي ذَهابِ البصرِ قِصاصٌ في الشريعةِ …

стр. 13094

ولو ضرَبَ على رَأسِ إنسانٍ حتَّى ذهَبَ عَقلُه أو سَمعُه أو كَلامُه أو شَمُّه أو ذَوقُه أو جِماعُه أو ماءُ صُلبِه فلا قِصاصَ في شَيءٍ مِنْ ذلكَ؛ لأنه لا يُمكنُه أنْ يَضربَ ضَربًا تَذهبُ به هذهِ الأشياءُ، فلَم يَكنِ استِيفاءُ المثلِ مُمكنًا، فلا يَجبُ القصاصُ. وكذلكَ لو ضرَبَ على يَدِ رَجلٍ أو رِجلِه فشُلَّتْ لا قِصاصَ عليهِ؛ لأنه لا يُمكنُه أنْ يَضربَ ضَربًا مُشِلًّا، فلَم يَكنِ المِثلُ مَقدورَ الاستِيفاءِ، فلا يَجبُ القِصاصُ (١).

стр. 13095

كتاب الديات

стр. 13096

كتاب الديات تَعريفُ الدِّيَةِ: الدِّيَةُ في اللُّغَةِ: مَصدرُ وَدَى القاتلُ المَقتولَ: إذا أعطَى وَليَّه المالَ الذِي هو بَدلُ النَّفسِ. والدِّيةُ في الشَّرعِ: عرَّفَها الفُقهاءُ بتَعريفاتٍ مُتقارِبةٍ. قالَ الحَنفيةُ: هي اسمٌ للمالِ الذي هو بَدلُ النَّفسِ، والأَرشُ اسمٌ للواجِبِ بالجِنايةِ على ما دُونَ النَّفسِ (١). وقالَ المالِكيةُ: الدِّيةُ اصطِلاحًا: مالٌ يَجبُ بقَتلِ آدَميٍّ حُرٍّ عِوضًا عن دَمِه (٢).

стр. 13097

وقالَ الشافِعيةُ: الدِّيةُ: هي المالُ الواجبُ بجِنايةٍ على الحُرِّ في نَفسٍ أو فيما دُونَها، وهي بَدلٌ عنِ القِصاصِ (١). وقالَ الحَنابلةُ: هي المالُ المُؤدَّى إلى مَجنيٍّ عليه أو وَليِّه بسَببِ جِنايةٍ (٢). حِكمةُ مَشروعيةِ الدِّيةِ: وُجوبُ الدِّيةِ في القَتلِ لحِكمةٍ بالِغةٍ، وهي صَونُ بُنيانِ الآدَميِّ عنِ الهَدمِ ودَمِه عن الهَدرِ (٣). حُكمُ الدِّيةِ: الدِّيةُ واجِبةٌ بالكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ. أمَّا الكِتابُ: فقَولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]. وأمَّا السُّنةُ: فحَديثُ النَّسائيِّ ومالكٍ في «المُوطَّأ»: «أنه ﷺ كتَبَ لعَمرِو بنِ حَزمٍ كِتابًا إلى أهلِ اليَمنِ فيهِ الفَرائضُ والسُّننُ والدِّيَاتُ، وقالَ فيه: أنَّ في النَّفسِ مِائةً مِنْ الإبلِ، وفي الأنفِ إذا أُوعَى جَدعًا مِائةٌ مِنْ الإبلِ، وفي المَأمومةِ ثُلثُ الدِّيةِ، وفي الجائِفةِ مِثلُها، وفي العَينِ خَمسونَ، وفي

стр. 13098

اليَدِ خَمسونَ، وفي الرِّجلِ خَمسونَ، وفي كُلِّ أُصبعٍ ممَّا هُنالكَ عَشرٌ مِنْ الإبلِ، وفي السّنِّ خَمسٌ، وفي المُوضِحةِ خَمسٌ» (١). وعن الزُّهريِّ عن أبي بَكرِ بنِ مُحمدِ بنِ عَمرِو بنِ حَزمٍ عن أبيه عن جَدِّه «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كتَبَ إلى أهلِ اليَمنِ كِتابًا فيه الفَرائِضُ والسُّننُ والدِّيَاتُ، وبعَثَ بهِ مع عَمرِو بنِ حَزمٍ فقُرِئتْ على أهلِ اليَمنِ، هذه نُسخَتُها: «مِنْ مُحمدٍ النبيِّ ﷺ إلى شُرَحبيلَ بنِ عبدِ كُلالٍ ونُعَيمِ ابنِ عبدِ كُلالٍ والحارِثِ بنِ عبدِ كُلالٍ، قيلَ ذِي رُعَينٍ ومَعافِرَ وهَمدانَ، أمَّا بعدُ، وكانَ في كِتابِه أنَّ مَنْ اعتَبطَ مُؤمِنًا قَتلًا عن بيِّنةٍ فإنه قَودٌ، إلا أنْ يَرضى أولِياءُ المَقتولِ، وأنَّ في النَّفسِ الدِّيةَ مِائةً مِنْ الإبلِ، وفي الأنفِ إذا أُوعِبَ جَدعُه الدِّيةُ، وفي اللِّسانِ الدِّيةُ، وفي الشَّفَتينِ الدِّيةُ، وفي البَيضَتينِ الدِّيةُ، وفي الذَّكرِ الدِّيةُ، وفي الصُّلبِ الدِّيةُ، وفي العَينَينِ الدِّيةُ، وفي الرِّجلِ الواحِدةِ نِصفُ الدِّيةِ، وفي المَأمومةِ ثلُثُ الدِّيةِ، وفي الجائِفةِ ثُلثُ الدِّيةِ، وفي المُنقِّلةِ خَمسَ عَشرةَ مِنْ الإبلِ، وفي كلِّ أُصبعٍ مِنْ أصابعِ اليَدِ والرِّجلِ عَشرٌ مِنْ الإبلِ، وفي السِّنِّ خَمسٌ مِنْ الإبلِ، وفي المُوضِحةِ خَمسٌ مِنْ الإبلِ، وأنَّ الرَّجلَ يُقتلُ بالمَرأةِ، وعلى أهلِ الذَّهبِ ألفُ دِينارٍ» (٢).

стр. 13099

وأمَّا الإجماعُ: فقدْ أجمَعَ أهلُ العِلمِ على وُجوبِ الدِّيةِ في الجُملةِ. قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: إجماعُهم أنَّ على أهلِ الإبلِ في دِيةَ النَّفسِ إذا أتلفَتْ خَطأً مِائةً مِنْ الإبلِ، لا خِلافَ بينَ عُلماءِ المُسلمينَ في ذلكَ، ولا يَختلفونَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ جعَلَها كذلكَ (١). أنواعِ القَتلِ الذي تَجبُ فيه الدِّيةُ: القَتلُ -كما تقدَّمَ- أنواعٌ: العَمدُ والخَطأُ وشِبهُ العَمدِ. النَّوعُ الأولُ: الدِّيةُ في قَتلِ العَمدِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على وُجوبِ القِصاصِ في قَتلِ العَمدِ، كما تقدَّمَ ذلكَ في كِتابِ الجِناياتِ بالتَّفصيلِ. إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا هل الدِّيةُ عُقوبةٌ أصلِيةٌ في قَتلِ العَمدِ وأنَّ وَليَّ المَجنيِّ عليهِ مُخيَّرٌ بينَ القَودِ والدِّيةِ؟ أم لا تَجبُ الدِّيةُ إلا بالتَّراضي؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في قَولٍ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ قتْلَ العَمدِ مُوجِبٌ للقَودِ، ولا تَجبُ الدِّيةُ إلا برِضَى الجاني، وإذا ماتَ الجاني سقَطَ القِصاصُ؛ لفَواتِ مَحلِّه، ولا تَجبُ الدِّيةُ. وهذا لأنَّ مُوجبَ العَمدِ القَودُ عَينًا، فلا يَجبُ المالُ إلا بالصُّلحِ برِضَا القاتِلِ، بَيانُه قولُه تعالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، فلو وجَبَ المالُ أو أحَدُهما لا يَكونُ النَّفسُ بالنَّفسِ، وشَريعةُ مَنْ تَقدَّمَنا

стр. 13100

تَلزمُنا إلا أنْ يَثبتَ النَّسخُ، وجَميعُ أحادِيثِ التَّخييرِ بينَ القِصاصِ والدِّيةِ أخبارُ آحادٍ لا يُنسَخُ بها الكِتابُ. وقَولُه تعالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، وهو المُماثَلةُ لُغةً، والمُماثَلةُ بينَ النَّفسِ والنفسِ لا بينَها وبينَ المالِ، أو نَقولُ: ذكَرَ القِصاصَ ولَم يَذكرِ الدِّيةَ، فلو ثبَتَ التخييرُ أو الديةُ لَثبَتَ بخبَرِ الواحدِ، وأنه زِيادةٌ على الكِتابِ، والزِّيادةُ نَسخٌ والكِتابُ لا يُنسخُ به، وقالَ ﷺ : «العَمدُ قَودٌ، إلا أنْ يَعفوَ وليُّ المَقتولِ» (١)، وفي لفظٍ: «ومَن قُتلَ عَمدًا فهو قَودٌ» (٢). وقالَ ﷺ : «كِتابُ اللهِ القِصاصُ» (٣)، فأخبَرَ ﵊ أنَّ الذي في كِتابِ اللهِ هو القِصاصُ دونَ غيرِه. ولأنَّ القتلَ مُوجِبٌ للقَودِ في عَمدِه والديةِ في خَطأِه، فلمَّا لم يَجُزِ العُدولُ عن الدِّيةِ في خَطأٍ إلى غيرِها إلا عن مُراضاةٍ لم يَجبْ أنُ يُعدلَ عن القَودِ إلى غيرِه إلا عن مُراضاةٍ، ولأنَّ القتلَ يُستحقُّ بالقَودِ تارةً، وبالدَّفعِ عن النفسِ أُخرى، فلمَّا لم يَملكْ بدَلَ قَتلِه دَفعًا لم يَملكْ بدَلَ قتلِه قَودًا. ثمَّ إذا صالَحَ الأولياءُ عن مالٍ جازَ، قليلًا كانَ أو كَثيرًا، مِنْ جِنسِ الدِّيةِ أو مِنْ غَيرِ جِنسِها، حالًّا أو مُؤجَّلًا، فإنْ لم يُصالِحوا ولكنْ عَفَا بعضُهم بطَلَ القِصاصُ، ولا يَنقلبُ نَصيبُ العافي مالًا، ويَنقلبُ نَصيبُ الباقي مالًا؛

стр. 13101

لأنَّ القِصاصَ متى تَعذَّرَ استِيفاؤُه مِنْ قِبلِ مَنْ له القِصاصُ لا يَنقلبُ نَصيبُه مالًا، ومتى تَعذَّرَ مِنْ جِهةِ مَنْ عليهِ القِصاصُ يَنقلبُ نَصيبُه مالًا، ثمَّ نَصيبُ العافي لا يَنقلبُ مالًا؛ لأنَّ الاستِيفاءَ تَعذَّرَ مِنْ جِهتِه، ونَصيبُ الذي لمْ يَعْفُ يَنقلبُ مالًا؛ لأنه تَعذَّرَ الاستِيفاءُ مِنْ جِهةِ غَيرِه (١). وذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ قتْلَ العَمدِ مُوجبٌ للقَودِ، ولوَليِّ المقتولِ أنْ يَعفوَ عنه إلى الدِّيةِ، ولا يَفتقرُ إلى مُراضاةِ القاتلِ، فيُطالبُه بأخذِ الدِّيةِ ولو لم يَرْضَ الجاني؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]، معناهُ: فمَن عَفَا له عن القِصاصِ فلْيَتبعِ الوليُّ الديةَ بمَعروفٍ، ويُؤدِّيها القاتلُ بإحسانٍ، فجعَلَ للوليِّ الاتباعَ، وعلى القاتِلِ الأداءَ، فلمَّا تفرَّدَ القاتلُ بالأداءِ وجَبَ أنْ يَنفردَ الوليُّ بالاتباعِ ولا يَقفَ على المُراضاةِ. وعن أبي شُريحٍ الكَعبيِّ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: « … إنَّكُم مَعشرَ خُزاعةَ قتَلتُم هذا الرَّجلَ مِنْ هُذَيلٍ، وإنِّي عاقِلُه، فمَن قُتلَ له قَتيلٌ بعدَ اليَومِ فأهلُه بينَ خِيرَتينِ: إمَّا أنْ يَقتلُوا أو يَأخذُوا العَقلَ» (٢).

стр. 13102

فجعَلَ الوليَّ مُخيَّرًا بينَ القَودِ والدِّيةِ، وهذا نَصٌّ. ورَوى أبو هُريرةَ قالَ: قامَ رَسولُ اللهِ ﷺ فقالَ: «ومَن قُتلَ له قَتيلٌ فهو بخَيرِ النَّظرينِ: إما يُؤديَ وإما أنْ يُقادَ» (١). ولأنَّ القَودَ قد يَسقطُ بعَفوِ الوليِّ إذا كانَ واحِدًا، ويَعفُو أحَدُهم إذا كانُوا جَماعةً، ثمَّ ثبَتَ أنَّ سُقوطَه بعَفوِ أحَدِهم مُوجِبٌ للديةِ بغيرِ مُراضاةٍ، فكذلكَ يَكونُ وُجوبُها بعَفوِ جَميعِهم. وتَحريرُه قِياسًا: أنه قَودٌ سقَطَ بالعفوِ عنه، فلَم تَقفِ الدِّيةُ فيه على مُراضاةٍ كما لو عَفَا عنه أحَدُهم، ولأنَّ للقتلِ بَدلينِ، وأغلَظُهما القَودُ وأخَفُّهما الديةُ، فلمَّا ملَكَ القودَ الأغلَظَ بغيرِ مُراضاةٍ كانَ بأنْ يَملكَ الديَةَ الأخفَّ بغيرِ مُراضاةٍ أَولى، ولأنَّ قتْلَ العَمدِ أغلَظُ وقتْلَ الخَطأِ أخَفُّ، فلمَّا ملَكَ الديَةَ في أخفِّهِما فأَولى أنْ يَملكَها في أغلَظِهما. ولأنَّ للنَّفسِ بَدلينِ القَودَ والديَةَ، فلا يُستحقُّ على وَليِّ الدمِ الاقتِصارُ على أحَدِهما. ولمَن وجَبَ له القِصاصُ الصُّلحُ على أكثَرَ مِنْ الديةِ. ولو عَفَا الوليُّ عن القِصاصِ تَعيَّنتِ الديةُ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ. ومتَى اختارَ الوليُّ الديَةَ تَعيَّنتْ وسقَطَ القِصاصُ عندَ الشافِعيةِ في المَذهبِ والحَنابلةِ، قالَ أحمَدُ: إذا أخَذَ الديةَ فقدْ عفَا عن الدَّمِ ولا يَملكُ

стр. 13103

طلَبَ القَودِ بعدَ اختيارِ الديةِ؛ لأنه إذا أسقطَ لا يَعودُ، فإنْ قتَلَه بعدَ اختيارِ الديةِ قُتلَ به؛ لأنه عَمدٌ عُدوانٌ. وعندَ الشافِعية في قَولٍ: إنِ اختارَ الديَةَ لا يَسقطُ القِصاصُ، ولو اختارَ القِصاصَ لم يَسقطْ حقُّه مِنْ الديَةِ، بل يَبقَى خِيارُه كما كانَ. وإنْ عَفَا مُطلقًا بأنْ لم يُقيِّدْه بقَودٍ ولا دِيةٍ فله الديةُ؛ لانصرافِ العفوِ إلى القودِ؛ لأنه في مُقابَلةِ الانتقامِ، والانتقامُ إنما يكونُ بالقتلِ. أو عَفا على غيرِ مالٍ بأنْ عَفَا على خَمرٍ ونحوِه فلَه الديةُ، أو عفَا على القَودِ مُطلقًا بأنْ قالَ: «عَفوتُ عن القَودِ» ولم يُقيِّدْه بشيءٍ ولو كانَ العَفوُ عن يَدِه -أي المَجنيِّ عليهِ، أو رِجلِه ونَحوِهما- فلهُ الديةُ؛ لانصِرافِ العَفوِ إلى القودِ. وإنْ قالَ مُستحقُّ القَودِ لمَن له عَليهِ قَودٌ: «عَفوتُ عن جِنايتِكَ، أو عَفوتُ عنكَ» بَرئَ مِنْ الديَةِ كالقَودِ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ في المَذهبِ؛ لأنَّ عَفوَه عن ذلكَ يَتناولُهما. وقيلَ: إنْ قصَدَها، وقيلَ: إنِ ادَّعَى قصْدَ القَودِ فقطْ قُبلَ، وإلا بَرئَ (١). قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: اتَّفقُوا على أنَّ لوليِّ الدمِ أحَدَ شَيئينِ: القِصاصَ أو العَفوَ، إما على الدِّيةِ وإما على غيرِ الديةِ.

стр. 13104

واختَلفُوا هل الانتقالُ مِنْ القِصاصِ إلى العَفوِ على أخذِ الديةِ هو حَقٌّ واجبٌ لوليِّ الدمِ دونَ أنْ يكونَ في ذلكَ خيارٌ للمُقتَصِّ منه؟ أم لا تَثبتُ الديَةُ إلا بتَراضي الفَريقينِ -أعنِي الوليَّ والقاتلَ- وأنه إذا لم يُرِدِ المُقتصُّ منه أنْ يُؤديَ الديَةَ لم يَكنْ لوليِّ الدمِ إلا القِصاصُ مُطلقًا أو العَفوُ؟ فقالَ مالِكٌ: لا يَجبُ للوليِّ إلا أنْ يَقتصَّ أو يَعفُو عن غيرِ دِيةٍ، إلا أنْ يَرضَى بإعطاءِ الديةِ القاتِلُ، وهي رِوايةُ ابنِ القاسِمِ عنه، وبهِ قالَ أبو حَنيفةَ والثوريُّ والأوزاعيُّ وجَماعةٌ. وقالَ الشافِعيُّ وأحمدُ وأبو ثَورٍ وداودُ وأكثَرُ فُقهاءِ المَدينةِ مِنْ أصحابِ مالكٍ وغيرِه: وليُّ الدمِ بالخِيارِ إنْ شاءَ اقتصَّ وإنْ شاءَ أخَذَ الديةَ، رَضيَ القاتلُ أو لم يَرْضَ، ورَوى ذلكَ أشهَبُ عن مالكٍ، إلا أنَّ المَشهورَ عنه هي الرِّوايةُ الأُولى. فعُمدةُ مالكٍ في الرِّوايةِ المَشهورةِ حَديثُ أنسِ بنِ مالكٍ في قِصةِ سِنِّ الرُّبيِّعِ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «كِتابُ اللهِ القِصاصُ» (١)، فعُلِمَ بدَليلِ الخِطابِ أنه ليسَ له إلا القصاصُ. وعُمدةُ الفَريقِ الثاني حَديثُ أبي هُريرةَ الثابتِ: «مَنْ قُتلَ له قَتيلٌ فهو بخَيرِ النَّظرينِ: بينَ أنْ يَأخذَ الدِّيةَ وبينَ أنْ يَعفوَ»، هُما حَديثانِ مُتفَقٌ على صِحتِهما، لكنَّ الأولَ ضَعيفُ الدلالةِ في أنه ليسَ له إلا القِصاصُ، والثاني نَصٌّ في أنَّ له الخِيارَ.

стр. 13105

والجَمعُ بينَهُما يُمكنُ إذا رُفعَ دليلُ الخِطابِ مِنْ ذلكَ، فإنْ كانَ الجَمعُ واجبًا ومُمكِنًا فالمَصيرُ إلى الحَديثِ الثاني واجِبٌ، والجُمهورُ على أنَّ الجَمعَ واجِبٌ إذا أمكَنَ، وأنه أَولى مِنْ التَّرجيحِ. وأيضًا فإنَّ اللهَ يَقولُ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وإذا عُرضَ على المُكلَّفِ فِداءُ نَفسِه بمالٍ فواجِبٌ عليهِ أنْ يَفديَها، أصلُه إذا وجَدَ الطَّعامَ في مَخمصةٍ بقِيمةِ مِثلِه وعندَه ما يَشتريهِ، أعني أنه يُقضَى عليهِ بشِرائهِ، فكيفَ بشراءِ نَفسهِ؟! ويَلزمُ على هذهِ الرِّوايةِ إذا كانَ للمَقتولِ أولياءُ صِغارٌ وكِبارٌ أنْ يُؤخرَ القتلُ إلى أنْ يَكبَرَ الصغارُ فيَكونَ لهُم الخيارُ، ولا سيَّما إذا كانَ الصغارُ يَحجبونَ الكِبارَ مثلَ البَنينَ مع الإخوةِ. قالَ القاضي: وقد كانَتْ وقَعَتْ هذه المَسألةُ بقُرطبةَ حَياةَ جَدِّي ﵀، فأفتَى أهلُ زَمانِه بالرِّوايةِ المَشهورةِ، وهو أنْ لا يُنتظرَ الصغيرُ، فأفتَى هو ﵀ بانتِظارِه على القِياسِ، فشنَّعَ أهلُ زَمانِه ذلكَ عليهِ لِمَا كانُوا عليهِ مِنْ شِدةِ التَّقليدِ، حتى اضطرَّ أنْ يَضعَ في ذلكَ قولًا يَنتصرُ فيه لهذا المَذهبِ، وهو مَوجودٌ بأيدي الناسِ (١). دِيَةُ العَمدِ في مالِ الجانِي: إذا أُخذَتِ الدِّيةُ في القتلِ العَمدِ فهي مِنْ مالِ الجانِي بالإجماعِ؛ لقَولِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄: «لا تَحمِلُ العاقِلةُ عَمدًا، ولا عَبدًا، ولا صُلحًا، ولا اعتِرافًا» (٢).

стр. 13106

قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ العاقِلةَ لا تَحملُ دِيةَ العَمدِ، وأنها تَحملُ ديةَ الخَطأِ (١). وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ العاقِلةَ لا تَحملُ دِيةَ العَمدِ، وأنها في مالِ الجاني (٢). وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: لا خِلافَ أنَّ دِيةَ العَمدِ لا تَحملُها العاقِلةُ، سَواءٌ وجَبَ فيها القَودُ أو لم يَجبْ، كجِنايةِ الوالدِ على الوَلدِ وما لا قِصاصَ فيه مِنْ الجائفةِ وسائرِ الجِراحِ، وتَكونُ الدِّيةُ حالَّةً في مالِ الجاني. وقالَ أبو حَنيفةَ: «ما لا قِصاصَ فيه مِنْ العَمدِ تَجبُ الدِّيةُ فيه على الجاني مُؤجَّلةً كالخَطأِ»، وهذا خَطأٌ لأمورٍ: أحَدُها: أنَّ سُقوطَ القَودِ في العَمدِ لا يُوجِبُ تأجيلَ ديَتِه كسُقوطهِ بالعَفوِ. والثَّاني: أنْ غُرمَ المُتلَفِ إذا لم يَدخلْه التحمُّلُ حَلَّ كالأموالِ. والثالثُ: أنه لمَّا لم يَتعجَّلْ دِيةَ الخَطأِ باختِلافِ أحوالِه لم تَتأجَّلْ دِيةُ العَمدِ باختِلافِ أحوالِه (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: مالكٌ عن ابنِ شِهابٍ أنه قالَ: مضَتِ السُّنةُ أنَّ العاقِلةَ لا تَحملُ شَيئًا مِنْ دِيةِ العَمدِ، إلا أنْ يَشاؤُوا ذلكَ. مالكٌ عن يَحيَى بنِ سَعيدٍ مثلُ ذلكَ، قالَ مالِكٌ: إنَّ ابنَ شِهابٍ قالَ:

стр. 13107

مضَتِ السُّنةُ في قَتلِ العَمدِ حينَ يَعفُو أولياءُ المَقتولِ أنَّ الدِّيةَ تكونُ على القاتلِ في مالِه خاصَّةً، إلا أنْ تُعِينَه العاقِلةُ عن طِيبٍ نَفسٍ منها. قالَ أبو عُمرَ: هذهِ الآثارُ كلُّها في معنًى واحدٍ، وهو أنَّ العاقِلةَ ليسَ عليها أنْ تَحملَ شَيئًا مِنْ دِية العَمدِ، والعَمدُ لا ديَةَ فيه، إنما فيه القَودُ، إلا أنْ يَعفوَ أولياءُ المَقتولِ عن القاتلِ ليَأخُذوا الدِّيةَ ويَصطلِحوا على ذلكَ، أو يَعفوَ أحَدُهم ممَّن له العَفوُ، فيَرتفعُ القتلُ وتَجبُ الدِّيةُ لمَن لم يَعْفُ بشَرطٍ أو بغيرِ شَرطٍ، أو تكونُ الجِنايةُ فيما دُونَ النفسِ مِنْ الجِراحِ عَمدًا تَبلغُ الثُّلثَ فصاعِدًا، أو لم يَكنْ إلى القِصاصِ سَبيلٌ كالجائِفةِ وشِبهِها (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ ديَةَ العَمدِ تَجبُ في مالِ القاتلِ لا تَحملُها العاقِلةُ، وهذهِ قَضيةُ الأصلِ، وهو أنَّ بدَلَ المتلَفِ يَجبُ على المُتلِفِ، وأرشُ الجِنايةِ على الجاني، قالَ النبيُّ ﷺ : «لا يَجنِي جانٍ إلا عَلى نَفسِه»، وقالَ لبَعضِ أصحابِه حينَ رَأى معَه ولَدَه: «ابنُكَ هذا؟ قالَ: نعَمْ، قالَ: أمَا أنه لا يَجنِي عليكَ ولا تَجني عليهِ»، ولأنَّ مُوجبَ الجِنايةِ أثَرُ فِعلِ الجاني، فيَجبُ أنْ يَختصَّ بضَررِها كما يَختصُّ بنَفعِها، فإنه لو كسَبَ كانَ كَسبُه له دونَ غيرِه، وقد ثبَتَ حُكمُ ذلكَ في سائِرِ الجِناياتِ والأكسابِ، وإنما خُولِفَ هذا الأصلُ في قَتلِ المَعذورِ فيه؛ لكَثرةِ الواجِبِ وعَجزِ الجاني في الغالبِ عن تَحمُّلِه مع وُجوبِ الكفَّارةِ

стр. 13108

عليهِ وقيامِ عُذرِه تَخفيفًا عنه ورِفقًا به، والعامِدُ لا عُذرَ له، فلا يَستحقُّ التَّخفيفَ ولا يُوجَدُ فيه المَعنى المُقتضِي للمُواساةِ في الخَطأِ. إذا ثبَتَ هذا فإنها تَجبُ حالَّةً، وبهذا قالَ مالِكٌ والشافِعيُّ. وقالَ أبو حَنيفةَ: تَجبُ في ثَلاثةِ سِنينَ؛ لأنها ديَةُ آدَميٍّ، فكانَتْ مُؤجَّلةً كدِيةِ شبهِ العَمدِ. ولنا: إنَّ ما وجَبَ بالعَمدِ المَحضِ كانَ حالًّا كالقِصاصِ وأرشِ أطرافِ العَبدِ، ولا يُشبهُ شِبهَ العَمدِ؛ لأنَّ القاتلَ مَعذورٌ لكَونِه لم يَقصدِ القتلَ، وإنما أفضَى إليه مِنْ غيرِ اختيارٍ منه، فأشبَهَ الخَطأَ، ولهذا تَحملُه العاقِلةُ، ولأنَّ القَصدَ التَّخفيفُ على العاقِلةِ الذينَ لم تَصدرْ منهُم جِنايةٌ، وحَمَلوا أداءَ مالٍ مُواساةً، فالأرفَقُ بحالِهم التَّخفيفُ عنهُم، وهذا مَوجودٌ في الخَطأِ وشِبهِ العَمدِ على السَّواءِ، وأما العَمدُ فإنما يَحملُه الجاني في غيرِ حالِ العُذرِ، فوجَبَ أنْ يكونَ مُلحَقًا ببَدلِ سائرِ المُتلَفاتِ، ويُتصوَّرُ الخِلافُ معَه فيما إذا قتَلَ ابنَه أو قتَلَ أجنَبيًّا وتَعذَّرَ استيفاءُ القِصاصِ لعَفوِ بعضِهم أو غيرِ ذلكَ (١). الدِّيةُ في قَتلِ العَمدِ مُغلَّظةٌ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الدِّيةَ في قَتلِ العَمدِ مُغلَّظةٌ، وتكونُ حالَّةً وفي مالِ الجاني إجماعًا. فهي مُغلَّظةٌ مِنْ ثَلاثةِ أوجُهٍ: كَونُها على الجاني، وحالَّةً، ومِن جِهةِ السِّنِّ.

стр. 13109

قالَ الإمامُ البَغويُّ ﵀: اتَّفقَ أهلُ العِلمِ على أنَّ ديَةَ الحُرِّ المُسلمِ مِئةٌ مِنْ الإبلِ، ثم هي في العَمدِ المَحضِ مُغلَّظةٌ في مالِ القاتلِ حالَّةٌ (١). إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا في صِفةِ تَغليظِها. فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الإمامُ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ والمالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنها تَجبُ أرباعًا: خَمسٌ وعِشرونَ بنتَ مَخاضٍ، وخَمسٌ وعِشرونَ بنتَ لَبونٍ، وخَمسٌ وعِشرونَ حِقَّةً، وخَمسٌ وعِشرونَ جَذعةً، وتكونُ في مالِ الجانِي حالَّةً. إلا أنَّ الإمامَ مالِكًا جعَلَ الدِّيةَ المُغلَّظةَ أثلاثًا: ثَلاثونَ حِقَّةً، وثَلاثونَ جَذعةً، وأربعَونُ خَلفةً وهي الحَواملُ، وليسَتْ عندَه إلا في قتلِ الرَّجلِ ابنَه إذا لم يُقتلْ به (٢). وذهَبَ الشافِعيةُ ومُحمدُ بنُ الحَسنِ إلى أنَّ جِنايةُ قَتلِ العَمدِ الذَّكرِ الحُرِّ المُسلمِ المَحقونِ الدَّمِ مِائةٌ مِنْ الإبلِ مُثلَّثةً، والمُرادُ بتَثليثِها جَعلُها ثَلاثةَ أقسامٍ وإنْ كانَ بَعضُها أزيَدَ مِنْ بَعضٍ، ثَلاثونَ حِقَّةً، وثَلاثونَ جَذعةً، وأربَعونَ خَلفةً -أي حامِلًا-.

стр. 13110

ولا يَختصُّ ذلكَ بدِيةِ النَّفسِ، بل بثُلثِ المُقدَّرِ في العَمدِ في غيرِ النَّفسِ كالطرَفِ (١). إلا أنَّ الدِّيةَ تكونُ حالَّةً عندَ الجُمهورِ في مالِ الجاني، وعندَ الحَنفيةِ تكونُ مُؤجَّلةً في ثَلاثِ سِنينَ؛ لأنَّ الأجَلَ ثبَتَ بإجماعِ الصَّحابةِ ﵃ بقَضيةِ سيِّدِنا عُمرَ ﵁ بمَحضرٍ منهُم، فصارَ الأجَلُ وَصفًا لكُلِّ ديَةٍ وجَبَتْ بالنصِّ (٢). النَّوعُ الثاني: الدِّيةُ في قَتلِ الخَطأِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنه لا قِصاصَ في القَتلِ الخَطأِ، وأنَّ الواجِبَ على مَنْ قتَلَ غيرَه خَطأً الدِّيةُ على عاقِلتِه والكفَّارةُ في مالِه، واستَدلُّوا على ذلكَ بالكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ. أمَّا الكِتابُ: فقَولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾ [النساء: ٩٢].

стр. 13111

وأمَّا السُّنةُ: فعن المُغيرةِ بنِ شُعبةَ «أنَّ امرَأةً قتَلَتْ ضرَّتَها بعَمودِ فُسطاطٍ، فأُتِيَ فيه رَسولُ اللهِ ﷺ ، فقَضَى على عاقِلتِها بالدِّيةِ، وكانَتْ حامِلًا فقَضَى في الجَنينِ بغُرةٍ، فقالَ بعضُ عَصَبتِها: أنَدِي مَنْ لا طَعِمَ ولا شَرِبَ ولا صاحَ فاستَهلَّ، ومِثلُ ذلكَ يُطلُّ؟ قالَ: فقالَ: سَجعٌ كسَجعِ الأعرابِ» (١). وفي سُننِ ابنِ ماجَه عن المُغيرةِ بنِ شُعبةَ ﵁ قالَ: «قَضَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ بالدِّيةِ على العاقِلةِ» (٢). وحَديثُ أبي هُريرةَ ﵁: «اقتَتلَتِ امرَأتانِ مِنْ هُذيلٍ، فرَمَتْ إحداهُما الأُخرى بحَجرٍ، فقتَلَتْها وما في بَطنِها، فقَضَى النبيُّ ﷺ أنَّ دِيةَ جَنينها عَبدٌ أو وَليدةٌ، وقَضَى بدِيةِ المَرأةِ على عاقلتِها» (٣). وأمَّا الإجماعُ: فقالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ ديَةَ الخَطأِ على العاقِلةِ (٤). وقالَ الإمامُ أبو بكرٍ الجصَّاصُ ﵀: الفُقهاءُ مُتفِقونَ على وُجوبِ الدِّيةِ فيه، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾، ولم يَذكرْ في الآيةِ مَنْ عليهِ الدِّيةُ مِنْ القاتلِ أو العاقِلةِ،

стр. 13112

وقد ورَدَتْ آثارٌ مُتواتِرةٌ عن النبيِّ ﷺ في إيجابِ ديَةِ الخَطأِ على العاقِلةِ، واتَّفقَ الفُقهاءُ عليهِ … فقدْ تَواترَتِ الآثارُ عن النبيِّ ﷺ في إيجابِ دِيةِ الخَطأِ على العاقِلةِ، واتَّفقَ السَّلفُ وفُقهاءُ الأمصارِ عليهِ (١). وقالَ ابنُ بطَّالٍ ﵀: قالَ الطَّبريُّ: دِيةُ الخَطأِ على عاقِلةِ القاتلِ والكفَّارةُ على القاتلِ بإجماعٍ (٢). وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: فأمَّا دِيةُ الخَطأِ المَحضِ وعَمدِ الخَطأِ فالذي عليهِ جُمهورُ الأمَّةِ مِنْ المُتقدِّمينَ والمُتأخِّرينَ أنها واجِبةٌ على العاقِلةِ تَتحمَّلُها عن القاتلِ، وشَذَّ منهُم الأصَمُّ وابنُ عُليَّةَ وطائِفةٌ مِنْ الخَوارجِ فأَوجَبوها على القاتلِ دونَ العاقِلةِ كالعَمدِ (٣). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: الخَطأُ تَجبُ به الدِّيةُ على العاقِلةِ والكفَّارةُ في مالِ القاتلِ بغَيرِ خِلافٍ نَعلمُه. والأصلُ في وُجوبِ الدِّيةِ والكفَّارةِ قَولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]، وسَواءٌ كانَ المَقتولُ مُسلِمًا أو كافِرًا له عَهدٌ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢].

стр. 13113

ولا قِصاصَ في شَيءٍ مِنْ هذا؛ لأنَّ اللهَ تعالَى أوجَبَ به الدِّيةَ ولم يَذكُرْ قِصاصًا، وقالَ النبيُّ ﷺ : «رُفعَ عن أمَّتِي الخَطأُ والنِّسيانُ وما استُكرِهوا عَليهِ»، ولأنه لم يُوجبِ القِصاصَ في عَمدِ الخَطأِ، ففي الخَطأِ أَولى (١). وقالَ أيضًا: ولا نَعلمُ بينَ أهلِ العِلمِ خِلافًا في أنَّ ديَةَ الخَطأِ على العاقِلةِ، قالَ ابنُ المُنذرِ: أجمَعَ على هذا كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ، وقد ثبَتَتِ الأخبارُ عن رَسولِ اللهِ ﷺ «أنه قَضَى بديَةِ الخَطأِ على العاقِلةِ». وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على القَولِ به، وقد جعَلَ النبيُّ ﷺ ديَةَ عَمدِ الخَطأِ على العاقِلةِ بما قد روينَاهُ مِنْ الأحاديثِ، وفيه تَنبيهٌ على أنَّ العاقِلةَ تَحملُ ديَةَ الخَطأِ (٢). الدِّيةُ تَكونُ مُؤجَّلةً في ثَلاثِ سَنواتٍ: اتَّفقَ فُقهاءُ الأمصارِ أنَّ ديَةَ الخَطأِ تكونُ مُؤجَّلةً في ثَلاثِ سَنواتٍ. قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: فالقَتلُ ثَلاثةُ وُجوهٍ: عَمدٌ مَحضٌ، وعَمدٌ خَطأٌ، وخَطأٌ مَحضٌ، فأما الخَطأُ فلا اختِلافَ بينَ أحَدٍ عَلِمْتُه في أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قَضَى فيه بالدِّيةِ في ثَلاثِ سِنينَ، (قالَ): وذلكَ في مُضيِّ ثَلاثِ سِنينَ مِنْ يَومِ ماتَ القَتيلُ، فإذا ماتَ القَتيلُ ومضَتْ سَنةٌ حَلَّ

стр. 13114

ثُلثُ الدِّيةِ، ثم إذا مضَتْ سَنةٌ ثانيةٌ حَلَّ الثُّلثُ الثاني، ثم إذا مضَتْ سَنةٌ ثالثةٌ حَلَّ الثُّلثُ الثالثُ، ولا يُنظَرُ في ذلكَ إلى يَومِ يَحكمُ الحاكِمُ، ولا إبطاءٍ ببَينةٍ إنْ لم تَثبتْ زَمانًا، ولو لم يَثبتْ إلا بعدَ سَنتينِ مِنْ يَومِ القَتيلِ أخَذُوا مَكانَهم بثُلثيِ الدِّيةِ؛ لأنها قد حلَّتْ عليهِم، (قالَ): والذي أحفَظُ عن جَماعةٍ مِنْ أهلِ العِلمِ أنهم قالُوا في الخَطأِ العَمدِ هكذا، وذلكَ أنهُما معًا مِنْ الخَطأِ الذي لا قِصاصَ فيه بحالٍ (١). وقالَ الإمامُ التِّرمذيُّ ﵀: وقد أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الدِّيةَ تُؤخذُ في ثَلاثِ سِنينَ، في كلِّ سَنةٍ ثُلثُ الدِّيةِ، ورَأَوا أنَّ دِيةَ الخَطأِ على العاقِلةِ (٢). وقالَ أبو بكر ابنُ المُنذرِ ﵀: لم نَجدْ لتَنجيمِ دِيةِ الخَطأِ آيةً في كِتابِ اللهِ ، ولا خبَرًا عن رَسولِ اللهِ ﷺ ، وقد روينَا عن عُمرَ بإسنادٍ لا يَثبتُ عنه أنه قَضَى بها في ثَلاثِ سِنينَ. ووجَدْنا عَوامَّ أهلِ العِلمِ قد أجمَعُوا كما رُويَ عن عُمرَ ﵁ رَواهُ الشَّعبيُّ عنه ولم يَلْقَهُ: أنَّ عُمرَ جعَلَ الدِّيةَ في الأُعطيةِ في ثَلاثِ سِنينَ، النِّصفُ في سَنتينِ، والثُّلثينِ في سَنتينِ، والثُّلثُ في سَنةٍ (٣). وقالَ الإمامُ أبو بكرٍ الجصَّاصُ ﵀: ولا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في وُجوبِ دِيةِ الخَطأِ في ثَلاثِ سِنينَ، قالَ أصحابُنا: كلُّ دِيةٍ وجَبَتْ مِنْ غيرِ

стр. 13115

صُلحٍ فهيَ في ثَلاثِ سِنينَ، ورَوى أشعَثُ عن الشَّعبيِّ والحَكمُ عن إبراهيمَ قالَا: أوَّلُ مَنْ فرَضَ العَطاءَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ وفرَضَ فيهِ الدِّيةَ كامِلةً في ثَلاثِ سِنينَ، وثُلثَي الدِّيةِ في سَنتينِ والنِّصفُ في سَنتينِ، وما دُونَ ذلكَ في عامِه، قالَ أبو بَكرٍ: استِفاضَ ذلكَ عن عُمرَ ولم يُخالِفْه أحَدٌ مِنْ السَّلفِ، واتَّفقَ فُقهاءُ الأمصارِ عليهِ فصارَ إجماعًا لا يَسعُ خِلافُه (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا خِلافَ بينَهُم في أنها مُؤجَّلةٌ في ثَلاثِ سِنينَ؛ فإنَّ عُمرَ وعَليًّا ﵄ جعَلَا دِيةَ الخَطأِ على العاقِلةِ في ثَلاثِ سِنينَ، ولا نَعرُف لهُما في الصَّحابةِ مُخالِفًا، فاتَّبعَهم على ذلكَ أهلُ العِلمِ، ولأنه مالٌ يَجبُ على سَبيلِ المُواساةِ، فلَم يَجبْ حالًّا كالزَّكاةِ، وكلُّ دِيةٍ تَحملُها العاقِلةُ تَجبُ مُؤجَّلةً؛ لِما ذكَرْنا، وما لا تَحملُه العاقِلةُ يَجبُ حالًّا؛ لأنه بَدلُ مُتلَفٍ، فلَزمَ المُتلِفَ حالًّا كقِيَمِ المُتلَفاتِ، وفارَقَ الذي تَحملُه العاقِلةُ، فإنه يَجبُ مُواساةً، فأُلزمَ التأجِيل تَخفيفًا على مُتحمِّلِه، وعُدلَ به عن الأصلِ في التأجيلِ كما عُدلَ به عن الأصلِ في إلزامِه غيرَ الجاني (٢). هل يَلزمُ القاتِلَ شَيءٌ مِنْ الدِّيةِ ويَشتركُ مع العاقِلةِ أم لا؟ اختَلفَ الفُقهاءُ في القاتل الجاني هل يَتحمَّلُ شَيئًا مِنْ الدِّيةِ مع العاقِلةِ ويَكونُ كأحَدِهم؟ أم لا يَتحمَّلُ شَيئًا أصلًا وتَكونُ جَميعُها على العاقِلةِ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ القاتِلَ أحَدُ العَواقلِ، يَلزمُه مِنْ الدِّيةِ مِثلُ ما يَلزمُ

стр. 13116

أحَدَ العاقِلةِ، فيَدخلُ معَهم في الدِّيةِ ويكونُ كأحَدِهم؛ لأنَّ الإيجابَ على العاقِلةِ لدَفعِ الإجحافِ والاستِئصالِ عن القاتلِ والتَّخفيفِ عليهِ، وذلكَ في الكُلِّ لا في الجُزءِ، ثم الوُجوبُ عليهِم باعتِبارِ النُّصرةِ، ولا شَكَّ أنه يَنصرُ نفْسَه كما يَنصرُه غيرُه، وكما أنه مَعذورٌ غيرُ مُؤاخَذٍ شَرعًا فالعاقِلةُ لا يُؤاخَذونَ بفِعلِه أيضًا، قالَ الله تعالَى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، ومَن لم يَجْنِ فهو أبعَدُ مِنْ المُؤاخَذةِ مِنْ الجاني المَعذورِ، فإذا أوجَبْنا على كلِّ واحِدٍ مِنْ العاقِلةِ جُزءًا مِنْ الدِّيةِ فلَأنْ نُوجِبَ عليهِ مثلَ ذلكَ أَولى؛ وهذا لأنَّ مَحلَّ أداءِ الواجِبِ العطاءُ الذي يخرجُ لهم بطَريقِ الصِّلةِ، وهُم في ذلكَ كنَفسٍ واحِدةٍ، فكمَا يخرجُ العَطاءُ لغَيرِ القاتلِ يخرجُ للقاتلِ (١). قالَ الإمامُ الزَّيلعيُّ ﵀: (والقاتِلُ كأحَدِهم) أي: كواحِدٍ مِنْ العاقِلةِ؛ لأنه هو القاتِلُ، فلا مَعنى لإخراجِه ومُؤاخَذةِ غيرِه به، وقالَ الشافِعيُّ ﵀: لا يَجبُ على القاتلِ شَيءٌ مِنْ الدِّيةِ؛ لأنه مَعذورٌ، ولهذا لا يَجبُ عليهِ الكُلِّ فكذا البَعضُ؛ إذِ الجُزءُ لا يُخالِفُ الكُلَّ. قلنَا: إيجابُ الكُلِّ إجحافٌ به، ولا كذلكَ البَعضُ؛ ولأنها تَجبُ للنُّصرةِ، وهو يَنصرُ نفْسَه مثلَ ما يَنصرُه غيرُه بل أشَدَّ، فكانَ أَولى بإيجابٍ عليهِ، فإذا كانَ المُخطئُ مَعذورًا فالبَريءُ منه أَولى، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وعَدمُ وُجوبِ الكُلِّ لا ينفي وُجوبَ البَعضِ،

стр. 13117

ألَا تَرى أنَّ كلَّ واحِدٍ مِنْ العَواقلِ لا يَجبُ عليهِ الكُلُّ، ومع هذا يَجبُ عليهِ البَعضُ، فظهَرَ بذلكَ أنَّ اعتبارَ الجُزءِ بالكُلِّ باطِلٌ (١). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الجاني لا يَحملُ شَيئًا مِنْ الدِّيةِ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا يَلزمُ القاتِلَ شَيءٌ مِنْ الدِّيةِ، وبهذا قالَ مالكٌ والشافِعيُّ. وقالَ أبو حَنيفةَ: هو كواحِدٍ مِنْ العاقِلةِ؛ لأنها وجَبَتْ عليهِم إعانةً له، فلا يَزيدونَ عليهِ فيها. ولنا: ما رَوى أبو هُريرةَ أنَّ النبيَّ ﷺ «قضَى بديَةِ المَرأةِ على عاقِلتِها» مُتفَقٌ عليهِ، وهذا يَقتضي أنه قَضَى بجَميعِها عليهِم، ولأنه قاتِلٌ لم تَلزمْه الدِّيةُ، فلَم يَلزمْه بعضُها، كما لو أمَرَه الإمامُ بقَتلِ رَجلٍ فقتَلَه يَعتقدُ أنه بحَقٍّ فبانَ مَظلومًا، ولأنَّ الكفَّارةَ تَلزمُ القاتلَ في مالِه، وذلكَ يَعدلُ قِسطَه مِنْ الدِّيةِ وأكثَرَ منه، فلا حاجَةَ إلى إيجابِ شَيءٍ مِنْ الدِّيةِ عليهِ (٢). وقالَ الإمامُ ابن هُبيرةَ ﵀: واختَلفُوا في الجاني هل يَدخلُ مع العاقِلةِ فيُؤدي معَهم؟ فقالَ أبو حَنيفةَ: هو كأحَدِهم يَلزمُه ما يَلزمُ أحَدَهم.

стр. 13118

واختَلفَ أصحابُ مالِكٍ عنه، فقالَ ابنُ القاسِمِ كقَولِ أبي حَنيفةَ، وقالَ غيرُه: لا يَجبُ على الجاني الدُّخولُ مع العاقِلةِ. وقالَ الشافِعيُّ: إنِ اتَّسعَتِ العاقِلةُ للدِّيةِ لم يَلزمِ الجانِيَ شَيءٌ، وإنْ لم تَتسِعِ العاقلةُ لها لَزمَه. وقالَ أحمَدُ: لا يَلزمُه شَيءٌ، سَواءٌ اتَّسعَتِ العاقِلةُ لتَحمُّلِها أم لم تتَّسعْ، وعلى هذا فمَتى لم تَتسِعِ العاقلةُ لتحمُّلِ جَميعِ الدِّيةِ انتَقلَ باقي ذلكَ إلى بَيتِ المالِ، والأصلُ حَديثُ حُويصةَ ومَحيصةَ (١). لماذا تَتحمَّلُ العاقِلةُ الدِّيةَ في قَتلِ الخَطأِ؟ الأصلُ وُجوبُ الدِّيةِ على الجاني نَفسِه؛ لأنَّ سبَبَ وُجوبِها هو القَتلُ وأنه وُجدَ منه، فكانَ يَنبغي أنْ يُؤاخَذَ هو بالدِّيةِ كما أنه يَتحمَّلُ ديَةَ العَمدِ وإتلافَ الأموالِ، لكنَّ الشارِعَ الحَكيمَ ترَكَ هذا الأصلَ في ديَةَ الخَطأِ بنَصِّ الحَديثِ أنه ﷺ جعَلَها على العاقِلةِ كما تقدَّمَ. والحِكمةُ في ذلكَ كما يَقولُ العُلماءُ: أنَّ جِناياتِ الخَطأِ تَكثرُ، وديَةُ الآدَميِّ كَثيرةٌ، فإيجابها على الجاني في مالِه يُجحِفُ به، فاقتَضَتِ الحِكمةُ إيجابَها على العاقِلةِ على سَبيلِ المُواساةِ للقاتلِ والإعانةِ له تَخفيفًا عنه إذا كانَ مَعذورًا في فِعلِه، ويَنفردُ هو بالكفَّارةِ (٢).

стр. 13119

وقالَ الإمامُ أبو بكرٍ الجصَّاصُ ﵀: فإنْ قيلَ: قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وقالَ النبيُّ ﷺ : «لا يُؤخَذُ الرَّجلُ بجَريرةِ أبيهِ ولا بجَريرةِ أخيهِ»، وقالَ لأبي رَمثةَ وابنِه: «إنه لا يَجنِي عليكَ ولا تَجنِي عليهِ»، والعُقولُ أيضًا تَمنعُ أخْذَ الإنسانِ بذَنبِ غيرِه. قيلَ له: أمَّا قولُه تعالَى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] فلا دَلالةَ فيه على نَفيِ وُجوبِ الدِّيةِ على العاقِلةِ؛ لأنَّ الآيةَ إنما نفَتْ أنْ يُؤخَذَ الإنسانُ بذَنبِ غيرِه، وليسَ في إيجابِ الدِّيةِ على العاقِلةِ أخذُهم بذَنبِ الجاني، إنما الدِّيةُ عندَنا على القاتلِ، وأمَرَ هؤلاءِ القَومَ بالدُّخولِ معَه في تَحمُّلِها على وَجهِ المُواساةِ له مِنْ غيرِ أنْ يُلزِمَهم ذنْبَ جِنايتِه، وقد أوجَبَ اللهُ في أموالِ الأغنياءِ حُقوقًا للفُقراءِ مِنْ غيرِ إلزامِهم ذَنبًا لم يُذنبوهُ، بل على وَجهِ المُواساةِ، وأمَرَ بصِلةِ الأرحامِ بكُلِّ وَجهٍ أمكَنَ ذلكَ، وأمَرَ ببِرِّ الوالِدينِ، وهذهِ كلُّها أمورٌ مَندوبٌ إليها للمُواساةِ وصَلاحِ ذاتِ البَينِ، فكذلكَ أُمِرَتِ العاقِلةُ بتحمُّلِ الدِّيةِ عن قاتلِ الخَطأِ على جهةِ المُواساةِ مِنْ غيرِ إجحافٍ بهم به، وإنما يَلزمُ كلَّ رَجلٍ منهُم ثَلاثةُ دَراهمَ أو أربَعةُ دَراهمَ، ويُجعلُ ذلكَ في أُعطِياتِهم إذا كانَوا مِنْ أهلِ الدِّيوانِ، ومُؤجَّلةً ثَلاثَ سِنينَ، فهذا ممَّا نُدِبوا إليهِ مِنْ مَكارمِ الأخلاقِ. وقد كانَ تَحمُّلُ الدِّياتِ مَشهورًا في العَربِ قبلَ الإسلامِ، وكانَ ذلكَ ممَّا يُعَدُّ مِنْ جَميلِ أفعالِهم ومَكارمِ أخلاقِهم، وقالَ النبيُّ ﷺ :

стр. 13120

«بُعثْتُ لأتَمِّمَ مَكارمَ الأخلاقِ»، فهذا فِعلٌ مُستحسَنٌ في العَقلِ مَقبولٌ في الأخلاقِ والعاداتِ. وكذلكَ قَولُ النبيِّ ﷺ : «لا يُؤخَذُ الرَّجلُ بجَريرةِ أبيهِ ولا بجَريرةِ أخيه»، «ولا يَجني عَليكَ ولا تَجني عليهِ» لا يَنفي وُجوبَ الدِّيةِ على العاقِلةِ على هذا النَّحوِ الذي ذكَرْناهُ مِنْ معنَى الآيةِ مِنْ غيرِ أنْ يُلامَ على فِعلِ الغيرِ أو يُطالَبَ بذَنبِ سِواهُ. ولوُجوبِ الدِّيةِ على العاقِلةِ وُجوهٌ سائِغةٌ مُستحسَنةٌ في العُقولِ: أحَدُها: أنه جائزٌ أنْ يُتعبَّدَ اللهُ تعالَى بَدِيًّا بإيجابِ المالِ عليهِم لهذا الرَّجلِ مِنْ غيرِ قَتلٍ كانَ منه، كما أوجَبَ الصَّدقاتِ في مالِ الأغنياءِ للفُقراءِ. والثَّاني: أنَّ مَوضوعَ الدِّيةِ على العاقِلةِ إنما هو على النُّصرةِ والمَعونةِ، ولذلكَ أوجَبَها أصحابُنا على أهلِ دِيوانِه دونَ أقربائِه؛ لأنهُم أهلُ نُصرتِه، ألَا تَرى أنهُم يَتناصَرونَ على القتالِ والحِمايةِ والذبِّ عن الحَريمِ، فلمَّا كانُوا مُتناصِرينَ في القِتالِ والحِمايةِ أُمِروا بالتناصُرِ والتعاوُنِ على تحمُّلِ الدِّيةِ؛ ليَتساوَوا في حَملِها كما تَساوَوا في حِمايةِ بعضِهم بعضًا عندَ القتالِ. والثالِثُ: أنَّ في إيجابِ الدِّيةِ على العاقِلةِ زوالَ الضَّغينةِ والعَداوةِ مِنْ بعضِهم لبعضٍ إذا كانَت قبلَ ذلكَ، وهو داعٍ إلى الأُلفةِ وصَلاحِ ذاتِ البَينِ، ألَا تَرى أنَّ رَجلَينِ لو كانَتْ بَينُهما عَداوةٌ فتَحمَّلَ أحَدُهما عن صاحبِه ما قد لَحِقَه لَأدَّى ذلكَ إلى زوالِ العَداوةِ وإلى الأُلفةِ وصَلاحِ ذاتِ البَينِ، كما لو

стр. 13121

قصَدَه إنسانٌ بضَررٍ فعاوَنَه وحَماهُ عنه انسَلَّتْ سَخيمةُ قَلبِه وعادَ إلى سَلامةِ الصَّدرِ والمُوالاةِ والنُّصرةِ. والرابعُ: أنه إذا تحمَّلَ عنه جِنايتَه حمَلَ عنه القاتلُ إذا جنَى أيضًا، فلَم يَذهبْ حَملُه للجِنايةِ عنه ضَياعًا، بل كانَ له أثرٌ مَحمودٌ يَستحقُّ مِثلَه عليهِ إذا وقَعَتْ منه جِنايةٌ. فهذهِ وُجوهٌ كلُّها مُستحسَنةٌ في العُقولِ غيرُ مَدفوعةٍ، وإنما يُؤتَى المُلحِدُ المُتعلِّقُ بمِثلِه مِنْ ضِيقِ عَطنِه وقِلةِ مَعرفتِه وإعراضِه عن النَّظرِ والفِكرِ، والحَمدُ للهِ على حُسنِ هِدايتِه وتَوفيقِه (١). وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وقالَ أبو بَكرٍ الأصَمُّ: يَتحملُ القاتلُ دونَ العاقِلةِ؛ لأنه لا يَجوزُ أنْ يُؤاخَذَ أحَدٌ بذَنبِ غيرِه؛ قالَ اللهُ : ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وقالَ جلَّتْ عظَمَتُه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، ولهذا لم تَتحمَّلِ العاقِلةُ ضَمانَ الأموالِ ولا ما دُونَ نِصفِ عُشرِ الدِّيةِ، كذا هذا. ولنا: أنه ﵊ قضَى بالغُرَّةِ على عاقِلةِ الضارِبةِ، وكذا قضَى سَيدُنا عُمرُ ﵁ بالدِّيةِ على العاقِلةِ بمَحضرٍ مِنْ الصَّحابةِ ﵃ مِنْ غيرِ نَكيرٍ. وأما الآيةُ الشَّريفةُ فنَقولُ بمُوجَبِها، لكنْ لِمَ قُلتُم: «إنَّ الحَملَ على العاقِلةِ أخذٌ بغَيرِ ذنبِ»؟ فإنَّ حِفظَ القاتلِ واجِبٌ على عاقِلتِه، فإذا لم

стр. 13122

يَحفَظوا فقدْ فرَّطُوا، والتَّفريطُ منهُم ذَنبٌ، ولأنَّ القاتلَ إنما يَقتلُ بظَهرِ عَشيرتِه، فكانُوا كالمُشارِكينَ له في القتلِ، ولأنَّ الدِّيةَ مالٌ كَثيرٌ، فإلزامُ الكُلِّ القاتِلَ إجحافٌ به، فيُشاركُه العاقِلةُ في التحمُّلِ تَخفيفًا، وهو مُستحِقُّ التَّخفيفِ؛ لأنه خاطئٌ، وبهذا فارَقَ ضَمانَ المالِ؛ لأنَّ ضَمانَ المالِ لا يَكثرُ عادةً، فلا تَقعُ الحاجةُ إلى التَّخفيفِ، وما دُونَ نِصفِ عُشرِ الدِّيةِ حُكمُه حُكمُ ضَمانِ الأموالِ (١). مِقدارُ ديَةِ قَتلِ الخَطأِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ ديَةَ قَتلِ الخَطأِ إذا كانَتْ ستُخرَجُ مِنْ الإبلِ مِائةٌ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «إنَّ في النَّفسِ مِائةً مِنْ الإبلِ» (٢). قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: إجماعُهم أنَّ على أهلِ الإبلِ في ديَةِ النَّفسِ إذا أُتلفَتْ خَطأً مِائةً مِنْ الإبلِ، لا خِلافَ بينَ عُلماءِ المُسلمينَ في ذلكَ، ولا يَختلفونَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ جعَلَها كذلكَ (٣).

стр. 13123

وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: ديَةُ الحُرِّ المُسلمِ مِائةٌ مِنْ الإبلِ؛ لِما رُويَ أنَّ النبيَّ ﷺ كتَبَ في الكِتابِ الذي كتَبَه لعَمرِو بنِ حَزمٍ: «وفي النَّفسِ مِائةٌ مِنْ الإبلِ»، وهو إجماعٌ (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الإبلَ أصلٌ في الدِّيةِ، وأنَّ ديَةَ الحُرِّ المُسلمِ مِائةٌ مِنْ الإبلِ (٢). وتَكونُ أخماسًا باتِّفاقِ الفُقهاءِ، وهي: عِشرونَ بنتَ مَخاضٍ وعِشرونَ بنتَ لَبونٍ وعِشرونَ حقَّةً وعِشرونَ جَذعةً، وهذا اتِّفاقًا. واختَلفُوا في العِشرينَ الباقيةِ: فعِندَ الحَنفيةِ والحَنابلةِ: هي عِشرونَ بَني مَخاضٍ ذُكُرٍ؛ لِما رَواهُ عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «في ديَةِ الخَطأِ عِشرونَ حقَّةً وعِشرونَ جَذعةً وعِشرونَ بنتَ مَخاضٍ وعِشرونَ بنتَ لَبونٍ وعِشرونَ بَني مَخاضٍ ذُكُرٍ» (٣). وعندَ المالِكيةِ والشافِعيةِ: العِشرونَ الباقيةُ هي مِنْ بَني اللَّبونِ؛ لِما رَواهُ مالكٌ عن سُليمانَ بنِ يَسارٍ أنَّهم كانوا يَقولونَ: «ديَةُ الخطَأِ عِشرونَ بنتَ مَخاضٍ وعِشرونَ بنتَ لَبونٍ وعِشرونَ ابنَ لبُونٍ ذَكَرٍ وعِشرونَ حقَّةً وعِشرونَ جَذعةً» (٤).

стр. 13124

الدِّيةُ مِنْ الذَّهبِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الدِّيةَ إذا كانَتْ مِنْ الذَّهبِ ألفُ دِينارٍ؛ لقَولِ النبي ﷺ : «وأنَّ في النَّفسِ الدِّيةَ مِائةً مِنْ الإبلِ … وعلى أهلِ الذَّهبِ ألفُ دِينارٍ» (١). إلا أنها عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ في قَولٍ تكونُ الدِّيةُ مِنْ الذَّهبِ والوَرِقِ إنْ أعوزَتِ الإبلُ إما بعَدمِها وإما بوُجودِها بأكثَرَ مِنْ ثَمنِ مِثلِها، عُدلَ عنها إلى الدَّنانيرِ والدَّراهمِ التي هي أثمانُ وقِيَمٌ دونَ غيرِهما مِنْ العُروضِ والسِّلعِ (٢). وهي عندَ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والحَنابلةِ في المَذهبِ أصلٌ يَجوزُ إخراجُها مع وُجودِ الإبلِ (٣). قالَ الإمامُ ابنُ جَريرٍ الطَّبريُّ ﵀: وأما الذينَ أَوجَبوها في كلِّ زَمانٍ على أهلِ الذَّهبِ ذَهبًا ألفَ دِينارٍ فقالُوا: ذلكَ فَريضةٌ فرَضَها اللهُ على لِسانِ رَسولِه كما فرَضَ الإبلَ على أهلِ الإبلِ.

стр. 13125

قالُوا: وفي إجماعِ عُلماءِ الأمصارِ في كلِّ عَصرٍ وزَمانٍ إلا مَنْ شَذَّ عنهُم على أنها لا تُزادُ على ألفِ دِينارٍ ولا تنقصُ عنها أوضَحُ الدَّليلِ على أنها الواجِبةُ على أهلِ الذَّهبِ وُجوبَ الإبلِ على أهلِ الإبلِ؛ لأنها لو كانَت قِيمةً لمِائةٍ مِنْ الإبلِ لَاختَلفَ ذلكَ بالزِّيادةِ والنُّقصانِ؛ لتَغيُّرِ أسعارِ الإبلِ. وهذا القَولُ هو الحَقُّ في ذلكَ؛ لِما ذكَرْنا مِنْ إجماعِ الحُجَّةِ عليهِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: لم تَختلِفِ الرِّواياتُ عن عُمرَ في الذَّهبِ أنَّ الدِّيةَ منه ألفُ دِينارٍ، ولا اختَلفَ فيه العُلماءُ قَديمًا ولا حَديثًا (٢). وقالَ الإمامُ السَّرخسيُّ ﵀: لا خِلافَ أنها مِنْ الدَّنانيرِ ألفُ دِينارٍ، وكانَتْ قِيمةُ كلِّ دِينارٍ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﵇ اثنَي عشَرَ دِرهمًا (٣). وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: لا خِلافَ في أنَّ الواجِبَ مِنْ الذَّهبِ ألفُ دِينارٍ (٤). الدِّيةُ مِنْ الفِضةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الدِّيةِ إذا كانَتْ مِنْ الفِضةِ، هل تَكونُ عَشرةَ الآفِ دِرهمٍ؟ أم اثنَي عشَرَ ألفًا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنها عَشرةُ آلافِ دِرهمٍ وَزنًا وَزن سَبعة؛ لِما رُويَ عن

стр. 13126

سيِّدِنا عُمرَ ﵁ أنه قالَ: «الدِّيةُ عَشرةُ آلافِ دِرهمٍ» بمَحضرٍ مِنْ الصَّحابةِ ﵁، ولم يُنقَلْ أنه أنكَرَ عليهِ أحَدٌ فيكونُ إجماعًا، مع ما أنَّ المَقاديرَ لا تُعرَفُ إلا سَماعًا، فالظاهِرُ أنه سَمعَ مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ (١). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ في القَديمِ والحَنابلةُ إلى أنها تكونُ اثنَي عشَرَ ألفَ دِرهمِ فِضةٍ مِنْ دَراهمِ الإسلامِ التي كلُّ عَشرةِ دَراهمَ مِنها سَبعةُ مَثاقيلَ؛ لِما رواهُ عَمرُو بنُ شُعيبٍ عن أبيه عن جدِّهِ قالَ: «كانَتْ قِيمةُ الدِّيةِ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ثَمانِمائةِ دِينارٍ أو ثَمانيةَ آلافِ دِرهمٍ، ودِيةُ أهلِ الكِتابِ يَومئذٍ النِّصفُ مِنْ دِيةِ المُسلمينَ، قالَ: فكانَ ذلكَ كذلكَ حتى استُخلِفَ عُمرُ ﵁، فقامَ خَطيبًا فقالَ: ألَا إنَّ الإبلَ قد غَلَتْ، قالَ: ففرَضَها عُمرُ على أهلِ الذَّهبِ ألفَ دِينارٍ، وعلى أهلِ الوَرِقِ اثنَي عشَرَ ألفًا، وعلى أهلِ البَقرِ مِائتَي بَقرةٍ، وعلى أهلِ الشاءِ ألفَي شاةٍ، وعلى أهلِ الحُلَلِ مِائتَي حُلَّةٍ، قالَ: وترَكَ دِيةَ أهلِ الذِّمةِ لم يَرفَعْها فيما رفَعَ مِنْ الدِّية» (٢)، فعُمرُ ﵁ قوَّمَ الدِّيةَ على أهلِ الذَّهبِ ألفَ دِينارٍ وعلى أهلِ الوَرقِ اثنَي عشَرَ ألفًا، ولم يُخالِفْ عليهِ أحَدٌ، ولأنه نَوعُ مالٍ يَجوزُ إخراجُه في الدِّيةِ، فكانَ أصلًا بنَفسِه كالإبلِ، ولأنَّ الدِّيةَ معنًى جُعلَتِ الإبلُ فيه أصلًا، فكانَ الذهبُ والوَرقُ فيه أصلًا كالزَّكاةِ (٣).

стр. 13127

إلا أنَّ الشافِعيةَ في الجَديدِ قالوا: ولو عُدِمَتِ الإبلُ فقِيمتُها وقتَ وُجوبِ تَسليمِها بالِغةً ما بلَغَتْ؛ لأنها بَدلُ مُتلَفٍ، فيُرجَعُ إلى قِيمتِها عندَ إعوازِ أصلِه، وتُقوَّمُ بنَقدِ بَلدِه الغالِبِ؛ لأنه أقرَبُ مِنْ غيرِه وأضبَطُ، فإنْ كانَ فيهِ نَقدانِ فأكثَرُ لا غالِبَ فيهما تَخيَّرَ الجاني بينَهُما. وإنْ وُجدَ بَعضٌ مِنْ الإبلِ الواجِبةِ أخَذَ المَوجودَ منها وقِيمةَ الباقي، كما لو وجَبَ له على إنسانٍ مِثلٌ ووجَدَ بعضَ المِثلِ فإنه يَأخذُه وقِيمةَ الباقي. واستَدلُّوا على أنها تُؤخذُ قيمتُها بما رَواهُ عَمرُو بنُ شُعيبٍ عن أبيه عن جدِّهِ قالَ: «كانَتْ قِيمةُ الدِّيةِ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ثَمانِمائةِ دِينارٍ أو ثَمانيةَ آلافِ دِرهمٍ، ودِيةُ أهلِ الكِتابِ يَومئذٍ النِّصفُ مِنْ دِيةِ المُسلمينَ، قالَ: فكانَ ذلكَ كذلكَ حتى استُخلِفَ عُمرُ ﵁، فقامَ خَطيبًا فقالَ: ألَا إنَّ الإبلَ قد غَلَتْ، قالَ: ففرَضَها عُمرُ على أهلِ الذَّهبِ ألفَ دِينارٍ، وعلى أهلِ الوَرِقِ اثنَي عشَرَ ألفًا، وعلى أهلِ البَقرِ مِائتَي بَقرةٍ، وعلى أهلِ الشاءِ ألفَي شاةٍ، وعلى أهلِ الحُلَلِ مِائتَي حُلَّةٍ، قالَ: وترَكَ دِيةَ أهلِ الذِّمةِ لم يَرفَعْها فيما رفَعَ مِنْ الدِّية» (١)، قالَ العَمرانِيُّ ﵀: ومَوضعُ الدَّليلِ مِنْ الخبَرِ أنه قالَ: «كانَتْ قِيمةُ الدِّيةِ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ كذا وكذا»، فدَلَّ على أنَّ الواجِبَ هو الإبلُ.

стр. 13128

ولأنَّ عُمرَ ﵁ وأرضاهُ قالَ: «ألَا إنَّ الإبلَ قد غَلَتْ»، وفرَضَ عليهِم ألفَ دِينارٍ أو اثنَي عشَرَ ألفَ دِرهمٍ، فتَعلَّقَ بغَلاءِ الإبلِ، فدَلَّ على أنَّ ذلكَ مِنْ طَريقِ القِيمةِ؛ لأنَّ ما وجَبَتْ قيمتُه اختَلفَ بالزِّيادةِ والنُّقصانِ، ولم يُخالِفْه أحَدٌ مِنْ الصَّحابةِ. وما رُويَ مِنْ الأخبارِ للأولِ .. فنَحملُه على أنَّ ذلكَ مِنْ طَريقِ القِيمةِ. فعَلى هذا: لا يَكونُ للدِّيةِ إلا أصلٌ واحِدٌ وهي الإبلُ، فإنْ كانَتِ الدِّيةُ مُغلَّظةً وأعوزَتِ الإبلُ، فإنْ قُلنَا بقَولِه الجَديدِ .. قُوِّمتْ مُغلَّظةً ثَلاثينَ حِقَّةً وثَلاثينَ جَذعةً وأربعِينَ خَلفةً، وإنْ قُلنا بقَولِه القَديمِ .. ففيه وَجهانِ حَكاهُما في «العُدَّة»: أحَدُهما: تُغلَّظُ بثُلثِ الدِّيةِ، ولم يَذكرْ في «المُهذَّب» غيرَه؛ لِما ذكَرْناهُ عن عُمرَ وعُثمانَ وابنِ عبَّاسٍ ﵃ وأرضاهُم. والثَّاني: يَسقطُ التَّغليظُ؛ لأنَّ التغليظَ عندَنا إنما هو بالصِّفةِ في الأصلِ لا بالزِّيادةِ في العَددِ، وذلكَ إنما يُمكِنُ في الإبلِ دُونَ النَّقدِ، ألَا تَرى أنَّ العبدَ لمَّا لم يَجبْ فيه إلا القِيمةُ لم يَجبْ فيه التغليظُ؟ وما رُويَ عن الصَّحابةِ ﵃ وأرضاهُم .. فقدْ ذكَرْنا أنما ذلكَ هو قِيمةُ ما أَوجَبوهُ، هذا مَذهبُنا (١).

стр. 13129

وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلفُوا في الدَّراهمِ والدنانيرِ هل تُؤخَذُ في الديَاتِ؟ فقالَ أبو حَنيفةَ وأحمَدُ: هي مُقدَّرٌ في الدِّياتِ يَجوزُ أخذُها مع وُجودِ الإبلِ، ثم اختَلفَا هل كلُّ نَوعٍ أصلٌ بنَفسِه ودِيةٌ في نَفسِه؟ فقالَ أبو حَنيفةَ وأحمَدُ في أحَدِ الرِّوايتينِ: هي أصلٌ بنَفسِها، والثانيةُ: الأصلُ الإبلُ، والأثمانُ بَدلٌ عنها، إلا أنه بَدلٌ مُقدَّرٌ بأصلِ الشَّرعِ، لا تَجوزُ الزِّيادةُ عليهِ ولا النُّقصانُ عنه. وقالَ مالكٌ: هي أصلٌ بنَفسِها مُقدَّرةٌ، ولم يَعتبرْها بالإبلِ. وقالَ الشافِعيُّ: لا يُعدَلُ عن الإبلِ إذا وُجِدتْ إلا بالتَّراضي، فإنْ أعوزَتْ ففيهِ قَولانِ: القَديمُ منهُما: يُعدَلُ إلى أحَدِ أمرَينِ: ألفِ دِينارٍ أو اثنَي عشَرَ ألفِ دِرهمٍ. والجَديدُ منهُما: يُعدلُ إلى قِيمتِه حينَ القَبضِ زائِدةً أو ناقصةً. واختَلفُوا في مَبلغِ الدِّيةِ مِنْ الدَّراهمِ، فقالَ أبو حَنيفةَ: عَشرةَ آلافِ دِرهمٍ، وقالَ مالكٌ والشافِعيُّ وأحمَدُ: اثنَي عشَرَ ألفَ دِرهمٍ (١). الدِّيةُ مِنْ الغَنمِ والبَقرِ والحُلَلِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في البَقرِ والغَنمِ والحُلَلِ، هل هي أصلٌ في الدِّيةِ؟ أم لا تُؤخَذُ إلا على وَجهِ القيمةِ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الإمامُ أبو حَنيفةَ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنها ليسَتْ أصلًا في الدِّيةِ ولا مُقدَّرًا، وإنما يُرجعُ إليه بالتَّراضِي على وَجهِ القِيمةِ، وهي على الصِّفةِ المتقدِّمةِ عندَ الشافِعيةِ.

стр. 13130

لأنَّ النبيَّ ﷺ «قَضَى في النَّفسِ مِائةً مِنْ الإبلِ» ولم يُقوِّمْها بغَيرِها، ولأنه نَوعٌ مِنْ العُروضِ، فأشبَهَ العَبيدَ والعَقارَ، ولأنه لو جازَ أنْ تُقوَّمَ بالشاةِ والبَقرِ لَجازَ أنْ تُقوَّمَ بالطَّعامِ على أهلِ الطَّعامِ وبالخَيلِ على أهلِ الخَيلِ، وهذا لا يَقولُ به أحَدٌ (١). وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ والصاحِبانِ مِنْ الحَنفيةِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ إلى أنَّ البقرَ والغَنمَ والحُللَ أصلٌ في الدِّيةِ؛ لِما رَواهُ عَمرُو بنُ شُعيبٍ عن أبيه عن جدِّهِ قالَ: «كانَتْ قِيمةُ الدِّيةِ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ثَمانِمائةِ دِينارٍ أو ثَمانيةَ آلافِ دِرهمٍ، ودِيةُ أهلِ الكِتابِ يَومئذٍ النِّصفُ مِنْ دِيةِ المُسلمينَ، قالَ: فكانَ ذلكَ كذلكَ حتى استُخلِفَ عُمرُ ﵁، فقامَ خَطيبًا فقالَ: ألَا إنَّ الإبلَ قد غَلَتْ، قالَ: ففرَضَها عُمرُ على أهلِ الذَّهبِ ألفَ دِينارٍ، وعلى أهلِ الوَرِقِ اثنَي عشَرَ ألفًا، وعلى أهلِ البَقرِ مِائتَي بَقرةٍ، وعلى أهلِ الشاءِ ألفَي شاةٍ، وعلى أهلِ الحُلَلِ مِائتَي حُلَّةٍ، قالَ: وترَكَ دِيةَ أهلِ الذِّمةِ لم يَرفَعْها فيما رفَعَ مِنْ الدِّية» (٢) (٣).
следующие страницы →