سيِّدِنا عُمرَ ﵁ أنه قالَ: «الدِّيةُ عَشرةُ آلافِ دِرهمٍ» بمَحضرٍ مِنْ الصَّحابةِ ﵁، ولم يُنقَلْ أنه أنكَرَ عليهِ أحَدٌ فيكونُ إجماعًا، مع ما أنَّ المَقاديرَ لا تُعرَفُ إلا سَماعًا، فالظاهِرُ أنه سَمعَ مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ في القَديمِ والحَنابلةُ إلى أنها تكونُ اثنَي عشَرَ ألفَ دِرهمِ فِضةٍ مِنْ دَراهمِ الإسلامِ التي كلُّ عَشرةِ دَراهمَ مِنها سَبعةُ مَثاقيلَ؛ لِما رواهُ عَمرُو بنُ شُعيبٍ عن أبيه عن جدِّهِ قالَ: «كانَتْ قِيمةُ الدِّيةِ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ثَمانِمائةِ دِينارٍ أو ثَمانيةَ آلافِ دِرهمٍ، ودِيةُ أهلِ الكِتابِ يَومئذٍ النِّصفُ مِنْ دِيةِ المُسلمينَ، قالَ: فكانَ ذلكَ كذلكَ حتى استُخلِفَ عُمرُ ﵁، فقامَ خَطيبًا فقالَ: ألَا إنَّ الإبلَ قد غَلَتْ، قالَ: ففرَضَها عُمرُ على أهلِ الذَّهبِ ألفَ دِينارٍ، وعلى أهلِ الوَرِقِ اثنَي عشَرَ ألفًا، وعلى أهلِ البَقرِ مِائتَي بَقرةٍ، وعلى أهلِ الشاءِ ألفَي شاةٍ، وعلى أهلِ الحُلَلِ مِائتَي حُلَّةٍ، قالَ: وترَكَ دِيةَ أهلِ الذِّمةِ لم يَرفَعْها فيما رفَعَ مِنْ الدِّية» (٢)، فعُمرُ ﵁ قوَّمَ الدِّيةَ على أهلِ الذَّهبِ ألفَ دِينارٍ وعلى أهلِ الوَرقِ اثنَي عشَرَ ألفًا، ولم يُخالِفْ عليهِ أحَدٌ، ولأنه نَوعُ مالٍ يَجوزُ إخراجُه في الدِّيةِ، فكانَ أصلًا بنَفسِه كالإبلِ، ولأنَّ الدِّيةَ معنًى جُعلَتِ الإبلُ فيه أصلًا، فكانَ الذهبُ والوَرقُ فيه أصلًا كالزَّكاةِ (٣).
стр. 13127
إلا أنَّ الشافِعيةَ في الجَديدِ قالوا: ولو عُدِمَتِ الإبلُ فقِيمتُها وقتَ وُجوبِ تَسليمِها بالِغةً ما بلَغَتْ؛ لأنها بَدلُ مُتلَفٍ، فيُرجَعُ إلى قِيمتِها عندَ إعوازِ أصلِه، وتُقوَّمُ بنَقدِ بَلدِه الغالِبِ؛ لأنه أقرَبُ مِنْ غيرِه وأضبَطُ، فإنْ كانَ فيهِ نَقدانِ فأكثَرُ لا غالِبَ فيهما تَخيَّرَ الجاني بينَهُما.
وإنْ وُجدَ بَعضٌ مِنْ الإبلِ الواجِبةِ أخَذَ المَوجودَ منها وقِيمةَ الباقي، كما لو وجَبَ له على إنسانٍ مِثلٌ ووجَدَ بعضَ المِثلِ فإنه يَأخذُه وقِيمةَ الباقي.
واستَدلُّوا على أنها تُؤخذُ قيمتُها بما رَواهُ عَمرُو بنُ شُعيبٍ عن أبيه عن جدِّهِ قالَ: «كانَتْ قِيمةُ الدِّيةِ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ثَمانِمائةِ دِينارٍ أو ثَمانيةَ آلافِ دِرهمٍ، ودِيةُ أهلِ الكِتابِ يَومئذٍ النِّصفُ مِنْ دِيةِ المُسلمينَ، قالَ: فكانَ ذلكَ كذلكَ حتى استُخلِفَ عُمرُ ﵁، فقامَ خَطيبًا فقالَ: ألَا إنَّ الإبلَ قد غَلَتْ، قالَ: ففرَضَها عُمرُ على أهلِ الذَّهبِ ألفَ دِينارٍ، وعلى أهلِ الوَرِقِ اثنَي عشَرَ ألفًا، وعلى أهلِ البَقرِ مِائتَي بَقرةٍ، وعلى أهلِ الشاءِ ألفَي شاةٍ، وعلى أهلِ الحُلَلِ مِائتَي حُلَّةٍ، قالَ: وترَكَ دِيةَ أهلِ الذِّمةِ لم يَرفَعْها فيما رفَعَ مِنْ الدِّية» (١)، قالَ العَمرانِيُّ ﵀: ومَوضعُ الدَّليلِ مِنْ الخبَرِ أنه قالَ: «كانَتْ قِيمةُ الدِّيةِ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ كذا وكذا»، فدَلَّ على أنَّ الواجِبَ هو الإبلُ.
стр. 13128
ولأنَّ عُمرَ ﵁ وأرضاهُ قالَ: «ألَا إنَّ الإبلَ قد غَلَتْ»، وفرَضَ عليهِم ألفَ دِينارٍ أو اثنَي عشَرَ ألفَ دِرهمٍ، فتَعلَّقَ بغَلاءِ الإبلِ، فدَلَّ على أنَّ ذلكَ مِنْ طَريقِ القِيمةِ؛ لأنَّ ما وجَبَتْ قيمتُه اختَلفَ بالزِّيادةِ والنُّقصانِ، ولم يُخالِفْه أحَدٌ مِنْ الصَّحابةِ.
وما رُويَ مِنْ الأخبارِ للأولِ .. فنَحملُه على أنَّ ذلكَ مِنْ طَريقِ القِيمةِ.
فعَلى هذا: لا يَكونُ للدِّيةِ إلا أصلٌ واحِدٌ وهي الإبلُ، فإنْ كانَتِ الدِّيةُ مُغلَّظةً وأعوزَتِ الإبلُ، فإنْ قُلنَا بقَولِه الجَديدِ .. قُوِّمتْ مُغلَّظةً ثَلاثينَ حِقَّةً وثَلاثينَ جَذعةً وأربعِينَ خَلفةً، وإنْ قُلنا بقَولِه القَديمِ .. ففيه وَجهانِ حَكاهُما في «العُدَّة»:
أحَدُهما: تُغلَّظُ بثُلثِ الدِّيةِ، ولم يَذكرْ في «المُهذَّب» غيرَه؛ لِما ذكَرْناهُ عن عُمرَ وعُثمانَ وابنِ عبَّاسٍ ﵃ وأرضاهُم.
والثَّاني: يَسقطُ التَّغليظُ؛ لأنَّ التغليظَ عندَنا إنما هو بالصِّفةِ في الأصلِ لا بالزِّيادةِ في العَددِ، وذلكَ إنما يُمكِنُ في الإبلِ دُونَ النَّقدِ، ألَا تَرى أنَّ العبدَ لمَّا لم يَجبْ فيه إلا القِيمةُ لم يَجبْ فيه التغليظُ؟ وما رُويَ عن الصَّحابةِ ﵃ وأرضاهُم .. فقدْ ذكَرْنا أنما ذلكَ هو قِيمةُ ما أَوجَبوهُ، هذا مَذهبُنا (١).
стр. 13129
وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلفُوا في الدَّراهمِ والدنانيرِ هل تُؤخَذُ في الديَاتِ؟ فقالَ أبو حَنيفةَ وأحمَدُ: هي مُقدَّرٌ في الدِّياتِ يَجوزُ أخذُها مع وُجودِ الإبلِ، ثم اختَلفَا هل كلُّ نَوعٍ أصلٌ بنَفسِه ودِيةٌ في نَفسِه؟ فقالَ أبو حَنيفةَ وأحمَدُ في أحَدِ الرِّوايتينِ: هي أصلٌ بنَفسِها، والثانيةُ: الأصلُ الإبلُ، والأثمانُ بَدلٌ عنها، إلا أنه بَدلٌ مُقدَّرٌ بأصلِ الشَّرعِ، لا تَجوزُ الزِّيادةُ عليهِ ولا النُّقصانُ عنه.
وقالَ مالكٌ: هي أصلٌ بنَفسِها مُقدَّرةٌ، ولم يَعتبرْها بالإبلِ.
وقالَ الشافِعيُّ: لا يُعدَلُ عن الإبلِ إذا وُجِدتْ إلا بالتَّراضي، فإنْ أعوزَتْ ففيهِ قَولانِ:
القَديمُ منهُما: يُعدَلُ إلى أحَدِ أمرَينِ: ألفِ دِينارٍ أو اثنَي عشَرَ ألفِ دِرهمٍ.
والجَديدُ منهُما: يُعدلُ إلى قِيمتِه حينَ القَبضِ زائِدةً أو ناقصةً.
واختَلفُوا في مَبلغِ الدِّيةِ مِنْ الدَّراهمِ، فقالَ أبو حَنيفةَ: عَشرةَ آلافِ دِرهمٍ، وقالَ مالكٌ والشافِعيُّ وأحمَدُ: اثنَي عشَرَ ألفَ دِرهمٍ (١).
الدِّيةُ مِنْ الغَنمِ والبَقرِ والحُلَلِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في البَقرِ والغَنمِ والحُلَلِ، هل هي أصلٌ في الدِّيةِ؟ أم لا تُؤخَذُ إلا على وَجهِ القيمةِ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الإمامُ أبو حَنيفةَ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنها ليسَتْ أصلًا في الدِّيةِ ولا مُقدَّرًا، وإنما يُرجعُ إليه بالتَّراضِي على وَجهِ القِيمةِ، وهي على الصِّفةِ المتقدِّمةِ عندَ الشافِعيةِ.
стр. 13130
لأنَّ النبيَّ ﷺ «قَضَى في النَّفسِ مِائةً مِنْ الإبلِ» ولم يُقوِّمْها بغَيرِها، ولأنه نَوعٌ مِنْ العُروضِ، فأشبَهَ العَبيدَ والعَقارَ، ولأنه لو جازَ أنْ تُقوَّمَ بالشاةِ والبَقرِ لَجازَ أنْ تُقوَّمَ بالطَّعامِ على أهلِ الطَّعامِ وبالخَيلِ على أهلِ الخَيلِ، وهذا لا يَقولُ به أحَدٌ (١).
وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ والصاحِبانِ مِنْ الحَنفيةِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ إلى أنَّ البقرَ والغَنمَ والحُللَ أصلٌ في الدِّيةِ؛ لِما رَواهُ عَمرُو بنُ شُعيبٍ عن أبيه عن جدِّهِ قالَ: «كانَتْ قِيمةُ الدِّيةِ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ثَمانِمائةِ دِينارٍ أو ثَمانيةَ آلافِ دِرهمٍ، ودِيةُ أهلِ الكِتابِ يَومئذٍ النِّصفُ مِنْ دِيةِ المُسلمينَ، قالَ: فكانَ ذلكَ كذلكَ حتى استُخلِفَ عُمرُ ﵁، فقامَ خَطيبًا فقالَ: ألَا إنَّ الإبلَ قد غَلَتْ، قالَ: ففرَضَها عُمرُ على أهلِ الذَّهبِ ألفَ دِينارٍ، وعلى أهلِ الوَرِقِ اثنَي عشَرَ ألفًا، وعلى أهلِ البَقرِ مِائتَي بَقرةٍ، وعلى أهلِ الشاءِ ألفَي شاةٍ، وعلى أهلِ الحُلَلِ مِائتَي حُلَّةٍ، قالَ: وترَكَ دِيةَ أهلِ الذِّمةِ لم يَرفَعْها فيما رفَعَ مِنْ الدِّية» (٢)(٣).
стр. 13131
قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلفُوا في البَقرِ والغَنمِ والحُلَلِ هل هي أصلٌ في الدِّيةِ؟ أم تُؤخذُ على وَجهِ القيمةِ؟
فقالَ أبو حَنيفةَ ومالكٌ والشافِعيُّ: ليسَ شَيءٌ مِنْ ذلكَ أصلٌ في الدِّيةِ ولا مُقدَّرٌ، وإنما يُرجعُ إليه بالتَّراضِي على وَجهِ القِيمةِ.
وقالَ أحمَدُ: الغَنمُ والبَقرُ أصلانِ مُقدَّرانِ في الدِّيةِ، فمِن البَقرِ مِائتَا بَقرةٍ، ومِن الغَنمِ ألفُ شاةٍ، واختَلفَتِ الروايةُ عنه في الحُلَلِ، فرُويَ عنه أنها مُقدَّرةٌ بمِائتَي حُلَّةٍ، كلُّ حُلةٍ إزارٌ ورِداءٌ، ورُويَ عنه أنها ليسَتْ ببَدلٍ (١).
حُكمُ القَتلِ في الحَرمِ أو وهو مُحرِمٌ أو قَتلُ ذِي رَحمٍ مَحرَمٍ:
قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلفُوا فيما إذا قتَلَ في الحَرمِ، أو قتَلَ وهو مُحرِمٌ، أو في شَهرٍ حَرامٍ، أو قتَلَ ذا رَحمٍ مَحرمٍ، هل يُغلَّظُ الدِّيةُ في ذلكَ؟
فقالَ أبو حَنيفةَ: لا تُغلَّظُ الدِّيةُ في شَيءٍ مِنْ ذلكَ.
وقالَ مالكٌ: لا تَغليظَ في هذهِ الأسبابِ إلا فيما إذا قتَلَ الرَّجلُ ولَدَه فإنها تُغلَّظُ، وصِفةُ التَّغليظِ عندَه أنْ تكونَ الإبلُ أثلاثًا: ثَلاثونُ حِقةً وثَلاثونَ جَذعةً وأربَعونَ خَلفةً، وأما في الذَّهبِ والفِضةِ فعَنهُ رِوايتانِ:
стр. 13132
أحَدُهما: نَفيُ التَّغليظِ في الجُملةِ وأنْ لا يُؤخَذَ مِنهم زِيادةٌ كأهلِ الإبلِ.
والأخرَى: تُغلَّظُ، وفي صِفةِ تَغليظِها عنه رِوايتانِ أيضًا:
إحداهُما: إنه يلزمُ مِنْ الذَّهبِ والفِضةِ قيمةُ الإبلِ المُغلَّظةِ ما بلَغَتْ، إلا أنْ تَنقُصَ عن ألفِ دِينارٍ أو اثنَي عشَرَ ألفَ دِرهمٍ، ولا ينقصُها.
والأخرَى: أنه لا يُنظَرُ قَدرُها ما بينَ دِيةِ الخَطأِ والتَّغليظِ، فيَجعلُ جُزءًا زائدًا على ديَةِ الذَّهبِ والوَرِقِ عندَه.
وقالَ الشافِعيُّ: تُغلَّظُ في الحَرمِ والمُحرِمِ والأشهُرِ الحُرمِ، وهل تُغلَّظُ في الإحرامِ؟ على وَجهَينِ: أظهَرُهما عندَهُم: أنها لا تُغلَّظُ، وصِفةُ التَّغليظِ عندَه أنه لا يَدخلُ في الأثمانِ، وإنما يَدخلُ الإبلَ بالأسنانِ فقطْ.
وقالَ أحمَدُ: تُغلَّظُ الدِّيةُ في ذلكَ كلِّه، وصِفةُ التَّغليظِ عندَه إنْ كانَ الضَّمانُ بالذَّهبِ والفِضةِ فبِزيادةِ القَدرِ وهو ثُلثُ الدِّيةِ نَصًّا عنهُ، وإنْ كانَ بالإبلِ فقِياسُ مَذهبِه أنه كالأثمانِ وأنها تُغلَّظُ بزِيادةِ القَدرِ لا السنِّ.
واختَلفَ أحمَدُ والشافِعيُّ هل يَتداخلُ تَغليظُ الدِّيةِ، مثلَ أنْ يَقتلَ في شَهرٍ حَرامٍ في الحَرمِ ذا رَحِمٍ؟
فقالَ الشافِعيُّ: يَتداخلُ ويَكونُ التَّغليظُ فيها واحِدًا.
وقالَ أحمَدُ: يَجبُ لكُلِّ واحِدٍ مِنْ ذلكَ ثُلثُ الدِّيةِ (١).
стр. 13133
النَّوعُ الثالِثُ: الدِّيةُ في قَتلِ شِبهِ العَمدِ:
اتَّفقَ كلُّ مَنْ يَقولُ بقَتلِ شِبهِ العَمدِ -وهُم الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ- أنَّ الدِّيةَ تَجبُ فيه وتَكونُ على العاقِلةِ؛ لقَولِه ﷺ : «ألَا إنَّ دِيةَ الخَطأِ شِبهِ العَمدِ ما كانَ بالسَّوطِ والعَصا مِائةٌ مِنْ الإبِلِ، منها أربَعونَ في بُطونِها أولادُها» (١).
وحَديثِ أبي هُريرةَ ﵁: «اقتَتلَتِ امرَأتانِ مِنْ هُذيلٍ، فرَمَتْ إحداهُما الأُخرى بحَجرٍ، فقتَلَتْها وما في بَطنِها، فقَضَى النبيُّ ﷺ أنَّ دِيةَ جَنينها عَبدٌ أو وَليدةٌ، وقَضَى بدِيةِ المَرأةِ على عاقلتِها» (٢).
و «لأنه ﷺ لمَّا سُئلَ عن المَرأةِ التي ضرَبَتْ ضرَّتَها بعَمودِ فُسطاطٍ فقتَلَتْها وجَنينَها، فقضَى في الجَنينِ بغُرةٍ، وقَضَى بالديَةِ على عاقِلتِها» (٣).
وعن عَمرِو بنِ شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «عَقلُ شِبهِ العَمدِ مُغلَّظٌ مِثلُ عَقلِ العَمدِ ولا يُقتلُ صاحِبُه» (٤).
ولأنه قَتلٌ لا يُوجِبُ القوَدَ، فكانَتْ دِيتُه على العاقِلةِ كقَتلِ الخَطأِ (٥).
стр. 13134
ولأنَّ كلَّ دِيةٍ تَجبُ بالقَتلِ مِنْ غَيرِ صُلحٍ ولا عَفوٍ لبَعضٍ فإنها تَجبُ على العاقِلةِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: والدِّيةُ -أي في قَتلِ شِبهِ العَمدِ- على العاقِلةِ في قَولِ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، وجعَلَه مالِكٌ عَمدًا مُوجِبًا للقِصاصِ (١).
وهذهِ الدِّيةُ تكونُ مُغلَّظةً على العاقِلةِ، ولا يَشتركُ فيها الجاني عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ، وعندَ الحَنفيةِ يَشتركُ فيها معَهُم كأحَدِهم، وقد تَقدَّمَ بَيانُه في قِسمِ قَتلِ الخَطأِ.
تَغليظُ الدِّيةِ في شِبهِ العَمدِ:
اتَّفقَ كلُّ مَنْ قالَ بالدِّيةِ في قَتلِ شِبهِ العَمدِ أنها مُغلَّظةٌ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «ألَا إنَّ قَتيلَ الخَطإِ شِبهِ العَمدِ قَتيلَ السَّوطِ والعَصا دِيَةٌ مُغلَّظةٌ منها أربَعونَ في بُطونِها أولادُها» (٢).
إلا أنهُم اختَلفُوا في كَيفيةِ تَغليظِها:
стр. 13135
فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلة في رِوايةٍ والإمامُ مُحمدُ بنُ الحَسنِ إلى أنَّ ديَةَ شِبهِ العَمدِ تَكونُ أثلاثًا: ثَلاثونَ حِقةً وثَلاثونَ جَذعةً وأربَعونَ ثَنيةً حامِلاتٍ في بُطونِها أولادُها، يعني الأربعين. لقَولِ النبي ﷺ : «ألَا إنَّ قَتيلَ الخَطإِ شِبهِ العَمدِ قَتيلَ السَّوطِ والعَصا دِيَةٌ مُغلَّظةٌ منها أربَعونَ في بُطونِها أولادُها» (١).
وعن عَمرِو بنِ العاصِ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ قتَلَ مُؤمِنًا مُتعمِّدًا فإنه يُدفعُ إلى أولِياءِ القَتيلِ، فإنْ شاؤُوا قَتَلوا وإنْ شاؤُوا أخَذُوا الدِّيةَ، وهِي ثَلاثونَ حِقةٌ وثَلاثونَ جَذعةٌ وأَربعونَ خَلفةً، فذلكَ عَقلُ العَمدِ، وما صالَحُوا عليهِ مِنْ شَيءٍ فهو لهُم، وذلكَ شَديدُ العَقلِ، وعَقلُ شِبهِ العَمدِ مُغلَّظةٌ مثلَ عَقلِ العَمدِ ولا يُقتلُ صاحِبُه» (٢).
وفي رِوايةٍ: «عَقلُ شبْهِ العَمْدِ مغَلَّظٌ مثْلُ عَقلِ العَمْدِ ولا يقْتَلُ صَاحِبهُ» (٣)(٤).
стр. 13136
وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنها مِائةٌ مِنْ الإبلِ أرباعًا: خَمسٌ وعِشرُونَ بنتَ مَخاضٍ -هي التي طعَنَتْ في السَّنةِ الثانِيةِ- وخَمسٌ وعِشرونَ بنتَ لَبونٍ -هيَ التي طعَنَتْ في السَّنةِ الثالِثةِ- وخَمسٌ وعِشرونَ حِقَّةً -هي التي طعَنَتْ في السَّنةِ الرابِعةِ- وخَمسٌ وعِشرونَ جَذعةً -هي التي طعَنَتْ في السَّنةِ الخامِسةِ.
ولا يَثبتُ التَّغليظُ إلا في الإبلِ خاصَّةً؛ لأنَّ الصحابةَ ﵃ لم يُثبِتوهُ إلا فيها، فإنْ قُضيَ بالدِّيةِ مِنْ غَيرِ الإبلِ لم تَتغلَّظْ، حتى إنَّه لا يُزادُ في الفضَّةِ على عَشرةِ آلافٍ، ولا في الذَّهبِ على ألفِ دِينارٍ (١).
وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأما دِيةُ شِبهِ العَمدِ فقالَ أحمَدُ وأبو حَنيفةَ: هي مِثلُ ديَةِ العَمدِ المَحضِ.
واختَلفتِ الرِّوايةُ عن مالِكٍ، فرُويَ عنه رِوايتانِ: إحداهُما: نَفيُها على الإطلاقِ، والأخرَى: إثباتُها في مِثلِ قَتلِ الأبِ ابنَه على وَجهِ الشبَهِ دونَ العَمدِ، وديَةُ ذلكَ عندَه أثلاثًا: ثَلاثونَ حقَّةً وثَلاثونَ جَذعةً وأربَعونَ خِلفةً في بُطونِها أولادُها.
وقالَ الشافِعيُّ: دِيتُها ثَلاثونَ حقَّةً وثَلاثونَ جَذعةً وأربَعونَ خَلفةً وهي الحوامِلُ (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الإبلَ أصلٌ في الدِّيةِ، وأنَّ ديَةَ الحُرِّ المُسلمِ مِائةٌ مِنْ الإبلِ (١).
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: إجماعُهم أنَّ على أهلِ الإبلِ في ديَةِ النَّفسِ إذا أُتلفَتْ خَطأً مِائةً مِنْ الإبلِ، لا خِلافَ بينَ عُلماءِ المُسلمينَ في ذلكَ، ولا يَختلفونَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ جعَلَها كذلكَ (٢).
وقالَ أيضًا ﵀: أجمَعُوا أنَّ الدِّيةَ مِائةٌ مِنْ الإبلِ لا يُزادُ عليهَا، وأنها الدِّيةُ التي قَضَى رَسولُ اللهِ ﷺ بها (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ ديَةَ الحُرِّ المُسلمِ مِائةٌ مِنْ الإبلِ (٤).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: اتَّفقُوا على أنَّ ديَةَ الحُرِّ المُسلمِ على أهلِ الإبلِ مِائةٌ مِنْ الإبلِ (٥).
وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ الدِّيةَ على أهلِ البادِيةِ مِائةٌ مِنْ الابلِ في نَفسِ الحُرِّ المُسلمِ المَقتولِ خَطأً لا أكثَرَ ولا أقلَّ (٦).
стр. 13139
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: الواجِبُ مِنْ كلِّ جِنسٍ يَختلفُ بذُكورةِ المَقتولِ وأُنوثتِه، فإنْ كانَ ذكَرًا فلا خِلافَ في أنَّ الواجِبَ بقَتلِه مِنْ الإبلِ مِائةٌ؛ لقَولِه ﵊: «في النَّفسِ المُؤمنةِ مِائةٌ مِنْ الإبلِ»، ولا خِلافَ أيضًا في أنَّ الواجِبَ مِنْ الذَّهبِ ألفُ دِينارٍ (١).
وكذلكَ يَجبُ المِقدارُ السابِقُ بَيانُه مِنْ الذَّهبِ ألفُ دِينارٍ، ومِن الفِضةِ اثنَا عشَرَ ألفًا عندَ الجُمهورِ، وعَشرةُ آلافٍ عندَ الحَنفيةِ، وكذا البَقرُ والغَنمُ والحُلَلُ عندَ مَنْ يَقولُ بها.
ثانِيًا: ديَةُ المرأةِ الحُرَّةِ المسلِمةِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ ديَةَ الحُرَّةِ المُسلمةِ على النِّصفِ مِنْ ديَةِ الرَّجلِ.
قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: لم أعلَمْ مُخالِفًا مِنْ أهلِ العِلمِ قَديمًا ولا حَديثًا في أنَّ ديَةَ المَرأةِ نِصفُ ديَةِ الرَّجلِ، وذلكَ خَمسونَ مِنْ الإبلِ، فإذا قَضَى في المَرأةِ بدِيةٍ فهيَ خَمسونَ مِنْ الإبلِ، وإذا قُتلَتْ عَمدًا فاختارَ أهلُها ديَتَها فدِيتُها خَمسونَ مِنْ الإبلِ أسنانُها أسنانُ ديَةِ عَمدٍ، وسَواءٌ قتَلَها رَجلٌ أو نَفرٌ أو امرأةٌ لا يُزادُ في دِيتِها على خَمسينَ مِنْ الإبلِ، وجِراحُ المَرأةِ في دِيتِها كجِراحِ الرَّجلِ في ديَتِه لا تَختلفُ، ففي مُوضِحتِها نِصفُ ما في مُوضِحةِ الرَّجلِ، وفي جَميعِ جِراحِها بهذا الحِسابِ (٢).
стр. 13140
وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ ديَةَ المَرأةِ نِصفُ ديَةِ الرَّجلِ (١).
وقالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعُوا على أنَّ ديَةَ المَرأةِ نِصفُ ديَةِ الرَّجلِ، والقِياسُ على أنْ يكونَ جِراحُها كذلكَ إنْ لم تَثبتْ سُنةٌ يَجبُ التَّسليمُ لها (٢).
وقالَ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ الدِّيةَ على أهلِ البادِيةِ مِائةٌ مِنْ الابلِ في نَفسِ الحُرِّ المُسلمِ المَقتولِ خَطأً لا أكثَرَ ولا أقَلَّ، وأنَّ في نَفسِ الحُرةِ المُسلمةِ المَقتولةِ منهُم خَمسينَ مِنْ الابلِ، كلُّ ذلكَ ما لم يَكنِ المَقتولُ أو المَقتولةُ ذَوي رَحمٍ أو في الحَرمِ أو في الأشهُرِ الحُرمِ (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ ديَةَ المَرأةِ نِصفُ دِيةِ الرَّجلِ في النَّفسِ (٤).
وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: وديَةُ المَرأةِ نِصفُ دِيةِ الرَّجلِ، وهو قَولُ كافَّةِ العُلماءِ، إلا الأصَمَّ وابنَ عُليَّةَ فإنهُما قالَا: ديَتُها مثلُ ديَةِ الرَّجلِ.
دليلُنا: ما رَوى عَمرُو بنُ حَزمٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «ودِيَةُ المرأةِ نِصفُ دِيةِ الرَّجلِ» (٥).
стр. 13141
ورُويَ عن عُمرَ وعُثمانَ وعليٍّ وابنِ عُمرَ وابنِ عبَّاسٍ وابنِ مَسعودٍ وزَيدِ ابنِ ثابتِ ﵃ وأرضاهُم أنهم قالُوا: «ديَةُ المَرأةِ نِصفُ ديَةِ الرَّجلِ»، ولا مُخالفَ لهُم في الصَّحابةِ ﵃ أجمَعينَ، فدَلَّ على أنه إجماعٌ (١).
وقالَ الوزير ابن هُبيرةَ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ ديَةَ المَرأةِ الحُرةِ في نَفسِها على النِّصفِ مِنْ دِيةِ الرَّجلِ الحُرِّ المُسلمِ (٢).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وإنْ كانَ أُنثى فديَةُ المَرأةِ على النِّصفِ مِنْ ديَةِ الرَّجلِ؛ لإجماعِ الصَّحابةِ ﵃، فإنه رُويَ عن سيِّدِنا عُمرَ وسيِّدِنا عليٍّ وابنِ مَسعودٍ وزَيدِ بنِ ثابِتٍ رِضوانُ اللهِ تعالَى عليهِم أنهم قالوا في ديَةِ المَرأةِ أنها على النِّصفِ مِنْ دِيةِ الرجلِ، ولم يُنقلْ أنه أنكَرَ عليهِم أحَدٌ، فيكونُ إجماعًا.
ولأنَّ المَرأةَ في مِيراثِها وشَهادتِها على النِّصفِ مِنْ الرَّجلِ، فكَذلكَ في دِيتِها (٣).
جِراحُ المرأةِ على النِّصفِ مِنْ جِراحِ الرَّجلِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ أطرافِ المَرأةِ وجِراحاتِها، هل هي على النِّصفِ مِنْ جِراحِ الرَّجلِ مُطلَقًا؟ أم تُعاقِلُه إلى ثُلثِ الدِّيةِ -أرشُ المَأمومةِ والجائِفةِ- ثم تكونُ على النِّصفِ منه فيما زادَ؟
стр. 13142
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيُّ في القَديمِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المَرأةَ تُساوِي الرَّجلَ في الجِراحِ فيما دُونَ ثُلثِ الدِّيةِ، فإذا بلَغَتْ ثُلثَ الدِّيةِ كانَتْ على النِّصفِ مِنْ دِيةِ الرَّجلِ، وبه قالَ مِنْ الصَّحابةِ عُمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁، ومِن التابعِينَ سَعيدُ بنُ المُسيبِ والزُّهريُّ.
ففِي أصبعِها عَشرٌ مِنْ الإبلِ، وفي الإصبعَينِ عِشرونَ مِنْ الإبلِ، وفي الثَّلاثِ أصابعَ ثَلاثونَ، ولا نِزاعَ أنها فيما زادَ على الثُّلثِ على النِّصفِ، ففِي أربَعِ أصابعَ منها عِشرونَ، وفي يَدِها خَمسٌ وعِشرونَ.
وهيَ على النِّصفِ مِنْ ديَةِ الرَّجلِ مِنْ أهلِ دِينِها.
ورَوى الإمامُ مالكٌ عن رَبيعةَ بنِ أبي عبدِ الرَّحمنِ أنه قالَ: «سَألتُ سَعيدَ بنَ المُسيَّبِ: كم في أصبعِ المَرأةِ؟ فقالَ: عَشرٌ مِنْ الإبلِ، فقُلتُ: كم في أصبعَينِ؟ قالَ: عِشرونَ مِنْ الإبلِ، فقلتُ: كم في ثَلاثٍ؟ فقالَ: ثَلاثونَ مِنْ الإبلِ، فقلتُ: كم في أربَعٍ؟ قالَ: عِشرونَ مِنْ الإبلِ، فقلتُ: حِينَ عَظُمَ جُرحُها واشتَدَّتْ مُصيبتُها نقَصَ عَقلُها! فقالَ سَعيدٌ: أَعِراقيٌّ أنتَ؟! فقلتُ: بل عالِمٌ مُتثبِّتٌ أو جاهلٌ مُتعلِّمٌ، فقالَ سَعيدٌ: هي السُّنةُ يا ابنَ أخي» (١)، وهذا مُقتضَى سُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، ولأنَّ ما دُونَ الثُّلثِ يَستوِي فيه الذَّكرُ والأُنثى؛ بدَليلِ الجَنينِ فإنه يَستوِي فيه الذَّكرُ والأُنثى.
وعن عَمرِو بنِ شُعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه مَرفوعًا: «عَقلُ المَرأةِ مِثلُ عَقلِ الرَّجلِ حتى يَبلغَ الثُّلثَ مِنْ دِيتِها» (٢)، وهو نَصٌّ يُقدَّمُ على ما سِواهُ.
стр. 13143
ولأنه إتلافٌ لآدَميٍّ مُوجبُه نَقصٌ عن ثُلثِ الدِّيةِ، فوجَبَ مُساواةُ الأُنثى للذَّكرِ فيه، أصلُه ديَةُ الجَنينِ، ولأنَّ كُلَّ فَرضٍ مُقدَّرٍ مِنْ المالِ وجَبَ بالمَوتِ فإنَّ الأُنثى تُساوِي الذكَرَ في اليَسيرِ منه، أصلُه السُّدسُ في حَقِّ الأخوَةِ لأمٍّ.
والفَرقُ فيما دُونَ الثُّلثِ وما زادَ عليهِ أنَّ ما دُونَه قَليلٌ، فجُبِرتْ مُصيبةُ المَرأةِ فيه بمُساواتِها للرَّجلِ (١).
إلا أنَّ الحَنابلة اختَلفُوا في الثُّلثِ نَفسِه هل يَستويانِ فيه؟ على رِوايتينِ:
إحداهُما: يَستويانِ فيه؛ لأنه لم يُعتبَرْ حَدُّ القلَّةِ، ولهذا صحَّتِ الوَصيةُ به.
والرِّوايةُ الثانيةُ -وهي المَذهبُ-: يَختلفانِ، فيَجبُ في جائِفتِها سُدسُ ديَةِ الرَّجلِ؛ لأنَّ الثلثَ في حَدِّ الكَثرةِ؛ لقَولِه ﵇: «الثُّلثُ، والثُّلثُ كثيرٌ»، ولأنَّ العاقِلةَ تَحملُه، فدَلَّ على أنه يُخالِفُ ما دُونَه (٢).
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ -ورُويَ عن عَليٍّ وعبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ، وبه قالَ الثَّوريُّ واللَّيثُ وابنُ أبي لَيلَى وابنُ شُبرمةَ وأبو ثَورٍ،
стр. 13144
واختارُه ابنُ المُنذِرِ- إلى أنَّ المَرأةَ لا تُساوِي الرَّجلَ في شَيءٍ مِنْ الجِراحِ، بل جِراحُها على النِّصفِ مِنْ جِراحِه في القَليلِ والكَثيرِ؛ لأنها جِنايةٌ على حُرةٍ، فكانَ الواجِبُ فيها نِصفَ ما يَجبُ على الرَّجلِ الحُرِّ، أصلُه إذا زادَتْ على الثلثِ.
ولأنها جِنايةٌ لو زادَتْ على الثُّلثِ اعتُبِرتْ بالنَّفسِ، فإذا نقصَتْ مِنْ الثُّلثِ اعتُبِرتْ بالنَّفسِ كالجِنايةِ على الرَّجلِ، ولأنَّ زِيادةَ الجِنايةِ لها تَأثيرُ العَدمِ، وعندَهُم لو قطَعَ ثَلاثةَ أصابعَ مِنْ المَرأةِ وجَبَ لها ثَلاثونَ مِنْ الإبلِ، فإذا قطَعَ أربعًا وجَبَ عليهِ عِشرونَ، فيَصيرُ لزِيادةِ الجِنايةِ تَأثيرٌ في نُقصانِ الأرشِ، وهذا خِلافُ الأصولِ.
ولأنَّ نقْصَ الأُنوثةِ لمَّا منَعَ مِنْ مُساواةِ الرَّجلِ في ديَةِ النَّفسِ كانَ أَولى أنْ يَمنعَ مِنْ مُساواتِه فيما دونَها مِنْ ديَاتِ الأطرافِ والجِراحِ؛ لأنَّ ديَةَ النَّفسِ أغلَظُ؛ اعتِبارًا بالمُسلمِ مع الكافرِ، ولأنه لمَّا كانَ القِصاصُ فيما دُونَ النَّفسِ مُعتبَرًا بالقِصاصِ في النَّفسِ وجَبَ أنْ تَكونَ الدِّيةُ فيما دُونَ النَّفسِ مُعتبَرةً بديَةِ النَّفسِ، وهيَ فيه على النصفِ، فكذلكَ فيما دونَها.
ولأنهُما شَخصانِ تَختلفُ ديَتُهما، فاختَلفَ أرشُ أطرافِهما كالمُسلمِ والكافرِ، ولأنها جِنايةٌ لها أرشٌ مُقدَّرٌ، فكانَ مِنْ المرأةِ على النِّصفِ مِنْ الرَّجلِ كاليَدِ.
ولمَّا اتَّفقوا على أنَّ ما فوقَ الثلثِ على النِّصفِ فكذلكَ ما دونَه.
وأمَّا الجَوابُ عن حَديثِ عَمرِو بنِ شُعيبٍ فلَم يُسنِدْه؛ لأنَّ جَدَّه مُحمدَ
стр. 13145
بنَ عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ لا صُحبةَ له، وإنما يكونُ مُسنَدًا إذا رَواهُ عن جَدِّه عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو، ولأنه هو الصَّحابيُّ، وقد قالَ الشافِعيُّ: «لم أجِدْ له نَفاذًا» يعني: طَريقًا لصُحبتِه.
وأما المِيراثُ فقدْ تكونُ فيه على النِّصفِ مِنْ الرَّجلِ فيما نَقصَ مِنْ الثُّلثِ عندَ مُقاسمةِ الإخوَةِ، وإنما ساوَتْ ولَدَ الأمِّ لأنَّ الإدلاءَ فيه بالرَّحمِ الذي يُوجِبُ تَساويَ الذُّكورِ والإناثِ فيه كفَرضِ الأبوَينِ، فإنْ تَكنِ العلَّةُ فيه تَقديرَه بالثُّلثِ فلمْ يَجُزْ أنْ يَحصلَ اختِلافٌ (١).
قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: وعن إبراهيمَ عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ وعليِّ ابنِ أبي طالِبٍ ﵁ أنهُما قالَا: «عَقلُ المَرأةِ على النِّصفِ مِنْ ديَةِ الرَّجلِ في النَّفسِ وفيما دُونَها»، فقدِ اجتَمعَ عُمرُ وعليٌّ على هذا، فليسَ يَنبغِي أنْ يُؤخَذَ بغَيرِه، وممَّا يُستدَلُّ به على صَوابِ قَولِ عُمرَ وعليٍّ أنَّ المَرأةَ إذا قُطعَتْ أصبعُها خطَأً وجَبَ على قاطِعِها في قَولِ أهلِ المَدينةِ عُشرُ ديَةِ الرَّجلِ، فإنْ قطَعَ أصبعَينِ وجَبَ عليهِ عُشرَا الدِّيةِ، فإنْ قطَعَ ثَلاثَ أصابعَ وجَبَ عليهِ ثَلاثةُ أعشارِ الدِّيةِ، فإنْ قطَعَ أربعَ أصابعَ وجَبَ عليهِ عُشرَا الدِّيةِ، فإذا عَظُمَتِ الجِراحةُ قَلَّ العَقلُ.
قالَ الشافِعيُّ: القِياسُ الذي لا يَدفعُه أحَدٌ يَعقلُ ولا يُخطِئُ به أحَدٌ فيما نَرى أنَّ نفْسَ المَرأةِ إذا كانَ فيها مِنْ الدِّيةِ نِصفُ ديَةِ الرَّجلِ وفي يَدِها نِصفُ
стр. 13146
ما في يَدِه يَنبغي أنْ يَكونَ ما صَغُرَ مِنْ جِراحِها هكذا، فلما كانَ هذا مِنْ الأمورِ التي لا يَجوزُ لأحَدٍ أنْ يُخطئَ بها مِنْ جهةِ الرَّأيِ وكانَ ابنُ المُسيِّبِ يَقولُ: «في ثَلاثِ أصابعِ المَرأةِ ثَلاثونَ، وفي أربَعٍ عِشرونَ» ويقالَ له: «حينَ عَظُمَ جُرحُها نَقصَ عَقلُها! فيَقولُ: هي السُّنةُ» وكانَ يَروِي عن زَيدِ بنِ ثابتٍ أنَّ المَرأةَ تُعاقِلُ الرَّجلَ إلى ثُلثِ ديَةِ الرَّجلِ ثم تكونُ على النِّصفِ مِنْ عَقلِه؛ لم يَجُزْ أنْ يُخطئَ أحَدٌ هذا الخَطأَ مِنْ جِهةِ الرَّأيِ؛ لأنَّ الخَطأَ إنما يَكونُ مِنْ جِهةِ الرَّأيِ فيما يُمكِنُ مِثلُه، فيكونُ رَأيٌ أصَحَّ مِنْ رأيٍ، فأما هذا فلا أحسَبُ أحَدًا يُخطِئُ بمِثلِه إلا اتِّباعًا لمَن لا يُجوِّزُ خِلافَه عندَه، فلمَّا قالَ ابنُ المُسيِّبِ: «هي السُّنةُ» أشبَهَ أنْ يكونَ عن النبيِّ ﷺ أو عن عامَّةٍ مِنْ أصحابِه، ولم يُشبهْ زَيدٌ أنْ يَقولَ هذا مِنْ جِهةِ الرَّأيِ؛ لأنه لا يَحتملُه الرأيُ.
فإنْ قالَ قائلٌ: فقدْ يُروَى عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ خِلافُه.
قيلَ: فلا يَثبتُ عن عَليٍّ ولا عن عُمرَ، ولو ثبَتَ كانَ يُشبهُ أنْ يكونَا قالَاهُ مِنْ جِهةِ الرأيِ الذي لا يَنبغي لأحَدٍ أنْ يَقولَ غيرَه، فلا يكونُ قِلةَ عِلمٍ مِنْ قِبلِ أنَّ كلَّ أحَدٍ يَعقلُ ما قالَا إذا كانَتِ النفسُ على نِصفِ عَقلِ نفسِه واليَدُ كانَ كذلكَ ما دونَهما، ولا يَكونُ فيما قالَ سَعيدٌ السُّنةُ إذا كانَتْ تُخالِفُ القِياسِ والعَقلَ، إلا عن عِلمِ اتِّباعٍ فيما نَرَى، واللهُ تعالَى أعلَمُ.
وقد كُنَّا نقولُ به على هذا المعنَى، ثم وقَفْتُ عنه، وأسأَلُ اللهَ تعالَى الخِيرةَ مِنْ قِبلِ أنَّا قد نَجِدُ منهُم مَنْ يَقولُ: «السُّنةُ» ثمَّ لا نَجدُ لقَولِه: «السُّنة»
стр. 13147
نَفاذًا بأنها عن النبيِّ ﷺ ، فالقِياسُ أَولى بنا فيها على النِّصفِ مِنْ عَقلِ الرَّجلِ، ولا يَثبتُ عن زَيدٍ كثُبوتِه عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁، واللهُ تعالَى أعلَمُ (١).
وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: اختَلفُوا هل تُساوِي المَرأةُ الرَّجلَ في الجِراحِ إلى ثُلثِ الدِّيةِ؟
فقالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ في الجَديدِ: لا تُساويهِ في شَيءٍ مِنْ الجِراحِ، بل جِراحُها على النِّصفِ مِنْ جِراحِه في القَليلِ والكَثيرِ.
وقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ في القَديمِ وأحمَدُ في إحدَى رِوايتَيهِ: تُساوِي المَرأةُ الرَّجلَ في الجِراحِ فيما دُونَ ثُلثِ الدِّيةِ، فإذا بلَغَتْ ثُلثَ الدِّيةِ كانَتْ على النِّصفِ مِنْ ديَةِ الرَّجلِ.
وقالَ أحمَدُ في الرِّوايةِ الأُخرى -وهي أظهَرُ رِوايتَيهِ واختارَها الخِرقيُّ-: تُساوِي المَرأةُ الرَّجلَ في ارشِ الجِراحِ إلى ثُلثِ الدِّيةِ، فإذا زادَتْ على الثُّلثِ فهي على النِّصفِ مِنْ الرَّجلِ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واختَلفُوا في ديَاتِ الشِّجاجِ وأعضائِها، فقالَ جُمهورُ فُقهاءِ المَدينةِ: تُساوِي المَرأةُ الرَّجلَ في عَقلِها مِنْ الشِّجاجِ والأعضاءِ إلى أنْ تَبلغَ ثُلثَ الدِّيةِ، فإذا بلَغَتْ ثُلثَ الدِّيةِ عادَتْ دِيتِها إلى النِّصفِ مِنْ دِيةِ الرَّجلِ، أعني ديَةَ أعضائِها مِنْ أعضائِه، مِثالُ ذلكَ: أنَّ في
стр. 13148
كُلِّ أصبعٍ مِنْ أصابعِها عَشرًا مِنْ الإبلِ، وفي اثنانِ مِنها عُشرونَ، وفي ثَلاثةٍ ثَلاثونَ، وفي أربَعةٍ عِشرونَ، وبه قالَ مالكٌ وأصحابُه والليثُ بنُ سعدٍ، ورواهُ مالكٌ عن سعيدِ بنِ المسيبِ وعن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ، وهو قولُ زَيدِ بنِ ثابتٍ ومَذهبُ عُمرَ بنِ عبدِ العزيزِ.
وقالَتْ طائِفةٌ: بل ديَةُ جِراحةِ المَرأةِ مثلُ ديَةِ جِراحةِ الرَّجلِ إلى المُوضِحةِ، ثم تكونُ دِيتُها على النِّصفِ مِنْ ديةِ الرَّجلِ، وهو الأشهَرُ مِنْ قَولَي ابنِ مَسعودٍ، وهو مَرويٌّ عن عُثمانَ، وبه قالَ شُريحٌ وجَماعةٌ.
وقالَ قَومٌ: بل ديَةُ المَرأةِ في جِراحِها وأطرافِها على النِّصفِ مِنْ ديَةِ الرَّجلِ في قَليلِ ذلكَ وكَثيرِه، وهو قَولُ عليٍّ ﵁، ورُويَ ذلكَ عن ابنِ مَسعودٍ، إلا أنَّ الأشهَرَ عنه ما ذكَرْناهُ أولًا، وبهذا القَولِ قالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ والثوريُّ.
وعُمدةُ قائِلِ هذا القَولِ أنَّ الأصلَ هو أنَّ ديَةَ المَرأةِ نِصفُ ديَةِ الرَّجلِ، فواجِبٌ التمسُّكُ بهذا الأصلِ حتى يأتِيَ دَليلٌ مِنْ السَّماعِ الثابتِ؛ إذ القِياسُ في الدِّياتِ لا يَجوزُ، وبخِاصةٍ لكَونِ القَولِ بالفرقِ بينَ القليلِ والكثيرِ مُخالِفًا للقياسِ، ولذلكَ قالَ رَبيعةُ لسَعيدٍ ما يَأتي ذِكرُه عنه، ولا اعتِمادَ للطائِفةِ الأُولى إلا مَراسيلَ وما رُويَ عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ حينَ سَألَه رَبيعةُ بنُ أبي عبدِ الرَّحمنِ: «كم في أربعٍ مِنْ أصابعِها؟ قالَ: عِشرونَ، قلتُ: حينَ عَظُمَ جُرحُها واشتَدتْ بَليَّتُها نقَصَ عَقلُها! قالَ: أَعِراقيٌّ أنتَ؟! قلتُ: بل عالِمٌ مُتثبِّتٌ أو جاهلٌ مُتعلِّمٌ، قالَ: هي السُّنةُ».
стр. 13149
ورُويَ أيضًا عن النبيِّ ﵊ مِنْ مُرسَلِ عَمرِو بنِ شُعيبٍ عن أبيهِ وعِكرمةَ.
وقد رَأى قَومٌ أنَّ قولَ الصحابيِّ إذا خالَفَ القِياسَ وجَبَ العَملُ به؛ لأنه يُعلَمُ أنه لم يَتركِ القَولَ به إلا عن تَوقيفٍ، لكنْ في هذا ضَعفٌ؛ إذ كانَ يُمكِنُ أنْ يَتركَ القولَ به إما لأنه لا يرَى القياسَ، وإما لأنه عارَضَه في ذلكَ قياسٌ ثانٍ أو قلَّدَ في ذلكَ غيرَه، فهذه حالُ ديَاتِ جِراحِ الأحرارِ والجِناياتِ على أعضائِها الذُّكورِ منها والإناثِ (١).
ثالِثًا: ديَةُ الخُنثىَ المشكِلِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في ديَةِ الخُنثَى المُشكِلِ الذي لم يَتبينْ بعدُ هل هو ذكَرٌ أم أُنثى إذا جُنِيَ عليهِ، هل تكونُ مثلَ ديَةِ المَرأةِ؟ أم تكونُ نِصفَ ديَةِ ذَكرٍ ونصفَ دِيةِ أُنثى؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ ديَةَ الخُنثَى المُشكِلِ إذا قُتلَ خَطأً وجبَتْ دِيةُ المَرأةِ، ويُوقَفُ الباقي إلى التَّبيينِ، وكذا فيما دُونَ النَّفسِ (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ ديَةَ الخُنثَى المُشكِلِ نَفسُ ديَةِ المَرأةِ؛ لأنه يَقينٌ، وما زادَ مَشكوكٌ فيهِ، فلا تَجبُ بالشكِّ (٣).
стр. 13150
وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ ديَةَ الخُنثَى المُشكِلِ نِصفُ ديَةِ ذَكرٍ ونِصفُ ديَةِ أُنثى، وذلكَ ثَلاثةُ أرباعِ ديَةِ الذَّكرِ؛ لأنه يَحتملُ الذُّكوريةَ والأُنوثيةَ احتِمالًا على السَّواءِ، فيَجبُ التوسُّطُ بينَهُما كالمِيراثِ، والحُكمُ في جِراحِه كالحُكمِ في دِيتِه، فإنْ كانَتْ دونَ الثُّلثِ استَوى الذَّكرُ والأُنثى، وفيما زادَ ثَلاثةُ أرباعِ ديَةِ حُرٍّ ذَكرٍ (١).
رابعًا: ديَةُ الكِتابيِّ والمجُوسيِّ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في ديةِ الكِتابيِّ اليَهوديِّ أو النصرانِيِّ والمَجوسيِّ، هل هيَ كدِيَةِ المُسلمِ؟ أم على النِّصفِ مِنْ ديَةِ المُسلمِ؟ أم على الثُّلثِ مِنْ دِيةِ المُسلمِ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ ديَةَ الكِتابيِّ اليَهوديِّ أو النصرانِيِّ والمَجوسيِّ مِنْ أهلِ الذمَّةِ وكذا المُستأمنُ نَفسُ ديَةِ المُسلمِ مِائةٌ مِنْ الإبلِ، رِجالُهم كرِجالِهم ونِساؤُهم كنِسائِهم، وكذلكَ جِراحاتُهم وجِناياتُهم بينَهُم، وما دُونَ النَّفسِ في ذلكَ سَواءٌ، فإنْ كانَتْ لهُم مَعاقلُ يَتعاقلونَ على عَواقلِهم، وإنْ لم يَكنْ لهم مَعاقِلُ ففِي مالِ الجاني؛ وهذا لأنهُم بعَقدِ الذمَّةِ التَزمُوا أحكامَ الإسلامِ فيما يَرجعُ إلى المُعاملاتِ، فيَثبتُ فيما بينَهُم مِنْ الحُكمِ ما هو ثابِتٌ بينَ المُسلمينَ، ودِيتُهم مثلُ ديَةِ أحرارِ المُسلمينَ.
ولأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ
стр. 13151
فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾، أطلَقَ اللهُ القَولَ بالدِّيةِ في جَميعِ أنواعِ القَتلِ مِنْ غيرِ فصلٍ، فدَلَّ أنَّ الواجِبَ في الكلِّ على قَدرٍ واحِدٍ.
ولِما رَواهُ سَعيدُ بنُ المُسيبِ عن النبيِّ ﷺ : «دِيةُ كلِّ ذِي عَهدٍ في عَهدِه ألفُ دِينارٍ» (١).
ورُويَ «أنَّ عَمرَو بنَ أميَّةَ الضَّمريِّ قتَلَ مُستأمنَينِ فقَضى رَسولُ اللهِ ﷺ فيهِما بديَةِ حُرَّينِ مُسلمَينِ».
وعن الزُّهريِّ ﵀ أنه قالَ: «قضَى سيِّدُنا أبو بَكرٍ وسَيدُنا عُمرُ ﵁ في ديَةِ الذمِّيِّ بمثلِ ديَةِ المُسلمِ»، ومِثلُه لا يكذبُ.
وكذا رُويَ عن ابنِ مَسعودٍ ﵁ أنه قالَ: «ديَةُ أهلِ الكِتابِ مثلُ دِيةِ المُسلمينَ».
ولأنَّ وُجوبَ كمالِ الدِّيةِ يَعتمدُ كمالَ حالِ القَتيلِ فيما يَرجعُ إلى أحكامِ الدُّنيا، وهي الذُّكورةُ والحُريةُ والعِصمةُ، وقد وُجدَ، ونُقصانُ الكُفرِ لا يُؤثِّرُ في أحكامِ الدُّنيا (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أن دِيةَ الكِتابيِّ الذِّميِّ والمُستأمنِ نِصفُ دِيةِ الحُرِّ المُسلمِ؛ لِما رَواهُ أبو داودَ عن عَمرِو بنِ شُعيبٍ
стр. 13152
عن أبيه عن جَدِّه عن النبيِّ ﷺ قالَ: «دِيةُ المُعاهدِ نِصفُ دِيةِ الحُرِّ المُسلمِ» (١).
وفي لَفظٍ: «دِيةُ عَقلِ الكافِرِ نِصفُ دِيةِ عَقلِ المُؤمِنِ» (٢).
وفي لَفظِ أحمَدَ: «دِيةُ الكافرِ نِصفُ ديَةِ المُسلمِ» (٣).
وفي لَفظٍ: «أنَّ النبيَّ ﷺ قَضَى أنَّ عَقْلَ أهلِ الكِتابِ نصفُ عَقلِ المُسلمِينَ، وهُم اليَهودُ والنَّصارَى» (٤).
قالَ الخطَّابيُّ (٥): ليسَ في ديَةِ أهلِ الكِتابِ شَيءٌ أبيَنُ مِنْ هذا، ولا بأسَ بإسنادِه.
ولأنه نَقصٌ مُؤثِّرٌ في الدِّيةِ، فأثَّرَ في تَنصيفِها كالأُنوثةِ؛ لأنَّ النِّساءَ لمَّا كانَتْ حُرمَتُهنَّ أخفَضَ مِنْ حُرمةِ الرجالِ نقَصَتْ ديَاتُهنَّ عن ديَاتِ الرِّجالِ، والكافرُ أخفَضُ حُرمةً مِنْ المُسلمِ؛ للنَّقصِ المانعِ مِنْ قَبولِ شَهادتِه ومُوارَثتِه ونكاحِه المُسلماتِ والإسهامِ له في الغَنيمةِ وغيرِ ذلكَ، فلذلكَ يَجبُ أنْ يَنقصَ عنه في الدِّيةِ، ولأنها بَدلٌ عن النَّفسِ، فكانَ الكفرُ مُؤثرًا في نُقصانِه.
стр. 13153
ودِيةُ المَجوسيِّ المُعاهَدِ ثُلثُ خُمسٍ، خَطأً وعَمدًا، فيَكونُ مِنْ الذَّهبِ سِتةٌ وسِتونَ دِينارًا وثُلثَا دِينارٍ، ومِن الوَرِقِ ثَمانُمائةِ دِرهمٍ، ومِن الإبلِ سِتةُ أبعِرةِ وثُلثَا بَعيرٍ، وكذا المُرتدُّ عندَ المالِكيةِ.
وقالَ الحَنابلةُ: المُرتدُّ والحَربيُّ لا ديَةَ لهُما؛ لعَدمِ العِصمةِ فيهما.
ودِيةُ أُنثى كلٍّ مِنْ ذلكَ نِصفُه، فدِيَةُ الحُرةِ المُسلمةِ مِنْ الإبلِ خَمسونَ وهكذا، ودِيةُ المَجوسيةِ والمُرتدَّةِ أربعُمِائةِ دِرهمٍ وهكذا (١).
إلا أنَّ عندَ الحَنابلةِ تُغلَّظُ عليهِ الدِّيةُ إذا قتَلَه عَمدًا، قالَ ابنُ قُدامةَ: مَسألةٌ: قالَ: فإنْ قَتَلوهُ عَمدًا أُضعِفَتِ الدِّيةُ على قاتلِه المُسلمِ؛ لإزالةِ القَودِ.
هكذا حكَمَ عُثمانُ بنُ عفَّانَ ﵁، هذا يُروَى عن عُثمانَ رواهُ أحمَدُ عن عبدِ الرزاقِ عن مَعمرٍ عن الزُّهريِّ عن سالمٍ عن أبيه «أنَّ رَجلًا قتَلَ رَجلًا مِنْ أهلِ الذِّمةِ، فرُفعَ إلى عُثمانَ فلَم يَقتلْه وغلَّظَ عليهِ ألفَ دِينارٍ» فصارَ إليه أحمَدُ اتِّباعًا له، وله نَظائرُ في مَذهبِه؛ فإنَّه أوجَبَ على الأعوَرِ لمَّا قلَعَ عينَ الصَّحيحِ ديَةً كامِلةً حينَ درَأَ القِصاصَ عنه، وأوجَبَ على سارقِ
стр. 13154
التَّمرِ مِثلَي قِيمتِه حينَ درَأَ عنه القَطعَ، وهذا حكَمَ النبيُّ ﷺ في سارقِ التَّمرِ، فيَثبتُ مثلُه هاهُنا، ولو كانَ القاتلُ ذِميًّا أو قتَلَ ذِميٌّ مُسلمًا لم تُضعَّفِ الدِّيةُ عليهِ؛ لأنَّ القِصاصَ عليهِ واجِبٌ في المَوضعينِ، وجُمهورُ أهلِ العِلمِ على أنَّ ديَةَ الذِّميِّ لا تُضاعَفُ بالعَمدِ؛ لعُمومِ الأثَرِ فيها، ولأنها ديةٌ واجبةٌ، فلَم تضاعَفْ كدِيَةِ المُسلمِ، أو كما لو كانَ القاتلُ ذِميًّا، ولا فرْقَ في الدِّيةِ بينَ الذِّميِّ وبينَ المُستأمنِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهُما كِتابيٌّ مَعصومُ الدمِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ وأحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ ديَةَ اليَهوديٌّ والنصرانِيٌّ والمُعاهَدٌ والمُستأمَنٌ دِيةُ كلٍّ مِنهمْ إذا كانَ مَعصومًا تَحلُّ مُناكَحتُه ثُلثُ دِيةِ مُسلمٍ نَفسًا؛ لِما رُويَ عن عُبادةَ بنِ الصامِتِ مَرفوعًا: «قضَى النبيُّ ﷺ أنَّ ديَةَ اليَهوديِّ والنَّصرانِيِّ أربَعةُ آلافِ دِرهمٍ» (٢).
وعن سَعيدِ بنِ المُسيبِ قالَ: قالَ عُمرُ ﵁: «دِيةُ اليَهوديِّ والنَّصرانِيِّ أربَعةُ آلافٍ، والمَجوسيِّ ثَمانُمِائةٍ» (٣).
والمَجوسيُّ والوَثنيُّ المُؤمَّنُ -أي: الداخِلُ بأمانٍ إلى دارِ الإسلامِ- دِيتُه أخَسُّ الدِّياتِ، وهي ثُلثَا عُشرِ دِيةِ مُسلمٍ، ففيهِ عندَ التَّغليظِ حِقَّتانِ وجَذعتانِ وخَلِفتانِ وثُلثَا خَلِفةٍ، وعندَ التَّخفيفِ بَعيرٌ وثُلثٌ مِنْ كلِّ سِنٍّ.
стр. 13155
والمَعنى في ذلكَ أنَّ في اليَهوديِّ والنَّصرانِيِّ خَمسَ فَضائلَ، وهي حُصولُ كِتابٍ ودِينٍ كانَ حقًّا بالإجماعِ، وتَحلُّ مُناكَحتُهم وذَبائحُهم، ويُقَرُّونَ بالجِزيةِ، وليسَ للمَجوسيِّ مِنْ هذه الخَمسةِ إلَّا التَّقريرُ بالجِزيةِ، فكانَتْ دِيتُه مِنْ الخُمسِ مِنْ دِيةِ اليَهوديِّ والنَّصرانِيِّ (١).
قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلفُوا في دِيةِ الكِتابيِّ اليَهوديِّ والنصرانِيِّ.
فقالَ أبو حَنيفةَ: ديَتُه مثلُ ديَةِ المُسلمِ في العَمدِ والخَطأِ سَواءً، ولم يُفرِّقْ بينَهُما.
وقالَ مالِكٌ: دِيةُ اليَهوديِّ والنصرانِيِّ نِصفُ ديَةِ المُسلمِ في العَمدِ والخَطأِ، ولم يُفرِّقْ.
وقالَ الشافِعيُّ: ديَةُ اليَهوديِّ والنَّصرانِيِّ ثُلثُ ديَةِ المُسلمِ في العَمدِ والخَطأِ، ولم يُفرِّقْ.
وقالَ أحمَدُ: دِيةُ اليَهوديِّ والنَّصراني إذا كانَ له عَهدٌ وقتَلَه مُسلمٌ عَمدًا مثلُ ديَةِ المُسلمِ، وإنْ قتَلَه مُسلمٌ خطَأً أو قتَلَه مَنْ هو على دِينِه أو كِتابيٌّ عَمدًا وطَلَبوا الدِّيةَ ففيهِ عنه رِوايتانِ، إحداهُما: ثُلثُ ديَةِ المُسلمِ، والثانيةُ: نصفُ ديةِ المُسلمِ، وهي اختيارُ الخِرَقيِّ (٢).
стр. 13156
خامِسًا: ديَةُ الكِتابيةِ والمجُوسيةِ:
اتَّفقَ أهلُ العِلمِ على أنَّ دِياتِ نِساءِ الكُفارِ على النِّصفِ مِنْ دِيَاتِهم، قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأمَّا دِياتُ نِسائِهم فعَلى النِّصفِ مِنْ دِياتِهم، لا نَعلمُ في هذا خِلافًا، قالَ ابنُ المُنذرِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ ديَةَ المَرأةِ نِصفُ دِيةِ الرَّجلِ، ولأنه لمَّا كانَ ديةُ نِساءِ المُسلمينَ على النِّصفِ مِنْ دِياتِهم؛ كذلكَ نِساءُ أهلِ الكتابِ على النِّصفِ مِنْ دِياتِهم.
فَصلٌ: وجِراحاتُهم مِنْ ديَاتِهم كجِراحِ المُسلمينَ مِنْ دِياتِهم، وتُغلَّظُ دِياتُهم باجتماعِ الحُرماتِ عندَ مَنْ يَرَى تَغليظَ ديَاتِ المُسلمينَ.
قالَ حَربٌ: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ: فإنْ قتَلَ ذِميًّا في الحَرمِ؟ قالَ: يُزادُ أيضًا على قَدرِه كما يُزادُ على المُسلمِ، وقالَ الأثرَمُ: قيلَ لأبي عَبدِ اللهِ: جنَى على مُجوسيٍّ في عَينِه وفي يَدِه؟ قالَ: يكونُ بحِسابِ دِيتِه كما أنَّ المُسلمَ يُؤخَذُ بالحِسابِ، فكذلكَ هذا، قيلَ: قطَعَ يَدَه؟ قالَ: بالنِّصفِ مِنْ دِيتِه (١).
سادِسًا: دِيةُ الجَنينِ:
المَرأةُ إذا كانَتْ حامِلًا فضرَبَها شَخصٌ أو أخافَها فأجهَضَتْ أو ألقَتْ جَنينَها فلا يَخلُو حالُها مِنْ حالتَينِ: إمَّا أنْ تُلقيَه مَيتًا، أو أنْ تَلقيَه حيًّا.
الحالَةُ الأُولى: أنْ تُلقيَ الجَنينَ مَيتًا (سَواءً بفِعلِها أم بفِعلِ غيرِها):
إذا ألقَتِ المَرأةُ الجَنينَ مَيتًا ذكَرًا أو أُنثى فعَلى الجاني دِيةُ الجَنينِ، وهي غُرَّةٌ -عَبدٌ أو أمَةٌ- أو خَمسٌ مِنْ الإبلِ، لحَديثِ أبي هُريرةَ ﵁: قالَ:
стр. 13157
«اقتَتلَتِ امرَأتانِ مِنْ هُذيلٍ، فرَمَتْ إحداهُما الأُخرى بحَجرٍ، فقتَلَتْها وما في بَطنِها، فقَضَى النبيُّ ﷺ أنَّ دِيةَ جَنينها عَبدٌ أو وَليدةٌ، وقَضَى بدِيةِ المَرأةِ على عاقلتِها» (١).
و «لأنه ﷺ لمَّا سُئلَ عن المَرأةِ التي ضرَبَتْ ضرَّتَها بعَمودِ فُسطاطٍ فقتَلَتْها وجَنينَها، فقضَى في الجَنينِ بغُرةٍ، وقَضَى بالديَةِ على عاقِلتِها» (٢).
وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على هذا، قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ على الضارِبِ بطْنَ المَرأةِ فتَطرحُ جَنينًا مَيتًا لوَقتِه الغُرةُ (٣).
وقالَ: ثبَتَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ حكَمَ في الجَنينِ بغُرةٍ عَبدٍ، وبه قالَ عَوامُّ أهلِ العِلمِ.
وأجمَعَ كلُّ مَنْ أحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ أنه يَجبُ على الضارِبِ بطْنَ المَرأةِ مع الغُرَّةِ الرَّقبةُ.
وفي جَنينِ اليَهوديةِ والنَّصرانيةِ عُشرُ دِيةِ أمِّه، وبه قالَ جَماعةٌ مِنْ الفُقهاءِ، ولم أحفَظْ فيه مِنْ خِلافِ قَولِهم.
وإنْ لم تُلْقِه وماتَ في جَوفِها ولم يَخرجْ فلا شَيءَ فيهِ ولا حُكمَ له، وهو أيضًا إجماعٌ لا خِلافَ فيه.
стр. 13158
وجَماعةُ فُقهاءِ الأمصارِ يَقولونَ في المَرأةِ إذا ماتَتْ مِنْ ضَربةِ بَطنِها ثم خرَجَ الجَنينُ مَيتًا بعدَ مَوتها أنه لا يُحكَمُ فيه بشَيءٍ، وأنه هَدرٌ إذا ألقَتْه بعدَ مَوتِها، إلا الليثَ وداودَ فإنهُما قالَا: إذا ضرَبَ بطن امرأةٍ وهيَ حيَّةٌ فألقَتْ جَنينًا مَيتًا ففيهِ الغُرةُ، وسَواءٌ ألقَتْه بعدَ مَوتِها أو قبلَ مَوتِها.
وسائرُ الفُقهاءِ يَقولونَ: إذا عُلِمتْ حَياتَه بحَركةٍ أو عُطاسٍ أو استِهلالٍ أو بغيرِ ذلكَ ممَّا يُستيقَنُ به حَياتُه ثم ماتَ ففيهِ الدِّيةُ كامِلةً.
واتَّفقَ الجَميعُ على أنَّ الضارِبَ العامِدَ لضَربِ بَطنِ المرأةِ لو ألقَتْ جَنينًا مَيتًا أنه لا يَجبُ عليهِ قَودٌ ولا دِيةٌ (١).
وقالَ الإمامُ أبو عُمرَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ أنَّ الغُرةَ تَجبُ في الجَنينِ الذي يَسقطُ مِنْ بَطنِ أمِّه مَيتًا وهي حَيةٌ في حينِ سُقوطِه، وأنَّ الذكَرَ والأُنثى في ذلكَ سواءٌ، في كلِّ واحدٍ منهُما الغُرةُ (٢).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: واتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ ديَةَ الجَنينِ هي الغُرةُ، سَواءٌ كانَ الجَنينُ ذكَرًا أو أُنثى، قالَ العُلماءُ: وإنما كانَ كذلكَ لأنه قد يَخفَى فيَكثرُ فيه النِّزاعُ، فضبَطَه الشرعُ بضابطٍ يَقطعُ النزاعَ، وسَواءٌ كانَ خَلقُه كامِلَ الأعضاءِ أم ناقِصَها، أو كانَ مُضغةً تَصوَّرَ فيها خَلقُ آدَميٍّ، ففي كلِّ ذلكَ الغُرةُ بالإجماعِ (٣).
стр. 13159
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مسألة: قال: (وإذا شَربَتِ الحامِلُ دَواءً فألقَتْ به جَنينًا فعَليها غُرةٌ لا تَرثُ منها شَيئًا وتُعتِقُ رَقبةً).
ليسَ في هذهِ الجُملةِ اختِلافٌ بينَ أهلِ العِلمِ نَعلمُه، إلا ما كانَ مِنْ قولِ مَنْ لم يُوجِبْ عِتقَ الرقبةِ على ما قدَّمْنا؛ وذلكَ لأنها أسقَطَتِ الجَنينَ بفِعلِها وجِنايتِها، فلَزمَها ضَمانُه بالغُرةِ كما لو جنَى عليهِ غيرُها، ولا تَرثُ مِنْ الغُرةِ شَيئًا؛ لأنَّ القاتلَ لا يَرثُ المَقتولَ، وتكونُ الغُرةُ لسائرِ وَرثتِه، وعليهَا عِتقُ رَقبةٍ كما قدَّمْنا، ولو كانَ الجاني المُسقِطُ للجَنينِ أباهُ أو غيرَه مِنْ وَرثتِه فعَليهِ غُرةٌ لا يَرثُ منها شَيئًا ويُعتِقُ رقبةً، وهذا قولُ الزُّهريِّ والشافِعيِّ وغيرِهما (١).
وقالَ قبلَ ذلكَ: مَسألةٌ: قالَ: (وعلى كلِّ مَنْ ضرَبَ ممَّن ذَكرتُ عِتقُ رقبةٍ مُؤمنةٍ، سواءٌ كانَ الجَنينُ حيًّا أو مَيتًا).
هذا قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، منهُم الحَسنُ وعَطاءٌ والزُّهريُّ والحَكمُ ومالكٌ والشافِعيُّ وإسحاقُ، قالَ ابنُ المُنذرِ: كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ أوجَبَ على ضاربِ بَطنِ المَرأةِ تُلقي جَنينًا الرَّقبةَ مع الغُرةِ، ورُويَ ذلكَ عن عُمرَ ﵁، وقالَ أبو حَنيفةَ: لا تَجبُ الكفَّارةُ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يُوجِبِ الكفَّارةَ حينَ أوجَبَ الغُرةَ.
ولنا: قَولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وقالَ: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ
стр. 13160
مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، وهذا الجَنينُ إنْ كانَ مِنْ مُؤمنَينِ أو أحَدُ أبوَيهِ فهو مَحكومٌ بإيمانِه تَبعًا، يَرثُه وَرثتُه المُؤمنونَ ولا يَرثُ الكافرُ منه شَيئًا، وإنْ كانَ مِنْ أهلِ الذِّمةِ فهو مِنْ قَومٍ بينَنَا وبينَهُم مِيثاقٌ، ولأنه نَفسٌ مَضمونٌ بالدِّيةِ، فوجَبَتْ فيه الرقبةُ كالكبيرِ، وتَركُ ذِكرِ الكفَّارةِ لا يَمنعُ وُجوبَها، كقَولِه ﵇: «في النَّفسِ المُؤمنةِ مِائةٌ مِنْ الإبلِ»، وذكَرَ الدِّيةَ في مَواضعَ ولم يَذكرِ الكفَّارةَ، ولأنَّ النبيَّ ﷺ قضَى بدِيةِ المَقتولةِ على عاقِلةِ القاتلةِ ولم يَذكرْ كفَّارةً وهي واجِبةٌ، كذا هاهُنا، وإنما كانَ كذلكَ لأنَّ الآيةَ أغنَتْ عن ذِكرِ الكفَّارةِ في مَوضعٍ آخَرَ، فاكتُفيَ بها (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: فأما الأجِنَّةُ فإنهُم اتَّفقوا على أنَّ الواجِبَ في جَنينِ الحُرةِ وجَنينِ الأمَةِ مِنْ سيَّدِها هو غُرةٌ؛ لِما ثبَتَ عنه ﷺ مِنْ حَديثِ أبي هُريرةَ وغيرِه «أنَّ امرَأتينِ مِنْ هُذيلٍ رمَتْ إحداهُما الأخرَى فطرحَتْ جَنينَها، فقَضَى فيه رَسولُ اللهِ ﷺ بغُرةٍ عَبدٍ أو وَليدةٍ» (٢).
الحالةُ الثانيةُ: أنْ تُلقيَه حَيًّا ثم يَموت بسَببِ الجِنايةِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المَرأةَ إذا ضُرِبتْ فألقَتْ جَنينَها حَيًّا ثم ماتَ أنَّ فيه الدِّيةَ كاملةً.
стр. 13161
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعَ كلُّ مَنْ يُحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ في الجَنينِ يَسقطُ حَيًّا مِنْ الضربِ الدِّيةَ كاملةً.
وممَّا أجمَعُوا عليهِ أنَّ الجَنينَ إذا ضُربَ بَطنُ أمِّه فألقَتْه حَيًّا ثم ماتَ بقُربِ خُروجِه وعُلمَ أنَّ موتَه كانَ مِنْ الضَّربةِ وما فُعلَ به وبأمه ففيهِ الدِّيةُ كامِلةً، وأنه يُعتبَرُ في ذلكَ الذَّكرُ والأُنثى، وعلى هذا جَماعةُ فُقهاءِ الأمصارِ.
والعُلماءُ مُجمِعونَ على أنَّ الجَنينَ إذا خرَجَ عَقيبَ الضَّربةِ أو بسَببِها ثم ماتَ مكانَه أنَّ فيه الدِّيةَ كامِلةً، وإنْ لم يَمتْ مكانَه فالقَولِ قولُ العاقِلةِ أنه ماتَ مِنْ غيرِ جِنايةٍ (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: إذا انفَصلَ حيًّا ثم ماتَ فيَجبُ فيه كمالُ دِيةِ الكَبيرِ، فإنْ كانَ ذَكرًا وجَبَ مِائةُ بَعيرٍ، وإنْ كانَ أُنثى فخَمسونَ، وهذا مُجمعٌ عليهِ، وسَواءٌ في هذا كلِّه العَمدُ والخَطأُ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأما صِفةُ الجَنينِ الذي تَجبُ فيه فإنهُم اتَّفقوا على أنَّ مِنْ شُروطِه أنْ يَخرجَ الجَنينُ مَيتًا ولا تَموتَ أمُّه مِنْ الضَّربِ.
واختَلفُوا إذا ماتَتْ أمُّه مِنْ الضَّربِ ثم سقَطَ الجَنينُ مَيتًا، فقالَ الشافِعيُّ ومالكٌ: لا شَيءَ فيهِ، وقالَ أشهَبُ: فيه الغُرةُ، وبه قالَ الليثُ ورَبيعةُ والزُّهريُّ.
стр. 13162
واختَلفُوا مِنْ هذا البابِ في فُروعٍ، وهي العَلامةُ التي تَدلُّ على سُقوطِه حيًّا أو مَيتًا.
فذهَبَ مالِكٌ وأصحابُه إلى أنَّ عَلامةَ الحَياةِ الاستِهلالُ بالصياحِ أو البكاءِ، وقالَ الشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ والثوريُّ وأكثَرُ الفُقهاءِ: كلُّ ما عُلِمتْ به الحَياةُ في العادةِ مِنْ حَركةٍ أو عُطاسٍ أو تنفُّسٍ فأحكامُه أحكامُ الحيِّ، وهو الأظهَرُ (١).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: قَتلُ الجَنينِ في بَطنِ أمِّه وهو أنْ يُضربَ بَطنُ أمِّه فتُلقيهِ حيًّا ثم يَموتُ، فقالَ كافَّةُ العلماءِ: فيهِ الدِّيةُ كاملةً في الخَطأِ وفي العَمدِ بعدَ القَسامةِ، وقيلَ: بغيرِ قَسامةٍ.
واختَلفُوا فيما به تُعلَمُ حياتُه بعدَ اتفاقِهم على أنه إذا استَهلَّ صارخًا أو ارتَضعَ أو تَنفسَ نفَسًا مُحقَّقةً حيٌّ فيهِ الدِّية كامِلةً، فإنْ تحرَّكَ فقالَ الشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ: الحَركةُ تَدلُّ على حياتِه، وقالَ مالكٌ: لا، إلا أنْ يُقارِنَها طُولُ إقامةٍ، والذَّكرُ والأُنثى عندَ كافةِ العُلماءِ في الحُكمِ سَواءٌ، فإنْ ألقَتْه مَيتًا ففيهِ غُرةٌ عَبدٌ أو وَليدةٌ، فإنْ لم تُلقِه وماتَتْ وهو في جَوفِها لم يَخرجْ فلا شَيءَ فيهِ، وهذا كلُّه إجماعٌ لا خِلافَ فيه.
ورُويَ عن اللَّيثِ بنِ سَعدٍ وداودَ أنهُما قالَا في المَرأةِ إذا ماتَتْ مِنْ ضَربِ بطنِها ثم خرَجَ الجنينُ ميتًا بعدَ موتِها: ففيهِ الغُرةُ، وسواءٌ رمَتْه قبلَ موتِها أو بعد موتِها، المُعتبَرُ حياةُ أمِّه في وقتَ ضربِها لا غيرُ.
стр. 13163
وقالَ سائرُ الفُقهاءِ: لا شيءَ فيه إذا خرَجَ ميتًا مِنْ بطنِها بعدَ موتِها، قالَ الطحَاويُّ مُحتجًّا لجَماعةِ الفُقهاءِ بأنْ قالَ: قد أجمَعوا والليثُ معَهم على أنه لو ضرَبَ بطنَها وهي حَيةٌ فماتَتْ والجنينُ في بطنِها ولم يَسقطْ أنه لا شَيءَ فيهِ، فكذلكَ إذا سقَطَ بعد موتِها (١).
تَتعدَّدُ الغُرَّةُ بتعدُّدِ الأجِنَّةِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المَرأةَ إذا ضُربَتْ فأسقَطتْ أجِنَّةً أنه يَجبُ في كلِّ جَنينٍ غُرةٌ.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وإذا طرَحَتِ المَرأةُ أجِنَّةً مِنْ ضَربةٍ ضُربَتْها ففي كلِّ جَنينٍ غُرةٌ، ففِي الجَنينَينِ غُرَّتانِ، وفي الثلاثةِ ثلاثٌ، وهذا قولُ جَماعةٍ مِنْ الفُقهاءِ، ولم أحفَظْ فيه مِنْ غيرِهم خِلافَ قولِهم (٢).
وقالَ أيضًا: وأجمَعُوا أنَّ المَرأةَ إذا طرَحَتْ أجنَّةً مِنْ ضَربةٍ ضُربتْها ففي كلِّ جَنينٍ غُرةٌ (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ ألقَتِ المَضروبةُ أجنَّةً ففي كلِّ جَنينٍ كفَّارةٌ كما أنَّ في كلِّ جَنينٍ غُرةٌ أو ديَةٌ، وإنِ اشتَركَ جَماعةٌ في ضَربِ امرأةٍ فألقَتْ جَنينًا فدِيتُه أو الغُرةُ عليهِم بالحِصصِ، وعلى كلِّ واحدٍ منهم كفَّارةٌ، كما إذا قتَلَ جَماعةٌ رجلًا واحدًا.
стр. 13164
وإنْ ألقَتْ أجنَّةً فدِياتُهم عليهِم بالحِصصِ، وعلى كلِّ واحدٍ في كلِّ جَنينٍ كفَّارةٌ، فلو ضرَبَ ثلاثةٌ بطنَ امرأةٍ فألقَتْ ثَلاثةَ أجنَّةٍ فعليهِم تِسعُ كفَّاراتٍ على كلِّ واحدٍ ثَلاثةٌ (١).
وقالَ أيضًا: وإذا ضرَبَ بطنَ امرأةٍ فألقَتْ أجنَّةً ففي كلِّ واحدٍ غُرةٌ، وبهذا قالَ الزهريُّ ومالكٌ والشافِعيُّ وإسحاقُ وابنُ المنذِرِ، قالَ: ولا أحفَظُ عن غيرِهم خِلافَهم؛ وذلكَ لأنه ضَمانُ آدَميٍّ، فتَعدَّدَ بتعدُّدِه كالديَاتِ، وإنْ ألقَتْهم أحياءً في وَقتٍ يَعيشونَ في مثلِه ثم ماتوا ففي كلِّ واحدةٍ ديَةٌ كامِلةٌ، وإنْ كانَ بعضُهم حيًّا فماتَ وبعضُهم ميتًا ففي الحيِّ ديَةٌ وفي الميتِ غُرةٌ (٢).
إذا أسقَطَتْ نُطفةً أو عَلقةً:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المَرأةَ إذا ضُربَتْ فأسقَطتْ نُطفةً أو عَلقةً فإنه لا يَتعلقُ بها شَيءٌ، ولا يَجبُ فيها غُرةٌ ولا كفَّارةٌ.
قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: والعَلقةُ: هي الدمُ الطَّريُّ الذي انتَقلَتِ النُّطفةُ إليه حتى صارَتْ عَلقةً، وسُمِّيتْ عَلقةً لأنها أولُ أحوالِ العُلوقِ، والعَلقةُ في حُكمِ النُّطفةِ في أنه لم يَستقرَّ لها حُرمةٌ ولم يَتعلقْ بها شَيءٌ مِنْ الأحكامِ الثلاثةِ بإجماعِ الفُقهاءِ، فلا تَجبُ فيها غُرةٌ، ولا تَصيرُ بها أمَّ وَلدٍ، ولا تَنقضي بها العدَّةُ (٣).
стр. 13165
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ الجَدُّ ﵀: ثبَتَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ «قضَى في الجَنينِ يُطرَحُ مِنْ بطنِ أمِّه بغُرةٍ عَبدٍ أو وليدةٍ»، وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على الحُكمِ في ذلكَ، وأنَّ في جَنينَ الحرَّةِ المُسلمةِ أو النَّصرانيةِ مِنْ المُسلمِ والأمَةِ مِنْ سيِّدِها الحُرٍّ غُرةً عَبدٌ أو وَليدةٌ، إذا خرَجَ مِنْ بَطنِ أمِّه ميتًا وهي حيَّةٌ، ذكَرًا كانَ أو أنثى، تَمَّ خَلقُه أو لم يَتمَّ، إذا تُيقِّنَ أنه جَنينٌ، كلُّ ما تكونُ به الأمَةُ أمَّ وَلدٍ إذا أسقَطتْه مِنْ سيِّدِها يكونُ على الجاني فيه غُرةٌ عَبدٌ أو وَليدةٌ، كلٌّ على مَذهبِه في ذلكَ، هذا كلُّه لا اختِلافَ بينَ أحَدٍ مِنْ أهلِ العِلمِ فيه (١).
وقالَ الإمامُ بَدرُ الدِّينِ العينيُّ ﵀: م: (والجَنينُ الذي قد استَبانَ بَعضُ خَلقِه) ش: قيَّدَ به لأنه لو لم يَستبنْ شَيءٌ مِنْ خَلقِه لا يكونُ بمَنزلةِ الولدِ، وهو إنْ كانَ عَلقةً فلا حُكمَ لها في حقِّ هذهِ الأحكامِ، ولا يعلَمْ فيه خِلافٌ (٢).
إلا أنَّ المالِكيةَ هُنا جَعَلوا فيه غُرةً عَبدٌ أو أمَةٌ، فقالَوا: يَجبُ في الجَنينِ وإنْ عَلقةً عُشرُ أمِّه ولو أمَةً، يَعني أنَّ الجَنينَ مِنْ حيثُ هو سواءٌ كانَ مِنْ حُرةٍ أو أمَةٍ إذا انفَصلَ عن أمِّه مَيتًا -أي: غيرَ مُستهلٍّ- وهي حيةٌ فإنه يَجبُ فيه عُشرُ أمِّه -أي: عُشرُ ديَتِها، أو عُشرُ قِيمتِها إنْ كانَت أمَةً-، وسَواءٌ كانَ الجنينُ ذكَرًا أو أُنثى، ضرَبَه عَمدًا أو خطأً، كانَ الضاربُ أبًا أو غيرَه،