← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 13161–13200 · переход к 13166.

стр. 13161

قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعَ كلُّ مَنْ يُحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ في الجَنينِ يَسقطُ حَيًّا مِنْ الضربِ الدِّيةَ كاملةً. وممَّا أجمَعُوا عليهِ أنَّ الجَنينَ إذا ضُربَ بَطنُ أمِّه فألقَتْه حَيًّا ثم ماتَ بقُربِ خُروجِه وعُلمَ أنَّ موتَه كانَ مِنْ الضَّربةِ وما فُعلَ به وبأمه ففيهِ الدِّيةُ كامِلةً، وأنه يُعتبَرُ في ذلكَ الذَّكرُ والأُنثى، وعلى هذا جَماعةُ فُقهاءِ الأمصارِ. والعُلماءُ مُجمِعونَ على أنَّ الجَنينَ إذا خرَجَ عَقيبَ الضَّربةِ أو بسَببِها ثم ماتَ مكانَه أنَّ فيه الدِّيةَ كامِلةً، وإنْ لم يَمتْ مكانَه فالقَولِ قولُ العاقِلةِ أنه ماتَ مِنْ غيرِ جِنايةٍ (١). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: إذا انفَصلَ حيًّا ثم ماتَ فيَجبُ فيه كمالُ دِيةِ الكَبيرِ، فإنْ كانَ ذَكرًا وجَبَ مِائةُ بَعيرٍ، وإنْ كانَ أُنثى فخَمسونَ، وهذا مُجمعٌ عليهِ، وسَواءٌ في هذا كلِّه العَمدُ والخَطأُ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأما صِفةُ الجَنينِ الذي تَجبُ فيه فإنهُم اتَّفقوا على أنَّ مِنْ شُروطِه أنْ يَخرجَ الجَنينُ مَيتًا ولا تَموتَ أمُّه مِنْ الضَّربِ. واختَلفُوا إذا ماتَتْ أمُّه مِنْ الضَّربِ ثم سقَطَ الجَنينُ مَيتًا، فقالَ الشافِعيُّ ومالكٌ: لا شَيءَ فيهِ، وقالَ أشهَبُ: فيه الغُرةُ، وبه قالَ الليثُ ورَبيعةُ والزُّهريُّ.

стр. 13162

واختَلفُوا مِنْ هذا البابِ في فُروعٍ، وهي العَلامةُ التي تَدلُّ على سُقوطِه حيًّا أو مَيتًا. فذهَبَ مالِكٌ وأصحابُه إلى أنَّ عَلامةَ الحَياةِ الاستِهلالُ بالصياحِ أو البكاءِ، وقالَ الشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ والثوريُّ وأكثَرُ الفُقهاءِ: كلُّ ما عُلِمتْ به الحَياةُ في العادةِ مِنْ حَركةٍ أو عُطاسٍ أو تنفُّسٍ فأحكامُه أحكامُ الحيِّ، وهو الأظهَرُ (١). وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: قَتلُ الجَنينِ في بَطنِ أمِّه وهو أنْ يُضربَ بَطنُ أمِّه فتُلقيهِ حيًّا ثم يَموتُ، فقالَ كافَّةُ العلماءِ: فيهِ الدِّيةُ كاملةً في الخَطأِ وفي العَمدِ بعدَ القَسامةِ، وقيلَ: بغيرِ قَسامةٍ. واختَلفُوا فيما به تُعلَمُ حياتُه بعدَ اتفاقِهم على أنه إذا استَهلَّ صارخًا أو ارتَضعَ أو تَنفسَ نفَسًا مُحقَّقةً حيٌّ فيهِ الدِّية كامِلةً، فإنْ تحرَّكَ فقالَ الشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ: الحَركةُ تَدلُّ على حياتِه، وقالَ مالكٌ: لا، إلا أنْ يُقارِنَها طُولُ إقامةٍ، والذَّكرُ والأُنثى عندَ كافةِ العُلماءِ في الحُكمِ سَواءٌ، فإنْ ألقَتْه مَيتًا ففيهِ غُرةٌ عَبدٌ أو وَليدةٌ، فإنْ لم تُلقِه وماتَتْ وهو في جَوفِها لم يَخرجْ فلا شَيءَ فيهِ، وهذا كلُّه إجماعٌ لا خِلافَ فيه. ورُويَ عن اللَّيثِ بنِ سَعدٍ وداودَ أنهُما قالَا في المَرأةِ إذا ماتَتْ مِنْ ضَربِ بطنِها ثم خرَجَ الجنينُ ميتًا بعدَ موتِها: ففيهِ الغُرةُ، وسواءٌ رمَتْه قبلَ موتِها أو بعد موتِها، المُعتبَرُ حياةُ أمِّه في وقتَ ضربِها لا غيرُ.

стр. 13163

وقالَ سائرُ الفُقهاءِ: لا شيءَ فيه إذا خرَجَ ميتًا مِنْ بطنِها بعدَ موتِها، قالَ الطحَاويُّ مُحتجًّا لجَماعةِ الفُقهاءِ بأنْ قالَ: قد أجمَعوا والليثُ معَهم على أنه لو ضرَبَ بطنَها وهي حَيةٌ فماتَتْ والجنينُ في بطنِها ولم يَسقطْ أنه لا شَيءَ فيهِ، فكذلكَ إذا سقَطَ بعد موتِها (١). تَتعدَّدُ الغُرَّةُ بتعدُّدِ الأجِنَّةِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المَرأةَ إذا ضُربَتْ فأسقَطتْ أجِنَّةً أنه يَجبُ في كلِّ جَنينٍ غُرةٌ. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وإذا طرَحَتِ المَرأةُ أجِنَّةً مِنْ ضَربةٍ ضُربَتْها ففي كلِّ جَنينٍ غُرةٌ، ففِي الجَنينَينِ غُرَّتانِ، وفي الثلاثةِ ثلاثٌ، وهذا قولُ جَماعةٍ مِنْ الفُقهاءِ، ولم أحفَظْ فيه مِنْ غيرِهم خِلافَ قولِهم (٢). وقالَ أيضًا: وأجمَعُوا أنَّ المَرأةَ إذا طرَحَتْ أجنَّةً مِنْ ضَربةٍ ضُربتْها ففي كلِّ جَنينٍ غُرةٌ (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ ألقَتِ المَضروبةُ أجنَّةً ففي كلِّ جَنينٍ كفَّارةٌ كما أنَّ في كلِّ جَنينٍ غُرةٌ أو ديَةٌ، وإنِ اشتَركَ جَماعةٌ في ضَربِ امرأةٍ فألقَتْ جَنينًا فدِيتُه أو الغُرةُ عليهِم بالحِصصِ، وعلى كلِّ واحدٍ منهم كفَّارةٌ، كما إذا قتَلَ جَماعةٌ رجلًا واحدًا.

стр. 13164

وإنْ ألقَتْ أجنَّةً فدِياتُهم عليهِم بالحِصصِ، وعلى كلِّ واحدٍ في كلِّ جَنينٍ كفَّارةٌ، فلو ضرَبَ ثلاثةٌ بطنَ امرأةٍ فألقَتْ ثَلاثةَ أجنَّةٍ فعليهِم تِسعُ كفَّاراتٍ على كلِّ واحدٍ ثَلاثةٌ (١). وقالَ أيضًا: وإذا ضرَبَ بطنَ امرأةٍ فألقَتْ أجنَّةً ففي كلِّ واحدٍ غُرةٌ، وبهذا قالَ الزهريُّ ومالكٌ والشافِعيُّ وإسحاقُ وابنُ المنذِرِ، قالَ: ولا أحفَظُ عن غيرِهم خِلافَهم؛ وذلكَ لأنه ضَمانُ آدَميٍّ، فتَعدَّدَ بتعدُّدِه كالديَاتِ، وإنْ ألقَتْهم أحياءً في وَقتٍ يَعيشونَ في مثلِه ثم ماتوا ففي كلِّ واحدةٍ ديَةٌ كامِلةٌ، وإنْ كانَ بعضُهم حيًّا فماتَ وبعضُهم ميتًا ففي الحيِّ ديَةٌ وفي الميتِ غُرةٌ (٢). إذا أسقَطَتْ نُطفةً أو عَلقةً: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المَرأةَ إذا ضُربَتْ فأسقَطتْ نُطفةً أو عَلقةً فإنه لا يَتعلقُ بها شَيءٌ، ولا يَجبُ فيها غُرةٌ ولا كفَّارةٌ. قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: والعَلقةُ: هي الدمُ الطَّريُّ الذي انتَقلَتِ النُّطفةُ إليه حتى صارَتْ عَلقةً، وسُمِّيتْ عَلقةً لأنها أولُ أحوالِ العُلوقِ، والعَلقةُ في حُكمِ النُّطفةِ في أنه لم يَستقرَّ لها حُرمةٌ ولم يَتعلقْ بها شَيءٌ مِنْ الأحكامِ الثلاثةِ بإجماعِ الفُقهاءِ، فلا تَجبُ فيها غُرةٌ، ولا تَصيرُ بها أمَّ وَلدٍ، ولا تَنقضي بها العدَّةُ (٣).

стр. 13165

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ الجَدُّ ﵀: ثبَتَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ «قضَى في الجَنينِ يُطرَحُ مِنْ بطنِ أمِّه بغُرةٍ عَبدٍ أو وليدةٍ»، وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على الحُكمِ في ذلكَ، وأنَّ في جَنينَ الحرَّةِ المُسلمةِ أو النَّصرانيةِ مِنْ المُسلمِ والأمَةِ مِنْ سيِّدِها الحُرٍّ غُرةً عَبدٌ أو وَليدةٌ، إذا خرَجَ مِنْ بَطنِ أمِّه ميتًا وهي حيَّةٌ، ذكَرًا كانَ أو أنثى، تَمَّ خَلقُه أو لم يَتمَّ، إذا تُيقِّنَ أنه جَنينٌ، كلُّ ما تكونُ به الأمَةُ أمَّ وَلدٍ إذا أسقَطتْه مِنْ سيِّدِها يكونُ على الجاني فيه غُرةٌ عَبدٌ أو وَليدةٌ، كلٌّ على مَذهبِه في ذلكَ، هذا كلُّه لا اختِلافَ بينَ أحَدٍ مِنْ أهلِ العِلمِ فيه (١). وقالَ الإمامُ بَدرُ الدِّينِ العينيُّ ﵀: م: (والجَنينُ الذي قد استَبانَ بَعضُ خَلقِه) ش: قيَّدَ به لأنه لو لم يَستبنْ شَيءٌ مِنْ خَلقِه لا يكونُ بمَنزلةِ الولدِ، وهو إنْ كانَ عَلقةً فلا حُكمَ لها في حقِّ هذهِ الأحكامِ، ولا يعلَمْ فيه خِلافٌ (٢). إلا أنَّ المالِكيةَ هُنا جَعَلوا فيه غُرةً عَبدٌ أو أمَةٌ، فقالَوا: يَجبُ في الجَنينِ وإنْ عَلقةً عُشرُ أمِّه ولو أمَةً، يَعني أنَّ الجَنينَ مِنْ حيثُ هو سواءٌ كانَ مِنْ حُرةٍ أو أمَةٍ إذا انفَصلَ عن أمِّه مَيتًا -أي: غيرَ مُستهلٍّ- وهي حيةٌ فإنه يَجبُ فيه عُشرُ أمِّه -أي: عُشرُ ديَتِها، أو عُشرُ قِيمتِها إنْ كانَت أمَةً-، وسَواءٌ كانَ الجنينُ ذكَرًا أو أُنثى، ضرَبَه عَمدًا أو خطأً، كانَ الضاربُ أبًا أو غيرَه،

стр. 13166

وسواءٌ كانَ الانفِصالُ عن ضَربٍ أو تَخويفٍ أو شَمِّ شَيءٍ، بشَرطِ أنْ تَشهدَ البيِّنةُ أنها مِنْ التخويفِ أو الشمِّ لَزمَتِ الفِراشَ إلى أنْ أسقَطتْ، وتَشهدُ البيِّنةُ على السَّقطِ أيضًا، والمُرادُ بالعَلقةِ الدمُ المُجتمِعُ الذي إذا صُبَّ عليهِ الماءُ الحارُّ لا يَذوبُ، لا الدمُ المُجتمِعُ الذي إذا صُبَّ عليهِ الماءُ الحارُّ يَذوبُ؛ لأنَّ هذا لا شيءَ فيه، فلا يُقدَّرُ قبلَ المُبالغةِ، وإنما يُقدَّرُ قبلَها المُضغةُ، أي: وإنْ لم يَكنْ عَلقةً بل كانَ مُضغةً (١). إذا أسقَطتْ مُضغةً: اختَلفَ الفُقهاءُ في المَرأةِ إذا ضُربَتْ أو شَمَّتْ شَيئًا فأسقَطتْ مُضغةً؟ والمُضغةُ: اللَّحمُ، وهو أولُ أحوالِ الجِسمِ، سُمِّيتْ مُضغةً لأنها بقَدرِ ما يُمضغُ مِنْ اللَّحمِ. فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ إلى أنَّ فيها حُكومةً، قالَ ابنُ عابدِينَ: وفي الشُّمنيِّ: ولو ألقَتْ مُضغةً ولم يَتبينْ شَيءٌ مِنْ خَلقِه فشَهدَتْ ثِقاتٌ مِنْ القَوابلِ أنه مَبدَأُ خَلقِ آدَميٍّ ولو بَقيَ لتَصوَّرَ فلا غُرةَ فيه، وتجبُ فيه عندَنا حُكومةٌ (٢). وذهَبَ الإمامُ مالكٌ إلى أنه يَجبُ فيها غُرةٌ. وذهَبَ الإمامُ الشافِعيُّ إلى أنه ليسَ فيها شيءٌ (٣).

стр. 13167

وذهَبَ الحَنابلةُ إلى أنها إنْ ألقَتْ مُضغةً لا صُورةَ فيها لم يَجبْ ضَمانُها؛ لأنه لا يُعلَمُ أنها جَنينٌ، وإنْ شَهدَ ثِقاتٌ مِنْ القَوابلِ أنَّ فيها صُورةً خَفيَّةً ففيها غُرةٌ؛ لأنه جَنينٌ، وإنْ شَهِدْنَ أنه مُبتدَأُ خَلقِ آدَميٍّ لو بَقيَ تصوَّرَ ففيهِ وَجهانِ: قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: أصَحُّهما: لا شيءَ فيه؛ لأنه لم يَتصوَّرْ، فلَم يجبْ فيه كالعَلقةِ، ولأنَّ الأصلَ بَراءةُ الذِّمةِ، فلا نَشغلَها بالشكِّ. والثاني: فيه غُرةٌ؛ لأنه مُبتدأُ خَلقِ آدَميٍّ، أشبَهَ ما لو تَصوَّرَ، وهذا يَبطلُ بالنُّطفةِ والعَلقةِ (١). وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: واختَلفُوا مِنْ هذا البابِ في الخِلقةِ التي تُوجِبُ الغُرةَ، فقالَ مالكٌ: كلُّ ما طرَحَتْه مِنْ مُضغةٍ أو عَلقةٍ ممَّا يُعلَمُ أنه وَلدٌ ففيهِ الغُرةُ، وقالَ الشافِعيُّ: لا شَيءَ فيه حتَّى تَستبينَ الخِلقةُ. والأجوَدُ أنْ يُعتبَرَ نَفخُ الرُّوحِ فيه، أعنِي أنْ يكونَ تَجبُ فيه الغُرةُ إذا عُلِمَ أنَّ الحياةَ قد كانَتْ وُجدَتْ فيه (٢). مِقدارُ الغُرَّةِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الغُرةَ قيمتُها نِصفُ عُشرِ الدِّيةِ وهي خَمسٌ مِنْ الإبلِ، أو عُشرُ دِيةِ أمِّه وهي خَمسٌ مِنْ الإبلِ؛ لأنَّ

стр. 13168

ذلكَ أقلُّ ما قدَّرَه الشَّرعُ في الجِناياتِ، وهو أرشُ المُوضِحةِ وديَةُ السنِّ، فرَدَدْناه إليه (١). قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: وعن أبي هُريرةَ «أنَّ النبيَّ ﷺ قَضَى في جَنينِ امرأةٍ مِنْ بَني لَحيانَ سقَطَ مَيتًا بغُرةٍ عبدٍ أو أمَةٍ، ثم إنَّ المرأةَ التي قَضَى عليها بالغُرةِ تُوفِّيتْ فقَضَى رَسولُ اللهِ ﷺ بأنَّ ميراثَها لبَنيها وزَوجِها والعَقلَ على عَصبتِها». قالَ الشافِعيُّ: فبَيِّنٌ في قَضاءِ رَسولِ اللهِ ﷺ إذ قضَى على امرأةٍ أصابَتْ جَنينًا بغُرةٍ، وقضَى على عَصبتِها بأنَّ عليهِم ما أصابَتْ، وأنَّ ميراثَها لوَلدِها وزَوجِها، وأنَّ العَقلَ على العاقِلةِ وإن لم يَرِثوا، وأنَّ الميراثَ لِمَنْ جعَلَه اللهُ له. وبَيِّنٌ إذ قضَى على عَصبتِها بعَقلِ الجَنينِ، وإنما فيه غُرةٌ لا اختلافَ بينَ أحَدٍ أنَّ قِيمتَها خَمسٌ مِنْ الإبلِ، وفي قَولِ غيرِنا: «على أهلِ الذَّهبِ خَمسونَ دينارًا، وعلى أهلِ الوَرِقِ سِتُّمائةِ درهمٍ» أنَّ العاقِلةَ في سُنةِ النبيِّ ﷺ تَعقلُ نِصفَ عُشرِ الدِّيةِ، وذلكَ أنَّ خَمسًا مِنْ الإبلِ نِصفُ عُشرِ ديةِ الرَّجلِ (٢). وقالَ الإمامُ الطحَاويُّ ﵀: إجماعُ أهلِ العِلمِ في مِقدارِ الغُرةِ الواجِبةِ في الجَنينِ مِنْ الدِّيةِ أنه نِصفُ عُشرِها، فوجَدْنا فيه ذِكرَ رَسولِ اللهِ

стр. 13169

ﷺ الغُرةَ أنها عَبدٌ أو أمَةٌ، فكانَ في ذلكَ إعلامُ الناسِ بالغُرةِ ما هيَ، ثم أتبَعَ ذلكَ بقَولِه: «أو مِئةً مِنْ الشاءِ»، فلَم يكنْ ذلكَ مِنْ الغُرةِ في شيءٍ، ولكنَّه الجُزءُ الذي هو مِقدارُ الغُرةِ مِنْ الدِّيةِ مِنْ الشَّاءِ ما هوَ؛ لأن الدِّيةَ مِنْ الشاءِ في قَولِ مَنْ يَجعلُ الشاءَ صِنفًا مِنْ أصنافِ الديَاتِ ألفَا شاةٍ، فالمِئةُ منها نِصفُ عُشرِها، وممَّن كانَ يَجعلُ الدِّيةَ مِنْ الشاءِ هذا المِقدارَ أبو يُوسفَ ومُحمدُ بنُ الحَسنِ، فأما أبو حَنيفةَ فلَم يكنْ يَجعلُ الدِّيةَ إلا في الإبلِ وفي الدَّراهمِ وفي الدَّنانيرِ خاصَّةً، وأما مالكٌ فكانَ يَجعلُها في الإبلِ وفي الدَّنانيرِ وفي الدَّراهمِ، وأما الشافِعيُّ فكانَ يَجعلُها في الإبلِ خاصَّةً دونَ ما سِواها، وكانَ ما رُويَ عن رَسولِ اللهِ ﷺ في ذلكَ أَولى (١). وقالَ الإمامُ السَّرخسيُّ ﵀: الدِّيةُ تَتقدَّرُ بعَشرةِ آلافٍ؛ لأنَّ بدَلَ الجَنينِ بالاتفاقِ نصفُ عُشرِ الدِّيةِ، وقد قُدِّرَ ذلكَ بخَمسِمائةٍ، فعرَفْنا أنَّ جَميعَ الدِّيةِ عشرةُ آلافٍ (٢). وقالَ الإمامُ الزَّيلعيُّ ﵀: ولهذا وجَبَ في جَنينِ الحُرةِ عُشرُ دِيتِها بالإجماعِ وهو الغرَّةُ (٣). وقالَ الإمامُ مالكٌ ﵀: عن رَبيعةَ بنِ أبي عبدِ الرَّحمنِ أنه كانَ يَقولُ: «الغُرَّةُ تُقوَّمُ خَمسينَ دينارًا، أو ستَّمائةِ درهمٍ، وديَةُ المرأةِ الحُرةِ

стр. 13170

المُسلمةِ خمسُمائةِ دينارٍ، أو سِتةُ آلافِ درهمٍ»، قالَ مالكٌ: فدِيةُ جَنينِ الحُرةِ عُشرُ دِيتِها، والعُشرُ خَمسونَ دينارًا أو ستُّمائةِ درهمٍ، قالَ مالكٌ: ولم أسمَعْ أحدًا يُخالِفُ في أنَّ الجَنينَ لا تكونُ فيه الغُرةُ حتى يُزايِلَ بطنَ أمِّه ويَسقطَ مِنْ بطنِها مَيتًا، قالَ مالكٌ: وسَمعتُ أنه إذا خرَجَ الجَنينُ مِنْ بَطنِ أمِّه حيًّا ثم ماتَ أنَّ فيه الدِّيةَ كاملةً، قالَ مالكٌ: ولا حَياةَ للجَنينِ إلا بالاستهلالِ، فإذا خرَجَ مِنْ بَطنِ أمِّه فاستَهلَّ ثم ماتَ ففيهِ الدِّيةُ كامِلةً، ونَرى أنَّ في جَنينِ الأمَةِ عُشرُ ثَمنِ أمِّه (١). وقالَ ابنُ بطَّالٍ ﵀: قالَ مالكٌ: ديَةُ جَنينِ الحُرةِ عُشرُ ديتِها، والعُشرُ خَمسونَ دينارًا أو ستُّمائةِ دِرهمٍ؛ لأنَّ ديَةَ الحُرةِ المُسلمةِ خمسُمائةِ دينارٍ أو ستةُ آلافِ دِرهمٍ، وعلى هذا جُمهورُ العُلماءِ. وخالَفَ ذلكَ الثوريُّ وأبو حَنيفةَ فقالَ: قِيمةُ الغُرةِ خمسُمائةِ دِرهمٍ؛ لأنَّ ديَةَ المرأةِ عندَهُم خَمسةُ آلافِ دِرهمٍ على ما رُويَ عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ أنه جعَلَ الدِّيةَ على أهلِ الوَرقِ عَشرةَ آلافِ دِرهمٍ، وهو مَذهبُ ابنِ مَسعودٍ. وحُجةُ مالكٍ ومَن وافَقَه أنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا حكَمَ في الجَنينِ بغُرةٍ عَبدٍ أو أمَةٍ جعَلَ أصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ قيمةَ ذلكَ خَمسًا مِنْ الإبلِ وهيَ عُشرُ ديَةِ أمِّه، وذلكَ خَمسونَ دينارًا أو ستُّمائةِ درهمٍ،

стр. 13171

ورِوايةُ أهلِ الحِجازِ أنهم قَوَّموا الدِّيةَ اثنَي عشَرَ ألفَ دِرهمٍ أصَحُّ عن عُمرَ، وهو مَذهبُ عُثمانَ وعليٍّ وابنِ عبَّاسٍ (١). وقالَ الماوَرديُّ ﵀: لا فرْقَ في الجنينِ بينَ أنْ يكونَ ذكَرًا أو أنثى في وُجوبِ الغُرةِ فيه، وقيمتُها خَمسٌ مِنْ الإبلِ، ومِن الورِقِ إذا قُدِّرتْ ديَةُ النَّفسِ ورِقًا ستُّمائةِ درهمٍ، ومِن العَينِ خَمسونَ دينارًا، وذلكَ عُشرُ ديَةِ أمِّه. وفرَّقَ أبو حَنيفةَ في الجَنينِ بينَ الذَّكرِ والأنثى، فأوجَبَ فيه إنْ كانَ ذكَرًا نصفَ عُشرِ ديتِه لو كانَ حيًّا، وإنْ كانَ أنثى عُشرَ ديتِها لو كانَتْ حيَّةً، وهذا وإنْ كانَ موافِقًا في الحُكمِ فهو مخالِفٌ في العلَّةِ، وخِلافُه وإنْ لم يُؤثِّرْ في الجَنينِ الحُرِّ كانَ مُؤثرًا في الجنينِ المَملوكِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: الغرَّةُ قيمتُها نِصفُ عُشرِ الدِّيةِ وهي خَمسٌ مِنْ الإبلِ، ورُويَ ذلكَ عن عُمرَ وزَيدٍ ﵄، وبه قالَ النخَعيُّ والشعبيُّ ورَبيعةُ وقَتادةُ ومالكٌ والشافِعيُّ وإسحاقُ وأصحابُ الرأيِ، ولأنَّ ذلكَ أقَلُّ ما قدَّرَه الشرعُ في الجِناياتِ، وهو أرشُ المُوضِحةِ وديَةُ السنِّ، فرَدَدْناه إليهِ. فإنْ قيلَ: فقدْ وجَبض في الأُنملةِ ثَلاثةُ أبعِرةٍ وثُلثٌ، وذلكَ دونَ ما ذكَرْتموهُ.

стр. 13172

قُلنا: الذي نَصَّ عليهِ صاحِبُ الشَّريعةِ غُرةٌ قيمتُها أرشُ المُوضِحةِ وهو خَمسٌ مِنْ الإبلِ. وإذا كانَ أبَوَا الجَنينِ كتابيَّينِ ففيه غُرةٌ قيمتُها نصفُ قيمةِ الغرَّةِ الواجِبةِ في المُسلمِ، وفي جَنينِ المَجوسيةِ غُرةٌ قيمتُها أربَعونَ درهمًا، وإذا تعذَّرَ وُجودُ غُرةٍ بهذهِ الدَّراهمِ وجَبَتِ الدَّراهمُ؛ لأنه مَوضعُ حاجةٍ. وإذا اتَّفقَ نصفُ عُشرِ الدِّيةِ مِنْ الأصولِ كلِّها بأنْ تكونَ قيمتُها خَمسًا مِنْ الإبلِ وخَمسينَ دينارًا أو ستَّمائةِ درهمٍ فلا كَلامَ، وإنِ اختَلفَتْ قيمةُ الإبلِ فنِصفُ عُشرِ الدِّيةِ مِنْ غيرِها، مثلَ أنْ كانَت قِيمةُ الإبلِ أربَعينَ دينارًا أو أربعَمائةِ دِرهمٍ. فظاهِرُ كَلامِ الخِرقيِّ أنها تقوَّمُ بالإبلِ؛ لأنها الأصلُ، وعلى قولِ غيرِه مِنْ أصحابِنا: تقوَّمُ بالذَّهبِ أو الورِقِ، فجعَلَ قيمتَها خَمسينَ دينارًا أو ستَّمائةِ دِرهمٍ، فإنِ اختَلفَا قُوِّمتْ على أهلِ الذَّهبِ به، وعلى أهلِ الورِقِ به، فإنْ كانَ مِنْ أهلِ الذَّهبِ والورِقِ جَميعًا قوَّمَها مَنْ هي عليهِ بما شاءَ منهُما؛ لأنَّ الخِيَرةَ إلى الجاني في دَفعِ ما شاءَ مِنْ الأصولِ، ويُحتملُ أنْ تقوَّمَ بأدناهُما على كلِّ حالٍ لذلكَ، وإذا لم يَجدِ الغُرةَ انتَقلَ إلى خَمسٍ مِنْ الإبلِ على قَولِ الخِرقيِّ. وعلى قولِ غيرِه يَنتقلُ إلى خَمسينَ دينارًا أو ستِّمائةِ دِرهمٍ (١).

стр. 13173

وقالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وقيمةُ الغُرةِ عندَ الشافِعيِّ خَمسٌ مِنْ الإبلِ، وفي قَولِ أهلِ الكُوفةِ: خَمسُ مائةِ دِرهمٍ. وفي قَولِ أهلِ المَدينةِ: ستُّمائةِ دِرهمٍ، وقَصدُهم في ذلكَ نصفُ عُشرِ ديةِ الأبِ، وهو عُشرُ ديَةِ الأمِّ (١). على مَنْ تَجبُ الغُرَّةُ؟ اختَلفَ الفُقهاءُ في الغرَّةِ إذا وجَبَتْ، هل تَجبُ على الجاني؟ أم على عاقِلتِه؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّ الغرَّةَ إذا وجَبَتْ فهي على العاقِلةِ لا على الجاني؛ لأنها جِنايةُ خَطأٍ، فوجَبَتْ على العاقلةِ. ولِما رُويَ أيضًا عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ «أنَّ النبيَّ ﷺ جعَلَ في الجَنينِ غُرَّةً على عاقِلةِ القاتِلةِ، وبرَّأَ زوْجَها وولَدَها» (٢) (٣). وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنها تكونُ على الجاني. قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: ومتَى وجَبَتِ الغُرةُ فهي على العاقلةِ لا على الجاني، هذا مَذهبُ الشافِعيِّ وأبي حَنيفةَ وسائرِ الكُوفيِّينَ ﵃، وقالَ مالكٌ والبَصريُّونَ: تَجبُ على الجاني (٤).

стр. 13174

وقالَ الإمام ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: واختَلفُوا على مَنْ تَجبُ الغرَّةُ في ذلكَ، فقالَتْ طائِفةٌ منهُم مالِكٌ والحَسنُ بنُ حَيٍّ: هي في مالِ الجَاني، وهو قَولُ الحَسنِ البَصريِّ والشَّعبيِّ. وقالَ آخَرونَ: هي على العاقِلةِ، وممَّن قالَ ذلكَ الثوريُّ وأبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأصحابُهم، وهو قَولُ إبراهيمَ وابنِ سِيرينَ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وتَحملُ العاقِلةُ ديَةَ الجَنينِ إذا ماتَ مع أمِّه، نَصَّ عليهِ أحمَدُ إذا كانَتِ الجِنايةُ عليهَا خَطأً أو شِبهَ عَمدٍ؛ لِما رَوى المُغيرةُ بنُ شُعبةَ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قضَى في الجَنينِ بغُرةٍ عَبدٍ أو أمَةٍ على عَصبةِ القاتلةِ» (٢). وإنْ كانَ قتَلَ الأمَّ عَمدًا أو ماتَ الجَنينُ وحْدَه لم تَحملْه العاقِلةُ، وقالَ الشافِعيُّ: تَحملُه العاقِلةُ على كلِّ حالٍ؛ بِناءً على قولِه: إنَّ العاقِلةَ تَحملُ القَليلَ والكثيرَ، والجِنايةُ على الجَنينِ ليسَتْ بعَمدٍ؛ لأنه لا يَتحققُّ وُجودُه ليَكونَ مَقصودًا بالضربِ. ولنَا: إنَّ العاقِلةَ لا تَحملُ ما دونَ الثُّلثِ على ما ذكَرْناه، وهذا دونَ الثُّلثِ، وإذا ماتَ وحْدَه أو مِنْ جِنايةِ عَمدٍ فدِيةُ أمِّه على قاتلِها، فكذلكَ ديَتُه؛ لأنَّ الجِنايةَ لا يَحملُ بعضَ ديتِها الجاني وبعضَها غيرُه، فيكونُ الجَميعُ على القاتلِ، كما لو قطَعَ عَمدًا فسَرَتِ الجِنايةُ إلى النَّفسِ (٣).

стр. 13175

الكفَّارةُ في قَتلِ الجَنينِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الجاني على الجَنينِ، هل تَجبُ عليهِ كفَّارةٌ أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه لا يَجبُ عليهِ كفَّارةٌ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قرَنَ إيجابَ الكفَّارةِ بوُجوبِ الدِّيةِ بقَولِه: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾ [النساء: ٩٢]، والجَنينُ لا ديَةَ فيه ولا كفَّارةَ فيه (١). وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنه لا كفَّارةَ فيه، ولكنِ استَحسنَها مالِكٌ ولم يُوجبْها؛ لأنَّ الكفَّارةَ لمَّا لم تَجبْ عندَه في العَمدِ وتَجبُ في الخَطأِ وكانَ هذا مُتردِّدًا عندَه بينَ العَمدِ والخَطأِ استَحسنَ فيه الكفَّارةَ ولم يُوجبْها (٢). وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ الجاني يَلزمُه الكفَّارةُ (٣). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وعلى كلِّ مَنْ ضرَبَ ممَّن ذكَرْتُ عِتقُ رقبةٍ مُؤمنةٍ، سَواءٌ كانَ الجَنينُ حيًّا أو مَيتًا، هذا قَولُ أكثرِ أهلِ العِلمِ، منهُم الحَسنُ وعطاءٌ والزهريُّ والحَكمُ ومالكٌ والشافِعيُّ وإسحاقُ. قالَ ابنُ المُنذرِ: كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ أوجَبَ على ضارِبِ بطنِ المَرأةِ تُلقي جَنينًا الرقبةَ مع الغُرةِ، ورُويَ ذلكَ عن عُمرَ ﵁. وقالَ أبو حَنيفةَ: لا تَجبُ الكفَّارةُ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يُوجِبِ الكفَّارةَ حينَ أوجَبَ الغرَّةَ.

стр. 13176

ولنا: قَولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وقالَ: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وهذا الجَنينُ إنْ كانَ مِنْ مُؤمنَينِ أو أحَدُ أبوَيهِ فهو مَحكومٌ بإيمانِه تَبعًا، يَرثُه وَرثتُه المُؤمنونَ ولا يَرثُ الكافرُ منه شَيئًا، وإنْ كانَ مِنْ أهلِ الذِّمةِ فهو مِنْ قَومٍ بينَنَا وبينَهُم مِيثاقٌ، ولأنه نَفسٌ مَضمونٌ بالدِّيةِ، فوجَبَتْ فيه الرقبةُ كالكبيرِ، وتَركُ ذِكرِ الكفَّارةِ لا يَمنعُ وُجوبَها، كقَولِه ﵇: «في النَّفسِ المُؤمنةِ مِائةٌ مِنْ الإبلِ»، وذكَرَ الدِّيةَ في مَواضعَ ولم يَذكرِ الكفَّارةَ، ولأنَّ النبيَّ ﷺ قضَى بدِيةِ المَقتولةِ على عاقِلةِ القاتلةِ ولم يَذكرْ كفَّارةً وهي واجِبةٌ، كذا هاهُنا، وإنما كانَ كذلكَ لأنَّ الآيةَ أغنَتْ عن ذِكرِ الكفَّارةِ في مَوضعٍ آخَرَ، فاكتُفيَ بها، وإنْ ألقَتِ المَضروبةُ أجنَّةً ففي كلِّ جَنينٍ كفَّارةٌ كما أنَّ في كلِّ جَنينٍ غُرةً أو ديَةً، وإنِ اشتَركَ جَماعةٌ في ضَربِ امرأةٍ فألقَتْ جَنينًا فدِيتُه أو الغرَّةُ عليهِم بالحِصصِ، وعلى كلِّ واحِدٍ منهُم كفَّارةٌ، كما إذا قتَلَ جَماعةٌ رَجلًا واحدًا، وإنْ ألقَتْ أجنَّةً فدِياتُهم عليهِم بالحِصصِ، وعلى كلِّ واحِدٍ في كلِّ جَنينٍ كفَّارةٌ، فلو ضرَبَ ثلاثةٌ بطنَ امرأةٍ فألقَتْ ثَلاثةَ أجنَّةٍ فعَليهم تِسعُ كفَّاراتٍ على كلِّ واحدٍ ثَلاثةٌ (١).

стр. 13177

وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: ذِكرُ وُجوبِ الكفَّارةِ مع الغرَّةِ في الجَنينِ تَطرحُه المَرأةُ مِنْ الضربِ. كلُّ مَنْ أحفَظَ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ يُوجِبُ على الضاربِ بطنَ المَرأةِ تُلقي جَنينًا مع الغُرةِ الرقبةَ، هذا قولُ عَطاءٍ والزهريِّ والنخَعيِّ والحَسنِ البَصريِّ والحَكمِ، وقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمَدُ وإسحاقُ: عليهِ الكفَّارةُ (١). الغُرَّةُ مَوروثةٌ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الغُرةَ مَوروثةٌ، فتكونُ لوَرثةِ الجَنينِ، وحُكمُها حُكمِ الدِّيةِ في أنها مَوروثةٌ. قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأما لمَن تَجبُ فقالَ مالكٌ والشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ: هي لوَرثةِ الجَنينِ، وحُكمُها حُكمُ الدِّيةِ في أنها مَوروثةٌ. وقالَ رَبيعةُ واللَّيثُ: هي للأمِّ خاصَّةً؛ وذلكَ أنهُم شَبَّهوا جَنينَها بعُضوٍ مِنْ أعضائِها (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: الغرَّةُ مَوروثةٌ عن الجَنينِ كأنَّه سقَطَ حيًّا؛ لأنها ديَةٌ له وبَدلٌ عنه، فيَرثُها وَرثتُه كما لو قُتلَ بعدَ الولادةِ، وبهذا قالَ مالكٌ والشافِعيُّ وأصحابُ الرأيِ. وقالَ الليثُ: لا تُورَثُ، بل تَكونُ بدَلَه لأمِّه؛ لأنه كعُضوٍ مِنْ أعضائِها، فأشبَهَ يَدَها.

стр. 13178

ولنا: إنها ديَةُ آدَميٍّ حُرٍّ، فوجَبَ أنْ تكونَ مَوروثةً عنه كما لو ولَدتْه حيًّا ثم ماتَ، وقولُه: «إنه عُضوٌ مِنْ أعضائِها» لا يَصحُّ؛ لأنه لو كانَ عُضوًا لَدخَلَ بَدلُه في ديَةِ أمِّه كيَدِها، ولَمَا مُنعَ مِنْ القِصاصِ مِنْ أمِّه وإقامةِ الحَدِّ عليهَا مِنْ أجْلِه، ولَمَا وجَبَتِ الكفَّارةُ بقتلِه، ولمَا صحَّ عِتقُه دونَها ولا عتقُها دونَه، ولا تُصوِّرَ حياتُه بعدَ موتِها؛ ولأنَّ كلَّ نفسٍ تُضمَنُ بالديةِ تُورَثُ كدِيةِ الحيِّ. فعَلى هذا إذا أسقَطَتْ جَنينًا مَيتًا ثم ماتَتْ فإنها تَرثُ نَصيبَها مِنْ دِيتِه ثم يَرثُها وَرثتُها، وإنْ ماتَتْ قبلَه ثمَّ ألقَتْه مَيتًا لم يَرثْ أحَدُهما صاحبَه، وإنْ خرَجَ حيًّا ثمَّ ماتَ قبلَها ثمَّ ماتَتْ فإنها تَرثُ نَصيبَها مِنْ دِيتِه ثم يَرثُها وَرثتُها، وإنْ ماتَتْ قبلَه ثم ألقَتْه مَيتًا لم يَرثْ أحَدُهما صاحبَه، وإنْ خرَجَ حيًّا ثم ماتَتْ قبلَه ثم ماتَ أو ماتَتْ ثم خرَجَ حيًّا ثم ماتَ وَرثَها ثم يَرثُه وَرثتُه، وإنِ اختَلفَ وَراثُهما في أوَّلِهما موتًا فحُكمُهما حُكمُ الغَرقى … وإنْ ألقَتْ جَنينًا مَيتًا أو حيًّا ثم ماتَ ثم ألقَتْ آخَرَ حيًّا ففي المَيتِ غُرةٌ وفي الحيِّ الأولِ ديَةٌ كامِلةٌ إذا كانَ سُقوطُه لوَقتٍ يَعيشُ مثلُه ويَرثُهما الآخَرُ ثم يَرثُه وَرثتُه إنْ ماتَ، وإنْ كانَت الأمُّ قد ماتَتْ بعدَ الأولِ وقبلَ الثاني فإنَّ ديَةَ الأولِ تَرثُ منها الأمُّ والجَنينُ الثاني، ثم إذا ماتَتِ الأمُّ وَرثَها الثاني ثم يَصيرُ مِيراثُه لوَرثتِه، وإنْ ماتَتِ الأمُّ بعدَهُما وَرثَتْهما جَميعًا (١).

стр. 13179

حُكمُ إسقاطِ الجَنينِ: إسقاطُ الجَنينِ لا يَخلو مِنْ حالتَينِ: الحَالةُ الأُولى: أنْ يكونَ بعدَ نَفخِ الرُّوحِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على تَحريمِ إسقاطِ الحَملِ بعدَ نَفخِ الرُّوحِ إنْ لم يَكنْ في بَقائِه هَلاكُ أمِّه. قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: إسقاطُ الحَملِ حَرامٌ بإجماعِ المُسلمينَ، وهو مِنْ الوَأدِ الذي قالَ اللهُ فيه: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ [التكوير: ٨، ٩]، وقد قالَ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١] (١). الحالةُ الثَّانيةُ: أنْ يكونَ قبلَ نَفخِ الرُّوحِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ إسقاطِ الجَنينِ قبلَ نَفخِ الرُّوحِ فيه، هل يَجوزُ أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في الراجِحِ عندَهُم واللَّخميُّ مِنْ المالِكيةِ وابنُ عَقيلَ مِنْ الحَنابلةِ إلى أنه يَجوزُ إسقاطُ الجَنينِ قبلَ نَفخِ الرُّوحِ، أي قبلَ مِائةٍ وعِشرينَ يَومًا. قالَ الحَنفيةُ: يُباحُ إسقاطُ الحَملِ قبلَ نَفخِ الرُّوحِ فيه، أي قبلَ أربَعةِ أشهُرٍ، ولو بلا إذنِ الزَّوجِ، وقيلَ: يَلحقُها إثمٌ هنا إذا سقَطَ بغيرِ عُذرِها.

стр. 13180

ففِي «الخانِية» مِنْ كتابِ الكَراهيَةِ: ولا أقولُ بأنه يُباحُ الإسقاطُ مُطلَقًا، فإنَّ المُحرِمَ إذا كسَرَ بيضَ الصَّيدِ يكونُ ضامنًا؛ لأنه أصلُ الصَّيدِ، فلمَّا كانَ يُؤاخَذُ بالجَزاءِ ثَمَّ فلا أقَلَّ مِنْ أنْ يَلحقَها إثمٌ ههُنا إذا أسقطَتْ بغيرِ عُذرٍ. اه قالَ ابنُ نُجيمٍ ﵀: ويَنبغي الاعتِمادُ عليهِ؛ لأنَّ له أصلًا صَحيحًا يُقاسُ عليهِ، والظاهرُ أنَّ هذهِ المَسألةَ لم تُنقلْ عن أبي حَنيفةَ صَريحةً، ولذا يُعبِّرونَ عنها بصِيغةِ قالُوا (١). قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: قالَ ابنُ وَهبانَ: ومِن الأعذارِ أنْ يَنقطعَ لَبنُها بعدَ ظُهورِ الحَملِ وليسَ لأبي الصبيِّ ما يَستأجرُ به الظِّئرَ ويَخافُ هَلاكَه، ونُقلَ عن «الذَّخيرَة»: لو أرادَتِ الإلقاءَ قبلَ مُضيِّ زَمنٍ يُنفخُ فيه الرُّوحُ هل يُباحُ لها ذلكَ أم لا؟ اختَلفُوا فيه، وكانَ الفَقيهُ عليُّ بنُ مُوسَى يقولُ: إنه يُكرَهُ، فإنَّ الماءَ بعدَما وقَعَ في الرَّحمِ مآلُه الحَياةُ، فيكونُ له حُكمُ الحياةِ، كما في بَيضةِ صَيدِ الحَرمِ، ونَحوُه في «الظَّهيريَّة»، قالَ ابنُ وَهبانَ: فإباحةُ الإسقاطِ مَحمولةٌ على حالةِ العُذرِ، أو أنها لا تَأثمُ إثمَ القَتلِ. اه (٢). وأما الشافِعيةُ فقالَ الإمامُ الرَّمليُّ ﵀: قالَ المُحبُّ الطبَريُّ: اختَلفَ أهلُ العِلمِ في النُّطفةِ قبلَ تمامِ الأربَعينَ على قَولينِ: قيلَ: لا يَثبتُ لها حُكمُ السَّقطِ والوَأدِ.

стр. 13181

وقيلَ: لها حُرمةٌ ولا يُباحُ إفسادُها ولا التسبُّبُ في إخراجِها بعدَ الاستقرارِ في الرَّحمِ، بخِلافِ العَزلِ؛ فإنه قبلَ حُصولِها فيه، قالَ الزَّركشيُّ: وفي تَعاليقِ بَعضِ الفُضلاءِ: قالَ الكَرابيسيُّ: سَألتُ أبا بكرِ بنَ أبي سَعيدٍ الفُراتِيِّ عن رَجلٍ سقَى جاريتَه شَرابًا لتُسقطَ ولَدَها فقالَ: ما دامَتْ نُطفةً أو عَلقةً فواسِعٌ له ذلكَ إنْ شاءَ اللهُ تعالَى. اه وقد أشارَ الغَزاليُّ إلى هذه المَسألةِ في «الإحيَاء» فقالَ بعدَ أنْ قرَّرَ أنَّ العَزلَ خِلافُ الأَولى ما حاصِلُه: وليسَ هذا كالاستجهاضِ والوَأدِ؛ لأنه جِنايةٌ على مَوجودٍ حاصِلٍ، فأولُ مَراتبِ الوُجودِ وَقعُ النُّطفةِ في الرَّحمِ، فيَختلطُ بماءِ المَرأةِ، فإفسادُها جِنايةٌ، فإنْ صارتْ عَلقةً أو مُضغةً فالجِنايةُ أفحَشُ، فإنْ نُفخَتِ الرُّوحُ واستَقرَّتِ الخِلقةُ زادَتِ الجنايةُ تَفاحشًا، ثمَّ قالَ: ويَبعدُ الحُكمُ بعَدمِ تحريمِه. وقد يُقالُ: أما حالةِ نَفخِ الرُّوحِ فما بعدَه إلى الوَضعِ فلا شكَّ في التحريمِ، وأما قبلَه فلا يقالُ: «إنه خِلافُ الأَولى» بل مُحتملٌ للتَّنزيهِ والتحريمِ، ويَقوَى التحريمُ فيما قَرُبَ مِنْ زمنِ النفخِ؛ لأنه جَريمةٌ، ثمَّ إنْ تَشكَّلَ في صُورةِ آدَميٍّ وأدرَكَتْه القوابِلُ وجَبَتِ الغُرةُ، نعم لو كانَت النطفةُ مِنْ زنًا فقدْ يُتخيَّلُ الجَوازُ، فلو تُركَتْ حتى نُفخَ فيها فلا شكَّ في التحريمِ، ولو كانَ الوطءُ زنًا والمَوطوءةُ حَربيةً فلا شكَّ أنه غيرُ مُحتَرَمٍ من الجِهتينِ. وقد سُئلَ ابنُ اللَّبانِ عن مُسلمٍ زَنى بذمِّيةٍ ما حُكمُ الوَلدِ في الإسلام؟ فلَم يُجِبْ فيه بشَيءٍ، فقالَ له السائلُ: إنَّ ابنَ حَزمٍ ذكَرَ في كتابِ الجِهادِ

стр. 13182

أنَّ الولدَ مُسلمٌ اعتبارًا بالدارِ، وعندَ هذا فلا شكَّ في احتِرامِه، لا سِيَّما إذا قصَدَ بالوطءِ قهْرَها، فإنه يَملكُها كما قالَه القاضي الحُسينُ وغيرُه. اه ما قالَه الزَّركشيُّ. وقالَ الدَّميريُّ: لا يَخفى أنَّ المرأةَ قد تَفعلُ ذلكَ بحَملِ زنًا وغيرِه، ثم هيَ إمَّا أمَةٌ فعَلَتْ ذلكَ بإذنِ مَولاها الواطئِ لها، وهي مَسألةُ الفُراتِيِّ، أو بإذنِه وليسَ هو الواطئُ، وهي صُورةٌ لا تَخفى، والنَّقلُ فيها عَزيزٌ، وفي مَذهبِ أبي حَنيفةَ شَهيرٌ. ففِي «فتَاوى قاضِي خانْ» وغيرِه أنَّ ذلكَ يَجوزُ، وقد تكلَّمَ الغَزاليُّ عليها في «الإحيَاء» بكَلامٍ مَتينٍ، غيرَ أنه لم يُصرِّحْ بالتحريمِ. اه قالَ الرَّمليُّ: والراجِحُ تَحريمُه بعدَ نَفخِ الرُّوحِ مُطلَقًا، وجَوازُه قبلَه (١). وقالَ شِهابُ الدِّينِ القَليوبيُّ ﵀: نَعم يَجوزُ إلقاؤُه ولو بدَواءٍ قبلَ نفخِ الرُّوحِ فيه، خِلافًا للغزاليِّ (٢). وذهَبَ المالِكيةُ في المُعتمَدِ عندَهم إلى أنه يَحرمُ إسقاطُ الجَنينِ مُطلَقًا، سواءٌ كانَ قبلَ الأربَعينَ أو بعدَها. قالَ الدِّرديرُّ ﵀: ولا يَجوزُ إخراجُ المَنيِّ المُتكوِّنِ في الرحمِ ولو قبلَ الأربَعينَ يومًا، وإذا نُفخَتْ فيه الرُّوحُ حَرُمَ إجماعًا.

стр. 13183

قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: قولُه: (ولو قبلَ الأربَعينَ): هذا هو المُعتمَدُ، وقيلَ: يُكرَهُ إخراجُه قبلَ الأربَعينَ (١). وقالَ أبو العبَّاسِ أحمَدُ بنُ يَحيىَ الوَنشريسِيُّ ﵀: المَنصوصُ لأيِمَّتِنا رضوانُ اللهِ عليهِم المَنعُ مِنْ استِعمالِ ما يُبردُ الرَّحمَ ويَستخرجُ ما داخِلَ الرَّحمِ مِنْ المنيِّ، وعليهِ المُحصِّلونَ والنُّظارُ، قالَ القاضي أبو بَكرِ ابنُ العَربيِّ ﵀: «للوَلدِ ثلاثةُ أحوالٍ: حالٌ قبلَ الوُجودِ يَنقطعُ فيها بالعَزلِ، و هو جائزٌ. وحالةٌ بعدَ قبضِ الرَّحمِ على المنيِّ، فلا يَجوزُ لأحَدٍ حِينئذٍ التعرُّضُ له بالقَطعِ مِنْ التولُّدِ، كما يَفعلُه بعضُ سَفلةِ التجَّارِ في سَقيِ الخَدمِ عندَ إمساكِ الطَّمثِ الأدويَةَ التي تُرخيهِ فيَسيلُ المَنيُّ معَه فتَنقطعُ الوِلادةُ. والحالةُ الثالثةُ بعدَ انخِلاقِه وقبلَ أنْ يُنفخَ فيه الروحُ، وهو أشَدُّ مِنْ الأوَّلينِ في المَنعِ والتَّحريمِ؛ لِما رُويَ مِنْ الأثَرِ: «وإنَّ السَّقطَ لَيظَلُّ مُحبَنطيًّا على بابِ الجَنَّةِ يَقولُ: لا أدخُلُ الجنَّةَ حتى يَدخلَ أبَوايَ»، فأما إذا نُفخَ فيه الرُّوحُ، فهو قَتلُ نَفسٍ بلا خِلافٍ». انتَهى وانفَردَ اللَّخميُّ فأجازَ استِخراجَ ما في داخلِ الرَّحمِ مِنْ الماءِ قبلَ الأربَعينَ يَومًا، ووافَقَ الجَماعةَ فيما فوقَها، فإذا وَقفتَ على هذا التَّحقيقِ الذي تقدَّمَ جَلبُه مِنْ كَلامِ القاضي المُحقِّقِ أبي بَكرٍ ﵀ عَلِمتَ قَطعًا أنَّ اتفاقَ الزوجِ والزوجةِ على إسقاطِ الجَنينِ في المُدةِ التي ذَكرتُ وتَواطؤَهما

стр. 13184

على ذلكَ حَرامٌ مَمنوعٌ لا يَحلُّ بوجهٍ ولا يُباحُ، وعلى الأمِّ في إسقاطِه الغُرةُ والأدَبُ، إلا أنْ يُسقِطَ الزوجُ حقَّه في الغُرةِ بعدَ الإسقاطِ، ومِن هذا النمطِ والمَعنى ما سُئلَ عنه عِزُّ الدِّينِ بنُ عبدِ السَّلامِ الشافِعيُّ ﵀: هل يَسوغُ للمَرأةِ أنْ تَستعملَ أدوِيةً لتَمنعَ مِنْ الحَملِ أم لا؟ فأجابَ: ليسَ للمرأةِ أنْ تَستعملَ ما يُفسِدُ القُوةَ التي بها يَتأتَّى الحَملُ (١). وقالَ الإمامُ الحطَّابُ ﵀: قالَ ابنُ ناجِي في «شَرح المُدوَّنةِ» في القَسْمِ بينَ الزوجاتِ: وأما التسبُّبُ في إسقاطِ الماءِ قبلَ أربَعينَ يَومًا مِنْ الوَطءِ فقالَ اللَّخميُّ: جائزٌ، وقالَ ابنُ العرَبيِّ في «القَبَس»: لا يَجوزُ باتفاقٍ، وحكَى عياضٌ في «الإكمَال» قَولينِ في ذلكَ للعُلماءِ، وظاهرُه أنهُما خارجَ المَذهبِ. انتهى وقالَ البُرزليُّ في مَسائلِ الرَّضاعِ: وأما جَعلُ ما يَقطعُ الماءَ أو يَسدُّ الرَّحمَ فنَصَّ ابنُ العرَبيِّ أنه لا يَجوزُ، وأما استِخراجُ ما حصَلَ مِنْ الماءِ في الرَّحمِ فمَذهبُ الجُمهورِ المَنعُ مُطلَقًا، وأحفَظُ للَّخميِّ أنه يَجوزُ قبلَ الأربَعينَ ما دام نُطفةً كما له العَزلُ ابتِداءً، والأولُ أظهَرُ؛ إذ زعَمَ بَعضُهم أنه المَوءُودةُ. انتَهى كلامُ البُرزليِّ (٢). وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ عندَهُم إلى أنه يَجوزُ إسقاطُ الجَنينِ إذا كانَ نُطفةً، ولا يَجوزُ إنْ كانَ عَلقةً، أي يَجوزُ قبلَ الأربَعينَ ولا يَجوزُ بعدَها.

стр. 13185

قالَ الإمامُ المِرداويُّ ﵀: يَجوزُ شُربُ دواءٍ لإسقاطِ نُطفةٍ، ذكَرَه في «الوَجِيز» وقدَّمَه في «الفرُوع»، وقالَ ابنُ الجَوزيِّ في «أحكَام النِّساءِ»: يَحرمُ. وقالَ في «الفرُوع»: وظاهرُ كلامِ ابنِ عَقيلَ في «الفُنون» أنه يَجوزُ إسقاطُه قبلَ أنْ يُنفخَ فيه الرُّوحُ، قالَ: وله وَجهٌ. انتَهى (١). وقالَ ابنُ رَجبٍ ﵀: وقد رخَّصَ طائفةٌ مِنْ الفُقهاءِ للمرأةِ في إسقاطِ ما في بَطنِها ما لم يُنفخْ فيه الرُّوحُ وجَعَلوهُ كالعَزلِ، وهو قَولٌ ضَعيفٌ؛ لأنَّ الجَنينَ وَلدٌ انعَقدَ، وربَّما تَصوَّرَ، وفي العَزلِ لم يُوجَدْ وَلدٌ بالكُليةِ، وإنما تسبَّبَ إلى مَنعِ انعقادِه، وقد لا يَمتنعُ انعِقادُه بالعَزلِ إذا أرادَ اللهُ خلْقَه، كما قالَ النبيُّ لمَّا سُئلَ عن العزلِ قالَ: «لا عَليكُم أنْ لا تَعزِلوا، إنه ما مِنْ نَفسٍ مَنفوسةٍ إلا أنَّ اللهَ خالقُها». وقد صرَّحَ أصحابُنا بأنه إذا صارَ الوَلدُ عَلقةً لم يَجزْ للمَرأةِ إسقاطُه؛ لأنه وَلدٌ انعَقدَ، بخِلافِ النُّطفةِ؛ فإنها لم تَنعقدْ بعدُ، وقد لا تَنعقدُ وَلدًا (٢). وقالَ الإمامُ البُهوتيُّ ﵀: (ويَجوزُ شُربُ دواءٍ لإلقاءِ نُطفةٍ)، وفي «أحكَام النِّساء» لابنِ الجَوزيِ: يَحرمُ. وفي «الفرُوع» عن «الفنُون»: إنما المَوءودةُ بعدَ التاراتِ السَّبعِ، وتَلا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [المؤمنون: ١٢] إلى ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ

стр. 13186

خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، قالَ: وهذا حَلَّتْه الرُّوحُ؛ لأنَّ ما لم تَحِلَّه لا يُبعَثُ، فقدْ يُؤخَذُ منه: لا يَحرمُ إسقاطُه، وله وَجهٌ (١). وسُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ عن امرأةٍ حاملٍ تَعمَّدتْ إسقاطَ الجَنينِ إما بضَربٍ وإما بشُربِ دَواءٍ، فما يَجبُ عليها؟ فأجابَ: يَجبُ عليهَا بسُنةِ رَسولِ اللهِ واتِّفاقِ الأئمَّةِ غُرةٌ عَبدٌ أو أمَةٌ، تكونُ هذه الغرَّةُ لوَرثةِ الجَنينِ غيرِ أمِّه، فإنْ كانَ له أبٌ كانَت الغرَّةُ لأبيه، فإنْ أحَبَّ أنْ يُسقطَ عن المرأةِ فله ذلكَ، وتكونُ قيمةُ الغُرةِ عُشرَ ديَةٍ أو خَمسينَ دينارًا، وعليهَا أيضًا عندَ أكثَرِ العُلماءِ عِتقُ رَقبةٍ، فإنْ لم تَجدْ صامَتْ شَهرينِ مُتَتابعينِ، فإنْ لم تَستطعْ أطعَمَتْ سِتينَ مِسكينًا (٢).

стр. 13187

فصل في دِيَةِ الجِناياتِ فيما دُونَ النَّفسِ الجِناياتُ على ما دُونَ النَّفسِ جِراحاتٌ وأعضاءٌ. أولاً: الجِراحاتُ: الجِراحاتُ ضَربانِ: شِجاجٌ في الرَّأسِ والوَجهِ، وجِراحاتٌ فيما سِواهُما مِنْ البَدنِ. الضَّربُ الأولُ: الجُرحُ الواقِعُ على الرَّأسِ والوَجهِ، وتُسمَّى الشجاجَ: جِراحُ الوَجهِ والرَّأسِ يُسمَّى شِجاجًا، وهي جُرحٌ فيهِما، أمَّا في غَيرِهما فيُسمَّى جُرحًا لا شَجَّةً، وهي عَشرةٌ: إحداها: الحارِصةُ: وهي ما شَقَّ الجِلدَ قليلًا كالخَدشِ. الثانيةُ: الدَّامِيةُ: وهي التي تُدمِي مَوضعَها مِنْ الشقِّ والخَدشِ مِنْ غيرِ سَيلانِ دَمٍ. الثالثةُ: الباضِعة: وهي التي تَقطعُ -أي: تَشقُّ- اللَّحمَ الذي بعدَ الجِلدِ شَقًّا خَفيفًا، مِنْ البَضعِ، وهو القَطعُ. الرابعةُ: المُتلاحِمةُ: وهي التي تَغوصُ في اللحمِ ولا تَبلغُ الجِلدةَ التي

стр. 13188

بينَ اللَّحمِ والعَظمِ، وهيَ التي يَبقى بينَها وبينَ العَظمِ ستْرٌ رَقيقٌ، سُمِّيتْ بذلك تَفاؤلًا بما تَؤولُ إليه مِنْ الالتِحامِ، وتُسمَّى أيضًا الملاحِمةَ. الخامِسةُ: السِمحاقُ: وهي التي تَبلغُ الجِلدةَ التي بينَ اللَّحمِ والعَظمِ، سُمِّيتْ بذلكَ لأنَّ تلكَ الجِلدةَ يُقالُ لها: سِمحاقُ الرَّأسِ، مَأخوذةٌ مِنْ سَماحِيقِ البَطنِ، وهي الشَّحمُ الرقيقُ. وفي هذهِ الخَمسةِ حُكومةُ عَدلٍ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والحَنابلةِ؛ لأنه ليسَ فيها أرشٌ مُقدَّرٌ مِنْ جِهةِ السَّمعِ، ولا يُمكِنُ إهدارُها، فيَجبُ فيها حُكومةُ عَدلٍ. وقالَ الشافِعيةُ: إنْ عُرِفتْ نِسبتُها مِنْ المُوضِحةِ وجَبَ قِسطٌ مِنْ أَرشِها بالنِّسبةِ، وإنْ لم تُعرَفْ نِسبتُه منها فحُكومةٌ لا تَبلغُ أرشَ موضِحةٍ كجُرحِ سائرِ البدنِ. تَفسيرُ الحُكومةِ: أنْ يُقوَّمَ لو كانَ مَملوكًا وليسَ به هذه الشجَّةُ، ويُقوَّمَ وهي به، ثمَّ يُنظَرُ كم نقَصَ ذلكَ مِنْ قِيمةِ العَبدِ، فيَجبُ ذلكَ القَدرُ مِنْ ديَةِ الحُرِّ، فإنْ كانَ نصفَ عُشرِ القِيمةِ يَجبُ نِصفُ عُشرِ الدِّيةِ، وإنْ كانَ رُبعَ عُشرٍ فرُبعُ عُشرٍ. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ قولَه مِنْ أهلِ العِلمِ أنَّ معنَى قَولِهم حُكومةٌ أنْ يقالَ: إذا أصيبَ الإنسانُ بجُرحٍ لا عقْلَ له مَعلومٌ: كم قِيمةُ هذا لو كانَ عَبدًا قبلَ أنْ يُجرحَ هذا الجُرحَ أو يُضربَ هذا الضربَ؟ فإنْ قيلَ: مِائةُ دِينارٍ، قيلَ: وكم قيمتُه وقد أصابَه هذا الجُرحُ

стр. 13189

وانتَهى بُرؤُه؟ فإنْ قيلَ: «خَمسةٌ وتِسعينَ دينارًا» فالذي يَجبُ للمَجنيِّ عليهِ على الجاني نِصفُ عُشرِ الدِّيةِ، وإنْ قالوا: «تِسعينَ» ففيه عُشرُ الدِّيةِ، وما زادَ أو نقَصَ فعَلى هذا المِثالِ، ويُقبلُ فيه قَولُ رَجلَينِ ثِقتَينِ مِنْ أهلِ المَعرفةِ، وقيلَ: بل يُقبلُ عَدلٌ واحِدٌ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقوا على أنَّ الجُروحَ قِصاصٌ في كلِّ ما يَتأتَّى فيه القِصاصُ، ومِن الجُروحِ التي لا يَتأتَّى فيها: الخارِصةُ: وهي التي تَشقُّ الجِلدَ قليلًا، وقيلَ: بل تَكشطُه، ومنه قَولُهم: خرَصَ القصَّارُ الثَّوبَ، أي: شَقَّه، وتُسمَّى القاشِرةَ، وتُسمَّى المَلطاءَ. ثم الباضِعةُ: وهي التي تَشقُّ اللَّحمَ بعدَ الجلدِ. ثم البازِلةُ: وهي التي تُنزِلُ الدمَ، وتُسمَّى الدامِيةَ والدامِغةَ. والمُتلاحِمةُ: وهي التي تَغوصُ في اللَّحمِ. والسِّمحاقُ: وهي التي تَبقى بينَها وبينَ العَظمِ جِلدةٌ رَقيقةٌ. فهذهِ الجِراحُ الخَمسُ ليسَ فيها تَقديرٌ شَرعيٌّ بإجماعِ الأئمَّةِ الأربَعةِ المَذكورينَ، إلا ما رُويَ عن أحمَدَ مِنْ أنه ذهَبَ إلى حُكمِ زيدٍ في ذلكَ، وهو «أنَّ زَيدًا حكَمَ في الدامِغةِ ببَعيرٍ، وفي الباضِعةِ ببَعيرَينِ، وفي المُتلاحِمةِ بثلاثِ أبعِرةٍ، وفي السِّمحاقِ بأربَعةِ أبعِرةٍ»، قالَ أحمَدُ: فأنا أذهَبُ إليهِ، وهذهِ روايةُ أبي طالبٍ المِشكاتِيِّ عن أحمَدَ، والظاهرُ مِنْ مَذهبِه أنه لا مُقدَّرَ فيها كالجماعةِ.

стр. 13190

وأجمَعوا على أنَّ في كلِّ واحدٍ منها حُكومةٌ بعدَ الاندمالِ، والحُكومةُ أنْ يُقوَّمَ المَجنيُّ عليهِ قبلَ الجنايةِ كأنَّه كانَ عَبدًا ويقالَ: كم قِيمتُه قبلَ الجِنايةِ؟ وكم قيمتُه بعدَها؟ فيكونُ له بقَدرِ التفاوُتِ مِنْ ديَتِه. ثم اختَلفُوا في هذه الجِراحِ الخَمسِ التي فيها الحُكومةُ إذا بلَغَتْ مِقدارًا زائدًا على ما فيه التَّوقيتُ، هل يُؤخَذُ مقدارُ التوقيتِ؟ أو دُونهُ؟ فقالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ: إذا بلَغَتِ الحدَّ المؤقَّتَ فلا تُبلَغُ بها إليه في الأرشِ، بل تُنقصُ منه. وقالَ مالكٌ: يبلغُ بها إليهِ إذا بلَغَتْه ويُزادُ على أرشِ المؤقَّتِ إنْ زادَتْ هي عليهِ مُندمِلةً على شَيئينِ. وقالَ أحمَدُ: لا يُجاوَزُ بشَيءٍ مِنْ ذلكَ أرشَ المؤقَّتِ رِوايةً واحِدةً، وهل يُبلغُ بها أرشُ المؤقَّتِ؟ على رِوايتينِ: إحداهُما: لا يُبلغُ بها أرشُ المؤقَّتِ، وهي المَذهبُ. والأُخرى: يُبلغُ بها، والمؤقَّتُ هو الموضِحةُ (١). وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: قالَ مالكٌ: الأمرُ عندَنا أنه ليسَ فيما دونَ الموضِحةِ مِنْ الشِّجاجِ عقلٌ حتى تَبلغَ الموضِحةَ، وإنما العقلُ في الموضِحةِ فما فوقَها؛ وذلكَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ انتَهى إلى الموضِحةِ في كِتابِه لعَمرِو بنِ حَزمٍ فجعَلَ فيها خَمسًا مِنْ الإبلِ، ولم تَقْضِ الأئمَّةُ في القَديمِ ولا في الحَديثِ فيما دونَ الموضِحةِ بعَقلٍ مُسمًّى.

стр. 13191

قالَ أبو عُمرَ: قوله: «إنه ليسَ فيما دونَ الموضِحةِ عقلٌ مسمًّى وإنما فيه حُكومةٌ يَجتهدُ فيها الحاكِمُ»، وهو قولُ الشافِعيِّ وأبي حَنيفةَ وقولُ أكثَرِ العُلماءِ (١). السادِسةُ: المُوضِحةُ: وهي التي تُوضِحُ العَظمَ، أي تُبيِّنُه، وفيها نِصفُ عُشرِ دِيةِ صاحِبها، ففيها لحُرِّ ذَكرٍ مُسلمٍ غيرِ جَنينٍ خَمسةُ أبعِرةٍ، فتُراعَى هذه النِّسبةُ في حَقِّ غيرِه مِنْ المَرأةِ والكِتابيِّ وغَيرِهما، ويجبُ ذلك على العاقِلةِ في الخطأِ، وإنْ أدَّى مِنْ الإبلِ أدَّى في موضِحةِ الرَّجلِ خَمسًا من الإبلِ، وفي المَرأةِ نِصفُ ذلك؛ لأنَّ في كِتابِ عمرِو بنِ حَزمٍ: «وفي المُوضِحةِ خَمسٌ مِنْ الإبلِ» (٢). قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ في المُوضِحةِ خَمسًا مِنْ الإبلِ، وأجمَعُوا على أنَّ المُوضحةَ تكونُ في الرأسِ والوَجهِ (٣). وقالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: الموضِحةُ في الوَجهِ والرأسِ مُجتمَعٌ عليها، يَشهدُ الكافَّةُ مِنْ العُلماءِ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ وقَّتَ فيها نِصفَ عُشرِ الدِّيةِ، وأجمَعوا على ذلك (٤). وقالَ أيضًا: لا يَختلفونَ أنَّ الموضِحةَ فيها خَمسٌ مِنْ الإبلِ على ما في كتابِ عَمرِو بنِ حزمٍ أيضًا، والموضِحةُ عندَهم هي التي تُوضِحُ عن العَظمِ

стр. 13192

وتُبرِزُه حتى يُنظرَ إليه في الرأسِ خاصَّةً، ولا تكونُ في البَدنِ مُوضِحةٌ بحالٍ، وعلى ذلكَ جَماعةُ الفُقهاءِ، إلا الليثَ بنَ سَعدٍ فإنه قالَ: المُوضِحةُ تكونُ في الجَسدِ أيضًا، وقالَ الأوزاعيُّ: المُوضحةُ في الوَجهِ والرأسِ سَواءٌ، قالَ: وهي في جِراحةِ الجَسدِ على النصفِ ممَّا في جِراحةِ الرأسِ، واتَّفق مالكٌ والشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ والبَتيُّ وأصحابُهم أنَّ المُوضحةَ لا تكونُ إلا في الوجهِ والرأسِ، ولا تكونُ الجائِفةُ إلا في الجوفِ. وقالَ الشافِعيُّ وأبو يُوسفَ: لا تكونُ الموضِحةُ ولا المُنقِّلةُ ولا الهاشِمةُ ولا السِّمحاقُ ولا الباضِعةُ ولا المُتلاحِمةُ ولا الداميَةُ إلا في الرأسِ والجَبهةِ والصدغَينِ واللَّحيينِ ومَوضعِ اللَّحمِ مِنْ اللحيَينِ والذَّقنِ. وقالَ الشافِعيُّ: كلُّ جُرحٍ عندَ الوَجهِ والرأسِ ففيه حُكومةٌ، إلا الجائِفةَ ففيها ثُلثُ النَّفسِ. وقالَ مالِكٌ: المَأمومةُ والمنقِّلةُ والموضِحةُ لا تكونُ إلا في الرأسِ والوجهِ، ولا تكون المَأمومةُ إلا في الرأسِ خاصَّةً إذا وصَلَ إلى الدماغِ، قالَ: والموضِحةُ ما تكونُ في جُمجمةِ الرأسِ، وما دونَها فهو مِنْ العُنقِ ليسَ فيه موضِحةٌ، قالَ مالكٌ: والأنفُ ليسَ مِنْ الرأسِ، فليسَ فيه موضِحةٌ، وكذلكَ اللَّحيُ الأسفَلُ ليسَ فيه موضِحةٌ، وقالَ مالكٌ: في الخَدِّ موضِحةٌ، فإنْ شانَتِ الوجهَ زِيدَ في الأرشِ، فإنْ لم تَشِنْ لم يَزدْ على أرشِ الموضِحةِ، وذلكَ على الاجتهادِ، قالَ: ولم يَأخذْ مالكٌ بقَولِ سُليمانَ بنِ يَسارٍ في موضِحةٍ للوجهِ أنه يُزادُ فيها لشَينِها ما بينكَ وبينَ نصفِ عَقلِها، قالَ مالكٌ:

стр. 13193

وما سَمعتُ أحَدًا قالَه غيرَه، وقالَ أشهَبُ: لا يُزادُ لشَينِها شيءٌ، كانَتْ في الوجهِ أو في الرأسِ (١). وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: ولا يَختلفُ العُلماءُ أنَّ المُوضِحةَ فيها خَمسٌ مِنْ الإبلِ على ما في حَديثِ عَمرِو بنِ حَزمٍ، وفيه: «وفي المُوضِحةِ خَمسٌ»، وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الموضِحةَ تكونُ في الرأسِ والوَجهِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأما الموضِحةُ فجَميعُ الفقهاءِ على أنَّ فيها إذا كانَت خَطأً خَمسًا مِنْ الإبل، وثبَتَ ذلكَ عن رَسولِ اللهِ ﷺ في كِتابِه لعَمرِو بنِ حَزمٍ، ومِن حَديثِ عمرِو بنِ شُعيبٍ عن أبيه عن جَدَّه أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «في الموضِحةِ خَمسٌ»، يعني مِنْ الإبلِ. واختَلفَ العلماءُ في مَوضعِ المُوضحةِ مِنْ الجَسدِ، بعدَ اتِّفاقِهم على ما قُلنا، أعنِي: على وُجوبِ القِصاصِ في العَمدِ، ووُجوبِ الدِّيةِ في الخَطأِ منها. فقالَ مالكٌ: لا تكونُ الموضِحةُ إلا في جِهةِ الرَّأسِ والجَبهةِ والخَدَّينِ واللَّحيِ الأعلى، ولا تكونُ في اللَّحيِ الأسفلِ؛ لأنه في حُكمِ العُنقِ، ولا في الأنفِ. وإما الشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ فالموضِحةُ عندَهُما في جَميعِ الوجهِ والرأسِ، والجُمهورُ على أنها لا تكونُ في الجَسدِ، وقالَ الليثُ وطائِفةٌ: تكونُ

стр. 13194

الموضِحةُ في الجَنبِ، وقالَ الأوزاعيُّ: إذا كانَت في الجَسدِ كانَتْ على النصفِ مِنْ دِيتِها في الوَجهِ والرأسِ، ورُويَ عن عُمرَ أنه قالَ: «في مُوضِحةِ الجَسدِ نِصفُ عُشرِ ديَةِ ذلكَ العُضوِ». وغلَّظَ بعضُ العُلماءِ في موضِحةِ الوجهِ تَبرأُ على شَينٍ، فرَأى فيها مثلَ نصفِ عقلِها زائِدًا على عقلِها، ورَوى ذلكَ مالكٌ عن سُليمانَ بنِ يَسارٍ، واضطَربَ قولُ مالكٍ في ذلكَ، فمرَّةً قالَ بقولِ سُليمانَ بنِ يسارٍ، ومرةً قالَ: لا يُزادُ فيها على عقلِها شَيءٌ، وبه قالَ الجُمهورُ، وقد قيلَ عن مالكٍ إنه قالَ: إذا شانَتِ الوَجهَ كانَ فيها حُكومةٌ مِنْ غيرِ تَوقيفٍ، ومعنَى الحُكومةِ عندَ مالكٍ ما نقَصَ مِنْ قيمتِه أنْ لو كانَ عَبدًا (١). وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: فأما المُوضحةُ وهي التي تُوضِحُ عن العَظمِ، وفي موضِحةِ الوجهِ ففي أيِّ مَوضعٍ كانَت مِنْ الوجهِ فيها خَمسٌ مِنْ الإبلِ عندَ أبي حَنيفةَ والشافِعيِّ وأحمَدَ في إحدَى رِوايتَيه، والأخرَى: أنَّ فيها عشَرًا مِنْ الإبلِ. وقالَ مالكٌ: في مُوضحةِ الأنفِ واللِّحى الأسفَلِ حُكومةٌ خاصةً، وباقي المَواضعِ فيها خَمسٌ مِنْ الإبلِ. فإنْ كانَت الموضِحةُ في الرأسِ فهل هي بمَنزلةِ الموضِحةِ في الوجهِ أم لا؟ قالَ أبو حَنيفةَ ومالكٌ والشافِعيٌّ: هي بمَنزلتِها، وعن أحمَدَ رِوايتانِ:

стр. 13195

إحداهُما: هي بمَنزلتِها، والأخرَى: إذا كانَت في الوجهِ ففيها عَشرٌ، وإذا كانَت في الرأسِ ففيها خَمسٌ. وأجمَعوا على أنَّ المُوضحةَ فيها القِصاصُ إذا كانَتْ عَمدًا (١). السابِعةُ: الهاشِمةُ: وهي التي تَهشِمُ العَظمَ -أي: تَكسِرُه-، سواءٌ أوضَحَتْه أم لا. والهاشِمةُ لا قِصاصَ فيها عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ؛ لأنه ليسَ لها حدٌّ تَنتهي إليه ولا يُمكِنُ الاستيفاءُ مِنْ غير حَيفٍ. ونَصَّ الشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنَّ له أنْ يَقتصَّ مُوضِحةً بَدلًا عنها، ويَجبُ له إذا اقتَصَّ موضِحةً ما بينَ ديَةِ الموضِحةِ وبينَ ديَةِ الهاشِمةِ. والهاشِمةُ فيها عُشرُ الدِّيةِ، وهو مِنْ الدَّراهمِ ألفُ دِرهمٍ، ومن الإبلِ عَشرٌ، وفي المَرأةِ نصفُ ذلكَ إذا أوضحَتْ، وقالَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ: بدُونِ إيضاحٍ فيها خَمسةُ أبعِرةٍ. وفي رِوايةٍ للحَنابلةِ: فيها حُكومةٌ. وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأما الهاشِمةُ وهي التي تَكسرُ العَظمَ وتَهشمُه، فقالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأحمَدُ: فيها عَشرٌ مِنْ الإبلِ. واختُلفَ عن مالكٍ، فقالَ في رِوايةٍ عنه: لا أعرفُ الهاشِمةَ، فإذا أوضَحَ وهشَمَ فعليهِ في الإيضاحِ خَمسٌ مِنْ الإبلِ، وفي الهَشمِ حُكومةٌ، وهي اختيارُ

стр. 13196

ابنِ القصَّارِ مِنْ أصحابِه، ورُويَ عنه أنَّ فيها خَمسَ عَشرةَ مِنْ الإبلِ كما في المنقِّلةِ، وهذا اختيارُ الأبهَريِّ مِنْ أصحابِه، وقالَ أشهَبُ: فيها عَشرٌ مِنْ الإبلِ (١). وقالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وليسَ في الهاشِمةِ عن رَسولِ اللهِ ﷺ فَرضٌ يُعلَمُ، وعَوامُّ أهلِ العلمِ يَجعلونَ في الهاشمةِ عَشرًا مِنْ الإبلِ (٢). الثامِنةُ: المُنقِّلةُ: وهي التي تَنقلُ العَظمَ بعدَ الكَسرِ، أي تُحوِّلُه مِنْ مَحَلٍّ إلى آخَرَ، سَواءٌ أوضَحَتْه وهشَمَتْه أم لا. وفيها عُشرٌ ونِصفُ عُشرٍ، وهو مِنْ الدَّراهمِ ألفٌ وخَمسُمائةٍ، ومن الإبلِ خَمسةَ عَشرَ؛ لمَا في كِتابِ عَمرِو بنِ حَزمٍ: «وفي المُنقِّلةِ خَمسَ عَشرةَ مِنْ الإبلِ» (٣). قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ في المنقِّلةِ خَمسةَ عَشرَ مِنْ الإبلِ، وأجمَعوا على أنَّ المنقِّلةَ هي التي تَنقلُ العِظامَ، وأجمَعوا على أنَّ المنقِّلةَ لا قوَدَ فيها، وانفرَدَ ابنُ الزبيرِ فروينَا أنه أقادَ فيها (٤). وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأما المنقِّلةُ فهي التي تُوضحُ وتَهشمُ وتَسطو حتى يَنتقلَ منها العِظامُ، وفيها خَمسَ عَشرةَ مِنْ الإبلِ بالإجماعِ (٥).

стр. 13197

وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وليسَ في شَيءٍ مِنْ شِجاجِ الرأسِ قِصاصٌ سِوى الموضِحةِ، وسواءٌ في ذلكَ ما دونَ الموضِحةِ كالحارِصةِ والبازِلةِ والباضِعةِ والمُتلاحِمةِ والسِّمحاقِ، وما فوقَها وهي الهاشِمةُ والمنقِّلةُ والآمَّةُ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ، فأما ما فوقَ الموضِحةِ فلا نَعلمُ أحدًا أوجَبَ فيها القِصاصَ، إلا ما رُويَ عن ابنِ الزبيرِ أنه أقادَ مِنْ المنقِّلةِ، وليسَ بثابتٍ عنه، وممَّن قالَ به عطاءٌ وقَتادةُ وابنُ شُبرمةَ و مالكٌ والشافِعيُّ وأصحابُ الرأيِ، وقالَ ابنُ المُنذرِ: لا أعلَمُ أحدًا خالَفَ ذلكَ، ولأنهُما جِراحتانِ لا تُؤمَنُ الزيادةُ فيهما، أشبَهَا المَأمومةَ والجائِفةَ (١). التاسِعةُ: المَأمومةُ: وتُسمَّى الآمَّةَ، وهي التي قطَعَتِ العَظمَ وبلَغَتْ إلى قِشرةٍ رَقيقةٍ فوقَ الدماغِ. وهذهِ ليسَ فيها قِصاصٌ إجماعًا، وفيها ثُلثُ الدِّيةِ إجماعًا؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ في حَديثِ عَمرِو بنِ حَزمٍ: «وفي المَأمومةِ ثلثُ الدِّيةِ ثَلاثٌ وثَلاثونَ مِنْ الإبلِ وثُلثٌ، أو قِيمتُها مِنْ الذَّهبِ أو الورِقِ أو البَقرِ أو الشَّاءِ» (٢). قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعوا أنَّ في المَأمومةِ ثُلثَ الدِّيةِ، وأجمَعوا أنْ لا قوَدَ في المَأمومةِ (٣).

стр. 13198

وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأما المَأمومةُ فهي التي تَصلُ إلى الجِلدةِ التي للدِّماغِ، وتُسمَّى الآمَّةَ، ففيها ثلثُ الدِّيةِ إجماعًا (١). وقالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: لا أعلَمُ أحَدًا قالَ: في المَأمومةِ قَودٌ، ولا في الجائِفةِ … قالَ أبو عُمرَ: اتَّفق مالكٌ والشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ وأصحابُهم على أنه لا قِصاصَ في شَيءٍ مِنْ شِجاجِ الرأسِ إلا في الموضِحةِ وما عَداها مِنْ شِجاجِ الرأسِ ففيها الدِّيةُ، وقد مَضَى ما في المنقِّلةِ والهاشِمةِ. واتَّفقوا على أنَّ في المَأمومةِ ثُلثَ الدِّيةِ، وكذلكَ في كتابِ النبيِّ ﷺ لعَمرِو بنِ حَزمٍ في الديَاتِ قالَ: «وفي المَأمومةِ ثُلثُ الدِّيةِ». قالَ أبو عُمرَ: أهلُ العِراقِ يُسمُّونها الآمَّةَ، قالوا: هي التي تَؤمُّ الدماغَ، وفيها ثلثُ الدِّيةِ (٢). العاشِرةُ: الدَّامِغةٌ: وهي التي تَخرقُ جِلدةَ الدماغِ وتَصلُ إليه، وقيلَ: لا يَعيشُ صاحبُها غالبًا. ولم يَذكرْها فُقهاءُ الحَنفيةِ؛ لأنَّ الإنسانَ لا يَعيشُ معَها في الغالبِ، فلا معنَى لذِكرِها، ويكونُ حُكمُها حُكمَ القتلِ. ولا قِصاصَ فيها اتِّفاقًا. واختَلفُوا فيها هل تَجبُ فيها ديَةٌ كامِلةٌ؟ أم ثُلثُ الدِّيةِ؟ أم حُكومةٌ؟

стр. 13199

فعندَ بعضِ الشافِعيةِ: فيها الدِّيةُ كامِلةً؛ لأنَّ الإنسانَ لا يَعيشُ معَها غالبًا. وعندَ الشافِعيةِ في المَذهبِ والحَنابلةِ في المَذهبِ: فيها ما في المَأمومةِ ثُلثُ الدِّيةِ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ خرَقَ جِلدةَ الدماغِ فهي الدامِغةُ، وفيها ما في المَأمومةِ، قالَ القاضي: لم يَذكرْ أصحابُنا الدامِغةَ؛ لمُساواتِها المَأمومةَ في أرشِها، وقيلَ: فيها في ذلكَ حُكومةٌ؛ لخَرقِ جِلدةِ الدِّماغِ، ويَحتملُ أنهُم تَرَكوا ذِكرَها لكَونِها لا يَسلمُ صاحبُها في الغالبِ (١). وقالَ البَغويُّ ﵀: والعاشِرةُ: الدامِغةُ، وهي التي تَخرقُ الخَريطةَ فتَصلُ إلى الدِّماغِ، فلا تُتصوَّرُ الحَياةُ بعدَه، فيَجبُ فيها كمالُ ديَةِ النَّفسِ (٢). وقالَ الشِّيرازيُّ ﵀: وأما الدامِغةُ فقدْ قالَ بعضُ أصحابِنا: يَجبُ فيها ما يَجبُ في المَأمومةِ. وقالَ أقضَى القُضاةِ أبو الحَسنِ الماوَرديُّ البَصريُّ: يَجبُ عليهِ أرشُ المأمومةِ وحُكومةٌ؛ لأنَّ خرْقَ الجِلدِ جِنايةٌ بعدَ المأمومةِ، فوجَبَ لأجْلِها حُكومةٌ (٣).

стр. 13200

الضَّربُ الثاني: الجِراحاتُ في سائرِ البَدنِ: الجِراحاتُ في سائرِ البَدنِ: جائِفةٌ وغيرُ جائِفةٍ، وغيرُ الجائفةِ كالمُوضِحةِ والهاشِمةِ والمنقِّلةِ وما دونَها مِنْ الجِراحاتِ، وقد تقدَّمَ حُكمُها. حُكمُ الجائِفةِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الجائِفةَ مِنْ جِراحِ الجَسدِ لا مِنْ شِجاجِ الرَّأسِ، وأنها تكونُ في الظَّهرِ وفي البَطنِ، وأنه لا قِصاصَ فيها، وفيها ثُلثُ الدِّيةِ إجماعًا، فإنْ نفَذَتْ إلى الجانبِ الآخَرِ فهُمَا جائِفتانِ وفيهِما ثُلثَا الدِّيةِ؛ لِما في كِتابِ عَمرِو بنِ حَزمٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «وفي الجائِفةِ ثُلثُ الدِّيةِ» (١).
следующие страницы →