ابنِ القصَّارِ مِنْ أصحابِه، ورُويَ عنه أنَّ فيها خَمسَ عَشرةَ مِنْ الإبلِ كما في المنقِّلةِ، وهذا اختيارُ الأبهَريِّ مِنْ أصحابِه، وقالَ أشهَبُ: فيها عَشرٌ مِنْ الإبلِ (١).
وقالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وليسَ في الهاشِمةِ عن رَسولِ اللهِ ﷺ فَرضٌ يُعلَمُ، وعَوامُّ أهلِ العلمِ يَجعلونَ في الهاشمةِ عَشرًا مِنْ الإبلِ (٢).
الثامِنةُ: المُنقِّلةُ: وهي التي تَنقلُ العَظمَ بعدَ الكَسرِ، أي تُحوِّلُه مِنْ مَحَلٍّ إلى آخَرَ، سَواءٌ أوضَحَتْه وهشَمَتْه أم لا.
وفيها عُشرٌ ونِصفُ عُشرٍ، وهو مِنْ الدَّراهمِ ألفٌ وخَمسُمائةٍ، ومن الإبلِ خَمسةَ عَشرَ؛ لمَا في كِتابِ عَمرِو بنِ حَزمٍ: «وفي المُنقِّلةِ خَمسَ عَشرةَ مِنْ الإبلِ» (٣).
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ في المنقِّلةِ خَمسةَ عَشرَ مِنْ الإبلِ، وأجمَعوا على أنَّ المنقِّلةَ هي التي تَنقلُ العِظامَ، وأجمَعوا على أنَّ المنقِّلةَ لا قوَدَ فيها، وانفرَدَ ابنُ الزبيرِ فروينَا أنه أقادَ فيها (٤).
وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأما المنقِّلةُ فهي التي تُوضحُ وتَهشمُ وتَسطو حتى يَنتقلَ منها العِظامُ، وفيها خَمسَ عَشرةَ مِنْ الإبلِ بالإجماعِ (٥).
стр. 13197
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وليسَ في شَيءٍ مِنْ شِجاجِ الرأسِ قِصاصٌ سِوى الموضِحةِ، وسواءٌ في ذلكَ ما دونَ الموضِحةِ كالحارِصةِ والبازِلةِ والباضِعةِ والمُتلاحِمةِ والسِّمحاقِ، وما فوقَها وهي الهاشِمةُ والمنقِّلةُ والآمَّةُ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ، فأما ما فوقَ الموضِحةِ فلا نَعلمُ أحدًا أوجَبَ فيها القِصاصَ، إلا ما رُويَ عن ابنِ الزبيرِ أنه أقادَ مِنْ المنقِّلةِ، وليسَ بثابتٍ عنه، وممَّن قالَ به عطاءٌ وقَتادةُ وابنُ شُبرمةَ و مالكٌ والشافِعيُّ وأصحابُ الرأيِ، وقالَ ابنُ المُنذرِ: لا أعلَمُ أحدًا خالَفَ ذلكَ، ولأنهُما جِراحتانِ لا تُؤمَنُ الزيادةُ فيهما، أشبَهَا المَأمومةَ والجائِفةَ (١).
التاسِعةُ: المَأمومةُ: وتُسمَّى الآمَّةَ، وهي التي قطَعَتِ العَظمَ وبلَغَتْ إلى قِشرةٍ رَقيقةٍ فوقَ الدماغِ.
وهذهِ ليسَ فيها قِصاصٌ إجماعًا، وفيها ثُلثُ الدِّيةِ إجماعًا؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ في حَديثِ عَمرِو بنِ حَزمٍ: «وفي المَأمومةِ ثلثُ الدِّيةِ ثَلاثٌ وثَلاثونَ مِنْ الإبلِ وثُلثٌ، أو قِيمتُها مِنْ الذَّهبِ أو الورِقِ أو البَقرِ أو الشَّاءِ» (٢).
قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعوا أنَّ في المَأمومةِ ثُلثَ الدِّيةِ، وأجمَعوا أنْ لا قوَدَ في المَأمومةِ (٣).
стр. 13198
وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأما المَأمومةُ فهي التي تَصلُ إلى الجِلدةِ التي للدِّماغِ، وتُسمَّى الآمَّةَ، ففيها ثلثُ الدِّيةِ إجماعًا (١).
وقالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: لا أعلَمُ أحَدًا قالَ: في المَأمومةِ قَودٌ، ولا في الجائِفةِ …
قالَ أبو عُمرَ: اتَّفق مالكٌ والشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ وأصحابُهم على أنه لا قِصاصَ في شَيءٍ مِنْ شِجاجِ الرأسِ إلا في الموضِحةِ وما عَداها مِنْ شِجاجِ الرأسِ ففيها الدِّيةُ، وقد مَضَى ما في المنقِّلةِ والهاشِمةِ.
واتَّفقوا على أنَّ في المَأمومةِ ثُلثَ الدِّيةِ، وكذلكَ في كتابِ النبيِّ ﷺ لعَمرِو بنِ حَزمٍ في الديَاتِ قالَ: «وفي المَأمومةِ ثُلثُ الدِّيةِ».
قالَ أبو عُمرَ: أهلُ العِراقِ يُسمُّونها الآمَّةَ، قالوا: هي التي تَؤمُّ الدماغَ، وفيها ثلثُ الدِّيةِ (٢).
العاشِرةُ: الدَّامِغةٌ: وهي التي تَخرقُ جِلدةَ الدماغِ وتَصلُ إليه، وقيلَ: لا يَعيشُ صاحبُها غالبًا.
ولم يَذكرْها فُقهاءُ الحَنفيةِ؛ لأنَّ الإنسانَ لا يَعيشُ معَها في الغالبِ، فلا معنَى لذِكرِها، ويكونُ حُكمُها حُكمَ القتلِ.
ولا قِصاصَ فيها اتِّفاقًا.
واختَلفُوا فيها هل تَجبُ فيها ديَةٌ كامِلةٌ؟ أم ثُلثُ الدِّيةِ؟ أم حُكومةٌ؟
стр. 13199
فعندَ بعضِ الشافِعيةِ: فيها الدِّيةُ كامِلةً؛ لأنَّ الإنسانَ لا يَعيشُ معَها غالبًا.
وعندَ الشافِعيةِ في المَذهبِ والحَنابلةِ في المَذهبِ: فيها ما في المَأمومةِ ثُلثُ الدِّيةِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ خرَقَ جِلدةَ الدماغِ فهي الدامِغةُ، وفيها ما في المَأمومةِ، قالَ القاضي: لم يَذكرْ أصحابُنا الدامِغةَ؛ لمُساواتِها المَأمومةَ في أرشِها، وقيلَ: فيها في ذلكَ حُكومةٌ؛ لخَرقِ جِلدةِ الدِّماغِ، ويَحتملُ أنهُم تَرَكوا ذِكرَها لكَونِها لا يَسلمُ صاحبُها في الغالبِ (١).
وقالَ البَغويُّ ﵀: والعاشِرةُ: الدامِغةُ، وهي التي تَخرقُ الخَريطةَ فتَصلُ إلى الدِّماغِ، فلا تُتصوَّرُ الحَياةُ بعدَه، فيَجبُ فيها كمالُ ديَةِ النَّفسِ (٢).
وقالَ الشِّيرازيُّ ﵀: وأما الدامِغةُ فقدْ قالَ بعضُ أصحابِنا: يَجبُ فيها ما يَجبُ في المَأمومةِ.
وقالَ أقضَى القُضاةِ أبو الحَسنِ الماوَرديُّ البَصريُّ: يَجبُ عليهِ أرشُ المأمومةِ وحُكومةٌ؛ لأنَّ خرْقَ الجِلدِ جِنايةٌ بعدَ المأمومةِ، فوجَبَ لأجْلِها حُكومةٌ (٣).
стр. 13200
الضَّربُ الثاني: الجِراحاتُ في سائرِ البَدنِ:
الجِراحاتُ في سائرِ البَدنِ: جائِفةٌ وغيرُ جائِفةٍ، وغيرُ الجائفةِ كالمُوضِحةِ والهاشِمةِ والمنقِّلةِ وما دونَها مِنْ الجِراحاتِ، وقد تقدَّمَ حُكمُها.
حُكمُ الجائِفةِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الجائِفةَ مِنْ جِراحِ الجَسدِ لا مِنْ شِجاجِ الرَّأسِ، وأنها تكونُ في الظَّهرِ وفي البَطنِ، وأنه لا قِصاصَ فيها، وفيها ثُلثُ الدِّيةِ إجماعًا، فإنْ نفَذَتْ إلى الجانبِ الآخَرِ فهُمَا جائِفتانِ وفيهِما ثُلثَا الدِّيةِ؛ لِما في كِتابِ عَمرِو بنِ حَزمٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «وفي الجائِفةِ ثُلثُ الدِّيةِ» (١).
стр. 13201
وحَديثِ عَمرِو بنِ شُعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه مَرفوعًا وفيه: «وفي الجائِفةِ ثُلثُ العَقلِ» (١)(٢).
قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وفي الجائِفةِ ثُلثُ ديَةِ النَّفسِ باتِّفاقٍ، وهي التي تَخرقُ إلى الجَوفِ.
والجائِفةُ لا تكونُ إلا في البَطنِ أو الظَّهرِ أو الجَنبينِ، وهي التي تَصلُ إلى الجَوفِ، وفيها ثُلثُ الدِّيةِ، ولا تَنازُعَ بينَ أهلِ العلمِ في ذلكَ (٣).
وقالَ: وأجمَعوا على أنَّ في الجائِفةِ ثلثُ الدِّيةِ، إلا شَيئًا رويَ عن مَكحولٍ، فإنه فرَّقَ بينَ العَمدِ والخَطأِ، رُويَ عنه أنه قالَ: إذا كانَتِ الجائفةُ عَمدًا ففيها ثُلثَا الدِّيةِ، وإنْ كانَتْ خَطأً ففيها ثُلثٌ.
قالَ أبو بَكرٍ: ولا نَعلمُ أحَدًا وافَقَه على ذلكَ، وهو مع شُذوذِه وانفِرادِه عن أهلِ العلمِ خِلافُ ظاهرِ حَديثِ عَمرِو بنِ حَزمٍ، ولا فرْقَ بينَ الخَطأِ والعَمدِ فيه، وكلُّ مَنْ أحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ يَجعلُ في الجائِفةِ النافِذةِ ثُلثَي الدِّيةِ، روينَا عن أبي بكرٍ الصدِّيقِ أنه قضَى بذلكَ (٤).
وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأما الجائِفةُ فأجمَعَ العُلماءُ على أنها مِنْ جِراحِ الجَسدِ لا مِنْ شِجاجِ الرَّأسِ، وأنها تكونُ في الظَّهرِ وفي البطنِ
стр. 13202
إذا وصَلَ شيءٌ منها إلى الجَوفِ ولو بمَدخلِ إبرةٍ فهي جائفةٌ، وفيها ثُلثُ الدِّيةِ، ولا قوَدَ فيها وإنْ كانَت عَمدًا (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: الجائِفةُ وهي التي تَصلُ إلى الجَوفِ، وفيها ثُلثُ الدِّيةِ إجماعًا (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (وفي الجائِفةِ ثلثُ الدِّيةِ، وهي التي تَصلُ إلى الجوفِ).
هذا قَولُ عامَّةِ أهلِ العِلمِ، منهُم أهلُ المَدينةِ وأهلُ الكُوفةِ وأهلُ الحديثِ وأصحابُ الرأيِ، إلا مَكحولًا قالَ: فيها في العَمدِ ثُلثَا الدِّيةِ.
ولنا: قَولُ النبيِّ ﷺ في كِتابِ عَمرِو بنِ حَزمٍ: «وفي الجائِفةِ ثُلثُ الدِّيةِ» (٣)، وعن ابنِ عُمرَ عن النبيِّ ﷺ مثلُ ذلكَ.
ولأنها جِراحةٌ فيها مُقدَّرٌ، فلَم يَختلفْ أرشُها بالعَمدِ والخطأِ كالموضِحةِ، ولا نَعلمُ في جِراحِ البَدنِ الخاليةِ عن قَطعِ الأعضاءِ وكَسرِ العِظامِ مُقدَّرًا غيرَ الجائفةِ.
والجائفةُ ما وصَلَ إلى الجَوفِ مِنْ بَطنٍ أو ظَهرٍ أو صَدرٍ أو ثَغرةِ نَحرٍ أو وِركٍ أو غيرِه، وذكَرَ ابنُ عبدِ البَرِّ أنَّ مالِكًا وأبا حَنيفةَ والشافِعيَّ والبَتيَّ وأصحابَهم اتَّفقوا على أنَّ الجائِفةَ لا تكونُ إلا في الجَوفِ، قالَ ابنُ القاسِمِ:
стр. 13203
الجائِفةُ ما أفضَى إلى الجَوفِ ولو بمَغرزٍ إبرةٍ، فأما إنْ خرَقَ شِدقَه فوصَلَ إلى باطنِ الفَمِ فليسَ بجائفةٍ؛ لأنَّ داخِلَ الفَمِ حُكمُه حُكمُ الظاهرِ لا حُكمُ الباطنِ، وإنْ طعَنَه في وَجنتِه فكسَرَ العَظمَ ووصَلَ إلى فيهِ فليسَ بجائفةٍ؛ لِما ذكَرْنا.
وقالَ الشافِعيُّ في أحَدِ قَوليهِ: «هو جائفةٌ؛ لأنه قد وصَلَ إلى جَوفٍ»، وهذا يَنتقضُ بما إذا خرَقَ شِدقَه، فعلى هذا يكونُ عليهِ ديةُ هاشِمةٍ لكَسرِ العَظمِ وفيما زادَ حُكومةٌ، وإنْ جرَحَه في أنفِه فأنفَذَه فهو كما لو جرَحَه في وَجنتِه فأنفَذَه إلى فيهِ في الحُكمِ والخلافِ، وإنْ جرَحَه في ذَكرِه فوصَلَ إلى مَجرَى البَولِ الذكَرِ فليسَ بجائفةٍ؛ لأنه ليسَ بجَوفٍ يُخافُ التلفُ مِنْ الوُصولِ إليه، بخِلافِ غيرِه.
فَصلٌ: وإنْ أجافَه جائفتَينِ بينَهُما حاجِزٌ فعَليهِ ثُلثَا الدِّيةِ، وإنْ خرَقَ الجاني ما بينَهُما أو ذهَبَ بالسِّرايةِ صارَ جائِفةً واحِدةً فيها ثُلثُ الدِّيةِ لا غيرُ، وإنْ خرَقَ ما بينَهُما أجنَبيٌّ أو المَجنيُّ عليهِ فعلى الأولِ ثُلثَا الدِّيةِ وعلى الأجنبيِّ الثاني ثُلثُها، ويَسقطُ ما قابَلَ فِعلَ المجنيِّ عليهِ، وإنِ احتاجَ إلى خَرقِ ما بينَهُما للمُداواةِ فخرَقَها المجنيُّ عليهِ أو غيرُه بأمرِه أو خرَقَها وليُّ المجنيِّ عليهِ لذلكَ أو الطبيبُ بأمرِه فلا شَيءَ في خَرقِ الحاجزِ، وعلى الأولِ ثُلثَا الدِّيةِ، وإنْ أجافَه رَجلٌ فوسَّعَها آخَرُ فعَلى كلِّ واحِدٍ منهُما أرشُ جائِفةٍ؛ لأنَّ فِعلَ كلِّ واحدٍ منهُما لو انفرَدَ كانَ جائِفةً، فلا يَسقطُ حُكمُه بانضِمامِه إلى فعلِ غيرِه؛ لأنَّ فِعلَ الإنسانِ لا يَنبَني على فِعلِ غيرِه، وإنْ وسَّعَها الطبيبُ بإذنِه أو إذنِ وليِّه لمَصلحتِه فلا شيءَ عليهِ …
стр. 13204
فَصلٌ: وإنْ جرَحَ فَخذَه ومَدَّ السكِّينَ حتى بلَغَ الوِركَ فأجافَ فيه، أو جرَحَ الكتِفَ وجَرَّ السكِّينَ حتى بلَغَ الصَّدرَ فأجافَه فيه فعليهِ أرشُ الجائِفةِ وحُكومةٌ في الجِراحِ؛ لأنَّ الجِراحَ في غيرِ مَوضعِ الجائِفةِ، فانفَردَتْ بالضَّمانِ، كما لو أوضَحَه في رأسِه وجَرَّ السكينَ حتى بلَغَ القَفا فإنه يَلزمُه أرشُ مُوضِحةٍ وحُكومةٌ لجُرحِ القَفا (١).
إذا نفَذَتِ الجائِفةُ إلى الجانِبِ الآخَرِ ففيها ثُلثَا الدِّيةِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الجائِفةَ إذا نفَذَتْ إلى الجانِبِ الآخَرِ أنَّ فيها ثُلثَا الدِّيةِ.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وكل مَنْ أحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ يَجعلُ في الجائِفةِ النافِذةِ ثُلثَي الدِّيةِ، روينَا عن أبي بكرٍ الصدِّيقِ أنه قضَى بذلكَ (٢).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: فإنْ نفَذَتْ إلى الجانبِ الآخَرِ فهُمَا جائِفتانِ، وفيهما ثُلثَا الدِّيةِ.
وقد رُويَ عن سيدنا أبي بكرٍ الصدِّيقِ أنه حكَمَ في جائِفةٍ نفَذَتْ إلى الجانبِ الآخَرِ بثُلثَي الدِّيةِ، وكانَ ذلكَ بمَحضرٍ مِنْ الصحابةِ الكِرامِ، ولم يُنقلْ أنه خالَفَه في ذلكَ أحَدٌ منهُم فيكونُ إجماعًا (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ جرَحَه في جَوفِه فخرَجَ مِنْ الجانبِ الآخَرِ فهُمَا جائِفتانِ.
стр. 13205
هذا قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، منهُم عَطاءٌ ومُجاهدٌ وقَتادةُ ومالكٌ والشافِعيُّ وأصحابُ الرأيِ، قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: لا أعلَمُهم يَختلفونَ في ذلكَ، وحُكيَ عن بَعضِ أصحابِ الشافِعيِّ أنه قالَ: هي جائفةٌ واحِدةٌ، وحُكيَ أيضًا عن أبي حَنيفةَ؛ لأنَّ الجائفةَ هي التي تَنفذُ مِنْ ظاهرِ البَدنِ إلى الجَوفِ، وهذه الثانيةُ إنما نفَذَتْ مِنْ الباطنِ إلى الظاهِرِ.
ولنا: ما رَوى سَعيدُ بنُ المُسيبِ «أنَّ رَجلًا رمَى رَجلًا بسَهمٍ فأنفَذَه، فقَضَى أبو بكرٍ ﵁ بثُلثَي الدِّيةِ»، ولا مُخالِفَ له فيكونُ إجماعًا، أخرَجَه سَعيدُ بنُ مَنصورٍ في سُننِه، ورُويَ عن عَمرِو بنِ شَعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه «أنَّ عُمرَ قَضى في الجائِفةِ إذا نفَذَتِ الجوفَ بأرشِ جائفتَينِ»؛ لأنه أنفَذَه مِنْ موضعَينِ، فكانَ جائفتَينِ كما لو أنفَذَه بضَربتينِ، وما ذكَرَه غيرُ صَحيحٍ؛ فإنَّ الاعتبارَ بوُصولِ الجُرحِ إلى الجَوفِ لا بكَيفيةِ إيصالِه؛ إذ لا أثَرَ لصُورةِ الفِعلِ مع التساوي في المعنَى، ولأنَّ ما ذكَرَوه مِنْ الكَيفيةِ ليسَ بمَذكورٍ في خبَرٍ، وإنما العادةُ في الغالبِ وُقوعُ الجائِفةِ هكذا، فلا يُعتبَرُ كما أنَّ العادةَ في الغالبِ حُصولُها بالحَديدِ، ولو حصَلَتْ بغيرِه لَكانَت جائفةً، ثم يَنتقضُ ما ذكَرَوه بما لو أدخَلَ يَدَه في جائِفةِ إنسانٍ فخرَقَ بطنَه مِنْ مَوضعٍ آخَرَ فإنه يَلزمُه أرشُ جائِفةٍ بغيرِ خلافٍ نَعلمُه، وكذلكَ يُخرَّجُ فيمَن أوضَحَ إنسانًا في رأسِه ثم أخرَجَ رأسَ السكِّينِ مِنْ مَوضعٍ آخَرَ فهيَ مُوضِحتانِ، فإنْ هشَمَه هاشِمةً لها مَخرجانِ فهي هاشِمتانِ، وكذلكَ ما أشبَهَه (١).
стр. 13206
النَّوعُ الثاني: الدِّيةُ في الأطرافِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الأطرافَ إذا جُنيَ عليها بالخَطأِ أنَّ فيها الدِّيةَ.
واتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ كلَّ عُضوٍ لم يَخلقِ اللهُ تعالَى في الإنسانِ منه إلا واحِدًا كاللسانِ والأنفِ والذكَرِ والصُّلبِ ففيهِ ديَةٌ كامِلةٌ؛ لأنَّ إتلافَه إذهابُ مَنفعةِ الجِنسِ، وإذهابُها كإتلافِ النَّفسِ.
وما فيهِ منه شَيئانِ كاليدَينِ والرِّجلينِ والعَينينِ والأذُنينِ والمِنخرينِ والشَّفتينِ والخِصيتينِ والثَّديينِ والأليَتينِ ففيهِما الدِّيةُ كامِلةً؛ لأنَّ في إتلافها إذهابُ مَنفعةِ الجِنسِ، وفي إحداهُما نصفٌ؛ لأنَّ في إتلافِه إذهابُ نصفِ مَنفعةِ الجِنسِ.
والأصلُ في ذلك حَديثُ النَّسائيِّ ومالكٍ في «المُوطَّأ»: «أنه ﷺ كتَبَ لعَمرِو بنِ حَزمٍ كِتابًا إلى أهلِ اليَمنِ فيهِ الفَرائضُ والسُّننُ والدِّيَاتُ، وقالَ فيه: أنَّ في النَّفسِ مِائةً مِنْ الإبلِ، وفي الأنفِ إذا أُوعَى جَدعًا مِائةٌ مِنْ الإبلِ، وفي المَأمومةِ ثُلثُ الدِّيةِ، وفي الجائِفةِ مِثلُها، وفي العَينِ خَمسونَ، وفي اليَدِ خَمسونَ، وفي الرِّجلِ خَمسونَ، وفي كُلِّ أُصبعٍ ممَّا هُنالكَ عَشرٌ مِنْ الإبلِ، وفي السّنِّ خَمسٌ، وفي المُوضِحةِ خَمسٌ» (١).
стр. 13207
وعن الزُّهريِّ عن أبي بَكرِ بنِ مُحمدِ بنِ عَمرِو بنِ حَزمٍ عن أبيه عن جَدِّه «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كتَبَ إلى أهلِ اليَمنِ كِتابًا فيه الفَرائِضُ والسُّننُ والدِّيَاتُ، وبعَثَ بهِ مع عَمرِو بنِ حَزمٍ فقُرِئتْ على أهلِ اليَمنِ، هذه نُسخَتُها: «مِنْ مُحمدٍ النبيِّ ﷺ إلى شُرَحبيلَ بنِ عبدِ كُلالٍ ونُعَيمِ بنِ عبدِ كُلالٍ والحارِثِ بنِ عبدِ كُلالٍ، قيلَ ذِي رُعَينٍ ومَعافِرَ وهَمدانَ، أمَّا بعدُ، وكانَ في كِتابِه أنَّ مَنْ اعتَبطَ مُؤمِنًا قَتلًا عن بيِّنةٍ فإنه قَودٌ، إلا أنْ يَرضى أولِياءُ المَقتولِ، وأنَّ في النَّفسِ الدِّيةَ مِائةً مِنْ الإبلِ، وفي الأنفِ إذا أُوعِبَ جَدعُه الدِّيةُ، وفي اللِّسانِ الدِّيةُ، وفي الشَّفَتينِ الدِّيةُ، وفي البَيضَتينِ الدِّيةُ، وفي الذَّكرِ الدِّيةُ، وفي الصُّلبِ الدِّيةُ، وفي العَينَينِ الدِّيةُ، وفي الرِّجلِ الواحِدةِ نِصفُ الدِّيةِ، وفي المَأمومةِ ثلُثُ الدِّيةِ، وفي الجائِفةِ ثُلثُ الدِّيةِ، وفي المُنقِّلةِ خَمسَ عَشرةَ مِنْ الإبلِ، وفي كلِّ أُصبعٍ مِنْ أصابعِ اليَدِ والرِّجلِ عَشرٌ مِنْ الإبلِ، وفي السِّنِّ خَمسٌ مِنْ الإبلِ، وفي المُوضِحةِ خَمسٌ مِنْ الإبلِ، وأنَّ الرَّجلَ يُقتلُ بالمَرأةِ، وعلى أهلِ الذَّهبِ ألفُ دِينارٍ» (١).
وما في الإنسانِ منه أربَعةُ أشياءٍ ففيها الديَةُ، وفي كلِّ واحدٍ منها رُبعُ الدِّيةِ، وهو أجفانُ العَينينِ وأهدابُها، وهذا عندَ الجُمهورِ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ.
وقالَ المالِكيةُ: فيها حُكومةٌ، وسَيأتي بيانُ ذلكَ مُفصَّلًا.
стр. 13208
وما فيهِ منه عَشرةٌ ففيها الدِّيةُ، وفي كلِّ واحِدٍ منها عُشرُها، وهي أصابعُ اليَدينِ وأصابعُ الرِّجلينِ.
قالَ ابن قُدامةَ ﵀: وما فيه منه ثَلاثةُ أشياءَ ففيها الدِّيةُ، وفي الواحدِ ثلثُها، وهو المِنخرانِ والحاجزُ بينَهُما، وعنه في المَنخرينِ الدِّيةُ وفي الحاجزِ حُكومةٌ؛ لأنَّ المِنخرينِ شَيئانِ مِنْ جِنسٍ، فكانَ فيهما الدِّيةُ كالشَّفتينِ، وليسَ في البدنِ شَيءٌ مِنْ جِنسٍ يَزيدُ على الدِّيةِ إلا الأسنانُ، فإنَّ في كلِّ سِنٍّ خَمسًا مِنْ الإبلِ، فتَزيدُ على الدِّيةِ، وقد رُويَ أنه ليسَ فيها إلا الدِّيةُ قياسًا على سائرِ ما في البَدنِ، والصَّحيحُ الأولُ؛ لأنَّ الخبَرَ عن النبيِّ ﷺ ورَدَ بإيجابِ خَمسٍ في كلِّ سِنٍّ، فيَجبُ العَملُ به وإنْ خالَفَ القياسَ (١).
وبَيانُ ذلكَ فيما يلي:
ديَةُ العَينينِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ في العَينينِ إذا أُصيبتَا الدِّيةَ، وفي العِينِ الواحِدةُ نِصفَها؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «وفي العَينَينِ الدِّيةُ» (٢).
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ في العَينينِ إذا أُصيبتَا خَطأً الدِّيةَ، وفي العَينِ الواحِدةِ نِصفَها؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «وفي العَينينِ الدِّيةُ»، ولأنه ليسَ في الجَسدِ منهُما إلا شَيئانِ، ففيهما الدِّيةُ وفي إحداهُما نصفُها كسائرِ الأعضاءِ التي كذلكَ.
стр. 13209
ورُويَ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «وفي العَينِ الواحِدةِ خَمسونَ مِنْ الإبلِ» رواهُ مالكٌ في مُوطَّئِه، ولأنَّ العَينينِ مِنْ أعظَمِ الجَوارحِ نَفعًا وجَمالًا، فكانَتْ فيهما الدِّيةُ وفي إحداهُما نصفُها كاليَدينِ.
إذا ثبَتَ هذا فلا فرْقَ بينَ أنْ يَكونَا صَغيرتينِ أو كَبيرتينِ، ومَليحتَينِ أو قَبيحتينِ، أو صَحيحتينِ أو مَريضتينِ أو حَولاوَينِ أو رَمِصَتَينِ، فإنْ كانَ فيهما بَياضٌ لا يُنقِصُ البَصرَ لم تَنقصِ الدِّيةُ، وإنْ نقَصَ البَصرَ نقَصَ مِنْ الدِّيةِ بقَدرِه.
وفي ذَهابِ البَصرِ الدِّيةُ؛ لأنَّ كلَّ عُضوينِ وجَبَتِ الدِّيةُ بذهابِهما وجَبَتْ بإذهابِ نفعِهما كاليَدينِ إذا أشَلَّهما، وفي ذَهابِ بَصرِ أحدِهما نِصفُ الدِّيةِ كما لو أشَلَّ يَدًا واحِدةً، وليسَ في إذهابِهما بنَفعِها أكثَرُ مِنْ ديةٍ كاليدينِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ في العَينينِ الدِّيةَ كامِلةً … واختَلفُوا في العَينِ القائمةِ التي لا يُبصرُ بها واليَدِ الشلَّاءِ ولِسانِ الأخرَسِ والذَّكرِ الأشَلِّ والسِّنِّ السوداءِ، فقالَ مالكٌ وأبو حَنيفةَ والشافِعيُّ في أحَدِ قَوليهِ: فيها حُكومةٌ، وعن الشافِعيِّ قولٌ: في ذَكرِ الخَصيِّ والعنِّينِ إذا قُطعَ الدِّيةُ كامِلةً، ذكَرَه الشاشيُّ، وعن أحمَدَ رِواياتٌ: أظهَرُها: فيها ثلثُ الدِّيةِ، وعن أحمَدَ رِوايةٌ: فيها حُكومةٌ، كمَذهبِ الجَماعةِ، وعن أحمَدَ رِوايةٌ ثالثةٌ: أنَّ في ذكَرِ الخَصيِّ والعنِّينِ الدِّيةَ (٢).
стр. 13210
وقالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ مَنْ فُقئَتْ عنيُه خَطأً أنَّ فيها نِصفَ الدِّيةِ خَمسونَ مِنْ الإبلِ، أو عدلُها مِنْ الذَّهبِ والورِقِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: جاءَ الحَديثُ عنِ النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «في العَينينِ الدِّيةُ» (٢).
وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ العَينينِ إذا أُصيبتَا خَطأً فيهِما الدِّيةُ، وفي العَينِ الواحدةِ نصفُ الدِّيةِ.
واختَلفُوا في عينِ الأعوَرِ، فقالَت طائِفةٌ: فيها الدِّيةُ، رُويَ ذلكَ عن عُمرَ وعُثمانَ، وبه قالَ عبدُ المَلكِ بنُ مَروانَ والزُّهريُّ وقَتادةُ ومالكٌ والليثُ ابنُ سَعدٍ وأحمدُ وإسحاقُ.
وفيه قَولٌ ثانٍ وهو: أنَّ في عينِ الأعوَرِ نِصفَ الدِّيةِ، رُويَ هذا القَولُ عن مَسروقٍ وعبدِ اللهِ بنِ مَعقلٍ والنخَعيِّ، وبه قالَ سفيانُ الثَّوريُّ والشافِعيُّ والنُّعمانُ، وبه نَقولُ؛ لأنَّ في الحَديثِ: «في العَينينِ الدِّيةُ»، ومَعقولٌ إذا كانَ كذلكَ أنَّ في إحداهُما نِصفُ الدِّيةِ (٣).
الأعوَرُ يَفقأُ عينَ الصَّحيحِ:
قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: واختَلفُوا في الأعوَرِ يَفقأُ عيْنَ الصَّحيحِ، فروينَا عن عُمرَ وعُثمانَ أنهما قالَا: «لا قوَدَ عليهِ، وعليهِ الدِّيةُ كاملةً»، وبه قالَ عطاءٌ وسَعيدُ بنُ المُسيبِ وأحمدُ بنُ حَنبلٍ.
стр. 13211
وقالَت طائفةٌ: عليهِ القَودُ، على ظاهرِ قولِه تعالَى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥] الآيَة، هذا قَولُ مَسروقٍ والشَّعبيِّ وابنِ سِيرينَ وابنِ مَعقلٍ والثوريِّ والشافِعيِّ والنعمانِ.
وقالَ الحَسنُ والنخَعيُّ: إنْ شاءَ اقتَصَّ منه وأعطاهُ نصفَ الدِّيةِ.
وقالَ مالكٌ: إنْ شاءَ فقَأَ عيْنَ الأعورِ فتَركَه أعمَى، وإنْ شاءَ أخَذَ الدِّيةَ كامِلةً ديَةَ عينِ الأعورِ؛ لأنه إنما يَأخذُ ديَةَ العَينِ التي كانَت ألفَ دينارٍ.
قالَ أبو بَكرٍ: قالَ اللهُ : ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥]، وجعَلَ النبيُّ ﷺ في العَينينِ الدِّيةَ، ففي العَينِ نصفُ الدِّيةِ، والقِصاصُ بينَ الأعورِ وصَحيحِ العينِ كهوَ بينَ سائرِ الناسِ.
واختَلفُوا في عينِ الأعوَرِ التي لا يُبصرُ بها، فروينَا عن زَيدِ بنِ ثابتٍ أنه قالَ: «فيها مِائةُ دينارٍ»، وعن عُمرَ بنَ الخطَّابِ أنه قالَ: «فيها ثلثُ ديتِها»، وبه قالَ إسحاقُ، وقالَ مُجاهدٌ: فيها نِصفُ ديتِها.
وقالَ مَسروقٌ والزُّهريُّ ومالكٌ والشافِعيُّ وأبو ثَورٍ والنُّعمانُ: فيها حُكومةٌ، وبه نَقولُ؛ لأنه الأقلُّ ممَّا قيلَ.
وفي هذه المَسألةِ قَولانِ سِوى ما ذكَرْناه.
أحَدُهما: عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ أنه قالَ: عُشرُ الدِّيةِ.
والثَّاني: عن عُمرَ بنِ عبدِ العزيزِ أنَّ عقْلَها خَمسُ مِائةِ دينارٍ إنْ لم يَكنْ أُخذَ لها عَقلٌ (١).
стр. 13212
ديَةُ جُفونِ العَينينِ:
جُفونُ العَينينِ أربَعةٌ تُحيطُ بالعَينينِ مِنْ أعلَى وأسفَلَ، وتَحفظُهما مِنْ الأذَى، وتَجلبُ إليهِما النومَ، ويَكملُ بهنَّ جَمالُ الوَجهِ والعَينِ.
ولا قِصاصَ فيها؛ لأنه لا يُمكنُ استيفاءُ المثلِ فيها (١).
اختَلفَ الفُقهاءُ في جُفونِ العَينينِ إذا استُؤصِلتْ، هل فيها الدِّيةُ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنبليةُ إلى أنَّ في كلِّ جَفنٍ رُبعُ الدِّيةِ؛ لأنها مِنْ تمامِ الخِلقةِ فيها مَنفعةٌ وجَمالٌ يَألمُ بقَطعِها ويُخافُ على النَّفسِ مِنْ سِرايةِ الجِنايةِ عليهِا، فوجَبَ أنْ تَكملَ الدِّيةُ فيها كسائرِ الأعضاءِ، ولا يمتنَعُ وإنْ كانَتْ تَبعًا أنْ تُساويَ مَتبوعًا في الدِّيةِ إذا اختَصَّتْ بزِيادةِ جَمالٍ ومَنفعةٍ، كالأنفِ في الشمِّ والأُذنينِ في السَّمعِ، فإذا ثبَتَ أنَّ فيها الدِّيةَ فسَواءٌ استُوصِلتْ مِنْ صَغيرٍ أو كَبيرٍ أو بَصيرٍ؛ لأنَّ للضَّريرِ بها مَنفعةً وجَمالًا وإنْ كانَت مَنفعةُ البَصرِ بها أعَمَّ.
قالَ الماوَرديُّ ﵀: فأما القَودُ فإنْ أمكَنَ فيها ولم يَتعدَّ ضَررُه إلى العَينينِ وجَبَ، وإنْ لم يُمكِنْ سقَطَ، فإنْ قلَعَ جَفنًا واحِدًا ففيهِ رُبعُ الدِّيةِ؛ لأنَّ كلَّ ذي عَددٍ مِنْ الأعضاءِ إذا كَمُلتْ فيه الدِّيةُ تَقسَّطتْ على عَددِها، كاليَدينِ في تَقسيطِ ديتِها على الأصابعِ، وتُقسَّطُ ديةُ الإصبعِ على الأناملِ، وسَواءٌ كانَ الجَفنُ أعلَى أو أسفَلَ، وفي الجَفنينِ نصفُ الدِّيةِ، وفي ثَلاثةِ
стр. 13213
جُفونٍ ثلاثةُ أرباعِ الدِّيةِ، فلو جنَى على عَينيهِ فقطَعَ جُفونَهما وأذهَبَ بصَرَهما لَزمَتْه ديَتانِ إحداهُما في الجُفونِ والأخرَى في العَينينِ، كما لو قطَعَ أذُنيهِ وأذهَبَ سمْعَه (١).
وقالَ الشافِعيُّ ﵀: وإذا قطَعَ جُفونَ العَينينِ حتى يَستأصلَها ففيها الدِّيةُ كامِلةً، في كُلِّ جَفنٍ رُبعُ الدِّيةِ؛ لأنها أربَعةٌ في الإنسانِ، وهي مِنْ تمامِ خِلقتِه وممَّا يَألمُ بقَطعِه، قياسًا على أنَّ النبيَّ ﷺ جعَلَ في بعضِ ما في الإنسانِ منه واحِدٌ الدِّيةَ، وفي بعضِ ما في الإنسانِ منه اثنانِ نصفَ الدِّيةِ.
ولو فقَأَ العينَينِ وقطَعَ جُفونَهما كانَ في العَينينِ الدِّيةُ وفي الجفونِ الدِّيةُ؛ لأنَّ العينَينِ غيرُ الجفونِ، ولو نتَفَ أهدابَهما فلَم تَنبتْ كانَ فيها حُكومةٌ، وليسَ في شَعرِ الشَّفرِ أرشٌ مَعلومٌ؛ لأنَّ الشَّعرَ بنفسِه يَنقطعُ فلا يَألمُ به صاحبُه ويَنبتُ ويَقلُّ ويَكثرُ، ولا يُشبهُ ما يَجري فيه الدمُ وتكونُ فيه الحياةُ فيَألمُ المَجنيُّ عليهِ بما نالَه مما يُؤلمُ.
وما أُصيبَ مِنْ جُفونِ العينَينِ ففيهِ مِنْ الدِّيةِ بحِسابِه (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ في جُفونِ العَينينِ حُكومةً، وكذلكَ في كلِّ جَفنٍ منها؛ لأنَّ مَقاديرَ الديَاتِ مَوقوفٌ على النصِّ، وليسَ فيها نَصٌّ، ولأنها تبَعٌ
стр. 13214
للعينَينِ، فلَم تَجبْ فيها الدِّيةُ الواجبةُ في العينَينِ؛ لأنَّ حُكمَ التَّبعِ أخَفُّ مِنْ حُكمِ المَتبوعِ.
جاءَ في «المُدوَّنة الكُبرَى»: (قُلتُ): أرَأيتَ جُفونَ العينَينِ أَفيها الدِّيةُ في قَولِ مالِكٍ؟ (قالَ): ليسَ في الجُفونِ إلا الاجتهادُ، (قلتُ): وأشفارُ العَينينِ كذلكَ في قَولِ مالكٍ إنما فيهما الاجتهادُ؟ (قالَ): نعَم، (قلت): أرَأيتَ الحاجِبينِ فيهما الدِّيةُ أم لا؟ (قالَ): قالَ مالكٌ: ليسَ فيهما إلا الحُكومةُ إذا لم يَنبتَا (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ في الأجفانِ الأربَعةِ الدِّيةَ كامِلةً، وفي كلِّ واحِدٍ منها رُبعُ الدِّيةِ، إلا مالِكًا فإنه قالَ: فيها حُكومةٌ (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةُ: قالَ: (وفي الأشفارِ الأربَعةِ الدِّيةُ، وفي كلِّ واحِدٍ منهُما ربعُ الدِّيةِ).
يَعني أجفانَ العينَينِ، وهي أربعةٌ، ففيها جَميعِها الدِّيةُ؛ لأنَّ فيها مَنفعةَ الجِنسِ، وفي كلِّ واحدٍ منها ربعُ الدِّيةِ؛ لأنَّ كلَّ ذي عَددٍ تَجبُ في جَميعِه الدِّيةُ تَجبُ في الواحدِ منها بحصَّتِه مِنْ الدِّيةِ، كاليدينِ والأصابعِ، وبهذا قالَ الحَسنُ والشَّعبيُّ وقَتادةُ وأبو هاشمٍ والثوريُّ والشافِعيُّ وأصحابُ الرأيِ.
стр. 13215
وعن مالكٍ: في جَفنِ العَينِ وحِجَاجِها الاجتهادُ؛ لأنه لم يُعلَمْ تَقديرُه عن النبيِّ ﷺ ، والتقديرُ لا يَثبتُ قياسًا.
ولنا: إنها أعضاءٌ فيها جَمالٌ ظاهرٌ ونَفعٌ كاملٌ، فإنها تُكِنُّ العينَ وتَحفظُها وتَقيها الحَرَّ والبَردَ، وتكونِ كالغَلَقِ عليها يُطبقُه إذا شاءَ ويَفتحُه إذا شاءَ، ولولاها لَقَبُحَ مَنظرُه، فوجَبَتْ فيها الدِّيةُ كاليدينِ، ولا نُسلِّمُ أنَّ التقديرَ لا يَثبتُ قياسًا.
فإذا ثبَتَ هذا فإنَّ في أحَدِها رُبعَ الدِّيةِ، وحُكيَ عن الشعبيِّ أنه يَجبُ في الأعلَى ثُلثَا ديَةِ العَينِ، وفي الأسفلِ ثُلثُها؛ لأنه أكثرُ نفعًا.
ولنا: إنَّ كلَّ ذي عَددٍ تَجبُ الدِّيةُ في جميعِه تَجبُ بالحصَّةِ في الواحدِ منه كاليدينِ والأصابعِ، وما ذكَرَه يَبطلُ باليُمنى مع اليُسرى والأصابعِ.
وإنْ قلَعَ العَينينِ بأشفارِهما وجَبَتْ ديَتانِ؛ لأنهما جِنسانِ تَجبُ الدِّيةُ بكلِّ واحِدٍ منهُما مُنفرِدًا فوجَبتْ بإتلافِهما جُملةً ديَتانِ كاليَدينِ والرِّجلينِ، وتَجبُ الدِّيةُ في أشفارِ عينِ الأعمَى؛ لأنَّ ذَهابَ بَصرِه عيبٌ في غيرِ الأجفانِ، فلَم يَمنعْ وُجوبَ الدِّيةِ فيها، كذهابِ الشَّمِّ لا يَمنعُ وُجوبَ الدِّيةِ في الأنفِ.
فَصلٌ: وتَجبُ في أهدابِ العَينينِ بمُفردِها الدِّيةُ، وهو الشَّعرُ الذي على الأجفانِ، وفي كلِّ واحدٍ منها ربعُها، وبهذا قالَ أبو حَنيفةَ، وقالَ الشافِعيُّ: فيه حُكومةٌ.
стр. 13216
ولنا: إنَّ فيها جَمالًا ونَفعًا، فإنها تَقِي العَينينِ وتَردُّ عنهُما وتُحسِّنُ العينَ وتُجمِّلُها، فوجَبَتْ فيها الدِّيةُ كالأجفانِ، وإنْ قطَعَ الأجفانَ بأهدابِها لم يَجبْ أكثرُ مِنْ دِيةٍ؛ لأنَّ الشَّعرَ يزولُ تبعًا لزوالِ الأجفانِ، فلَم تُفرَدْ بضمانٍ، كالأصابعِ إذا قطَعَ اليدَ وهي عليهِا (١).
دِيَةُ الأذُنَينِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ في الأذُنينِ إذا ذهَبَ سَمعُهما الدِّيةَ، وفي إحداهُما نصفُ الدِّيةِ، وكذا إذا ذهَبَ السَّمعُ وحْدَه الدِّيةُ.
إلا أنهُم اختَلفُوا فيما لو قُطِعَتِ الأذنانِ ولم يَذهبْ سَمعُهما.
فذهَبَ عامَّةُ العُلماءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ ومالكٌ في رِوايةٍ إلى أنَّ فيها الدِّيةَ وإنْ بَقيَ السَّمعُ؛ لرِوايةِ عَمرِو بنِ حَزمٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ في كتابِه إلى أهلِ اليَمنِ: «وفي الأذُنَينِ الدِّيةُ»، ولأنَّ ما كانَ في البَدنِ منه عُضوانِ كانَ فيهما الدِّيةُ كاليَدينِ، ولأنهما عُضوانِ يَجتمعُ فيهما مَنفعةٌ وجَمالٌ، فوجَبَ أنْ تَكملَ فيهما الدِّيةُ كاليَدينِ والرِّجلينِ.
فإنْ قيلَ: المَنفعةُ فيهما مَفقودةٌ، قيلَ: إنَّ مَنفعتَهُما مَوجودةٌ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى ما خلَقَ الأعضاءَ عَبثًا، ولا قدَّرَها إلا لحِكمةٍ ومَنفعةٍ، ومَنفعةُ الأُذنِ جَمعُ الصوتِ حتى يَلجَ إليها فيَصلَ إلى السمعِ، وهذا أكبَرُ المَنافعِ.
وفي إحداهُما نصفُ الدِّيةِ بغيرِ خِلافٍ بينَ القائِلينَ بوُجوبِ الدِّيةِ
стр. 13217
فيهِما؛ لأنَّ كلَّ عُضوينِ وجَبَتِ الدِّيةُ فيهما وجَبَ في أحَدِهما نصفُها كاليَدينِ.
وإنْ قطَعَ بعضَ إحداهُما وجَبَ بقَدرِ ما قطَعَ مِنْ ديَتِها، وفي ربعِها ربعُها، وعلى هذا الحِسابِ، سواءٌ قطَعَ مِنْ أعلَى الأذنِ أو أسفلِها، أو اختَلفَ في الجَمالِ أو لم يَختلفْ، كما أنَّ الأسنانَ والأصابعَ تَختلفُ في الجَمالِ والمَنفعةِ وديَاتُها سَواءٌ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ إلى أنَّ فيها حُكومةً بالاجتهادِ، ولا ديَةَ فيها؛ لأنَّ الشرعَ لم يَرِدْ فيهما بتَقديرٍ، ولا يَثبتُ التقديرُ بالقياسِ.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعَ أكثَرُ أهلِ العِلمِ أنَّ في الأذُنينِ الدِّيةَ، وانفَردَ مالكُ بنُ أنسٍ فقالَ: سَمِعْنا أنَّ في السمعِ الدِّيةَ .. وفي الأذُنينِ إذا قُطِعتَا وبَقِي السمعُ ليسَ لها عَقلٌ مَعلومٌ إلا الاجتهادُ.
وأجمَعَ عوامُّ أهلِ العلمِ على أنَّ في السَّمعِ الدِّيةَ (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وفي السَّمعِ إذا ذهَبَ مِنْ الأذُنينِ الدِّيةُ، لا خِلافَ في هذا (٣).
стр. 13218
ديَةُ فَقدِ السَّمعِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ في ذَهابِ السَّمعِ مِنْ الأذُنينِ الدِّيةَ.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعَ عَوامُّ أهلِ العِلمِ على أنَّ في السَّمعِ الدِّيةَ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وفي السَّمعِ إذا ذهَبَ مِنْ الأذُنينِ الدِّيةُ، لا خِلافَ في هذا (٢).
وإنْ أذهَبَ سمْعَه مِنْ إحدَى الأذُنينِ وجَبَ عليهِ نِصفُ الدِّيةِ، كما لو أذهَبَ الضوءَ مِنْ إحدَى العَينينِ.
فإنْ أذهَبَ سمْعَه فأُخذَتْ منه الدِّيةُ ثم عادَ السَّمعُ وجَبَ رَدُّ الدِّيةِ؛ لأنَّا عَلِمْنا أنه لم يَذهبْ.
قالَ العَمرانِيُّ ﵀: وإنْ جَنَى عليهِ جنايةً فنقَصَ سَمعُه بها فإنْ عُرفَ قَدرُ نُقصانِه .. وجَبَ فيه مِنْ الدِّيةِ بقَدرِه، وإنْ لم يُعرَفْ قَدرُ نُقصانِه وإنما ثَقُلَ .. وجَبَتْ فيه الحكومةُ.
وإنِ ادَّعَى نُقصانَ السمعِ مِنْ إحدَى الأذُنينِ .. سُدَّتِ الأذنُ العَليلةُ وأُطلقَتِ الصحيحةُ وأمرَ مَنْ يُخاطبُه وهو يَتباعدُ منه إلى أنْ يَبلغَ إلى غايةِ يَقولُ: «لا أسمَعُه إلى أكثَرَ منها» ويُعلَّمَ عليها، ويُمتحَنُ بذلكَ مِنْ جَميعِ الجِهاتِ؛ لأنه مُتهَمٌ، فإذا اتَّفقَتِ الجِهاتُ .. أُطلقَتِ العَليلةُ وسُدَّتِ
стр. 13219
الصحيحةُ وخاطَبَه كمُخاطبتِه الأُولى وهو يَتباعدُ منه إلى أنْ يَقولَ: «لا أسمَعُه إلى أكثَرَ منها»، ويُمتحَنُ بمُخاطبتِه أيضًا في ذلكَ مِنْ جميعِ الجِهاتِ، فإذا اتَّفقَتْ .. عُلِّمَ على ذلكَ المَوضعِ، ويُنظَرُ كم قَدرُ ذلكَ مِنْ المَسافةِ الأُولى؟ ويَجبُ له مِنْ ديَةِ الأذنِ بقدرِ ما بَقيَ مِنْ المَسافةِ التي لم يَسمعْ منها في العَليلةِ.
وإنْ قطَعَ أذُنَيهِ فذهَبَ سَمعُه منهُما .. وجَبَتْ عليهِ ديَتانِ، كما لو قطَعَ يَديهِ ورِجليهِ (١).
إذا ضرَبَ رَجلٌ رَجلاً فادَّعَى المضروبُ أنَّ سمْعَه ذهَبَ:
قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وإذا ضرَبَ رَجلٌ رَجلًا فادَّعَى المَضروبُ أنَّ سمْعَه ذهَبَ فالذي حَفظتُه عن أهلِ العِلمِ أنْ يُغتفَلَ المَضروبُ فيُصاحَ به، فإنْ أجابَ في بَعضِ ما يُغتفلُ به جَوابَ مَنْ يَسمعُ لم يُقبلْ قولُه.
وإنْ لم يُجِبْ إذا اغتُفلَ فيُصاحُ به: «احلِفْ باللهِ لقدْ صَممْتَ وما وجَدْتَ صَممًا إلا منذُ ضُربْتَ هذه الضربةَ»، فإذا حلَفَ أُعطيَ عقْلَه كامِلًا، هذا مَذهبُ المَدنِيِّ والكوفِيِّ والشافِعيِّ وغيرِهم (٢).
стр. 13220
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنِ اختَلفَا في ذَهابِ سَمعِه فإنه يُتغفلُ ويُصاحُ به ويُنظرُ اضطرابُه ويُتأمَّلُ عندَ صوتِ الرَّعدِ والأصواتِ المُزعجةِ، فإنْ ظهَرَ منه انزِعاجٌ أو التِفاتٌ أو ما يَدلُّ على السَّمعِ فالقَولُ قولُ الجاني مع يَمينِه؛ لأنَّ ظُهورَ الأَماراتِ يَدلُّ على أنه سَميعٌ، فغُلِّبتْ جَنبةُ المُدَّعي، وحُلِّفَ؛ لجَوازِ أنْ يكونَ ما ظهَرَ منه اتِّفاقًا، وإنْ لم يُوجَدْ منه شَيءٌ مِنْ ذلكَ فالقَولُ قولُه مع يَمينِه؛ لأنَّ الظاهرَ أنه غيرُ سَميعٍ، وحُلِّفَ؛ لجَوازِ أنْ يكونَ احتَرزَ وتَصبَّرَ.
وإنِ ادَّعى ذلكَ في إحداهُما سُدَّتِ الأخرَى وتُغفِّلَ على ما ذكَرْنا، فإنِ ادَّعى نُقصانَ السَّمعِ فيهِما فلا طَريقَ لنا إلى مَعرفةِ ذلكَ إلا مِنْ جِهتِه، فيُحلِّفُه الحاكمُ ويُوجِبُ حُكومةً، وإنِ ادَّعَى نقْصَه في إحداهما سدَدْنا العَليلةَ وأطلَقْنا الصَّحيحةَ وأقَمْنا مَنْ يُحدِّثُه وهو يَتباعدُ إلى حيثُ يقولُ: «إني لا أسمَعُ»، فإذا قالَ: «إني لا أسمَعُ» غيَّرَ عليهِ الصوتُ والكَلامُ، فإنْ بانَ أنه يَسمعُ وإلا فقدْ كذَبَ، فإذا انتَهى إلى آخِرِ سَماعِه قدَّرَ المَسافةَ وسَدَّ الصحيحةَ وأُطلقَتِ المَريضةُ وحدَّثَه وهو يَتباعدُ حتى يَقولَ: «إني لا أسمَعُ» فإذا قالَ ذلكَ غيَّرَ عليهِ الكَلامَ، فإنْ تَغيَّرتْ صِفتُه لم يُقبلْ قولُه، وإنْ لم تَتغيرْ صِفتُه حلَفَ وقُبلَ قولُه ومُسحَتِ المَسافتانِ ونُظرَ ما نقَصَتِ العَليلةُ فوجَبَ بقَدرِه، فإنْ قالَ: «إني أسمَعُ العاليَ ولا أسمَعُ الخَفيَّ» فهذا لا يُمكنُ تَقديرُه، فتَجبُ فيه حُكومةٌ.
فَصلٌ: فإنْ قالَ أهلُ الخِبرةِ: «إنه يُرجَى عَودُ سَمعِه إلى مُدةٍ» انتُظرَ
стр. 13221
إليها، وإنْ لم يكنْ لذلكَ غايةٌ لم يُنتظرْ، ومتى عادَ السمعُ فإنْ كانَ قبلَ أخذِ الدِّيةِ سقَطتْ، وإنْ كانَ بعدَه رُدَّتْ على ما قُلنا في البَصرِ (١).
الدِّيةُ في شَعرِ اللِّحيةِ والحاجبَينِ وشَعرِ الرأسِ والأهدابِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في شَعرِ اللِّحيةِ إذا أذهَبَه إنسانٌ ولم يَنبتْ، وكذا شَعرُ الرأسِ والحاجِبينِ والأهدابِ، هل تَجبُ فيه الدِّيةُ؟ أم تَجبُ حُكومةُ عَدلٍ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ إلى وُجوبِ الدِّيةِ في شَعرِ الرأسِ أو اللِّحيةِ أو الحاجبَينِ إذا لم يَنبتْ، وسَواءٌ حلَقَه أو نتَفَه؛ لأنه أذهَبَ الجَمالَ على الكَمالِ، فوجَبَ فيه ديةٌ كاملةٌ كأذنِ الأصَمِّ وأنفِ الأخشَمِ، ولأنَّ الحاجبَ يَرُدُّ العرَقَ عن العَينِ ويفرِّقُه، وهُدبُ العينِ يَردُّ عنها ويَصونُها، فجرَى مجرَى أجفانِها، وفي أحَدِ الحاجِبينِ نصفُ الدِّيةِ؛ لأنَّ كلَّ شَيئينِ فيهما الدِّيةُ ففي أحَدِهما نصفُها كاليَدينِ، وفي بعضِ ذلكَ أو ذَهابِ شَيءٍ مِنْ الشُّعورِ المَذكورةِ مِنْ الدِّيةِ بقِسطِه مِنْ ديَتِه يُقدَّرُ بالمساحةِ.
ولا تَجبُ الدِّيةُ في شَيءٍ مِنْ هذه الشُّعورِ إلا بذَهابِه على وَجهٍ لا يُرجَى عَودُه، مثلَ أنْ يَقلبَ على رأسِه ماءً حارًّا فتَلفَ مَنبتُ الشَّعرِ فيَنقلعُ بالكُليةِ بحيثُ لا يَعودُ، وإنْ رُجيَ عَودُه إلى مُدةٍ انتُظرَ إليها، وإنْ عادَ الشَّعرُ قبلَ أخذِ الدِّيةِ لم تَجبْ، فإنْ عادَ بعدَ أخذِها رَدَّها، والحُكمُ فيه كالحُكمِ في ذَهابِ السَّمعِ والبَصرِ فيما يُرجَى عَودُه وفيما لا يُرجَى.
стр. 13222
ولا قِصاصَ في شيءٍ مِنْ الشُّعورِ؛ لأنَّ إتلافَها إنما يكونُ بالجِنايةِ على مَحلِّها، وهو غيرُ مَعلومِ المِقدارِ، فلا تُمكنُ المُساواةُ فيهِ، فلا يَجبُ فيه القِصاصُ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ وابنُ المُنذرِ إلى أنه لا تَجبُ الدِّيةُ في شَعرِ الرأسِ ولا اللِّحيةِ ولا الحاجِبينِ، بل فيهم حُكومةُ عَدلٍ إنْ لم يَنبتْ، فإنْ عادَ لهَيئتِه فلا شيءَ فيه، لكنْ إنْ كانَت الجِنايةُ عَمدًا أُدِّبَ، وإنْ كانَت خَطأً فلا أدبَ على الجاني؛ لأنه إتلافُ جَمالٍ مِنْ غيرِ مَنفعةٍ، فلَم تَجبْ فيه الدِّيةُ كاليَدِ الشلَّاءِ والعينِ القائِمةِ، ولأنه لا مَجالَ فيه للقِياسِ، وإنما طَريقُه التَّوقيفُ، فما لم يَثبتْ مِنْ قِبلِ السَّماعِ ديةٌ فالأصل أنَّ فيه حُكومةً، وأيضًا فإنَّ الحواجبَ ليسَتْ أعضاءً لها مَنفعةٌ ولا فِعلٌ بَيِّنٌ ضَروريٌّ في الخِلقةِ (٢).
стр. 13223
دِيةُ الأنفِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الأنفَ إذا كانَ قُطعَ مارِنُه ففيهِ الدِّيةُ كامِلةً، لقَولِ النبيِّ ﷺ : «وفي الأنفِ إذا أوعِبَ جَدعُه الدِّيةُ» (١)، يعني: إذا استُوعبَ واستُؤصلَ، ولأنه عُضوٌ فيه جَمالٌ ومَنفعةٌ ليسَ في البدنِ منه إلا شيءٌ واحدٌ، فكانَت فيه الدِّيةُ كاللسانِ.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ في الأنفِ إذا أُوعبَ جَدعًا الدِّيةَ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ في الأنفِ إذا استُوعبَ جَذعًا الدِّيةُ (٣).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: والذي يَجبُ فيه القِصاصُ أو الدِّيةُ هو المارِنُ، وهو ما لانَ منه دونَ قَصبةِ الأنفِ؛ لأنَّ ذلكَ حدٌّ يَنتهي إليه، فهو كاليَدِ يَجبُ القِصاصُ فيما انتَهى إلى الكوعِ (٤).
وقالَ أيضًا: وإنما الدِّيةُ في مارنِه، وهو ما لانَ منه، هكذا قالَ الخَليلُ وغيرُه؛ لأنه يُروى عن طاوسٍ أنه قالَ: كانَ في كتابِ رَسولِ اللهِ ﷺ : «وفي الأنفِ إذا أُوعِبَ مارِنُه جَدعًا الدِّيةُ»، ولأنَّ الذي يُقطعُ فيه ذلكَ،
стр. 13224
فانصَرفَ الخبَرُ إليه، فإنْ قطَعَ بعضَه ففيهِ بقَدرِه مِنْ الدِّيةِ، يُمسحُ ويُعرَفُ قدرُ ذلكَ منه كما قُلنا في الأذنَينِ، وقد رُويَ هذا عن عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ والشَّعبيِّ والشافِعيِّ، وإنْ قطَعَ أحَدَ المِنخرينِ ففيه ثُلثُ الدِّيةِ، وفي المُنخرينِ ثُلثُاها، وفي الحاجزِ بينَهُما الثلثُ، قالَ أحمَدُ: في الوَتَرةِ الثلثُ، وفي الخَرَمةِ في كلِّ واحدٍ منهُما الثلثُ، وبهذا قالَ إسحاقُ، وهو أحَدُ الوَجهينِ لأصحابِ الشافِعيِّ؛ لأنَّ المارِنَ يَشتملُ على ثَلاثةِ أشياءَ مِنْ جِنسٍ، فتَوزَّعتِ الدِّيةُ على عَددِها كسائرِ ما فيه عَددٌ مِنْ جِنسٍ مِنْ اليَدينِ والأصابعِ والأجفانِ الأربعةِ.
وحكَى أبو الخطَّابِ وَجهًا آخَرَ أنَّ في المِنخرينِ الدِّيةَ، وفي الحاجزِ بينَهُما حكومةٌ؛ لقَولِ أحمدَ: في كلِّ زَوجينِ مِنْ الإنسانِ الدِّيةُ، وهو الوَجهُ الثاني لأصحابِ الشافِعيِّ؛ لأنَّ المِنخرينِ ليسَ في البَدنِ لهُما ثالثٌ، فأشبَهَا اليَدينِ، ولأنه بقَطعِ المِنخرينِ أذهَبَ الجَمالَ كلَّه والمَنفعةَ، فأشبهَ قطْعَ اليَدينِ، فعَلى هذا الوجهِ في قطعِ أحَدِ المِنخرينِ نصفُ الدِّيةِ، وإنْ قطَعَ معَه الحاجزَ ففيهِ حُكومةٌ، وإنْ قطَعَ نصفَ الحاجزِ أو أقَلَّ أو أكثَرَ لم يَزدْ على حُكومةٍ، وعلى الأولِ في قَطعِ أحَدِ المِنخرينِ ونصفِ الحاجزِ نصفُ الدِّيةِ، وفي قطعِ جَميعِه مع المِنخرِ ثُلثَا الدِّيةِ، وفي قَطعِ جُزءٍ مِنْ الحاجزِ أو أحدِ المِنخرينِ بقَدرِه مِنْ ثُلثِ الدِّيةِ يُقدَّرُ بالمساحةِ، فإنْ شَقَّ الحاجزَ بينَ المِنخرينِ ففيه حُكومةٌ، فإنْ بَقيَ مُنفرجًا فالحُكومةُ فيه أكثَرُ.
فَصلٌ: وإنْ قطَعَ المارِنَ مع القَصبةِ ففيهِ الدِّيةُ في قياسِ المَذهبِ، وهذا مَذهبُ مالكٍ، ويَحتملُ أنْ تَجبَ الدِّيةُ في المارنِ وحُكومةٌ في القَصبةِ، وهذا
стр. 13225
مَذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنَّ المارِنَ وحْدَه مُوجِبٌ للديةِ، فوجَبَتِ الحُكومةُ في الزائدةُ كما لو قطَعَ القَصبةَ وحْدَها مع قطعِ لِسانِه.
ولنا: قولُه ﵇: «في الأنفِ إذا أُوعِبَ جَدعًا الدِّيةُ»، ولأنه عُضوٌ واحدٌ، فلَم يَجبْ به أكثرُ مِنْ ديَةٍ، كالذكَرِ إذا قُطعَ مِنْ أصلِه، وما ذَكَروهُ يَبطلُ بهذا، ويُفارِقُ ما إذا قطَعَ لِسانَه وقصَبتَه؛ لأنهُما عُضوانِ، فلا تَدخلُ ديَةُ أحدِهما في الآخَرِ، وأما العُضوُ الواحدُ فلا يَبعدُ أنْ يَجبَ في جَميعِه ما يَجبُ في بَعضِه، كالذكَرِ يَجبُ في حَشفتِه الدِّيةُ التي تَجبُ في جَميعِه، وأصابعِ اليَدِ يَجبُ فيها ما يَجبُ في اليدِ مِنْ الكُوعِ، وكذلكَ أصابعُ الرِّجلِ، وفي الثَّديِ كلِّه ما في حَلَمتِه.
فأما إنْ قطَعَ الأنفَ وما تَحتَه مِنْ اللحمِ ففي اللحمِ حُكومةٌ؛ لأنه ليسَ مِنْ الأنفِ، فأشبَهَ ما لو قطَعَ الذكَرَ واللَّحمَ الذي تحتَه.
فَصلٌ: فإنْ ضرَبَ أنفَه فأشَلَّه ففيه حُكومةٌ، وإنْ قطَعَه قاطعٌ بعدَ ذلكَ ففيه ديَتُه كما قُلنا في الأذُنِ، وقولُ الشافِعيِّ هاهُنا كقولِه في الأذنِ على ما مضَى شَرحُه وتِبيانُه، وإنْ ضرَبَه فعوَجَه أو غيَّرَ لونَه ففيه حُكومةٌ في قَولِهم جَميعًا، وفي قَطعِه بعدَ ذلكَ ديَةٌ كامِلةٌ، وإنْ قطَعَه إلا جِلدةً بقيَ مُعلَّقًا بها فلَم يَلتحمْ واحتِيجَ إلى قَطعِه ففيهِ ديَةٌ؛ لأنه قطَعَ جَميعَه، بعضَه بالمُباشَرةِ وباقيهِ بالتسبُّبِ، فأشبَهَ ما لو سرَى قَطعُ بعضِه إلى قَطعِ جَميعِه.
وإنْ رَدَّه فالتَحمَ ففيه حُكومةٌ؛ لأنه لم يَبِنْ، وإنْ أبانه فرَدَّه فالتَحمَ فقالَ أبو بكرٍ: ليسَ فيه إلا حُكومةٌ كالتي قبلَها، وقالَ القاضي: فيه ديَةٌ، وهذا
стр. 13226
مَذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنه أبانَ أنفَه، فلَزمَتْه ديَتُه كما لو لم يَلتحمْ، ولأنَّ ما أُبينَ قد نَجُسَ، فلَزمَه أنْ يُبينَه بعدَ التِحامِه، ومَن قالَ بقولِ أبي بَكرٍ منَعَ نَجاستَه ووُجوبَ إبانتِه؛ لأنَّ أجزاءَ الآدَميِّ كجُملتِه؛ بدَليلِ سائرِ الحَيواناتِ، وجُملتُه طاهرةٌ وكذلكَ أجزاؤُه (١).
الدِّية في إذهابِ الشَّمِّ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ والحَنابلةُ إلى أنَّ الجِنايةَ على حاسَّةِ الشمِّ بإذهابِه تُوجِبُ ديَةً كاملةً، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا نَعلمُ في هذا خِلافًا (٢)؛ لِما رُويَ في الحَديثِ مَرفوعًا: «وفي المَشامِّ الدِّيةُ» (٣)، ولأنها حاسَّةٌ تَختصُّ بمَنفعةٍ مَقصودةٍ، فوجَبَ بإتلافِها الدِّيةُ كالسَّمعِ والبَصرِ.
وإنْ ذهَبَ الشمُّ مِنْ أحَدِ المِنخرينِ وجَبَ فيه نِصفُ الدِّيةِ، كما تَجبُ في إذهابِ البَصرِ مِنْ أحَدِ العَينينِ والسَّمعِ مِنْ أحَدِ الأذُنينِ.
وإنْ جنَى عليهِ فنقَصَ الشمُّ وجَبَ عليهِ أرشُ ما نقَصَ، وإنْ أمكَنَ أنْ يُعرَفَ قدرُ ما نقَصَ وجَبَ فيه مِنْ الدِّيةِ بقَدرِه، وإنْ لم يُمكنْ مَعرفةُ قَدرِه وجَبَتْ فيه الحُكومةُ، كما في نُقصانِ السَّمعِ.
стр. 13227
وإنْ ذهَبَ الشمُّ وأُخذَتْ فيه الدِّيةُ ثم عادَ وجَبَ رَدُّ الدِّيةِ؛ لأنَّا تَبينَّا أنه لم يَذهبْ وإنما حالَ دونَه حائلٌ؛ لأنه لو ذهَبَ لم يَعُدْ.
والشمُّ مِنْ الأمورِ المغيبةِ التي لا تُرى ولا تُعلَمُ إلا مِنْ صاحبِها، فإنِ ادَّعى المَجنيُّ عليهِ ذَهابَ شَمِّه وأنكَرَه الجاني وادَّعَى بَقاءَه كانَ القَولُ فيه قولَ المَجنيِّ عليهِ؛ لأنَّ ذَهابَه لا يُعرَفُ إلا مِنْ جِهتِه، لكن يُستظهرُ عليهِ بغايةِ ما يُمكنُ في اختبارِ صدقِه، بأنْ يُثارَ عليهِ في أوقاتِ غَفلاتِه الروائحُ الطيِّبةُ والمُنتِنةُ مرَّةً بعدَ أخرَى، فإنْ كانَ لا يَرتاحُ إلى الرَّوائحِ الطيِّبةِ ولا يَظهرُ منه كَراهةٌ للرَّوائحِ المُنتِنةِ دَلَّ ذلكَ على صِدقِه، فكانَ القَولُ فيه قولَه مع يَمينِه؛ لإمكانِ تَصنُّعِه، وإنْ وُجدَ منه الارتياحُ للرَّوائحِ الطيِّبةِ والكَراهةُ للروائحِ المنتِنةِ صارَ الظاهرُ بها في جَنبةِ الجاني، فأُحلِفَ على بَقاءِ شَمِّه ولا شيءَ عليهِ، فلو أُحلفَ المَجنيُّ عليهِ على ذَهابِ شَمِّه ثم غَطَّى أنفَه عندَ رائِحةٍ منتِنةٍ فادَّعى الجاني أنه غطَّاهُ لبقاءِ شَمِّه وقالَ المَجنيُّ عليهِ: «بل غطَّيتُه لحاجةٍ أو عادةٍ» كانَ القَولُ فيه قولَ المَجنيِّ عليهِ دون الجاني، ويُحكَمُ له بالدِّيةِ؛ لاحتِمالِ ما قالَه (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ في مُقابلِ الصَّحيحِ إلى أنَّ فيه حُكومةً؛ لأنه ضَعيفُ
стр. 13228
النَّفعِ؛ إذ مَنفعتُه إدراكُ الرَّوائحِ والأنتانِ أكثَرَ مِنْ الطيِّباتِ، فيكونُ التأذِّي أكثرَ مِنْ التلذُّذِ (١).
ديَةُ الشَّفتينِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ في الشَّفتينِ الدِّيةُ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «وفي الشَّفَتينِ الدِّيةُ» (٢)، ولأنهُما عُضوانِ ليسَ في البَدنِ مثلُهما، فيهما جَمالٌ ظاهرٌ ومَنفعةٌ كامِلةٌ، فإنهُما طَبقٌ على الفمِ تَقِيانِه ما يُؤذيه ويَسترانِ الأسنانَ ويَرُدَّانِ الريقَ ويَنفخُ بهما ويَتمُّ بهما الكَلامُ؛ فإنَّ فيهما بعضَ مَخارجِ الحُروفِ، فتَجبُ فيهما الدِّيةُ كاليَدينِ والرِّجلينِ (٣).
قالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ مِنْ السَّلفِ والخلَفِ أنَّ في الشفَتينِ الدِّيةَ (٤).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: لا خِلافَ بينَ أهلِ العِلمِ على أنَّ في الشَّفتينِ الدِّيةُ (٥).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: العُلماءُ أجمَعوا على أنَّ في الشَّفتينِ الدِّيةَ كامِلةً، والجُمهورُ على أنَّ في كلِّ واحِدةٍ منهُما نصفُ الدِّيةِ (٦).
стр. 13229
وفي إحدَى الشَّفتينِ نصفُ الدِّيةِ عندَ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ في المَذهبِ، ولا فَضلَ للعُليا على السُّفلى؛ لأنَّ لكلِّ واحِدةٍ منهُما مَنفعةً ليسَتْ للأخرَى، فصارتَا مُتساويتينِ، ولأنَّ تفاضُلَ المَنافعِ في الأعضاءِ المُتجانِسةِ لا يوجِبُ تفاضُلَها في الديَاتِ كالأصابعِ والأسنانِ، فإنْ قطَعَ النصفَ مِنْ إحدى الشَّفتينِ كانَ عليهِ رُبعُ الدِّية، وإنْ قطَعَ أكثرَ أو أقلَّ كانَ عليهِ مِنْ الدِّيةِ بحسبِ ما قطَعَ.
ولأنَّ كلَّ شَيئينِ وجَبَتْ فيهما الدِّيةُ وجَبَ في أحدِهما نصفُها كسائرِ الأعضاءِ، ولأنَّ كلَّ ذي عَددٍ وجَبَتْ فيه الدِّيةُ سُوِّيَ بينَ جَميعِه فيها كالأصابعِ والأسنانِ، ولا اعتِبارَ بزيادةِ النفعِ.
وعن الإمامِ أحمَدَ رِوايةٌ أنَّ في السُّفلى ثُلثَي الدِّيةِ، وفي العُليا ثلثُها؛ لأنَّ السُّفلى أنفَعُ مِنْ العُليا لحَركتِها ودَورانِها وحِفظِ الطعامِ والشرابِ بها وما فيها مِنْ حُروفِ الكَلامِ الشَّفويةِ (١).
الدِّيةُ في الذَّكَرِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ في الذَّكرِ الدِّيةُ، لقَولِ النبيِّ ﷺ : «وفي البَيضتَينِ الدِّيةُ، وفي الذَّكَرِ الدِّيةُ» (٢).
стр. 13230
قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ في الذكَرِ الدِّيةَ، وانفَردَ قَتادةُ فقالَ: في ذكَرِ الذي لا يَأتي النِّساءَ ثلثُ ما في ذكَرِ الذي يَأتي النساءَ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ في كلِّ الذكَرِ الدِّيةَ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ في الذكَرِ الدِّيةُ، وفي كِتابِ النبيِّ ﷺ لعَمرِو بنِ حَزمٍ: «وفي الذكَرِ الدِّيةُ»، ولأنه عُضوٌ واحِدٌ فيه الجَمالُ والمَنفعةُ، فكَمُلتْ فيه الدِّيةُ كالأنفِ واللسانِ، وفي شلَلَه دِيتُه؛ لأنه ذهَبَ بنَفعِه، أشبَهَ ما لو أشَلَّ لِسانَه، وتَجبُ الدِّيةُ في ذَكرِ الصَّغيرِ والكَبيرِ والشَّيخِ والشابِّ، سواءٌ قدَرَ على الجِماعِ أو لم يَقدرْ.
فأما ذكَرُ العنِّينِ فأكثرُ أهلِ العلمِ على وُجوبِ الدِّيةِ؛ لعُمومِ الحَديثِ، ولأنه غيرُ مَأيوسٍ مِنْ جِماعِه، وهو عضوٌ سَليمٌ في نفسِه، فكَمُلتْ ديَتُه كذكَرِ الشيخِ، وذكَرَ القاضي فيه عن أحمَدَ رِوايتينِ: إحداهُما تَجبُ فيه الدِّيةُ لذلكَ، والثانيةُ: لا تَكملُ ديَتُه، وهو مَذهبُ قَتادةَ؛ لأنَّ مَنفعتَه الإنزالُ والإحبالُ والجِماعُ، وقد عُدمَ ذلكَ منه في حالِ الكَمالِ، فلَم تَكملْ دِيتُه كالأشَلِّ، وبهذا فارَقَ ذكَرَ الصبيِّ والشيخِ.
واختَلفَتِ الرِّوايةُ في ذكَرِ الخَصيِّ، فعَنهُ: فيه ديةٌ كاملةٌ، وهو قَولُ سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ والشافِعيِّ وابنِ المُنذرِ؛ للخبَرِ، ولأنَّ مَنفعةَ الذَّكرِ الجِماعُ، وهو باقٍ فيه.
стр. 13231
والثانيةُ: لا تَجبُ فيه، وهو قَولُ مالكٍ والثَّوريِّ وأصحابِ الرأيِ وقَتادةَ وإسحاقَ؛ لِما ذكَرْنا في ذكَرِ العنِّينِ، ولأنَّ المَقصودَ منه تَحصيلُ النَّسلِ ولا يُوجدُ ذلكَ منه، فلَم تَكملْ دِيتُه كالأشلِّ، والجِماعُ يَذهبُ في الغالبِ؛ بدَليلِ أنَّ البَهائمَ يَذهبُ جِماعُها بخِصائِها، والفَرقُ بين ذكَرِ العنِّينِ وذكَرِ الخَصيِّ أنَّ الجِماعَ في ذكَرِ العنِّينِ أبعَدُ منه في ذكَرِ الخَصيِّ، واليأسُ مِنْ الإنزالِ مُتحقِّقٌ في ذكَرِ الخَصيِّ دون ذكَرِ العنِّينِ.
فعَلى قولِنا: «لا تَكملُ الدِّيةُ في ذكَرِ الخصيِّ» إنْ قطَعَ الذكَرَ والأُنثيَينِ دُفعةً واحدةً أو قطَعَ الذكَرَ ثم قطَعَ الأُنثيينِ لَزمتْه ديَتانِ، فإنْ قطَعَ الأُنثيينِ ثم قطَعَ الذَّكرَ لم يَلزمْه إلا ديةٌ واحدةٌ في الأُنثيينِ وفي الذكَرِ حُكومةٌ؛ لأنه ذكَرُ خصيٍّ، قالَ القاضِي: ونَصَّ أحمدُ على هذا، وإنْ قطَعَ نصفَ الذكَرِ بالطُّولِ ففيه نصفُ الدِّيةِ، ذكَرَه أصحابُنا، والأَولى أنْ تَجبَ الدِّيةُ كامِلةً؛ لأنه ذهَبَ بمَنفعةِ الجِماعِ به، فكَمُلتْ ديَتُه كما لو أشَلَّه أو كسَرَ صُلبَه فذهَبَ جِماعُه، وإنْ قطَعَ قِطعةً منه مما دُونَ الحَشفةِ وكانَ البولُ يَخرجُ على ما كانَ عليهِ وجَبَ بقَدرِ القِطعةِ مِنْ جَميعِ الذكَرِ مِنْ الدِّيةِ، وإنْ خرَجَ البولُ مِنْ مَوضعِ القطعِ وجَبَ الأكثرُ مِنْ حصَّةِ القطعةِ مِنْ الدِّيةِ أو الحُكومةِ، وإنْ ثقَبَ ذكَرَه فيما دونَ الحَشفةِ فصارَ البولُ يَخرجُ مِنْ الثُّقبِ ففيهِ حُكومةٌ لذلكَ (١).
وقالَ القاضي عبدُ الوهابِ المالِكيُّ ﵀: في ذكَرِ الخَصيِّ حُكومةٌ، وقالَ الشافِعيُّ: فيه الدِّيةُ، فدَليلُنا أنَّ مَنفعتَه ناقِصةٌ؛ لأنه لا يُنزلُ ووَطؤُه
стр. 13232
ناقِصٌ، ولزَوجتِه الخِيارُ إذا تَزوَّجتْه، فلَم يَستحقَّ به كَمالَ الدِّيةِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: اختَلفَ أهلُ العِلمِ في ذكَرِ الخَصيِّ.
فقالَت طائِفةٌ: في ذكَرِ الخَصيِّ ما في ذكَرِ الفَحلِ؛ لأنَّ في الحَديثِ «في الذكَرِ الدِّيةُ»، والخَصيُّ والفَحلُ داخِلانِ في ظاهرِ الحَديثِ، وغيرُ جائزٍ إخراجُ شيءٍ مِنْ جُملةِ الحَديثِ إلا بحُجةٍ، هذا قولُ الشافِعيِّ وسَعيدِ ابن عبدِ العَزيزِ.
وقالَت فِرقةٌ: في ذكَرِ الخصيِّ حُكومةٌ، كذلكَ قالَ مالكُ بنُ أنسٍ وسُفيانُ الثوريُّ وأحمَدُ بنُ حَنبلٍ، ورُويَ ذلكَ عن النخَعيِّ، وبه قالَ أصحابُ الرأيِ.
قالَ أبو بكرٍ: وبالقَولِ الأولِ أقولُ (٢).
ديَةُ الأُنثَيينِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ في الأُنثيينِ الدِّيةَ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «وفي البَيضتَينِ الدِّيةُ» (٣).
قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وبه قالَ عَوامُّ أهلِ العِلمِ، أنَّ في البَيضتينِ الدِّيةَ، وفي كلِّ واحِدةٍ نصفُ الدِّيةِ.
стр. 13233
واتَّفقوا أنَّ في الأُنثيينِ على كلِّ حالٍ إذا أُصيبَا خَطأً مِنْ الحُرِّ المُسلمِ -بَقيَ الذكَرُ بعدَهُما أو لم يَبْقَ الذكَرُ- الدِّيةَ كامِلةً (١).
وقالَ أيضًا: وأجمَعوا أنَّ في الأُنثَيينِ الدِّيةَ (٢).
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأما قولُه: «وفي الأُنثيينِ الدِّيةُ» فرُويَ ذلكَ عن عُمرَ وعليٍّ وزَيدٍ وابنِ مَسعودٍ، وهؤلاءُ فُقهاءُ الصَّحابةِ، ولا مُخالِفَ لهم مِنْ التابِعينَ ولا مِنْ غيرِهم، كلُّهم يَقولونَ: في البَيضتينِ الدِّيةُ وفي كلِّ واحدةٍ منهُما نصفُ الدِّيةِ.
وعلى هذا مَذهبُ أئمَّةِ الفَتوى بالأمصارِ، إلا سَعيدَ بنَ المُسيبِ فإنه رُويَ عنه مِنْ وُجوهٍ أنه قالَ: في البَيضةِ اليُسرَى ثُلثَا الدِّيةِ؛ لأنَّ الولَدَ يكونُ منها، وفي اليُمنى ثلثُ الدِّيةِ (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقوا أنَّ في الصُّلبِ إذا كُسرَ فتَقبَّضَ وأذهَبَ مَشيَه مِنْ المُسلمِ الحُرِّ خَطأً الدِّيةَ كامِلةً، وأنَّ في الأُنثَيينِ على كلِّ حالٍ إذا أُصيبتَا خَطأً مِنْ الحُرِّ المُسلمِ وبَقيَ الذكَرُ بعدَها أو لم يَبْقَ الدِّيةَ كامِلةً (٤).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (وفي الأنثَيينِ الدِّيةِ).
стр. 13234
لا نَعلمُ في هذا خِلافًا، وفي كِتابِ النبيِّ ﷺ لعَمرِو بنِ حَزمٍ: «وفي البَيضَتينِ الدِّيةُ»، ولأنَّ فيهما الجَمالُ والمَنفعةُ، فإنَّ النَّسلَ يكونُ بهما، فكانَت فيهما الدِّيةُ كاليَدينِ.
ورَوى الزهريُّ عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ أنه قالَ: «مَضَتِ السُّنةُ أنه في الصُّلبِ الدِّيةُ، وفي الأُنثيينِ الدِّيةُ».
وفي إحداهُما نصفُ الدِّيةِ في قَولِ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، وحُكيَ عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ أنَّ في اليُسرَى ثُلثَي الدِّيةِ وفي الثانيةُ ثلثُها؛ لأنَّ نفْعَ اليُسرى أكثرُ؛ لأنَّ النسلَ يكونُ بها.
ولنا: إنَّ ما وَجبَتِ الدِّيةُ في شَيئينِ منه وجَبَ في أحَدِهما نصفُها كاليَدينِ وسائرِ الأعضاءِ، ولأنهما ذُو عَددٍ تَجبُ فيه الدِّيةُ، فاستَوتْ دِيتُهما كالأصابعِ، وما ذَكَروهُ يَنتقضُ بالأصابعِ والأجفانِ تَستوِي دِياتُها مع اختِلافِ نَفعِها، ثم يُحتاجُ إلى إثباتِ ذلكَ الذي ذكَرَه.
وإنْ رَضَّ أُنثَييهِ أو أشَلَّهما كَمُلتْ دِيتُهما، كما لو أشَلَّ يدَيهِ أو ذكَرَه، فإنْ قطَعَ أُنثَييهِ فذهَبَ نَسلُه لم يَجبْ أكثَرُ مِنْ دِيةٍ؛ لأنَّ ذلكَ نَفعُهما، فلَم تَزددِ الدِّيةُ بذهابِه معَهما، كالبَصرِ مع ذَهابِ العَينينِ والبَطشِ مع ذَهابِ الرِّجلينِ.
وإنْ قطَعَ إحداهُما فذهَبَ النَّسلُ لم يَجبْ أكثرُ مِنْ نصفِ الدِّيةِ؛ لأنَّ ذهابَه غيرُ مُتحقِّقٍ (١).
стр. 13235
وجاءَ في «المُدوَّنة»: (قلتُ): أرَأيتَ مَنْ لا ذكَرَ له وله أُنثيانِ فقطَعَ رَجلٌ أُنثَييه؟ (قالَ): قالَ مالكٌ فيمَن قطَعَ ذكَرَ رَجلٍ وأُنثييهِ جَميعًا إنَّ عليهِ دِيتينِ، فإنْ كانَ قطَعَ أُنثييهِ ولم يَقطعِ الذكَرَ ففيهِ الدِّيةُ كامِلةً، وإنْ قطَعَ ذكَرَه بعدَ ذلكَ ففيهِ الدِّيةُ كامِلةً، وإنْ قطَعَ ذكَرَه ثم قطَعَ أُنثييهِ بعدَ ذلكَ ففي الذكَرِ الدِّيةُ، وفي الأُنثيينِ أيضًا بعدَ ذلكَ الدِّيةُ كاملةً، (قلتُ): فمَن لا ذكَرَ له ففي أُنثيَيه الدِّيةُ كاملةً في قَولِ مالكٍ؟ (قالَ): كذلكَ قالَ مالكٌ، (قلتُ): ومَن لا أُنثيينِ له أفي ذكَرِه الدِّيةُ كاملةً؟ (قالَ): نعَم، (قلتُ): أرَأيتَ البَيضتينِ أهُما سَواءٌ عندَ مالكٍ اليُمنى واليُسرى؟ (قالَ): نعَم، في كلِّ واحدةٍ منهُما نصفُ الدِّيةِ عندَ مالكٍ (١).
ديَةُ الصُّلبِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ في كَسرِ الصُّلبِ الدِّيةَ إذا أذهَبَ المَشيَ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ في حَديثِ عَمرِو بنِ حَزمٍ: «وفي الصُّلبِ الدِّيةُ» (٢).
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعوا أنَّ في الصُّلبِ الدِّيةَ، وانفَردَ ابنُ زُبيرٍ فروينَا عنه أنه قضَى فيه بثُلثَي الدِّيةِ (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقوا أنَّ في الصُّلبِ إذا كسرَ فتَقبَّضَ وأذهبَ مَشيهُ مِنْ المُسلمِ الحُرِّ خَطأً الدِّيةَ كامِلةً (٤).