← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 13231–13270 · переход к 13236.

стр. 13231

والثانيةُ: لا تَجبُ فيه، وهو قَولُ مالكٍ والثَّوريِّ وأصحابِ الرأيِ وقَتادةَ وإسحاقَ؛ لِما ذكَرْنا في ذكَرِ العنِّينِ، ولأنَّ المَقصودَ منه تَحصيلُ النَّسلِ ولا يُوجدُ ذلكَ منه، فلَم تَكملْ دِيتُه كالأشلِّ، والجِماعُ يَذهبُ في الغالبِ؛ بدَليلِ أنَّ البَهائمَ يَذهبُ جِماعُها بخِصائِها، والفَرقُ بين ذكَرِ العنِّينِ وذكَرِ الخَصيِّ أنَّ الجِماعَ في ذكَرِ العنِّينِ أبعَدُ منه في ذكَرِ الخَصيِّ، واليأسُ مِنْ الإنزالِ مُتحقِّقٌ في ذكَرِ الخَصيِّ دون ذكَرِ العنِّينِ. فعَلى قولِنا: «لا تَكملُ الدِّيةُ في ذكَرِ الخصيِّ» إنْ قطَعَ الذكَرَ والأُنثيَينِ دُفعةً واحدةً أو قطَعَ الذكَرَ ثم قطَعَ الأُنثيينِ لَزمتْه ديَتانِ، فإنْ قطَعَ الأُنثيينِ ثم قطَعَ الذَّكرَ لم يَلزمْه إلا ديةٌ واحدةٌ في الأُنثيينِ وفي الذكَرِ حُكومةٌ؛ لأنه ذكَرُ خصيٍّ، قالَ القاضِي: ونَصَّ أحمدُ على هذا، وإنْ قطَعَ نصفَ الذكَرِ بالطُّولِ ففيه نصفُ الدِّيةِ، ذكَرَه أصحابُنا، والأَولى أنْ تَجبَ الدِّيةُ كامِلةً؛ لأنه ذهَبَ بمَنفعةِ الجِماعِ به، فكَمُلتْ ديَتُه كما لو أشَلَّه أو كسَرَ صُلبَه فذهَبَ جِماعُه، وإنْ قطَعَ قِطعةً منه مما دُونَ الحَشفةِ وكانَ البولُ يَخرجُ على ما كانَ عليهِ وجَبَ بقَدرِ القِطعةِ مِنْ جَميعِ الذكَرِ مِنْ الدِّيةِ، وإنْ خرَجَ البولُ مِنْ مَوضعِ القطعِ وجَبَ الأكثرُ مِنْ حصَّةِ القطعةِ مِنْ الدِّيةِ أو الحُكومةِ، وإنْ ثقَبَ ذكَرَه فيما دونَ الحَشفةِ فصارَ البولُ يَخرجُ مِنْ الثُّقبِ ففيهِ حُكومةٌ لذلكَ (١). وقالَ القاضي عبدُ الوهابِ المالِكيُّ ﵀: في ذكَرِ الخَصيِّ حُكومةٌ، وقالَ الشافِعيُّ: فيه الدِّيةُ، فدَليلُنا أنَّ مَنفعتَه ناقِصةٌ؛ لأنه لا يُنزلُ ووَطؤُه

стр. 13232

ناقِصٌ، ولزَوجتِه الخِيارُ إذا تَزوَّجتْه، فلَم يَستحقَّ به كَمالَ الدِّيةِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: اختَلفَ أهلُ العِلمِ في ذكَرِ الخَصيِّ. فقالَت طائِفةٌ: في ذكَرِ الخَصيِّ ما في ذكَرِ الفَحلِ؛ لأنَّ في الحَديثِ «في الذكَرِ الدِّيةُ»، والخَصيُّ والفَحلُ داخِلانِ في ظاهرِ الحَديثِ، وغيرُ جائزٍ إخراجُ شيءٍ مِنْ جُملةِ الحَديثِ إلا بحُجةٍ، هذا قولُ الشافِعيِّ وسَعيدِ ابن عبدِ العَزيزِ. وقالَت فِرقةٌ: في ذكَرِ الخصيِّ حُكومةٌ، كذلكَ قالَ مالكُ بنُ أنسٍ وسُفيانُ الثوريُّ وأحمَدُ بنُ حَنبلٍ، ورُويَ ذلكَ عن النخَعيِّ، وبه قالَ أصحابُ الرأيِ. قالَ أبو بكرٍ: وبالقَولِ الأولِ أقولُ (٢). ديَةُ الأُنثَيينِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ في الأُنثيينِ الدِّيةَ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «وفي البَيضتَينِ الدِّيةُ» (٣). قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وبه قالَ عَوامُّ أهلِ العِلمِ، أنَّ في البَيضتينِ الدِّيةَ، وفي كلِّ واحِدةٍ نصفُ الدِّيةِ.

стр. 13233

واتَّفقوا أنَّ في الأُنثيينِ على كلِّ حالٍ إذا أُصيبَا خَطأً مِنْ الحُرِّ المُسلمِ -بَقيَ الذكَرُ بعدَهُما أو لم يَبْقَ الذكَرُ- الدِّيةَ كامِلةً (١). وقالَ أيضًا: وأجمَعوا أنَّ في الأُنثَيينِ الدِّيةَ (٢). وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأما قولُه: «وفي الأُنثيينِ الدِّيةُ» فرُويَ ذلكَ عن عُمرَ وعليٍّ وزَيدٍ وابنِ مَسعودٍ، وهؤلاءُ فُقهاءُ الصَّحابةِ، ولا مُخالِفَ لهم مِنْ التابِعينَ ولا مِنْ غيرِهم، كلُّهم يَقولونَ: في البَيضتينِ الدِّيةُ وفي كلِّ واحدةٍ منهُما نصفُ الدِّيةِ. وعلى هذا مَذهبُ أئمَّةِ الفَتوى بالأمصارِ، إلا سَعيدَ بنَ المُسيبِ فإنه رُويَ عنه مِنْ وُجوهٍ أنه قالَ: في البَيضةِ اليُسرَى ثُلثَا الدِّيةِ؛ لأنَّ الولَدَ يكونُ منها، وفي اليُمنى ثلثُ الدِّيةِ (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقوا أنَّ في الصُّلبِ إذا كُسرَ فتَقبَّضَ وأذهَبَ مَشيَه مِنْ المُسلمِ الحُرِّ خَطأً الدِّيةَ كامِلةً، وأنَّ في الأُنثَيينِ على كلِّ حالٍ إذا أُصيبتَا خَطأً مِنْ الحُرِّ المُسلمِ وبَقيَ الذكَرُ بعدَها أو لم يَبْقَ الدِّيةَ كامِلةً (٤). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (وفي الأنثَيينِ الدِّيةِ).

стр. 13234

لا نَعلمُ في هذا خِلافًا، وفي كِتابِ النبيِّ ﷺ لعَمرِو بنِ حَزمٍ: «وفي البَيضَتينِ الدِّيةُ»، ولأنَّ فيهما الجَمالُ والمَنفعةُ، فإنَّ النَّسلَ يكونُ بهما، فكانَت فيهما الدِّيةُ كاليَدينِ. ورَوى الزهريُّ عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ أنه قالَ: «مَضَتِ السُّنةُ أنه في الصُّلبِ الدِّيةُ، وفي الأُنثيينِ الدِّيةُ». وفي إحداهُما نصفُ الدِّيةِ في قَولِ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، وحُكيَ عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ أنَّ في اليُسرَى ثُلثَي الدِّيةِ وفي الثانيةُ ثلثُها؛ لأنَّ نفْعَ اليُسرى أكثرُ؛ لأنَّ النسلَ يكونُ بها. ولنا: إنَّ ما وَجبَتِ الدِّيةُ في شَيئينِ منه وجَبَ في أحَدِهما نصفُها كاليَدينِ وسائرِ الأعضاءِ، ولأنهما ذُو عَددٍ تَجبُ فيه الدِّيةُ، فاستَوتْ دِيتُهما كالأصابعِ، وما ذَكَروهُ يَنتقضُ بالأصابعِ والأجفانِ تَستوِي دِياتُها مع اختِلافِ نَفعِها، ثم يُحتاجُ إلى إثباتِ ذلكَ الذي ذكَرَه. وإنْ رَضَّ أُنثَييهِ أو أشَلَّهما كَمُلتْ دِيتُهما، كما لو أشَلَّ يدَيهِ أو ذكَرَه، فإنْ قطَعَ أُنثَييهِ فذهَبَ نَسلُه لم يَجبْ أكثَرُ مِنْ دِيةٍ؛ لأنَّ ذلكَ نَفعُهما، فلَم تَزددِ الدِّيةُ بذهابِه معَهما، كالبَصرِ مع ذَهابِ العَينينِ والبَطشِ مع ذَهابِ الرِّجلينِ. وإنْ قطَعَ إحداهُما فذهَبَ النَّسلُ لم يَجبْ أكثرُ مِنْ نصفِ الدِّيةِ؛ لأنَّ ذهابَه غيرُ مُتحقِّقٍ (١).

стр. 13235

وجاءَ في «المُدوَّنة»: (قلتُ): أرَأيتَ مَنْ لا ذكَرَ له وله أُنثيانِ فقطَعَ رَجلٌ أُنثَييه؟ (قالَ): قالَ مالكٌ فيمَن قطَعَ ذكَرَ رَجلٍ وأُنثييهِ جَميعًا إنَّ عليهِ دِيتينِ، فإنْ كانَ قطَعَ أُنثييهِ ولم يَقطعِ الذكَرَ ففيهِ الدِّيةُ كامِلةً، وإنْ قطَعَ ذكَرَه بعدَ ذلكَ ففيهِ الدِّيةُ كامِلةً، وإنْ قطَعَ ذكَرَه ثم قطَعَ أُنثييهِ بعدَ ذلكَ ففي الذكَرِ الدِّيةُ، وفي الأُنثيينِ أيضًا بعدَ ذلكَ الدِّيةُ كاملةً، (قلتُ): فمَن لا ذكَرَ له ففي أُنثيَيه الدِّيةُ كاملةً في قَولِ مالكٍ؟ (قالَ): كذلكَ قالَ مالكٌ، (قلتُ): ومَن لا أُنثيينِ له أفي ذكَرِه الدِّيةُ كاملةً؟ (قالَ): نعَم، (قلتُ): أرَأيتَ البَيضتينِ أهُما سَواءٌ عندَ مالكٍ اليُمنى واليُسرى؟ (قالَ): نعَم، في كلِّ واحدةٍ منهُما نصفُ الدِّيةِ عندَ مالكٍ (١). ديَةُ الصُّلبِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ في كَسرِ الصُّلبِ الدِّيةَ إذا أذهَبَ المَشيَ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ في حَديثِ عَمرِو بنِ حَزمٍ: «وفي الصُّلبِ الدِّيةُ» (٢). قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعوا أنَّ في الصُّلبِ الدِّيةَ، وانفَردَ ابنُ زُبيرٍ فروينَا عنه أنه قضَى فيه بثُلثَي الدِّيةِ (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقوا أنَّ في الصُّلبِ إذا كسرَ فتَقبَّضَ وأذهبَ مَشيهُ مِنْ المُسلمِ الحُرِّ خَطأً الدِّيةَ كامِلةً (٤).

стр. 13236

إلا أنهم اختَلفُوا فيما لو لم يَذهبْ المَشيُ وإنما احتاجَ في مَشيهِ إلى عُكَّازٍ: فذهَبَ الشافِعيةُ والقاضي مِنْ الحَنابلةِ إلى أنه إنْ كُسرَ صُلبُه انتظرَ، فإنْ جُبرَ وعادَ إلى حالتِه لَزمَتْه حُكومةُ الكَسرِ، وإنْ احدَودَبَ لَزمَه حُكومةٌ للشَّينِ الذي حصَلَ به. وإنْ ضَعُفَ مَشيُه أو احتاجَ إلى عَصا لَزمتْه حُكومةٌ لنُقصانِ مَشيهِ، عجَزَ عن الَمشىِ وجَبَتْ عليهِ الدِّيةُ (١). وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يَلزمُه الدِّيةُ إذا كُسرَ فلَم يَنجبِرْ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وفي الصُّلبِ الدِّيةُ إذا كُسرَ فلَم يَنجبرْ؛ لِما رُويَ في كتابِ النبيِّ ﷺ لعَمروِ بنِ حَزمٍ: «وفي الصُّلبِ الدِّيةُ»، وعن سَعيدِ بنِ المُسيبِ أنه قالَ: «مَضَتِ السُّنةُ أنَّ في الصُّلبِ الدِّيةَ»، وهذا يَنصرفُ إلى سُنةِ النبيِّ ﷺ ، وممَّن قالَ بذلكَ زَيدُ بنُ ثابتٍ وعَطاءٌ والحَسنُ والزُّهريُّ ومالكٌ. وقالَ القاضي وأصحابُ الشافِعيِّ: ليسَ في كَسرِ الصُّلبِ ديَةٌ، إلا أنْ يُذهِبَ مَشيَه أو جِماعَه فتَجبُ الدِّيةُ لتِلكَ المَنفعةِ؛ لأنه عُضوٌ لم تَذهبْ مَنفعتُه، فلَم تَجبْ فيه ديَةٌ كامِلةٌ كسائرِ الأعضاءِ. ولنا: الخبَرُ، ولأنه عُضوٌ ليسَ في البَدنِ مثلُه فيه جَمالٌ ومَنفعةٌ، فوجَبَتِ الدِّيةُ فيه بمُفردِه كالأنفِ.

стр. 13237

وإنْ ذهَبَ مَشيُه بكَسرِ صُلبِه ففيهِ الدِّيةُ في قَولِ الجَميعِ، ولا يَجبُ أكثرُ مِنْ ديَةٍ؛ لأنها مَنفعةٌ تَلزمُ كسْرَ الصُّلبِ غالبًا، فأشبَهَ ما لو قطَعَ رِجليهِ، وإنْ لم يَذهبْ مَشيُه لكنْ ذهَبَ جِماعُه فيه الدِّيةُ أيضًا، رُويَ ذلكَ عن عليٍّ ﵁؛ لأنه نَفعٌ مَقصودٌ، فأشبَهَ ذَهابَ مَشيهِ، وإنْ ذهَبَ جِماعُه ومَشيُه وجَبَتْ ديَتانِ في ظاهِرِ كَلامِ أحمَدَ ﵀ في رِوايةِ ابنِه عبدِ اللهِ؛ لأنهُما مَنفعتانِ تَجبُ الدِّيةُ بذَهابِ كلِّ واحدةٍ منهُما مُنفردةٍ، فإذا اجتَمعتَا وجَبتْ ديَتانِ كالسَّمعِ والبَصرِ، وعن أحمَدَ: فيهِما ديَةٌ واحدةٌ؛ لأنهُما نَفعُ عُضوٍ واحدٍ، فلَم يَجبْ فيها أكثَرُ مِنْ ديَةٍ واحِدةٍ، كما لو قطَعَ لِسانَه فذهَبَ كَلامُه وذَوقُه، وإنْ جُبرَ صُلبُه فعادَتْ إحدَى المَنفعتينِ دونَ الأخرَى لم يَجبْ إلا ديَةٌ، إلا أنْ تَنقصَ الأخرَى فتَجبُ حُكومةٌ لنَقصِها، أو تَنقصَ مِنْ جِهةٍ أخرَى فيكونُ فيه حُكومةٌ لذلكَ، وإنِ ادَّعى ذَهابَ جِماعِه وقالَ رَجلانِ مِنْ أهلِ الخِبرةِ: «إنَّ مِثلَ هذهِ الجِنايةَ يَذهبُ بالجِماعِ» فالقَولُ قَولُ المَجنيِّ عليهِ مع يَمينِه؛ لأنه لا يُتوصَّلُ إلى مَعرفةِ ذلكَ إلا مِنْ جِهتِه، وإنْ كسَرَ صُلبَه فشَلَّ ذكَرَه اقتَضى كلامُ أحمَدَ وُجوبَ دِيتَينِ، لكَسرِ الصُّلبِ واحِدةٌ وللذكَرِ أخرَى، وفي قَولِ القاضي ومَذهبِ الشافِعيِّ: يَجبُ في الذكَرِ ديَةٌ وحُكومةٌ لكَسرِ الصُّلبِ، وإنْ أشَلَّ رِجليهِ ففيهِما ديَةٌ أيضًا، وإنْ أذهَبَ ماءَه دونَ جِماعِه احتَملَ وُجوبَ الدِّيةِ، وهذا يُروى عن مُجاهدٍ. قالَ بَعضُ أصحابِ الشافِعيِّ: هو الذي يَقتضيهِ مَذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنه ذهَبَ بمَنفعةٍ مَقصودةٍ، فوجَبَتِ الدِّيةُ، كما لو ذهَبَ بجِماعِه، أو كما

стр. 13238

لو قطَعَ أُنثييهِ أو رَضَّهما، ويَحتملُ أنْ لا تَجبَ الدِّيةُ كامِلةً؛ لأنه لم يَذهبْ بالمَنفعةِ كلِّها (١). وقالَ الحَنفيةُ: في الصُّلبِ الدِّيةُ كامِلةً إذا منَعَ الجِماعَ؛ لِما فيه مِنْ تَفويتِ مَنفعةٍ مَقصودةٍ، وهي مَنفعةُ النَّسلِ، وكذلكَ إذا حدَبَ، فإنَّ فيه تَفويتَ جَمالٍ كاملٍ؛ لأنَّ الجَمالَ للآدَميِّ في كَونِه مُنتصِبَ القامةِ، قيلَ في مَعنى قَولِه تعالَى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ [التين: ٤]: مُنتصِبَ القامَةِ، وذلكَ يَفوتُ إذا حدَبَ، والجَمالُ للآدَميِّ مَطلوبٌ كالمَنفعةِ، فتَفويتُ الجَمالِ الكاملِ يُوجبُ ديَةً كامِلةً؛ فإنْ عاد إلى حالِه ولم يَنقصْه ذلكَ شَيئًا إلا أنَّ فيه أثَرَ الضَّربةِ ففيهِ حُكومةُ عَدلٍ؛ لأنه نَفَى بعضَ الشَّيئينِ ببَقاءِ أثَرِ الضَّربةِ، فيَجبُ باعتبارِه حُكمُ عَدلٍ (٢). وقالَ المالِكيةُ: وفي الصُّلبِ الدِّيةُ، وكذلكَ إنْ قعَدَ عن القِيامِ كاليَدِ إذا شلَّتْ، وإنْ مَشَى وبَرئَ على عُثمٍ أو على حَدبٍ ففيهِ الاجتهادُ، وإنْ عادَ الصُّلبُ فأصيبَ في الخَطأِ لا شيءَ فيهِ (٣). وجاءَ في «المُدوَّنة»: (قلتُ): أرَأيتَ الصُّلبَ إذا ضرَبَه الرَّجلُ فحَدبَ أتكونُ فيه الدِّيةُ؟ (قالَ): قالَ مالكٌ: في الصُّلبِ الدِّيةُ، قالَ ابنُ القاسمِ: إنما تكونُ الدِّيةُ في الصُّلبِ إذا أقعَدَه فلَم يَقدرْ على القِيامِ، مثلَ اليَدِ إذا شُلَّتْ،

стр. 13239

فأما إذا مشَى فأصابَه في ذلكَ عَثلٌ أو حَدبٌ فإنما يُجتهدُ له فيه، (قلتُ): أرَأيتَ الصُّلبَ إذا كسَرَه رَجلٌ فبَرأَ وعادَ لهَيئتِه أتكونُ فيه الدِّيةُ أم لا؟ (قالَ): ليسَ فيه ديَةٌ عندَ مالكٍ؛ لأنَّ مالكًا قالَ في كلِّ كَسرٍ خَطأٍ أنه إذا بَرأَ وعادَ لهَيئتِه أنه لا شيءَ فيه، إلا أنْ يكونَ عَمدًا يُستطاعُ القِصاصُ فيه، فإنه يُقتصُّ منه وإنْ كانَ عَظمًا، إلا في المَأمومةِ والمنقِّلةِ والجائِفةِ وما لا يُستطاعُ أنْ يُقتصَّ منه فلا شيءَ فيه مِنْ القَودِ إلا الدِّيةَ في عَمدِ ذلكَ مع الأدَبِ في العَمدِ (١). دِيةُ الأسنَانِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الأسنانَ سَواءٌ، وأنَّ فيها الدِّيةَ، في كلِّ سِنٍّ خَمسٌ مِنْ الإبلِ؛ لِما رواه ابنُ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «الأسنانُ سَواءٌ، الثَّنيَّةُ والضِّرسُ سَواءٌ» (٢). وعن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ عن النبيِّ ﷺ «أنه قَضَى في السِّنِّ خَمسًا مِنْ الإبلِ» (٣). قالَ ابنُ بطَّالٍ ﵀: واتَّفقَ جُمهورُ الفُقهاءِ على أنَّ ديَةَ الأسنانِ في الخَطأِ في كلِّ سِنٍّ خَمسٌ مِنْ الإبلِ (٤).

стр. 13240

وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأما رِوايةُ سَعيدِ بنِ المُسيبِ عن عُمرَ «أنه قضَى في الأضراسِ ببَعيرٍ بَعيرٍ» فالضِّرسُ غيرُ السنِّ، إلا أنَّ السِّنَّ اسمٌ جامعٌ عندَ أهلِ العِلمِ للأضراسِ وغيرِها، وهي اثنانِ وثَلاثونَ سِنًّا، منها عِشرونَ ضِرسًا وأربَعةُ أنيابٍ وأربَعُ ثَنايَا وأربعُ ضَواحكَ، وقد ثبَتَ عن النبيِّ ﷺ «أنَّ في السنِّ خَمسًا مِنْ الإبلِ»، واتَّفقَ فُقهاءُ الأمصارِ على ذلكَ كلِّه (١). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وجُمهورُ فُقهاءِ الأمصارِ على أنَّ في كلِّ سنٍّ مِنْ أسنانِ الفَمِ خَمسًا مِنْ الإبلِ، وبه قالَ ابنُ عبَّاسٍ. ورَوى مالكٌ عن عُمرَ «أنه قضَى في الضِّرسِ بجَملٍ»، وذلكَ فيما لم يَكنْ منها في مُقدَّمِ الفمِ. وأما التي في مُقدمِ الفمِ فلا خِلافَ أنَّ فيها خَمسًا مِنْ الإبلِ (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (وفي كلِّ سِنٍّ خَمسٌ مِنْ الإبلِ إذا قُلعَتْ ممَّن قد أثغَرَ، والأضراسُ والأنيابُ كالأسنانِ). لا نَعلمُ بينَ أهلِ العلمِ خِلافًا في أنَّ ديَةَ الأسنانِ خَمسٌ خَمسٌ في كلِّ سنٍّ، وقد رُويَ ذلكَ عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ وابنِ عبَّاسٍ ومُعاويةَ وسَعيدِ بنِ المُسيبِ وعُروةَ وعَطاءٍ وطاوسٍ والزهريِّ وقَتادةَ ومالكٍ والثوريِّ والشافِعيِّ وإسحاقَ وأبي حَنيفةَ ومُحمدِ بنِ الحَسنِ، وفي كتابِ عمرِو بنِ

стр. 13241

حَزمٍ عن النبيِّ ﷺ : «في السنِّ خَمسٌ مِنْ الإبلِ» رواهُ النَّسائيُّ، وعن عَمرِو بنِ شُعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه عن النبي ﷺ قالَ: «في الأسنانِ خَمسٌ خَمسٌ» رواه أبو داود. فأما الأضراسُ والأنيابُ فأكثَرُ أهلِ العلمِ على أنها مثلُ الأسنانِ، منهُم عُروةُ وطاوسٌ وقَتادةُ والزُّهريُّ ومالكٌ والثوريُّ والشافِعيُّ وإسحاقُ وأبو حَنيفةَ ومُحمدُ بنُ الحَسنِ، ورُويَ ذلكَ عن ابنِ عبَّاسٍ ومُعاويةَ. ورُويَ عن عُمرَ ﵁ «أنه قضَى في الأضراسِ ببَعيرٍ بَعيرٍ»، وعن سَعيدِ بنِ المُسيبِ أنه قالَ: لو كنتُ أنا لَجعَلتُ في الأضراسِ بَعيرينِ بَعيرينِ، فتِلكَ الدِّيةُ سواءٌ، ورَوى ذلكَ مالكٌ في مُوطَّئِه، وعن عَطاءٍ نَحوهُ، وحُكيَ عن أحمَدَ رِوايةٌ أنَّ في جَميعِ الأسنانِ والأضراسِ الدِّيةَ، فيَتعيَّنُ حَملُ هذهِ الرِّوايةِ على مثلِ قولِ سَعيدٍ؛ للإجماعِ على أنَّ في كلِّ سنٍّ خَمسًا مِنْ الإبلِ، وورَدَ الحَديثُ به، فيكونُ في الأسنانِ ستُّونَ بَعيرًا؛ لأنَّ فيه اثنَي عشَرَ سِنًّا: أربَعُ ثَنايَا وأربعُ رَباعياتٍ وأربعةُ أنيابٍ، فيها خَمسٌ خَمسٌ، وفيه عِشرونَ ضِرسًا في كلِّ جانبٍ عَشرةٌ خَمسةٌ مِنْ فَوق وخَمسةٌ مِنْ أسفَلَ، فيكونُ فيها أربَعونَ بعيرًا في كلِّ ضِرسٍ بَعيرانِ، فتَكملُ الدِّيةُ. وحُجةُ مَنْ قالَ هذا أنه ذو عَددٍ يجبُ فيه الدِّيةُ، فلَم تَزِدْ ديتُه على ديةِ الإنسانِ، كالأصابعِ والأجفانِ وسائرِ ما في البَدنِ، ولأنها تَشتملُ على مَنفعةِ جِنسٍ، فلَم تَزِدْ ديتُها على الدِّيةِ كسائرِ مَنافعِ الجِنسِ، ولأنَّ الأضراسَ تَختصُّ بالمَنفعةِ دونَ الجَمالِ، والأسنانُ فيها مَنفعةٌ وجَمالٌ، فاختَلفا في الأرشِ.

стр. 13242

ولنا: ما رَوى أبو داودَ بإسنادِه عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «الأصابعُ سَواءٌ، والأسنانُ سَواءٌ، الثَّنيةُ والضِّرسُ سواءٌ، هذهِ وهذهِ سَواءٌ»، وهذا نَصٌّ، وقولُه في الأحاديثِ المُتقدِّمةِ: «في الأسنانِ خَمسٌ خَمسٌ» ولم يُفصِّلْ، يَدخلُ في عُمومِها الأضراسُ؛ لأنها أسنانٌ، ولأنَّ كلَّ ديةٍ وجَبتْ في جُملةٍ كانَت مَقسومةً على العَددِ دونَ المَنافعِ، كالأصابعِ والأجفانِ والشفَتينِ، وقد أومَأَ ابنُ عبَّاسٍ إلى هذا فقالَ: «لا أعتبِرُها بالأصابعِ»، فأما ما ذَكَروهُ مِنْ المَعنى فلا بُدَّ مِنْ مُخالَفةِ القياسِ فيه، فمَن ذهَبَ إلى قولِنا خالَفَ المَعنى الذي ذَكَروهُ، ومَن ذهَبَ إلى قولِهم خالَفَ التَّسويةَ الثابتةَ بقياسِ سائرِ الأعضاءِ مِنْ جِنسٍ واحدٍ، فكانَ ما ذكَرْناهُ مع مُوافَقةِ الأخبارِ وقولِ أكثرِ أهلِ العلمِ أَولى (١). ديَةُ الثَّديينِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ في ثَديَي المرأةِ الدِّيةَ، وفي أحَدِهما نِصفَ الدِّيةِ. قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ يُحفظُ عنه مِنْ أهلِ العلمِ أنَّ في ثَديِ المَرأةِ نصفَ الدِّيةِ، وفي الثَّديينِ الدِّيةَ (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وفي الثَّديينِ الدِّيةُ، سواءٌ كانَ مِنْ رَجلٍ أو امرأةٍ، أمَّا ثَديَا المرأةِ ففيهِما دِيتُهما، لا نَعلمُ فيه بينَ أهلِ العلمِ خِلافًا، وفي الواحدِ منهُما نصفُ الدِّيةِ، قالَ ابنُ المُنذرِ: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ

стр. 13243

أهلِ العلمِ على أنَّ في ثَديِ المرأةِ نصفَ الدِّيةِ، وفي الثَّديينِ الدِّيةَ، وممَّن حَفظْنا ذلكَ عنه الحَسنُ والشعبيُّ والزهريُّ ومَكحولٌ وقَتادةُ ومالكٌ والثوريُّ والشافِعيُّ وأصحابُ الرأيِ، ولأنَّ فيهما جَمالًا ومَنفعةً، فأشبَهَا اليَدينِ والرِّجلينِ، وفي أحَدِهما نصفُ الدِّيةِ؛ لأنَّ كلَّ عُضوينِ وجَبتِ الدِّيةُ فيهما وجَبَ في أحَدِهما نصفُها كاليَدينِ (١). واختَلفَ الفُقهاءُ في حَلمَتَي المَرأةِ، هل فيهِما الدِّيةُ أم حُكومةٌ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ والمالِكيةُ في قَولٍ إلى أنَّ فيهِما الدِّيةَ كامِلةً، وفي إحداهُما نِصفَ الدِّيةِ. وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ إلى أنَّ في حَلمتَي المَرأةِ الدِّيةَ إنْ أفسَدَ مَخرجَ اللبَنِ بأنِ انقَطعَ أو صارَ دمًا، فإنْ قطَعَهما ولم يُبطلِ اللبَنَ ولم يُفسدْ فحُكومةٌ (٢). قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وفي قَطعِ حَلمتَي الثَّديينِ دِيتُهما، نَصَّ عليهِ أحمَدُ ﵀، ورَوى نحو هذا عن الشعبيِّ والنخعيِّ والشافِعيِّ، وقالَ مالِكٌ والثوريُّ: إنْ ذهَبَ اللبنُ وجَبتْ دِيتُهما، وإلا وجَبتْ حُكومةٌ بقَدرِ شَينِه، ونحوُه قالَ قتادةُ: إذا ذهَبَ الرَّضاعُ بقَطعِهما ففيهما الدِّيةُ. ولنا: إنه ذهَبَ منهُما ما تَذهبُ المَنفعةُ بذَهابِه، فوجَبَتْ دِيتُهما، كالأصابعِ معِ الكَفِّ، وحَشفةِ الذَّكرِ، وبَيانُ ذهابِ المَنفعةِ أنَّ بهما يَشربُ

стр. 13244

الصبيُّ ويَرتضعُ، فهُما كالأصابعِ في الكَفِّ، وإنْ قطَعَ الثَّديينِ كُلَّهما فليسَ فيهما إلا دِيةٌ، كما لو قطَعَ الذكَرَ كلَّه، وإنْ حصَلَ مع قَطعِهما جائِفةٌ وجَبَ فيهِما ثُلثُ الدِّيةِ مع دِيتِهما، وإنْ حصَلَ جائِفتانِ وجَبتْ ديَةٌ وثُلثانِ، وإنْ ضرَبَهما فأشَلَّهما ففيهما الدِّيةُ كما لو أشَلَّ يَدَيه. وإنْ جنَى عليهِما فأذهَبَ لبَنَهما مِنْ غيرِ أنْ يَشُلَّهما فقالَ أصحابُنا: فيهِما حُكومةٌ، وهذا قولُ أصحابِ الشافِعيِّ، ويَحتملُ أنْ تَجبَ دِيتُهما؛ لأنه ذهَبَ بنَفعِهما، فأشبَهَ ما لو أشَلَّهما، وهذا ظاهرُ قولِ مالكٍ والثوريِّ وقتادةَ، وإنْ جنَى عليهما مِنْ صَغيرةٍ ثم ولَدتْ فلَم يَنزلْ لها لَبنٌ سُئلَ أهلُ الخِبرةِ، فإنْ قالوا: «إنَّ الجِنايةَ سَببُ قَطعِ اللبَنِ» فعليهِ ما على مَنْ ذهَبَ باللبنِ بعدَ وُجودِه، وإنْ قالوا: «يَنقطعُ بغيرِ الجِنايةِ» لم يَجبْ عليهِ أرشُه؛ لأنَّ الأصلَ بَراءةُ ذمَّتِه، فلا يَجبُ فيها شيءٌ بالشكِّ، وإنْ جنَى عليهما فنقَصَ لبنُهما أو جنَى على ثَديينِ ناهِدينِ فكسَرَهما أو صارَ بهما مَرضٌ ففيهِ حُكومةٌ؛ لنَقصِه الذي نقَصَهما (١). الدِّية في ثَديَي الرَّجلِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في ثَديَيِ الرَّجلِ وهُمَا الثَّندوتانِ، هل فيهما الدِّيةُ أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ إلى

стр. 13245

أنَّ فيهما حُكومةَ عَدلٍ؛ لأنه ذهَبَ بالجَمالِ مِنْ غيرِ مَنفعةٍ، فلَم تَجبِ الدِّيةُ، كما لو أتلَفَ العَينَ القائِمةَ واليدَ الشلَّاءَ (١). وذهَبَ الحَنابلةُ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّ فيهما الدِّيةَ؛ لأنَّ ما وجَبَ فيه الدِّيةُ مِنْ المَرأةِ وجَبَ فيه مِنْ الرَّجلِ، كاليَدينِ وسائرِ الأعضاءِ، ولأنهُما عُضوانِ في البَدنِ يَحصلُ بهما الجَمالُ ليسَ في البَدنِ غيرُهما مِنْ جِنسِهما، فوجَبَتْ فيهما الدِّيةُ كاليَدينِ، ولأنه أذهَبَ الجَمالَ، فوجَبَتِ الدِّيةُ كالشُّعورِ الأربعةِ عندَ أبي حَنيفةَ، وكأُذنَي الأصَمِّ وأنفِ الأخشَمِ عندَ الجَميعِ، ويُفارِقُ العينَ القائمةَ؛ لأنه ليسَ فيها جَمالٌ كاملٌ، ولأنها عُضوٌ قد ذهَبَ منه ما تَجبُ فيه الدِّيةُ، فلَم تَكملْ دِيتُه كاليَدينِ إذا شلَّتَا، بخِلافِ مَسألتِنا (٢).

стр. 13246

فصل في العاقِلةِ العاقِلةُ هم الذينَ يَقومونَ بنُصرةِ القاتِلِ، وتَجبُ عليهم الدِّيةُ. وسُمِّيَت الدِّيةُ عَقلًا لوَجهينِ: أحَدُهما: أنها تَعقِلُ الدِّماءَ مِنْ أنْ تُراقَ. والثاني: أنَّ الدِّيةَ كانَتْ إذا أُخِذتْ مِنْ الإبلِ تُجمَعُ فتُعقَلُ ثم تُساقُ إلى وَليِّ الجِنايةِ (١). تَفسيرُ العاقِلةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في تَفسيرِ العاقِلةِ ومَن هُم؟ ومَن يَعقلُ منهُم ومَن لا يَعقلُ؟ وما القَدرُ الذي يَعقلونَ؟ فقالَ الحَنفيةُ: العاقِلةُ: هم الذينَ يَقومونَ بنُصرةِ القاتِلِ، وهم أهلُ الدِّيوانِ مِنْ المُقاتِلةِ، وأهلُ الدِّيوانِ الذينَ لهم رِزقٌ في بَيتِ المالِ وكُتبَ أسماؤُهم في الدِّيوانِ، ومَن لا دِيوانَ له فعاقِلتُه مِنْ عَصبةِ النَّسبِ لا على أهلِ الدِّيوانِ.

стр. 13247

والعاقِلةُ أهلُ الدِّيوانِ إنْ كانَ القاتِلُ مِنْ أهلِ الدِّيوانِ، وهم أهلُ الجَيشِ الذينَ كُتبَ أسماؤُهم في الدِّيوانِ، تُؤخذُ مِنْ عَطاياهُم في ثَلاثِ سِنينَ. ومَن لم يَكنْ مِنْ أهلِ الدِّيوانِ فعاقِلتُه قَبيلتُه، وتُقسَّطُ عليهم في ثَلاثِ سِنينَ، لا يُزادُ الواحِدُ منهم على أربَعةِ دَراهمَ، في كلِّ سَنةٍ دِرهمٌ ودانِقانِ ويُنقَصُ منهم. فإنْ لم تَتَّسعِ القبيلةُ لذلكَ ضُمَّ إليها أقرَبُ القَبائلِ إليها، يعني نَسبًا، ويُضمُّ الأقرَبُ فالأقرَبُ على تَرتيبِ العَصباتِ، الإخوَةُ ثم بَنوهُم ثم الأعمامُ ثم بَنوهُم. ويَدخلُ في العاقِلةِ القاتِلُ، فيَكونُ فيما يُؤدِّي كأحَدِهم؛ لأنه هو القاتلُ، فلا مَعنَى لإخراجِه ومُؤاخَذةِ غَيرِه. وليسَ على النِّساءِ والذُّريةِ شيءٌ؛ لأنها إنَّما تَجبُ على أهلِ النُّصرةِ لتَركِهم مُراقَبتَه، والناسُ لا يَتناصَرونَ بالنِّساءِ والصِّبيانِ، وعلى هذا لو كانَ القاتِلُ صَبيًّا أو امرأةً لا شيءَ عليهما مِنْ الدِّيةِ. وتَتحمَّلُ العاقِلةُ خَمسينَ دينارًا فصاعِدًا وما دُونهَا في مالِ الجاني دونَ العاقِلةِ؛ لأنَّ التَّحملَ على العاقِلةِ إنما كانَ تَحرُّزًا عن الإجحافِ، وهو في الكَثيرِ دونَ القليلِ، ثمَّ العاقِلةُ إذا حمَلَتْ نصفَ العُشرِ كانَ ذلكَ في سَنةٍ. وإذا لم يَكنْ للقاتلِ قَبيلةٌ ولا هو مِنْ أهلِ الدِّيوانِ فعاقِلتُه نُصَّارُه، فإنْ كانَتْ نُصرتُه بالحِرفةِ فعَلى المُحترفينَ الذينَ هم أنصارُه كالقصَّارينَ.

стр. 13248

إذا لم يكنْ له عاقِلةٌ فالدِّيةُ في بَيتِ المالِ، ولهذا إذا ماتَ كانَ مِيراثُه لبَيتِ المالِ، فكذا مُلزَمُه مِنْ الغَرامةِ يَلزمُ بيتَ المالِ. ولا تَعقلُ العاقِلةُ الجِنايةَ التي اعتَرفَ بها الجاني إلا أنْ يُصدِّقوهُ (١). وقالَ المالِكيةُ: العاقِلةُ عِدَّةُ أمورٍ: العَصبةُ وأهلُ الدِّيوانِ والمَوالِي الأَعلونَ والأَسفَلونَ وبيتُ المالِ. ويُبدأُ بأهلِ الدِّيوانِ على عَصبةِ الجاني، إذِ الدِّيوانُ اسمٌ للدَّفترِ الذي يُضبَطُ فيه أسماءُ الجُندِ وعَدَدُهم وعَطاؤُهم بشَرطِ أنْ يَكونَ الجاني مِنْ الجُندِ ولو كانوا مِنْ قَبائلَ شَتَّى، ومحَلُّ التَّبدئةِ بهم إذا كانوا يُعطَونَ أرزاقَهم المُعيَّنةَ لهم في الدفتَرِ مِنْ العُلوفاتِ والجامِيكاتِ. وإذا لم يَكنْ في أهلِ الدِّيوانِ مَنْ يَحمِلُ لقِلَّتِهم ونَقصِهم عن السَّبعِمائةِ -بِناءً على أنَّ أقلَّ العاقِلةِ سَبعُمائةٍ- ضُمَّ إليهم عَصبةُ الجاني الذينَ لَيسوا معه في الدِّيوانِ. وإذا لم يَكنِ الجاني مِنْ أهلِ دِيوانٍ أو كانَ منهم ولم يُعطُوا فعَصبتُه يَعقلونَ عنه الأقرَبُ فالأقرَبُ، ويُبدأُ بالعَشيرةِ وهم الإخوَةُ ثم بالفَصيلةِ ثم بالفَخذِ ثم بالبَطنِ ثم بالعِمارةِ ثم بالقَبيلةِ ثم بالشِّعبِ ثم أقرَبِ القَبائلِ، واعلَمْ أنَّ أسماءَ طَبقاتِ قَبائلِ العَربِ ستَّةٌ: الشُّعَبُ -بالفَتحِ-، ثم القَبيلةُ ثم العمارةُ -بالفَتحِ والكَسرِ- ثمَّ البَطنُ ثم الفَخذُ ثم الفَصيلةُ، وزادَ بعضُهم العَشيرةُ.

стр. 13249

فإنْ لم يَكنْ للجاني عَصبةٌ ولا أهلُ دِيوانٍ قدِّمَ المَوالي الأَعلونَ -وهم المُعتِقونَ بكَسرِ التاءِ- ولا يَدخلُ فيهم المَرأةُ المُباشِرةُ للعِتقِ، فإنْ لم يَكنْ قدِّمَ المَولَى الأسفلُ. ثم بَيتُ المالِ إنْ كانَ الجاني مُسلمًا؛ لأنَّ بيتَ المالِ لا يَعقِلُ عن كافرٍ. فإنْ لم يَكنْ بَيتُ مالٍ أو تَعذَّرَ الوُصولُ إليه فعَلى الجاني في مالِه وتُنجَّمُ عليه. والذميُّ كالمُسلِمِ في أنَّ عاقِلتَه أهلُ دِيوانِه وعَصبتُه إنْ وُجدَ له ذلكَ ثم المَوالي الأعلونَ ثم الأسفلونَ، فإنْ لم يَكنْ له أحَدٌ ممَّن ذُكرَ فأهلُ دِينِه، كما أنَّ المُسلمَ إذا لم يَكنْ له أحَدٌ ممَّن ذُكرَ يَعقلُ عنه بَيتُ المالِ، النَّصارى عن النصرانِيِّ، واليهودُ عن اليَهوديِّ، ولا يَعقلُ نَصرانِيٌّ عن يَهوديٍّ ولا عَكسُه؛ لعَدمِ التناصُرِ وإنْ كانَ الكُفرُ كلُّه ملَّةً واحدةً مِنْ حيثُ القِصاصُ. والمُرادُ بذي دِينِه مَنْ يَحملُ معه الجِزيةَ أنْ لو ضُربِتْ عليه وإنْ لم يَكونوا مِنْ أقاربِه. وضُربَ على كلِّ مَنْ لَزمَتْه الدِّيةُ مِنْ عَصبةٍ وأهلِ دِيوانٍ وقَريبٍ وذمِّيٍّ وصُلحيٍّ إذا تَحاكمَ كلٌّ إلينا ما لا يَضرُّ به على قَدرِ طاقتِه؛ لأنها مُواساةٌ. وعُقلَ عن صَبيٍّ ومَجنونٍ وامرأةٍ وفَقيرٍ وغارِمٍ إذا جَنَوا، ولا يَعقِلونَ عن غَيرِهم ولا عن أنفُسِهم، وإنما لم تَضربْ على هؤلاءِ لأنها إعانةٌ، والفَقيرُ والغارِمُ مُحتاجانِ للإعانةِ، وسقَطَتْ عن الصبيِّ والمَجنونِ والمرأةِ؛ لعَدمِ التناصُرِ منهم، وهو عِلةٌ في ضَربِها.

стр. 13250

والمُعتبَرُ في الصِّبا والجُنونِ وضِدِّهما -أي: البُلوغِ والعَقلِ- والعُسرِ واليُسرِ بوَقتِ الضربِ، أي التوزيعِ على العاقِلةِ، فمتى كانَ وقتُ تَوزيعِها صَبيًّا أو مَجنونًا أو غارِمًا أو غائبًا غَيبةَ انقِطاعٍ فلا شيءَ عليهِ، ولو بلَغَ الصبيُّ بعدَ ضَربِها أو عقَلَ المَجنونُ أو استَغنَى الفَقيرُ بعدَ ضَربِها أو قَدِمَ الغائِبُ غَيبةَ انقِطاعٍ بعدَ ضَربِها وقبلَ قبضِها فلا يُجعلْ عليهِ شيءٌ، وإنْ كانَ وقتَ ضَربِها بالِغًا عاقلًا مُوسرًا حاضرًا ضُربَ عليه، ولا يَسقطُ عنه ما ضُربَ عليه بطُرُوِّ عُسرٍ أو جُنونٍ أو مَوتٍ أو سَفرٍ. ولا دُخولَ لبَدويٍّ مِنْ عَصبةِ الجاني مع حَضَريٍّ مِنْ عَصبتِه ولا عَكسُه؛ لعَدمِ التناصُرِ بينَهُما، ولا دُخولَ لشامِيٍّ مع مِصريٍّ ولا عَكسُه، وسَواءٌ كانَ المأخوذُ مُتحِدَ الجِنسِ أو لا، اشتَدَّتِ القَرابةُ كابنٍ وابنِ أمٍّ أم لا؛ لأنَّ العلَّةَ التناصُرُ، والشاميُّ لا يَنصرُ مَنْ في مِصرَ، ولا البَدويُّ الحَضريَّ، بل الدِّيةُ على أهلِ قُطرِه. والدِّيةُ الكامِلةُ لذكَرٍ أو أُنثى مُسلمٍ أو كافرٍ -سَواءٌ كانتْ لنَفسٍ أو طَرفٍ كقَطعِ يَدَينِ أو قَلعِ عَينينِ أو ذَهابِ عَقلٍ خَطأً- تُنجَّمُ على العاقِلةِ في ثَلاثِ سِنينَ، أوَّلُها يومُ الحُكمِ لا يَومُ القَتلِ، ويَحلُّ النَّجْمُ الثالثُ بآخِرِ السَّنةِ الثالثةِ. والدِّيةُ غيرُ الكامِلةِ تُنجَّمُ كالكامِلةِ، فالثُّلثُ يُنجَّمُ في سَنةٍ، والثُّلثانِ سَنتانِ. ونُجِّمَ في النِّصفِ والثلاثةِ الأرباعِ بالتَّثليثِ، يَعني أنَّ الجِنايةَ إذا بلَغَ مُوجبُها نصفَ الدِّيةِ الكامِلةِ أو ثَلاثةَ أرباعِها فإنه يُنجَّمُ للثُّلثِ سَنةٌ

стр. 13251

وللسُّدسِ الباقي سَنةً، ويُنجَّمُ الثُّلثانِ في سَنتينِ ويُنجَّمُ الباقي وهو نِصفُ السُّدسِ في سَنةٍ ثالثةٍ. وحُكمُ التنجيمِ على عَواقلَ مُتعدِّدةٍ مع اتِّحادِ الجِنايةِ حُكمُ التنجيمِ على العاقلةِ الواحدةِ، فلو حمَلَ أربَعةُ رِجالٍ مَثلًا صَخرةً فسقَطَتْ منهم على رَجلٍ فقتَلَتْه فإنَّ رُبعَ الدِّيةِ الواجبِ على عاقلةِ كلِّ واحدٍ منهم يُنجَّمُ عليها في ثلاثِ سِنينَ كحُكمِ الدِّيةِ الواحِدةِ، وإنْ كانَ ما يَنوبُ كلَّ واحِدةٍ دونَ الثُّلثِ، وظاهِرُه: وإنْ كانَ ما يُؤخذُ مِنْ كلٍّ مُخالِفًا لِما يُؤخذُ مِنْ الآخرِ؛ كأنْ يَكونَ بعضُهم مِنْ أهلِ الذَّهبِ وبعضُهم مِنْ أهلِ الإبلِ مثلًا (١). وقالَ الشافِعيةُ: العاقِلةُ: هم عَصبةُ الجاني الذينَ يَرثونَه بالنَّسبِ أو الوَلاءِ إذا كانُوا ذُكورًا مُكلَّفينَ، ولا تَحملُ المَرأةُ ولا الصبيُّ وإنْ أيسَرَا شَيئًا، وكذا المَعتوهُ. ولا يَحملُ أصلُ الجاني مِنْ أبٍ وإنْ عَلا وفَرعُه مِنْ ابنٍ وإنْ سفَلَ مِنْ الدِّيةِ شيئًا؛ لأنهم أبعاضُه، فكمَا لا يَتحمَّلُ الجاني لا يَتحمَّلُ أبعاضُه. ويُقدَّمُ في تحمُّلِ الدِّيةِ مِنْ العَصبةِ الأقرَبُ فالأقرَبُ على الأبعدِ منهُم، والأقرَبُ الإخوَةُ ثم بَنوهُم وإنْ نَزَلوا، ثم الأعمامُ، ثم بَنوهم وإنْ نَزَلوا، ثم أعمامُ الأبِ، ثم بَنوهم وإنْ نَزَلوا، ثم أعمامُ الجَدِّ، ثمَّ بَنوهم وإنْ نَزَلوا، فإنْ

стр. 13252

لم يُوَفِّ الأقرَبُ بالواجبِ بأنْ بَقيَ منه شيءٌ فيُوزَّعُ الباقي على مَنْ يَليهِ الأقربِ، فإنْ فُقدَ العاقلُ أو لم يَفِ عقَلَ بيتُ المالِ عن المُسلمِ، فإنْ فُقدَ فكلُّه على الجاني. وتُؤجَّلُ على العاقلةِ دِيةُ نَفسٍ كامِلةٍ ثلاثَ سِنينَ في كلِّ سَنةٍ ثُلثٌ، وتُؤجَّلُ دِيةُ ذِميٍّ سَنةً، وتُؤجَّلُ دِيةُ امرَأةٍ سَنتينِ في الأُولى ثُلثُ الدِّيةِ. ولو قتلَ رَجلَينِ ففي ثَلاثٍ، والأطرافُ في كلِّ سَنةٍ قَدرُ ثُلثِ دِيةٍ. وابتِداءُ الأجَلِ: مِنْ خُروجِ الرُّوحِ في النَّفسِ، وفي غَيرِها مِنْ يومِ الجِنايةِ. ومَن ماتَ مِنْ العاقلةِ في أثناءِ سَنةٍ سقَطَ ما عليه، ولا يُؤخذُ مِنْ تَركتِه، وإنْ ماتَ بعدَ السَّنةِ وهو مُوسرٌ فلا تَسقطُ ويُؤخذُ مِنْ تَركتِه. والذي يَعقلُ هو الذَّكرُ الموسِرُ الحرُّ المُكلَّفُ، فلا تَعقلُ أُنثى ولا خُنثَى ولا فَقيرٌ ولا رَقيقٌ ولا صَبيٌّ ولا مَجنونٌ، ولا مُسلمٌ عن كافرٍ، ولا كافرٌ عن مُسلمٍ، ويَعقلُ يَهوديٌّ عن نَصرانِيٍّ وعَكسُه. وقِيمةُ تَوزيعِ المَضروبِ على العاقلةِ: على الغَنيِّ مِنْ العاقلةِ نِصفُ دِينارٍ، وعلى المُتوسِّطِ منهم رُبعُ دينارٍ، كلَّ سَنةٍ مِنْ الثلاثِ، والمُعتبَرُ آخِرُ الحَولِ، فمَن أعسَرَ فيه سقَطَ عنه (١).

стр. 13253

وقالَ الحَنابلةُ: العاقِلةُ: هي ذُكورُ عَصبةِ الجاني نَسبًا ووَلاءً، قَريبُهم كالإخوَةِ، وبَعيدُهم كابنِ ابنِ ابنِ عمِّ جدِّ الجاني، حاضرُهم وغائبُهم، حتى عَمودي نَسبِه، وهم آباءُ الجاني وإنْ عَلَوا وأبناؤُه وإنْ نَزَلوا، سَواءٌ كانَ الجاني رَجلًا أو امرأةً. والعاقِلةُ هم العَصباتُ، وأمَّا غَيرُهم مِنْ إخوةِ الأمِّ وسائرِ ذَوي الأرحامِ والزوجِ ليسَ مِنْ العاقِلةِ. وتَحملُ الخَطأَ وشِبهَ العَمدِ مُؤجَّلًا في ثَلاثِ سِنينَ، وابتِداءُ حَولِ القَتلِ مِنْ الزُّهوقِ، والجُرحِ مِنْ البُرءِ؛ لأنه وقتُ استِقرارِ الوُجوبِ، وما يَحملُه كلُّ واحِدٍ منهم غيرُ مُقدَّرٍ، فيَرجعُ إلى اجتِهادِ الحاكمِ، فيُحمَلُ على كلِّ إنسانٍ ما يَسهلُ عليه؛ لأنَّ ذلكَ مُواساةٌ للجاني وتَخفيفٌ عنه، فلا يَشقُّ على غَيرِه، ولا يُزالُ الضرَرُ بالضررِ. ويَبدأُ بالأقرَبِ فالأقرَبِ كالإرثِ؛ لأنه حُكمٌ مُعلَّقٌ بالعَصباتِ، فقُدِّمَ فيه الأقرَبُ كالولايةِ، فيُقسَّمُ على الآباءِ والأبناءِ، ثم الإخوَةِ ثم بَنيهِم، ثم الأعمامِ ثم بَنيهم، ثم أعمامِ الأبِ ثم بَنيهم، وهكذا حتى يَنقرِضوا، وإنِ اتَّسعَتْ أموالُ الأقرَبينَ لحَملِ العَقلِ لم يَتجاوَزْهم، وإلا انتَقلَ إلى مَنْ يَليهم. ولا يُعتبَرُ أنْ يَكونوا وَارثِينَ لمَن يَعقلونَ عنه في الحالِ، بل متى كانوا يَرثونَ لولا الحَجبُ عَقَلوا. ولا عقْلَ على فَقيرٍ؛ لأنه ليسَ مِنْ أهلِ المُواساةِ، ولأنها وجَبَتْ على العاقِلةِ تَخفيفًا على الجاني، فلا تُثقلُ على مَنْ لا جِنايةَ منه

стр. 13254

ولا عقْلَ على صبيٍّ ومَجنونٍ وامرأةٍ؛ لأنهم ليسوا مِنْ أهلِ النُّصرةِ والمعاضَدةِ. ولا عقْلَ على مُخالِفٍ لدِينِ الجاني؛ لفَواتِ المُعاضَدةِ والمُناصَرةِ، ويَتعاقلُ أهلُ ذِمةٍ اتَّحدَتْ مِلَلُهم. وخَطأُ الإمامِ والحاكمِ في أحكامِهما في بيتِ المالِ لا تَحملُه عاقِلتُهما؛ لأنه يَكثرُ فيُجحِفُ بالعاقِلةِ، وخطؤُهما في غيرِ حُكمٍ -كرَميِهما صَيدًا فيُصيبَا آدَميًّا- على عاقِلتِهما كخَطإِ غيرِهما. ومَن لا عاقِلةَ له أو له وعجَزَتْ فلا دِيةَ عليهِ، وتكونُ في بيتِ المالِ، كدِيةِ مَنْ ماتَ في زَحمةٍ كجُمعةٍ وطَوافٍ؛ لأنه ﷺ وَدَى الأنصارِيَّ الذي قُتلَ بخَيبَرَ مِنْ بيتِ المالِ، ولأنَّ المُسلمينَ يَرثونَ مَنْ لا وارِثَ له، فيَعقلونَ عنه عندَ عَدمِ عاقِلتِه وعَجزِها. فإنْ تَعذَّرَ الأخذُ منه سقَطَتْ؛ لأنها تَجبُ ابتِداءً على العاقِلةِ دونَ القاتلِ، فلا يُطالَبُ بها غيرُ العاقلةِ (١).

стр. 13255

كتاب الردة

стр. 13256

كتاب الردة تَعريفُ الرِّدةِ: الرِّدةُ -أعاذَنا اللهُ تعالَى منهَا ونَسألُه العِصمةَ منها ومِن سائرِ الكَبائرِ وأنْ يَتوفَّنَا مُسلمِينَ- لُغةً: الرُّجوعُ عن الشَّيءِ إلى غَيرهِ، قالَ تعالَى: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ [المائدة: ٢١]، وهي أفحَشُ الكُفرِ وأغلَظُه حُكمًا؛ لأنها مُحبِطةٌ للعَملِ، قالَ تعالَى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]. والرِّدةُ شَرعًا: هي كُفرُ المُسلمِ بعدَ إسلامِه بقَولٍ أو فِعلٍ. وتَعريفاتُ الفُقهاءِ مُتقارِبةٌ في هذا.

стр. 13257

فقالَ الحَنفيةُ: الرِّدةُ: الرُّجوعُ عن الإسلامِ، والمُرتَدُّ: الذي يَكفرُ بعدَ إسلامِه، أو الراجِعُ عن دِينِ الإسلامِ (١). وقالَ المالِكيةُ: الرِّدةُ: كُفرُ مُسلمٍ مُتقرِّرٍ إسلامُه بالنُّطقِ بالشهادَتَينِ مُختارًا وقَفَ على دَعائمِ الإسلامِ والتَزمَ أحكامَه بعدَ نُطقِه بالشهادَتينِ، فمَن نَطَقَ بالشهادَتينِ ثمَّ رجَعَ قبلَ أنْ يَقِفَ على الدَّعائمِ فلا يَكونُ مُرتدًّا، وحِينئذٍ يُؤدَّبُ فقطْ (٢). وقالَ الشافِعيةُ: الرِّدةُ شَرعًا: الرجوعُ عن الإسلامِ إلى الكُفرِ، أو قَطعُ استِمرارِ الإسلامِ ودَوامِه، ويَحصلُ قَطعُ الإسلامِ بأُمورٍ: بنِيَّةِ كُفرٍ أو قَولِ كُفرٍ أو فِعلٍ مُكفِّرٍ، سَواءٌ قالَه استِهزاءً أو عِنادًا أو اعتِقادًا (٣). وقالَ الحَنابلةُ: المُرتدُّ: الذي يَكفرُ بعدَ إسلامِه طَوعًا ولو مُميِّزًا أو هازِلًا بنُطقٍ أو اعتِقادٍ أو شَكٍّ أو فِعلٍ (٤).

стр. 13258

شَرائطُ الرِّدةِ: نَصَّ الفُقهاءُ على أنَّ الرِّدةَ لا تَقعُ مِنْ المُسلمِ إلا إذا تَوفَّرتْ فيه عِدةُ شَرائطَ: أولاً: البُلوغُ: (رِدَّةُ الصَّبيِّ): اختَلفَ الفُقهاءُ في الصَّبيِّ العاقلِ إذا ارتَدَّ عن الإسلامِ، هل تَصحُّ رِدتُه أم لا؟ فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ والمالِكيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ البُلوغَ ليسَ بشَرطٍ، فتَصحُّ رِدةُ الصبيِّ العاقلِ؛ لأنه صَحَّ إيمانُه، فتَصحُّ رِدتُه؛ وهذا لأنَّ صِحةَ الإيمانِ والرِّدةِ مَبنيةٌ على وُجودِ الإيمانِ والرِّدةِ حَقيقةً؛ لأنَّ الإيمانَ والكُفرَ مِنْ الأفعالِ الحَقيقيةِ، وهُمَا أفعالٌ خارِجةُ القَلبِ بمَنزلةِ أفعالِ سائرِ الجَوارحِ، والإقرارُ الصادِرُ عن عَقلٍ دَليلُ وُجودِهما، وقد وُجدَ ههُنا، إلا أنهُما مع وُجودِهما منه حَقيقةٌ لا يُقتَلُ. وعلى هذا تَجرِي عليهِ الأحكامُ الدُّنيويةُ التي تَتسبَّبُ عنهُما، كبُطلانِ ذَبحِه ونِكاحِه، إلا أنه لا يُعاقَبُ في الآخِرةِ، ولا يُقتلُ قبلَ البلوغِ؛ لأنَّ القتلَ عُقوبةٌ وهو ليسَ مِنْ أهلِها في الدُّنيا، قالَ الحَنفيةُ: ولكنْ لو قتَلَه إنسانٌ لم يَغرمْ شَيئًا، كالمَرأةِ إذا ارتَدَّتْ لا تُقتلُ ولا يَغرمُ قاتِلُها. وذهَبَ الإمامُ أبو يُوسفَ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ البلوغَ شَرطٌ، فلا تَصحُّ رِدةُ الصبيِّ؛ لعُمومِ قولِ النبيِّ ﷺ : «رُفعَ القَلمُ

стр. 13259

عن ثَلاثةٍ: عنِ الصَّبيِّ حتى يَحتلِمَ … » (١)، وهذا يَقتضِي أنْ لا يُكتبَ عليه ذَنبٌ ولا شَيءٌ، ولو صَحَّتْ رِدتُه لَكُتبتْ عليه، ولأنَّ عَقلَ الصبيِّ في التصرُّفاتِ الضارَّةِ المَحضةِ مُلحَقٌ بالعدمِ، ولهذا لم يَصحَّ طلاقُه وإعتاقُه وتَبرعاتُه، والرِّدةُ مَضرةٌ مَحضةٌ، لكنَّ الإمامَ يُهدِّدُ المُميِّزَ ولا يَقتلُه، والمُرادُ أنَّ أحكامَ الرِّدةِ لا تَترتبُ على غيرِ المُكلَّفِ (٢). هل يُقتَلُ الصَّبيُّ إذا ارتَدَّ؟ اتَّفقَ كلُّ مَنْ قالَ بصِحةِ ردَّةِ الصبيِّ وغيرُهم على أنه لا يُقتلُ في حالِ صِباهُ، سواءٌ على قَولِ مَنْ قالَ بصحَّةِ ردَّتِه أم لا؛ لأنَّ الغُلامَ لا يجبُ عليه عُقوبةٌ؛ بدَليلِ أنه لا يَتعلقُ به حُكمُ الزنا والسرقةِ وسائرِ الحُدودِ ولا يُقتلُ قِصاصًا. واختَلفُوا إذا بلَغَ كافِرًا هل يُقتلُ أم لا؟ فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ إلى أنه يُحبَسُ ولا يُقتلُ؛ لأنَّ القتلَ ليسَ مِنْ لَوازمِ الردَّةِ عندَهُما؛ بدَليلِ أنَّ المُرتدةَ لا تُقتلُ عندَهُم، والرِّدةُ مَوجودةٌ (٣).

стр. 13260

وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنه إذا بلَغَ ولم يَرجعْ إلى الإسلامِ فإنه يُستتابُ، فإنْ تابَ وإلا قُتلَ؛ لأنه صارَ أهلًا للعُقوبةِ (١). وأمَّا الإمامُ الشافِعيُّ ﵀ فقالَ: وإنما يُقتلُ مَنْ أقَرَّ بالإيمانِ إذا أقَرَّ بالإيمانِ بعدَ البُلوغِ والعَقلِ، فمَن أقَرَّ بالإيمانِ قبلَ البُلوغِ وإنْ كانَ عاقِلًا ثم ارتَدَّ قبلَ البُلوغِ أو بعدَه ثمَّ لمْ يَتُبْ بعدَ البلوغِ فلا يُقتلُ؛ لأنَّ إيمانَه لم يَكنْ وهو بالِغٌ، ويُؤمَرُ بالإيمانِ ويُجهَدُ عليه بلا قَتلٍ إنْ لم يَفعلُه (٢). ثانِيًا: العَقلُ: (ردَّةُ المَجنونِ): أجمَعَ أهلُ العِلمِ على عَدمِ صِحةِ رِدةِ المَجنونِ، فإذا كانَ مُسلمًا ثمَّ جُنَّ فارتَدَّ في حالِ جُنونِه أنه لا يُؤاخَذُ به وهو على إسلامِه؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «رُفعَ القَلمُ عن ثَلاثةٍ: … وعنِ المَجنونِ حتى يَفيقَ» (٣). قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ المَجنونَ إذا ارتَدَّ في حالِ جُنونِه أنه مُسلمٌ على ما كانَ قبلَ ذلكَ، ولو قتَلَه قاتلٌ عَمدًا كانَ عليهِ القَودُ إذا طلَبَ أولياؤُه ذلكَ (٤).

стр. 13261

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: الرِّدةُ لا تَصحُّ إلا مِنْ عاقلٍ، فأما مَنْ لا عقْلَ له كالطِّفلِ الذي لا عَقلَ له والمَجنونِ ومَن زالَ عَقلُه بإغماءٍ أو نَومٍ أو مَرضٍ أو شُربِ دَواءٍ يُباحُ شُربُه فلا تَصحُّ رِدتُه ولا حُكمَ لكَلامِه بغيرِ خِلافٍ. قالَ ابنُ المُنذِرِ: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ المَجنونَ إذا ارتَدَّ في حالِ جُنونِه أنه مُسلمٌ على ما كانَ عليه قبلَ ذلكَ، ولو قتَلَه قاتلٌ عَمدًا كانَ عليهِ القَودُ إذا طلَبَ أولياؤُه، وقد قالَ النبيُّ ﷺ : «رُفعَ القَلمُ عن ثَلاثةٍ: عن الصَّبيِّ حتى يَبلغَ، وعن النائِمِ حتَّى يَستيقظَ، وعنِ المَجنونِ حتى يَفيقَ» أخرَجَه أبو داودَ والتِّرمذيُّ وقالَ: حَديثٌ حَسنٌ، ولأنه غيرُ مُكلَّفٍ، فلمْ يُؤاخَذْ بكَلامِه كما لم يُؤاخَذْ به في إقرارِه ولا طَلاقِه ولا إعتاقِه (١). وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: فأما المَجنونُ والطِّفلُ الذي لا يُميِّزُ فأقوالُه كلُّها لَغوٌ في الشَّرعِ، لا يَصحُّ منه إيمانٌ ولا كُفرٌ ولا عَقدٌ مِنْ العُقودِ ولا شَيءٌ مِنْ الأقوالِ باتِّفاقِ المُسلمينَ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ الهُمامِ ﵀: المَجنونُ لا يَصحُّ ارتِدادُه بالإجماعِ (٣).

стр. 13262

رِدَّةُ السَّكرانِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في السَّكرانِ إذا ارتَدَّ في حالِ سُكرِه، هل تُعتبرُ ردَّتُه أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الردَّةَ لا تَصحُّ مِنْ السَّكرانِ؛ لأنَّ الرِّدةَ تُبنَى على تَبدُّلِ الاعتِقادِ، ونَعلمُ أنَّ السَّكرانَ غيرُ مُعتقِدٍ لِما قالَ، ولأنَّ الإسلامَ والكُفرَ يَتعلَّقانِ بالاعتِقادِ المُختَصِّ بالقَلبِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، وليسَ يَصحُّ مِنْ السَّكرانِ اعتِقادٌ يَتعلقُ به كُفرٌ وإيمانٌ، فاقتَضَى أنْ يكونَ باطِلًا، ولأنه غيرُ مُكلَّفٍ، فلمْ تَصحَّ رِدتُه كالمَجنونِ، والدليلُ على أنه غَيرُ مُكلَّفٍ أنَّ العقلَ شَرطٌ في التَّكليفِ، وهو مَعدومٌ في حقِّه، ولهذا لم يَصحَّ استِتابتُه. ولأنَّ أحكامَ الكُفرِ مَبنيةٌ على الكُفرِ كما أنَّ أحكامَ الإيمانِ مَبنيةٌ على الإيمانِ، والإيمانُ والكُفرُ يَرجعانِ إلى التَّصديقِ والتكذيبِ، وإنما الإقرارُ دَليلٌ عليهِما، وإقرارُ السَّكرانِ الذاهبِ العَقلِ لا يَصلحُ دَلالةً على التكذيبِ، فلا يَصحُّ إقرارُه (١).

стр. 13263

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه تَصحُّ رِدةُ السَّكرانِ؛ لأنَّ هذا إجماعُ الصَّحابةِ ﵃ أنهُم قالُوا بتَكليفِ السَّكرانِ، فقد رُويَ «أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ ﵁ شاوَرَ الصَّحابةَ في حَدِّ الخَمرِ، وقالَ: أرَى الناسَ قد تَهافَتوا واستَهانُوا بحَدِّه فماذا تَرَونَ؟ فقالَ عليُّ بنُ أبي طالِبٍ ﵁: أرَى أنْ يُحَدَّ ثَمانينَ؛ لأنه إذا شَربَ سَكِرَ، وإذا سَكرَ هَذى، وإذا هَذى افتَرى، فيُحدُّ حَدَّ المُفتَري، فوافَقَه عُمرُ والصَّحابةُ ﵃ على هَذا، وحَدُّوهُ حَدَّ المُفتري ثَمانينَ»، وجَعَلوا ما تَلفَّظَ به في السُّكرِ افتِراءً يَتعلقُ به حَدٌّ وتَعزيرٌ، وذلكَ مِنْ أحكامِ التكليفِ، ولو كانَ غيرَ مُكلَّفٍ لَكانَ كَلامُه لغوًا وافتِراؤُه مُطرحًا. ولأنَّ الصلاةَ واجِبةٌ عليه، وكذلكَ سائرُ أركانِ الإسلامِ، ويَأثمُ بفِعلِ المُحرَّماتِ، وهذا معنَى التكليفِ، ولأنَّ السكرانَ لا يَزولُ عَقلُه بالكلَّيةِ، ولهذا يَتَّقي المَحذوراتِ ويَفرحُ بما يَسرُّه ويُساءُ بما يَضرُّه، ويَزولُ سُكرُه عن قُربٍ مِنْ الزمانِ، فأشبَهَ الناعِسَ، بخِلافِ النائمِ والمَجنونِ. وإذا صَحَّ تكليفُه صَحَّ إسلامُه ورِدتُه، ولأنَّ مَنْ صَحَّ عِتقُه وطلاقُه صحَّتْ ردَّتُه وإسلامُه كالصاحي، ولأنَّ الردَّةَ والإسلامَ لفظٌ يَتعلقُ به الفُرقةُ، فوجَبَ أنْ تَصحَّ مِنْ السَّكرانِ كالطلاقِ. فأما الجَوابُ عن بأنه لا اعتِقادَ له: فهو أنه يَجري في أحكامِ التَّكليفِ مَجرَى مَنْ له اعتِقادٌ وتَمييزٌ، ولذلكَ وقَعَ طلاقُه وظِهارُه، ولو عدمَ التَّميِيز ما وقَعَا كالمَجنونِ.

стр. 13264

وأما استِتابتُه فتُؤخَّرُ إلى حينِ صَحوِه؛ ليَكملَ عَقلُه ويَفهمَ ما يُقالُ له، وتُزالُ شُبهتُه إنْ كانَ قد قالَ الكُفرَ مُعتقِدًا له، كما تُؤخَّرُ استِتابتُه إلى حينِ زوالِ شدَّةِ عَطشِه وجُوعِه، ولأنَّ القتلَ جُعلَ للزَّجرِ، ولا يَحصلُ الزجرُ في حالِ سُكرِه، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ قتَلَه قاتلٌ في حالِ سُكرِه لم يَضمنْه؛ لأنَّ عِصمتَه زالَتْ برِدتِه، وإنْ ماتَ أو قُتلَ لم يَرثْه وَرثتُه، ولا يَقتلُه حتى يُتِمَّ له ثَلاثةَ أيامٍ ابتِداؤُها مِنْ حينِ ارتَدَّ، فإنِ استَمرَّ سُكرُه أكثرَ مِنْ ثَلاثٍ لم يُقبلْ حتى يَصحوَ ثم يُستتابَ عَقيبَ صَحوِه، فإنْ تابَ وإلا قُتلَ في الحالِ (١). ثالِثًا: الرِّضا بالكُفرِ: (رِدةُ المكرَهِ): اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ مَنْ أكرِهَ على الكُفرِ فأتَى بلَفظِ الكُفرِ أو فِعلِ الكُفرِ لم يَصرْ كافرًا بذلكَ إذا كانَ قلبُه مُطمئنًّا بالإيمانِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٦]. وعن أبي عُبيدةَ بنِ مُحمدِ بنِ عمَّارِ بنِ ياسرٍ عن أبيه قالَ: «أخَذَ المُشرِكونَ عمَّارَ بنَ ياسِرٍ فلمْ يَتركوهُ حتَّى سَبَّ النبيَّ ﷺ وذكَرَ

стр. 13265

آلهَتَهم بخَيرٍ ثم تَركُوهُ، فلمَّا أتَى رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: ما وَراءَكَ؟ قالَ: شَرٌّ يا رَسولَ اللهِ، ما تُركْتُ حتى نِلتُ منكَ وذكَرتُ آلهَتَهم بخَيرٍ، قالَ: كيفَ تَجدُ قلبَكَ؟ قالَ: مَطمئنٌّ بالإيمانِ، قالَ: إنْ عَادُوا فعُدْ» (١). وهذا أصلٌ في جَوازِ إظهارِ كَلمةِ الكُفرِ في حالِ الإكراهِ، والإكراهُ المُبيحُ لذلكَ هو أنْ يَخافَ على نَفسِه أو بَعضِ أعضائِه التلفَ إنْ لم يَفعلْ ما أمرَهَ به، فأُبيحَ له في هذهِ الحالِ أنْ يُظهِرَ كلمةَ الكُفرِ (٢). قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ مَنْ أُكرِهَ على الكُفرِ حتَّى خَشيَ على نفسِه القتلَ أنه لا إثمَ عليهِ إنْ كفَرَ وقلبُه مُطمئنٌّ بالإيمانِ، ولا تَبِينُ منه زَوجتُه، ولا يُحكمُ عليه بحُكمِ الكُفرِ، هذا قولُ مالكٍ والكُوفيينَ والشافعيِّ، غيرِ مُحمدِ بنِ الحَسنِ فإنه قالَ: «إذا أظهَرَ الشِّركَ كانَ مُرتدًّا في الظاهرِ، وهو فيما بينَه وبينَ اللهِ على الإسلامِ، وتَبِينُ منه امرأتُه، ولا يُصلَّى عليهِ إنْ ماتَ، ولا يَرثُ أباه إنْ ماتَ مُسلمًا»، وهذا قولٌ تُغنِي حِكايتُه عن الرَّدِّ عليه؛ لمُخالَفتِه للآياتِ المَذكورةِ في أولِ هذا البابِ. وقالَتْ طائفةٌ: إنما جازَتِ الرُّخصةُ في القولِ، وأما في الفعلِ فلا رُخصةَ فيه، مثلَ أنْ يُكرِهوهُ على السجودِ لغيرِ اللهِ، أو الصلاةِ لغيرِ القِبلةِ، أو قَتلِ مُسلمٍ أو ضَربِه أو أكلِ مالِه، أو الزنا، أو شُربِ الخَمرِ وأكلِ الخِنزيرِ، رُويَ

стр. 13266

هذا عن الحسَنِ البَصريِّ، وهو قولُ الأوزاعيِّ وسحنُونٍ، قالَ الأوزاعيُّ: إذا كُرِهَ الأسيرُ على شُربِ الخَمرِ لا يَفعلُ وإنْ قتَلَه، وقالَ إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: حَدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ حدَّثَنا عبدُ الأعلى عن عَوفٍ عن الحَسنٍ أنه كانَ لا يَجعلُ في النفسِ التي حرَّمَ اللهُ التقيَّةَ، وقالَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ: إذا قيلَ للأسيرِ: «اسجُدْ لذلكَ الصَّنمِ وإلا قَتلناكَ» فقالَ: إنْ كانَ الصَّنمُ مُقابلَ القِبلةِ فلْيَسجدْ وتكونُ نيَّتُه للهِ تعالى، وإنْ كانَ لغيرِ القِبلةِ فلا يَسجدُ وإنْ قَتلوهُ. وقالَتْ طائِفةٌ: الإكراهُ في الفِعلِ والقَولِ سواءٌ إذا أسَرَّ الإيمانَ، رُويَ ذلكَ عن عُمرَ بنِ عَبدِ العزيزِ ومَكحولٍ، وهو قَولُ مالكٍ وطائفةٍ مِنْ أهلِ العِراقِ، ورَوى ابنُ القاسمِ عن مالكٍ أنه إنْ أُكرِهَ على شُربِ الخَمرِ أو تَركِ الصلاةِ والإفطارِ في رَمضانَ فلا إثمَ عليه، إلا أنه لا يَجوزُ عندَ مالكٍ وعامَّةِ العُلماءِ أنْ يَقتلَ غيرَه ولا يَنتهكَ حُرمتَه ولا يَظلمَه ولا يَفعلَ الزنا وإنْ كُرِهَ على ذلكَ. قالَ إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: وقولُ مَنْ جعَلَ التقيَّةَ في القولِ ما يُشبهُ ما نزَلَ في القُرآنِ مِنْ ذلكَ؛ لأنَّ الذينَ أُكرِهوا عليهِ إنما هو كَلامٌ تكَلَّموا به ولم يَظلِموا فيه أحدًا مِنْ الناسِ، وإنما هو أمرٌ فيما بينَهم وبينَ ربِّهم، فلمَّا أُكرِهوا عليه ولم يَكونُوا له مُعتقِدينَ جُعلَ كأنه لم يَكنْ؛ لأنَّ الكلامَ ليسَ يُؤثرُ بأحدٍ أثَرًا في نفسٍ ولا مالٍ، وأفعالُ الأبدانِ ليسَتْ كذلكَ؛ لأنها تُؤثرُ في الأبدانِ والأموالِ، ولا يُجوزُ لأحَدٍ أنْ يُنجيَ نفسَه مِنْ القتلِ بأنْ يَقتلَ غيرَه ظالِمًا وإنْ أكرِهَ على ذلكَ.

стр. 13267

وقالَ الأبهَريُّ: لا يَجوزُ لأحدٍ أنْ يُكرَهَ على هَتكِ حُرمةِ آدَميٍّ؛ لأنَّ حُرمتَه ليسَتْ بأوكَدَ مِنْ حُرمةِ الآخَرِ (١). وقالَ أيضًا: أجمَعَ العُلماءُ أنَّ مَنْ أُكرِهَ على الكُفرِ فاختارَ القتلَ أنه أعظَمُ أجرًا عندَ اللهِ ممَّن اختارَ الرُّخصةَ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: اتَّفقُوا على أنَّ المُكرَهَ على الكفرِ وقلبُه مُطمئنٌّ بالإيمانِ أنه لا يَلزمُه شَيءٌ مِنْ الكُفرِ عندَ اللهِ تعالَى، واختَلفُوا في إلزامِه أحكامَ الكُفرِ، واتَّفقُوا أنَّ خوفَ القتلِ إكراهٌ (٣). وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ أُكرِهَ على الكفرِ حتى خَشيَ على نَفسِه القتلَ أنه لا إثمَ عليه إنْ كفَرَ وقلبُه مُطمئنٌّ بالإيمانِ، ولا تَبِينُ منه زَوجتُه، ولا يُحكَمُ عليه بحُكمِ الكُفرِ، هذا قَولُ مالكٍ والكُوفيِّينَ والشافِعيِّ غيرِ مُحمدِ بنِ الحسَنِ … (٤). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ومَن أُكرِهَ على الكفرِ فأتَى بكلمةِ الكُفرِ لم يَصِرْ كافرًا، وبهذا قالَ مالكٌ وأبو حَنيفةَ والشافِعيُّ، وقالَ مُحمدُ بنُ الحسَنِ: هو كافِرٌ في الظاهِرِ تَبِينُ منه امرأتُه، ولا يَرثُه المُسلمونَ إنْ ماتَ،

стр. 13268

ولا يُغسَّلُ ولا يُصلَّى عليه، وهو مُسلمٌ فيما بينَه وبينَ اللهِ؛ لأنه نطَقَ بكلمةِ الكفرِ، فأشبَهَ المُختارَ. ولنا: قَولُ اللهِ تعالَى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٦]. ورُويَ «أنَّ عمَّارًا أخَذَه المُشركونَ فضَرَبوهُ حتى تَكلَّمَ بما طَلَبوا منهُ، ثم أتَى النبيَّ ﷺ وهو يَبكِي فأخبَرَه، فقالَ له النبيُّ ﷺ : إنْ عادُوا فعُدْ». ورُويَ «أنَّ الكفَّارَ كانوا يُعذِّبونَ المُستضعَفينَ مِنْ المُؤمنينَ، فما منهُم أحَدٌ إلا أجابَهم إلا بلالًا فإنه كانَ يقولُ: أحَدٌ أحدٌ»، وقالَ النبيُّ ﷺ : «عُفيَ لأمَّتِي عن الخَطأِ والنِّسيانِ وما استُكرِهوا عليه»، ولأنه قَولٌ أُكرِهَ عليه بغيرِ حَقٍّ، فلمْ يَثبتْ حُكمُه كما لو أُكرهَ على الإقرارِ، وفارَقَ ما إذا أُكرهَ بحَقٍّ، فإنه خُيِّرَ بينَ أمرَينِ يَلزمُه أحَدُهما، فأيَّهما اختارَه ثبَتَ حُكمُه في حقِّه. فإذا ثبَتَ أنه لم يَكفرْ فمَتى زالَ عنه الإكراهُ أُمِرَ بإظهارِ إسلامِه، فإنْ أظهَرَه فهو باقٍ على إسلامِه، وإنْ أظهَرَ الكُفرَ حُكِمَ أنه كفَرَ مِنْ حينِ نطَقَ به؛ لأننَّا تبيَّنَّا بذلكَ أنه كانَ مُنشرِحَ الصدرِ بالكفرِ مِنْ حينِ نطَقَ به مُختارًا له، وإنْ قامَتْ عليه بيِّنةٌ أنه نطَقَ بكلمةِ الكُفرِ وكانَ مَحبوسًا عندَ الكفَّارِ ومُقيَّدًا عندَهم في حالةِ خَوفٍ لم يُحكَمْ برِدتِه؛ لأنَّ ذلك ظاهِرٌ في الإكراهِ، وإنْ شَهدَتْ أنه كانَ آمِنًا حالَ نُطقِه به حُكمَ بردَّتِه، فإنِ ادَّعَى ورَثتُه رُجوعَه إلى الإسلامِ لم يُقبَلْ إلا ببيِّنةٍ؛ لأنَّ الأصلَ بقاؤُه على ما هو عليهِ، وإنْ شَهدَتِ البيِّنةُ عليه بأكلِ لَحمِ الخِنزيرِ لم يُحكَمْ بردَّتِه؛ لأنه قد يَأكلُه مُعتقِدًا

стр. 13269

تَحريمَه كما يَشربُ الخَمرَ مَنْ يَعتقدُ تَحريمَها، وإنْ قالَ بعضُ وَرثتِه: «أكَلَه مُستحِلًّا له» أو أقَرَّ بردَّتِه حَرُمَ مِيراثُه؛ لأنه مُقِرٌّ بأنه لا يَستحِقُّه، ويُدفَعُ إلى مُدَّعي إسلامِه قَدرُ مِيراثِه؛ لأنه لا يدَّعِي أكثرَ منه، ويُدفَعُ الباقي إلى بيتِ المالِ؛ لعَدمِ مَنْ يَستحقُّه، فإنْ كانَ في الوَرثةِ صَغيرٌ أو مَجنونٌ دُفعَ إليه نَصيبُه ونَصيبُ المُقِرِّ بردَّةِ المَوروثِ؛ لأنه لم تَثبتْ ردَّتُه بالنسبةِ إليهِ. فَصلٌ: ومَن أُكرِهَ على كَلمةِ الكُفرِ فالأفضلُ له أنْ يَصبِرَ ولا يَقولَها وإنْ أتَى ذلكَ على نَفسِه؛ لِما رَوى خبَّابٌ عن رَسولِ اللهِ ﷺ قالَ: «إنْ كانَ الرَّجلُ مِنْ قَبلِكم لَيُحفرُ له في الأرضِ فيُجعلُ فيها، فيُجاءُ بمِنشارٍ فيُوضَعُ على شِقِّ رأسِه ويُشَقُّ باثنينِ ما يَمنعُه ذلكَ عن دِينِه، ويُمشَطُ بأمشاطِ الحَديدِ ما دُونَ عَظمِه مِنْ لَحمٍ ما يَصرفُه ذلكَ عن دِينِه»، وجاءَ في تَفسيرِ قَولِه تَعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧)﴾ [ا البروج: ٤ - ٧] أنَّ بعضَ مُلوكِ الكفَّارِ أخَذَ قومًا مِنْ المُؤمنينَ فخَدَّ لهُم أُخدودًا في الأرضِ وأوقَدَ فيه نارًا، ثم قالَ: مَنْ لم يَرجعْ عن دِينِه فألقُوهُ في النارِ، فجَعَلوا يُلقُونَهم فيها، حتى جاءَتِ امرأةٌ على كَفِّها صبيٌّ لها فتقاعَسَتْ مِنْ أجْلِ الصبيِّ، فقالَ الصبيُّ: يا أُمَّه اصبِري فإنكِ على الحَقِّ، فذكَرَهم اللهُ تعالَى في كتابِه. ورَوى الأثرمُ عن أبي عبدِ اللهِ أنه سُئلَ عن الرَّجلِ يؤسَرُ فيُعرَضُ على الكُفرِ ويُكرَهُ عليه، ألَهُ أنْ يَرتدَّ؟ فكَرهَه كَراهةً شديدةً وقالَ: ما يُشبِهُ هذا عندِي الذينَ أُنزلَتْ فيهم الآيةُ مِنْ أصحابِ النبيِّ ﷺ ، أولئكَ كانوا يُرادُونَ

стр. 13270

على الكلمةِ ثم يُتركونَ يَعملونَ ما شاؤُوا، وهؤلاءِ يُريدونَهم على الإقامةِ على الكُفرِ وتَركِ دِينهم؛ وذلكَ لأنَّ الذي يُكرَهُ على كَلمةِ يَقولُها ثم يُخلَّى، لا ضرَرَ فيها، وهذا المُقيمُ بينَهم يَلتزمُ بإجابتِهم إلى الكفرِ المُقامَ عليهِ واستِحلالَ المُحرَّماتِ وترْكَ الفرائضِ والواجباتِ وفِعلَ المَحظوراتِ والمُنكَراتِ، وإنْ كانَ امرَأةً تَزوَّجوها واستَولدُوها أولادًا كفَّارًا، وكذلكَ الرَّجلُ، وظاهِرُ حالِهم المَصيرُ إلى الكُفرِ الحَقيقيِّ والانسِلاخُ مِنْ الدِّينِ الحَنيفيِّ (١). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: لا يَكفرُ مَنْ تكلَّمَ بالكفرِ مُكرَهًا بالنَّصِّ والإجماعِ، ولو تكلَّمَ بالكُفرِ مُستهزِئًا بآياتِ اللهِ وباللهِ ورَسولِه كفَرَ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ كَثيرٍ ﵀: اتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ المُكرَهَ على الكفرِ يَجوزُ له أنْ يَواليَ إبقاءً لمُهجتِه، ويَجوزُ له أنْ يَستقتلَ كما كانَ بلالٌ ﵁ يأبَى عليهم ذلكَ وهم يَفعلونَ به الأفاعيلَ، حتى إنَّهم ليَضعونَ الصَّخرةَ العَظيمةَ على صَدرِه في شِدةِ الحَرِّ ويأمُرونَه بالشركِ باللهِ، فأبَى عليهِم وهو يَقولُ: أحَدٌ أحَدٌ، ويَقولُ: واللهِ لو أعلَمُ كَلمةً هي أغيَظُ لكُم منها لقُلتُها ﵁ وأرضاهُ، وكذلكَ حَبيبُ بنُ زيدٍ الأنصاريُّ لمَّا قالَ له مُسيلمةُ الكذَّابُ: أتَشهَدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ؟ فيقولُ: نعمْ، فيقولُ: أتشهَدُ أني رسولِ اللهِ؟ فيَقولُ: لا أسمَعُ، فلمْ يَزَلْ يُقطعُه إربًا إربًا وهو ثابتٌ على ذلكَ (٣).
следующие страницы →