← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 13266–13305 · переход к 13271.

стр. 13266

هذا عن الحسَنِ البَصريِّ، وهو قولُ الأوزاعيِّ وسحنُونٍ، قالَ الأوزاعيُّ: إذا كُرِهَ الأسيرُ على شُربِ الخَمرِ لا يَفعلُ وإنْ قتَلَه، وقالَ إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: حَدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ حدَّثَنا عبدُ الأعلى عن عَوفٍ عن الحَسنٍ أنه كانَ لا يَجعلُ في النفسِ التي حرَّمَ اللهُ التقيَّةَ، وقالَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ: إذا قيلَ للأسيرِ: «اسجُدْ لذلكَ الصَّنمِ وإلا قَتلناكَ» فقالَ: إنْ كانَ الصَّنمُ مُقابلَ القِبلةِ فلْيَسجدْ وتكونُ نيَّتُه للهِ تعالى، وإنْ كانَ لغيرِ القِبلةِ فلا يَسجدُ وإنْ قَتلوهُ. وقالَتْ طائِفةٌ: الإكراهُ في الفِعلِ والقَولِ سواءٌ إذا أسَرَّ الإيمانَ، رُويَ ذلكَ عن عُمرَ بنِ عَبدِ العزيزِ ومَكحولٍ، وهو قَولُ مالكٍ وطائفةٍ مِنْ أهلِ العِراقِ، ورَوى ابنُ القاسمِ عن مالكٍ أنه إنْ أُكرِهَ على شُربِ الخَمرِ أو تَركِ الصلاةِ والإفطارِ في رَمضانَ فلا إثمَ عليه، إلا أنه لا يَجوزُ عندَ مالكٍ وعامَّةِ العُلماءِ أنْ يَقتلَ غيرَه ولا يَنتهكَ حُرمتَه ولا يَظلمَه ولا يَفعلَ الزنا وإنْ كُرِهَ على ذلكَ. قالَ إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: وقولُ مَنْ جعَلَ التقيَّةَ في القولِ ما يُشبهُ ما نزَلَ في القُرآنِ مِنْ ذلكَ؛ لأنَّ الذينَ أُكرِهوا عليهِ إنما هو كَلامٌ تكَلَّموا به ولم يَظلِموا فيه أحدًا مِنْ الناسِ، وإنما هو أمرٌ فيما بينَهم وبينَ ربِّهم، فلمَّا أُكرِهوا عليه ولم يَكونُوا له مُعتقِدينَ جُعلَ كأنه لم يَكنْ؛ لأنَّ الكلامَ ليسَ يُؤثرُ بأحدٍ أثَرًا في نفسٍ ولا مالٍ، وأفعالُ الأبدانِ ليسَتْ كذلكَ؛ لأنها تُؤثرُ في الأبدانِ والأموالِ، ولا يُجوزُ لأحَدٍ أنْ يُنجيَ نفسَه مِنْ القتلِ بأنْ يَقتلَ غيرَه ظالِمًا وإنْ أكرِهَ على ذلكَ.

стр. 13267

وقالَ الأبهَريُّ: لا يَجوزُ لأحدٍ أنْ يُكرَهَ على هَتكِ حُرمةِ آدَميٍّ؛ لأنَّ حُرمتَه ليسَتْ بأوكَدَ مِنْ حُرمةِ الآخَرِ (١). وقالَ أيضًا: أجمَعَ العُلماءُ أنَّ مَنْ أُكرِهَ على الكُفرِ فاختارَ القتلَ أنه أعظَمُ أجرًا عندَ اللهِ ممَّن اختارَ الرُّخصةَ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: اتَّفقُوا على أنَّ المُكرَهَ على الكفرِ وقلبُه مُطمئنٌّ بالإيمانِ أنه لا يَلزمُه شَيءٌ مِنْ الكُفرِ عندَ اللهِ تعالَى، واختَلفُوا في إلزامِه أحكامَ الكُفرِ، واتَّفقُوا أنَّ خوفَ القتلِ إكراهٌ (٣). وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ أُكرِهَ على الكفرِ حتى خَشيَ على نَفسِه القتلَ أنه لا إثمَ عليه إنْ كفَرَ وقلبُه مُطمئنٌّ بالإيمانِ، ولا تَبِينُ منه زَوجتُه، ولا يُحكَمُ عليه بحُكمِ الكُفرِ، هذا قَولُ مالكٍ والكُوفيِّينَ والشافِعيِّ غيرِ مُحمدِ بنِ الحسَنِ … (٤). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ومَن أُكرِهَ على الكفرِ فأتَى بكلمةِ الكُفرِ لم يَصِرْ كافرًا، وبهذا قالَ مالكٌ وأبو حَنيفةَ والشافِعيُّ، وقالَ مُحمدُ بنُ الحسَنِ: هو كافِرٌ في الظاهِرِ تَبِينُ منه امرأتُه، ولا يَرثُه المُسلمونَ إنْ ماتَ،

стр. 13268

ولا يُغسَّلُ ولا يُصلَّى عليه، وهو مُسلمٌ فيما بينَه وبينَ اللهِ؛ لأنه نطَقَ بكلمةِ الكفرِ، فأشبَهَ المُختارَ. ولنا: قَولُ اللهِ تعالَى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٦]. ورُويَ «أنَّ عمَّارًا أخَذَه المُشركونَ فضَرَبوهُ حتى تَكلَّمَ بما طَلَبوا منهُ، ثم أتَى النبيَّ ﷺ وهو يَبكِي فأخبَرَه، فقالَ له النبيُّ ﷺ : إنْ عادُوا فعُدْ». ورُويَ «أنَّ الكفَّارَ كانوا يُعذِّبونَ المُستضعَفينَ مِنْ المُؤمنينَ، فما منهُم أحَدٌ إلا أجابَهم إلا بلالًا فإنه كانَ يقولُ: أحَدٌ أحدٌ»، وقالَ النبيُّ ﷺ : «عُفيَ لأمَّتِي عن الخَطأِ والنِّسيانِ وما استُكرِهوا عليه»، ولأنه قَولٌ أُكرِهَ عليه بغيرِ حَقٍّ، فلمْ يَثبتْ حُكمُه كما لو أُكرهَ على الإقرارِ، وفارَقَ ما إذا أُكرهَ بحَقٍّ، فإنه خُيِّرَ بينَ أمرَينِ يَلزمُه أحَدُهما، فأيَّهما اختارَه ثبَتَ حُكمُه في حقِّه. فإذا ثبَتَ أنه لم يَكفرْ فمَتى زالَ عنه الإكراهُ أُمِرَ بإظهارِ إسلامِه، فإنْ أظهَرَه فهو باقٍ على إسلامِه، وإنْ أظهَرَ الكُفرَ حُكِمَ أنه كفَرَ مِنْ حينِ نطَقَ به؛ لأننَّا تبيَّنَّا بذلكَ أنه كانَ مُنشرِحَ الصدرِ بالكفرِ مِنْ حينِ نطَقَ به مُختارًا له، وإنْ قامَتْ عليه بيِّنةٌ أنه نطَقَ بكلمةِ الكُفرِ وكانَ مَحبوسًا عندَ الكفَّارِ ومُقيَّدًا عندَهم في حالةِ خَوفٍ لم يُحكَمْ برِدتِه؛ لأنَّ ذلك ظاهِرٌ في الإكراهِ، وإنْ شَهدَتْ أنه كانَ آمِنًا حالَ نُطقِه به حُكمَ بردَّتِه، فإنِ ادَّعَى ورَثتُه رُجوعَه إلى الإسلامِ لم يُقبَلْ إلا ببيِّنةٍ؛ لأنَّ الأصلَ بقاؤُه على ما هو عليهِ، وإنْ شَهدَتِ البيِّنةُ عليه بأكلِ لَحمِ الخِنزيرِ لم يُحكَمْ بردَّتِه؛ لأنه قد يَأكلُه مُعتقِدًا

стр. 13269

تَحريمَه كما يَشربُ الخَمرَ مَنْ يَعتقدُ تَحريمَها، وإنْ قالَ بعضُ وَرثتِه: «أكَلَه مُستحِلًّا له» أو أقَرَّ بردَّتِه حَرُمَ مِيراثُه؛ لأنه مُقِرٌّ بأنه لا يَستحِقُّه، ويُدفَعُ إلى مُدَّعي إسلامِه قَدرُ مِيراثِه؛ لأنه لا يدَّعِي أكثرَ منه، ويُدفَعُ الباقي إلى بيتِ المالِ؛ لعَدمِ مَنْ يَستحقُّه، فإنْ كانَ في الوَرثةِ صَغيرٌ أو مَجنونٌ دُفعَ إليه نَصيبُه ونَصيبُ المُقِرِّ بردَّةِ المَوروثِ؛ لأنه لم تَثبتْ ردَّتُه بالنسبةِ إليهِ. فَصلٌ: ومَن أُكرِهَ على كَلمةِ الكُفرِ فالأفضلُ له أنْ يَصبِرَ ولا يَقولَها وإنْ أتَى ذلكَ على نَفسِه؛ لِما رَوى خبَّابٌ عن رَسولِ اللهِ ﷺ قالَ: «إنْ كانَ الرَّجلُ مِنْ قَبلِكم لَيُحفرُ له في الأرضِ فيُجعلُ فيها، فيُجاءُ بمِنشارٍ فيُوضَعُ على شِقِّ رأسِه ويُشَقُّ باثنينِ ما يَمنعُه ذلكَ عن دِينِه، ويُمشَطُ بأمشاطِ الحَديدِ ما دُونَ عَظمِه مِنْ لَحمٍ ما يَصرفُه ذلكَ عن دِينِه»، وجاءَ في تَفسيرِ قَولِه تَعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧)﴾ [ا البروج: ٤ - ٧] أنَّ بعضَ مُلوكِ الكفَّارِ أخَذَ قومًا مِنْ المُؤمنينَ فخَدَّ لهُم أُخدودًا في الأرضِ وأوقَدَ فيه نارًا، ثم قالَ: مَنْ لم يَرجعْ عن دِينِه فألقُوهُ في النارِ، فجَعَلوا يُلقُونَهم فيها، حتى جاءَتِ امرأةٌ على كَفِّها صبيٌّ لها فتقاعَسَتْ مِنْ أجْلِ الصبيِّ، فقالَ الصبيُّ: يا أُمَّه اصبِري فإنكِ على الحَقِّ، فذكَرَهم اللهُ تعالَى في كتابِه. ورَوى الأثرمُ عن أبي عبدِ اللهِ أنه سُئلَ عن الرَّجلِ يؤسَرُ فيُعرَضُ على الكُفرِ ويُكرَهُ عليه، ألَهُ أنْ يَرتدَّ؟ فكَرهَه كَراهةً شديدةً وقالَ: ما يُشبِهُ هذا عندِي الذينَ أُنزلَتْ فيهم الآيةُ مِنْ أصحابِ النبيِّ ﷺ ، أولئكَ كانوا يُرادُونَ

стр. 13270

على الكلمةِ ثم يُتركونَ يَعملونَ ما شاؤُوا، وهؤلاءِ يُريدونَهم على الإقامةِ على الكُفرِ وتَركِ دِينهم؛ وذلكَ لأنَّ الذي يُكرَهُ على كَلمةِ يَقولُها ثم يُخلَّى، لا ضرَرَ فيها، وهذا المُقيمُ بينَهم يَلتزمُ بإجابتِهم إلى الكفرِ المُقامَ عليهِ واستِحلالَ المُحرَّماتِ وترْكَ الفرائضِ والواجباتِ وفِعلَ المَحظوراتِ والمُنكَراتِ، وإنْ كانَ امرَأةً تَزوَّجوها واستَولدُوها أولادًا كفَّارًا، وكذلكَ الرَّجلُ، وظاهِرُ حالِهم المَصيرُ إلى الكُفرِ الحَقيقيِّ والانسِلاخُ مِنْ الدِّينِ الحَنيفيِّ (١). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: لا يَكفرُ مَنْ تكلَّمَ بالكفرِ مُكرَهًا بالنَّصِّ والإجماعِ، ولو تكلَّمَ بالكُفرِ مُستهزِئًا بآياتِ اللهِ وباللهِ ورَسولِه كفَرَ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ كَثيرٍ ﵀: اتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ المُكرَهَ على الكفرِ يَجوزُ له أنْ يَواليَ إبقاءً لمُهجتِه، ويَجوزُ له أنْ يَستقتلَ كما كانَ بلالٌ ﵁ يأبَى عليهم ذلكَ وهم يَفعلونَ به الأفاعيلَ، حتى إنَّهم ليَضعونَ الصَّخرةَ العَظيمةَ على صَدرِه في شِدةِ الحَرِّ ويأمُرونَه بالشركِ باللهِ، فأبَى عليهِم وهو يَقولُ: أحَدٌ أحَدٌ، ويَقولُ: واللهِ لو أعلَمُ كَلمةً هي أغيَظُ لكُم منها لقُلتُها ﵁ وأرضاهُ، وكذلكَ حَبيبُ بنُ زيدٍ الأنصاريُّ لمَّا قالَ له مُسيلمةُ الكذَّابُ: أتَشهَدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ؟ فيقولُ: نعمْ، فيقولُ: أتشهَدُ أني رسولِ اللهِ؟ فيَقولُ: لا أسمَعُ، فلمْ يَزَلْ يُقطعُه إربًا إربًا وهو ثابتٌ على ذلكَ (٣).

стр. 13271

ما تَقعُ به الرِّدةُ ويَحصلُ به الكُفرُ بعدَ الإيمانِ: قَسمَ العُلماءُ الأمورَ التي تَحصلُ بها الردَّةُ إلى أربَعةِ أقسامٍ: القِسمُ الأولُ: ردَّةٌ في الاعتِقادِ: اتَّفقَ فُقهاءُ الإسلامِ على أنَّ مَنْ اعتَقدَ الكُفرَ فهو كافِرٌ وإنْ لم يَنطقْ به. قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: إجماعُهم على أنَّ مَنْ اعتَقدَ الإيمانَ بقَلبِه فهو مُؤمنٌ عندَ اللهِ وإنْ لم يَلفظْ بكَلمةِ التوحيدِ، وأنَّ مَنْ اعتَقدَ الكُفرَ بقلبِه فهو كافرٌ عندَ اللهِ وإنْ لم يَلفظْ بكَلمةِ الكُفرِ (١). وقالَ الإمامُ علاءُ الدِّينِ البُخاريُّ ﵀: لو اعتَقدَ الكفرَ بقلبِه ولم يُقِرَّ بلِسانِه يَكفرُ وتَبِينُ منه امرأتَه فيما بينَه وبينَ ربِّه وكانَ مِنْ أهلِ النارِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: مَنْ اعتَقدَ الكفرَ بقَلبِه أو شَكَّ فهو كافرٌ؛ لزَوالِ الإيمانِ الذي هو عَقدُ القلبِ مع الإقرارِ، فإذا زالَ العقدُ الجازمُ كانَ نفسُ زوالِه كُفرًا؛ فإنَّ الإيمانَ أمرٌ وُجوديٌّ ثابتٌ قائمٌ بالقَلبِ، فما لم يَقمْ بالقَلبِ حصَلَ ضِدُّه وهو الكفرُ، وهذا كالعِلمِ والجَهلِ إذا فُقدَ العِلمُ حصَلَ الجهلُ، وكذلكَ كلُّ نَقيضَينِ زالَ أحَدُهما خلَفَه الآخرُ (٣).

стр. 13272

وقالَ الشافِعيةُ: والعَزمُ على الكُفرِ في المُستقبلِ كُفرٌ في الحالِ، وكذا التردُّدُ في أنه يَكفرُ أم لا فهو كفرٌ في الحالِ، وكذا التَّعليقُ بأمرٍ مُستقبلٍ كقَولِه: «إنْ هلَكَ مالي أو ولَدِي تَهوَّدتُ أو تَنصَّرتُ». والرِّضى بالكفرِ كُفرٌ، حتى لو سَألَه كافرٌ يريدُ الإسلامَ أنْ يُلقِّنَه كلمةَ التوحيدِ فلم يَفعلْ أو أشارَ عليهِ بأنْ لا يُسلِمَ أو على مُسلمٍ بأنْ يَرتدَّ فهو كافرٌ، بخِلافِ ما لو قالَ لمُسلمٍ: «سلَبَه اللهُ الإيمانَ» أو لكافرٍ: «لا رزَقَه اللهُ الإيمانَ» فليسَ بكُفرٍ؛ لأنه ليسَ رضًى بالكفرِ، لكنَّه دَعَا عليه بتَشديدِ الأمرِ والعُقوبةِ عليهِ (١).

стр. 13273

القِسمُ الثاني: الرِّدةُ بالقَولِ والتلفُّظُ به: اتَّفقَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المُسلمَ إذا تَلفظَ بالكفرِ مُختارًا له ولو مُستهزِئًا أنه يَكونُ كافرًا، وقد ذَكَروا أقوالًا كثيرةً إذا قالَها المُسلمُ أو اعتَقدَها كفَرَ بها. قالَ الحَنفيةُ: ومَن هزَلَ بلفظِ كُفرٍ ارتَدَّ وإنْ لم يَعتقدْه؛ للاستِخفافِ، فهو ككُفرِ العِنادِ، والألفاظُ التي يَكفرُ بها مُوجِبةٌ للرِّدةِ عن الإسلامِ حَقيقةً. فيَكفُر إذا وصَفَ اللهَ تعالى بما لا يَليقُ به، أو سَخِرَ باسمٍ مِنْ أسمائِه، أو بأمرٍ مِنْ أوامِرِه، أو أنكَرَ وعْدَه أو وَعيدَه، أو جعَلَ له شَريكًا أو ولَدًا أو زَوجةً، أو نسَبَه إلى الجَهلِ أو العَجزِ أو النَّقصِ. واختَلفوا في قَولِه: «فُلانٌ في عَيني كاليَهوديِّ في عَينِ اللهِ»، فكفَّرَه الجُمهورُ، وقيلَ: لا، إنْ عَنَى به استِقباحَ فِعلِه، وقيلَ: يَكفرُ إنْ عَنَى الجارِحةَ لا القُدرةَ، والأصَحُّ مَذهبُ المُتقدمينَ في المُتشابهِ كاليدِ. ويَكفرُ بقولِ: «يَجوزُ أنْ يَفعلَ اللهُ فِعلًا لا حِكمةَ فيه»، وبإثباتِ المَكانِ للهِ تعالى، فإنْ قالَ: «اللهُ في السَّماءِ» فإنْ قصَدَ حِكايةَ ما جاءَ في ظاهِرِ الأخبارِ لا يَكفرُ، وإنْ أرادَ المَكانَ كفَرَ، وإنْ لم يكنْ له نِيةٌ كفَرَ عندَ الأكثرِ، وهو الأصَحُّ وعليهِ الفتوَى. ويَكفرُ إنْ اعتَقدَ أنَّ اللهَ تعالى يَرضَى بالكُفرِ، وبقَولِه: «لو أنصَفنِيَ اللهُ تعالَى يومَ القِيامةِ انتَصفتُ منكَ، أو إنْ قَضَى اللهُ يومَ القِيامةِ، أو إذا أنصَفَ اللهُ»، وبقولِه: «بارَكَ اللهُ في كَذبِكَ»، وبقَولِه: «اللهُ جلَسَ للإنصافِ، أو قامَ

стр. 13274

له»، وبقَولِه: «هذا لا يَمرضُ، هذا ممَّن نَسِيَه اللهُ، أو مَنسيُّ اللهِ» على الأصَحِّ، وبوَصفِه تعالَى بالفوقِ أو بالتَّحتِ، وبظَنِّه أنَّ الجَنةَ وما فيها للفَناءِ عند البَعضِ، وبقولِه لامرأتِه: «أنتِ أحَبُّ إليَّ مِنْ اللهِ»، وقيلَ: لا، وبقَولِه: «لا أخافُ اللهَ، أو لا أخشَاهُ» عندَ البَعضِ، ومَحلُّ الاختلافِ عندَ عَدمِ قَصدِ الاستهزاءِ. وبقَولِها: «لا» جَوابًا لقَولِه: «أمَا تَعرِفينَ اللهَ؟» على الظاهِرِ، وبقَولِه: «لا أُريدُ اليَمينَ باللهِ وإنما أريدُ اليَمينَ بالطَّلاقِ أو بالعِتاقِ» عندَ البَعضِ خِلافًا للعامَّةِ وهو الأصَحُّ، وبقَولِه: «رأيتُ اللهَ في المَنامِ»، وبقَولِه: «المَعدومُ ليسَ بمَعلومِ اللهِ تعالَى»، وبقَولِ الظالِمِ: «أنا أفعَلُ بغيرِ تَقديرِ اللهِ تعالَى»، وبإدخالِه الكافَ في آخِرِ «الله» عندَ ندائِه مِنْ اسمِه «عَبد اللهِ» وإنْ كانَ عالِمًا على الأصحِّ، وبتَصغيرِ الخالقِ عَمدًا عالِمًا، وبقَولِه: «ليتَني لم أُسلِمْ إلى هذا الوَقتِ حتَّى أَرِثَ أبي»، وبقولِه: «إنْ كنتُ فَعلتُ كذا أمسِ فهو كافرٌ» وهو يَعلمُ أنه قد فعَلَه إذا كانَ عندَه أنه يَكفرُ بهِ، وعليه الفتوَى، وبقَولِه: «اللهُ يَعلمُ أني فَعلتُ كذا» وهو يَعلمُ أنه ما فعَلَ عندَ العامَّةِ إنْ كانَ اختيارًا لا مَخافةً، وبقَولِه: «إنْ كنتُ قُلتُه فأنا كافرٌ» وهو يَعلمُ أنه قالَه، وبقولِه: «أنا بَريءٌ مِنْ اللهِ لولا» ولم يُتِمُّ تَعليقَه، خِلافًا للبَعضِ؛ قياسًا على «أنتِ طالقٌ ثلاثًا لولا» لم يَقعْ، وبقولِها: «نعمْ» جَوابًا لقَولِه: «أتعلَمِينَ الغَيبَ؟»، وبتَزوجِه بشَهادةِ اللهِ ورسولِه. وبقَولِه: «فَلانٌ يَموتُ بهذا المَرضِ» عندَ البعضِ، وبقَولِه عندَ رِقاءِ الهامَّةِ: «يَموتُ أحدٌ» عندَ البعضِ، والأصحُّ عَدمُه، وبقولِه عندَ رُؤيةِ الدائرةِ

стр. 13275

كتاب الردة

стр. 13276

«أُغميَ عليه»، واختَلفوا فيمَن قالَ: «لو لم يَأكلْ آدَمُ ﵊ الحِنطةَ ما صِرنَا أشقياءَ». وبرَدِّه حَديثًا مَرويًّا إنْ كانَ مُتواتِرًا، أو قالَ على وَجهِ الاستخفافِ: «سَمِعناهُ كَثيرًا»، وبَتمنِّيه أنْ لا يكونَ بَعضُ الأنبياءِ نَبيًّا مُريدًا به الاستخفافَ به أو عَداوتَه، لا بقَولِه: «لو لم يَبعَثِ اللهُ نبيًّا لم يكنْ خارِجًا عن الحِكمةِ»، وبقَولِه: «أنا لا أُحبُّه» حينَ قيلَ له: «إنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يُحبُّ القَرْعَ»، وقيلَ: إنْ كانَ على وَجهِ الإهانةِ، وبقولِها: «نعمْ» حينَ قالَ لها: «لو شَهدَ عندَكِ الأنبياءُ والمَلائكةُ لا تُصدقِيهم» حينَ قالَتْ له: «لا تَكذبْ»، وباستِخفافِه بسُنةٍ مِنْ السُّننِ، وبقولِه: «لا أدرِي أنَّ النبيَّ في القبْرِ مُؤمنٌ أم كافرٌ»، وبقَولِه: «ما كانَ علينا نِعمةٍ مِنْ النبيِّ ﵇»؛ لأنَّ البِعثةَ مِنْ أعظَمِ النِّعمِ، وبقَذفِه عائِشةَ ﵂ مِنْ نِسائِه فقطْ، وبإنكارِه صُحبةَ أبي بَكرٍ ﵁ بخِلافِ غيرِه، وبإنكارِه إمامةَ أبي بَكرٍ ﵁ على الأصَحِّ كإنكارِه خِلافةَ عُمرَ ﵁ على الأصَحِّ، لا بقَولِه: «لولا نَبيُّنا لم يُخلقْ آدَمُ ﵇» وهو خَطأٌ، ويَكفرُ بقولِه: «لو أمَرَني اللهُ بكذا لم أفعَلْ، ولو صارَتِ القِبلةُ إلى هذه الجِهةِ ما صلَّيتُ، أو لو أعطَاني اللهُ الجَنةَ لا أريدُها دُونَك، أو لا أدخُلُها مع فُلانٍ، أو لو أعطاني اللهُ الجَنةَ لأجْلِك أو لأجْلِ هذا العَملِ لا أُريدُها وأريدُ رُؤيتَه»، وبقولِه: «لا أترُكُ النَّقدَ لأجلِ النَّسيئةِ» جَوابًا لقولِه: «دَعِ الدُّنيا للآخِرةِ»، وبقَولِه: «لو أمَرَني اللهُ بالزكاةِ أكثَرَ مِنْ خَمسةِ دَراهِمَ أو بالصومِ أكثرَ مِنْ شَهرٍ لا أفعَلُ»، وبقولِه: «الإيمانُ يَزيدُ ويَنقصُ»، وبقولِه: «لا أدرِي الكافِرُ في الجَنةِ أو في النارِ، أو لا أدري أينَ يَصيرُ الكافرُ»، ويُقتلُ

стр. 13277

بقولِه: «أنا ألعَنُ المَذهبينِ» جَوابًا لقولِه: «على أيِّ المَذهبَينَ أنتَ أبي حَنيفةَ أو الشافِعيِّ؟»، وإنْ تابَ عُزِّرَ، ويَكفرُ بإنكارِه أصلَ الوِترِ والأُضحيةَ، وباستِحلالِ وَطءِ الحائضِ، لا بقولِه: «ليسَ لي مَوضعُ شِبْرٍ في الجَنةِ» لاستِقلالِه العَملَ، ولا بقَولِه: «لا تَكتبُ الحَفظةُ على هذا الرَّجلِ». ولا بقَولِه: «هذا مكانٌ لا إلهَ فيه ولا رسولٌ» إلا إذا قصَدَ به إنكارَ الدِّينِ، ولا بقَولِ المَرأةِ: «لا أتعَلَّمُ ولا أُصلِّي» جَوابًا لقولِ الزوجِ: «تعلَّمِي»، ولا بإنكارِ العُشرِ أو الخَراجِ ولا يَفسقُ خُصوصًا في هذا الزِّمانِ، ولا بقولِه: «مَنْ أكَلَ حَرامًا فقدْ أكَلَ ما رزَقَه اللهُ» لكنه أَثِمَ، ويَكفرُ باستِحلالِه حَرامًا عُلِمتْ حُرمتُه مِنْ الدِّينِ مِنْ غيرِ ضَرورةٍ، لا بفِعلِه مِنْ غيرِ استِحلالٍ. ويَكفرُ بقولِه للقَبيحِ: «إنه حَسنٌ»، وبقَولِه لغيرِه: «رُؤيَتي إياكَ كرُؤيةِ مَلكِ الموتِ» عند البَعضِ خِلافًا للأكثرِ، وقيلَ بهِ إنْ قالَه لعَداوتِه لا لكَراهةِ المَوتِ، وبقولِه: «لا أسمَعُ شَهادةَ فُلانٍ وإنْ كانَ جِبريلَ أو مِيكائيلَ ﵉»، وبعَيبِه مَلكًا مِنْ المَلائكةِ أو الاستِخفافِ به، لا بقولِه: «أنا أظُنُّ أنَّ مَلكَ الموتِ تُوفِّي ولا يَقبضُ رُوحي» مَجازًا عن طولِ عُمرِه، إلا أنْ يعنيَ به العجزَ عن تَوفِّيه. ويَكفرُ إذا أنكَرَ آيةً مِنْ القُرآنِ أو سَخِرَ بآيةٍ منه، إلا المُعوذتينِ ففي إنكارِهما اختِلافٌ، والصَّحيحُ كفرُه، وقيلَ: لا، وقيلَ: إنْ كانَ عامِّيًا يَكفرُ وإنْ كانَ عالِمًا لا، وبوَضعِ رِجلِه على المُصحفِ عند الحَلفِ مُستخِفًّا، وبقراءةِ القُرآنِ على ضَربِ الدُّفِ أو القَضيبِ، وباعتقادِ أنَّ القُرآنَ مَخلوقٌ حَقيقةً.

стр. 13278

والمِزاح بالقُرآنِ، كقَولِه: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩)﴾ [القيامة: ٢٩]، أو مَلأَ قَدحًا وجاءَ بهِ وقالَ: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤)﴾ [النبأ: ٣٤]، أو قالَ عندَ الكَيلِ أو الوَزنِ: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)﴾ [المطففين: ٣]، وقيلَ: إنْ كانَ جاهِلًا لا يَكفرُ. وبقَولِه: «القُرآنُ أعجَميٌّ»، ولو قالَ: «فيه كَلمةٌ أعجَميةٌ» ففِي أمرِه نظرٌ، وفي تَسميتِه آلةَ الفَسادِ كُرَّاستَه، وبقِراءةِ القارِئ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٤] مُريدًا مُدرِّسًا اسمُه إبراهيمُ، وبنَظمِه القُرآنَ بالفارِسيةِ، وببَراءتِه مِنْ القُرآنِ لأمرٍ خافَه، لكنْ قالَ الوَبريُّ: أخافُ كُفرَه. وبإنكارِه القراءةَ في الصَّلاةِ، وقيلَ: لا، وبقولِ المَريضِ: «لا أصلِّي أبدًا» جوابًا لمَن قالَ لهُ: «صلِّ»، وقيلَ: لا، وكذا قولُه: «لا أُصلِّي» حينَ أُمرَ بها، وقيلَ: إنما يَكفرُ إذا قصَدَ نفيَ الوُجوبِ، وبقولِ العبدِ: «لا أصلِّي فإنَّ الثوابَ يكونُ للمَولى»، وبقولِه جَوابًا لصَلِّ: «إنَّ اللهَ نقَصَ مِنْ مالي فأنا أنقصُ مِنْ حقِّه»، وبقولِ مُصلِّي رَمضانَ فقط: «إنَّ الصلاةَ في رَمضانَ تُساوي سَبعينَ صلاةً»، وبتَركِ الصلاةِ مُتعمِّدًا غيرَ ناوٍ للقضاءِ وغيرَ خائفٍ مِنْ العقابِ. وبصَلاتِه لغيرِ القِبلةِ مُتعمِّدًا أو في ثوبٍ نَجسٍ أو بغيرِ وُضوءٍ عَمدًا، والمأخوذُ به الكُفرُ في الأخيرةِ فقط، وقيلَ: «لا» في الكُلِّ، ومَحلُّ الاختلافِ إذا لم يَكنِ استِخفافًا بالدِّينِ، لا بسُجودِه بغيرِ طهارةٍ. ويَكفرُ بإتيانِه عيدَ المُشركينَ مع تَركِ الصلاةِ تَعظيمًا لهم، وبقولِه: «لا أُؤدِّي الزكاةَ» بعدَ الأمرِ بأدائِها على قَولٍ، ولو تَمنَّى أنْ لا يُفرَضَ رَمضانُ

стр. 13279

فالصوابُ أنه على نيِّتِه، ويَكفرُ بقولِه: «جاءَ الشَّهرُ الثقيلُ» إلا إذا أرادَ التعَبَ لنفسِه، وباستِهانتِه للشُّهورِ المُفضَّلةِ، وبقولِه: «إنَّ هذه الطاعاتِ جعَلَها اللهُ تعالى عَذابًا علينا» بلا تأويلٍ، أو قالَ: «لو لم يَفرضِ اللهُ هذه الطاعاتِ لَكانَ خيرًا لنا»، وبالاستهزاءِ بالأذكارِ، وبتَسميتِه عندَ أكلِ الحرامِ أو فِعلِ حَرامٍ كالزنا، واختُلفَ في تَحميدِه عندَ الفراغِ منه، وبقولِه: «لا أقولُ» عندَ أمرِه بقولِه لا إلهَ إلا اللهُ، وقيلَ: لا إنْ عنى «أني لا أقولُ بأمرِكَ»، ولا يَكفرُ المَريضُ إذا قيلَ له: «قلْ لا إلهَ إلا اللهُ» فقالَ: «لا أقولُ»، ويَكفرُ بالاستِهزاءِ بالأذانِ لا بالمُؤذِّنِ، وبإنكارِه القِيامةَ أو البَعثَ أو الجَنةَ أو النارَ أو الميزانَ أو الحِسابَ أو الصراطَ أو الصَّحائفَ المكتوبَ فيها أعمالُ العِبادِ، لا إذا أنكَرَ بعْثَ رَجلٍ بعَينِه، واختُلفَ في تكفيرِ امرأةٍ لا تَعرفُ أنَّ اليَهودَ يُبعثونَ، وسُئلَ أبو يُوسفَ ﵀ عن امرأةٍ لا تَعرفُ أنَّ الكفَّارَ يَدخلونَ النارَ، فقالَ: تُعلَّمُ ولا تَكفرُ. ويَكفرُ بإنكارِه رُؤيةَ اللهِ بعدَ دُخولِ الجَنةِ، وبإنكارِه عذابَ القبْرِ، وبقولِه: «لا أَعلمُ أنَّ اليهودَ والنَّصارى إذا بُعثِوا هل يُعذَّبونَ بالنارِ»، وبإنكارِ حَشرِ بَني آدَمَ أو غيرِهم، ولا بقولِه: «إنَّ المُثابَ والمُعاقَبَ الروحُ فقط»، ولا بقولِه: «سلَّمتُها إلى مَنْ لا يَمنعُ السارقَ» جوابًا لمَن وضَعَ ثيابَه وقالَ: «سلَّمتُها إلى اللهِ»، ويُخافُ الكفرُ على مَنْ قالَ للآمرِ بالمَعروفِ: «غَوغًا» على وَجهِ الردِّ والإنكارِ، ويكفرُ بقولِه له: «فُضوليٌّ»، ويُخافُ عليه بقولِه: «أيُّهما أسرَعُ وُصولًا» جَوابًا لمَن قالَ له: «حَلالٌ واحدٌ أحَبُّ إليكَ أم حَرامانِ؟»، ويَكفرُ بتَصدقِه على فقيرٍ بشيءٍ حرامٍ يَرجو الثوابَ، وبدُعاءِ

стр. 13280

الفقيرِ له عالِمًا به، وبتأمينِ المُعطِي، وبقولِه: «الحَرامُ أحَبُّ إليَّ» جوابًا لقولِ القائلِ له: «كُلْ مِنْ الحَلالِ»، لا بقولِه: «إني أحتاجُ إلى كَثرةِ المالِ والحَلالُ والحَرامِ عندي سَواءٌ»، ولا بقَولِه لحَرامٍ: «هذا حَلالٌ» مِنْ غيرِ أنْ يَعتقدَه، فلا يكفرُ السوقيُّ بقوله: «هذا حلالٌ» للحَرامِ تَرويجًا لشِرائِه. والأصلُ أنَّ مَنْ اعتَقدَ الحَرامَ حَلالًا فإنْ كانَ حَرامًا لغيرِه كمالِ الغيرِ لا يَكفرُ، وإنْ كانَ لعَينِه فإنْ كانَ دَليلُه قَطعيًّا كفَرَ وإلا فلا، وقيل: التَّفصيلُ في العالِمِ، أمَّا الجاهلُ فلا يُفرِّقُ بينَ الحَلالِ والحَرامِ لعَينِه ولغَيرِه، وإنما الفَرقُ في حقِّه أنَّ ما كانَ قَطعيًّا كفَرَ به وإلا فلا، فيَكفرُ إذا قالَ: «الخَمرُ ليسَ بحرامٍ»، وقيَّدَه بعضُهم بما إذا كانَ يَعلمُ حُرمتَها، لا بقولِه: «الخَمرُ حَرامٌ ولكنْ ليسَتْ هذه التي تَزعمونَ أنها حرامٌ»، ويَكفرُ مَنْ قالَ: «إنَّ حُرمةَ الخَمرِ لم تَثبتْ بالقُرآنِ». ومَن زعَمَ أنَّ الصغائرَ والكَبائرَ حَلالٌ وباستِحلالِه الجِماعَ للحائضِ لا في الاستبراءِ، وقيلَ: لا في الأولِ، وهو الصحيحُ، ولا باستِحلالِ سُؤرِ كَلبٍ أو رِيعِ أرضِ غَصبٍ، وباستِحلالِ اللِّواطةِ إنْ علِمَ حُرمتَه مِنْ الدِّينِ، وبقولِه: «هي لي حَلالٌ» حينَ نُهيَ عن تَقبيلِه أجنَبيةً، وبقولِه: «الشريعةُ كلُّها تَلبيسٌ أو حِيلٌ» إنْ قالَ: «في كُلِّ الشرائعِ»، لا فيما يَرجعُ إلى المُعامَلاتِ مما تَصحُّ فيه الحِيلُ الشرعيةُ، وقيلَ: يَكفرُ في الأولِ مُطلَقًا. ويُخافُ عليه الكُفرُ إذا شتَمَ عالِمًا أو فَقيهًا مِنْ غيرِ سَببٍ، ويَكفرُ بقولِه لعالِمٍ: «ذكَرُ الحِمارِ في أُستِ عِلمِكَ» مُريدًا به عِلمَ الدِّينِ، وبجُلوسِه على مَكانٍ مُرتفعٍ والتَّشبهِ بالمُذَكِّرِينَ ومعه جَماعةٌ يَسألونَ منه المَسائلَ

стр. 13281

ويَضحكونَ منه ثم يَضربونَه بالمِحراقِ، وكذا يَكفرُ الجميعُ؛ لاستخفافِهم بالشرعِ، وكذا لو لم يَجلسْ على مَكانٍ مُرتفعٍ ولكن يَستهزئُ بالمُذكِّرينَ ويَتمشَّى والقومُ يَضحكونَ، وبإلقاءِ الفَتوى على الأرضِ حينَ أتَى بها خَصمُه، وبقولِه: «لا تَذهبْ وإنْ ذَهبتَ تَطلقُ امرأتُكَ» استِهزاءً بالعِلمِ والعلماءِ جوابًا لمَن قالَ: «إلى مَجلسِ العِلمِ» جوابًا لقولِه: «أين تذهب؟»، وبقولِه: «قَصعةٌ مِنْ ثَريدٍ خيرٌ مِنْ العلمِ»، لا بقولِه «خَيرٌ مِنْ اللهِ» لإرادتِه أنها نِعمةٌ مِنْ اللهِ، والأولُ لا تأويلَ له سِوى الاستِخفاف بالعِلمِ … ويَكفرُ بتَلقينِ كَلمةِ الكُفرِ ليَتكلمَ بها ولو على وَجهِ اللعبِ، وبأمرِه امرأةً بالارتدادِ لتَبِينَ مِنْ زَوجِها، وبالإفتاءِ بذلكَ وإنْ لم تَكفرِ المَرأةُ؛ بناءً على أنَّ الرضا بكُفرِ غيرِه كُفرٌ، وقيلَ: لا، وبعَزمِه على أنْ يَأمرَ بالكُفرِ … وبإبدالِه حَرفًا أو آيةً مِنْ القُرآنِ عَمدًا، وباعتِقادِ أنَّ الخَراجَ مِلكُ السُّلطانِ، لا بقولِه: «أنا فِرعونُ أو إبليسُ»، إلا إذا قالَ: «اعتِقادي كاعتقادِ فِرعونَ»، ومَن حسَّنَ كلامَ أهلِ الأهواءِ وقالَ: «مَعنويٌّ أو كلامٌ له مَعنًى صَحيحٌ» إنْ كانَ ذلكَ كُفرًا مِنْ القائلِ كفَرَ المُحسِّنُ، وكذا مَنْ حسَّنَ رُسومَ الكَفرةِ … وأجمَعوا على أنَّ مَنْ شَكَّ في إيمانِه فهو كافرٌ، وهو أنْ يَكونَ مُصدِّقًا لكنْ يَشكُّ أنَّ هذا التَّصديقَ إيمانٌ أو كُفرٌ (١).

стр. 13282

وقالَ المالِكيةُ: يَكونُ كُفرُ المُسلمِ بصَريحٍ مِنْ القَولِ، كقَولهِ: «أُشرِكُ باللهِ، أو أكفرُ باللهِ». أو قَولٍ يَقتضي الكُفرَ، أي يَدلُّ عليه، كأنْ يَجحدَ ما عُلِمَ مِنْ الدِّينِ بالضرورةِ كوُجوبِ الصلاةِ ولو جُزءًا منها، وكذا إذا قالَ: «اللهُ جِسمٌ مُتحيِّزٌ». وقَولٍ بقِدَمِ العالَمِ -وهو ما سِوى اللهِ تعالى-؛ لأنه يَستلزمُ عَدمَ الصانعِ، فمَن قالَ: «إنَّ العالَمَ -وهو ما سِوى اللهِ- قديمٌ» فقدْ كفَرَ؛ لأنه يُؤدِّي إلى أنَّ صانِعَ العالَمِ غيرُ اللهِ، وكذلكَ إذا قالَ ببَقائِه، والمرادُ بالقِدَمِ القِدمُ الذاتِيُّ لا الزمانِيُّ، وكذلك إذا شَكَّ في القِدمِ أو البَقاءِ للعالَمِ؛ لأنه يَستلزمُ إنكارَ القيامةِ، ولو اعتَقدَ حُدوثَه وهو تَكذيبٌ للقُرآنِ. أو أنكَرَ مُجمَعًا عليه كوُجوبِ الصلاةِ أو تَحريمِ الزنا، أو حِلَّ مُجمَعٍ على عدمِ إباحتِه ممَّا عُلِمَ مِنْ الدِّينِ ضرورةً بكِتابٍ أو سُنةٍ مُتواتِرةٍ. أو جوَّزَ اكتِسابَ النبوَّةِ بسَببِ رِياضةٍ؛ لأنه يَستلزمُ جَوازَ وُقوعِها بعدَ النبيِّ ﷺ . أو سَبَّ نَبيًّا مُجمَعًا على نُبوتِه أو مَلكًا مُجمَعًا على مَلَكيَّتِه. أو عرَّضَ بسَبٍّ لنَبيٍّ أو مَلكٍ، بأنْ قالَ عندَ ذِكرِه: «أما أنا فلستُ بزانٍ أو بساحرٍ». أو ألحَقَ بنَبيٍّ أو مَلكٍ نَقصًا وإنْ ببَدنِه كعَرجٍ وشَللٍ، أو وُفورِ عِلمِه؛ إذ كُلُّ نَبيٍّ أعلَمُ أهلِ زَمانِه، وسيِّدُهم ﷺ أعلَمُ الخَلقِ، أو زُهدِه (١).

стр. 13283

وقالَ الشافِعيةُ: تَحصلُ الرِّدةُ بنيَّةِ كُفرٍ أو قَولِ كُفرٍ أو فِعلٍ مُكفِّرٍ، سواءٌ قالَه استِهزاءً أو عِنادًا أو اعتِقادًا. فمَن أنكَرَ وُجودَ اللهِ أو أنكَرَ إرسالَ الرُّسلِ بأنْ قالَ: «لم يُرسِلْهم اللهُ» أو نفى نُبوَّةَ نبيٍّ أو ادَّعى نُبوةً بعدَ نَبيِّنا ﷺ ، أو صدَّقَ مدَّعِيها، أو قالَ: «النبيُّ ﷺ أسوَدُ أو أمرَدُ أو غيرُ قُرشيٍّ»، أو قالَ: «النبوَّةُ مُكتسَبةٌ، أو تُنالُ رُتبتُها بصَفاءِ القُلوبِ، أو أُوحيَ إلي» ولم يَدَّعِ نُبوةً، أو كذَّبَ رَسولًا أو نَبيًّا أو سَبَّه أو استَخفَّ به أو باسمِه، أو باسمِ اللهِ أو أمرِه أو وَعدِه أو وعيدِه، أو جحَدَ آيةً مِنْ القُرآنِ مُجمَعًا على ثُبوتِها أو زادَ فيه آيةً مُعتقِدًا أنها منه، أو استَخفَّ بسُنةٍ كما لو قيلَ له: «كانَ النبيُّ ﷺ إذا أكَلَ لَعقَ أصابعَه الثلاثةَ» فقالَ: «ليس هذا بأدَبٍ»، أو قيلَ له: «قلِّمْ أظفارَكَ فإنه سُنةٌ» فقالَ: «لا أفعَلُ وإنْ كانَ سُنةً» وقصَدَ الاستِهزاءَ بذلك، أو قالَ: «لو أمَرَني اللهُ ورَسولُه بكذا لم أفعَلْ، أو لو جعَلَ اللهُ القِبلةَ هنا لم أُصلِّ إليها، أو لو اتَّخذَ اللهُ فلانًا نَبيًّا لم أُصدِّقْه، أو لو شَهدَ عندي نبيٌّ بكذا أو مَلكٌ لمْ أقبَلْه»، أو قالَ: «إنْ كانَ ما قالَه الأنبياءُ صِدقًا نَجونَا، أو لا أدري النبيُّ إنسِيٌّ أو جِنِّيٌّ»، أو قالَ: «إنه جِنٌّ»، أو صغَّرَ عُضوًا مِنْ أعضائِه احتِقارًا، أو صغَّرَ اسمَ اللهِ تعالى، أو قالَ: «لا أدري ما الإيمانُ» احتِقارًا، أو قالَ لمَن حَوقَلَ: «لا حَولَ لا تُغنِي مِنْ جُوعٍ، أو لو أوجَبَ اللهُ الصلاةَ عليَّ

стр. 13284

مع مَرضِي هذا لَظلَمَني»، أو قالَ المَظلومُ: «هذا بتَقديرِ اللهِ» فقالَ الظالمُ: «أنا أفعَلُ بغيرِ تَقديرِه»، أو أشارَ بالكُفرِ على مُسلمٍ أو على كافرٍ أرادَ الإسلامَ بأنْ أشارَ عليهِ باستِمرارِه على الكُفرِ، أو لم يُلقِّنِ الإسلامَ طالِبَه منه أو استَمهَلَ منه تَلقينَه كأنْ قالَ له: «اصبِرْ ساعةً»، أو كفَّرَ مُسلِمًا بلا تأويلٍ للكُفرِ بكُفرِ النعمةِ، أو سَمَّى اللهَ على شُربِ خمرٍ أو زنًا، أو حلَّلَ مُحرَّمًا بالإجماعِ كالزنا وعكسَه، أو نَفى وُجوبَ مُجمَعٍ عليه كالصلاةِ والزكاةِ أو عكسَه، أو عزَمَ على الكُفرِ غدًا أو تَردَّدَ فيه، كفَرَ في كلِّ هذا (١). وقالَ الحَنابلةُ: تَحصلُ الرِّدةُ بالقَولِ ولو استِهزاءً كسَبِّ اللهِ تعالَى أو رَسولِه أو مَلائكتِه؛ لأنه لا يَسبُّه إلا وهو جاحِدٌ به. أو استَهزأَ باللهِ تعالَى أو بكُتبِه أو رُسلِه؛ لقولِه تعالَى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦]. ولا يَنبغِي أنْ يُكتفَى في الهازِئ بذلكَ بمُجردِ الإسلامِ حتى يُؤدَّبَ أدبًا يَزجرُه عن ذلكَ؛ لأنه إذا لم يُكتفَ ممَّن سَبَّ رسولَ ﷺ بالتوبةِ فهذا أَولى. أو جحَدَ برُبوبيتِه أو وَحدانيتِه كفَرَ؛ لأنَّ جاحِدَ ذلكَ مُشركٌ باللهِ تعالى، أو جحَدَ صِفةً مِنْ صِفاتِه اللازمةِ؛ لأنه كجاحدِ الوَحدانيةِ.

стр. 13285

أو اتَّخذَ للهِ صاحبةً أو ولَدًا كفَرَ؛ لأنه تَعالى نزَّهَ نفسَه عن ذلكَ ونَفاهُ عنه، فمُتخِذُه مُخالِفٌ له غيرُ مُنزِّهٍ له عن ذلكَ. وكذا لو ادَّعى النبوَّةَ أو صدَّقَ مَنْ ادَّعاها؛ لأنَّ ذلكَ تَكذيبٌ للهِ تعالَى في قوله: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [لقمان: ٤٠]، ولحَديثِ: «لا نَبيَّ بعدِي» (١). أو جحَدَ نَبيًّا مُجمَعًا على نُبوتِه؛ لأنه مُكذِّبٌ للهِ جاحِدٌ لنُبوةِ نبيٍّ مِنْ أنبيائِه، أو جحَدَ كِتابًا مِنْ كُتبِ اللهِ أو شَيئًا منه؛ لأنَّ جحْدَ شيءٍ منه كجَحدِه كلِّه؛ لاشتِراكِهما في كونِ الكلِّ مِنْ عندِ اللهِ. أو جحَدَ الملائكةَ أو أحدًا ممَّن ثبَتَ أنه مَلكٌ كفَرَ؛ لتَكذيبِه القُرآنَ، أو جحَدَ البعثَ كفَرَ؛ لتكذيبِه للكِتابِ والسُّنةِ وإجماعِ الأمةِ. أو كانَ مُبغِضًا لرَسولِه أو لِما جاءَ به الرسولُ اتفاقًا. أو جعَلَ بينَه وبينَ اللهِ وسائِطَ يَتوكلُ عليهِم ويَدعوهُم ويَسألُهم إجماعًا، أي كفَرَ؛ لأنَّ ذلكَ كفِعلِ عابِدِي الأصنامِ قائلِينَ: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. أو سجَدَ لصَنمٍ أو شَمسٍ أو قَمرٍ أو كَوكبٍ كفَرَ؛ لأنَّ ذلك إشراكٌ. أو أتَى بقَولٍ أو فِعلٍ صَريحٍ في الاستهزاءِ بالدِّينِ الذي شرَعَه اللهُ كفَرَ؛ للآيةِ السابِقةِ.

стр. 13286

أو وُجدَ منه امتِهانُ القُرآنِ أو طَلبُ تَناقضُه أو دعوَى أنه مُختلفٌ أو أنه مُختلَقٌ أو مَقدورٌ على مِثلِه أو إسقاطٌ لحُرمتِه كفَرَ؛ لقولِه تعالَى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١]، وقوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]، وقولِه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ [الإسراء: ٨٨] الآيَة. أو أنكَرَ الإسلامَ كفَرَ؛ لقولِه تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. أو أنكَرَ الشَّهادتينِ أو أنكَرَ أحداهُما كفَرَ؛ لأنه إنكارٌ للوَحدانيةِ والرسالةِ أو إحداهُما، وذلكَ كُفرٌ؛ لِما مَرَّ. وإنْ أتَى بقَولٍ يُخرجُه عن الإسلامِ مثلَ أنْ يقولَ: هو يَهوديٌّ أو نَصرانِيٌّ أو مَجوسيٌّ، أو بَريءٌ مِنْ الإسلامِ أو القُرآنِ أو النبيِّ ﷺ ، أو هو يَعبدُ الصَّليبَ ونحوَ ذلكِ نحوُ: هو يَعبدُ غيرَ اللهِ تعالى فهو كافرٌ. وقذَفَ النبيَّ ﷺ أو قذَفَ أمَّه فهو كافرٌ. أو اعتقَدَ قِدمَ العالَمِ -وهو ما سِوى اللهِ- أو اعتَقدَ حُدوثَ الصانعِ -جل وعلا- فهو كافِرٌ؛ لتكذيبِه للكِتابَ والسُّنةَ وإجماعَ الأمَّةِ. أو سَخرَ بوَعدِ اللهِ أو بوَعيدِه فهو كافرٌ؛ لأنه كالاستِهزاءِ باللهِ والعِياذُ باللهِ. أو لم يُكفِّرْ مَنْ دانَ بغيرِ الإسلامِ كالنَّصارى واليَهودِ، أو شَكَّ في كُفرِهم، أو صحَّحَ مَذهبَهم فهو كافرٌ؛ لأنه مُكذِّبٌ لقولِه تعالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥].

стр. 13287

أو قالَ قولًا يتوصلُ به إلى تَضليلِ الأمَّةِ؛ لأنه مُكذِّبٌ للإجماعِ على أنها لا تَجتمعُ على ضَلالةٍ. أو قالَ قولًا يتوصلُ به إلى تَكفيرِ الصحابةِ بغيرِ تأويلٍ فهو كافرٌ؛ لأنه مُكذِّبٌ للرسولِ ﷺ في قولِه: «أصحابِي كالنُّجومِ» وغيرِه. وقالَ الشيخُ تقيُّ الدِّينِ ﵀: مَنْ اعتَقدَ أنَّ الكَنائسَ بُيوتُ اللهِ وأنَّ اللهَ يُعبَدُ فيها وأنَّ ما يَفعلُ اليَهودُ والنصارى عِبادةٌ للهِ وطاعةٌ له ولرسولِه أو أنه يَحبُ ذلكَ أو يَرضاهُ فهو كافرٌ؛ لأنه يَتضمنُ اعتقادَ صِحةِ دِينِهم، وذلكَ كفرٌ، أو أعانَهم على فَتحِها -أي الكَنائسِ- وإقامةِ دِينِهم واعتَقدَ أنَّ ذلك قُربةٌ أو طاعةٌ فهو كافرٌ؛ لتَضمُّنِه اعتِقادَ صِحةِ دِينِهم. ومَن اعتَقدَ أنَّ زِيارةَ أهلِ الذمَّةِ في كَنائسِهم قُربةٌ إلى اللهِ فهو مُرتدٌّ، وإنْ جَهِلَ أنَّ ذلكَ مُحرَّمٌ عُرِّفَ ذلكَ، فإنْ أصَرَّ صارَ مُرتدًّا؛ لتَضمنِه تكذيبَ قولِه تعالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقالَ: قَولُ القائلِ: «ما ثَمَّ إلا اللهُ» إنْ أرادَ ما يَقولُه أهلُ الاتحادِ مِنْ أنَّ ما ثَمَّ مَوجودٌ إلا اللهُ ويَقولونَ: «إنَّ وُجودَ الخالقِ هو وُجودُ المَخلوقِ» ويَقولونَ: «الخالِقُ هو المَخلوقُ، والمَخلوقُ هو الخالِقُ، والعَبدُ هو الرَّبُّ والربُّ هو العبدُ» ونَحو ذلكَ مِنْ المَعاني التي قامَ الإجماعُ على بُطلانِها يُستتابُ، فإنْ تابَ وإلا قُتلَ. وكذلكَ الذينَ يَقولونَ: «إنَّ اللهَ تعالى بذاتِه في كُلِّ مَكانٍ» ويَجعلونَه مُختلِطًا بالمَخلوقاتِ يُستتابُ، فإنْ تابَ وإلا قُتلَ، وقد عَمَّتِ البلوى بهذه الفِرَقِ وأفسَدوا كَثيرًا مِنْ عَقائدِ أهلِ التَّوحيدِ، نَسألُ اللهَ العفوَ والعافيةَ.

стр. 13288

ومَن اعتَقدَ أنَّ لأحَدٍ طَريقًا إلى اللهِ مِنْ غيرِ مُتابَعةِ مُحمدٍ ﷺ ، أو لا يَجبُ عليه اتِّباعُه، أو أنَّ له أو لغيرِه خُروجًا عن اتِّباعِه ﷺ وعن أخذِ ما بُعثَ به، أو قالَ: «أنا مُحتاجٌ إلى مُحمدٍ في عِلمِ الظاهرِ دونَ عِلمِ الباطنِ، أو هو مُحتاجٌ إليهِ في عِلمِ الشَّريعةِ دونَ عِلمِ الحَقيقةِ»، أو قالَ: «إنَّ مِنْ الأولياءِ مَنْ يسَعُه الخروجُ مِنْ شَريعتِه ﷺ كما وَسِعَ الخَضِرَ الخُروجُ عن شَريعةِ مُوسى ﷺ » فهو كافرٌ؛ لتَضمنِه تكذيبَ قولِه تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. أو اعتَقدَ أنَّ هَدْيَ غيرِ النبيِّ ﷺ خيرٌ مِنْ هَديِه فهو كافرٌ (١). مَنْ حَكَى قَولَ الكُفرِ لا يَكفرُ: لو أنَّ شَخصًا حكَى قولَ كُفرٍ سَمعَه غيرَ مُعتقِدٍ به فإنه لا يَكفرُ عندَ عامَّةِ العُلماءِ. قالَ الإمامُ البُهوتيُّ ﵀: ولا يَكفرُ مَنْ حَكَى كُفرًا سَمعَه وهو لا يَعتقدُه، قالَ في «الفُروع»: ولعلَّ هذا إجماعٌ. أو نطَقَ بكَلمةِ الكُفرِ ولم يَعلمْ مَعناها فلا يَكفرُ بذلكَ، ولا مَنْ جَرى الكفرُ على لِسانِه سَبقًا مِنْ غيرِ قَصدٍ لشدَّةِ فَرحٍ أو دَهشٍ أو غيرِ ذلكَ كقولِ

стр. 13289

مَنْ أرادَ أنْ يَقولَ: «اللهمَّ أنتَ ربِّي وأنا عَبدُكَ» فقالَ غَلطًا: «أنتَ عبدِي وأنا ربُّكَ»؛ لحَديثِ: «عُفيَ لأمَّتي عن الخَطأِ والنِّسيانِ» (١). حُكمُ مَنْ قذَفَ السيِّدةَ عائِشةَ ﵂ أو غيرَها مِنْ نِساءِ النبيِّ ﷺ -: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ قذَفَ عائِشةَ أمَّ المُؤمنينَ ﵂ بما بَرَّأَها اللهُ منه فهو كافرٌ مُرتدٌّ. قالَ الإمامُ البُهوتيُّ ﵀: ومَن قذَفَ عائِشةَ ﵂ بما برَّأَها اللهُ منه كفَرَ بلا خِلافٍ؛ لأنه مُكذِّبٌ لنَصِّ الكِتابِ. ومَن سَبَّ غيرَها مِنْ أزواجِه ﷺ ففيه قَولانِ: أحَدُهما: أنه كسَبِّ واحدٍ مِنْ الصَّحابةِ؛ لعَدمِ نَصٍّ خاصٍّ. والثاني -وهو الصَّحيحُ-: أنه كقَذفِ عائِشةَ ﵂؛ لقَدحِه فيه ﷺ (٢). وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: فأما مَنْ سَبَّ أزواجَ النبيِّ ﷺ فقالَ القاضِي أبو يَعلى: مَنْ قذفَ عائِشةَ بما برَّأَها اللهُ منه كفَرَ بلا خِلافٍ، وقد حكَى الإجماعَ على هذا غيرُ واحِدٍ، وصرَّحَ غيرُ واحدٍ مِنْ الأئمَّةِ بهذا الحُكمِ، فرُويَ عن مالِكٍ: مَنْ سَبَّ أبا بَكرٍ جُلدَ، ومَن سَبَّ

стр. 13290

عائِشةَ قُتلَ، قيلَ له: لِمَ؟ قالَ: مَنْ رماها فقدْ خالَفَ القُرآنَ، ولأنَّ اللهَ تعالى قالَ: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧)﴾ [النور: ١٧]. وقالَ أبو بَكرٍ بنُ زِيادٍ النَّيسابوريُّ: سَمعتُ القاسمَ بنَ مُحمدٍ يقولُ لإسماعِيلَ بنِ إسحاقَ: أُتِيَ المأمونُ بالرَّقةِ برَجلينِ شتَمَ أحَدُهما فاطِمةَ والآخَرُ عائِشةَ، فأمَرَ بقتلِ الذي شتَمَ فاطِمةَ وترَكَ الآخَرَ، فقالَ إسماعيلُ: ما حُكمُهما إلا أنْ يُقتَلَا؛ لأنَّ الذي شتَمَ عائِشةَ رَدَّ القُرآنَ، وعلى هذا مَضتْ سِيرةُ أهلِ الفِقهِ والعلمِ مِنْ أهلِ البيتِ وغيرِهم … وأما مَنْ سَبَّ غيرَ عائِشةٍ مِنْ أزواجِه ﷺ ففيهِ قولانِ: أحَدُهما: أنه كسَابِّ غيرِهنَّ مِنْ الصحابةِ على ما سَيأتي. والثَّاني -وهو الأصَحُّ-: أنَّ مَنْ قذَفَ واحِدةً مِنْ أمَّهاتِ المُؤمنينَ فهو كقَذفِ عائِشةَ ﵂، وقد تَقدَّمَ معنَى ذلكَ عن ابنِ عبَّاسٍ؛ وذلكَ لأنَّ هذا فيه عارٌ وغَضاضةٌ على رسولِ اللهِ ﷺ وأذًى له أعظَمَ مِنْ أذاهُ بنِكاحِهنَّ بعدَه (١). وقالَ الإمامُ ابنُ كَثيرٍ ﵀: وفيها -أي سنَةَ إحدَى وأربَعينَ ومِائتينِ- أمَرَ الخَليفةُ المُتوكِّلُ على اللهِ بضَربِ رَجلٍ مِنْ أعيانِ أهلِ بغدادَ يُقالُ له عِيسى بنُ جَعفرِ بنِ مُحمدِ بنِ عاصِمٍ، فضُربَ ضَربًا شَديدًا مُبرحًا يُقالُ: إنه ضُربَ ألفَ سَوطٍ حتى ماتَ؛ وذلك أنه شَهدَ عليه سَبعةَ عشَرَ رَجلًا عند قاضي الشرقيةِ أبي حسَّانَ الزِّياديِّ أنه يَشتمُ أبا بَكرٍ وعُمرَ وعائِشةَ

стр. 13291

وحَفصةَ ﵃، فرُفعَ أمرُه إلى الخَليفةِ، فجاءَ كتابُ الخَليفةِ إلى مُحمدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ طاهرِ بنِ الحَسنِ نائبِ بغدادَ يأمرُه أنْ يَضربَه بينَ الناسِ حَدَّ السبِّ ثم يُضرَبَ بالسِّياطِ حتى يَموتَ ويُلقَى في دِجلةَ ولا يُصلَّى عليهِ ليَرتدعَ بذلكَ أهل الإلحادِ والمُعانَدةِ، ففعلَ معه ذلكَ قبَّحَه اللهُ ولعَنَه، ومثلُ هذا يَكفرُ إنْ كانَ قد قذَفَ عائِشةَ بالإجماعِ، وفيمَن قذَفَ سِواها مِنْ أمَّهاتِ المُؤمنينَ قَولانِ: والصَّحيحُ أنه يَكفرُ أيضًا؛ لأنهنَّ أزواجُ رَسولِ اللهِ ﷺ ورَضيَ عنهُن (١). حُكمُ سَبِّ أصحابِ النبيِّ ﷺ -: قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: فأمَّا مَنْ سَبَّ أحَدًا مِنْ أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ مِنْ أهلِ بَيتِه وغيرِهم فقدْ أطلَقَ الإمامُ أحمدُ أنه يُضرَبُ ضَربًا نكالًا، وتَوقَّفَ عن كُفرِه وقَتلِه. قالَ أبو طالِبٍ: سألتُ أحمدَ عمَّن شتَمَ أصحابَ النبيِّ ﷺ ، قالَ: القَتلُ أجبُنُ عنه، ولكنْ أضربُه ضَربًا نكالًا. وقالَ عبدُ اللهِ: سألتُ أبِي عمَّن شتَمَ رجلًا مِنْ أصحابِ النبيِّ ﷺ ، قالَ: أرَى أنْ يُضربَ، قلتُ: له حَدٌّ؟ فلمْ يَقفْ على الحَدِّ، إلا أنه قالَ: يُضرَبُ، وقالَ: ما أراهُ على الإسلامِ. وقالَ: سألتُ أبِي: مَنْ الرافِضةُ؟ فقالَ: الذينَ يَشتمونَ أو يَسبُّونَ أبَا بكرٍ وعمرَ ﵄.

стр. 13292

وقالَ في الرِّسالةِ التي رَواها أبو العبَّاسِ أحمدُ بنُ يَعقوبَ الإصطَخريُّ وغيرُه: وخيرُ الأمَّةِ بعدَ النبيِّ ﷺ أبو بكرٍ، وعُمرُ بعدَ أبي بَكرٍ، وعُثمانُ بعدَ عُمرَ، وعليٌّ بعدَ عُثمانَ، ووقَفَ قومٌ على عُثمانَ، وهم خُلفاءُ راشِدونَ مَهديُّونَ، ثم أصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ بعدَ هؤلاءِ الأربعةِ خيرُ الناسِ، لا يجوزُ لأحدٍ أنْ يَذكرَ شيئًا مِنْ مَساويهِم ولا يَطعنَ على أحَدٍ منهم بعَيبٍ ولا نَقصٍ، فمَن فعَلَ ذلك فقدْ وجَبَ على السُّلطانِ تأديبُه وعُقوبتُه ليسَ له أنْ يعفوَ عنه، بل يُعاقِبُه ويَستَتيبُه، فإنْ تابَ قَبِلَ منه، وإنْ ثبَتَ أعادَ عليه العُقوبةَ وخلَّدَه الحَبسِ حتى يَموتَ أو يُراجِعَ. وحكىَ الإمامُ أحمَدُ هذا عمَّن أدرَكَه مِنْ أهلِ العِلمِ، وحكاهُ الكَرمانِيُّ عنه وعن إسحاقَ والحُميديِّ وسَعيدِ بنِ مَنصورٍ وغيرِهم. وقالَ المَيمونِيُّ: سَمعتُ أحمدَ يقولُ: ما لهُم ولِمُعاويةَ، نسألُ اللهَ العافيةَ، وقالَ لي: يا أبا الحَسنِ إذا رأيتَ أحدًا يَذكرُ أصحابَ رَسولِ اللهِ ﷺ بسُوءٍ فاتَّهمْه على الإسلامِ، فقد نصَّ ﵁ على جَوابِ تَعزيرِه واستِتابتِه حتَّى يَرجعَ بالجَلدِ وإنْ لم يَنتهِ حُبسَ حتى يَموتَ أو يُراجعَ، وقالَ: ما أراهُ على الإسلامِ وأتَّهمُه على الإسلامِ، وقالَ: أجبُنُ عن قَتلِه. وقالَ إسحاقُ بنُ راهويهِ: مَنْ شتَمَ أصحابَ النبيِّ ﷺ يُعاقَبُ ويُحبَسُ، وهذا قولِ كَثيرٍ مِنْ أصحابِنا، منهم ابنُ أبي موسَى، قالَ: ومَن سَبَّ السَّلفَ مِنْ الروافِضِ فليسَ بكُفؤٍ ولا يُزوَّجُ، ومَن رمَى عائِشةَ

стр. 13293

﵂ بما برَّأَها اللهُ منه فقدْ مرَقَ مِنْ الدِّينِ ولم يَنعقدْ له نكاحٌ على مُسلمةٍ إلا أنْ يَتوبَ ويُظهِرَ تَوبتَه، وهذا في الجُملةِ قولُ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ وعاصِمٍ الأحوَلِ وغيرِهما مِنْ التابِعينَ. قالَ الحارِثُ بنُ عُتبةَ: إنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العزيزِ أُتِيَ برَجلٍ سَبَّ عُثمانَ فقالَ: ما حمَلَكَ على أنْ سبَبْتَه؟ قالَ: أُبغضُه، قالَ: وإنْ أبغَضْتَ رَجلًا سبَبْتَه؟! قالَ: فأمَرَ به فجُلدَ ثَلاثينَ سَوطًا. وقالَ إبراهيمُ بنُ مَيسرةَ: ما رأيتُ عُمرَ بنَ عبدِ العزيزِ ضرَبَ إنسانًا قَطُّ إلا إنسانًا شتَمَ مُعاويةَ فضرَبَه أسواطًا، رَواهُما اللالَكائيُّ. وقد تقدَّمَ أنه كتَبَ في رَجلٍ سَبَّه: لا يُقتلُ إلا مَنْ سَبَّ النبيَّ ﷺ ، ولكن اجلدهُ فوقَ رأسِه أسواطًا، ولولا أني رَجوتُ أنَّ ذلكَ خيرٌ له لم أفعَلْ. ورَوى الإمامُ أحمَدُ حدَّثَنا أبو مُعاويةَ حدَّثَنا عاصِمٌ الأحوَلُ قالَ: أُتيتُ برَجلٍ قد سَبَّ عُثمانَ، قالَ: فضَربتُه عَشرةَ أسواطٍ، قالَ: ثم عادَ لِما قالَ فضَربتُه عَشرةً أُخرَى، قالَ: فلمْ يَزَلْ يَسبُّه حتى ضَربتُه سَبعينَ سَوطًا. وهذا هو المَشهورُ مِنْ مَذهبِ مالِكٍ، قالَ مالِكٌ: مَنْ شتَمَ النبيَّ ﷺ قُتلَ، ومَن شتَمَ أصحابَه أُدِّبَ، وقالَ عبدُ الملكِ بنُ حَبيبٍ: مَنْ غَلا مِنْ الشِّيعةِ إلى بُغضِ عُثمانَ والبَراءةِ منه أدِّبَ أدَبًا شَديدًا، ومَن زادَ إلى بُغضِ أبي بَكرٍ وعُمرَ فالعُقوبةُ عليه أشَدُّ، ويُكرَّرُ ضَربُه ويُطالُ سَجنُه حتى يَموتَ، ولا يُبلَغُ به القتلُ إلا في سَبِّ النبيِّ ﷺ .

стр. 13294

وقالَ ابنُ المُنذِرِ: لا أعلَمُ أحَدًا يُوجِبُ قتْلَ مَنْ سَبَّ مَنْ بعدَ النبيِّ ﷺ . وقالَ القاضي أبو يَعلى: الذي عليهِ الفُقهاءُ في سَبِّ الصحابةِ إنْ كانَ مُستحِلًّا لذلكَ كفَرَ، وإنْ لم يَكنْ مُستحِلًّا فسَقَ ولم يَكفرْ، سواءٌ كفَّرَهم أو طعَنَ في دِينِهم مع إسلامِهم. وقد قطَعَ طائفةٌ مِنْ الفُقهاءِ مِنْ أهلِ الكُوفةِ وغيرِهم بقَتلِ مَنْ سَبَّ الصحابةَ وكُفرِ الرافضةِ، قالَ مُحمدُ بنُ يُوسفَ الفِريابيُّ وسُئلَ عمَّن شتَمَ أبا بَكرٍ قالَ: كافرٌ، قيلَ: فيُصلَّى عليه؟ قالَ: لا، وسَألَه كيفَ يُصنعُ بهِ وهو يَقولُ لا إلهَ إلا اللهُ؟ قالَ: لا تَمسُّوهُ بأيديكُم، ادفَعوهُ بالخَشبِ حتى تُواروهُ في حُفرتِه. وقالَ أحمَدُ بنُ يُونسَ: لو أنَّ يَهوديًّا ذبَحَ شاةً وذبَحَ رافِضيٌّ لَأكلْتُ ذَبيحةَ اليهوديِّ ولم آكُلْ ذَبيحةَ الرافضيِّ؛ لأنه مُرتدٌّ عن الإسلامِ (١).

стр. 13295

القِسمُ الثالثُ: الرِّدةُ بالفِعلِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الردةَ كما تَحصلُ بالقولِ فإنها تَحصلُ بالفعلِ. واتَّفقُوا على أنَّ مَنْ ألقَى مُصحفًا في مَحلٍّ قَذرٍ أنه مُرتدٌّ؛ لأنَّ فِعلَ ذلكَ استِخفافٌ بكلامِ اللهِ تعالى، وكذا سُجودٌ لصَنمٍ أو لشَمسٍ أو لغيرِ اللهِ (١). وقالَ المالِكيةُ: إلقاءِ مُصحفٍ أو بَعضِه ولو كَلمةً كفرٌ، وكذا حَرقُه استِخفافًا لا صَونًا أو لمَريضٍ، ومِثلُ إلقائِه تَركُه بمَكانٍ قَذرٍ ولو طاهرًا كبُصاقٍ، أو تَلطيخِه به لا نحوَ تَقليبِ وَرقٍ به، ومثلُ المُصحَفِ الحَديثُ وأسماءُ اللهِ وكُتبُ الحَديثِ، وكذا كُتبُ الفِقهِ إنْ كانَ على وَجهِ الاستِخفافِ بالشريعةِ. وكذا إذا شَدَّ الزُّنَّارَ في وَسطِه؛ لأنَّ هذا فِعلٌ يَتضمَّنُ الكُفرَ، ومِثلُه فِعلُ شَيءٍ ممَّا يَختصُّ بزِيِّ الكفَّارِ، ولا بدَّ أنْ يَنضمَّ إلى ذلك المَشيُ إلى الكنيسةِ ونحوُه، وسِحرٌ فيَكفرُ بتَعلُّمِه وتَعليمِه (٢). وقال الشافعية: وَالفِعْلُ المُكَفِّرُ مَا تَعَمَّدَهُ اسْتِهْزَاءً صَرِيحًا بِالدِّينِ أَوْ جُحُودًا لَهُ، كَإِلْقَاءِ مُصْحَفٍ بِقَاذُورَةٍ وَسُجُودٍ لِصَنَمٍ أَوْ شَمْسٍ (٣).

стр. 13296

وقالَ الحَنابلةُ: يَكفرُ بالفِعلِ كالسُجودِ للصَّنمِ ونحوِه كشَمسٍ وقَمرٍ وشَجرٍ وحَجرٍ وقبْرٍ؛ لأنه إشراكٌ باللهِ تعالى. وكإلقاءِ المُصحفِ في قاذُورةٍ، أو أتَى بقَولٍ أو فِعلٍ صَريحٍ في الاستهزاءِ بالدِّينِ الذي شرَعَه اللهُ كفَرَ. أو وُجدَ منه امتِهانُ القُرآنِ أو طَلبُ تَناقضِه أو دعوَى أنه مُختلفٌ أو أنه مُختلَقٌ أو مَقدورٌ على مِثلِه أو إسقاطٌ لحُرمتِه كفَرَ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١]، وقولِه: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]، وقولِه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ [الإسراء: ٨٨] الآيَة (١).

стр. 13297

القِسمُ الرابعُ: الرِّدةُ لتَركِ الصَّلاةِ: وتارِكُ الصَّلاةِ إمَّا أنْ يَتركَها جاحدًا لوُجوبِها، وإمَّا أنْ يَتركَها تَكاسُلًا. أوَّلًا: أنْ يَتركَها جاحِدًا لوُجوبِها: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ وَجبَتْ عليه الصلاةُ من المُخاطَبِينَ بها ثُمَّ امتَنعَ منها جاحِدًا لوُجوبِها وفَرْضيَّتِها، ولم يَكنْ قَريبَ عَهدٍ بإسلامٍ فهو كافِرٌ مُرتدٌّ ويَجبُ قَتلُه رِدَّةً. قالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعَ المُسلِمونَ على أنَّ جاحِدَ فَرضِ الصلاةِ كافِرٌ، يُقتَلُ إنْ لم يَتبْ مِنْ كُفرِه ذلك (١). وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: فإنْ ترَكَها جاحِدًا كانَ كافِرًا وأُجريَ عليه حُكمُ الرِّدةِ إجماعًا (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ مَنْ وجَبَتْ عليه الصلاةُ من المُخاطَبينَ بها ثمَّ امتَنعَ منها جاحِدًا لوُجوبِها عليه فهو كافِرٌ ويَجبُ قَتلُه رِدَّةً (٣). وقالَ النَّوويُّ ﵀: إذا ترَكَ الصلاةَ جاحِدًا لوُجوبِها أو جحَدَ وُجوبَها ولم يَتركْ فِعلَها في الصُّورةِ فهو كافِرٌ مُرتَدٌّ بإجماعِ المُسلِمينَ، ويَجبُ على الإمامِ قَتلُه بالرِّدَّةِ -إلا أنْ يُسلِمَ-، ويَترتَّبُ عليه جَميعُ أحكامِ

стр. 13298

المُرتدِّينَ، وسواءٌ كانَ هذا الجاحِدُ رَجلًا أو امرأةً، هذا إذا كانَ قد نشَأَ بينَ المُسلمينَ، فأما مَنْ كانَ قَريبَ العَهدِ بالإسلامِ، أو نشَأَ بباديةٍ بَعيدةٍ مِنْ المُسلمينَ بحَيثُ يَجوزُ أنْ يَخفى عليه وُجوبُها فلا يَكفرُ بمُجرَّدِ الجَحدِ، بل نُعرِّفُه وُجوبَها، فإنْ جحَدَ بعدَ ذلك كانَ مُرتدًّا (١). ثانيًا: أنْ يَتركَها وهو مُعتقِدُ لِوُجوبِها: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ تاركِ الصلاةِ إذا ترَكَها وهو مُعتقِدٌ لوُجوبِها، هل يَكفرُ بذلكَ ويُقتلُ قتْلَ ردَّةٍ؟ أم لا يَكفرُ لكنَّه يُقتلُ حَدًّا؟ أم لا يَكفرُ ولا يُقتلُ أصلًا، وإنَّما يُحبَسُ ويُضرَبُ؟ القولُ الأولُ: وهو قَولُ الحَنابلةِ في المَذهبِ وهو اختيارُ ابنِ تَيميةَ وابنِ القيِّمِ وبَعضِ الشافِعيةِ: أنَّ تارِكَ الصلاةِ تَكاسلًا وتَهاونًا يَدعوهُ الإمامُ أو نائبُه لفِعلِها؛ لاحتِمالِ أنْ يكونَ قد ترَكَها لعُذرٍ يَعتقدُ سُقوطَها به كمَرضٍ ونَحوِه، ويُهدِّدُه فيَقولُ له: إنْ صَّليتَ وإلا قتَلْناكَ، فإنْ أبَى أنْ يُصليَها حتى تَضايقَ وَقتُ التي بعدَها وجَبَ قتلُه، ولا يُقتلُ حتى يُستتابَ ثلاثةَ أيامٍ كسائرِ المُرتدِّينَ، فإنْ تابَ مِنْ تَركِ الصلاةِ بفِعلِها خُلِّيَ سَبيلُه، وإنْ لم يَتبْ بفِعلِ الصلاةِ قُتلَ بضَربِ عُنقِه بالسَّيفِ؛ لكُفرِه كالمُرتدِّ، فلا يُغسَّلُ ولا يُكفَّنُ ولا يُدفنُ بينَ المُسلِمينَ ولا يَرثُه أحدٌ ولا يَرثُ أحَدًا (٢).

стр. 13299

القَولُ الثاني: وهو مَذهبُ الحَنفيةِ والمُزنِيِّ مِنْ الشافِعيةِ: أنَّ تارِكَ الصلاةِ عَمدًا تَكاسلًا فاسِقٌ، يُحبَسُ حتى يُصليَ؛ لأنه يُحبسُ لحَقِّ العَبدِ، فحَقُّ الحَقِّ أحَقُّ، ويُضرَبُ حتى يَسيلَ منه الدَّمُ مُبالَغةً في الزجرِ، ولا يُتركُ هَملًا، بل يُتفقَّدُ حالُه بالوَعظِ والزَّجرِ والضَّربِ حتى يُصلِّيَها أو يَموتَ في حَبسِهِ، ولا يَكفرُ بذلكَ، وهذا جَزاؤُه الدُّنيويُّ، وأمَّا في الآخِرةِ إذا ماتَ على الإسلامِ عاصِيًا بتَركِها فله عذابٌ طَويلٌ بوادٍ في جَهنَّمَ أشَدُّها حَرًّا وأبعَدُها قَعرًا، فيهِ آبارٌ يَسيلُ إليها الصديدُ والقَيحُ أُعدَّتْ لتارِكِ الصلاةِ. ولكنْ لو استَخفَّ بالصلاةِ مُتهاوِنًا، أو نطَقَ بما يَدلُّ عليه فيَكونُ حُكمُه حُكمَ المُرتدِّ، فتُكشفُ شُبهتُه ويُحبَسُ، ثمَّ يُقتلُ إنْ أصَرَّ، وهذا الحُكمُ في تارِكِ صَومِ رَمضانَ (١). القَولُ الثالِثُ: هو مَذهبُ المالِكيةِ والشافِعيةِ وبَعضِ الحَنابلةِ كأبِي عبدِ اللهِ بنِ بَطَّةَ وابنِ قُدامةَ: أنَّ تارِكَ الصلاةِ تَكاسلًا وتَهاوُنًا بها يُستتابُ، فإنْ تابَ وإلا قُتلَ حَدًّا لا ردَّةً، فيُغسَّلُ ويُصلَّى عليه ويُدفَنُ في مَقابرِ المُسلمينَ ويَرثُه ورَثتُه مِنْ المُسلِمينَ (٢). وقد تَقدَّمَتِ المسألةُ بالتَّفصيلِ في كِتابِ الصلاةِ.

стр. 13300

حُكمُ قَتلِ المرتَدِّ: إذا ارتَدَّ المُسلمُ وكانَ مُستوفِيًا لشَرائطِ الردةِ أُهدِرَ دَمُه، والذي يَقتلُه هو الإمامُ أو نائبُه، فإنْ قتَلَه غيرُ الإمامِ عُزِّرَ ولا شيءَ عليه. قالَ اللهُ : ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ [البقرة: ٢١٧]، ففي هذهِ الآيةِ دَليلٌ على وُجوبِ قَتلِهم ورَفعِ احترامِ ما كانَ أوجَبَه الإيمانُ لهم. ولقَولِ رَسولِ اللهِ ﷺ : «مَنْ بَدَّلَ دِينَه فاقتُلوهُ» (١). وقَولِ النبيِّ ﷺ : «لا يَحلُّ دَمُ امرِئٍ مُسلمٍ يَشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأني رَسولُ اللهِ إلا بإحدَى ثلاثٍ: الثَّيبُ الزاني والنَّفسُ بالنَّفسِ والتَّاركُ لدِينِه المُفارِقُ للجَماعةِ» (٢). وعن أبي مُوسى ﵁ قالَ: أقبَلتُ إلى النبيِّ ﷺ ومَعي رَجلانِ مِنْ الأشعَريِّينَ أحَدُهما عن يَمينِي والآخَرُ عن يَساري ورَسولُ اللهِ ﷺ يَستاكُ، فكِلاهُما سَألَ، فقالَ: يا أبا مُوسى أو يا عبدَ اللهِ بنَ قَيسٍ، قالَ: قلتُ: والذي بعَثَكَ بالحَقِّ ما أطلَعاني على ما في أنفُسِهما وما شَعَرتُ أنهُما يَطلُبانِ العَملَ، فكأني أنظُرُ إلى سِواكِه تحتَ شفتِه قلَصَتْ،

стр. 13301

فقالَ: لنْ أو لا نَستعمِلُ على عَمَلِنا مَنْ أرادَه، ولكنِ اذهَبْ أنتَ يا أبا مُوسى أو يا عبدَ اللهِ بنَ قَيسٍ إلى اليَمنِ، ثمَّ أتبَعَه مُعاذَ بنَ جَبَلٍ، فلما قَدِمَ عليه أَلقى له وِسادةً، قالَ: انزِلْ، وإذا رَجلٌ عندَه مُوثَقٌ، قالَ: ما هذا؟ قالَ: كانَ يَهوديًّا فأسلَمَ ثمَّ راجَعَ دِينَه دِينَ السَّوءِ فتَهوَّدَ، قالَ: لا أَجلِسُ حتى يُقتلَ قَضاءُ اللهِ ورَسولِه، فقالَ: اجلِسْ نعمْ، قالَ: لا أَجلِسُ حتى يُقتلَ قَضاءُ اللهِ ورَسولِهِ، ثَلاثَ مرَّاتٍ، فأمَرَ به فقُتِلَ» (١). وقد أجمَعَ المُسلمونَ على أنَّ الرجلَ البالغَ العاقِلَ إذا كانَ ممَّن اتَّصفَ بالإيمانِ ثمَّ ارتَدَّ مُختارًا غيرَ مُكرَهٍ فاستُتيبَ فلم يَتبْ واسْتُؤنِيَ به فلمْ يُقلعْ أنه مُباحُ الدمِ. قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: فيه -أي حَديثِ مُعاذٍ السابقِ- وُجوبُ قَتلِ المُرتدِّ، وقد أجمَعوا على قَتلِه (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على وُجوبِ قَتلِ المُرتدِّ، ورُويَ ذلك عن أبي بَكرٍ وعُمرَ وعُثمانَ وعَليٍّ ومُعاذٍ وأبي مُوسى وابنِ عبَّاسٍ وخالِدٍ وغيرِهم، ولم يُنكرْ ذلكَ فكانَ إجماعًا (٣). وكذلكَ أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المُرتدَّ لا يُقبلُ منه الجِزيةُ، وإنما الإسلامُ أو القَتلُ.

стр. 13302

قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: الجِزيةُ تُؤخذُ مِنْ أهلِ الكِتابِ والمَجوسِ ومِن العَجمِ باتفاقٍ، ولا تُؤخذُ مِنْ قُريشٍ ولا مِنْ المُرتدينَ باتفاقٍ. أمَّا المُرتدونَ فإنهُم لَيسوا على دِينٍ يُقَرُّونَ عليه؛ لقَولِه ﵊: «مَنْ بدَّلَ دِينَه فاضْرِبُوا عُنقَه» (١). وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وقد استَقرَّتِ السُّنةُ بأنَّ عُقوبةَ المُرتدِّ أعظَمُ مِنْ عُقوبةِ الكافرِ الأصليِّ مِنْ وُجوهٍ مُتعدِّدةٍ: مِنها: أنَّ المُرتدَّ يُقتلُ بكلِّ حالٍ، ولا يُضرَبُ عليه جِزيةٌ، ولا تُعقَدُ له ذِمةٌ، بخِلافِ الكافرِ الأصليِّ. ومنها: أنَّ المُرتدَّ يُقتلُ وإنْ كانَ عاجِزًا عن القِتالِ، بخِلافِ الكافرِ الأصليِّ الذي ليسَ هو مِنْ أهلِ القِتالِ؛ فإنه لا يُقتلُ عندَ أكثَرِ العلماءِ كأبي حَنيفةَ ومالِكٍ وأحمَدَ؛ ولهذا كانَ مَذهبُ الجُمهورِ أنَّ المُرتدَّةَ تُقتلُ كما هو مَذهبُ مالِكٍ والشافِعيِّ وأحمَدَ. ومنها: أنَّ المُرتدَّ لا يَرثُ ولا يُناكَحُ ولا تُؤكلُ ذَبيحتُه، بخِلافِ الكافرِ الأصليِّ، إلى غيرِ ذلكَ مِنْ الأحكامِ. وإذا كانَتِ الرِّدةُ عن أصلِ الدِّينِ أعظَمَ مِنْ الكُفرِ بأصلِ الدِّينِ فالردةُ عن شَرائعِه أعظَمُ مِنْ خُروجِ الخارجِ الأصليِّ عن شَرائعهِ (٢). وهذا في حَقِّ الرَّجلِ بالإجماعِ، أما المَرأةُ فقَدِ اختَلفَ الفُقهاءُ فِيها.

стр. 13303

قَتلُ المرتَدَّةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في المَرأةِ إذا ارتَدَّتْ عن الإسلامِ، هل تُقتَلُ أم تُحبَسُ أم تُستَرقُّ؟ ففي ذلكَ ثلاثةُ أقوالٍ: القَولُ الأولُ: أنها تُستَرقُّ ولا تُقتلُ، رُويَ ذلكَ عن أبي حَنيفةَ في رِوايةٍ عنه، ورُويَ عن عَليٍّ والحَسنِ وقَتادةَ وعُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ؛ لأنَّ أبا بَكرٍ ﵁ استَرقَّ نساءَ بَني حَنيفةَ وذَرارِيهم وأعطَى عَليًّا منهُم امرأةً فولَدَتْ له مُحمدَ بنَ الحَنفيةِ، وكانَ هذا بمَحضرٍ مِنْ الصَّحابةِ، فلمْ يُنكَرْ فكانَ إجماعًا (١). والقَولُ الثاني: تُجبَرُ على الإسلامِ بالحَبسِ والضَّربِ ولا تُقتلُ، ولكنْ تُحبَسُ حتى تُسلِمَ، لكنْ لو قتَلَها إنسانٌ فلا شيءَ عليه. وكَيفيَّةُ حَبسِ المَرأةِ أنْ يَحبسَها القاضي ثمَّ يُخرجَها في كلِّ يومٍ يَعرِضُ عليها الإسلامَ، فإنْ أبَتْ ضرَبَها أسواطًا، ثمَّ يَعرِضُ عليها الإسلامَ، فإنْ أبَتْ حبَسَها، يَفعلُ بها هكذا كلَّ يَومٍ أبَدًا حتى تُسلمَ أو تَموتَ، وهذا إذا كانَتْ في دارِ الإسلامِ، وهذا قَولُ الحَنفيةِ؛ «لنَهيِّ النبيِّ ﷺ عن قَتلِ النِّساءِ»، ولأنها لا تُقتلُ بالكُفرِ الأصليِّ، فلا تُقتلُ بالطارِئِ كالصبيِّ. أما إذا لَحقَتْ بدارِ الحَربِ بعدَ ارتِدادِها فحِينئذِ يَجوزُ سِباؤُها (٢).

стр. 13304

القَولُ الثالِثُ: إنها كالرجلِ في ذلكَ، إنْ راجَعَتِ الإسلامَ وإلا قُتلَتْ، رُويَ ذلكَ عن أبي بَكرٍ ﵁، وهو قَولُ جُمهورِ الفُقهاءِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ، وبه قالَ الحَسنُ والزُّهريُّ والنخَعيُّ ومَكحولٌ وحمَّادٌ والليثُ والأوزاعيُّ وإسحاقُ وابنُ حَزمٍ. لقولِ النبيِّ ﷺ : «لا يَحِلُّ دَمُ رَجلٍ مُسلمٍ يَشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللَّهُ وأني رَسولُ اللَّهِ إلا بإحدَى ثلاثٍ: الثَّيبُ الزاني، والنَّفسُ بالنَّفسِ، والتارِكُ لدِينِه المُفارِقُ للجَماعةِ» (١). ولعُمومِ قولِ النبيِّ ﷺ : «مَنْ بدَّلَ دِينَه فاقتُلوهُ» (٢)، ولَفظُ «مَنْ» يَصلحُ للذَّكرِ والأنثى، فهو عُمومٌ يَدخلُ فيه الرِّجالُ والنساءُ؛ لأنه ﷺ لم يَخُصَّ امرأةً مِنْ رَجلٍ. قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وإذا كانَ الكُفرُ مِنْ أعظَمِ الذُّنوبِ وأجَلَّ جُرمٍ اجتَرمَه المُسلمونَ مِنْ الرِّجالِ والنِّساءِ، وللهِ أحكامٌ في كِتابِه، وحُدودٌ دونَ الكُفرِ ألزَمَها عِبادَه، منها الزنا والسرقةُ وشُربُ الخَمرِ وحَدُّ القَذفِ والقِصاصُ، وكانَتِ الأحكامُ والحُدودُ التي هيَ دونَ الارتدادِ لازِمةً للرِّجالِ والنِّساءِ مع عُمومِ قَولِه ﷺ : «مَنْ بدَّلَ دِينَه فاقتُلوهُ» فكيفَ

стр. 13305

يَجوزُ أنْ يُفرِّقَ أحدٌ بينَ أعظَمِ الذُّنوبِ فيَطرحَه عن النِّساءِ ويُلزمَهنَّ ما دونَ ذلكَ؟! هذا غَلطٌ بيِّنٌ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولأنها شَخصٌ مُكلَّفٌ بدَّلَ دِينَ الحقِّ بالباطلِ، فتُقتلُ كالرَّجلِ، وأما نَهيُ النبيِّ ﷺ عن قتلِ المَرأةِ فالمُرادُ بهِ الأصليةُ؛ فإنه قالَ ذلكَ حينَ رَأى امرأةً مَقتولةً وكانَتْ كافِرةً أصليةً، ولذلكَ نهَى الذين بعَثَهم إلى ابنِ أبي الحَقيقِ عن قتلِ النِّساءِ ولم يَكنْ فيهِم مُرتدٌّ، ويُخالِفُ الكُفرُ الأصليُّ الطارئَ؛ بدليلِ أنَّ الرَّجلَ يُقَرُّ عليه، ولا يُقتلُ أهلُ الصَّوامعِ والشُّيوخُ والمَكافيفُ، ولا تُجبَرُ المَرأةُ على تَركِه بضَربٍ ولا حَبسٍ، والكفرُ الطارِئُ بخِلافِه، والصبيُّ غيرُ مُكلَّفٍ، بخِلافِ المَرأةِ، وأما بَنُو حَنيفةَ فلمْ يَثبتْ أنَّ مَنْ استُرقَّ منهُم تَقدَّمَ له إسلامٌ، ولم يَكنْ بَنو حَنيفةَ أسلَمُوا كلُّهم، وإنما أسلَمَ بعضُهم، والظاهِرُ أنَّ الذينَ أسلَموا كانوا رِجالًا، فمنهُم مَنْ ثبَتَ على إسلامِه، منهُم ثُمامةُ بنُ أَثالٍ، ومنهُم مَنْ ارتَدَّ، منهُم الدجَّالُ الحَنفيُّ (٢).
следующие страницы →