← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 13301–13340 · переход к 13306.

стр. 13301

فقالَ: لنْ أو لا نَستعمِلُ على عَمَلِنا مَنْ أرادَه، ولكنِ اذهَبْ أنتَ يا أبا مُوسى أو يا عبدَ اللهِ بنَ قَيسٍ إلى اليَمنِ، ثمَّ أتبَعَه مُعاذَ بنَ جَبَلٍ، فلما قَدِمَ عليه أَلقى له وِسادةً، قالَ: انزِلْ، وإذا رَجلٌ عندَه مُوثَقٌ، قالَ: ما هذا؟ قالَ: كانَ يَهوديًّا فأسلَمَ ثمَّ راجَعَ دِينَه دِينَ السَّوءِ فتَهوَّدَ، قالَ: لا أَجلِسُ حتى يُقتلَ قَضاءُ اللهِ ورَسولِه، فقالَ: اجلِسْ نعمْ، قالَ: لا أَجلِسُ حتى يُقتلَ قَضاءُ اللهِ ورَسولِهِ، ثَلاثَ مرَّاتٍ، فأمَرَ به فقُتِلَ» (١). وقد أجمَعَ المُسلمونَ على أنَّ الرجلَ البالغَ العاقِلَ إذا كانَ ممَّن اتَّصفَ بالإيمانِ ثمَّ ارتَدَّ مُختارًا غيرَ مُكرَهٍ فاستُتيبَ فلم يَتبْ واسْتُؤنِيَ به فلمْ يُقلعْ أنه مُباحُ الدمِ. قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: فيه -أي حَديثِ مُعاذٍ السابقِ- وُجوبُ قَتلِ المُرتدِّ، وقد أجمَعوا على قَتلِه (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على وُجوبِ قَتلِ المُرتدِّ، ورُويَ ذلك عن أبي بَكرٍ وعُمرَ وعُثمانَ وعَليٍّ ومُعاذٍ وأبي مُوسى وابنِ عبَّاسٍ وخالِدٍ وغيرِهم، ولم يُنكرْ ذلكَ فكانَ إجماعًا (٣). وكذلكَ أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المُرتدَّ لا يُقبلُ منه الجِزيةُ، وإنما الإسلامُ أو القَتلُ.

стр. 13302

قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: الجِزيةُ تُؤخذُ مِنْ أهلِ الكِتابِ والمَجوسِ ومِن العَجمِ باتفاقٍ، ولا تُؤخذُ مِنْ قُريشٍ ولا مِنْ المُرتدينَ باتفاقٍ. أمَّا المُرتدونَ فإنهُم لَيسوا على دِينٍ يُقَرُّونَ عليه؛ لقَولِه ﵊: «مَنْ بدَّلَ دِينَه فاضْرِبُوا عُنقَه» (١). وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وقد استَقرَّتِ السُّنةُ بأنَّ عُقوبةَ المُرتدِّ أعظَمُ مِنْ عُقوبةِ الكافرِ الأصليِّ مِنْ وُجوهٍ مُتعدِّدةٍ: مِنها: أنَّ المُرتدَّ يُقتلُ بكلِّ حالٍ، ولا يُضرَبُ عليه جِزيةٌ، ولا تُعقَدُ له ذِمةٌ، بخِلافِ الكافرِ الأصليِّ. ومنها: أنَّ المُرتدَّ يُقتلُ وإنْ كانَ عاجِزًا عن القِتالِ، بخِلافِ الكافرِ الأصليِّ الذي ليسَ هو مِنْ أهلِ القِتالِ؛ فإنه لا يُقتلُ عندَ أكثَرِ العلماءِ كأبي حَنيفةَ ومالِكٍ وأحمَدَ؛ ولهذا كانَ مَذهبُ الجُمهورِ أنَّ المُرتدَّةَ تُقتلُ كما هو مَذهبُ مالِكٍ والشافِعيِّ وأحمَدَ. ومنها: أنَّ المُرتدَّ لا يَرثُ ولا يُناكَحُ ولا تُؤكلُ ذَبيحتُه، بخِلافِ الكافرِ الأصليِّ، إلى غيرِ ذلكَ مِنْ الأحكامِ. وإذا كانَتِ الرِّدةُ عن أصلِ الدِّينِ أعظَمَ مِنْ الكُفرِ بأصلِ الدِّينِ فالردةُ عن شَرائعِه أعظَمُ مِنْ خُروجِ الخارجِ الأصليِّ عن شَرائعهِ (٢). وهذا في حَقِّ الرَّجلِ بالإجماعِ، أما المَرأةُ فقَدِ اختَلفَ الفُقهاءُ فِيها.

стр. 13303

قَتلُ المرتَدَّةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في المَرأةِ إذا ارتَدَّتْ عن الإسلامِ، هل تُقتَلُ أم تُحبَسُ أم تُستَرقُّ؟ ففي ذلكَ ثلاثةُ أقوالٍ: القَولُ الأولُ: أنها تُستَرقُّ ولا تُقتلُ، رُويَ ذلكَ عن أبي حَنيفةَ في رِوايةٍ عنه، ورُويَ عن عَليٍّ والحَسنِ وقَتادةَ وعُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ؛ لأنَّ أبا بَكرٍ ﵁ استَرقَّ نساءَ بَني حَنيفةَ وذَرارِيهم وأعطَى عَليًّا منهُم امرأةً فولَدَتْ له مُحمدَ بنَ الحَنفيةِ، وكانَ هذا بمَحضرٍ مِنْ الصَّحابةِ، فلمْ يُنكَرْ فكانَ إجماعًا (١). والقَولُ الثاني: تُجبَرُ على الإسلامِ بالحَبسِ والضَّربِ ولا تُقتلُ، ولكنْ تُحبَسُ حتى تُسلِمَ، لكنْ لو قتَلَها إنسانٌ فلا شيءَ عليه. وكَيفيَّةُ حَبسِ المَرأةِ أنْ يَحبسَها القاضي ثمَّ يُخرجَها في كلِّ يومٍ يَعرِضُ عليها الإسلامَ، فإنْ أبَتْ ضرَبَها أسواطًا، ثمَّ يَعرِضُ عليها الإسلامَ، فإنْ أبَتْ حبَسَها، يَفعلُ بها هكذا كلَّ يَومٍ أبَدًا حتى تُسلمَ أو تَموتَ، وهذا إذا كانَتْ في دارِ الإسلامِ، وهذا قَولُ الحَنفيةِ؛ «لنَهيِّ النبيِّ ﷺ عن قَتلِ النِّساءِ»، ولأنها لا تُقتلُ بالكُفرِ الأصليِّ، فلا تُقتلُ بالطارِئِ كالصبيِّ. أما إذا لَحقَتْ بدارِ الحَربِ بعدَ ارتِدادِها فحِينئذِ يَجوزُ سِباؤُها (٢).

стр. 13304

القَولُ الثالِثُ: إنها كالرجلِ في ذلكَ، إنْ راجَعَتِ الإسلامَ وإلا قُتلَتْ، رُويَ ذلكَ عن أبي بَكرٍ ﵁، وهو قَولُ جُمهورِ الفُقهاءِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ، وبه قالَ الحَسنُ والزُّهريُّ والنخَعيُّ ومَكحولٌ وحمَّادٌ والليثُ والأوزاعيُّ وإسحاقُ وابنُ حَزمٍ. لقولِ النبيِّ ﷺ : «لا يَحِلُّ دَمُ رَجلٍ مُسلمٍ يَشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللَّهُ وأني رَسولُ اللَّهِ إلا بإحدَى ثلاثٍ: الثَّيبُ الزاني، والنَّفسُ بالنَّفسِ، والتارِكُ لدِينِه المُفارِقُ للجَماعةِ» (١). ولعُمومِ قولِ النبيِّ ﷺ : «مَنْ بدَّلَ دِينَه فاقتُلوهُ» (٢)، ولَفظُ «مَنْ» يَصلحُ للذَّكرِ والأنثى، فهو عُمومٌ يَدخلُ فيه الرِّجالُ والنساءُ؛ لأنه ﷺ لم يَخُصَّ امرأةً مِنْ رَجلٍ. قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وإذا كانَ الكُفرُ مِنْ أعظَمِ الذُّنوبِ وأجَلَّ جُرمٍ اجتَرمَه المُسلمونَ مِنْ الرِّجالِ والنِّساءِ، وللهِ أحكامٌ في كِتابِه، وحُدودٌ دونَ الكُفرِ ألزَمَها عِبادَه، منها الزنا والسرقةُ وشُربُ الخَمرِ وحَدُّ القَذفِ والقِصاصُ، وكانَتِ الأحكامُ والحُدودُ التي هيَ دونَ الارتدادِ لازِمةً للرِّجالِ والنِّساءِ مع عُمومِ قَولِه ﷺ : «مَنْ بدَّلَ دِينَه فاقتُلوهُ» فكيفَ

стр. 13305

يَجوزُ أنْ يُفرِّقَ أحدٌ بينَ أعظَمِ الذُّنوبِ فيَطرحَه عن النِّساءِ ويُلزمَهنَّ ما دونَ ذلكَ؟! هذا غَلطٌ بيِّنٌ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولأنها شَخصٌ مُكلَّفٌ بدَّلَ دِينَ الحقِّ بالباطلِ، فتُقتلُ كالرَّجلِ، وأما نَهيُ النبيِّ ﷺ عن قتلِ المَرأةِ فالمُرادُ بهِ الأصليةُ؛ فإنه قالَ ذلكَ حينَ رَأى امرأةً مَقتولةً وكانَتْ كافِرةً أصليةً، ولذلكَ نهَى الذين بعَثَهم إلى ابنِ أبي الحَقيقِ عن قتلِ النِّساءِ ولم يَكنْ فيهِم مُرتدٌّ، ويُخالِفُ الكُفرُ الأصليُّ الطارئَ؛ بدليلِ أنَّ الرَّجلَ يُقَرُّ عليه، ولا يُقتلُ أهلُ الصَّوامعِ والشُّيوخُ والمَكافيفُ، ولا تُجبَرُ المَرأةُ على تَركِه بضَربٍ ولا حَبسٍ، والكفرُ الطارِئُ بخِلافِه، والصبيُّ غيرُ مُكلَّفٍ، بخِلافِ المَرأةِ، وأما بَنُو حَنيفةَ فلمْ يَثبتْ أنَّ مَنْ استُرقَّ منهُم تَقدَّمَ له إسلامٌ، ولم يَكنْ بَنو حَنيفةَ أسلَمُوا كلُّهم، وإنما أسلَمَ بعضُهم، والظاهِرُ أنَّ الذينَ أسلَموا كانوا رِجالًا، فمنهُم مَنْ ثبَتَ على إسلامِه، منهُم ثُمامةُ بنُ أَثالٍ، ومنهُم مَنْ ارتَدَّ، منهُم الدجَّالُ الحَنفيُّ (٢).

стр. 13306

استِتابةُ المرتَدِّ: اختَلفَ الفُقهاءُ في المُرتدِّ، هل يُستتابُ المُرتدُّ قبلَ القتلِ؟ أو يُقتلُ بنَفسِ الردَّةِ؟ لأهلِ العِلمِ في ذلكَ قَولانِ مَشهورانِ: القَولُ الأولُ: إنه يُقتلُ بنَفسِ الردَّةِ، ولا تَجبُ استِتابتُه، بل تُندَبُ، لكنْ لو تابَ نفعَتْه تَوبتُه عندَ اللهِ تعالَى ولا يَسقطُ قَتلُه، وهو مَذهبُ الحَنفيةِ في الصَّحيحِ عندَهم وقَولُ عبدِ الملكِ بنِ الماجشُونِ مِنْ المالِكيةِ وأهلِ الظاهِرِ والشافِعيِّ في قَولٍ وأحمدَ في رِوايةٍ. قالَ الحَنفيةُ: يُعرَضُ عليه الإسلامُ نَدبًا رَجاءَ أنْ يَعودَ، دونَ الوُجوبِ؛ لأنَّ الدَّعوةَ قد بلَغَتْه، لكنْ يُستحبُّ ذلك؛ لأنَّ الظاهرَ أنهُ إنما ارتدَّ لشُبهةٍ دخَلَتْ عليه أو ضَيمٌ أصابَه، فيُكشفُ ذلك عنه ليَعودَ إلى الإسلامِ، وهوَ أهوَنُ مِنْ القَتلِ، فإنْ كانَتْ له شُبهةٌ كُشفَتْ له. والدَّليلُ على عَدمِ وُجوبِ استِتابتِه ما رَواهُ الشَّيخانِ عن أبي مُوسى قالَ: أقبَلْتُ إلى النبيِّ ﷺ ومَعي رَجلانِ مِنْ الأشعَريِّينَ أحَدُهما عن يَمينِي والآخَرُ عن يَساري ورَسولُ اللهِ ﷺ يَستاكُ، فكِلاهُما سَألَ، فقالَ: يا أبا مُوسى أو يا عبدَ اللهِ بنَ قَيسٍ، قالَ: قلتُ: والذي بعَثَكَ بالحَقِّ ما أطلَعاني على ما في أنفُسِهما وما شَعَرتُ أنهُما يَطلُبانِ العَملَ، فكأني أنظُرُ إلى سِواكِه تحتَ شفتِه قلَصَتْ، فقالَ: لنْ أو لا نَستعمِلُ على عَمَلِنا مَنْ أرادَه، ولكنِ اذهَبْ أنتَ يا أبا مُوسى أو يا عبدَ اللهِ بنَ قَيسٍ إلى اليَمنِ، ثمَّ أتبَعَه مُعاذَ بنَ جَبَلٍ، فلما قَدِمَ عليه أَلقى له وِسادةً، قالَ: انزِلْ، وإذا رَجلٌ

стр. 13307

عندَه مُوثَقٌ، قالَ: ما هذا؟ قالَ: كانَ يَهوديًّا فأسلَمَ ثمَّ راجَعَ دِينَه دِينَ السَّوءِ فتَهوَّدَ، قالَ: لا أَجلِسُ حتى يُقتلَ قَضاءُ اللهِ ورَسولِه، فقالَ: اجلِسْ نعمْ، قالَ: لا أَجلِسُ حتى يُقتلَ قَضاءُ اللهِ ورَسولِهِ، ثَلاثَ مرَّاتٍ، فأمَرَ به فقُتِلَ» (١). فكانَ ظاهِرَ قولِه: «حتَّى يُقتلَ قَضاءُ اللهِ ورَسولِه»، وقولِ أبي مُوسَى له: «نعمْ» ثم أُمِرَ به فقُتلَ، ولم يعرضْ لاستِتابتِه أنه كذلكَ قضَى رَسولُ اللهِ ﷺ . إلا أنه يُحبسُ ثلاثةَ أيَّامٍ إذا استَمهَلَ، أي: طلَبَ أنْ يُمهلَ، فإنْ تابَ فيها وأسلَمَ قُبلَ منه، وإلا قُتلَ، وهذا إذا استَمهلَ، فأما إذا لم يَستمهِلْ قُتلَ مِنْ ساعتِه؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «مَنْ بدَّلَ دِينَه فاقتُلوهُ» (٢). ولحَديثِ ابنِ مَسعودٍ ﵁ مَرفوعًا: «لا يَحِلُّ دَمُ رَجلٍ مُسلمٍ يَشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللَّهُ وأني رَسولُ اللَّهِ إلا بإحدَى ثلاثٍ: الثَّيبُ الزاني، والنَّفسُ بالنَّفسِ، والتارِكُ لدِينِه المُفارِقُ للجَماعةِ» (٣)، ولأنهُ بلَغَتْه الدَّعوةُ، فيُقتلُ في الحالِ مِنْ غيرِ الإمهالِ كالكافِرِ الأصليِّ، ولا يَجوزُ تَأخيرُ ما وجَبَ في الحالِ لأمرٍ مَوهومٍ في الاستِقبالِ. وإنْ قتَلَه قاتِلٌ قبلَ عَرْضِ الإسلامِ عليه كُرِهَ له ذلكَ، ولا شَيءَ على القاتِلِ؛ لأنَّ القَتلَ مُستحَقٌّ عليه بكُفرِه، والكُفرُ يُبيحُ الدَّمَ، والعَرضُ بعدَ

стр. 13308

بُلوغِ الدعوةِ غيرُ واجِبٍ، ولكنْ يُكرَهُ له ذلكَ؛ لِمَا فيه مِنْ تَركِ الغَرضِ المُستحَبِّ، ولِمَا فيه مِنْ الافتِياتِ على الإمامِ (١). القَولُ الثاني: إنه يُستتابُ وُجوبًا، فإنْ تابَ وإلا قُتلَ، وهو قَولُ جُمهورِ العُلماءِ الحَنفيةِ في قَولٍ والمالِكيةِ والشافِعيةِ في المَذهبِ والحَنابلةِ في المَذهبِ، ورُوي ذلكَ عن عُمرَ وعُثمانَ وعَليٍّ ﵃، وبه قالَ عطاءٌ والنخَعيُّ والثَّوريُّ والأوزاعيُّ وإسحاقُ وغيرُهم. والدليلُ على هذا قَولُه تعالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. مع ما دَلَّ عليهِ مَفهومُ الخبَرِ، وأنَّ القتلَ إنما وجَبَ بحالٍ، فإذا تابَ وراجَعَ الإسلامَ ارتَفعَ حُكمُ القَتلِ كالكافرِ الأصليِّ، وقولُ اللهِ تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وهو يَعُمُّ كلَّ كافرٍ كانَ منه إيمانٌ قبلَ ذلكَ أو لم يكنْ. وقولُه تعالَى في المُنافقِينَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ [النساء: ١٤٦ - ١٤٧]، والمُنافِقونَ ممَّن آمَنَ ثمَّ كفَرَ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: لا يُقتلُ حتى يُستتابَ ثَلاثًا، هذا قولُ أكثرِ أهلِ العِلمِ، منهُم عُمرُ وعليٌّ وعطاءٌ والنخَعيُّ ومالِكٌ والثَّوريُّ والأوزاعيُّ وإسحاقُ وأصحابُ الرأيِ، وهو أحَدُ قولَي الشافِعيِّ.

стр. 13309

ورُويَ عن أحمَدَ رِوايةٌ أخرى أنه لا تَجبُ استِتابتُه، لكنْ تُستحَبُّ، وهذا القَولُ الثاني للشافِعيِّ، وهو قَولُ عُبيدِ بنِ عُميرٍ وطاوُسٍ، ويُروى ذلكَ عن الحَسنِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: اختَلفَ العُلماءُ في استِتابةِ المُرتدِّ، فرُويَ عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ وعُثمانَ وعليٍّ وابنِ مَسعودٍ أنه يُستتابُ، فإنْ تابَ وإلا قُتلَ، وهو قولُ أكثَرِ العُلماءِ. وقالَتْ طائِفةٌ: لا يُستتابُ، ويَجبُ قتلُه حينَ يَرتدُّ في الحالِ، رُويَ ذلك عن الحَسنِ البَصريِّ وطاوُسٍ، وذكَرَه الطحَاويُّ عن أبي يُوسفَ، وبه قالَ أهلُ الظاهِرِ، واحتَجُّوا بقَولِه ﷺ : «مَنْ بدَّلَ دِينَه فاقتُلوهُ»، قالُوا: ولم يَذكرْ فيه استِتابةً، وكذلكَ حَديثُ معاذٍ وأبي مُوسَى قَتَلوا المُرتدَّ بغيرِ استِتابةٍ. قالَ الطَّحاويُّ: جعَلَ أهلُ هذهِ المَقالةِ حُكمَ المُرتدِّ حُكمَ الحَربيينَ إذا بلَغَتْهم الدَّعوةُ، أنه يَجبُ قِتالُهم دونَ أنْ يُؤذَنُوا، قالَ: وإنما تَجبُ الاستِتابةُ لمَن خرَجَ عن الإسلامِ لا عن بَصيرةٍ منه، فأمَّا إنْ خرَجَ منه عن بَصيرةٍ فإنهُ يُقتلُ دُونَ استتابةٍ. قالَ أبو يُوسفَ: إنْ بدَرَ بالتَّوبةِ خَلَّيتُ سَبيلَه ووَكَلتُ أمْرَه إلى اللهِ تعالَى. قالَ ابنُ القصَّارِ: والدليلُ على أنه يُستتابُ الإجماعُ؛ وذلكَ أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ قالَ في المُرتدِّ: «هلَّا حَبسْتموهُ ثلاثةَ أيامٍ وأطعَمْتموهُ كلَّ يَومٍ رَغيفًا

стр. 13310

لعلَّه يَتوبُ فيَتوبَ اللهِ عليهِ، اللَّهمَّ لم أحضُرْ ولم آمُرْ ولم أرْضَ إذْ بلَغَني»، ولم يَختلِفِ الصحابةُ في استِتابةِ المُرتدِّ، فكأنهُم فَهِموا مِنْ قَولِه ﷺ : «مَنْ بدَّلَ دِينَه فاقتُلوهُ» أنَّ المُرادَ بذلكَ إذا لم يَتُبْ، والدليلُ على ذلكَ قولُه تعالَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، فهو عُمومٌ في كلِّ كافرٍ. وأما حَديثُ معاذٍ وأبي مُوسَى فلا حُجةَ فيه لمَن لم يَقُلْ بالاستِتابةِ؛ لأنه رُويَ أنه قد كانَ استَتابَه أبو مُوسَى، رَوى أبو بَكرٍ ابنُ أبي شَيبةَ قالَ: حدَّثَنا عبادُ بنُ العوَّامِ عن سَعيدٍ عن قَتادةَ عن حُميدِ بنِ هِلالٍ: «أنَّ مُعاذًا أتَى أبا مُوسَى وعندَه يَهوديٌّ أسلَمَ ثم ارتَدَّ، وقد استَتابَه أبو مُوسَى شَهرينِ فقالَ مُعاذٌ: لا أجلِسُ حتى أَضرِبَ عُنقَه» (١). وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: يُستتابُ المُرتدُّ قبلَ قتلِه، فإنْ تابَ حُقنَ دَمُه، وقالَ الحَسنُ البَصريُّ: يُقتلُ مِنْ غيرِ استِتابةٍ، وقالَ عطاءٌ: إنْ وُلدَ في الإسلامِ قُتلَ مِنْ غيرِ استِتابةٍ، وإنْ وُلدَ في الكُفرِ ثمَّ أسلَمَ لم يُقتلْ إلا بعدَ الاستِتابةِ؛ استِدلالًا بقَولِ النبيِّ ﷺ : «مَنْ بدَّلَ دِينَه فاقتُلوهُ»، فلمْ يأمُرْ فيه إلا بالقَتلِ دونَ الاستِتابةِ، ولأنَّ قتْلَ الرِّدةِ حَدٌّ كالرَّجمِ في الزنا، فلمَّا لم يَلزَمِ استِتابةُ الزاني لم يَلزَمِ استِتابةُ المُرتدِّ. ودَليلُنا: ما رَواهُ عُروةُ عن عائِشةَ ﵂ قالَتْ: «ارتَدَّتِ امرأةٌ يومَ أحُدٍ فأمَرَ النبيُّ ﷺ أنْ تُستتابَ، فإنْ تابَتْ وإلا قُتلَتْ»، وهذا

стр. 13311

نَصٌّ، ورُويَ «أنَّ رَجلًا قَدِمَ على عُمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁ مِنْ قِبَلِ أبي مُوسَى الأشعَريِّ، فقالَ له عُمرُ بنُ الخطَّابِ: هل كانَ فيكُم مِنْ مُغَرِّبةِ خبَرٍ؟ فقالَ: نعمْ، رَجلٌ كفَرَ بعدَ إسلامِه فقَتلْناهُ، فقالَ عُمرُ: هلَّا حَبسْتموهُ ثلاثًا وأطعَمتُموهُ في كلِّ يَومٍ رَغيفًا واستَتَبتُموهُ لعلَّه يُتوبُ، اللَّهمَّ لم أحضُرْ ولم آمُرْ .. ولم أرْضَ إذْ بلَغَني، اللهمَّ إني أبرَأُ إليكَ مِنْ دَمِه». ورُويَ أنَّ ابنَ مَسعودٍ كتَبَ إلى عُثمانَ ﵄ في قَومٍ ارتَدُّوا، فكَتبَ إليه عُثمانُ: «ادعُهُم إلى دِينِ الحَقِّ وشَهادةِ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، فإنْ أجابُوا فخَلِّ سَبيلَهم، وإنِ امتَنَعوا فاقتُلْهم، فأجابَ بعضُهم فخَلَّا سَبيلَه، وامتَنعَ بعضُهم فقَتلَه». ولأنَّ الأغلَبَ مِنْ حُدوثِ الرِّدةِ أنه لاعتِراضِ شُبهةٍ، فلمْ يَجُزِ الإقدامُ على القتلِ قبلَ كَشفِها والاستِتابةِ منها، كأهلِ الحَربِ لا يَجوزُ قَتلُهم إلا بعدَ بُلوغِ الدَّعوةِ وإظهارِ المُعجِزةِ، فأما الخبَرُ فلا يَمنعُ مِنْ الاستِتابةِ، وأما الزِّنا فالتوبةُ لا تُزيلُه، وهي تُزيلُ الرِّدةَ، فلذلكَ استُتيبَ مِنْ الرِّدةِ ولم يُستَتبْ مِنْ الزنا. فإذا ثبَتَ الأمرُ باستِتابتِه قبلَ قَتلِه ففيها قَولانِ: أحَدُهما وهو قَولُ أبي حَنيفةَ واختِيارُ أبي عليٍّ ابنِ أبي هُريرةَ: أنها مُستحَبةٌ وليسَتْ بواجِبةٍ؛ لأنَّ وُجوبَ الاستِتابةِ يُوجِبُ حظْرَ دَمِه قبلَها، وهو غيرُ مَضمونِ الدمِّ لو قُتلَ قبلَها، فدَلَّ على استِحبابِها. والقَولُ الثاني وهو أصَحُّ: أنَّ الاستِتابةَ واجبةٌ؛ لِمَا قَدَّمناهُ مِنْ الخبَرِ والأثَرِ، ولأنَّ الاستِتابةَ في حَقِّ المُرتدِّ في حُكمِ إبلاغِ الدَّعوةِ لأهلِ الحَربِ، وإبلاغُ

стр. 13312

الدَّعوةِ واجبةٌ، فكذلكَ الاستِتابةُ، ولأنَّ المَقصودَ بقَتلِ المُرتدِّ إقلاعُه عن رِدتِه، والاستِتابةُ أخَصُّ بالإقلاعِ عنها مِنْ القَتلِ، فاقتَضَى أنْ تكونَ أوجَبَ منه. فإذا تقرَّرَ حُكمُ الاستِتابةِ في الوُجوبِ والاستِحبابِ، فهل يُعجَّلُ قتلُه عندَ الامتناعِ مِنْ التَّوبةِ؟ أو يُؤجَّلُ ثلاثةَ أيامٍ؟ فيه قَولانِ: أحَدُهما وهو اختِيارُ المُزنِيِّ: أنه يُعجَّلُ قتلُه ولا يُؤجَّلُ، وبه قالَ أبو حَنيفةَ، إلا أنْ يَسألَ الإنظارَ فيُؤجَّلُ ثلاثًا؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «مَنْ بدَّلَ دِينَه فاقتُلوهُ»، ولأنه حَدٌّ، فلمْ يُؤجَّلْ فيه كسائرِ الحُدودِ. والقَولُ الثاني: يُؤجَّلُ ثلاثةَ أيامٍ، وبه قالَ أحمَدُ بنُ حَنبلٍ وإسحاقُ بنُ رَاهويهِ، وقالَ سُفيانُ الثَّوريُّ: يُنظَرُ ما كانَ يَرجو التوبةَ، ودَليلُ تَأجيلِه ثلاثًا قَولُ عُمرَ ﵁ حينَ أُخبِرَ بقَتلِ المُرتدِّ: «هلَّا حَبستُموهُ ثلاثًا، اللهمَّ لم أحضُرْ ولم آمُرْ» .. الخبَرُ، ولأنَّ اللهَ قضَى بعَذابِ قَومٍ ثمَّ أنظَرَهم ثَلاثًا فقال: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥)﴾ [هود: ٦٥]، ولأنَّ المَقصودَ منهُ استِبصارُه في الدِّينِ ورُجوعُه إلى الحَقِّ، وذلكَ ممَّا يَحتاجُ فيه إلى الارتياءِ والفِكرِ، فأُمهِلَ بما يُقدَّرُ في الشرعِ مِنْ مُدةِ أقلِّ الكَثيرِ وأكثَرِ القَليلِ، وذلكَ ثَلاثةُ أيامٍ. فعلى هذا: في تَأجيلِه بهذه الثَّلاثِ قَولانِ: أحَدُهما: أنها مُستحَبةٌ إنْ قيلَ: إنَّ الاستِتابةَ مُستحَبةٌ. والثَّاني: أنها واجِبةٌ إنْ قيلَ: إنَّ الاستِتابةَ واجِبةٌ (١).

стр. 13313

كَيفيةُ استِتابةِ المرتَدِّ ورُجوعِه إلى الإسلامِ: استِتابةُ المُرتدِّ وإسلامُه لا يَتحققُّ إلا برُجوعِه عمَّا ارتَدَّ به، فالقاعِدةُ هنا: أنَّ البابَ الذي خرَجَ منه هو البابُ الذي يَرجعُ منه لا غيَرَ مع إعادتِه للشَّهادتَينِ (١). قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: كُلُّ طائِفةٍ خرَجَتْ عن شَريعةٍ مِنْ شَرائعِ الإسلامِ الظاهِرةِ المُتواتِرةِ فإنه يَجبُ قتالُها باتِّفاقِ أئمَّةِ المُسلمينَ وإنْ تكَلَّمتْ بالشَّهادتَينِ، فإذا أقَرُّوا بالشهادتَينِ وامتَنَعوا عن الصَّلواتِ الخَمسِ وجَبَ قِتالُهم حتى يُصَلُّوا، وإنِ امتَنَعوا عن الزكاةِ وجَبَ قِتالُهم حتى يُؤَدُّوا الزكاةَ، وكذلكَ إنِ امتَنَعوا عن صِيامِ شَهرِ رَمضانَ أو حَجِّ البَيتِ العَتيقِ، وكذلكَ إنِ امتَنَعوا عن تَحريمِ الفواحِشِ أو الزِّنا أو المَيسرِ أو الخَمرِ أو غيرِ ذلكَ مِنْ مُحرَّماتِ الشريعةِ، وكذلكَ إنِ امتَنَعوا عن الحُكمِ في الدِّماءِ والأموالِ والأعراضِ والأبضاعِ ونحوِها بحُكمِ الكِتابِ والسُّنةِ، وكذلكَ إنِ امتَنَعوا عن الأمرِ بالمَعروفِ والنهيِ عن المُنكرِ وجِهادِ الكفَّارِ إلى أنْ يُسلِموا ويُؤدُّوا الجِزيةَ عن يَدٍ وهُم صاغِرونَ، وكذلِكَ إنْ أظهَرُوا البِدعَ المُخالِفةَ للكِتابِ والسُّنةِ واتِّباعِ سَلفِ الأمَّةِ (٢). قالَ الحَنفيةُ: توبةُ المُرتدِّ: أنْ يأتِيَ بكَلمةِ الشهادةِ ويَتبَرَّأَ مِنْ الأدْيَانِ كلِّها سوَى الإسلام، أو يَتبَرَّأَ ممَّا كانَ انتَقلَ إليهِ لحُصولِ المَقصودِ بذلك،

стр. 13314

فإنْ عادَ فارتَدَّ فحُكمُه كذلك، وهكذا أبدًا؛ لأنَّا إنما نَحكمُ بالظاهرِ، وكانَ ﷺ يَقبلُ مِنْ المُنافقِينَ ظاهِرَ الإسلامِ، ولأنَّ تَوبتَه قُبلَتْ أولَ مرَّةٍ بإظهارِ الإسلامِ، وأنه مَوجودٌ فيما بعدُ فتُقبَلُ. قالَ الإمامُ السَّرخسيُّ ﵀: تَوبتُه: أنْ يأتِيَ بكَلمةِ الشهادةِ ويَتبَرَّأَ عنِ الأديانِ كلِّها سِوى الإسلامِ أو يَتبَرأَ عمَّا كانَ انتَقلَ إليه، فإنَّ تَمامَ الإسلامِ مِنْ اليَهوديِّ التبَرِّي عن اليَهوديةِ، ومِن النصرانِيِّ التبَرِّي عن النَّصرانيةِ، ومِن المُرتدِّ التبَرِّي عن كُلِّ مِلَّةٍ سِوى الإسلامِ؛ لأنه ليسَ للمُرتدِّ مِلةُ مَنفعةٍ، وإنْ تبَرَّأَ عمَّا انتَقلَ إليه فقدْ حصَلَ ما هو المَقصودُ، فإنِ ارتَدَّ ثانيًا وثالثًا فكذلكَ يُفعلُ به في كلِّ مرَّةٍ، فإذا أسلَمَ خُليَ سَبيلُه؛ لقَولِه تعالَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] (١). وقال أيضًا: تَوبةُ المُرتدِّ: بالإقرارِ بكَلمةِ الشهادتَينِ والتبَرِّي عما كانَ انتَقلَ إليهِ (٢). وقالَ الشافِعيةُ: إسلامُ الكافرِ الأصليِّ والمُرتدِّ سَواءٌ، ويُنظرُ فيه: فإنْ كانَ لا تأويلَ له في كُفرِه مثلَ عَبدةِ الأوثانِ .. فيَكفيهِ في الإسلامِ أنْ يأتِيَ بالشهادتَينِ؛ لقَولِه ﷺ : «فإذا قالُوها .. عَصَموا منِّي دِماءَهم وأموالَهم إلا بحَقِّها».

стр. 13315

وإنْ كانَ مُتأوِّلًا في كُفرِه بأنْ يقولَ: «إنَّ مُحمدًا رَسولُ اللهِ، ولكنَّه رسولُ اللهِ إلى الأمِّيينَ دونَ أهلِ الكتابِ»، أو يَقولَ: «هو نَبيٌّ، إلا أنه لم يُبعَثْ بعدُ» .. فلا يُحكَمُ بإسلامِه حتى يأتِيَ بالشهادتَينِ ويَبرأَ معهُما مِنْ كلِّ دِينٍ مُخالِفٍ دِينَ الإسلامِ؛ لأنه إذا اقتَصرَ على الشهادتَينِ .. احتُملَ أنْ يُريدَ ما يَعتقدُه. وإنِ ارتَدَّ بجُحودِ فَرضٍ مُجمَعٍ عليهِ كالصلاةِ والزكاةِ، أو باستِباحةِ مُحرَّمٍ مُجمَعٍ عليهِ كالخَمرِ والخِنزيرِ والزنا .. لم يُحكَمْ بإسلامِه حتى يأتِيَ بالشهادتَينِ ويُقِرَّ بوُجوبِ ما جحَدَ وجوبَه وتَحريمِ ما استَباحَه مِنْ ذلكَ؛ لأنه كذَّبَ اللهَ ورَسولَه بما أخبَرَا به، فلمْ يُحكَمْ بإسلامِه حتى يُقِرَّ بتَصديقِهما بذلكَ. قالَ الشافِعيُّ ﵀: (وإنْ صَلَّى الكافرُ الأصليُّ في دارِ الحَربِ .. حُكمَ بإسلامِه، وإنْ صَلَّى في دارِ الإسلامِ .. لم يُحكَمْ بإسلامِه؛ لأنَّ الإنسانَ في دارِ الإسلامِ مُطالَبٌ بإقامةِ الصَّلاةِ مَحمولٌ على فِعلِها، فإذا فعَلَها الكافرُ هناكَ .. فالظاهِرُ أنه فعَلَها تقيَّةً لا اعتِقادًا، فلمْ يُحكَمْ بإسلامِه، وفي دارِ الكُفرِ هو غيرُ مُطالَبٍ بإقامةِ الصَّلاةِ، فإذا فعَلَها فيها .. فالظاهِرُ أنه فعَلَها اعتِقادًا لا تقيَّةً .. فحُكمَ بإسلامِه). وهكذا إنِ ارتَدَّ في دارِ الحَربِ ثم شَهدَ شاهِدانِ أنه يُصلِّي هناكَ .. فإنه يُحكَمُ بإسلامِه؛ لِمَا ذكَرْناهُ في الحَربيِّ، وإنِ ارتَدَّ في دارِ الإسلامِ ثم شَهدَ شاهِدانِ أنه يُصلِّي .. فإنه لا يُحكَمُ بإسلامِه؛ لِمَا ذكَرْناهُ في الحَربيِّ، ولأنَّ

стр. 13316

المُرتدَّ في دارِ الحَربِ لا يُمكِنُ مَعرفةُ إسلامِه إلا بالصلاةِ؛ لأنه لا يُمكِنُه إظهارُ الشهادتَينِ، والمُرتدُّ في دارِ الإسلامِ يُمكِنُ مَعرفةُ إسلامِه بإظهارِ الشهادتَينِ. وإذا ارتَدَّ ثم أسلَمَ ثم ارتَدَّ ثم أسلَمَ وتَكرَّرَ ذلكَ منه .. فإنه يُحكَمُ بصِحةِ إسلامِه، إلا أنه لا يُعزَّرُ في الرِّدةِ الأُولى؛ لجَوازِ أنْ يكونَ عرَضَتْ له شُبهةٌ، ويُعزَّرُ فيما بعدَها؛ لأنه لا شُبهةَ له (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا ثبتَتْ رِدتُه بالبيِّنةِ أو غيرِها فشَهدَ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأنَّ مُحمدًا رَسولُ اللهِ لم يُكشَفْ عن صِحةِ ما شَهدَ عليهِ به وخُلِّيَ سَبيلُه، ولا يُكلَّفُ الإقرارَ بما نُسبَ إليهِ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «أُمرْتُ أنْ أقاتِلَ الناسَ حتى يَقولُوا لا إلهَ إلا اللهُ، فإذا قالُوها عَصَموا منِّي دِماءَهم وأموالَهم إلا بحَقِّها، وحِسابُهم على اللهِ » مُتفَقٌ عليه، ولأنَّ هذا يَثبتُ به إسلامُ الكافرِ الأصليِّ، فكذلكَ إسلامُ المُرتدِّ، ولا حاجَةَ مع ثُبوتِ إسلامِه إلى الكَشفِ عن صِحةِ ردَّتِه، وكَلامُ الخِرقيِّ مَحمولٌ على مَنْ كفَرَ بجَحدِ الوَحدانيةِ أو جَحدِ رِسالةِ مُحمدٍ ﷺ أو جَحدِهما معًا، فأما مَنْ كفَرَ بغيرِ هذا فلا يَحصلُ إسلامُه إلا بالإقرارِ بما جحَدَه، ومَن أقَرَّ برِسالةِ مُحمدٍ ﷺ وأنكَرَ كَونَه مَبعوثًا إلى العالَمينَ لا يَثبتُ إسلامُه حتى يَشهدَ أنَّ مُحمدًا رَسولُ اللهِ إلى الخَلقِ أجمَعينَ، أو يَتبَرَّأَ مع الشهادتَينِ مِنْ كُلِّ دِينٍ يُخالِفُ الإسلامَ، وإنْ زعَمَ أنَّ مُحمدًا رَسولٌ مَبعوثٌ

стр. 13317

وهو غير هذا لَزمَه الإقرارُ بأنَّ هذا المَبعوثَ هو رَسولُ اللهِ؛ لأنه إذا اقتَصرَ على الشهادتَينِ احتُملَ أنه أرادَ ما اعتَقدَه. وإنِ ارتَدَّ بجُحودِ فَرضٍ لم يُسلِمْ حتى يُقِرَّ بما جحَدَه ويُعيدَ الشهادتَينِ؛ لأنه كذَّبَ اللهَ ورسولَه بما اعتَقدَه، وكذلكَ إنْ جحَدَ نبيًّا أو آيةً مِنْ كِتابِ اللهِ تعالَى أو كتابًا مِنْ كُتبِه أو مَلكًا مِنْ مَلائكتِه الذينَ ثبَتَ أنهُم مَلائكةُ اللهِ أو استَباحَ مُحرَّمًا، فلا بُدَّ في إسلامِه مِنْ الإقرارِ بما جحَدَه. وأما الكافرُ بجَحدِ الدِّينِ مِنْ أصلِه إذا شَهدَ أنَّ مُحمدًا رَسولُ اللهِ واقتَصرَ على ذلكَ ففيهِ رِوايتانِ: إحداهُما: يُحكَمُ بإسلامِه؛ لأنه رُويَ أنَّ يَهوديًّا قالَ: «أشهَدُ أنَّ مُحمدًا رَسولُ اللهِ ثم ماتَ فقالَ النبيُّ ﷺ صَلُّوا على صاحِبِكم»، ولأنه لا يُقِرُّ برِسالةِ مُحمدٍ ﷺ إلا وهو مُقِرٌّ بمَن أرسَلَه وبتَوحيدِه؛ لأنه صدَّقَ النبيَّ ﷺ فيما جاءَ بهِ، وقد جاءَ بتَوحيدِه. والثانيةُ: أنه إنْ كانَ مُقِرًّا بالتوحيدِ كاليَهودِ حُكمَ بإسلامِه؛ لأنَّ تَوحيدَ اللهِ ثابِتٌ في حَقِّه، وقد ضَمَّ إليهِ الإقرارَ برِسالةِ مُحمدٍ ﷺ ، فكَملَ إسلامُه. وإنْ كانَ غيرَ مُوحِّدٍ كالنَّصارى والمَجوسِ والوَثنيينَ لم يُحكَمْ بإسلامِه حتى يَشهدَ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وبهذا جاءَتْ أكثَرُ الأخبارِ، وهو الصَّحيحُ؛ لأنَّ مَنْ جحَدَ شَيئينِ لا يَزولُ جَحدُهما إلا بإقرارِه بهِما جَميعًا، وإنْ قالَ: «أشهَدُ أنَّ النبيَّ رَسولُ اللهِ» لم نَحكمْ بإسلامِه؛ لأنه يَحتملُ أنْ يُريدَ غيرَ نَبيِّنا، وإنْ

стр. 13318

قالَ: «أنا مُؤمنٌ، أو أنا مُسلمٌ» فقالَ القاضِي: يُحكَمُ بإسلامِه بهذا وإنْ لم يَلفظْ بالشهادتَينِ؛ لأنهُما اسمَانِ لشيءٍ مَعلومٍ مَعروفٍ وهو الشَّهادتانِ، فإذا أخبَرَ عن نَفسِه بما تَضمَّنَ الشهادتَينِ كانَ مُخبِرًا بهِما، ورَوى المِقدادُ أنه قالَ: «يا رَسولَ اللهِ أرَأيتَ إنْ لَقيتُ رَجلًا مِنْ الكفَّارِ فقاتَلَني فضرَبَ إحدَى يَديَّ بالسَّيفِ فقطَعَهما ثمَّ لاذَ منِّي بشَجرةٍ فقالَ: أسلَمْتُ، أفأقتُلُه يا رَسولَ اللهِ بعدَ أنْ قالَها؟ قالَ: لا تَقتلْه، فإنْ قَتلْتَه فإنه بمَنزلتِكَ قبلَ أنْ تَقتلَه وإنكَ بمَنزلتِه قبلَ أنْ يَقولَ كَلمتَه التي قالَها»، وعن عِمرانَ بنِ حُصينٍ قالَ: «أصابَ المُسلمونَ رَجلًا مِنْ بَني عَقيلٍ فأتَوا به النبيَّ ﷺ فقالَ: يا مُحمدُ إني مُسلمٌ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : لو كُنْتَ قُلتَ وأنتَ تَملكُ أمْرَكَ أفلَحْتَ كُلَّ الفَلاحِ» رَواهُما مُسلمٌ، ويَحتملُ أنَّ هذا في الكافرِ الأصليِّ أو مَنْ جحَدَ الوَحدانيةَ، أما مَنْ كفَرَ بجَحدِ نَبيٍّ أو كِتابٍ أو فَريضةٍ ونحوِها فلا يَصيرُ مُسلمًا بذلكَ؛ لأنه ربَّما اعتَقدَ أنَّ الإسلامَ ما هو عليهِ، فإنَّ أهلَ البِدعِ كلَّهم يَعتقدونَ أنهُم هُمْ المُسلمونَ ومنهُم مَنْ هو كافِرٌ (١). وقالَ الإمام المِرْداويُّ ﵀: وتَوبةُ المُرتدِّ إسلامُه، وهو أنْ يَشهدَ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأنَّ مُحمدًا عَبدُه ورَسولُه، إلا أنْ تكونَ رِدتُه بإنكارِ فَرضٍ أو إحلالِ مُحرَّمٍ أو جَحدِ نَبيٍّ أو كِتابٍ أو انتَقلَ إلى دِينِ مَنْ يَعتقدُ أنَّ مُحمدًا بُعثَ إلى العَربِ خاصَّةً، فلا يَصحُّ إسلامُه حتى يُقِرَّ بما جحَدَه ويَشهدَ أنَّ مُحمدًا بُعثَ إلى العالَمينَ أو يَقولَ: «أنا بَريءٌ مِنْ كلِّ دِينٍ يُخالِفُ

стр. 13319

دينَ الإسلامِ»، يعني: يأتِي بذلكَ مع الإتيانِ بالشهادتَينِ إذا كانَ ارتِدادُه بهذهِ الصِّفةِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ مُفلحٍ ﵀: إلا أنْ تكونَ رِدتُه بإنكارِ فَرضٍ أو إحلالِ مُحرَّمٍ أو جَحدِ نبيٍّ أو كِتابٍ أو انتَقلَ إلى دِينِ مَنْ يَعتقدُ أنَّ مُحمدًا بُعثَ إلى العَربِ خاصَّةً، فلا يَصحُّ إسلامُه حتى يُقِرَّ بما جحَدَه؛ لأنَّ رِدتَه بجَحدِه، فإذا لم يُقِرَّ بما جحَدَه بقيَ الأمرُ على ما كانَ عليه مِنْ الرِّدةِ المُوجِبةِ لتَكفيرِه، فإذا كانَتْ رِدتُه باعتِقادِ أنَّ مُحمدًا بُعثَ إلى العَربِ فلا بُدَّ وأنْ يَشهدَ أنَّ مُحمدًا بُعثَ إلى العالَمينَ، ولا بُدَّ أنْ يقولَ مع ذلكَ كَلمةَ الشهادتَينِ، ولا يكفِي مُجرَّدُ إقرارِه بما جحَدَه، أو يقولَ: «أنا بَريءٌ مِنْ كلِّ دِينٍ يُخالِفُ الإسلامَ»؛ لأنه يُحتمَلُ أنْ يُريدَ بالشهادةِ ما يَعتقدُه، ولأنَّ الرُّجوعَ إلى الإسلامِ لا يَكونُ إلا بذلكَ (٢). وقالَ الإمامُ المروزِيُّ ﵀: الرَّجلُ إذا كفَرَ بتَركِ الصلاةِ فإنما يُستتابُ مِنْ كُفرِه بأنْ يُدعَى إلى الصلاةِ، فإذا رجَعَ إلى الصَّلاةِ فصَلَّى كانَ راجِعًا إلى الإسلامِ؛ لأنَّ كفْرَه كانَ بتَركِها، فإسلامُه يَكونُ بإقامَتِها، وكذلكَ كُلُّ مَنْ كانَ مَعروفًا بالإسلامِ والإيمانِ بما جاءَ مِنْ عندِ اللهِ تعالَى مِنْ الفَرائضِ والحَلالِ والحَرامِ ثمَّ كفَرَ بشَريعةٍ مِنْ الشَّرائعِ أو استِحلالِ بَعضِ ما حرَّمَ اللهُ تعالى، فإنما يُستتابُ مِنْ الكُفرِ بالشَّريعةِ التي كفَرَ بها، فإذا أقَرَّ بها

стр. 13320

عادَ إلى الإسلامِ، ولا يُمتحَنُ بغيرِ ذلكَ، ولا يُسألُ عن سِواهُ، وكذلكَ إنْ قالَ: «الخَمرُ حَلالٌ أو لَحمُ الخِنزيرِ» وهو مُقِرٌّ بجَميعِ ما أحَلَّ اللهُ تعالَى وحرَّمَ سِوى الخَمرِ أو الخِنزيرِ، فإنما يُستتابُ مِنْ البابِ الذي كفَرَ منه مِنْ إحلالِه الخَمرَ والخِنزيرَ فقط؛ لأنه مُؤمنٌ بما سِوى ذلكَ (١). ما يَصيرُ به الكافِرُ مُسلِمًا: نَصَّ عامةُ الفُقهاءِ على أنَّ الكافِرَ يَصيرُ مُسلِمًا إذا أتَى بالشَّهادتَينِ، وكذا إذا قالَ: «أسلَمْتُ، أو آمَنْتُ» عندَ كَثيرٍ مِنْ الفُقهاءِ؛ لِمَا رواهُ الشيخانِ عن عُبيدِ اللهِ بنِ عَديِّ بنِ الخِيارِ أنَّ المِقدادَ بنَ عَمرٍو الكندِيَّ وكانَ حَليفًا لبَنِي زُهرةَ وكانَ ممَّن شَهِدَ بَدرًا مع رَسولِ اللهِ ﷺ أخبَرَه أنه قالَ لرَسولِ اللهِ ﷺ : «أرَأيتَ إنْ لَقيتُ رَجلًا مِنْ الكُفَّارِ فاقتَتَلْنا فضرَبَ إحدَى يَديَّ بالسَّيفِ فقطَعَها ثمَّ لاذَ منِّي بشَجرةٍ فقالَ: أسْلَمْتُ للَّهِ، أأَقتُلُه يا رَسولَ اللهِ بعدَ أنْ قالَها؟ فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : لا تَقتلْه، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إنه قطَعَ إحدَى يَديَّ ثمَّ قالَ ذلكَ بعدَ ما قطَعَها، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : لا تَقتلْه، فإنْ قتَلْتَه فإنه بمَنزلتِكَ قبلَ أنْ تَقتلَه وإنكَ بمَنزلتِه قبلَ أنْ يَقولَ كَلمتَه التي قالَ» (٢). قالَ الحَنفيةُ: والأصلُ فيه أنَّ الكافرَ إذا أقَرَّ بخِلافِ ما اعتَقدَه حُكمَ بإسلامِه، فمَن يُنْكِرُ الوَحدانيةَ كالثَّنويةِ وعَبدةِ الأوثانِ والمُشرِكينَ والمانَويةِ

стр. 13321

إذا قالَ: «لا إلهَ إلا اللهُ، أو قالَ: أشهَدُ أنَّ مُحمدًا رَسولُ اللهِ، أو قالَ: أسلَمْتُ أو آمَنتُ باللهِ، أو أنا على دِينِ الإسلامِ، أو على الحَنيفِيةِ» فهذا كلُّهُ إسلامٌ، وكلُّ مَنْ آمَنَ بالوَحدانيةِ ويُنكِرُ رَسالةَ مُحمدٍ كاليَهودِ والنصارَى لا يَصيرُ مُسلمًا بشَهادةِ التوحيدِ حتى يَشهدَ أنَّ مُحمدًا رَسولُ اللهِ، وكذا مَنْ يَزعمونَ أنَّ مُحمدًا مُرسَلٌ إلى العرَبِ لا إلى بَني إسرائيلَ، فلا يَكونُ مُسلِمًا بالشهادتَينِ حتى يَتبَرَّأَ مِنْ دِينِه. ولو قالَ: «دخَلْتُ في الإسلامِ» حُكمَ بإسلامِه؛ لأنه دَليلٌ على دُخولٍ حادِثٍ في الإسلامِ، وذلكَ غيرُ ما كانَ عليه، فدَلَّ على خُروجِه ممَّا كانَ عليه. ولو قالَ: «أنا مُسلمٌ» حُكمَ بإسلامِه. والكافِرُ إذا صَلَّى بجَماعةٍ أو أذَّنَ في مَسجدٍ أو قالَ: «أنا مُعتقِدٌ حَقيقةَ الصلاةِ في جَماعةٍ» يكونُ مُسلِمًا؛ لأنه أتَى بما هو مِنْ خاصِيةِ الإسلامِ، كما أنَّ الإتْيانَ بخاصِيةِ الكُفرِ يَدلُّ على الكفرِ، فإنَّ مَنْ سجَدَ لصَنمٍ أو تَزيَّا بزُنَّارٍ أو لَبسَ قَلنْسُوةَ المَجوسِ يُحكمُ بكُفرِه. ولو لَبَّى وأحرَمَ وشَهدَ المَناسِكَ مع المُسلِمينَ كانَ مُسلمًا. ولو أُكرِهَ الذِّميُّ على الإسلامِ فأسلَمَ صَحَّ إسلامُه، ولو رجَعَ لا يُقتلُ، ولكِنْ يُحبسُ حتى يَرجعَ إلى الإسلامِ (١). وقالَ الشافِعيةُ: إسلامُ الكافرِ الأصليِّ والمُرتدِّ سَواءٌ، ويُنظرُ فيه:

стр. 13322

فإنْ كانَ لا تأويلَ له في كُفرِه مثلَ عَبدةِ الأوثانِ .. فيَكفيهِ في الإسلامِ أنْ يأتِيَ بالشهادتَينِ؛ لقَولِه ﷺ : «فإذا قالُوها .. عَصَموا منِّي دِماءَهم وأموالَهم إلا بحَقِّها». وإنْ كانَ مُتأوِّلًا في كُفرِه بأنْ يقولَ: «إنَّ مُحمدًا رَسولُ اللهِ، ولكنَّه رسولُ اللهِ إلى الأمِّيينَ دونَ أهلِ الكتابِ»، أو يَقولَ: «هو نَبيٌّ، إلا أنه لم يُبعَثْ بعدُ» .. فلا يُحكَمُ بإسلامِه حتى يأتِيَ بالشهادتَينِ ويَبرأَ معهُما مِنْ كلِّ دِينٍ مُخالِفٍ دِينَ الإسلامِ؛ لأنه إذا اقتَصرَ على الشهادتَينِ .. احتُملَ أنْ يُريدَ ما يَعتقدُه. ولو قالَ كافِرٌ: «أنا مِنكُم، أو مِثلُكم، أو مُسلمٌ، أو وَليُّ مُحمدٍ، أو أُحبُّه، أو أسلَمْتُ، أو آمَنْتُ» لم يَكنِ اعتِرافًا بالإسلامِ؛ لأنه قد يُريدُ «أنا مِنْكُمْ أو مِثلُكم في البَشريةِ» أو نحوَ ذلكَ مِنْ التأوِيلاتِ. فإنْ قالَ: «آمَنْتُ، أو أسلَمْتُ، أو أنا مُؤمنٌ، أو مُسلِمٌ مِثلَكم، أو أنا مِنْ أمَّةِ مُحمدٍ ﷺ ، أو دِينُكم حَقٌّ، أو قالَ: أنا بَريءٌ مِنْ كلِّ مَنْ يُخالِفُ الإسلامَ» أو اعتَرفَ مَنْ كفَرَ بإنكارِ وُجوبِ شَيءٍ بوُجوبِه ففيهِ طَريقتانِ: إحداهُما: وهي ما عَليها الجُمهورُ، وهي الراجِحةُ: لا يكونُ ذلكَ اعتِرافًا بالإسلامِ. والثانيةُ: ونسَبَها الإمامُ للمُحقِّقينَ: أنه يَكونُ اعتِرافًا به. ولو قالَ: «أنا بَريءٌ مِنْ كلِّ مِلةٍ تُخالِفُ الإسلامَ» لم يَكْفِ على الطَّريقتينِ؛ لأنه لا يَنفِي التعطيلَ الذي يُخالِفُ الإسلامَ، وهو ليسَ بمِلةٍ، ولو قالَ: «لا رَحمنَ أو لا بارِئَ إلا اللهُ أو مَنْ آمَنَ به المُسلمونَ» لم يَكْفِ.

стр. 13323

ومَن قالَ: «آمَنْتُ بالذي لا إلهَ غيرُه» لم يَكنْ مُؤمِنًا باللهِ؛ لأنه قد يُريدُ الوثَنَ، وكذا «لا إلهَ إلا الملِكُ أو الرَّزاقُ»؛ لأنه قد يُريدُ السُّلطانَ الذي يَملكُ أمْرَ الجُندِ ويُرتِّبُ أرزاقَهم، فإنْ قالَ: «آمَنتُ باللهِ» ولم يَكنْ على دِينٍ قبلَ ذلكَ صارَ مُؤمنًا باللهِ، فيَأتي بالشهادةِ الأخرَى، وإنْ كانَ مُشرِكًا لم يَصِرْ مُؤمنًا حتى يَضمَّ إليه «وكَفرْتُ بما كُنْتُ أشرَكتُ به». ومَن قالَ بقِدمِ غيرِ اللهِ كَفى للإيمانِ باللهِ أنْ يقولَ: «لا قَديمَ إلا اللهُ» كمَن لم يَقلْ بهِ، ومَن لم يَقلْ به يَكفيهِ أيضًا «اللهُ ربِّي». قالَ الشافِعيُّ ﵀: (وإنْ صَلَّى الكافرُ الأصليُّ في دارِ الحَربِ .. حُكمَ بإسلامِه، وإنْ صَلَّى في دارِ الإسلامِ .. لم يُحكَمْ بإسلامِه؛ لأنَّ الإنسانَ في دارِ الإسلامِ مُطالَبٌ بإقامةِ الصَّلاةِ مَحمولٌ على فِعلِها، فإذا فعَلَها الكافرُ هناكَ .. فالظاهِرُ أنه فعَلَها تقيَّةً لا اعتِقادًا، فلمْ يُحكَمْ بإسلامِه، وفي دارِ الكُفرِ هو غيرُ مُطالَبٍ بإقامةِ الصَّلاةِ، فإذا فعَلَها فيها .. فالظاهِرُ أنه فعَلَها اعتِقادًا لا تقيَّةً .. فحُكمَ بإسلامِه) (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأما الكافرُ بجَحدِ الدِّينِ مِنْ أصلِه إذا شَهدَ أنَّ مُحمدًا رَسولُ اللهِ واقتَصرَ على ذلكَ ففيهِ رِوايتانِ: إحداهُما: يُحكَمُ بإسلامِه؛ لأنه رُويَ أنَّ يَهوديًّا قالَ: «أشهَدُ أنَّ مُحمدًا رَسولُ اللهِ ثم ماتَ فقالَ النبيُّ ﷺ صَلُّوا على صاحِبِكم»، ولأنه لا

стр. 13324

يُقِرُّ برِسالةِ مُحمدٍ ﷺ إلا وهو مُقِرٌّ بمَن أرسَلَه وبتَوحيدِه؛ لأنه صدَّقَ النبيَّ ﷺ فيما جاءَ بهِ، وقد جاءَ بتَوحيدِه. والثانيةُ: أنه إنْ كانَ مُقِرًّا بالتوحيدِ كاليَهودِ حُكمَ بإسلامِه؛ لأنَّ تَوحيدَ اللهِ ثابِتٌ في حَقِّه، وقد ضَمَّ إليهِ الإقرارَ برِسالةِ مُحمدٍ ﷺ ، فكَملَ إسلامُه. وإنْ كانَ غيرَ مُوحِّدٍ كالنَّصارى والمَجوسِ والوَثنيينَ لم يُحكَمْ بإسلامِه حتى يَشهدَ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وبهذا جاءَتْ أكثَرُ الأخبارِ، وهو الصَّحيحُ؛ لأنَّ مَنْ جحَدَ شَيئينِ لا يَزولُ جَحدُهما إلا بإقرارِه بهِما جَميعًا، وإنْ قالَ: «أشهَدُ أنَّ النبيَّ رَسولُ اللهِ» لم نَحكمْ بإسلامِه؛ لأنه يَحتملُ أنْ يُريدَ غيرَ نَبيِّنا، وإنْ قالَ: «أنا مُؤمنٌ، أو أنا مُسلمٌ» فقالَ القاضِي: يُحكَمُ بإسلامِه بهذا وإنْ لم يَلفظْ بالشهادتَينِ؛ لأنهُما اسمَانِ لشيءٍ مَعلومٍ مَعروفٍ وهو الشَّهادتانِ، فإذا أخبَرَ عن نَفسِه بما تَضمَّنَ الشهادتَينِ كانَ مُخبِرًا بهِما، ورَوى المِقدادُ أنه قالَ: «يا رَسولَ اللهِ أرَأيتَ إنْ لَقيتُ رَجلًا مِنْ الكفَّارِ فقاتَلَني فضرَبَ إحدَى يَديَّ بالسَّيفِ فقطَعَهما ثمَّ لاذَ منِّي بشَجرةٍ فقالَ: أسلَمْتُ، أفأقتُلُه يا رَسولَ اللهِ بعدَ أنْ قالَها؟ قالَ: لا تَقتلْه، فإنْ قَتلْتَه فإنه بمَنزلتِكَ قبلَ أنْ تَقتلَه وإنكَ بمَنزلتِه قبلَ أنْ يَقولَ كَلمتَه التي قالَها»، وعن عِمرانَ بنِ حُصينٍ قالَ: «أصابَ المُسلمونَ رَجلًا مِنْ بَني عَقيلٍ فأتَوا به النبيَّ ﷺ فقالَ: يا مُحمدُ إني مُسلمٌ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : لو كُنْتَ قُلتَ وأنتَ تَملكُ أمْرَكَ أفلَحْتَ كُلَّ الفَلاحِ» رَواهُما مُسلمٌ، ويَحتملُ أنَّ هذا في الكافرِ الأصليِّ أو مَنْ جحَدَ الوَحدانيةَ، أما مَنْ كفَرَ بجَحدِ نَبيٍّ أو كِتابٍ أو فَريضةٍ

стр. 13325

ونحوِها فلا يَصيرُ مُسلمًا بذلكَ؛ لأنه ربَّما اعتَقدَ أنَّ الإسلامَ ما هو عليهِ، فإنَّ أهلَ البِدعِ كلَّهم يَعتقدونَ أنهُم هُمْ المُسلمونَ ومنهُم مَنْ هو كافِرٌ. فَصلٌ: وإذا أتَى الكافرُ بالشهادتَينِ ثمَّ قالَ: «لم أُرِدِ الإسلامَ» فقدْ صارَ مُرتدًا ويُجبَرُ على الإسلامِ، نَصَّ عليه أحمَدُ في رِوايةِ جَماعةٍ، ونُقلَ عن أحمَدَ أنه يُقبلُ منه ولا يُجبَرُ على الإسلامِ؛ لأنه يَحتملُ الصِّدقَ، فلا يُراقُ دَمُه بالشُّبهةِ، والأولُ أَولى؛ لأنه قد حُكمَ بإسلامِه، فيُقتلُ إذا رجَعَ كما لو طالَتْ مُدتُه. فَصلٌ: وإذا صلَّى الكافِرُ حُكمَ بإسلامِه، سَواءٌ كانَ في دارِ الحَربِ أو دارِ الإسلامِ أو صلَّى جَماعةً أو فُرادَى، وقالَ الشافِعيُّ: إنْ صلَّى في دارِ الحَربِ حُكمَ بإسلامِه، وإنْ صلَّى في دارِ الإسلامِ لم يُحكَمْ بإسلامِه؛ لأنه يَحتملُ أنه صلَّى رِياءً وتقيَّةً. ولنا: إنَّ ما كانَ إسلامًا في دارِ الحَربِ كانَ إسلامًا في دارِ الإسلامِ كالشهادتَينِ، ولأنَّ الصلاةَ رُكنٌ يَختصُّ به الإسلامُ، فحُكمَ بإسلامِه به كالشهادتَينِ، واحتِمالُ التقيَّةِ والرِّياءِ يَبطلُ بالشهادتَينِ، وسواءٌ كانَ أصليًّا أو مُرتدًّا. وأما سائِرُ الأركانِ مِنْ الزكاةِ والصيامِ والحَجِّ فلا يُحكَمُ بإسلامِه به، فإنَّ المُشركينَ كانوا يَحُجُّونَ في عَهدِ رسولِ اللهِ ﷺ حتى منَعَهم النبيُّ ﷺ فقالَ: «لا يَحُجُّ بعدَ العامِ مُشرِكٌ»، والزكاةُ صَدقةٌ وهم يَتصدَّقونَ، وقد فرضَ على نَصارَى بَني تَغلبَ مِنْ الزكاةِ مِثلَي ما يُؤخَذُ مِنْ

стр. 13326

المُسلمينَ ولم يَصيرُوا بذلكَ مُسلمينَ، وأما الصِّيامُ فلكُلِّ أهلِ دِينٍ صِيامٌ، ولأنَّ الصِّيامَ ليسَ بفِعلٍ، إنما هو إمساكٌ عن أفعالٍ مَخصوصةٍ في وَقتٍ مَخصوصٍ، وقد يَتفِقُ هذا مِنْ الكافِرِ كاتفاقِه مِنْ المُسلمِ، ولا عِبرةَ بنيَّةِ الصيامِ؛ لأنها أمرٌ باطِنٌ لا عِلمَ لنا به، بخلافِ الصَّلاةِ؛ فإنها أفعالٌ تَتميزُ عن أفعالِ الكفَّارِ ويَختصُّ بها أهلُ الإسلامِ، ولا يَثبتُ الإسلامُ حتى يأتِيَ بصَلاةٍ يَتميزُ بها عن صَلاةِ الكفارِ مِنْ استِقبالِ قِبلتنِا والرُّكوعِ والسُّجودِ، ولا يَحصلُ بمُجرَّدِ القيامِ؛ لأنهُم يَقومونَ في صَلاتِهم. ولا فرْقَ بينَ الأصليِّ والمُرتدِّ في هذا؛ لأنَّ ما حصَلَ به الإسلامُ في الأصليِّ حصَلَ به في حَقِّ المُرتدِّ كالشهادتَينِ، فعَلى هذا لو ماتَ المُرتدُّ فأقامَ وَرثتُه بيِّنةً أنه صلَّى بعدَ رِدتِه حُكمَ لهُم بالمِيراثِ، إلا أنْ يَثبتَ أنه ارتَدَّ بعدَ صَلاتِه أو تَكونَ رِدتُه بجَحدِ فَريضةٍ أو كِتابٍ أو نَبيٍّ أو مَلكٍ أو نحوِ ذلكَ مِنْ البِدعِ التي يَنتسبُ أهلُها إلى الإسلامِ؛ فإنه لا يُحكَمُ بإسلامِه بصَلاتِه؛ لأنه يَعتقدُ وُجوبَ الصَّلاةِ ويَفعلُها مع كُفرِه، فأشبَهَ فِعلَه غيرَها، واللهُ أعلَمُ (١). إذا أُكرهَ على الإسلامِ مَنْ لا يَجوزُ إكراهُه لم يَثبتْ له حُكمُ الإسلامِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن أُكرِهَ على الإسلامِ وهو لا يَجوزُ إكراهُه عليهِ كالذِّميِّ والمُستأمنِ، هل يَصحُّ إسلامُه؟ وإذا ارتَدَّ بعدَ ذلكَ هل يُقتلُ أم لا؟ فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه إذا أُكرهَ على الإسلامِ مَنْ لا يَجوزُ إكراهُه كالذِّميِّ والمُستأمنِ فأسلَمَ لم يَثبتْ له حُكمُ الإسلامِ حتى يُوجَدَ منه

стр. 13327

ما يَدلُّ على إسلامِه طَوعًا، مثلَ أنْ يَثبتَ على الإسلامِ بعدَ زَوالِ الإكراهِ عنه، فإنْ ماتَ قبلَ ذلكَ فحُكمُه حُكمُ الكفَّارِ، وإنْ رجَعَ إلى دِينِ الكفرِ لم يَجُزْ قتلُه ولا إكراهُه على الإسلامِ؛ لأنه أُكرِهَ على ما لا يَجوزُ إكراهُه عليه، فلم يَثبتْ حُكمُه في حقِّه كالمُسلمِ إذا أُكرهَ على الكُفرِ. والدَّليلُ على تَحريمِ الإكراهِ قَولُه تعالَى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الذِّميَّ إذا أقامَ على ما عُوهِدَ عليه والمُستأمنَ لا يَجوزُ نقضُ عَهدِه ولا إكراهُه على ما لم يَلتزمْه، ولأنه أُكرِهَ على ما لا يَجوزُ إكراهُه عليه، فلمْ يَثبتْ حُكمُه في حقِّه كالإقرارِ والعِتقِ. وفارَقَ الحَربيَّ والمُرتدَّ؛ فإنه يَجوزُ قتلُهما وإكراهُهُما على الإسلامِ بأنْ يَقولَ: «إنْ أسلَمْتَ وإلا قَتلْناكَ»، فمَتى أسلَمَ حُكمَ بإسلامِه ظاهِرًا، وإنْ ماتَ قبلَ زَوالِ الإكراهِ عنهُ فحُكمُه حُكمُ المُسلمينَ؛ لأنه أُكرِهَ بحَقٍّ فحُكِمَ بصِحةِ ما يَأتي به، كما لو أُكرِهَ المُسلمُ على الصَّلاةِ فصَلَّى، وأما في الباطِنِ فيما بينَهُم وبينَ ربِّهم فإنَّ مَنْ اعتَقدَ الإسلامَ بقَلبِه وأسلَمَ فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالَى فهو مُسلمٌ عندَ اللهِ مَوعودٌ بما وعَدَ به مَنْ أسلَمَ طائِعًا، وإنْ لم يَعتقِدِ الإسلامَ بقَلبِه فهو باقٍ على كُفرِه لا حَظَّ له في الإسلامِ، سَواءٌ في هذا مَنْ يَجوزُ إكراهُه ومَن لا يَجوزُ إكراهُه؛ فإنَّ الإسلامَ لا يَحصلُ بدُونِ اعتِقادِه مِنْ العاقلِ؛ بدَليلِ أنَّ المُنافقِينَ كانوا يُظهِرونَ الإسلامَ ويَقومونَ بفَرائضِه ولم يَكونُوا مُسلمينَ (١).

стр. 13328

وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الذِّميَّ إذا أُكرِهَ على الإسلامِ صَحَّ إسلامُه، كما لو قُوتِلَ الحَربيُّ على الإسلامِ فأسلَمَ فإنه يَصحُّ بالإجماعِ؛ قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣] سمَّى المُكرَهَ على الإسلامِ مُسلِمًا، فإنْ رجَعَ الذِّميُّ لا يُقتلُ، لكنَّه يُحبسُ حتى يُسلمَ؛ لأنه وقَعَ الشكُّ في اعتِقادِه، فاحتُملَ أنه صَحيحٌ فيُقتلُ بالرِّدةِ، ويُحتملَ أنه غيرُ مُعتقِدٍ فيكونُ ذِميًّا فلا يُقتلُ، إلا أنَّا رجَّحْنا جانِبَ الوُجودِ حالةَ الإسلامِ تَصحيحًا لإسلامِه؛ لتَرجيحِ الإسلامِ على الكُفرِ (١). وأمَّا المالِكيةُ فلمْ أقِفْ لهم على قَولٍ في هذا، إلا أنهُم قالوا: مَنْ أسلَمَ مِنْ الكفَّارِ ثم ارتَدَّ وقالَ: «إنما كانَ إسلامِي لأجْلِ عُذرٍ حصَلَ لي وضِيقٍ ضُيِّقَ عليَّ» وظهَرَ عُذرُه بقَرينةٍ فإنه يُقبَلُ منه إذا ظهَرَ أنه ضُيِّقَ عليه بخَوفٍ أو حَبسٍ أو شُبهةٍ، وقُيِّدَ بما إذا لم يُقِمْ على الإسلامِ بعدَ ذهابِ الخَوفِ عنه، وأما إنْ لم يَظهرْ عُذرُه فهو مُرتدٌّ، كما إذا تَوضَّأَ وصلَّى إمامًا بمَن صَحِبَه مِنْ المُسلمينَ، فلما أَمِنَ أظهَرَ الكُفرَ وقالَ: «إنما فَعلْتُ ذلكَ لأحَصِّنَ نفسِي ومالِي بالإسلامِ»، فإنه يُقبلُ منه ذلكَ إذا أشبَهَ ما قالَه، ومَن صَلَّى خلْفَه يُعيدُ ما صَلَّى أبدًا. وأدِّبَ مَنْ نطَقَ بالشهادتَينِ ولم يَقِفْ على الدَّعائِمِ، أي: لم يَلتزِمْ أركانَ الإسلامِ، فإذا رجَعَ لا يَكونُ حُكمُه حُكمَ المُرتدِّ، لكنَّ هذا في غيرِ مَنْ بينَ أظهُرِنا ويَعلمُ أنَّ علينا صَلاةً وصَومًا … إلخ، وإلا فهو مُرتدٌّ.

стр. 13329

وأدِّبَ ساحِرٌ ذمِّيٌّ سحَرَ مُسلمًا إنْ لم يُدخِلْ بسِحرِه ضَررًا على مُسلمٍ، فإنْ أدخَلَ على مُسلمٍ أيَّ ضَررٍ كانَ ناقضًا للعَهدِ، يَفعلُ فيه الإمامُ القَتلَ أو الاستِرقاقَ ما لم يُسلمْ، فإنْ أدخَلَ ضَررًا على أهلِ الكُفرِ أدِّبَ ما لم يَقتلْ منهُم أحدًا، وإلا قُتلَ. وشدِّدَ بالضَّربِ والسِّجنِ على مَنْ سَبَّ مَنْ لم يُجمَعْ على نُبوَّتِه كالخَضِرِ ولُقمانَ، وكذلك مَريمُ بغيرِ الزنا، أو سَبَّ صَحابيًّا، شَملَ عائِشةَ بغيرِ الزنا، فإنَّ سبَّها بما برَّأَها اللهُ به منه وهو الزنا فيُقتلُ؛ لردَّتِه لتَكذيبِه للقُرآنِ، أو سَبَّ أحَدًا مِنْ ذُرِّيتِه ﷺ ، فإنه يُشدَّدُ عليه في التأديبِ بالضربِ والسِّجنِ … إلخ إنْ عَلِمَ أنه مِنْ آلهِ عليه أفضَلُ الصلاةِ والسلامِ، لا إنْ سبَّ مَنْ لم يَعلمْ أنه مِنْ آلِه كأنِ انتَسبَ له ﷺ بغيرِ حقٍّ بأنْ لم يَكنْ مِنْ ذُرِّيتِه وادَّعى صَراحةً أو احتِمالًا أنه مِنْ ذُرِّيتِه (١).

стр. 13330

قَتلُ الساحِرِ وكُفرُه: السِّحرُ: كَلامٌ يُعظَّمُ به غيرُ اللهِ ويُنسَبُ إليه المَقاديرُ والكائِناتُ (١). اختَلفَ الفُقهاءُ في الساحِرِ، هل هو كافِرٌ ويُقتَلُ رِدةً إذا كانَ مُسلمًا قبلَ ذلكَ أو ظهَرَ منه الإسلامُ؟ أم لا يُقتلُ إلا إذا قتَلَ بسَحرِه؟ أم هُناكَ فَرقٌ بينَ سِحرٍ وسِحرٍ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الساحِرَ كافرٌ ويُقتلُ رِدةً إذا كانَ مُسلمًا قبلَ ذلكَ أو قد ظهَرَ منه الإسلامُ في وَقتِ كُفرِه بفِعلِ السِّحرِ، فاستَحقَّ القتلَ بقَولِه ﵊: «مَنْ بدَّلَ دِينَه فاقتُلوهُ»، ولأنَّ الساحِرَ قد جمَعَ إلى كُفرِه السعيَ بالفَسادِ في الأرضِ. واستَدلُّوا على قَتلِه بما رَواهُ الحَسنُ عن جُندبٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «حَدُّ الساحِرِ ضَربةٌ بالسَّيفِ» (٢). وعن نافعٍ عنِ ابنِ عُمرَ ﵄ «أنَّ جارِيةً لحَفصةَ سَحَرتْها ووَجدُوا سِحرَها واعتَرفَتْ، به فأمَرَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ زَيدٍ فقتَلَها، فبلَغَ ذلكَ عُثمانَ فأنكَرَه واشتَدَّ عليهِ، فأتاهُ ابنُ عُمرَ فأخبَرَه أنها سَحَرتْها واعتَرفَتْ به ووَجَدوا سِحرَها، فكأنَّ عُثمانَ إنما أنكَرَ ذلكَ لأنَّها قُتِلتْ بغيرِ إذنِه» (٣).

стр. 13331

وعن بَجالةَ قالَ: «كنتُ كاتبًا لجَزءِ بنِ مُعاوِيةَ عَمِّ الأحنَفِ بنِ قَيسٍ فأتانا كِتابُ عُمرَ قبلَ مَوتِه بسَنةٍ: أنِ اقتلُوا كلَّ ساحرٍ وساحِرةٍ وفرِّقوا بينَ كلِّ ذِي مَحرَمٍ مِنْ المَجوسِ وانهَوْهُم عن الزَّمزمةِ، فقَتَلْنا ثَلاثَ سَواحِرَ وجعَلْنا نُفرِّقُ بينَ الرَّجلِ وبينَ حَريمَتِه في كِتابِ اللهِ» (١). قالَ الإمامُ أبو بَكرٍ الجصَّاصُ ﵀: رَوى ابنُ شُجاعٍ عن الحَسنِ بنِ زِيادٍ عن أبي حَنيفةَ أنه قالَ في الساحِرِ: يُقتلُ إذا عُلِمَ أنه ساحرٌ ولا يُستتابُ ولا يُقبلُ قَولُه «إنِّي أترُكُ السِحرَ وأتوبُ منه»، فإذا أقَرَّ أنه ساحرٌ فقدْ حَلَّ دَمُه، وإنْ شَهدَ عليه شاهِدانِ أنه ساحِرٌ فوَصَفوا ذلكَ بصِفةٍ يُعلَمُ أنه سِحرٌ قُتلَ ولا يُستتابُ، وإنْ أقَرَّ فقالَ: «كنتُ أسحَرُ وقد تَركْتُ منذُ زمانٍ» قُبلَ منه ولم يُقتلْ، وكذلكَ لو شُهدَ عليه أنه كانَ مرَّةً ساحِرًا وأنه ترَكَ منذُ زمانٍ لم يُقتلْ، إلا أنْ يَشهَدوا أنه الساعةَ ساحِرٌ وأقَرَّ بذلكَ فيُقتلُ، وكذلكَ العَبدُ المُسلمُ والذِّميُّ والحُرُّ الذِّميُّ، مَنْ أقَرَّ منهُم أنه ساحِرٌ فقدْ حَلَّ دَمُه، فيُقتلُ ولا يُقبَلُ تَوبتُه، وكذلكَ لو شُهدَ على عَبدٍ أو ذِميٍّ أنه ساحِرٌ ووَصَفوا ذلكَ بصِفةٍ يُعلَمُ أنه سِحرٌ لم يُقبَلْ تَوبتُه ويُقتلُ، وإنْ أقَرَّ العبدُ أو الذِّميُّ أنه كانَ ساحِرًا وترَكَ ذلكَ منذُ زَمانٍ قُبلَ ذلكَ منه، وكذلكَ لو شَهِدوا عليه أنه كانَ مرَّةً ساحِرًا ولم يَشهَدوا أنه الساعَةَ ساحِرٌ لم يُقتلْ. وأما المَرأةُ فإذا شَهِدوا عليها أنها ساحِرةٌ أو أقَرَّتْ بذلكَ لم تُقتلْ وحُبِستْ وضُرِبتْ حتى يُستيقَنَ لهم تَركُها للسِّحرِ، وكذلكَ الأمَةُ والذِّميةُ

стр. 13332

إذا شَهِدوا أنها ساحِرةٌ أو أقَرَّتْ بذلكَ لم تُقتلْ وحُبِستْ حتى يُعلَمَ منها تَركُ ذلك كلِّه. وهذا كلُّه قَولُ أبي حَنيفةَ، قالَ ابنُ شُجاعٍ: فحكَمَ في الساحِرِ والساحِرةِ حُكمَ المُرتدِّ والمُرتدةِ، إلا أنْ يَجيءَ فيُقِرَّ بالسِّحرِ أو يُشهَدَ عليه بذلكَ أنه عَمِلَه، فإنه جعَلَ ذلكَ بمَنزلةِ الثَّباتِ على الرِّدةِ، وحكَى مُحمدُ بنُ شُجاعٍ عن أبي عليٍّ الرازيِّ قالَ: سألتُ أبا يُوسفَ عن قَولِ أبي حَنيفةَ في الساحِرِ «يُقتَلُ ولا يُستتابُ» لِمَ لمْ يَكنْ ذلكَ بمَنزلةِ المَرتدِّ؟ فقالَ: الساحرُ قد جمَعَ مع كُفرِه السعيَ في الأرضِ بالفَسادِ، والساعي بالفَسادِ إذا قتَلَ قُتلَ، قالَ: فقلتُ لأبي يُوسفَ: ما الساحِرُ؟ قالَ: الذي يقتصُّ له مِنْ العَملِ مثلَ ما فعَلَتِ اليَهودُ بالنبيُّ ﵊ وبما جاءَتْ به الأخبارُ إذا أصابَ به قَتلًا، فإذا لم يُصِبْ به قَتلًا لم يُقتلْ؛ لأنَّ لَبيدَ بنَ الأعصَمِ سحَرَ رسولَ اللهِ ﷺ فلمْ يَقتلُه؛ إذْ كانَ لم يُصِبْ به قَتلًا، قالَ أبو بَكرٍ: ليسَ فيما ذكَرَ بَيانُ معنَى السِّحرِ الذي يَستحقُّ فاعِلُه القتلَ، ولا يَجوزُ أنْ يُظَنَّ بأبي يُوسفَ أنه اعتَقدَ في السِّحرِ ما يَعتقدُه الحَشوُ مِنْ إيصالِهم الضَّررَ إلى المَسحورِ مِنْ غيرِ مُماسَّةٍ ولا سَقيِ دواءٍ، وجائزٌ أنْ يكونَ سِحرُ اليهودِ للنبيِّ ﷺ على جِهةِ إرادتِهم التوصُّلَ إلى قَتلِه بإطعامِه، وأطلَعَه اللهُ على ما أرادُوا، كما سَمَّتْه زَينبُ اليَهوديةُ في الشاةِ المَسمومةِ فأخبَرَتْه الشاةُ بذلكَ فقالَ: «إنَّ هذهِ الشاةَ لَتُخبِرُني أنها مَسمومةٌ» … فإنْ قالَ قائلٌ: فأنتَ لا تَقتلُ الخُنَّاقَ والمُحارِبينَ إلا إذا قَتَلوا، فهَلَّا قلتَ مِثلَه في الساحِرِ؟

стр. 13333

قيلَ له: يَفتَرِقانِ مِنْ جِهةِ أنَّ الخَنَّاقَ والمُحارِبَ لم يَكفرَا قبلَ القتلِ ولا بعدَه، فلمْ يَستحِقَّا القتلَ؛ إذْ لم يَتقدَّمْ منهُما سَببٌ يَستحِقَّانِ به القتلَ، وأما الساحِرُ فقدْ كفَرَ بسِحرِه، قتَلَ به أو لم يَقتلْ، فاستَحقَّ القتلَ بكُفرِه، ثُمَّ لمَّا كانَ مع كُفرِه ساعيًا في الأرضِ بالفَسادِ كانَ وُجوبُ قَتلِه حَدًّا، فلمْ يَسقطْ بالتَّوبةِ كالمُحارِبِ إذا استَحقَّ القتلَ لم يَسقطْ ذلكَ عنه بالتوبةِ، فهو مُشبِهٌ للمُحارِبِ الذي قتَلَ في أنَّ قتْلَه حَدٌّ لا تُزيلُه عنه التوبةُ، ويُفارِقُ المُرتدَّ مِنْ جِهةِ أنَّ المُرتدَّ يَستحقُّ القتلَ بإقامتِه على الكفرِ فحَسب، فمتَى انتَقلَ عنه زالَ عنه الكفرُ والقَتلُ، ولِمَا وصَفْنا مِنْ ذلكَ لم يُفرِّقوا بينَ الساحِرِ مِنْ أهلِ الذمةِ ومِن المُسلمينِ، كما لا يَختلفُ حُكمُ المُحارِبِ مِنْ أهلِ الذمةِ والإسلامِ فيما يَستحقُّونَه بالمُحارَبةِ، ولذلكَ لم تُقتَلِ المرأةُ الساحِرةُ؛ لأنَّ المَرأةَ مِنْ المُحارِبينَ عندَهم لا تُقتلُ حَدًّا، وإنما تُقتلُ قَودًا. ووَجهٌ آخَرُ لقولِ أبي حَنيفةَ في تَركِ استِتابةِ الساحرِ، وهو ما ذكَرَه الطَّحاويُّ قالَ: حدَّثَنا سُليمانُ بنُ شُعيبٍ عن أبيه عن أبي يُوسفَ في نَوادرَ ذكَرَها عنه أدخَلَها في أماليهِ عليهِم قالَ: قالَ أبو حَنيفةَ: اقتُلوا الزِّنديقَ سِرًّا؛ فإنَّ تَوبتَه لا تُعرَفُ، ولم يَحْكِ أبو يُوسفَ خِلافَه، ويَصحُّ بِناءُ مَسألةِ الساحرِ عليه؛ لأنَّ الساحرَ يَكفرُ سِرًّا، فهو بمَنزلةِ الزِّنديقِ، فالواجِبُ أنْ لا تُقبَلَ توبتُه. فإنْ قيلَ: فعَلى هذا يَنبغي أنْ لا يُقتلَ الساحرُ مِنْ أهلِ الذِّمةِ؛ لأنَّ كفْرَه ظاهرٌ، وهو غيرُ مُستحِقٍّ للقتلِ لأجْلِ الكفرِ. قيلَ له: الكفرُ الذي أقرَرْناهُ عليهِ هو ما أظهَرَه لنا، وأما الكفرُ الذي صارَ إليه بسِحرِه فإنه غيرُ مَقَرٍّ عليهِ ولم نُعطِه الذمَّةَ على إقرارِه عليه، ألَا ترَى أنه

стр. 13334

لو سَألَنا إقرارَه على السِّحرِ بالجِزيةِ لم نُجبْه إليهِ ولم نُجِزْ إقرارَه عليهِ، ولا فرْقَ بينَه وبينَ الساحِرِ مِنْ أهلِ الملِّةِ، وأيضًا فلو أنَّ الذِّميَّ الساحِرَ لم يَستحقَّ القَتلَ بكُفرِه لَاستَحقَّه بسَعيِه في الأرضِ بالفسادِ كالمُحارِبينَ على النحوِ الذي ذكَرْنا، وقَولُهم في تَركِ قَبولِ تَوبةِ الزِّنديقِ يُوجِبُ أنْ لا يُستتابَ الإسماعِيليةُ وسائِرُ المُلحِدينَ الذين قد عُلِمَ منهم اعتِقادُ الكُفرِ كسائرِ الزَّنادقةِ وأنْ يُقتَلوا مع إظهارِهِم التوبةَ. ويَدلُّ على وُجوبِ قَتلِ الساحِرِ ما حَدَّثنا به ابنُ قانعٍ حَدَّثنا بِشرُ بنُ مُوسَى قالَ: حَدَّثنا ابنُ الأصبَهانِيِّ قالَ: حَدَّثنا أبو مُعاوَيةَ عن إسماعيلَ ابنِ مُسلمٍ عن الحَسنِ عن جُندبٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «حَدُّ الساحِرِ ضَربُهُ بالسَّيفِ» (١)، وقِصةُ جُندبٍ في قَتلِه الساحِرَ بالكُوفةِ عندَ الوليدِ ابنِ عُقبةَ مَشهورةٌ، وقولُه ﵇: «حَدُّ الساحِرِ ضَربُه بالسيفِ» قد دَلَّ على مَعنيَينِ: أحَدُهما: وُجوبُ قَتلِه، والثاني: أنه حَدٌّ لا يُزيلُه التوبةُ كسائِرِ الحُدودِ إذا وجَبَتْ، ولِمَا ذكَرْنا مِنْ قتلِه على وجهِ قتلِ المُحارِبِ (٢). وقالَ المالِكيةُ: الساحِرُ كافِرٌ باللهِ تعالَى، قالَ تعالَى على لسانِ المَلَكينِ: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، فإذا تَعلَّمَ السحرَ أو علَّمَه وإنْ لم يَعمَلْ به فهو كافِرٌ؛ إذْ تَعظيمُ الشيَاطينِ ونِسبةُ الكائِناتِ إليها لا يَستطيعُ

стр. 13335

عاقِلٌ يُؤمنُ باللهِ أنْ يَقولَ فيه أنه ليسَ بكُفرٍ، فإذا سحَرَ هو بنَفسِه فإنه يُقتلُ ولا يُستتابُ، وقالَ مالِكٌ: هو كالزِّنديقِ إذا عَمِلَ السِّحرَ هو بنَفسِه، قالَ تعالَى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]، «وقد أمَرَتْ حَفصةُ بجاريةٍ لها سحَرَتْها أنْ تُقتلَ فقُتِلتْ»، قالَ ابنُ عبدِ الحَكمِ وأصبَغُ: هو كالزِّنديقِ مِيراثُه لوَرثتِه مِنْ المُسلمينَ، وإنْ كانَ للسحرِ والزِّندقةِ مُظهِرًا استُتيبَ، فإنْ لم يَتُبْ قُتلَ وكانَ مالُه في بَيتِ المالِ، ولا يُصلَّى عليه بحالٍ، وأما الذي يُسِرُّ ذلك إذا قُتلَ فيَرثُه وَرثتُه، ولا يأمرُهُم بالصَّلاةِ عليهِ، فإنْ فَعَلوا فهُم أعلَمُ. قالَ الحطَّابُ ﵀: والقَولُ الراجحُ فيه أنَّ حُكمَه حُكمُ الزنديقِ، يُقتلُ ولا تُقبلُ تَوبتُه إلا أنْ يَجيءَ تائبًا بنَفسِه (١). ومَن لم يُباشِرِ السحرَ وجعَلَ مَنْ يَعملُه له فإنه يُؤدَّبُ أدبًا شَديدًا. وقالَ الباجيُّ: ولا يُقتلُ الساحِرُ حتى يَثبتَ أنَّ ما يَفعلُه هو مِنْ السحرِ الذي وصَفَه اللهُ بأنه كُفرٌ. قالَ أصبَغُ: يَكشفُ عن ذلك مَنْ يَعرفُ حَقيقتَه. يُريدُ: ويَثبتُ ذلك عن الإمامِ؛ لأنه مَعنًى يَجبُ به القَتلُ، فلا يُحكَمُ به إلا بعد ثُبوتِه وتَحقيقِه كسائرِ ما يَجبُ به القتلُ. والذي يَقطعُ أذُنَ الرَّجلِ أو يُدخلُ السكاكينَ في جَوفِ نفسِه إنْ كانَ سِحرًا قُوتلَ، وإنْ كانَ خِلافَه عُوقبَ.

стр. 13336

ويُقتلُ الساحرُ إذا كانَ مِنْ أهلِ الذِّمةِ، إلا أنْ يَكونوا أدخَلُوا بسِحرِهم ضَررًا على المُسلمينَ، فيكونُ نَقضًا للعَهدِ، فإنْ تابَ فلا تَوبةَ له إلا بإسلامٍ، وقالَ مالكٌ: وإنْ سحَرَ بذلك أهلَ مِلَّتِه فيُؤدَّبُ، إلا أنْ يَقتلَ أحَدًا فيُقتلُ به. ويَتحصلُ في النصرانِيِّ يَتزنْدقُ أو يُعثرُ على أنه ساحِرٌ ثَلاثةُ أقوالٍ: أحَدُها: أنه يُتركُ وما هو عليه مِنْ الزَّندقةِ والسحرِ، إلا أنْ يُدخلَ بسِحرِه ضَررًا على المُسلمينَ، فيكونُ ذلكَ نَقضًا للعَهدِ. والثاني: أنه يُقتلُ إلا أنْ يُسلمَ. والثالثُ: أنه يُقتلُ وإنْ أسلَمَ؛ لأنَّ الزِّنديقَ لا تُقبلُ منه تَوبةٌ. وأما الساحِرُ مِنْ المُسلمينَ فيُقتلَ، سحَرَ مُسلمًا أو ذِميًّا. وأما إبطالُ السِّحرِ فإنْ كانَ بسِحرٍ مثلِه فهو كُفرٌ، وإنْ لم يَكنْ بسِحرٍ مِثلِه بل بآياتٍ أو دَعَواتٍ نَبويةٍ فلا يكونُ كذلكَ، ويَجوزُ الاستِئجارُ على إبطالِه بغيرِ سِحرٍ (١). وقالَ الحَنابلةُ: ويَكفرُ الساحرُ بتَعلمِه وفِعلِه، سواءٌ اعتَقدَ تَحريمَه أو إباحتَه، كالذي يَركبُ الحِمارَ مِنْ مِكنسةٍ وغيرِها فتَسيرُ به في الهَواءِ، أو يَدَّعي أنَّ الكواكِبَ تُخاطبُه؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢].

стр. 13337

ويُقتلُ الساحِرُ إنْ كانَ مُسلمًا بالسيفِ؛ لِمَا رَوى جُندبٌ مَرفوعًا قالَ: «حَدُّ الساحِرِ ضَربةٌ السَّيفِ». وعن بَجالةَ بنِ عبدٍ قالَ: «كنتُ كاتبًا لجَزءِ بنِ مُعاوِيةَ عَمِّ الأحنَفِ بنِ قَيسٍ فأتانا كِتابُ عُمرَ قبلَ مَوتِه بسَنةٍ: أنِ اقتلُوا كلَّ ساحرٍ وساحِرةٍ» رواهُ أحمَدُ وسَعيدٌ، وفي رِوايةٍ: «فقَتَلْنا ثَلاثَ سَواحِرَ في يَومٍ واحِدٍ»، و «قتَلَتْ حَفصةُ جارِيةً لها سحَرَتْها» رواهُ مالكٌ، ورُويَ عن عُثمانَ وابنِ عُمرَ ﵄. وكذا مَنْ يَعتقدُ حِلَّ السِّحرِ مِنْ المُسلمينَ فيُقتلُ كُفرًا؛ لأنه أحَلَّ حَرامًا مُجمَعًا عليه مَعلومًا بالضرورةِ. ولا يُقتلُ ساحِرٌ ذِميٌّ؛ لأنَّ لَبيدَ بنَ الأعصَمِ سحَرَ النبيَّ ﷺ فلمْ يَقتلْه، ولأنَّ الشركَ أعظَمُ مِنْ سِحرِه ولم يُقتلْ به، والأخبارُ ورَدَتْ في ساحِرِ المُسلمينَ؛ لأنه يَكفرُ بسِحرِه، وهذا كافرٌ أصليٌّ، إلا أنْ يَقتلَ الساحِرُ الذميُّ بسِحرِه ويكونُ سِحرُه ممَّا يَقتلُ غالِبًا، فيُقتصٌّ منه إذا قتَلَ مَنْ يُكافئُه كما لو قتَلَ بغيرِه. فأما الذي يَسحرُ بأدويَةٍ وتَدخينٍ وسَقيِ شَيءٍ لا يَضرُّ فإنه لا يَكفرُ ولا يُقتلُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى وصَفَ الساحِرينَ الكافِرينَ بأنهُم يُفرِّقونَ بينَ المَرءِ وزَوجِه، فيَختصُّ الكفرُ بهم ويَبقَى مِنْ سِواهُم مِنْ السحَرةِ على أصلِ العِصمةِ، ويُعزَّرُ تَعزيرًا بَليغًا دونَ القتلِ؛ لأنه ارتَكبَ مَعصيةً، إلا أنْ يَقتلَ بفِعلِه ذلكَ ويكونُ ممَّا يَقتلُ غالبًا، فيُقتصُّ منه إذا قتَلَ مَنْ يُكافئُه كما لو قتَلَه بغيرِ ذلكَ، وإنْ لم يَكنْ فِعلُه مما يَقتلُ غالبًا فالديَةُ.

стр. 13338

وأما الذي يَعزمُ على الجِنِّ ويَزعمُ أنه يَجمعُها فتُطيعُه فلا يَكفرُ بذلكَ ولا يُقتلُ به؛ لأنه ليسَ في معنَى المَنصوصِ على قَتلِه بالسحرِ، ويُعزَّرُ تَعزيرًا بليغًا دونَ القتلِ؛ لارتِكابِه مَعصيةً عَظيمةً، وكذا الكاهِنُ والعرَّافُ والكاهِنُ الذي له رَئيٌّ مِنْ الجنِّ يأتيهِ بأخبارٍ، والعرَّافُ الذي يَحدسُ ويَتخرَّصُ كالمُنجِّمِ وهو الذي يَنظرُ في النُّجومِ يَستدلُّ بها على الحَوادثِ. ولو أوهَمَ قومًا بطَريقتِه أنه يَعلمُ الغَيبَ فللإمامِ قَتلُه؛ لسَعيِه بالفَسادِ. وقالَ الشَّيخُ: التنجيمُ كالاستِدلالِ بالأحوالِ الفلَكيةِ على الحَوادثِ الأرضِيةِ مِنْ السحرِ. قالَ الشيخُ: ويَحرمُ إجماعًا، وأقَرَّ أولُهم وآخِرُهم أنَّ اللهَ يَدفعُ عن أهلِ العِبادةِ والدُّعاءِ ببَركتِه ما زَعَموا أنَّ الأفلاكَ تُوجِبُه، وأنَّ لهم مِنْ ثَوابِ الدارَينِ ما لا تَقوَى الأفلاكُ أنْ تَجلبَه. والمُتعبِّدُ والقائلُ بزَجرِ طَيرٍ والضاربُ بحصًى وشَعيرٍ وقِداحٍ -أي سِهامٍ- والنظرُ في ألواحِ الأكْتافِ إذا لم يَعتقدْ إباحتَه واعتَقدَ أنه لا يَعلمُ به الأمورُ المُغيَّبةَ عُزِّرَ ويُكَفُّ عنه، وإلا بأنِ اعتَقدَ إباحتَه وأنه يَعلمُ به الأمورَ المُغيَّبةَ كفَرَ، فيُستتابُ فإنْ تابَ وإلا قُتلَ. وتَحرمُ رُقيَةٌ وحِرزٌ وتَعوُّذٌ بطَلسمٍ بغير عَربيٍّ، وتَحرمُ عَزيمةٌ بغيرِ عَربيٍ وباسم كَوكبٍ وما وُضعَ على نَجمٍ مِنْ صُورةٍ أو غيرِها، ولا بأسَ بحَلِّ السحرِ بشَيءٍ مِنْ القُرآنِ والذِّكرِ والأقسامِ والكَلامِ المُباحِ.

стр. 13339

قالَ البُهوتِيُّ ﵀: وإنْ كانَ حَلُّ السِّحرَ بشيءٍ مِنْ السحرِ فقدْ تَوقفَ فيه أحمَدُ، قالَ في «المُغني»: تَوقفَ أحمدُ في الحَلِّ، وهو إلى الجَوازِ أميَلُ. وسَألَه مُهنَّا عمَّن تَأتيهِ مَسحورةٌ فيُطلِقَه عنها، قالَ: لا بأسَ. قالَ الخلَّالُ: إنما كَرِهَ فِعالَه ولا يَرَى به بأسًا كما بَيَّنَه مُهنَّا، وهذا مِنْ الضَّرورةِ التي تُبيحَ فِعلَها، والمَذهبُ جَوازُه ضَرورةً (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: تَعلُّمُ السحرِ وتَعليمُه حَرامٌ، لا نَعلمُ فيه خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ. قالَ أصحابُنا: ويَكفرُ الساحِرُ بتَعلمِه وفِعلِه، سواءٌ اعتَقدَ تَحريمَه أو إباحتَه، ورُويَ عن أحمَدَ ما يَدلُّ على أنه لا يَكفرُ؛ فإنَّ حَنبلًا روَى عنه قالَ: قالَ عمِّي في العرَّافِ والكاهِنِ والساحرِ: أرَى أنْ يُستتابَ مِنْ هذه الأفاعيلِ كلِّها، فإنه عندِي في معنَى المُرتدِّ، فإنْ تابَ وراجَعَ، يعني: يُخلَّى سَبيلُه، قلتُ له: يُقتلُ؟ قالَ: لا، يُحبَسُ لعلَّه يَرجعُ، قلتُ له: لِمَ لا تَقتلُه؟ قالَ: إذا كانَ يُصلِّي لعلَّه يُتوبُ ويَرجعُ، وهذا يَدلُّ على أنه لم يُكفِّرْه؛ لأنه لو كفَّرَه لَقتَلَه، وقولُه: «في معنَى المُرتدِّ» يعني: في الاستِتابةِ. وقالَ أصحابُ أبي حَنيفةَ: إنِ اعتَقدَ أنَّ الشياطينَ تَفعلُ له ما يَشاءُ كفَرَ، وإنِ اعتَقدَ أنه تَخييلٌ لم يَكفرْ. وقالَ الشافِعيُّ: إنِ اعتَقدَ ما يُوجِبُ الكُفرَ مثلَ التقرُّبِ إلى الكواكبِ السَّبعةِ وأنها تَفعلُ ما يَلتمسُ أو اعتَقدَ حِلَّ السِّحرِ كفَرَ؛ لأنَّ القُرآنَ نطَقَ

стр. 13340

بتَحريمِه وثبَتَ بالنقلِ المُتواترِ والإجماعِ عليهِ، وإلا فسَقَ ولم يَكفرْ؛ لأنَّ عائِشةَ ﵂ باعَتْ مُدبَّرةً لها سحَرَتْها بمَحضرٍ مِنْ الصحابةِ، ولو كفَرَتْ لَصارتْ مُرتدةً يجبُ قَتلُها ولم يَجُزِ استِرقاقُها، ولأنه شيءٌ يَضرُّ بالناسِ، فلمْ يَكفرْ بمُجردِه كأذاهُم. ولنا: قولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: وما كفَرَ سُليمانُ، أي: وما كانَ ساحِرًا كفَرَ بسِحرِه، وقَولُهما: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي لا تَتعلَّمْه فتَكفرَ بذلكَ، وقد رَوى هشامُ بنُ عُروةَ عن أبيه عن عائِشةَ «أنَّ امرأةً جاءَتْها فجعَلَتْ تَبكي بُكاءً شَديدًا وقالَتْ: يا أمَّ المُؤمنينَ إنَّ عَجوزًا ذهَبَتْ بي إلى هارُوتَ ومارُوتَ، فقلتُ: عَلِّماني السحرَ، فقالا: اتِّقي اللهَ ولا تَكفُرِي فإنكِ على رأسِ أمرِكِ، فقلتُ: عَلِّماني السحرَ، فقالا: اذهَبِي إلى ذلكَ التَّنورُ فبُولي فيهِ، ففعَلْتُ فرَأيتُ كأنَّ فارسًا مُقنَّعًا في الحَديدِ خرَجَ منِّي حتى طارَ فغابَ في السَّماءِ، فرَجَعتُ إليهِما فأخبَرتُهما فقالا: ذلكَ إيمانُكِ، فذكَرَتْ باقي القِصةَ إلى أنْ قالَتْ: واللهِ يا أمَّ المُؤمنينَ ما صَنعتُ شَيئًا غيرَ هذا ولا أصنَعُه أبدًا، فهل لي مِنْ تَوبةٍ؟ قالَتْ عائشةُ: ورأيتُها تَبكي بُكاءً شَديدًا، فطافَتْ في أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ وهُم مُتوافرونَ تَسألُهم هل لها مِنْ تَوبةٍ؟ فما أفتاها أحَدٌ إلا أنَّ ابنَ عبَّاسٍ قالَ لها: إنْ كانَ أحَدٌ مِنْ أبوَيكِ حَيًّا فبِرِّيه وأكثِرِي مِنْ عَملِ البِرِّ ما استَطعْتِ»، وقولُ عائِشةَ قد خالَفَها فيه كَثيرٌ مِنْ الصحابةِ، وقالَ عليٌّ ﵁: «الساحرُ كافرٌ»، ويَحتملُ أنَّ المُدبَّرةَ تابَتْ فسقَطَ عنها
следующие страницы →