← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 13336–13375 · переход к 13341.

стр. 13336

ويُقتلُ الساحرُ إذا كانَ مِنْ أهلِ الذِّمةِ، إلا أنْ يَكونوا أدخَلُوا بسِحرِهم ضَررًا على المُسلمينَ، فيكونُ نَقضًا للعَهدِ، فإنْ تابَ فلا تَوبةَ له إلا بإسلامٍ، وقالَ مالكٌ: وإنْ سحَرَ بذلك أهلَ مِلَّتِه فيُؤدَّبُ، إلا أنْ يَقتلَ أحَدًا فيُقتلُ به. ويَتحصلُ في النصرانِيِّ يَتزنْدقُ أو يُعثرُ على أنه ساحِرٌ ثَلاثةُ أقوالٍ: أحَدُها: أنه يُتركُ وما هو عليه مِنْ الزَّندقةِ والسحرِ، إلا أنْ يُدخلَ بسِحرِه ضَررًا على المُسلمينَ، فيكونُ ذلكَ نَقضًا للعَهدِ. والثاني: أنه يُقتلُ إلا أنْ يُسلمَ. والثالثُ: أنه يُقتلُ وإنْ أسلَمَ؛ لأنَّ الزِّنديقَ لا تُقبلُ منه تَوبةٌ. وأما الساحِرُ مِنْ المُسلمينَ فيُقتلَ، سحَرَ مُسلمًا أو ذِميًّا. وأما إبطالُ السِّحرِ فإنْ كانَ بسِحرٍ مثلِه فهو كُفرٌ، وإنْ لم يَكنْ بسِحرٍ مِثلِه بل بآياتٍ أو دَعَواتٍ نَبويةٍ فلا يكونُ كذلكَ، ويَجوزُ الاستِئجارُ على إبطالِه بغيرِ سِحرٍ (١). وقالَ الحَنابلةُ: ويَكفرُ الساحرُ بتَعلمِه وفِعلِه، سواءٌ اعتَقدَ تَحريمَه أو إباحتَه، كالذي يَركبُ الحِمارَ مِنْ مِكنسةٍ وغيرِها فتَسيرُ به في الهَواءِ، أو يَدَّعي أنَّ الكواكِبَ تُخاطبُه؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢].

стр. 13337

ويُقتلُ الساحِرُ إنْ كانَ مُسلمًا بالسيفِ؛ لِمَا رَوى جُندبٌ مَرفوعًا قالَ: «حَدُّ الساحِرِ ضَربةٌ السَّيفِ». وعن بَجالةَ بنِ عبدٍ قالَ: «كنتُ كاتبًا لجَزءِ بنِ مُعاوِيةَ عَمِّ الأحنَفِ بنِ قَيسٍ فأتانا كِتابُ عُمرَ قبلَ مَوتِه بسَنةٍ: أنِ اقتلُوا كلَّ ساحرٍ وساحِرةٍ» رواهُ أحمَدُ وسَعيدٌ، وفي رِوايةٍ: «فقَتَلْنا ثَلاثَ سَواحِرَ في يَومٍ واحِدٍ»، و «قتَلَتْ حَفصةُ جارِيةً لها سحَرَتْها» رواهُ مالكٌ، ورُويَ عن عُثمانَ وابنِ عُمرَ ﵄. وكذا مَنْ يَعتقدُ حِلَّ السِّحرِ مِنْ المُسلمينَ فيُقتلُ كُفرًا؛ لأنه أحَلَّ حَرامًا مُجمَعًا عليه مَعلومًا بالضرورةِ. ولا يُقتلُ ساحِرٌ ذِميٌّ؛ لأنَّ لَبيدَ بنَ الأعصَمِ سحَرَ النبيَّ ﷺ فلمْ يَقتلْه، ولأنَّ الشركَ أعظَمُ مِنْ سِحرِه ولم يُقتلْ به، والأخبارُ ورَدَتْ في ساحِرِ المُسلمينَ؛ لأنه يَكفرُ بسِحرِه، وهذا كافرٌ أصليٌّ، إلا أنْ يَقتلَ الساحِرُ الذميُّ بسِحرِه ويكونُ سِحرُه ممَّا يَقتلُ غالِبًا، فيُقتصٌّ منه إذا قتَلَ مَنْ يُكافئُه كما لو قتَلَ بغيرِه. فأما الذي يَسحرُ بأدويَةٍ وتَدخينٍ وسَقيِ شَيءٍ لا يَضرُّ فإنه لا يَكفرُ ولا يُقتلُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى وصَفَ الساحِرينَ الكافِرينَ بأنهُم يُفرِّقونَ بينَ المَرءِ وزَوجِه، فيَختصُّ الكفرُ بهم ويَبقَى مِنْ سِواهُم مِنْ السحَرةِ على أصلِ العِصمةِ، ويُعزَّرُ تَعزيرًا بَليغًا دونَ القتلِ؛ لأنه ارتَكبَ مَعصيةً، إلا أنْ يَقتلَ بفِعلِه ذلكَ ويكونُ ممَّا يَقتلُ غالبًا، فيُقتصُّ منه إذا قتَلَ مَنْ يُكافئُه كما لو قتَلَه بغيرِ ذلكَ، وإنْ لم يَكنْ فِعلُه مما يَقتلُ غالبًا فالديَةُ.

стр. 13338

وأما الذي يَعزمُ على الجِنِّ ويَزعمُ أنه يَجمعُها فتُطيعُه فلا يَكفرُ بذلكَ ولا يُقتلُ به؛ لأنه ليسَ في معنَى المَنصوصِ على قَتلِه بالسحرِ، ويُعزَّرُ تَعزيرًا بليغًا دونَ القتلِ؛ لارتِكابِه مَعصيةً عَظيمةً، وكذا الكاهِنُ والعرَّافُ والكاهِنُ الذي له رَئيٌّ مِنْ الجنِّ يأتيهِ بأخبارٍ، والعرَّافُ الذي يَحدسُ ويَتخرَّصُ كالمُنجِّمِ وهو الذي يَنظرُ في النُّجومِ يَستدلُّ بها على الحَوادثِ. ولو أوهَمَ قومًا بطَريقتِه أنه يَعلمُ الغَيبَ فللإمامِ قَتلُه؛ لسَعيِه بالفَسادِ. وقالَ الشَّيخُ: التنجيمُ كالاستِدلالِ بالأحوالِ الفلَكيةِ على الحَوادثِ الأرضِيةِ مِنْ السحرِ. قالَ الشيخُ: ويَحرمُ إجماعًا، وأقَرَّ أولُهم وآخِرُهم أنَّ اللهَ يَدفعُ عن أهلِ العِبادةِ والدُّعاءِ ببَركتِه ما زَعَموا أنَّ الأفلاكَ تُوجِبُه، وأنَّ لهم مِنْ ثَوابِ الدارَينِ ما لا تَقوَى الأفلاكُ أنْ تَجلبَه. والمُتعبِّدُ والقائلُ بزَجرِ طَيرٍ والضاربُ بحصًى وشَعيرٍ وقِداحٍ -أي سِهامٍ- والنظرُ في ألواحِ الأكْتافِ إذا لم يَعتقدْ إباحتَه واعتَقدَ أنه لا يَعلمُ به الأمورُ المُغيَّبةَ عُزِّرَ ويُكَفُّ عنه، وإلا بأنِ اعتَقدَ إباحتَه وأنه يَعلمُ به الأمورَ المُغيَّبةَ كفَرَ، فيُستتابُ فإنْ تابَ وإلا قُتلَ. وتَحرمُ رُقيَةٌ وحِرزٌ وتَعوُّذٌ بطَلسمٍ بغير عَربيٍّ، وتَحرمُ عَزيمةٌ بغيرِ عَربيٍ وباسم كَوكبٍ وما وُضعَ على نَجمٍ مِنْ صُورةٍ أو غيرِها، ولا بأسَ بحَلِّ السحرِ بشَيءٍ مِنْ القُرآنِ والذِّكرِ والأقسامِ والكَلامِ المُباحِ.

стр. 13339

قالَ البُهوتِيُّ ﵀: وإنْ كانَ حَلُّ السِّحرَ بشيءٍ مِنْ السحرِ فقدْ تَوقفَ فيه أحمَدُ، قالَ في «المُغني»: تَوقفَ أحمدُ في الحَلِّ، وهو إلى الجَوازِ أميَلُ. وسَألَه مُهنَّا عمَّن تَأتيهِ مَسحورةٌ فيُطلِقَه عنها، قالَ: لا بأسَ. قالَ الخلَّالُ: إنما كَرِهَ فِعالَه ولا يَرَى به بأسًا كما بَيَّنَه مُهنَّا، وهذا مِنْ الضَّرورةِ التي تُبيحَ فِعلَها، والمَذهبُ جَوازُه ضَرورةً (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: تَعلُّمُ السحرِ وتَعليمُه حَرامٌ، لا نَعلمُ فيه خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ. قالَ أصحابُنا: ويَكفرُ الساحِرُ بتَعلمِه وفِعلِه، سواءٌ اعتَقدَ تَحريمَه أو إباحتَه، ورُويَ عن أحمَدَ ما يَدلُّ على أنه لا يَكفرُ؛ فإنَّ حَنبلًا روَى عنه قالَ: قالَ عمِّي في العرَّافِ والكاهِنِ والساحرِ: أرَى أنْ يُستتابَ مِنْ هذه الأفاعيلِ كلِّها، فإنه عندِي في معنَى المُرتدِّ، فإنْ تابَ وراجَعَ، يعني: يُخلَّى سَبيلُه، قلتُ له: يُقتلُ؟ قالَ: لا، يُحبَسُ لعلَّه يَرجعُ، قلتُ له: لِمَ لا تَقتلُه؟ قالَ: إذا كانَ يُصلِّي لعلَّه يُتوبُ ويَرجعُ، وهذا يَدلُّ على أنه لم يُكفِّرْه؛ لأنه لو كفَّرَه لَقتَلَه، وقولُه: «في معنَى المُرتدِّ» يعني: في الاستِتابةِ. وقالَ أصحابُ أبي حَنيفةَ: إنِ اعتَقدَ أنَّ الشياطينَ تَفعلُ له ما يَشاءُ كفَرَ، وإنِ اعتَقدَ أنه تَخييلٌ لم يَكفرْ. وقالَ الشافِعيُّ: إنِ اعتَقدَ ما يُوجِبُ الكُفرَ مثلَ التقرُّبِ إلى الكواكبِ السَّبعةِ وأنها تَفعلُ ما يَلتمسُ أو اعتَقدَ حِلَّ السِّحرِ كفَرَ؛ لأنَّ القُرآنَ نطَقَ

стр. 13340

بتَحريمِه وثبَتَ بالنقلِ المُتواترِ والإجماعِ عليهِ، وإلا فسَقَ ولم يَكفرْ؛ لأنَّ عائِشةَ ﵂ باعَتْ مُدبَّرةً لها سحَرَتْها بمَحضرٍ مِنْ الصحابةِ، ولو كفَرَتْ لَصارتْ مُرتدةً يجبُ قَتلُها ولم يَجُزِ استِرقاقُها، ولأنه شيءٌ يَضرُّ بالناسِ، فلمْ يَكفرْ بمُجردِه كأذاهُم. ولنا: قولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: وما كفَرَ سُليمانُ، أي: وما كانَ ساحِرًا كفَرَ بسِحرِه، وقَولُهما: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي لا تَتعلَّمْه فتَكفرَ بذلكَ، وقد رَوى هشامُ بنُ عُروةَ عن أبيه عن عائِشةَ «أنَّ امرأةً جاءَتْها فجعَلَتْ تَبكي بُكاءً شَديدًا وقالَتْ: يا أمَّ المُؤمنينَ إنَّ عَجوزًا ذهَبَتْ بي إلى هارُوتَ ومارُوتَ، فقلتُ: عَلِّماني السحرَ، فقالا: اتِّقي اللهَ ولا تَكفُرِي فإنكِ على رأسِ أمرِكِ، فقلتُ: عَلِّماني السحرَ، فقالا: اذهَبِي إلى ذلكَ التَّنورُ فبُولي فيهِ، ففعَلْتُ فرَأيتُ كأنَّ فارسًا مُقنَّعًا في الحَديدِ خرَجَ منِّي حتى طارَ فغابَ في السَّماءِ، فرَجَعتُ إليهِما فأخبَرتُهما فقالا: ذلكَ إيمانُكِ، فذكَرَتْ باقي القِصةَ إلى أنْ قالَتْ: واللهِ يا أمَّ المُؤمنينَ ما صَنعتُ شَيئًا غيرَ هذا ولا أصنَعُه أبدًا، فهل لي مِنْ تَوبةٍ؟ قالَتْ عائشةُ: ورأيتُها تَبكي بُكاءً شَديدًا، فطافَتْ في أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ وهُم مُتوافرونَ تَسألُهم هل لها مِنْ تَوبةٍ؟ فما أفتاها أحَدٌ إلا أنَّ ابنَ عبَّاسٍ قالَ لها: إنْ كانَ أحَدٌ مِنْ أبوَيكِ حَيًّا فبِرِّيه وأكثِرِي مِنْ عَملِ البِرِّ ما استَطعْتِ»، وقولُ عائِشةَ قد خالَفَها فيه كَثيرٌ مِنْ الصحابةِ، وقالَ عليٌّ ﵁: «الساحرُ كافرٌ»، ويَحتملُ أنَّ المُدبَّرةَ تابَتْ فسقَطَ عنها

стр. 13341

القَتلُ والكُفرُ بتَوبتِها، ويَحتملُ أنها سحَرَتْها بمَعنى أنها ذهَبَتْ إلى ساحرٍ سحَرَ لها. فصلٌ: وحَدُّ الساحرِ القَتلُ، رُويَ ذلك عن عُمرَ وعُثمانَ بنِ عفَّانَ وابنِ عُمرَ وحَفصةَ وجُندبِ بنِ عبدِ اللهِ وجُندبِ بنِ كَعبٍ وقيسِ بنِ سَعدٍ وعُمرَ ابنِ عَبدِ العزيزِ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ ومالكٌ. ولم يَرَ الشافعيُّ عليه القَتلَ بمُجرَّدِ السِّحرِ، وهو قولُ ابنُ المُنذِرِ وروايةٌ عن أحمَدَ قد ذكَرْناها فيما تَقدَّمَ، ووَجهُ ذلك أنَّ عائِشةَ ﵂ باعَتْ مُدبَّرةً سحَرَتْها، ولو وجَبَ قَتلُها لَمَا حَلَّ بيعُها، ولأنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «لا يَحِلُّ دمُ امرِئٍ مُسلمٍ إلا بإحدَى ثَلاثٍ: كُفرٌ بعدَ إيمانٍ، أو زنًا بعدَ إحصانٍ، أو قتلُ نَفسٍ بغيرِ حَقٍّ» (١)، ولم يَصدرْ منه أحَدُ الثَّلاثةِ، فوجَبَ أنْ لا يَحلَّ دَمُه. ولنا: ما رَوى جُندبُ بنُ عبدِ اللهِ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «حَدُّ الساحِرِ ضَربُه بالسَّيفِ» (٢)، قالَ ابنُ المُنذِرِ: رواهُ إسماعيلُ بنُ مُسلمٍ وهو ضَعيفٌ، وروَى سعيدٌ وأبو داودَ في كتابَيهِما عن بَجالةَ قالَ: كنتُ كاتِبًا لجَزءِ بنِ مُعاويةَ عمِّ الأحنَفِ بنِ قَيسٍ إذ جاءَنا كتابُ عُمرَ قبلَ موتِه بسَنةٍ: اقتُلوا كلَّ ساحِرٍ، فقتَلْنا ثَلاثَ سواحِرَ في يَومٍ»، وهذا اشتَهرَ فلمْ يُنكَرْ فكانَ إجماعًا، وقتَلَتْ حَفصةُ جاريةً لها سحَرَتْها، وقتَلَ جُندبُ بنُ كعبٍ ساحرًا كانَ يَسحرُ بينَ يَدَي الوليدِ بنِ عُقبةَ، ولأنه كافِرٌ، فيُقتلُ؛ للخبَرِ الذي رَوَوهُ.

стр. 13342

فصلٌ: وهل يُستتابُ الساحِرُ؟ فيه رِوايتانِ: إحداهُما: لا يُستتابُ، وهو ظاهِرُ ما نُقلَ عن الصحابةِ؛ فإنه لم يُنقَلْ عن أحَدٍ منهُم أنه استَتابَ ساحِرًا، وفي الحَديثِ الذي رَواهُ هُشامُ بنُ عُروةَ عن أبيهِ عن عائِشةَ: «أنَّ الساحِرةَ سألَتْ أصحابَ النبيِّ ﷺ وهم مُتوافرونَ هل لها مِنْ تَوبةٍ؟ فما أفتاها أحَدٌ، ولأنَّ السِّحرَ معنًى في قَلبِه لا يَزولُ بالتوبةِ، فيُشبهُ مَنْ لم يَتُبْ. والرِّوايةُ الثانيةُ: يُستتابُ، فإنْ تابَ قُبِلتْ تَوبتُه؛ لأنه ليسَ بأعظَمَ مِنْ الشِّركِ، والمُشرِكُ يُستتابُ، ومَعرفتُه السِّحرَ لا تَمنعُ قَبولَ تَوبتِه؛ فإنَّ اللهَ تعالَى قَبِلَ تَوبةَ سَحرةِ فِرعونَ وجعَلَهم مِنْ أوليائِه في ساعةٍ، ولأنَّ الساحرَ لو كانَ كافِرًا فأسلَمَ صَحَّ إسلامُه وتَوبتُه، فإذا صحَّتِ التوبةُ منهُما صحَّتْ مِنْ أحَدِهما كالكُفرِ، ولأنَّ الكُفرَ والقتلَ إنما هو بعَملِه بالسِّحرِ لا بعِلمِه؛ بدَليلِ الساحرِ إذا أسلَمَ، والعَملُ به يُمكِنُ التوبةُ منه، وكذلكَ اعتِقادُ ما يَكفرُ باعتقادِه يُمكِنُ التوبةُ منه كالشِّركِ. وهاتانِ الرِّوايتانِ في ثُبوتِ حُكمِ التوبةِ في الدنيا مِنْ سُقوطِ القَتلِ ونحوِه، فأما فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى وسُقوطُ عُقوبةِ الدارِ الآخرةِ عنه فتَصحُّ؛ فإنَّ اللهَ تعالى لم يَسُدَّ بابَ التوبةِ عن أحَدٍ مِنْ خَلقِه، ومَن تابَ إلى اللهِ قَبِلَ توبتَه، لا نَعلمُ في هذا خِلافًا. فصلٌ: والسحرُ الذي ذكَرْنا حُكمَه هو الذي يُعَدُّ في العُرفِ سِحرًا، مثلَ فِعلِ لَبيدِ بنِ الأعصَمِ حينَ سحَرَ النبيَّ ﷺ في مُشطٍ ومُشاطةٍ، وروينَا في مَغازِي الأمَويِّ أنَّ النجاشيَّ دعَا السواحِرَ فنَفخْنَ في إحليلِ عُمارةَ

стр. 13343

ابنِ الوليدِ فهامَ مع الوَحشِ، فلمْ يَزَلْ معها إلى إمارةِ عمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁، فأمسَكَه إنسانٌ فقالَ: خَلِّني وإلا مُتُّ، فلمْ يُخلِّه فماتَ مِنْ ساعتِه، وبلَغَنا أنَّ بعضَ الأمراءِ أخَذَ ساحرةً فجاءَ زوْجُها كأنه مُحتِرقٌ فقالوا: قولوا لها تَحُلُّ عني، فقالَتْ: ائتُوني بخُيوطٍ وبابٍ، فجلَسَتْ على البابِ حينَ أتَوها به وجعَلَتْ تَعقدُ وطارَ بها البابُ، فلمْ يَقدِروا عليها، فهذا وأمثالُه مثلَ أنْ يَعقدَ الرَّجلُ المُتزوجُ فلا يُطيقَ وطءَ زوجتِه هو السِّحرُ المُختلَفُ في حُكمِ صاحبِه، فأما الذي يَعزمُ على المَصروعِ ويَزعمُ أنه يَجمعُ الجِنَّ ويأمرُها فتُطيعُه فهذا لا يَدخلُ في هذا الحُكمِ ظاهِرًا، وذكَرَه القاضي وأبو الخطَّابِ في جُملةِ السَّحرةِ … فصلٌ: فأما الكاهِنُ الذي له رَئيٌّ مِنْ الجِنِّ تأتيهِ بالأخبارِ والعرَّافُ الذي يَحدسُ ويَتخرَّصُ فقدْ قالَ أحمدُ في رِوايةِ حَنبلٍ في العرَّافِ والكاهِنِ والساحِرِ: أرَى أنْ يُستتابَ مِنْ هذه الأفاعيلِ، قيلَ لهُ: يُقتلُ؟ قالَ: لا، يُحبسُ لعلَّه يَرجعُ، قالَ: والعِرَافةُ طَرفٌ مِنْ السِّحرِ، والساحرُ أخبَثُ؛ لأنَّ السِّحرَ شُعبةٌ مِنْ الكُفرِ، وقالَ: الساحِرُ والكاهِنُ حُكمُهما القتلُ أو الحَبسُ حتى يَتوبَا؛ لأنهُما يُلبِّسانِ أمْرَهما، وحَديثُ عُمرَ: «اقتُلوا كلَّ ساحِرٍ وكاهِنٍ» وليسَ هو مِنْ أمرِ الإسلامِ، وهذا يَدلُّ أنَّ كلَّ واحِدٍ منهُما فيه رِوايتانِ: إحداهُما: أنه يُقتلُ إذا لم يَتُبْ. والثانيةُ: لا يُقتلُ؛ لأنَّ حُكمَه أخَفُّ مِنْ حُكمِ الساحِرِ وقد اختُلفَ فيه، فهذا بدَرءِ القتلِ عنه أَولى.

стр. 13344

فصلٌ: فأما ساحِرُ أهلِ الكِتابِ فلا يُقتلُ لسِحرِه إلا أنْ يَقتلَ به وهو مما يُقتلُ به غالبًا، فيُقتلُ قِصاصًا. وقالَ أبو حَنيفةَ: يُقتلُ؛ لعُمومِ ما تَقدَّمَ مِنْ الأخبارِ، ولأنه جِنايةٌ أوجبَتْ قتْلَ المُسلمِ، فأوجَبَتْ قتْلَ الذميِّ كالقتلِ. ولنا: إنَّ لَبيدَ بنَ الأعصَمِ سحَرَ النبيَّ ﷺ فلمْ يَقتلْه؛ ولأنَّ الشِّركَ أعظَمُ مِنْ سِحرِه ولا يُقتلُ به، والأخبارُ ورَدَتْ في ساحرِ المُسلمينِ؛ لأنه يَكفرُ بسِحرِه، وهذا كافرٌ أصليٌّ، وقياسُهم يَنتقضُ باعتِقادِ الكُفرِ والمُتكلمِ به، ويَنتقضُ بالزنا مِنْ المُحصَنِ؛ فإنه لا يُقتلُ به الذِّميُّ عندَهم ويُقتلُ به المُسلمُ، واللهُ أعلَمُ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ الساحِرَ لا يَكونُ كافرًا بالسحرِ، ولا يَجبُ به قتلُه، إلا أنْ يكونَ ما يَسحرُ به كُفرًا، فيَصيرُ باعتقادِ الكُفرِ كافِرًا يَجبُ قَتلُه بالكُفرِ لا بالسِّحرِ. قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: فعَملُ السِّحرِ حَرامٌ، وهو مِنْ الكَبائرِ بالإجماعِ، وقد سبَقَ في كِتابِ الأيمانِ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ عَدَّه مِنْ السَّبعِ المُوبِقاتِ، وسبَقَ هناكَ شَرحُه، ومُختصرُ ذلكَ أنه قد يَكونُ كفرًا وقد لا يَكونُ كُفرًا، بل مَعصيتُه كَبيرةٌ، فإنْ كانَ فيه قَولٌ أو فِعلٌ يَقتضِي الكُفرَ كفَرَ، وإلا فَلا، وأما تَعلمُه وتَعليمُه فحَرامٌ، فإنْ تَضمَّنَ ما يَقتضِي

стр. 13345

الكُفرَ كفَرَ، وإلا فلا، وإذا لم يَكنْ فيه ما يَقتضي الكُفرَ عُزِّرَ واستُتيبَ منها ولا يَقتلُ عندَنا، فإنْ تابَ قُبِلتْ تَوبتُه (١). حُكمُ مَنْ قتَلَ غيرَه بالسِّحرِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن سحَرَ غيرَه فقتَلَه بسِحرِه، هل يُقتصُّ منه أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ مَنْ قتَلَ غيرَه بسِحرٍ اقتُصَّ منه، ويَثبتُ ذلكَ عندَ المالِكيةِ بالبيِّنةِ أو الإقرارِ. وقالَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ: هذا إذا كانَ سِحرُه يَقتلُ مثلُه غالِبًا لَزمَه القَودُ؛ لأنه قتَلَه بما يَقتلُ غالِبًا، فأشبَهَ ما لو قتَلَه بالسِّكينِ، وإنْ كانَ ممَّا لا يَقتلُ غالبًا أو كانَ مما يَقتلُ أو لا يَقتلُ ففيه الديَةُ دونَ القِصاصِ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ؛ لأنه عَمدُ الخَطأِ، فأشبَهَ ضرْبَ العَصا. وإنْ قالَ الساحِرُ: «لا أعلَمُه قاتِلًا» لم يُقبلْ قولُه على الصَّحيحِ عندَ الحَنابلةِ؛ لأنه خِلافُ الظاهِرِ. وقالَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ في قَولٍ: يُقبلُ قَولُه وعليه الديَةُ مُخفَّفةً إنْ قالَ: «سِحرِي لا يَقتلُ»، ومُغلَّظةً إنْ قالَ: «قد يَقتلُ وقد لا يَقتلُ» والغالِبُ منه السَّلامةُ. وقالَ الحَنابلةُ: وإنْ وجَبَ قتلُه كانَ قتلُه حَدًّا، وقيلَ: يُقتلُ قِصاصًا.

стр. 13346

وتجبُ ديَةُ المَقتولِ في تَركةِ الساحِرِ، كما لو ماتَ أو قتَلَ بغيرِ المَسحورِ؛ لأنه يُقتلُ حَدًّا لا قِصاصًا على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ (١). وقالَ الحَنفيةُ: الساحِرُ إذا قتَلَ بسِحرِه ولا يَعتقدُ صحةَ ذلكَ فإنْ كانَ هو الفاعِلَ بنفسِه فقدْ قتَلَ بغيرِ الحَديدِ، فإنْ تكرَّرَ منه قُتلَ على وَجهِ الحَملِ؛ لسَعيهِ في الأرضِ بالفَسادِ، وإنْ لم يَتكررْ فِعلُه فعَليهِ الديَةُ كقاتلٍ بغيرِ الحَديدِ، وإنْ كانَ المَسحورُ يَتناولُ ذلك بنَفسِه فلا قوَدَ على عاقلِ السَّببِ، كما لو ناوَلَ غيرَه السمَّ فأكَلَ (٢).

стр. 13347

حُكمُ فَكِّ السِّحرِ وإتيانِ الساحِرِ لفكِّ السِّحرِ: فكُّ السِّحرِ يَحصلُ بأمرينِ: أحَدُهما مُتفَقٌ عليه، والآخَرُ مُختلَفٌ فيهِ. الأمرُ الأولُ: فَكُّ السِّحرِ بالقُرآنِ والأدعِيةِ، فهذا لا خِلافَ بينَ العُلماءِ في جَوازِه. الأمرُ الثاني: فَكُّ السِّحرِ بالسِّحرِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ فَكِّ السحرِ بالسحرِ، هل هو جائزٌ أم لا؟ فالصَّحيحُ عندَ الحَنابلةِ في المَذهبِ وغيرِهم أنه يَجوزُ فكُّ السحرِ بالسحرِ. قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأما مَنْ يَحُلُّ السحرَ فإنْ كانَ بشيءٍ مِنْ القُرآنِ أو شَيءٍ مِنْ الذِّكرِ والأقسامِ والكَلامِ الذي لا بأسَ به فلا بأسَ به، وإنْ كانَ بشيءٍ مِنْ السِّحرِ فقدْ توقَّفَ أحمدُ عنه، قالَ الأثرمُ: سَمعتُ أبا عبدِ اللهِ سُئلَ عن رَجلٍ يَزعمُ أنه يَحُلُّ السحرَ، فقالَ: قد رخَّصَ فيه بَعضُ الناسِ، قيلَ لأبي عَبدِ اللهِ: إنه يَجعلُ في الطِّنجيرِ ماءً ويغيبُ فيه ويَعملُ كذا، فنفَضَ يَدَه كالمُنكِرِ وقالَ: ما أدري ما هذا، قيلَ له: فتَرَى أنْ يُؤتَى مثلُ هذا يَحُلُّ السحرَ؟ فقالَ: ما أدرِي ما هذا. ورُويَ عن مُحمدِ بنِ سِيرينَ أنه سُئلَ عن امرأةٍ يُعذِّبُها السحَرةُ فقالَ رَجلٌ: أخُطُّ خَطًّا عليها وأغرزُ السكينَ عندَ مَجمعِ الخَطِّ وأقرأُ القُرآنَ، فقالَ مُحمدٌ: ما أعلَمُ بقراءةِ القُرآنِ بأسًا على حالٍ، ولا أدرِي ما الخَطُّ والسكِّينُ.

стр. 13348

ورُويَ عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ في الرِّجلِ يُؤخذُ عن امرأتِه فيَلتمسُ مَنْ يُداويهِ فقالَ: إنما نهَى اللهُ عما يَضرُّ ولم يَنْهَ عمَّا يَنفعُ، وقالَ أيضًا: إنِ استَطعْتَ أنْ تَنفعَ أخاكَ فافعَلْ. فهذا مِنْ قَولِهم يَدلُّ على أنَّ المُعزِّمَ ونحوَه لم يَدخُلوا في حُكمِ السَّحرةِ، ولأنهم لا يُسمَّونَ به، وهو ممَّا يَنفعُ ولا يَضرُّ (١). قالَ البُهوتِيُّ ﵀: وإنْ كانَ حَلُّ السِّحرَ بشيءٍ مِنْ السحرِ فقدْ تَوقفَ فيه أحمَدُ، قالَ في «المُغني»: تَوقفَ أحمدُ في الحَلِّ، وهو إلى الجَوازِ أميَلُ. وسَألَه مُهنَّا عمَّن تَأتيهِ مَسحورةٌ فيُطلِقَه عنها، قالَ: لا بأسَ. قالَ الخلَّالُ: إنما كَرِهَ فِعالَه ولا يَرَى به بأسًا كما بَيَّنَه مُهنَّا، وهذا مِنْ الضَّرورةِ التي تُبيحَ فِعلَها، والمَذهبُ جَوازُه ضَرورةً (٢). وقالَ الرحيبانِيُّ ﵀: (ويَجوزُ الحَلُّ) أي: حَلُّ السحرِ بالقُرآنِ والذِّكرِ والأقسامِ والكَلامِ المُباحِ، ويَجوزُ حَلُّه أيضًا (بسِحرٍ ضَرورةً) أي: لأجْلِ الضَّرورةِ، قالَ في «المُغنِي»: تَوقَّفَ أحمَدُ في الحَلِّ وهو إلى الجَوازِ أميَلُ، وسألْتُ مُهنَّا عمَّن تأتيهِ مَسحورةٌ فيُطلِقَه عنها؟ قالَ: لا بأسَ، قالَ الخلَّالَ: إنما كَرِهَ فِعالَه ولا يرَى به بأسًا كما بيَّنَه مُهنَّا، وهذا مِنْ الضَّرورةِ التي تُبيحُ فِعلَها، والمَذهبُ جَوازُه ضَرورةً (٣).

стр. 13349

وذهَبَ ابنُ القيِّمِ وغيرُه إلى أنه حَرامٌ، قالَ ﵀: وسُئلَ ﷺ عن النُّشرةِ فقالَ: «هي مِنْ عَملِ الشَّيطانِ»، ذكَرَه أحمَدُ وأبو داودَ، والنُّشرةُ: حَلُّ السِّحرِ عن المَسحورِ، وهي نَوعانِ: حَلُّ سِحرٍ بسِحرٍ مثلِه، وهو الذي مِنْ عَملِ الشيطانِ؛ فإنَّ السحرَ مِنْ عَملِه، فيَتقرَّبُ إليه الناشِرُ والمُنتشِرُ بما يُحبُّ، فيُبطلُ عمَلَه عن المَسحورِ. والثاني: النُّشرةُ بالرُّقيةِ والتَّعوُّذاتِ والدعَواتِ والأدويَةِ المُباحةِ، فهذا جائزٌ بل مُستحَبٌّ، وعلى النوعِ المَذمومِ يُحمَلُ قولُ الحَسنِ: لا يَحُلُّ السِّحرَ إلا ساحِرٌ (١). وقالَ الإمامُ البُخاريُّ ﵀: باب: هل يُستخرجُ السِّحرُ، وقالَ قَتادةُ: قُلتُ لسَعيدِ بنِ المُسيبِ: رَجلٌ به طِبٌّ أو يُؤخَّذُ عن امرأتِه، أيُحَلُّ عنه أو يُنشَّرُ؟ قالَ: لا بأسَ به، إنما يُريدونَ به الإصلاحَ، فأما ما يَنفعُ الناسَ فلم يُنْهَ عنهُ (٢). قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: واختَلفَ السَّلفُ، هل يُسألُ الساحِرُ عن حَلِّ السحرِ عن المَسحورِ؟ فأجازَه سَعيدُ بنُ المُسيبِ على ما ذكَرَه البُخاريُّ، وكَرهَه الحَسنُ البَصريُّ وقالَ: لا يَعلمُ ذلكَ إلا ساحرٌ ولا يَجوزُ إتيانُ الساحِرِ؛ لِما رَوى سُفيانُ عن أبي إسحاقَ عن هُبيرةَ عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ قالَ: «مَنْ مَشَى إلى ساحرٍ أو كاهنٍ فصدَّقَه بما يَقولُ فقدْ كفَرَ بما

стр. 13350

أُنزلَ على مُحمدٍ ﵇»، قالَ الطبَريُّ: وليسَ ذلكَ عندي سواءً؛ وذلكَ أنَّ مَسألةَ الساحرِ عقْدَ السحرِ مَسألةٌ منه أنْ يَضرَّ مَنْ لا يَحلُّ ضَررُه، وذلكَ حَرامٌ مِنْ غيرِ حَصرِ مُعالجتِهم منها على صِفةٍ دونَ صِفةٍ، فسَواءٌ كانَ المُعالجُ مُسلمًا تقيًّا أو مُشركًا ساحرًا بعدَ أنْ يكونَ الذي يَتعالجُ به غيرَ محرمٍ، وقد أَذِنَ النبيُّ ﵇ في التعالُجِ وأمَرَ به أمَّتَه فقالَ: «إنَّ اللهَ لم يُنزلْ داءً إلا وأنزَلَ له شِفاءً، وعَلِمَه مَنْ عَلِمَه وجَهِلَه مَنْ جَهِلَه»، فسَواءٌ كانَ عليمَ ذلكَ وحَلَّه عندَ ساحِرٍ أو غيرِ ساحرٍ، وأما معنَى نهيِه ﵇ عن إتيانِ السَّحرةِ فإنما ذلكَ على التَّصديقِ لهُم فيما يَقولونَ على عِلمِ مَنْ أتاهُم بأنهُم سحَرةٌ أو كُهَّانٌ، فأما مَنْ أتاهُم لغيرِ ذلكَ وهو عالمٌ به وبحالِه فليسَ بمَنهيٍّ عنه عن إتيانِه (١). وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: واختَلفُوا هل يُسألُ الساحِرُ حَلَّ السحرِ عن المَسحورِ؟ فأجازَه سَعيدُ بن المُسيبِ على ما ذكَرَه البخاريُّ، وإليه مالَ المُزَنِيُّ، وكَرهَه الحسنُ البصريُّ (٢). وقالَ الإمامُ القَرافِيُّ ﵀: واختَلفَ السَّلفُ هل يَجوزُ أنْ يُسألَ الساحِرُ حَلَّ السحرِ عن المَسحورِ أم لا؟ فكَرهَ الحَسنُ البصريُّ ذلكَ؛ لأنه عَملُ سِحرٍ، وقالَ: لا يَعملُ ذلكَ إلا ساحِرٌ ولا يَجوزُ إتيانُ الساحِرِ؛ لِما رُويَ عن ابنِ مَسعودٍ: «مَنْ أتَى إلى كاهِنٍ أو ساحِرٍ فقدْ كفَرَ بما أُنزلَ على

стр. 13351

مُحمدٍ ﷺ »، وأجازَه ابنُ المُسيبِ لأنه رآهُ نَوعًا مِنْ العِلاجِ، فيُخصصُ بذلكَ في قولِه: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] ذكَرَه البخاريُّ، وأما ما حكاهُ فيها مِنْ قَولِ ابنِ الغرسِ وانظرْ هل يَجوزُ السحرُ في الإصلاحِ بينَ نَفسَينِ كالمرأةِ تَبغي إصلاحَ زَوجِها واستِئلافَه؟ وعلى القولِ بأنَّ السحرَ كُفرٌ فإنما يُرادُ ما شَهدَ الشرعُ له بأنه كفرٌ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ حَجرٍ ﵀: وقد أجازَ بَعضُ العُلماءِ تَعلُّمَ السحرَ لأحدِ أمرَينِ: إما لتَمييزِ ما فيه كُفرٌ مِنْ غيرِه، وإما لأزالتِه عمَّن وقَعَ فيه. فأما الأولُ: فلا مَحذورَ فيه إلا مِنْ جِهةِ الاعتقادِ، فإذا سَلِمَ الاعتقادُ فمَعرفةُ الشيءِ بمُجرَّدِه لا تَستلزمُ منعًا، كمَن يَعرفُ كَيفيةَ عبادةِ أهلِ الأوثانِ للأوثانِ؛ لأنَّ كَيفيةَ ما يَعملُه الساحرُ إنما هيَ حكايةُ قَولٍ أو فعلٍ، بخِلافِ تَعاطيهِ والعَملِ به. وأما الثاني: فإنْ كانَ لا يَتمُّ كما زعَمَ بعضُهم إلا بنوعٍ مِنْ أنواعِ الكفرِ أو الفِسقِ فلا يَحِلُّ أصلًا، وإلا جازَ؛ للمعنَى المَذكورِ (٢). وقالَ في مَوضعٍ آخرَ: قولُه -أي البُخاريِّ-: «باب: هل يُستخرجُ السِّحرُ؟» كذا أورَدَ التَّرجمةَ بالاستِفهامِ؛ إشارةً إلى الاختِلافِ، وصدَّرَ بما نقَلَه عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ مِنْ الجَوازِ؛ إشارةً إلى تَرجيحِه.

стр. 13352

قولُه: «وقالَ قَتادةُ: قلتُ لسعيدِ بنِ المُسيبِ إلخ» وصَلَه أبو بكرٍ الأثرمُ في كِتابِ «السُّنن» مِنْ طريقِ أبانَ العطَّارِ عن قَتادةَ، ومثلُه مِنْ طَريقِ هشامِ الدَّستوائيِّ عن قَتادةَ بلفظِ: «يَلتمسُ مِنْ يُداويهِ، فقالَ: إنما نهَى اللهُ عمَّا يَضرُّ ولم يَنْهَ عمَّا يَنفعُ»، وأخرَجَه الطبَريُّ في «التَّهذِيب» مِنْ طَريقِ يَزيدَ بنِ زُريعٍ عن قَتادةَ عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ أنه كانَ لا يَرَى بأسًا إذا كانَ بالرَّجلِ سِحرٌ أنْ يَمشيَ إلى مَنْ يُطلِقُ عنه، فقالَ: هو صَلاحٌ، قالَ قَتادةُ: وكانَ الحَسنُ يَكرهُ ذلكَ، يقولُ: لا يَعلمُ ذلكَ إلا ساحِرٌ، قالَ: فقالَ سَعيدُ بنُ المُسيبِ: إنما نهَى اللهُ عما يَضرُّ ولم يَنْهَ عما يَنفعُ. وقد أخرَجَ أبو داودَ في «المَراسِيل» عن الحَسنِ رفَعَه «النُّشرةَ مِنْ عَملِ الشَّيطانِ»، ووصَلَه أحمَدُ وأبو داودَ بسَندٍ حَسنٍ عن جابِرٍ، قالَ ابنُ الجَوزيِ: النُّشرةُ حَلُّ السحرِ عن المَسحورِ، ولا يَكادُ يَقدرُ عليهِ إلا مَنْ يَعرفُ السِّحرَ، وقد سُئلَ أحمَدُ عمَّن يُطلِقُ السحرَ عن المَسحورِ فقالَ: لا بأسَ به، وهذا هو المُعتمَدُ. ويُجابُ عن الحَديثِ والأثَرِ بأنَّ قولَه: «النُّشرةُ مِنْ عَملِ الشَّيطانِ» إشارةٌ إلى أصلِها، ويَختلفُ الحُكمُ بالقَصدِ، فمَن قصَدَ بها خَيرًا كانَ خيرًا، وإلا فهو شَرٌّ، ثم الحَصرُ المَنقولُ عن الحَسنِ ليسَ على ظاهرِه؛ لأنه قد يَنحلُّ بالرُّقَى والأدعيَةِ والتَّعويذِ، ولكنْ يُحتملُ أنْ تكونَ النُّشرةُ نَوعينِ. قولُه: «به طِبٌّ» بكَسرِ الطاءِ، أي: سِحرٌ، وقد تَقدَّمَ تَوجيهُه.

стр. 13353

قولُه: «أو يُؤخَّذُ» بفَتحِ الواوِ مَهموزٌ وتَشديدِ الخاءِ المُعجَمةِ وبعدَها مُعجمةٌ، أي: يُحبَسُ عن امرأتِه ولا يَصلُ إلى جِماعِها، والأُخذةُ بضَمِّ الهَمزةِ: هي الكلامُ الذي يَقولُه الساحِرُ، وقيلَ: خَرزةٌ يُرقَى عليها، أو: هيَ الرُّقيةُ نفسُها. قولُه: «أو يُحَلُّ عنه» بضَمِّ أولِه وفَتحِ المُهمَلةِ، قولُه: «أو يُنشَّرُ» بتَشديدِ المُعجَمةِ: مِنْ النُّشرةِ بالضمِّ: وهي ضَربٌ مِنْ العلاجِ يُعالجُ به مَنْ يُظنُّ أنَّ به سِحرًا أو مَسًّا مِنْ الجنِّ، قيلَ لها ذلكَ لأنه يُكشفُ بها عنه ما خالَطَه مِنْ الداءِ، ويُوافِقُ قول سَعيدِ بنِ المُسيبِ ما تَقدَّمَ في بابِ الرُّقيةِ في حَديثِ جابرٍ عندَ مُسلمٍ مَرفوعًا: «مَنْ استَطاعَ أنْ يَنفعَ أخاهُ فلْيَفعلْ»، ويُؤيِّدُ مَشروعيةَ النُّشرةِ ما تَقدَّمَ في حَديثِ: «العَينُ حَقٌّ» في قِصةِ اغتسالِ العائِنِ، وقد أخرَجَ عبدُ الرزَّاقِ مِنْ طريقِ الشَّعبيِ قالَ: لا بأسَ بالنُّشرةِ العَربيةِ التي إذا وُطِئتْ لا تَضرُّه، وهي أنْ يخرجَ الإنسانُ في مَوضعٍ عِضاهُ فيَأخذَ عن يَمينِه وعن شِمالِه مِنْ كلٍّ ثمَّ يَدقَّه ويَقرأَ فيه ثم يَغتسلَ به، وذكَرَ ابنُ بطَّالٍ أنَّ في كُتبِ وَهبِ بنِ مُنبِّهٍ: أنْ يَأخذَ سبْعَ ورَقاتٍ مِنْ سِدرٍ أخضَرَ فيَدقَّه بينَ حَجرينِ ثم يَضربَه بالماءِ ويَقرأَ فيه آيةَ الكُرسيِّ والقَوافِلَ ثم يَحسوَ منه ثَلاثَ حسَواتٍ ثم يَغتسلَ به، فإنه يُذهبُ عنه كلَّ ما به، وهو جَيدٌ للرَّجلِ إذا حُبسَ عن أهلِه. وممَّن صرَّحَ بجَوازِ النُّشرةِ المُزَنِيُّ صاحبُ الشافعيِّ وأبو جَعفرٍ الطبَريُّ وغيرُهما، ثم وقَفتُ على صِفةِ النُّشرةِ في كتابِ «الطِّبّ النَّبوِي»

стр. 13354

لجَعفرٍ المُستغفِريِّ قالَ: وجَدتُ في خَطِّ نَصوحِ بنِ واصلٍ على ظَهرِ جُزءٍ مِنْ تَفسيرِ قُتيبةَ بنِ أحمَدَ البُخاريِّ قالَ: قالَ قَتادةُ لسَعيدِ بنِ المُسيبِ: رَجلٌ به طِبٌّ أُخذَ عن امرأتِه أيَحِلُّ له أنْ ينشرَ؟ قالَ: لا بأسَ، إنما يريدُ به الإصلاحَ، فأما ما يَنفعُ فلم يُنْهَ عنه، قالَ نَصوحٌ: فسَألني حمَّادُ بنُ شاكرٍ: ما الحَلُّ وما النُّشرةُ؟ فلمْ أعرِفْهما، فقالَ: هو الرَّجلُ إذا لم يَقدرْ على مُجامَعةِ أهلِه وأطاقَ ما سِواها فإنَّ المُبتلَى بذلكَ يَأخذُ حُزمةَ قُضبانٍ وفأسًا ذا قِطارَينِ ويَضعُه في وَسطِ تلكَ الحُزمةِ ثمَّ يُؤجِّجُ نارًا في تلكَ الحُزمةِ حتى إذا ما حمَى الفأسُ استَخرجَه مِنْ النارِ وبالَ على حَرِّه، فإنه يَبرأُ بإذنِ اللهِ تعالَى، وأما النُّشرةُ فإنه يَجمعُ أيامَ الرَّبيعِ ما قدَرَ عليه مِنْ وَردِ المُفَارةِ ووَردِ البَساتينِ ثم يَلقيها في إناءٍ نَظيفٍ ويَجعلُ فيهما ماءً عذبًا ثم يَغلي ذلك الوَردَ في الماءِ غَليًا يَسيرًا ثم يمهلُ حتَّى إذا فتَرَ الماءُ أفاضَه عليهِ، فإنه يَبرأُ بإذنِ اللهِ تعالى، قالَ حاشِدٌ: تَعلَّمتُ هاتينِ الفائدَتينِ بالشامِ، قلتُ: وحاشدٌ هذا مِنْ رُواةِ الصَّحيحِ عنِ البُخاريِّ، وقد أغفَلَ المُستغفِريُّ أنَّ أثَرَ قَتادةَ هذا علَّقَه البُخاريُّ في صَحيحِه، وأنه وصَلَه الطبَريُّ في تَفسيرِه، ولو اطَّلعَ على ذلكَ ما اكتَفى بعَزوِه إلى تَفسيرِ قُتيبةَ بنِ أحمَدَ بغيرِ إسنادٍ، وأغفَلَ أيضًا أثَرَ الشعبيِّ في صِفتِه، وهو أعلى ما اتَّصلَ بنا مِنْ ذلكَ، ثم ذكَرَ حَديثَ عائِشةَ في قِصةِ سِحرِ النبيِّ ﷺ (١).

стр. 13355

مالُ المرتَدِّ وأملاكُه: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المُرتدَّ لا يُحكَمُ بزَوالِ مِلكِه بمُجرَّدِ رِدتِه، فإنْ رجَعَ إلى الإسلامِ فمِلكُه باقٍ له، وإنْ ماتَ أو قُتلَ زالَ مِلكُه بمَوتِه. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه على أنَّ المُرتدَّ بارتِدادِه لا يَزولُ مِلكُه مِنْ مالِه، وأجمَعوا أنَّ برُجوعِه إلى الإسلامِ مالُه مَردودٌ إليه ما لم يَلحقْ بدارِ حَربٍ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا يُحكَمُ بزَوالِ مِلكِ المُرتدِّ بمُجرَّدِ رِدتِه في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ، قالَ ابنُ المُنذرِ: أجمَعَ على هذا كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ. فعَلى هذا إنْ قُتلَ أو ماتَ زالَ مِلكُه بمَوتِه، وإنْ راجَعَ الإسلامَ فمِلكُه باقٍ له. وقالَ أبو بَكرٍ: يَزولُ مِلكُه برِدتِه، وإنْ راجَعَ الإسلامَ عادَ إليه تَمليكًا مُستأنَفًا؛ لأنَّ عِصمةَ نَفسِه ومالِه إنما تَثبَتْ بإسلامِه، فزَوالُ إسلامِه يُزيلُ عِصمتَهما كما لو لَحِقَ بدارِ الحَربِ، ولأنَّ المُسلمينَ مَلَكوا إراقةَ دَمِه برِدتِه، فوجَبَ أنْ يَملِكوا مالَه بها. وقالَ أصحابُ أبي حَنيفةَ: مالُه مَوقوفٌ، إنْ أسلَمَ تَبينَّا بقاءَ مِلكِه، وإنْ ماتَ أو قُتلَ على رِدتِه تَبينَّا زَوالَه مِنْ حِينِ رِدتِه.

стр. 13356

قالَ الشريفُ أبو جَعفرٍ: هذا ظاهر كَلامِ أحمَدَ، وعن الشافِعيِّ ثَلاثةُ أقوالٍ كهذهِ الثلاثةِ. ولنا: إنه سَببٌ يُبيحُ دَمَه، فلم يَزُلْ مِلكُه كزِنا المُحصَنِ والقتلِ لمَن يُكافئُه عَمدًا، وزَوالُ العِصمةِ لا يَلزمُ منه زَوالُ المِلكِ؛ بدليلِ الزاني المُحصَنِ والقاتِلِ في المُحارَبةِ وأهلِ الحَربِ؛ فإنَّ مِلكَهم ثابتٌ مع عدمِ عِصمتِهم، ولو لَحِقَ المُرتدُّ بدارِ الحَربِ لم يَزُلْ مِلكُه، لكنْ يُباحُ قتلُه لكلِّ أحَدٍ مِنْ غيرِ استِتابةٍ وأخذُ مالِه لمَن قدَرَ عليه؛ لأنه صارَ حَربيًّا حُكمُه حُكمُ أهلِ الحَربِ. وكذلكَ لو ارتَدَّ جَماعةٌ وامتَنَعوا في دارِهم عن طاعةِ إمامِ المُسلمينَ زالَتْ عِصمتُهم في أنفُسِهم وأموالِهم؛ لأنَّ الكفَّارَ الأصليِّينَ لا عِصمةَ لهم في دارِهم، فالمُرتدُّ أَولى. فصلٌ: ويُؤخذُ مالُ المُرتدِّ فيُجعلُ عندَ ثِقةٍ مِنْ المُسلمينَ، وإنْ كانَ له إماءٌ جُعِلْنَ عندَ امرأةٍ ثقةٍ؛ لأنهنَّ مُحرَّماتٌ عليه، فلا يُمكَّنُ منهنَّ، وذكَرَ القاضي أنه يُؤجَّرُ عقارُه وعَبيدُه وإماؤُه، والأَولى أنْ لا يُفعلَ؛ لأنَّ مدَّةَ انتظارِه فيها ضَررٌ، فلا يفوتُ عليه مَنافعُ مِلكِه فيما لا يَرضاهُ مِنْ أجْلِها؛ فإنه ربَّما راجَعَ الإسلامَ، فيَمتنعُ عليه التصرُّفُ في مالِه بإجارةِ الحاكِمِ له، وإنْ لَحِقَ بدارِ الحَربِ أو تَعذَّرَ قتلُه مُدةً طويلةً فعَلَ الحاكمُ ما يَرَى الحظَّ فيه مِنْ بَيعِ الحيَوانِ الذي يَحتاجُ إلى النفقةِ وغيرِه وإجارةِ ما يَرَى إبقاءَه، والمُكاتبُ يُؤدِّي إلى الحاكِمِ، فإذا أدَّى عُتقَ؛ لأنه نائِبٌ عنه (١).

стр. 13357

تَصرُّفاتُ المرتَدِّ بالبَيعِ والشِّراءِ حالَ الرِّدةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في تَصرُّفاتِ المُرتدِّ في حالِ ردَّتِه، هل هيَ مَوقوفةٌ فإنْ عادَ إلى الإسلامِ تَبينَّا أنَّ تَصرُّفاتِه صَحيحةٌ وإنْ لم يَعُدْ تَبينَّا أنَّ تَصرُّفاتِه باطِلةٌ؟ على أقوالٍ. فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ تَصرُّفاتِ المُرتدِّ في رِدتِه بالبيعِ والهِبةِ والعِتقِ والتَّدبيرِ والوَصيةِ ونحوِ ذلك مَوقوفةٌ، إنْ أسلَمَ تَبينَّا أنَّ تَصرُّفَه كانَ صَحيحًا، وإنْ قُتلَ أو ماتَ على رِدتِه كانَ باطلًا؛ لأنَّ مِلكَه تَعلَّقَ به حَقُّ غيرِه مع بَقاءِ مِلكِه فيه، فكانَ تَصرُّفُه مَوقوفًا كتَبرعِ المَريضِ. وتَفصيلُ ذلكَ فيما يلي: قالَ الحَنفيةُ: يَزولُ مِلكُ المُرتدِّ عن أملاكِه برِدَّتِه زَوالًا مُراعًى -أي مَوقوفًا- إلى أنْ يَتبيَّنَ حالُه؛ لأنه بالرِّدةِ زالَتْ عِصمةُ دَمِه، فكذا عِصمةُ مالِه. فإنْ أسلَمَ عادَتْ أملاكُه على حالِها، وإنْ قُتلَ أو ماتَ على ردَّتِه انتَقلَ ما اكتَسبَه في حالِ إسلامِه إلى وَرثَتِه المُسلِمينَ، وكانَ ما اكتَسبَه في حالِ ردَّتِه فَيئًا، يعني أنه يُوضعُ في بَيتِ المالِ، فكذا إذا لَحِقَ بدارِ الحَربِ مُرتدًّا، وحُكمَ بلحاقِه؛ لأنَّ مِلكَه في الكَسبِ بعدَ الرِّدةِ باقٍ، فيَنتقلُ بمَوتِه إلى وَرثتِه، ويَستندُ التَّوريثُ إلى ما قبلَ ردَّتِه؛ إذِ الرِّدةُ سَببُ المَوتِ، فيَكونُ تَوريثُ المُسلمِ مِنْ المُسلمِ، ولأنَّ الرِّدةَ لمَّا كانَتْ سَببًا للمَوتِ جُعِلتْ مَوتًا حُكمًا، فكانَ آخِرُ جُزءٍ مِنْ أجزاءِ إسلامِه آخِرَ جُزءٍ مِنْ أجزاءِ حَياتِه حُكمًا، فيَرثُ الوارِثُ المُسلِمُ ما كانَ مِلكًا له في تلكَ الحالِ.

стр. 13358

ولأنَّ كسْبَه في حالِ ردَّتِه كسبُ مُباحِ الدَّمِ، وليسَ فيه حَقٌّ لأحَدٍ، فكانَ فيئًا كمالِ الحَربيِّ. لُحوقُ المُرتدِّ بدارِ الحَربِ: إنْ لَحِقَ المُسلِمُ بدارِ الحَربِ مُرتدًّا وحكَمَ الحاكِمُ بلحاقِه حلَّتْ الدُّيونُ التي عليهِ، ونُقلَ ما اكتَسبَه في حالِ الإسلامِ إلى وَرثتِه مِنْ المُسلمينَ؛ لأنه باللحاقِ صارَ مِنْ أهلِ دارِ الحَربِ وهم أمواتٌ في حقِّ أحكامِ أهلِ الإسلامِ؛ لانقِطاعِ ولايةِ الإلزامِ كما هي مُنقطِعةٌ عن المَوتَى، فصارَ كالمَوتِ، إلا أنه لا يَستقرُّ لحاقُه إلا بقَضاءِ القاضي؛ لاحتِمالِ العَودِ إلينا، فلا بُدَّ مِنْ القَضاءِ. وتُقضَى الدُّيونُ التي لَزمَته في حالِ الإسلامِ ممَّا اكتَسبَه في حالِ الإسلامِ، وما لَزمَه مِنْ الدُّيونِ في حالِ ردَّتِه يُقضَى ممَّا اكتَسبَه في حالِ ردَّتِه، فإنْ لم تَفِ كانَ الباقي فيما اكتَسبَه في حالِ الإسلامِ؛ لأنَّ كسْبَ الإسلامِ حَقُّ الوَرثةِ وكسْبَ الرِّدةِ خالِصُ حَقِّه، فكانَ قَضاءُ الدَّينِ منه أَولى، إلا إذا لم يَفِ فحِينئذٍ يُقضَى مِنْ كَسبِ الإسلامِ. تَصرُّفُ المُرتدِّ بالبيعِ والشِّراءِ بعدَ الرِّدةِ: وما باعَه أو اشتَراهُ أو تَصرَّفَ فيه مِنْ أموالِه في حالِ ردَّتِه مَوقوفٌ، فإنْ أسلَمَ صحَّتْ عُقودُه، وإنْ ماتَ أو قُتلَ أو لَحقَ بدارِ الحَربِ بَطلَتْ. أموالُ المُرتدِّ إذا عادَ إلى الإسلامِ: وإذا عادَ المُرتدُّ بعدَ الحُكمِ بلحاقِه إلى دارِ الإسلامِ مُسلِمًا فما وجَدَهُ في يدِ ورثتِه مِنْ مالِه بعَينِه أخَذَه؛ لأنَّ الوارِثَ إنَّما يَخلفُه لاستِغنائِه عنه، فإذا عادَ مُسلِمًا احتاجَ إليه فيُقدَّمُ عليه.

стр. 13359

وأمَّا إذا باعَه الوارِثُ قبلَ الرُّجوعِ أو وهَبَه فلا رُجوعَ له فيه؛ لأنَّ المِلكَ زالَ عمَّن يَملكُه، فصارَ كمِلكِ المَوهوبِ له إذا زالَ، فإنه يَسقطُ حَقُّ الرُّجوعِ، كذلكَ هذا، ولا ضَمانَ على الوارِثِ فيما تَصرَّفَ فيه قبلَ رُجوعِه مُسلِمًا؛ لأنه تَصرَّفَ على ظاهرِ مِلكِه كتَصرُّفِ المَوهوبِ له، وهذا كلُّه إذا لَحقَ وحُكمَ بلحاقِه، أمَّا إذا رجَعَ مُسلمًا قبلَ أنْ يُحكمَ بلحاقِه فجَميعُ أموالِه على حالِها. تَصرُّفُ المُرتدَّةِ في مالِها حالَ ردَّتِها: والمُرتدَّةُ إذا تَصرَّفتْ في مالِها في حالِ ردَّتِها جازَ تَصرُّفُها؛ لأنَّ مِلكَها لا يَزولُ بردَّتِها، ثمَّ هي لا تُقتلُ ولكنْ تُحبسُ وتُجبَرُ على الإسلامِ، فإنْ ماتَتْ في الحَبسِ أو لَحقَتْ بدارِ الحربِ كانَ مالُها مِيراثًا لوَرثتِها، ولا يَرثُ زوجُها منهُ شيئًا؛ لأنَّ الفُرقةَ وقعَتْ بالرِّدةِ، إلا إذا ارتدَّتْ وهي مَريضةٌ فماتَتْ مِنْ ذلكَ المَرضِ حينئذٍ يَرثُ منها؛ لأنها قصَدَتِ الفِرارَ، والزوجُ إذا ارتَدَّ وهو صَحيحٌ فإنها تَرثُ منه؛ لأنه يُقتلُ، فأشبَه الطلاقَ في مَرضِ المَوتِ (١). وعِندَ الشافِعيةُ ثَلاثةُ أقوالٍ في بَقاءِ مِلكِ المُرتدِّ على مالِه وفي جَوازِ تَصرُّفِه: أحَدُها: أنَّ مالَه باقٍ على مِلكِه وتَصرُّفَه فيه قبلَ الحَجرِ عليه صَحيحٌ؛ لأنَّ الرِّدةَ معنًى يُوجِبُ القتلَ، فلمْ يَزُلْ بها المِلكُ ولم يَبطلْ بها تصرُّفُه كزنَى المُحصَنِ.

стр. 13360

والثَّاني: أنَّ مِلكَه يَزولُ عن مالِه بالرِّدةِ، فعلى هذا لا يَصحُّ تَصرفُه فيهِ؛ لما رُوِيَ أنَّ أبا بَكرٍ الصدِّيقَ ﵁ وأرضاهُ قالَ لوَفدِ بزاخةَ مِنْ أسدٍ وغَطفانَ: «نَغنَمُ ما أصَبْنا منكُم، وتَردُّونَ إلينا ما أصَبتُم مِنَّا»، ولأنه عُصِمَ دَمُه ومالُه بالإسلامِ، فلمَّا ملَكَ المُسلمونَ دَمَه برِدتِه .. وجَبَ أنْ يَملِكوا مالَه بردَّتِه. والثالِثُ -وهو الأظهَرُ والصَّحيحُ في المَذهبِ-: أنَّ مِلكَه وتصرُّفَه مَوقوفانِ، فإنْ أسلَمَ .. تَبيَّنَ أنْ مِلكَه لم يَزُلْ وتَصرَّفَه صَحيحٌ، وإنْ ماتَ على الرِّدةِ أو قُتلَ عليها .. تَبينَّا أنَّ مِلكَه زالَ بالرِّدةِ وأنَّ تَصرفَه باطلٌ؛ لأنه نَوعُ مِلكٍ للمُرتدِّ، فكانَ مَوقوفًا كمِلكِه لبُضعِ زَوجتِه. فعلى هذا تَتوقَّفُ أملاكُه لمَوتِه، فإنْ ماتَ مُرتدًّا فقدْ زالَتْ مِلكيَّتُه عن أملاكِه، فمالُه فَيءٌ لبَيتِ المالِ، وإنْ ماتَ مُسلمًا فمالُه له. وتَصرُّفُ المُرتدِّ بغيرِ عِوضٍ مَوقوفٌ، إنْ أسلَمَ نفَذَ وإلا فلا، وتَصرفُه بعِوضٍ كبَيعٍ وشِراءٍ باطلٌ، ويُجعلُ مالهُ عندَ عَدلٍ ليَحفظَه. ويُفصَلُ بينَه وبينَ زوجتِه، ويُعتبَرُ عقدُ الزواجِ بينَهُما مَوقوفًا، فإنْ تابَ ورجَعَ إلى الإسلامِ خِلالَ مدَّةِ العدَّةِ عادَتْ إليه زَوجتُه بدونِ عقدٍ ولا رَجعةٍ، ويَتبيَّنُ استِمرارُ عَقدِه الأصليِّ صَحيحًا، وإنْ لم يَتبْ خلالَ مدَّةِ العِدةِ فُسخَ العقدُ، وتَبيَّنَ أنَّ فسْخَه كانَ منذُ ساعةِ ارتِدادِه، فإذَا تابَ بعدَ ذلكَ لم يَكنْ له أنْ يَعودَ إليها إلا بعَقدٍ ومَهرٍ جَديدينِ. ويَحرمُ تَغسيلُه وتَكفينُه والصلاةُ عليهِ، ولا يُدفنُ في مَقابرِ المُسلمينَ، بل تُحفرُ له حُفرةٌ في مَكانٍ ما بَعيدًا عن مَقابرِ المُسلمينَ ويُوارَى فيها.

стр. 13361

ولا يَرثُه أحَدٌ مِنْ أقاربِه؛ لانقِطاعِ الأساسِ الذي تَقومُ عليه القَرابةُ المُعتبَرَةُ في الإسلامِ، وهو وِحدةُ الدِّينِ؛ ولأنَّ مِلكيتَه تَزولُ عنِ الأموالِ التي في حَوزتِه بالرِّدةِ، غيرَ أنه لا يُقضَى بذلكَ إلا بعدَ مَوتِه مُرتدًّا كما سبَقَ، إذْ يَتبيَّنُ بذلكَ أنه منذُ اللَّحظةِ التي ارتَدَّ فيها عن الإسلامِ لم يَعُدْ مالكًا لشَيءٍ ممَّا تَمتدُّ يَدُه عليه (١). وقالَ الحَنابلةُ: مَنْ ارتَدَّ لم يَزُلْ مِلكُه، بل يَكونُ مَوقوفًا وتَصرُّفاتُه مَوقوفةً، فإنْ أسلَمَ ثبَتَ مِلكُه وتَصرُّفاتُه، وإلا بَطلَتْ، فعلى هذا تَصرُّفاتُه في رِدتِه بالبيعِ والهِبةِ والعِتقِ والتَّدبيرِ والوَصيةِ ونحوِ ذلكَ مَوقوفةٌ؛ إنْ أسلَمَ تَبينَّا أنَّ تصرُّفَه كانَ صَحيحًا، فإنْ قُتلَ أو ماتَ كانَ باطلًا؛ لأنه سَببٌ يُبيحُ دَمَه، فلمْ يَزُلْ مِلكُه كزنَا المُحصَنِ والقتلِ لمَن يُكافئُه عَمدًا، وزوالُ العِصمةِ لا يَلزمُ منه زَوالُ المِلكِ، بدليلِ الزاني المُحصَنِ والقاتِلِ في المُحارَبةِ وأهلِ الحَربِ؛ فإنَّ مِلكَهم ثابتٌ مع عدمِ عِصمتِهم، ولو لَحِقَ المُرتدُّ بدارِ الحَربِ لم يَزُلْ مِلكُه، لكنْ يُباحُ قتلُه لكلِّ أحَدٍ مِنْ غيرِ استِتابةٍ وأخذُ مالِه لمَن قدَرَ عليه؛ لأنه صارَ حَربيًّا حُكمُه حُكمُ أهلِ الحَربِ. وكذلكَ لو ارتَدَّ جَماعةٌ وامتَنَعوا في دارِهم عن طاعةِ إمامِ المُسلمينَ زالَتْ عِصمتُهم في أنفُسِهم وأموالِهم؛ لأنَّ الكفَّارَ الأصليِّينَ لا عِصمةَ لهم في دارِهم، فالمُرتدُّ أَولى.

стр. 13362

ويُؤخذُ مالُ المُرتدِّ فيُجعلُ عندَ ثِقةٍ مِنْ المُسلمينَ، وإنْ كانَ له إماءٌ جُعِلْنَ عندَ امرأةٍ ثقةٍ؛ لأنهنَّ مُحرَّماتٌ عليه، فلا يُمكَّنُ منهنَّ، وذكَرَ القاضي أنه يُؤجَّرُ عقارُه وعَبيدُه وإماؤُه، والأَولى أنْ لا يُفعلَ؛ لأنَّ مدَّةَ انتظارِه فيها ضَررٌ، فلا يفوتُ عليه مَنافعُ مِلكِه فيما لا يَرضاهُ مِنْ أجْلِها؛ فإنه ربَّما راجَعَ الإسلامَ، فيَمتنعُ عليه التصرُّفُ في مالِه بإجارةِ الحاكِمِ له، وإنْ لَحِقَ بدارِ الحَربِ أو تَعذَّرَ قتلُه مُدةً طويلةً فعَلَ الحاكمُ ما يَرَى الحظَّ فيه مِنْ بَيعِ الحيَوانِ الذي يَحتاجُ إلى النفقةِ وغيرِه وإجارةِ ما يَرَى إبقاءَه، والمُكاتبُ يُؤدِّي إلى الحاكِمِ، فإذا أدَّى عُتقَ؛ لأنه نائِبٌ عنه. وإنْ تزوَّجَ لم يَصحَّ تَزوجُه؛ لأنه لا يُقَرُّ على النكاحِ، وما منَعَ الإقرارَ على النكاحِ منَعَ انعقادَه كنِكاحِ الكافرِ المُسلمةَ، وإنْ زوَّجَ لم يَصحَّ تَزويجُه؛ لأنَّ وِلايتَه على مُوليتِه قد زَالتْ برِدتِه، وإنْ زوَّجَ أمَتَه لم يَصحَّ؛ لأنَّ النكاحَ لا يَكونُ مَوقوفًا، ولأنَّ النكاحَ وإنْ كانَ في الأمَةِ فلا بُدَّ في عَقدِه مِنْ وِلايةٍ صَحيحةٍ؛ بدَليلِ أنَّ المَرأةَ لا يَجوزُ أنْ تُزوِّجَ أمَتَها، وكذلكَ الفاسِقُ، والمُرتَدُّ لا وِلايةَ له؛ فإنه أدنَى حالًا مِنْ الفاسِقِ الكافِرِ (١). وقالَ المالِكيةُ: المُرتدُّ يُحجَرُ عليه حالَ الرِّدةِ، فإنْ تابَ ورجَعَ للإسلامِ فإنَّ مالَه يَرجعُ له على المَشهورِ؛ لأنَّ الراجِحَ أنَّ المُرتدَّ يكونُ مَحجورًا عليه بنَفسِ الارتدادِ، فيُوقَفُ مالُه ليُنظَرَ حالُه، فإنْ أسلَمَ رُدَّ إليه.

стр. 13363

ومُقابلُ الرَّاجحِ: لا يكونُ مَحجورًا عليه بنَفسِ الارتدادِ، وأنه لا يُنزعُ منه مالُه. قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: وفيه نَظرٌ؛ فإنَّ وقْفَ مالِه بمُجرَّدِ الرِّدةِ مُتفَقٌ عليه، وإنما الخِلافُ هل يَرجعُ له إذا تابَ -وهو المَشهورُ-؟ أو يَكونُ فَيئًا مُطلَقًا كالمأخوذِ مِنْ الحَربيِّ؟ والأولُ مَذهبُ «المُدوَّنة»، والثاني لسحنُونٍ. وفائِدةُ الوَقفِ عليه مع أنهُ لا يَعودُ إليه مُطلَقًا احتِمالُ أنْ تَظهرَ عليه دُيونٌ، فتُؤخَذُ منه، ولأنه إذا رَأى مالَه مَوقوفًا لعلَّه يَتوهَّمُ أنَّنا وَقَفْناه له، فيَعودُ للإسلامِ (١). حُبوطُ العَملِ بالرِّدةِ؟ أم بالموتِ على الرِّدةِ؟ اختَلفَ الفُقهاءُ في حُبوطِ عَملِ المُرتدِّ، هل يَحبطُ بمُجرِّدِ الردةِ، مَثلًا إنْ كانَ حَجَّ ثمَّ ارَتدَّ فيَجبُ عليهِ حجَّةٌ أُخرى؟ أم لا يَحبطُ عَملُه إلا بالمَوتِ على الرِّدةِ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في قولٍ إلى أنَّ عمَلَه يَحبطُ بالرِّدةِ، فإنْ كانَ حَجَّ فيَجبُ عليه الحَجُّ مِنْ جَديدٍ ولا يُعتدُّ له بالحجَّةِ الماضيةِ؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥]، وقَولِه تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨]، ولقَولِه تَعالَى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ١٥]، ففي هذه الآياتِ دَليلٌ على أنَّ الرِّدةَ نَفسَها مُحبِطةٌ لِلْعَمَلِ.

стр. 13364

وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ والمالِكيةُ في قولٍ وابنُ حَزمٍ إلى أنه لا تَجبُ عليهِ حجَّةٌ أخرَى إذا أسلَمَ بعدَ الرِّدةِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]. قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: فعلَّقَ الحُبوطَ بشَرطَينِ: الرِّدةِ والمَوتِ عليها، والمُعلَّقُ بشَرطَينِ لا يَثبتُ بأحَدِهما، والآيةُ التي احتَجُّوا بها مُطلَقةٌ، وهذه مُقيَّدةٌ، فيُحمَلُ المُطلَقُ على المُقيَّدِ (١). لكنْ قالَ الإمامُ القَرافِيُّ ﵀: قالَ مالكٌ: مَنْ ارتَدَّ حَبطَ عَملُه، وقالَ الشافِعيُّ: لا يَحبطُ عَملُه إلا بالوَفاةِ على الكُفرِ؛ لأنَّ قولَه تَعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ١٥] وإنْ كانَ مُطلَقًا وتَمسَّكَ به مالكٌ على إطلاقِه غيرَ أنه قد ورَدَ مُقيَّدًا في قَولِه تعالَى في الآيةِ الأخرَى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]، فيَجبُ حَملُ المُطلَقِ على المُقيَّدِ، فلا يَحبطُ العَملُ إلا بالوَفاةِ على الكفرِ. والجَوابُ: أنَّ الآيةَ الثانِيةَ ليسَتْ مُقيِّدةً للآيةِ الأُولى؛ لأنها رتِّبَ فيها شَرطانِ وهُمَا: الحُبوطُ والخُلودُ على شَرطينِ وهُمَا: الرِّدةُ والوَفاةُ على الكفرِ، وإذا رتِّبَ مَشروطانِ على شَرطَينِ أمكَنَ التَّوزيعُ، فيَكونُ الحُبوطُ المُطلَقُ الرِّدةَ والخُلود لأجْلِ الوَفاةِ على الكُفرِ؛ فيَبقى المَطلقُ على إطلاقِه،

стр. 13365

ولمْ يَتعيَّنْ أنَّ كلَّ واحدٍ مِنْ الشَّرطينِ شَرطٌ في الإحباطِ، فليسَتْ هاتانِ الآيَتانِ مِنْ بابِ حَملِ المُطلقِ على المُقيَّدِ، فتَأمَّلْ ذلكَ، فهوَ مِنْ أحسَنِ المَباحثِ سُؤالًا وجَوابًا (١). وقالَ في «الذَّخيرَة»: وجَوابُه مِنْ وَجهينِ: أحَدُهما: أنَّ القائِلَ لعَبدِه: «إنْ دخَلْتَ الدارَ فأنتَ حُرٌّ» ثمَّ قالَ له في وَقتٍ آخَرَ: «إنْ دخَلتَ الدارَ وكلَّمتَ زيداً فأنتَ حرٌّ»، فإنه يُعتقُ بالدُّخولِ وحْدَه اتِّفاقًا؛ لأنه جعَلَ لعَتقِه سَبيلينِ؛ لأنَّ الشروطَ اللُّغويةَ أسبابٌ، وقدْ وُجدَ أحدُهما، فتَرتَّبَ عليهِ الحُكمُ، وليسَ هذا مِنْ بابِ الإطلاقِ والتَّقييدِ. وثانيهُما: سَلَّمْناه، ولكنَّ المُرتَّبَ على الرِّدةِ المُوافاةِ عليها أمرانِ: الحُبوطُ والخُلودُ، وتَرتيبُ شَيئينِ على شَيئينِ يَجوزُ أنْ يُفرَدَ أحَدُهما بأحَدِهما والآخرُ بالآخرِ، ويَجوزُ عَدمُ الاستِقلالِ، وليسَ أحَدُ الاحتِمالَينِ أَولى مِنْ الآخَرِ، فيَسقطُ الاستِدلالُ، بل الرَّاجحُ الاستِقلالُ؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ التَّركيبِ (٢). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وأمَّا حُبوطُ عَملِه بالرِّدةِ فقدْ منَعَ مِنْ ذلك بعضُ أصحابِنا وقالوا: الآياتُ فيمَن ماتَ على الرِّدةِ، بدليلِ قولِه تَعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧].

стр. 13366

والإطلاقُ في الآياتِ البَواقي لا يَمنعُ ذلك؛ لأنَّ كلَّ عُقوبةٍ مُرتَّبةٍ على كُفرٍ فإنها مَشروطةٌ بالمَوتِ عليه. فإنْ قيلَ: التَّقييدُ في هذه الآيةِ بالموتِ على الكُفرِ إنما كانَ لأنه مُرتَّبٌ على شَيئينِ وهو: حُبوطُ العَملِ والخُلودُ في النارِ، والخُلودُ إنما يَستحِقُّه الكافرُ، وتلكَ الآياتُ إنما ذُكرَ فيها الحُبوطُ فقط، فعُلِمَ أنَّ مُجرَّدَ الرِّدةِ كافِيةٌ. قُلنا: قولُه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥] وقولُه تعالَى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] لا يَكونُ إلا لمَن ماتَ مُرتدًّا؛ لأنَّ الخاسِرينَ الذينَ خَسرُوا أنفُسَهم وأهلِيهِم يومَ القِيامةِ، وهذا ليسَ لمَن ماتَ على عَملٍ صالحٍ؛ لأنه إذا عادَ إلى الإسلامِ فقدْ غُفرَ له الارتِدادُ الماضي، لأنَّ التائِبَ مِنْ الذَّنبِ كمَن لا ذنْبَ له، وإذا زالَ الذَّنبُ زالَتْ عُقوباتُه ومُوجَباتُه، وحُبوطُ العَملِ مِنْ مُوجَباتِه، يُبيِّنُ هذا أنه لو كانَ فعَلَ في حالِ الرِّدةِ ما تَقتضِيه الرِّدةُ مِنْ شَتمٍ أو سبٍّ أو شِركٍ لم يَقُمْ عليه إذا أسلَمَ، ولأنَّ الكافرَ الحَربيَّ لو تَقرَّبَ إلى اللهِ بأشياءَ ثمَّ خُتمَ له بالإسلامِ لَكانتْ مَحسوبةً له؛ بدَليلِ ما رَوى حَكيمُ بنُ حِزامٍ، قالَ: «قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ أرَأيتَ أشياءَ كنتُ أتَحنَّثُ بها في الجاهِليةِ مِنْ صَدقةٍ أو عَتاقةٍ وصِلةِ رَحمٍ، فهلْ فيها مِنْ أجرٍ؟ فقالَ النبيُّ ﷺ : «أسلَمْتَ على ما سلَفَ مِنْ خيرٍ» مُتفَقٌ عليهِ، فإذا كانَ الكُفرُ المُقارِنُ للعَملِ لا يُحبِطُ إلا بشَرطِ المَوتِ عَليهِ فإنهُ لا يُحبِطُ الكفرُ الطارِئُ إلا بشَرطِ المَوتِ أَحرَى وأَولى؛ لأنَّ بَقاءَ الشيءِ أَولى مِنْ

стр. 13367

ابتِدائِه وحُدوثِه، والدَّفعُ أسهَلُ مِنْ الرَّفعِ، ولهذا قالوا: الرِّدةُ والإحرامُ والعِدَّةُ تَمنعُ ابتِداءَ النكاحِ دونَ دَوامِه، كيفَ وتلكَ الأعمالُ حينَ عُمِلتْ للهِ سُبحانَه؟ وقد غفَرَ اللهُ ما كانَ بعدَها مِنْ الكفرِ بالتَّوبةِ منه (١). وقالَ ابنُ حَزمٍ ﵀: مَنْ حَجَّ واعتَمرَ ثمَّ ارتَدَّ ثمَّ هَداهُ اللَّهُ تعالَى واستَنقذَه مِنْ النارِ فأسلَمَ فليسَ عليهِ أنْ يُعيدَ الحَجَّ ولا العُمرةَ، وهو قَولُ الشافِعيِّ وأحدُ قَولي اللَّيثِ. وقالَ أبو حَنيفةَ ومالكٌ وأبو سُليمانَ: يُعيدُ الحَجَّ والعُمرةَ، واحتَجُّوا بقَولِ اللَّهِ تعالَى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] ما نَعلمُ لهم حُجَّةً غيرَها، ولا حُجَّةَ لهم فيها؛ لأنَّ اللَّهَ تعالَى لم يَقلْ فيها: لَئِنْ أشرَكتْ لَيَحبطَنَّ عَملُكَ الذي عَمِلتَ قبلَ أنْ تُشرِكَ، وهذه زِيادةٌ على اللَّهِ تعالى لا تَجوزُ، وإنما أخبَرَ تعالَى أنه يَحبطُ عَملُه بعدَ الشركِ إذا ماتَ أيضًا على شِركِه، لا إذا أسلَمَ، وهذا حَقٌّ بلا شَكٍّ. ولو حَجَّ مُشرِكٌ أو اعتَمرَ أو صَلَّى أو صامَ أو زَكَّى لم يُجْزِه شيءٌ مِنْ ذلك عن الواجبِ، وأيضًا فإنَّ قولَه تعالى فيها: ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] بَيانٌ أنَّ المُرتدَّ إذا رجَعَ إلى الإسلامِ لم يَحبطْ ما عَملَ قبلُ في إسلامِه أصلًا، بل هو مَكتوبٌ له ومُجازًى عليه بالجَنةِ؛ لأنه لا خِلافَ بينَ أحَدٍ مِنْ الأمَّةِ -لا هُمْ ولا نحنُ- في أنَّ المُرتدَّ إذا راجَعَ الإسلامَ ليسَ مِنْ الخاسرِينَ، بل مِنْ المُربِحينَ المُفلحِينَ الفائزينَ.

стр. 13368

فصحَّ أنَّ الذي يَحبطُ عَملُه هو المَيتُ على كُفرِه مُرتدًّا أو غيرَ مُرتدٍّ، وهذا هو مِنْ الخاسرينَ بلا شكٍّ، لا مَنْ أسلَمَ بعدَ كُفرِه أو راجَعَ الإسلامَ بعدَ ردَّتِه، وقالَ تعالَى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧]، فصَحَّ نصُّ قَولِنا مِنْ أنه لا يَحبطُ عَملُه إنْ ارتَدَّ إلا بأنْ يَموتَ وهو كافرٌ. ووجَدْنا اللَّهَ تعالَى يَقولُ: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [آل عمران: ١٩٥]، وقالَ تعالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ [الزلزلة: ٧]، وهذا عُمومٌ لا يَجوزُ تَخصيصُه، فصَحَّ أنَّ حَجَّه وعُمرَتَه إذا راجَعَ الإسلامَ سَيراهُما ولا يَضيعانِ له. وروينَا مِنْ طُرقٍ كالشمسِ … عن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ أنَّ حَكيمَ بنَ حِزامٍ أخبَرَه أنه قالَ لرَسولِ اللَّهِ ﵇: «أيْ رَسولَ اللَّهِ أرَأيتَ أمُورًا كُنْتُ أتَحنَّثُ بها في الجَاهِليةِ مِنْ صَدقةٍ أو عَتاقةٍ أو صِلةِ رَحمٍ، أفيها أجرٌ؟ فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : أسلَمْتَ على ما أسلَفْتَ مِنْ خَيرٍ» (١)، قالَ أبو مُحمدٍ: فصَحَّ أنَّ المُرتدَّ إذا أسلَمَ والكافِرَ الذي لم يَكنْ أسلَمَ قطُّ إذا أسلَمَا فقدْ أسلَمَا على ما أسلَفَا مِنْ الخَيرِ، وقدْ كانَ المُرتدُّ إذا حَجَّ وهو مُسلمٌ قد أدَّى ما أُمِرَ به وما كُلِّفَ كما أُمرَ به فقدْ أسلَمَ الآنَ عليه، فهو له كما كانَ. وأمَّا الكافرُ يَحجُّ كالصابِئينَ الذينَ يَرَونَ الحَجَّ إلى مَكةَ في دِينِهم فإنْ أسلَمَ بعدَ ذلكَ لم يُجْزِه؛ لأنه لم يُؤدِّه كما أمَرَ اللَّهُ تعالَى به؛ لأنَّ مِنْ فَرضِ

стр. 13369

الحَجِّ وسائرِ الشَّرائعِ كلِّها أنْ لا تُؤدَّى إلا كما أمَرَ بها رَسولُ اللَّهِ مُحمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ ﵇ في الدِّينِ الذي جاءَ به الذي لا يَقبلُ اللَّهُ تَعالى دِينًا غيرَه، وقالَ ﵇: «مَنْ عَملَ عَملًا ليسَ عليهِ أمرُنا فهو رَدٌّ» (١)، والصَّابئُ إنَّما حَجَّ كما أمَرَه يُوراسفُ أو هُرمُسُ، فلا يُجزِئُه، وباللَّهِ تعالَى التَّوفيقُ. ويَلزمُ مَنْ أسقَطَ حَجَّه بردَّتِه أن يُسقِطَ إحصانَه وطَلاقَه الثلاثَ وبَيْعَه وابتِياعَه وعطاياهُ التي كانَتْ في الإسلامِ، وهُم لا يَقولونَ بهذا، فظهَرَ فَسادُ قَولِهم، وباللَّهِ تعالَى نَتأيَّدُ (٢). أثَرُ الرِّدةِ على الزَّواجِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه إذا ارتَدَّ أحَدُ الزَّوجينِ حِيلَ بينَهُما، فلا يَقربُها بخَلوةٍ ولا جِماعٍ ولا نَحوِهما. واتَّفقُوا على أنه إذا ارتَدَّ أحَدُهما قبلَ الدُّخولِ أو الخَلوةِ انفَسخَ النكاحُ بينَهُما. إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا فيما لو ارتَدَّ أحَدُ الزَّوجينِ بعدَ الدُّخولِ، هل يَنفسخُ النكاحُ بمُجرَّدِ الرِّدةِ؟ أم يَبقَى إلى انتهاءِ العدَّةِ، فإنْ عادَ المُرتدُّ

стр. 13370

إلى الإسلامِ قبلَ انتِهاءِ العدَّةِ لم تَبِنْ منه والنكاحُ باقٍ، وإنِ استَمرَّ على الرِّدةِ حتى انتهاءِ العدَّةِ بانَتْ منه؟ وهل تكونُ الفُرقةُ فَسخًا أم طَلاقًا؟ على تَفصيلٍ في كُلِّ مَذهبٍ. قالَ الحَنفيةُ: إذا ارتَدَّ أحَدُ الزَّوجينِ المُسلمينِ بانَتْ منه امرَأتُه في الحالِ، مُسلمةً كانَتْ أو كِتابيةً، دخَلَ بها أو لم يَدخلْ؛ لأنَّ الردةَ تُنافِي النكاحَ، ويكونُ ذلكَ فَسخًا عاجِلًا لا طَلاقًا، ولا يَتوقفُ على قَضاءٍ. ثمَّ إنْ كانَتِ الرِّدةُ قبلَ الدُّخولِ وكانَ المُرتدُّ هو الزوجَ فلها نِصفُ المُسمَّى أو المُتعةُ، وإنْ كانَتْ هي المُرتدةَ فلا شَيءَ لها. وإنْ كانَ بعدَ الدُّخولِ فلَها المهرُ كلُّه، سواءٌ كانَ المُرتدُّ الزوجَ أو الزوجةَ (١). وقالَ المالِكيةُ في المَشهورِ: إذا ارتَدَّ أحَدُ الزَّوجينِ المُسلمَينِ كانَ ذلكَ طَلقةً بائِنةً، فإنْ رجَعَ إلى الإسلامِ لم تَرجعْ له إلا بعَقدٍ جَديدٍ، ما لم تَقصِدِ المرأةُ برِدتِها فسْخَ النكاحِ، فلا يَنفسخُ؛ مُعامَلةً لها بنَقيضِ قَصدِها. وقيلَ: إنَّ الرِّدةَ فَسخٌ بغيرِ طلاقٍ (٢).

стр. 13371

وقالَ الشافِعيةُ: إذا ارتَدَّ أحَدُ الزَّوجينِ المُسلمينِ فلا تَقعُ الفُرقةُ بينَهُما حتى تَمضيَ عِدةُ الزَّوجةِ قبلَ أنْ يَتوبَ ويَرجعَ إلى الإسلامِ، فإذا انقَضَتْ بانَتْ منه، وبَينونَتُها منه فَسخٌ لا طلاقٌ، وإنْ عادَ إلى الإسلامِ قبلَ انقِضائِها فهي امرأتُه (١). وقالَ الحَنابلةُ: إذا ارتَدَّ أحَدُ الزَّوجينِ قبلَ الدُّخولِ انفَسخَ النكاحُ فَورًا، وتَنصَّفَ مهرُها إنْ كانَ الزوجُ هو المُرتدَّ، وسقَطَ مهرُها إنْ كانَتْ هي المُرتدةَ. ولو كانَتِ الرِّدةُ بعدَ الدُّخولِ ففيه رِوايتانِ: إحداهُما: تَتعجَّلُ الفُرقةُ، وهو اختِيارُ شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميةَ. والأُخرى: تَتوقَّفُ الفُرقةُ على انقِضاءِ العدَّةِ (٢). جاءَ في «المُغنِي» لابنِ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (ولو تزوَّجَها وهُمَا مُسلمانِ فارتَدَّتْ قبلَ الدُّخولِ انفَسخَ النكاحُ ولا مهْرَ لها، وإنْ كانَ هو المُرتدَّ قبلَها وقبلَ الدُّخولِ فكذلكَ، إلا أنَّ عليهِ نِصفَ المهرِ). وجُملةُ ذلكَ: أنه إذا ارتَدَّ أحَدُ الزَّوجينِ قبلَ الدُّخولِ انفَسخَ النكاحُ في قَولِ عامَّةِ أهلِ العِلمِ، إلا أنه حُكيَ عن داوُدَ أنه لا يَنفسخُ بالرِّدةِ؛ لأنَّ الأصلَ بَقاءُ النكاحِ.

стр. 13372

ولنَا: قولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]. وقالَ تعالَى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، ولأنه اختِلافُ دِينٍ يَمنعُ الإصابةَ، فأوجَبَ فسْخَ النكاحِ كما لو أسلَمَتْ تحتَ كافرٍ. ثمَّ يُنظرُ؛ فإنْ كانَتِ المرأةُ هي المُرتدةَ فلا مهْرَ لها؛ لأنَّ الفَسخَ مِنْ قِبَلِها، وإنْ كانَ الرَّجلُ هو المُرتدَّ فعليهِ نِصفُ المَهرِ؛ لأنَّ الفسخَ مِنْ جِهتِه، فأشبَهَ ما لو طلَّقَ، وإنْ كانَتِ التَّسميةُ فاسِدةً فعليهِ نِصفُ مهرِ المِثلِ. مَسألةٌ: قالَ: (وإنْ كانَتْ رِدتُها بعدَ الدُّخولِ فلا نَفقةَ لها، وإنْ لم تُسلِمْ حتى انقَضَتْ عِدتُها انفَسخَ نكاحُها، ولو كانَ هو المُرتدَّ فلمْ يَعُدْ إلى الإسلامِ حتى انقَضَتْ عِدتُها انفَسخَ النكاحُ منذُ اختَلفَ الدِّينانِ). اختَلفَتِ الرِّوايةُ عن أحمَدَ فيما إذا ارتَدَّ أحَدُ الزَّوجينِ بعدَ الدُّخولِ حَسبَ اختِلافَها فيما إذا أسلَمَ أحَدُ الزَّوجينِ الكافرينِ. ففِي إحداهُما: تَتعجَّلُ الفُرقةُ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ ومالكٍ، ورُويَ ذلكَ عن الحَسنِ وعُمرَ بنِ عَبدِ العَزيزِ والثَّوريِّ وزُفرَ وأبي ثَورٍ وابنِ المُنذرِ؛ لأنَّ ما أوجَبَ فسْخَ النكاحِ استَوى فيه ما قبْلَ الدُّخولِ وبعدَه كالرَّضاعِ. والثانيةُ: يَقفُ على انقِضاءِ العدَّةِ، فإنْ أسلَمَ المُرتدُّ قبلَ انقِضائِها فهُمَا على النكاحِ، وإنْ لم يُسلمْ حتى انقَضتْ بانَتْ منذُ اختَلفَ الدِّينانِ، وهذا

стр. 13373

مَذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنه لَفظٌ تقعُ به الفُرقةُ، فإذا وُجدَ الدُّخولُ جازَ أنْ يَقفَ على انقِضاءِ العِدةِ كالطلاقِ الرَّجعيِّ، أو اختِلاف دِينٍ بعدَ الإصابةِ، فلا يُوجِبُ فسْخَه في الحالِ كإسلامِ الحَربيةِ تحتَ الحَربيِّ، وقياسُه على إسلامِ أحَدِ الزَّوجينِ أقرَبُ مِنْ قياسِه على الرَّضاعِ. فأما النفقةُ فإنْ قُلنَا بتَعجيلِ الفُرقةِ فلا نَفقةَ لها؛ لأنها بائنٌ منه، وإنْ قُلنا: يَقفُ على انقِضاءِ العدَّةِ وكانَتِ المَرأةُ المُرتدةَ فلا نَفقةَ لها؛ لأنه لا سَبيلَ للزَّوجِ إلى رَجعتِها وتَلافي نِكاحِها، فلم يكنْ لها نَفقةٌ كما بعدَ العِدةِ، وإنْ كانَ هو المُرتدَّ فعليهِ النَّفقةُ للعدَّةِ؛ لأنه بسَبيلٍ مِنْ الاستِمتاعِ بها بأنْ يُسلِمَ، ويُمكِنُه تَلافي نِكاحِها، فكانَتِ النفقةُ واجِبةً عليه كزَوجِ الرَّجعيةِ (١).

стр. 13374

كتاب الزنا

стр. 13375

كتاب الزنا الزِّنا في اللُّغةِ: الرَّقيُّ على الشَّيءِ (١). والزِّنَا شَرعًا عرَّفَه الفُقهاءُ بعِدةِ تَعريفاتٍ: منها تَعريفٌ أعَمٌّ وأخَصٌّ، فالتَّعريفُ الأعَمُّ يَشملُ ما يُوجِبُ الحَدَّ وما لا يُوجبُه، والتَّعريفُ الأخَصُّ ما يُوجِبُ الحَدَّ. قالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: إنَّ الشَّرعَ لم يَخُصَّ اسمَ الزنا بما يُوجِبُ الحَدَّ منه، بل هو أعَمُّ، والمُوجِبُ للحَدِّ منه بعضُ أنواعِه، ولذا قالَ ﷺ : «العَينانِ تَزنِيانِ وزِناهُما النَّظرُ»، ولو وَطئَ رَجلٌ جارِيةَ ابنِه لا يَحدُّ للزِّنا ولا يُحدُّ قاذِفُه بالزنا، فدَلَّ على أنَّ فِعلَه زِنًا وإنْ كانَ لا يُحَدُّ بهِ (٢).
следующие страницы →