وقالَ الشافِعيةُ: إذا ارتَدَّ أحَدُ الزَّوجينِ المُسلمينِ فلا تَقعُ الفُرقةُ بينَهُما حتى تَمضيَ عِدةُ الزَّوجةِ قبلَ أنْ يَتوبَ ويَرجعَ إلى الإسلامِ، فإذا انقَضَتْ بانَتْ منه، وبَينونَتُها منه فَسخٌ لا طلاقٌ، وإنْ عادَ إلى الإسلامِ قبلَ انقِضائِها فهي امرأتُه (١).
وقالَ الحَنابلةُ: إذا ارتَدَّ أحَدُ الزَّوجينِ قبلَ الدُّخولِ انفَسخَ النكاحُ فَورًا، وتَنصَّفَ مهرُها إنْ كانَ الزوجُ هو المُرتدَّ، وسقَطَ مهرُها إنْ كانَتْ هي المُرتدةَ.
ولو كانَتِ الرِّدةُ بعدَ الدُّخولِ ففيه رِوايتانِ:
إحداهُما: تَتعجَّلُ الفُرقةُ، وهو اختِيارُ شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميةَ.
والأُخرى: تَتوقَّفُ الفُرقةُ على انقِضاءِ العدَّةِ (٢).
جاءَ في «المُغنِي» لابنِ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (ولو تزوَّجَها وهُمَا مُسلمانِ فارتَدَّتْ قبلَ الدُّخولِ انفَسخَ النكاحُ ولا مهْرَ لها، وإنْ كانَ هو المُرتدَّ قبلَها وقبلَ الدُّخولِ فكذلكَ، إلا أنَّ عليهِ نِصفَ المهرِ).
وجُملةُ ذلكَ: أنه إذا ارتَدَّ أحَدُ الزَّوجينِ قبلَ الدُّخولِ انفَسخَ النكاحُ في قَولِ عامَّةِ أهلِ العِلمِ، إلا أنه حُكيَ عن داوُدَ أنه لا يَنفسخُ بالرِّدةِ؛ لأنَّ الأصلَ بَقاءُ النكاحِ.
стр. 13372
ولنَا: قولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]. وقالَ تعالَى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، ولأنه اختِلافُ دِينٍ يَمنعُ الإصابةَ، فأوجَبَ فسْخَ النكاحِ كما لو أسلَمَتْ تحتَ كافرٍ.
ثمَّ يُنظرُ؛ فإنْ كانَتِ المرأةُ هي المُرتدةَ فلا مهْرَ لها؛ لأنَّ الفَسخَ مِنْ قِبَلِها، وإنْ كانَ الرَّجلُ هو المُرتدَّ فعليهِ نِصفُ المَهرِ؛ لأنَّ الفسخَ مِنْ جِهتِه، فأشبَهَ ما لو طلَّقَ، وإنْ كانَتِ التَّسميةُ فاسِدةً فعليهِ نِصفُ مهرِ المِثلِ.
مَسألةٌ: قالَ: (وإنْ كانَتْ رِدتُها بعدَ الدُّخولِ فلا نَفقةَ لها، وإنْ لم تُسلِمْ حتى انقَضَتْ عِدتُها انفَسخَ نكاحُها، ولو كانَ هو المُرتدَّ فلمْ يَعُدْ إلى الإسلامِ حتى انقَضَتْ عِدتُها انفَسخَ النكاحُ منذُ اختَلفَ الدِّينانِ).
اختَلفَتِ الرِّوايةُ عن أحمَدَ فيما إذا ارتَدَّ أحَدُ الزَّوجينِ بعدَ الدُّخولِ حَسبَ اختِلافَها فيما إذا أسلَمَ أحَدُ الزَّوجينِ الكافرينِ.
ففِي إحداهُما: تَتعجَّلُ الفُرقةُ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ ومالكٍ، ورُويَ ذلكَ عن الحَسنِ وعُمرَ بنِ عَبدِ العَزيزِ والثَّوريِّ وزُفرَ وأبي ثَورٍ وابنِ المُنذرِ؛ لأنَّ ما أوجَبَ فسْخَ النكاحِ استَوى فيه ما قبْلَ الدُّخولِ وبعدَه كالرَّضاعِ.
والثانيةُ: يَقفُ على انقِضاءِ العدَّةِ، فإنْ أسلَمَ المُرتدُّ قبلَ انقِضائِها فهُمَا على النكاحِ، وإنْ لم يُسلمْ حتى انقَضتْ بانَتْ منذُ اختَلفَ الدِّينانِ، وهذا
стр. 13373
مَذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنه لَفظٌ تقعُ به الفُرقةُ، فإذا وُجدَ الدُّخولُ جازَ أنْ يَقفَ على انقِضاءِ العِدةِ كالطلاقِ الرَّجعيِّ، أو اختِلاف دِينٍ بعدَ الإصابةِ، فلا يُوجِبُ فسْخَه في الحالِ كإسلامِ الحَربيةِ تحتَ الحَربيِّ، وقياسُه على إسلامِ أحَدِ الزَّوجينِ أقرَبُ مِنْ قياسِه على الرَّضاعِ.
فأما النفقةُ فإنْ قُلنَا بتَعجيلِ الفُرقةِ فلا نَفقةَ لها؛ لأنها بائنٌ منه، وإنْ قُلنا: يَقفُ على انقِضاءِ العدَّةِ وكانَتِ المَرأةُ المُرتدةَ فلا نَفقةَ لها؛ لأنه لا سَبيلَ للزَّوجِ إلى رَجعتِها وتَلافي نِكاحِها، فلم يكنْ لها نَفقةٌ كما بعدَ العِدةِ، وإنْ كانَ هو المُرتدَّ فعليهِ النَّفقةُ للعدَّةِ؛ لأنه بسَبيلٍ مِنْ الاستِمتاعِ بها بأنْ يُسلِمَ، ويُمكِنُه تَلافي نِكاحِها، فكانَتِ النفقةُ واجِبةً عليه كزَوجِ الرَّجعيةِ (١).
стр. 13374
كتاب الزنا
стр. 13375
كتاب الزنا
الزِّنا في اللُّغةِ: الرَّقيُّ على الشَّيءِ (١).
والزِّنَا شَرعًا عرَّفَه الفُقهاءُ بعِدةِ تَعريفاتٍ:
منها تَعريفٌ أعَمٌّ وأخَصٌّ، فالتَّعريفُ الأعَمُّ يَشملُ ما يُوجِبُ الحَدَّ وما لا يُوجبُه، والتَّعريفُ الأخَصُّ ما يُوجِبُ الحَدَّ.
قالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: إنَّ الشَّرعَ لم يَخُصَّ اسمَ الزنا بما يُوجِبُ الحَدَّ منه، بل هو أعَمُّ، والمُوجِبُ للحَدِّ منه بعضُ أنواعِه، ولذا قالَ ﷺ : «العَينانِ تَزنِيانِ وزِناهُما النَّظرُ»، ولو وَطئَ رَجلٌ جارِيةَ ابنِه لا يَحدُّ للزِّنا ولا يُحدُّ قاذِفُه بالزنا، فدَلَّ على أنَّ فِعلَه زِنًا وإنْ كانَ لا يُحَدُّ بهِ (٢).
стр. 13376
قالَ الحَنفيةُ: الزِّنا المُوجِبُ للحَدِّ: هو الوَطءُ في فَرجِ المَرأةِ العَاري عن نِكاحٍ أو مِلكٍ أو شُبهَتِهما، ويَتجاوزُ الخِتانُ الخِتانَ (١).
وقيلَ: هو وَطءُ الرَّجلِ المَرأةَ في القُبلِ في غيرِ المِلكِ وشُبهتِه (٢).
وقالَ المالِكيةُ: الزِّنا الذي فيه الحَدُّ: إيلاجُ مُسلِمٍ -لا كافرٍ- مُكلَّفٍ حَشفةً أو قدْرَها ولو بغَيرِ انتِشارٍ أو مع حائلٍ خَفيفٍ لا يَمنعُ اللَّذةَ في فَرجِ آدَميٍّ مُطيقٍ للوَطءِ عادةً عَمدًا بلا شُبهةٍ، وإنْ كانَ الفَرجُ المُولَجُ فيه دُبرًا لذَكرٍ أو أُنثى حَيًّا أو مَيتًا (٣).
وعرَّفَه ابنُ عَرفةَ ﵀ بقَولِه: تَغييبُ حَشفةِ آدَميٍّ في فَرجِ آخَرَ دُونَ شُبهةٍ عمدًا (٤).
وقالَ الشافِعيةُ: الزِّنا: هو إيلاجٌ يُوجِبُ الحَدَّ لحَشفةٍ أو قَدْرِها مِنْ الذَّكرِ بفَرجٍ مُحرَّمٍ لعَينِه خالٍ عن الشُّبهةِ المُسقِطةِ للحَدِّ مُشتهًى طبَعًا، بأنْ كانَ فرْجَ آدَميَّ حَيٍّ، أو إيلاجٌ في دُبرِ ذَكرٍ أو أُنثى، فيُرجمُ المُحصنُ، ويُجلدُ غَيرُه ويُغرَّبُ.
فلا حَدَّ في مُفاخَذةٍ ولا بإيلاجِ بعضِ الحَشفةِ، ولا بإيلاجِها في غيرِ فَرجٍ، ولا بمُقدِّماتِ وَطءٍ، ولا بإِتيانِ المرأةِ المَرأةَ لعَدمِ الإيلاجِ، ولا
стр. 13377
باستِمنائِه بيَدِه، ولا بِوطءِ زَوجتِه وأمَتِه في حَيضٍ ونِفاسٍ وصَومٍ وإحرامٍ واستِبراءٍ، ولا على مُكرَهٍ، ولا نِكاحٍ بلا شُهودٍ أو وَليٍّ أو بهما، ولا بوطءِ مَيتةٍ ولا بَهيمةٍ، وإنْ كانَ فِعلُ كُلِّ هذا مُحرَّمًا، حتى وإنْ كانَ مُكرَهًا رَجلًا كانَ أو امرأةً فإنه يَأثمُ، لكنْ لا يُقامُ الحَدُّ عليهِ؛ لوُجودِ الشُّبهةِ، والحُدودُ تُدرأُ بالشبُهاتِ، أي: تُدفَعُ وتُسقطُ إذا لابَستْها شُبهةٌ، والشُّبهةُ هُنا قائِمةٌ بسَببِ الإكراهِ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: هو فِعلُ الفاحِشةِ في قُبلٍ أو دُبرٍ (٢).
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعوا على تَحريمِ الزِّنا (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: أجمَعَتِ الأمَّةُ أنَّ الزِّنا مِنْ الكَبائرِ، وأخبَرَ ﷺ في حَديثِ أنسٍ أنَّ ظُهورَه مِنْ أشراطِ الساعةِ (٢).
وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: الأمَّةُ مُجمِعةٌ على تَحريمِه، ولم يُحِلَّه اللهُ في شَرعِ نبيٍّ مِنْ الأنبياءِ صَلواتُ اللهِ عليهِم وسَلامُه، وكانَ أهلُ الجَاهليةِ يَتشرَّفونَ عنه (٣).
وقالَ الإمامُ النَّفراويُّ ﵀: لا خِلافَ بينَ الأئمَّةِ أنَّ الزنا مُحرَّمٌ ومِن أكبَرِ الكَبائرِ، ليسَ بعدَ الشركِ باللهِ وقَتلِ النَّفسِ التي حرَّمَ اللهُ ذَنبٌ أعظَمُ منهُ (٤).
وقالَ الإمامُ ابنُ الهُمامِ ﵀: الزِّنا حَرامٌ في جَميعِ الأديانِ، والمِللُ لا تَختلفُ في هذهِ المَسألةِ (٥).
وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: اتَّفقَ أهلُ المِللِ على تَحريمِه (٦).
وقد نَصَّ العُلماءُ على أنَّ مَنْ لم يُحرِّمِ الزنا كافرٌ، قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ومَن اعتَقدَ حِلَّ شيءٍ أُجمِعَ على تَحريمِه وظهَرَ حُكمُه بينَ
стр. 13380
المُسلمينَ وزالَتِ الشُّبهةُ فيه للنُّصوصِ الوارِدةِ فيه كلَحمِ الخِنزيرِ والزِّنا وأشباهِ هذا ممَّا لا خِلافَ فيه كفَرَ (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: مَنْ جحَدَ مُجمَعًا عليهِ فيه نَصٌّ وهو مِنْ أمورِ الإسلامِ الظاهِرةِ التي يَشتركُ في مَعرفتِها الخَواصُّ والعَوامُّ كالصلاةِ أو الزكاةِ أو الحَجِّ أو تَحريمِ الخَمرِ أو الزِّنا ونحوِ ذلكَ فهو كافرٌ (٢).
تَفاوُتُ مَراتِبِ الفاحِشةِ:
مَراتبُ الفاحِشةِ مُتفاوِتةٌ بحَسبِ مَفاسدِها، فالمُتخِذُ خِدنًا مِنْ النساءِ والمُتخِذةُ خِدنًا مِنْ الرِّجالِ أقَلُّ شرًّا مِنْ المُسافِحِ والمُسافِحةِ مع كلِّ أحَدٍ.
والمُستخفِي بما يَرتكبُه أقَلُّ إثمًا مِنْ المُجاهِرِ المُستعلِنِ، والكاتمُ له أقلُّ إثمًا مِنْ المُخبِرِ المُحدِّثِ للناسِ به، فهذا بعيدٌ مِنْ عافيةِ اللهِ تعالى وعَفوِه كما قالَ النبيُّ ﷺ : «كُلُّ أمَّتِي مُعافًى إلا المُجاهِرينَ، وإنَّ مِنْ المُجاهَرةِ أنْ يَعملَ الرَّجلُ باللَّيلِ عَملًا ثمَّ يُصبحَ وقد سَتَرَه اللَّهُ عليه فيقولَ: يا فُلانُ عَمِلتُ البارِحةَ كذا وكذا، وقد باتَ يَسترُه رَبُّه، ويُصبِحُ يَكشفُ سِترَ اللَّهِ عنه» (٣).
وفي الحَديثِ الآخَرِ عنهُ: «مَنْ ابتُليَ مِنْ هذهِ القاذُوراتِ بشَيءٍ فلْيستتِرْ بسِترِ اللهِ، فإنه مَنْ يُبْدِ لنا صَفحتَه نُقِمْ عليهِ كتابَ اللهِ».
стр. 13381
وفي الحَديثِ الآخَرِ: «إنَّ الخَطيئةَ إذا خَفيَتْ لم تَضرَّ إلا صاحِبَها، ولكنْ إذا أُعلِنتْ فلمْ تُنكَرْ ضرَّتِ العامَّةَ».
والزنا بالمَرأةِ التي لا زوْجَ لها أيسَرُ إثمًا مِنْ الزِّنا بذاتِ الزَّوجِ؛ لِما فيه مِنْ ظُلمِ الزوجِ والعُدوانِ عليهِ وإفسادِ فِراشِه عليهِ، وقد يَكونُ إثمُ هذا أعظَمَ مِنْ إثمِ مُجردِ الزنا أو دونَه.
والزنا بذاتِ مَحرمٍ له مِنْ نَسبٍ أو رَضاعٍ أعظَمُ مِنْ الزنا بالأجنَبيةِ.
والزِّنا بحَليلةِ الجارِ أعظَمُ مِنْ الزِّنا ببَعيدةِ الدارِ؛ لِما اقتَرنَ بذلكَ مِنْ أذَى الجارِ وعَدمِ حِفظِ وَصيةِ اللهِ تعالَى ورَسولِه به، فإنْ كانْ زَوجُها جارًا انضَمَّ له سُوءُ الجِوارِ وإيذاءُ جارٍ بأعلَى أنواعِ الأذَى، وذلكَ مِنْ أعظَمِ البوائِقِ، أو كانَ الجارُ أخًا أو قَريبًا مِنْ أقاربِه انضَمَّ له قَطيعةُ الرَّحمِ، فيَتضاعفُ الإثمُ، وقد ثبَتَ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «لا يَدخلُ الجنَّةَ مَنْ لا يَأمنُ جارُه بَوائقَهُ»، ولا بائِقةَ أعظَمَ مِنْ الزِّنا بامرأةِ الجارِ، فعَن المِقدادِ بنِ الأسوَدِ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ لأصحابِه: «ما تَقولونَ في الزِّنا؟ قالُوا: حرَّمَه اللهُ ورَسولُه فهو حَرامٌ إلى يَومِ القِيامةِ، قالَ: فقالَ: رَسولُ اللهِ ﷺ لأصحابِه: لَأنْ يَزنِيَ الرَّجلُ بعَشرِ نِسوةٍ أيسَرُ عليهِ مِنْ أنْ يَزنِيَ بامرأةِ جارِه، قالَ: فقالَ: ما تَقولونَ في السَّرقةِ؟ قالُوا: حرَّمَها اللهُ ورَسولُه فهي حَرامٌ، قالَ: لَأنْ يَسرقَ الرَّجلُ مِنْ عَشرةِ أبياتٍ أيسَرُ عليهِ مِنْ أنْ يَسرقَ مِنْ جارِه» (١).
وكذلكَ الزِّنا بامرأةِ الغازِي في سَبيلِ اللهِ أعظَمُ إثمًا عندَ اللهِ مِنْ الزِّنا بغيرِها، فإنْ كانَ الجارُ غائبًا في طاعةِ اللهِ كالعِبادةِ وطَلبِ العِلمِ والجِهادِ
стр. 13382
تَضاعَفَ الإثمُ، حتى إنَّ الزانِيَ بامرأةِ الغازِي في سَبيلِ اللهِ يُوقَفُ له يَومَ القِيامةِ ويُقالُ: «خُذْ مِنْ حَسناتِه ما شِئتَ» كما رَواهُ مُسلمٌ عن أبي بُريدةَ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «حُرمةُ نِساءِ المُجاهِدِينَ على القاعِدينَ كحُرمةِ أمَّهاتِهم، وما مِنْ رَجلٍ مِنْ القاعِدينَ يَخلُفُ رَجلًا مِنْ المُجاهِدينَ في أهلِه فيَخونُه فيهِم إلا وُقِفَ له يومَ القِيامةِ فيَأخذُ مِنْ عَملِه ما شاءَ، فما ظَنُّكم؟» (١)، زادَ النَّسائيُّ فقالَ: «ما ظَنُّكُمْ تَرَونَ يَدَعُ له مِنْ حَسناتِه شَيئًا؟» (٢).
وكما تَختلفُ دَرجاتُه بحَسبِ المَزنِيِّ بها فكذلكَ تَتفاوتُ دَرجاتُه بحَسبِ الزَّمانِ والمكانِ والأحوالِ، وبحَسبِ الفاعلِ، فالزِّنا في رَمضانَ لَيلًا أو نهارًا أعظَمُ إثمًا منه في غيرِه، وكذلكَ في البقاعِ الشَّريفةِ المُفضَّلةِ هو أعظَمُ إثمًا منه فيما سِواها.
وأما تَفاوتُه بحَسبِ الفاعلِ: فالزِّنا مِنْ الحُرِّ أقبَحُ منه مِنْ العَبدِ، ولهذا كانَ حَدُّه على النِّصفِ مِنْ حَدِّه، ومِن المُحصَنِ أقبَحُ منه مِنْ البِكرِ، ومِن الشيخِ أقبَحُ منه مِنْ الشابِ، ولهذا كانَ أحَدَ الثَّلاثةِ الذينَ لا يُكلِّمُهم اللهُ يومَ القِيامةِ ولا يُزكِّيهِم ولهم عَذابٌ أليمٌ: «الشَّيخُ الزانِيِّ».
ومِن العالِمِ أقبَحُ منه مِنْ الجاهِلِ؛ لعِلمِه بقُبحِه وما يَترتبُ عليهِ وإقدامِه على بَصيرةٍ، ومِن القادِرِ على الاستِغناءِ عنه أقبَحُ مِنْ الفَقيرِ العاجِزِ (٣).
وقد نُسخَ الحَدُّ بالحَبسِ والأذَى، فجُعلَ حَدُّ البِكرِ الجَلدَ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، وجُعلَ حَدُّ الثيِّبِ الرَّجمَ.
وعن عُبادةَ بنِ الصامتِ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «خُذُوا عَنِّي خُذوا عنِّي، قد جعَلَ الله لهُنَّ سَبيلًا، البِكرُ بالبِكرِ جَلدُ مِائةٍ ونَفيُ سَنةٍ، والثَّيبُ بالثَّيبِ جَلدُ مِائةٍ والرَّجمُ» (١).
فكانَ ذلكَ عَقيبَ الحَبسِ والأذَى المَذكورَينِ في قولِه: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ إلى قَولِه: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ [النساء: ١٥]، وذلكَ لتَنبيهِ النبيِّ ﷺ إيَّانا على أنَّ ما ذكَرَه مِنْ ذلكَ هو السَّبيلُ المُرادُ بالآيةِ، ومَعلومٌ أنه لم تَكنْ بينَهُما واسِطةُ حُكمٍ آخَرَ؛ لأنه لو كانَ كذلكَ لَكانَ السَّبيلُ المَجعولُ لهنَّ مُتقدِّمًا لقَولِه ﷺ بحديثِ عُبادةَ إنَّ المُرادَ بالسَّبيلِ هو ما ذكَرَه دونَ غيرِه، وإذا كانَ كذلكَ كانَ الأذَى والحَبسُ مَنسوخَينِ عن غيرِ المُحصَنِ بالآيةِ، وعن المُحصَنِ بالسُّنةِ وهو الرَّجمُ (٢).
حَدُّ الزِّنا على المحصَنِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الرَّجلَ المُحصَنَ إذا زنَا وتَوفَّرتْ فيه شُروطُ الزنا أنه يَجبُ عليه الرَّجمُ حتى المَوتِ، واستَدلَّ العُلماءُ على ذلكَ بالسُّنةِ والإجماعِ.
стр. 13385
فرَوى البُخاريُّ عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ قالَ: قالَ عُمرُ: «لقدْ خَشِيتُ أنْ يَطولَ بالناسِ زَمانٌ حتى يَقولَ قائلٌ: لا نَجدُ الرَّجمَ في كِتابِ اللهِ، فيَضِلُّوا بتَركِ فَريضةٍ أَنزَلَها اللهُ، ألَا وإنَّ الرَّجمَ حَقٌّ على مَنْ زنَى وقد أحصَنَ إذا قامَتِ البيِّنةُ أو كانَ الحَملُ أو الاعتِرافُ، ألَا وقد رجَمَ رَسولُ اللهِ ورَجَمْنا بعدَه» (١).
وفي لفظٍ: «فجلَسَ عُمرُ ﵁ على المِنبَرِ، فلمَّا سكَتَ المُؤذِّنُ قامَ فأثْنَى على اللهِ بما هو أهلُه ثمَّ قالَ: أمَّا بعدُ أيُّها الناسُ فإني قائِلٌ مَقالةً قد قُدِّرَ لي أنْ أقُولَها لا أدري لعَلَّها بينَ يَدَي أجَلِي، فمَن وَعاها وعَقَلَها فلْيُحدِّثْ بها حَيثُ انتهَتْ به راحِلتُه، ومَن لم يَعِها فلا أُحِلُّ له أنْ يَكذبَ عليَّ، إنَّ اللهَ ﵎ بعَثَ مُحمدًا ﷺ بالحَقِّ وأنزَلَ عليه الكِتابَ، وكانَ ممَّا أنزَلَ عليه آيةُ الرَّجمِ، فقَرأْناها ووَعَيناها، ورجَمَ رسولُ اللهِ ﷺ ورَجَمْنا بعدَه، فأخشَى إنْ طالَ بالناسِ زَمانٌ أنْ يَقولَ قائلٌ: لا نَجدُ آيةَ الرَّجمِ في كِتابِ اللهِ ، فيَضِلُّوا بتَركِ فَريضةٍ قد أنزَلَها اللهُ ، فالرَّجمُ في كِتابِ اللهِ حَقٌّ على مَنْ زَنَا إذا أحصنَ مِنْ الرِّجالِ والنِّساءِ إذا قامَتِ البيِّنةُ أو الحَبَلُ أو الاعتِرافُ» (٢).
وفي لَفظِ ابنِ ماجَه: «لقدْ خَشيتُ أنْ يَطولَ بالناسِ زَمانٌ حتى يَقولَ قائِلٌ: ما أَجِدُ الرَّجمَ في كِتابِ اللَّهِ، فيَضِلُّوا بتَركِ فَريضةٍ مِنْ فَرائضِ اللَّهِ، ألَا وإنَّ الرَّجمَ حَقٌّ إذا أُحصِنَ الرَّجلُ وقامَتْ البيِّنةُ أو كانَ حَملٌ أو اعتِرافٌ،
стр. 13386
وقد قَرَأتُها ﴿الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ﴾، رجَمَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ ورَجَمْنا بعدَه» (١).
وهذا ممَّا نُسِختْ تِلاوتُه وبَقيَ حُكمُه.
ولأنَّ النبيَّ ﷺ رجَمَ ماعِزًا والغامِدِيةَ، ورَجَمَ الخُلفاءُ بعدَه، فعَن أبي هُريرةَ ﵁ أنه قالَ: «أتى رَجلٌ مِنْ المُسلمينَ رَسولَ اللهِ ﷺ وهو في المَسجدِ فناداهُ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إني زَنَيتُ، فأعرَضَ عنه، فتَنحَّى تلقاءَ وَجهِه فقالَ له: يا رَسولَ اللهِ إني زَنَيتُ فأعرَضَ عنه، حتى ثنَى ذلكَ عليه أربَعَ مرَّاتٍ فلمَّا شَهدَ على نَفسِه أربَعَ شَهاداتٍ دَعاهُ رَسولُ اللهِ ﷺ فقالَ: أبِكَ جُنونٌ؟ قالَ: لا، قالَ: فهَل أحصَنْتَ؟ قالَ: نعمْ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : اذهَبُوا بهِ فارْجُموهُ» (٢).
وعن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ قالَ: «لمَّا أتى مَاعزُ بن مَالكٍ النبيَّ ﷺ قالَ له: لعَلَّكَ قبَّلْتَ أو غمَزْتَ أو نظَرْتَ؟ قالَ: لا يا رسُولَ اللهِ، قالَ: أنِكْتَها -لا يَكنِي-؟ قالَ: فعِندَ ذلكَ أمَرَ برَجمِه» (٣).
وعن سُليمانَ بنِ بُريدةَ عن أبيه قالِ: «جاءَ ماعِزُ بنُ مالِكٍ إلى النبيِّ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ طَهِّرني، فقالَ: وَيحَكَ ارجِعْ فاستَغفِرِ اللهَ وتُبْ إليه، قالَ: فرجَعَ غيرَ بَعيدٍ ثمَّ جاءَ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ طَهِّرني، فقالَ
стр. 13387
رَسولُ اللهِ ﷺ : ويحَكَ ارجِعْ فاستَغفِرِ اللهَ وتُبْ إليه، قالَ: فرجَعَ غيرَ بَعيدٍ ثمَّ جاءَ فقالَ: يا رسولَ اللهِ طهِّرْني، فقالَ النبيُّ ﷺ مثلَ ذلكَ، حتى إذا كانَتِ الرابِعةُ قالَ له رَسولُ اللهِ ﷺ : فيمَ أُطهِّرُكَ؟ فقالَ: مِنْ الزِّنى، فسَألَ رَسولُ اللهِ ﷺ : أبهِ جُنونٌ؟ فأُخبِرَ أنه ليس بمَجنونٍ، فقالَ: أشَرِبَ خَمرًا؟ فقامَ رَجلٌ فاستَنكَهَه فلمْ يَجدْ منه رِيحَ خَمرٍ، قالَ: فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : أزَنَيتَ؟ فقالَ: نعمْ، فأمَرَ بهِ فرُجِمَ، فكانَ الناسُ فيه فِرقتَينِ: قائِلٌ يقولُ: لقد هلَكَ لقد أحاطَتْ بهِ خَطيئتُه، وقائلٌ يقولُ: ما تَوبةٌ أفضَلَ مِنْ تَوبةِ ماعزٍ أنه جاءَ إلى النبيِّ ﷺ فوضَعَ يَدَه في يَدِه ثمَّ قالَ: اقتُلنِي بالحِجارةِ، قالَ: فلَبثُوا بذلك يَومينِ أو ثَلاثةً، ثمَّ جاءَ رسولُ اللهِ ﷺ وهُم جُلوسٌ فسلَّمَ ثمَّ جلَسَ فقالَ: استَغفِروا لماعِزِ بن مالكٍ، قالَ: فقَالوا: غفَرَ الله لماعِزِ بنِ مالكٍ، قالَ: فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : لقد تابَ تَوبةً لو قُسِمتْ بينَ أمَّةٍ لَوسِعَتْهم.
قالَ: ثمَّ جاءَتْه امرأةٌ مِنْ غامِدٍ مِنْ الأَزْدِ فقالَتْ: يا رَسولَ اللهِ طَهِّرْني، فقالَ: ويحَكِ ارجعِي فاستَغفرِي اللهَ وتُوبي إليه، فقالَتْ: أراكَ تُريدُ أنْ تُردِّدَني كما رَدَّدتَ ماعزَ بن مالكٍ، قالَ: وما ذاكِ؟ قالَتْ إنها حُبلَى مِنْ الزنى، فقال: آنتِ؟ قالَتْ: نعمْ، فقالَ لها: حتى تَضَعي ما في بَطنِكِ، قالَ: فكفَلَها رَجلٌ مِنْ الأنصارِ حتى وضَعَتْ، قالَ: فأتَى النبيَّ ﷺ فقالَ: قد وضَعَتِ الغامديَّةُ، فقالَ: إذًا لا نَرجُمُها ونَدعُ ولَدَها صَغيرًا ليسَ له مَنْ يُرضعُه، فقامَ رَجلٌ مِنْ الأنصارِ فقالَ: إليَّ رَضاعُه يا نَبيَّ اللهِ، قالَ: فرجَمَها» (١).
стр. 13388
وأمَّا الإجماعُ فقدْ نقَلَ عَددٌ لا حصْرَ له مِنْ عُلماءِ الأمَّةِ الإجماعَ على وُجوبِ رَجمِ الزاني المُحصَنِ.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ الحُرَّ إذا تَزوَّجَ تَزويجًا صَحيحًا ووَطئَها في الفَرجِ أنه مُحصَنٌ يَجبُ عليهِما الرَّجمُ إذا زنَيَا (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: الرَّجمُ ثابِتٌ بسُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ وبفِعلِ الخُلفاءِ الراشِدينَ وباتفاقِ أئمَّةِ أهلِ العِلمِ، منهم مالكُ بنُ أنسٍ في أهلِ المَدينةِ، والأوزاعيُّ في أهلِ الشامِ، والثوريُّ وجَماعةُ أهلِ العِراقِ، والشافِعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ، ودفَعَ الخَوارجُ الرَّجمَ والمُعتزلةُ، واعتَلُّوا بأنَّ الرَّجمَ ليسَ في كِتابِ اللهِ تَعالى، وما يَلزمُهم مِنْ اتباعِ كتابِ اللهِ مثلُه يَلزمُهم مِنْ اتباعِ سُنةِ رسولِ اللهِ ﷺ ؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، فلا مَعنى لقولِ مَنْ خالَفَ السُّنةَ وإجماعَ الصحابةِ واتفاقَ أئمَّةِ الفَتوى، ولا يُعَدُّونَ خِلافًا (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأجمَعَ فُقهاءُ المُسلمينَ وعُلماؤُهم مِنْ أهلِ الفقهِ والأثَرِ مِنْ لَدُنِ الصحابةِ إلى يَومِنا هذا أنَّ المُحصَنَ حَدُّه الرجمُ (٣).
стр. 13389
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: والدليلُ على وُجوبِ الرَّجمِ … الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ قولًا وفِعلًا، وعن الصحابةِ نقلًا وعَملًا، واستِفاضتُه في الناسِ وانعقادُ الإجماعِ عليه حتى صارَ حُكمُه مُتواتِرًا (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: اتَّفقوا كلُّهم حاشَ مَنْ لا يُعتدُّ به بلا خِلافٍ وليسَ هم عِندَنا مِنْ المُسلمينَ فقالُوا: إنَّ على الحُرِّ والحُرةِّ إذا زنَيَا وهُمَا مُحصَنانِ الرجمَ حتى يَموتَا (٢).
وقالَ أيضًا: واتَّفقُوا أنه إذا زنَى وكانَ قد تَزوجَ قبلَ ذلكَ وهو خَصيُّ وهو بالغٌ مُسلمٌ حُرٌّ عاقلٌ حُرةً مُسلمةً بالغةً عاقِلةً نكاحًا صَحيحًا ووَطئَها وهو في عَقلِه قبلَ أنْ يَزنِيَ ولم يَتُبْ ولا طالَ الأمرُ أنَّ عليه الرجمَ بالحِجارةِ حتى يَموتَ (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: فأما الثُّيَّبُ الأحرارُ المُحصنونَ فإنَّ المُسلمينَ أجمَعوا على أنَّ حَدَّهم الرَّجمُ، إلا فِرقةً مِنْ أهلِ الأهواءِ فإنهُم رَأَوا أنَّ حَدَّ كلِّ زانٍ الجَلدُ، وإنما صارَ الجُمهورُ للرجمِ لثُبوتِ أحاديثِ الرجمِ، فخَصَّصوا الكِتابَ بالسُّنةِ، أعني قولَه تعالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] الآيَة (٤).
стр. 13390
وقالَ أبو العبَّاسُ القُرطبيُّ ﵀: إذا زنَى المُحصنُ وجَبَ الرجمُ بإجماعِ المُسلمينَ (١).
وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: وهو إجماعُ الأمَّةِ، إلا قومًا مِنْ الخَوارجِ فإنهُم قالُوا: لا يُرجَمُ الثيبُ وإنما يُجلدُ (٢).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأجمَعَ العُلماءُ على وُجوبِ جَلدِ الزاني البِكرِ مائةً ورَجمِ المُحصنِ وهو الثيبُ، ولم يُخالِفْ في هذا أحدٌ مِنْ أهلِ القِبلةِ، إلا ما حكَى القاضي عياضٌ وغيرُه عن الخَوارجِ وبعضِ المُعتزلةِ كالنظَّامِ وأصحابِه فإنهُم لم يَقولُوا بالرجمِ (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وُجوبُ الرَّجمِ على الزاني المُحصنِ رَجلًا كانَ أو امرأةً، وهذا قولُ عامةِ أهلِ العِلمِ مِنْ الصحابةِ والتابِعينَ ومَن بعدَهم مِنْ عُلماءِ الأمصارِ في جَميعِ الأعصارِ، ولا نَعلمُ فيه مُخالِفًا إلا الخوارجَ فإنهُم قالوا: الجَلدُ للبِكرِ والثيبِ؛ لقَولِ اللهِ تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢].
وقالُوا: لا يَجوزُ تَركُ كِتابِ اللهِ الثابتِ بطَريقِ القَطعِ واليَقينِ لأخبارِ آحادٍ يَجوزُ الكَذبُ فيها، ولأن هذا يُفضِي إلى نَسخِ الكِتابِ بالسُّنةِ وهو غيرُ جائزٌ.
стр. 13391
ولنا: إنه قد ثبَتَ الرجمُ عن رَسولِ اللهِ ﷺ بقولِه وفِعلِه في أخبارٍ تُشبِهُ المُتواتِرَ، وأجمَعَ عليه أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ …
وقد روينَا أنَّ رُسلَ الخَوارجِ جاؤوا عُمرَ بنَ عبدِ العَزيزِ ﵀ فكانَ مِنْ جُملةِ ما عابوا عليه الرَّجمُ وقالوا: ليسَ في كتابِ اللهِ إلا الجَلدُ، وقالوا: الحائضُ أوجَبْتُم عليها قَضاءَ الصومِ دونَ الصلاةِ والصلاةُ أوكَدُ، فقالَ لهم عُمرُ: وأنتم لا تأخُذونَ إلا بما في كِتابِ اللهِ؟ قالوا: نعمْ، قالَ: فأخبِرُوني عن عَددِ الصلواتِ المَفروضاتِ وعَددِ أركانِها ورَكعاتِها ومَواقيتِها أينَ تَجدونَه في كِتابِ اللهِ تعالَى؟ وأخبِرُوني عمَّا تَجبُ الزكاةُ فيه ومَقاديرِها ونُصبِها، فقالوا: أنظِرْنا، فرجَعُوا يَومَهم ذلكَ فلمْ يَجِدوا شيئًا مما سَألَهم عنه في القُرآنِ، فقالوا: لم نَجِدْه في القُرآنِ، قالَ: فكيفَ ذَهبتُم إليه؟ قالُوا: لأنَّ النبيَّ ﷺ فعَلَه وفعَلَه المُسلمونَ بعدَه، فقالَ لهم: فكذلكَ الرجمُ وقَضاءُ الصومِ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ رجَمَ ورجَمَ خُلفاؤُه بعدَه والمُسلمونَ، وأمَرَ النبيُّ ﷺ بقَضاءِ الصومِ دونَ الصلاةِ، وفعَلَ ذلكَ نِساؤُه ونساءُ أصحابِه (١).
وقالَ الإمامُ الموصليُّ ﵀: حَدُّ الزاني إنْ كانَ مُحصنًا الرجمُ بالحَجارةِ حتى يَموتَ … وعلى ذلكَ إجماعُ العُلماءِ (٢).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: جَلدُ الزاني ثابتٌ بنَصِّ القرآنِ، وكذلكُ الرجمُ كانَ قد أُنزلَ فيه قُرآنٌ يُتلَى ثم نُسخَ لَفظُه وبَقيَ حُكمُه، وهو
стр. 13392
قَولُه: «وَالشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ نَكَالًا مِنْ اللهِ وَاللهُ عَزيزٌ حَكِيمٌ»، وقد ثبَتَ الرَّجمُ بالسُّنةِ المُتواترةِ وإجماعِ الصَّحابةِ.
وبهذا يَحصلُ الجَوابُ عمَّا يُدَّعى مِنْ نَسخِ قَولِه: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥] الآيَة، فإنَّ هذا إنْ قُدِّرَ أنه مَنسوخٌ فقدْ نسَخَه قُرآنٌ جاءَ بعدَه، ثم نُسخَ لفظُه وبقيَ حُكمُه مَنقولًا بالتَّواترِ (١).
وقالَ الإمامُ العينيُّ ﵀: استِحقاقُ الزاني المُحصنِ للقَتلِ وهو الرجمُ بالحِجارةِ، وأجمَعَ المُسلمونَ على ذلكَ (٢).
وقالَ أيضًا: العُلماءُ أجمَعُوا على وُجوبِ حَدِّ جَلدِ الزاني البِكرِ مِائةً، ورَجمِ المُحصنِ وهو الثَّيبُ، ولم يُخالِفْ في هذا أحَدٌ مِنْ أهلِ القِبلةِ (٣).
وقالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: الرَّجمُ عليه إجماعُ الصَّحابةِ ﵃ ومَن تَقدمَ مِنْ عُلماءِ المُسلمينَ، وإنكارُ الخَوارجِ للرَّجمِ باطلٌ؛ لأنهُم إنْ أنكَرُوا حُجِّيةَ إجماعِ الصحابةِ فجَهلٌ مُركَّبٌ بالدليلِ، بل هو إجماعٌ قَطعيٌّ، وإنْ أنكَروا وُقوعَه مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ لإنكارِهِم حُجِّيةَ خبَرِ الواحِدِ، فهو بعدَ بُطلانِه بالدليلِ ليسَ ممَّا نحنُ فيهِ؛ لأنَّ ثبوتَ الرجمِ عن رَسولِ اللهِ ﷺ مُتواتِرُ المعنَى كشَجاعةِ عليٍّ وجُودِ حاتمٍ (٤).
стр. 13393
وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: الحَدُّ هو الجَلدُ والتَّغريبُ على غيرِ المُحصنِ والرَّجمُ على المُحصَنِ بالنصِّ والإجماعِ (١).
وغيرُهم الكَثيرُ نَقَلوا الإجماعَ على وُجوبِ رَجمِ الزاني المُحصنِ حتَّى المَوتِ.
المقصودُ بالرَّجمِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المقصودَ بالرَّجمِ هو رَميُ الزانِي أو الزانيَةِ بالحِجارةِ وغيرِها حتَّى الموتِ.
قالَ الإمامُ ابنُ المنذِرِ ﵀: وأجمَعُوا أنَّ المَرجومَ يُداوَمُ عليهِ الرَّجمُ حتَّى يَموتَ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقُوا أنه إذا زنَى … أنَّ عليه الرجمَ بالحَجارةِ حتَّى يَموتَ (٣).
وقالَ الإمامُ المَوصليُّ ﵀: حَدُّ الزاني إنْ كانَ مُحصَنًا الرَّجمُ بالحِجارةِ حتَّى يَموتَ … وعلى ذلكَ إجماعُ العلماءِ (٤).
وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: وحَدُّ الزاني المُحصنِ مِنْ رَجلٍ أو امرأةٍ الرَّجمُ حتى يَموتَ بالإجماعِ وتَظافُرِ الأخبارِ فيه كرَجمٍ ماعزٍ والغامِديةِ (٥).
стр. 13394
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: معنَى الرَّجمِ أنْ يُرمَى بالحِجارةِ وغيرِها حتى يُقتلَ بذلكَ، قالَ ابنُ المُنذِرِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المَرجومَ يُدامُ عليه الرَّجمُ حتى يَموتَ، ولأنَّ إطلاقَ الرَّجمِ يَقتضِي القتلَ بهِ كقَولِه تعالَى: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦)﴾ [الشعراء: ١١٦].
وقد رجَمَ رَسولُ اللهِ ﷺ اليَهوديَّينِ اللذَينِ زنَيَا وماعِزًا والغامِديةَ حتى ماتوا.
فصلٌ: وإذا كانَ الزاني رَجلًا أُقِيمَ قائمًا ولم يُوثَقْ بشيءٍ ولم يُحفَرْ له، سَواءٌ ثبَتَ الزنا ببيِّنةٍ أو إقرارٍ، لا نَعلمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يَحفرْ لماعِزٍ، قالَ أبو سَعيدٍ: «لمَّا أمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ برَجمِ ماعزٍ خرَجْنا إلى البَقيعِ، فواللهِ ما حفَرْنا له ولا أوثَقْناهُ، ولكنَّه قامَ لنا» رواهُ أبو داودَ، ولأنَّ الحفْرَ له ودفْنَ بعضِه عُقوبةٌ لم يَرِدْ بها الشرعُ في حقِّه، فوجَبَ أنْ لا تَثبتَ.
وإنْ كانَ امرأةً فظاهرُ كَلامِ أحمَدَ أنها لا يُحفَرُ لها أيضًا، وهو الذي ذكَرَه القاضِي في «الخِلاف»، وذكَرَ في «المُجرَّد» أنه إنْ ثبَتَ الحَدُّ بالإقرارِ لم يُحفرْ لها، وإنْ ثبَتَ بالبيِّنةِ حُفرَ لها إلى الصَّدرِ، قالَ أبو الخطَّابِ: وهذا أصَحُّ عندِي، وهو قَولُ أصحابِ الشافعيِّ؛ لِما رَوى أبو بَكرٍ وبُريدةُ «أنَّ النبيَّ ﷺ رجَمَ امرأةً فحفَرَ لها إلى التَّندُوةِ» رواهُ أبو داودَ، ولأنه أستَرُ لها، ولا حاجَةَ إلى تَمكينِها مِنْ الهَربِ؛ لكَونِ الحدِّ ثبَتَ بالبينةِ، فلا يَسقطُ بفعلٍ مِنْ جِهتِها، بخلافِ الثابتِ بالإقرارِ؛ فإنها تُتركُ على حالٍ لو أرادَتِ الهرَبَ تَمكَّنتْ منه؛ لأنَّ رُجوعَها عن إقرارِها مَقبولٌ.
стр. 13395
ولنا: إنَّ أكثَرَ الأحاديثِ على تَركِ الحَفرِ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ لم يَحفرْ للجُهنيةِ ولا لماعِزٍ ولا لليَهوديَّينِ، والحَديثُ الذي احتَجُّوا به غيرُ مَعمولٍ به ولا يَقولونَ به؛ فإنَّ التي نُقلَ عنه الحَفرُ لها ثبَتَ حَدُّها بإقرارِها، ولا خِلافَ بينَنا فيها، فلا يَسوغُ لهم الاحتِجاجُ به مع مُخالَفتِهم له.
إذا ثبَتَ هذا فإنَّ ثِيابَ المَرأةِ تُشَدُّ عليها كيلَا تَنكشفَ، وقد رَوى أبو داودَ بإسنادِه عن عِمرانَ بن حُصينٍ قالَ: «فأمَرَ بها النبيُّ ﷺ فشُدَّتْ عليها ثِيابُها»، ولأنَّ ذلكَ أستَرُ لها.
فصلٌ: والسُّنةُ أنْ يَدورَ الناسُ حَولَ المَرجومِ، فإنْ كانَ الزنا ثبَتَ ببيِّنةٍ فالسُّنةُ أنْ يَبدأَ الشُّهودُ بالرَّجمِ، وإنْ كانَ ثبَتَ بإقرارٍ بدَأَ به الإمامُ أو الحاكِمُ إنْ كانَ ثبَتَ عندَه ثم يَرجمُ الناسُ بعدَه، ورَوى سعيدٌ بإسنادِه عن عليٍّ ﵁ أنه قالَ: «الرَّجمُ رَجْمانِ، فما كانَ منه بإقرارٍ فأولُ مَنْ يَرجمُ الإمامُ ثم الناسُ، وما كانَ ببيِّنةٍ فأولُ مَنْ يَرجمُ البيِّنةُ ثم الناسُ»، ولأنَّ فِعلَ ذلكَ أبعَدُ لهم مِنْ التهمةِ في الكَذبِ عليه.
فإنْ هرَبَ منهُم وكانَ الحَدُّ ثبَتَ ببيِّنةٍ اتَّبعوهُ حتى يَقتلوهُ، وإنْ كانَ ثبَتَ بإقرارٍ تَركُوه؛ لِما رُويَ: «أنَّ ماعِزَ بنَ مالكٍ لمَّا وجَدَ مَسَّ الحِجارةِ خرَجَ يَشتدُّ، فلَقِيَه عبدُ اللهُ بنُ أُنيسٍ وقد عجَزَ أصحابُه، فنزَعَ له بوَظيفِ بَعيرٍ فرَماهُ به فقتَلَه، ثمَّ أتى النبيَّ ﷺ فذكَرَ ذلكَ له فقالَ: هلَّا تَركْتُموهُ يَتوبُ فيَتوبَ اللهُ عليهِ» رواهُ أبو داودَ، ولأنه يَحتملُ الرجوعَ، فيَسقطُ عنه الحَدُّ، فإنْ قتَلَه قاتلٌ في هَربِه فلا شيءَ عليه؛ لحَديثِ ابنِ أُنيسٍ حينَ قتَلَ ماعزًا،
стр. 13396
ولأنه قد ثبَتَ زِناه بإقرارِه، فلا يَزولُ ذلكَ باحتمالِ الرُّجوعِ، وإنْ لم يُقتلْ وأُتِيَ به الإمامَ فكانَ مُقيمًا على اعتِرافِه رجَمَه، وإنْ رجَعَ عنه ترَكَه (١).
هلْ يُجلَدُ الزَّاني المحصَنُ مع الرَّجمِ أم لا؟
اختَلفَ أهلُ العِلمِ في الزاني المُحصَنِ، هل يَجبُ جَلدُه قبلَ الرَّجمِ أم لا يَجبُ؟
فذهَبَ الحَنابلةُ في رِوايةٍ -ورُويَ ذلكَ عن عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ وعبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ وأُبيِّ بنِ كَعبٍ، وهو قَولُ الحَسنِ البَصريِّ، وإليه ذهَبَ إسحاقُ وداودُ وابنُ المُنذِرِ- إلى أنه يَجبُ جَلدُه ثمَّ رَجمُه؛ لعُمومِ الآيةِ في الزُّناةِ في قولِه تعالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، فعَمَّ الزُّناةَ ولم يَخُصَّ مُحصَنًا مِنْ غيرِ مُحصنٍ، ثم جاءَتِ السُّنةُ بالرَّجمِ في حَقِّ الثيِّبِ والتَّغريبُ في حَقِّ البِكرِ، فوجَبَ الجَمعُ بينَهُما، وإلى هذا أشارَ عليٌّ ﵁ بقَولِه: «جلَدْتُها بكِتابِ اللهِ ورَجمتُها بسُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ »، وقد صرَّحَ النبيُّ ﷺ بقولِه في حَديثِ عُبادةَ: «خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي، قد جعَلَ اللهُ لهُنَّ سَبيلًا، البِكرُ بالبِكرِ جَلدُ مِائةٍ ونَفيُ سَنةٍ، والثَّيبُ بالثَّيبِ جَلدُ مِائةٍ والرَّجمُ» (٢)، وهذا الصريحُ الثابتُ بيَقينٍ لا يُتركُ إلا بمِثلِه، والأحاديثُ الباقِيةُ ليسَتْ صَريحةً؛ فإنه ذكَرَ الرَّجمَ ولم يَذكُرِ الجَلدَ، فلا يُعارَضُ به الصَّريحُ؛ بدَليلِ أنَّ التَّغريبَ يَجبُ بذِكرِه في هذا
стр. 13397
الحَديثِ وليسَ بمَذكورٍ في الآيةِ، ولأنه زانٍ، فيُجلَدُ كالبِكرِ، ولأنه قد شُرعَ في حَقِّ البكرِ عُقوبتانِ: الجَلدُ والتَّغريبُ، فيُشرعُ في حَقِّ المُحصنِ أيضًا عُقوبتانِ: الجَلدُ والرَّجمُ، فيكونُ الرجمُ مكانَ التَّغريبِ، فعَلى هذا يَبدأُ بالجَلدِ أولًا ثم يَرجمُ، فإنْ والَى بينَهُما جازَ؛ لأنَّ إتلافَه مَقصودٌ، فلا تَضرُّ المُوالاةُ بينَهُما، وإنْ جلَدَه يَومًا ورجَمَه في آخَرَ جازَ؛ فإنَّ عَليًّا ﵁ جلَدَ شُراحَةَ يومَ الخَميسِ ثمَّ رجَمَها يومِ الجُمعةِ ثم قالَ: «جَلدتُها بكِتابِ اللهِ تعالَى ورَجمتُها بسُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ » (١).
وذهَبَ جَماهيرُ أهلِ العِلمِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يُرجمُ ولا جَلْدَ عليه.
قالَ الإمامُ البَغويُّ ﵀: وعامَّةُ العُلماءِ على أنَّ الثيِّبَ لا يُجلدُ مع الرجمِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ رجَمَ ماعزًا والغامِديةَ ولم يَجلدْهُما (٢).
وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: ولا يُجلدُ المُحصنُ مع الرَّجمِ، وهو قولُ أكثرِ أهلِ العِلمِ (٣).
وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: ولا يُجلدُ مع الرَّجمِ عندَ جَماهيرِ العُلماءِ (٤).
стр. 13398
واستَدلُّوا على ذلكَ بما ثبَتَ أنَّ النبيَّ ﷺ رجَمَ ماعِزًا الأسلَميَّ، ورجَمَ اليَهوديَّينِ، ورجَمَ امرأةً مِنْ جُهينةَ وامرأةً مِنْ عامِرٍ، ولم يَجلدْ أحدًا منهُم، وقالَ: «واغْدُ يا أُنيسُ إلى امرأةِ هذا، فإنِ اعتَرفَتْ فارجُمْها» مُتفَقٌ عليه، ولم يَأمرْه بجَلدِها، ولو كانَ الجَمعُ حَدًّا لَمَا ترَكَه، وكانَ هذا آخِرَ الأمرَينِ مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فوجَبَ تَقديمُه، فدَلَّ ذلكَ على أنَّ الآيةَ قُصدَ بها مَنْ لم يُحصنْ مِنْ الزُّناةِ.
ورجَمَ أبو بَكرٍ وعُمرُ ﵄ ولم يَجلدَا.
وهذا كلُّه يَدلُّ على أنَّ حَديثَ عُبادةَ مَنسوخٌ؛ لأنه كانَ في حينِ نُزولِ الآيةِ في الزُّناةِ، وذلكَ أنَّ الزُّناةَ كانَتْ عُقوبتُهم إذا شَهدَ عليهِم أربَعةٌ مِنْ العُدولِ أنْ يُمسَكُوا في البُيوتِ إلى المَوتِ أو يَجعلَ اللهُ لهُنَّ سَبيلًا، فلمَّا نزَلَتْ آيةُ الجَلدِ التي في سُورةِ النورِ قامَ ﷺ فقالَ: «خُذوا عنِّي قد جعَلَ اللهُ لهنَّ سَبيلًا» الحَديث، فكانَ هذا في أولِ الأمرِ، ثمَّ رجَمَ رسولُ اللهِ ﷺ جَماعةً ولم يَجلدْ مع الرجمِ، فعَلِمْنا أنَّ هذا حُكمٌ أحدَثَه اللهُ تعالَى نسَخَ به ما قبلَه.
ومثلُ هذا كَثيرٌ في أحكامِه وأحكامِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، ليَبتليَ عِبادَه وإنَّما يُؤخَذُ بالأحدَثِ فالأحدَثِ مِنْ أمرِهِ.
ومِن جِهةِ المعنَى أنَّ الحَدَّ الأصغرَ يَنطوِي في الحَدِّ الأكبَرِ؛ وذلكَ أنَّ الحَدَّ إنما وُضعَ للزَّجرِ، فلا تأثيرَ للجَلدِ هُنا.
ولأنه حَدٌّ فيه قَتلٌ، فلمْ يَجتمعْ معَه جَلدٌ كالرِّدةِ، ولأنَّ الحُدودَ إذا اجتمَعَتْ وفيها قَتلٌ سقَطَ ما سِواهُ، فالحَدُّ أَولى.
стр. 13399
ولأنه لا فائِدةَ في الجَلدِ معَ الرَّجمِ؛ لأنَّ الحَدَّ شُرعَ زاجِرًا، وزَجرُه بالجَلدِ لا يتأتَّى مع هَلاكِه وزَجرُ غيرِه يَحصلُ بالرَّجمِ؛ لكَونِه أبلَغَ العُقوباتِ، فإذا عَرِيَ عن الفائدةِ فلا يُشرَعُ، ولهذا لو تكرَّرَ مِنْ شَخصٍ ما يُوجِبُ الحَدَّ يُكتفى بحَدٍّ واحِدٍ؛ لعَدمِ الفائِدةِ في الباقي؛ لأنَّ المَقصودَ وهو زَجرُه وزَجرُ غيرِه يَحصلُ بالأولِ.
وما رَوَوهُ مَعناهُ: الثيِّبُ بالثيِّبِ جَلدُ مِائةٍ أو الرجمُ؛ لأنَّ الواوَ تَجيءُ بمعنَى «أَوْ»، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١] أي: أُولي أجنِحةٍ مَثنَى أو ثُلاثَ أو رُباعَ، فيكونُ معنَى الحَديثِ: الثيِّبُ بالثيِّبِ الرَّجمُ إنْ كانَا مُحصَنينِ، أو جَلدُ مِائةٍ إنْ لم يَكونَا مُحصنينِ، وهذا معنًى مُستقيمٌ لا إشكالَ فيهِ؛ فإنَّ كُلَّ ثيِّبٍ لا يُرجَمُ، فيكونُ تَنبيهًا منه ﵊ على الحُكمَينِ في الثيِّبِ، على أنَّ هذا الحَديثَ مَنسوخٌ على ما تَقدمَ؛ لأنه كانَ أولَ شَيءٍ في الإسلامِ.
وفِعلُ عَليٍّ ﵁ مَحمولٌ على ذلكَ، وتأخِيرُه الرَّجمَ إلى يومِ الجُمعةِ دَليلٌ عليهِ؛ لأنَّ تَأخيرَ الحَدِّ بعدَ وُجوبِه لا يَجوزُ، وعُرِفَ أحَدُ الحَدَّينِ بكِتابِ اللهِ تعالى والآخَرُ بالسُّنةِ، فلهذا قالَ: «جلَدْتُها بكِتابِ اللهِ تعالَى ورَجمتُها بسُنةِ رسولِ اللهِ ﷺ » لا لأنَّ الجَمعَ مَشروعٌ في واحِدٍ.
وأما حَديثُ عليٍّ فمَحمولٌ على أنها زَنَتْ وهي بِكرٌ، فلمْ يَجلدْها حتى صارَتْ ثَيبًا ثم زَنَتْ.
стр. 13400
ويَحتملُ أنه ظَنَّ أنها بِكرٌ فجلَدَها، ثمَّ بانَ أنها ثَيبٌ فرجَمَها على ما رواهُ جابرٌ ﵁ «أنَّ رَجلًا زنَى بامرأةٍ فأمَرَ به النبيُّ ﷺ فجُلدَ الحَدَّ، ثمَّ أُخبِرَ أنه مُحصنٌ فأمَرَ به فرُجمَ» (١)، ألَا تَرَى أنَّ عليًّا ﵁ جلَدَها يومَ الخَميسِ ورجَمَها يومَ الجُمعةِ، ولولا ذلكَ لَجمَعَ بينَهُما في يومٍ واحِدٍ، والثابتُ أنها زنَتْ بِكرًا فجلَدَها ثمَّ زنَتْ ثَيبًا فرجَمَها، ويُحتمَلُ أنْ يكونَ رجَمَها في جُمعةٍ لا تَلي الخَميسَ أو تَليهِ (٢).
على البِكرِ؛ لحَديثِ عُمرَ ﵁ أنه قالَ: «وإنَّ الرَّجمَ حَقٌّ على مَنْ زنَى وقد أَحصَنَ» (١).
وعَن عائِشةَ ﵂ قالَتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «لا يَحِلُّ دَمُ امرِئٍ مُسلمٍ يَشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأنَّ مُحمدًا رسولُ اللهِ إلا بإحدَى ثَلاثٍ: رَجلٌ زنَى بعدَ إحصَانٍ فإنه يُرجَمُ، ورَجلٌ خرَجَ مُحارِبًا للهِ ورَسولِه فإنه يُقتَلُ أو يُصلَبُ أو يُنفى مِنْ الأرضِ، أو يَقتلُ نَفسًا فيُقتَلُ بِها» (٢)(٣).
شُروطُ الإحصانِ ووُجوبِ الحَدِّ:
شُروطُ إيجابِ حَدِّ الزِّنا رَجمًا كانَ أو جَلدًا في الفاعلِ أو المَفعولِ به، وهذه شُروطٌ إذا اجتَمعَتْ وجَبَ الحدُّ على الزاني، وإذا اختَلَّ شَرطٌ منها سقَطَ الحَدُّ، وبَعضُ هذهِ الشُّروطِ تَختصُّ بحَدِّ الرَّجمِ، وبَعضُها يَشملُ الرَّجمَ والجلدَ.
الشَّرطُ الأولُ: البُلوغُ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الصبيَّ إذا زَنَى قبلَ بُلوغِه لا يُقامُ عليه الحَدُّ، إلا أنه يُؤدَّبُ ويُزجَرُ، وإذا زنَى وهو صَغيرٌ ثم بلَغَ لم يَكنْ مُحصنًا بذلكَ، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: هذا قَولُ أكثرِ أهلِ العِلمِ (٤).
стр. 13403
الشَّرطُ الثاني: العَقلُ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه يُشترطُ في حَدِّ الزِّنا رَجمًا كانَ أو جَلدًا أنْ يَكونَ عاقِلًا؛ لأنَّ للزنا عاقِبةً ذَميمةً، والعَقلُ يَمنعُ عن ارتِكابِ ما له عاقِبةٌ ذَميمةٌ، فإنْ زنَى وهو مَجنونٌ فلا يُقامُ عليهِ الحَدُّ إجماعًا، وكذا إذا زنَى وهو مَجنونٌ ثم عقَلَ لم يكنْ مُحصنًا بالإجماعِ (١).
الشَّرطُ الثالثُ: الحُريةُ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الحُريةَ شَرطٌ في الإحصانِ، فإذا زنَى العبدُ أو الأمَةُ فلا يُقامُ على أحَدٍ منهُما حَدُّ الرجمِ وإنْ أحصنَا بنِكاحٍ؛ لأمرَينِ:
أحَدُهما: أنَّ الحُريةَ شَرطٌ في الإحصانِ، وهي مَعدومةٌ فيه.
والثَّاني: أنَّ حَدَّه على النِّصفِ مِنْ حَدِّ الحُرِّ، والرَّجمُ لا يَنتصَّفُ، وإذا سقَطَ الرَّجمُ عنه فحَدُّه خَمسونَ جَلدةً، وهي نِصفُ حَدِّ الحرِّ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]. يعنِي: الجَلدَ؛ لأنَّ الرَّجمَ لا يَتنصفُ.
واختُلفَ في إحصانِ الأمَةِ، هل هو إسلامُها أم تَزويجُها؟
فالجُمهورُ مِنْ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ وغيرُهم على أنه إسلامُها.
стр. 13404
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: حَدُّ العَبدِ والأمَةِ خَمسونَ جَلدةً، بِكرَينِ كانَا أو ثيِّبينِ في قَولِ أكثرِ الفُقهاءِ (١).
وفي قَولِ ابنِ عبَّاسٍ وغيرِه إحصانُها تَزوُّجُها، وكانَ يَقولُ: «ليسَ على الأمَةِ حَدٌّ حتَّى تَتزوجَ» (٢).
الشَّرطُ الرابعُ: الإسلامُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الإسلامِ هل هو شَرطٌ للإحصانِ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الإسلامَ شَرطٌ في الإحصانِ في الزِّنا، فلا يَجبُ الرَّجمُ على الذِّميِّ إذا زنَى؛ لِما رُويَ مَرفوعًا: «مَنْ أشرَكَ باللهِ فليسَ بمُحصَنٍ» (٣)، مَعناهُ: ليسَ بكامِلِ الحالِ؛ فإنَّ المُحصَنَ مَنْ هو كامِلُ الحالِ، والرَّجمُ لا يُقامُ إلا على مَنْ هو كامِلُ الحالِ.
ولأنَّ الإحصانَ حُكمٌ شَرعيٌّ وجَبَ للفَضيلةِ في الإسلامِ، فلمْ يَثبُتْ للكافرِ في أحكامِ الكُفرِ، ولأنه حَدٌّ يُعتبَرُ فيه الإحصانُ، فوجَبَ أنْ يُعتبَرَ فيه الإسلامُ، أصلُه حَدُّ القَذفِ، ولأنَّ نقْصَ الكُفرِ أشَدُّ مِنْ نَقصِ الرِّقِّ؛ لأنَّ أصلَ نَقصِ الرِّقِّ هو الكُفرُ، فإذا كانَ نَقصُ الرقِّ يَمنعُ الإحصانَ فنَقصُ الكُفرِ أَولى؛ لأنَّ زِيادةَ الحُدودِ لزَيادةِ الفَضيلةِ، ونَقصُ الكفرِ يَمنعُ ذلكَ.
стр. 13405
ويَتبيَّنُ بهذا أنَّ ما يُشترطُ لإقامةِ الرَّجمِ يُشترطُ بطَريقٍ هو نِعمةٌ، فكذلكَ اعتِقادُ الحُرمةِ يُشترطُ بطَريقٍ هو نِعمةٌ، وذلكَ بالإسلامِ، بل أَولى؛ لأنَّ أصلَ النِّعمةِ في الوَطءِ بمِلكِ اليَمينِ مَوجودٌ، إنما انعَدمَ نهايتُها، وأصلُ النِّعمةِ مُنعدمٍ هُنا فيما يَعتقدُه الكافرُ، وتأثيرُه أنَّ الجَريمةَ كما تَتغلَّظُ باجتِماعِ المَوانعِ تَتغلظُ باجتماعِ النِّعمِ، ولهذا هَدَّدَ اللهُ تعالى نِساءَ رَسولِ اللهِ ﷺ و ﵅ بضِعفِ ما هدَّدَ به غيرَهنَّ بقولِه تعالَى: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]؛ لزِيادةِ النِّعمةِ عليهنَّ، وعُوتبَ الأنبياءُ عَليهِم الصَّلاةُ والسَّلامُ على الزلَّاتِ بما لم يُؤاخَذْ به غيرُهم؛ لزِيادةِ النِّعمةِ عليهِم، والحُرُّ يقامُ عليهِ الحدُّ الكامِلُ ولا يقامُ على العَبدِ؛ لزِيادةِ نِعمةِ الحُريةِ في حقِّ الحرِّ، فبَدنُ العَبدِ أكثرُ احتِمالًا للحدِّ مِنْ بَدنِ الحُرِّ، فعَرفْنا أنَّ بزِيادةِ النِّعمةِ يَزدادُ تَغليظُ الجَريمةِ؛ لِما في ارتكابِ الفاحِشةِ مِنْ كُفرانِ النعمةِ، فأما سائرُ الفَضائلِ إنَّما لا تُشترطُ؛ لأنَّ شرْطَ الحدِّ بالرأيِ لا يُمكِنُ إثباتُه.
ونَحنُ قُلنا: ما يَكونُ شَرطًا بالاتفاقِ لا يَنبغِي أنْ يُشترطَ بطَريقٍ هو نِعمةٌ؛ استِدلالًا بالثُّيوبةِ، فأما ما لم يُعرَفْ شَرطًا لو أثبَتْناهُ لَأثبَتْناهُ بالرأيِ ابتداءٍ، مع أنه إنما يُشترطُ في الإحصانِ ما يَنطلقُ عليه اسمُ الإحصانِ، وسائرُ الفَضائلِ لا يَنطلقُ عليه اسمُ الإحصانِ، وأما الإسلامُ فيُطلَقُ عليه اسمُ الإحصانِ في قولِه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤]، وقالَ تعالَى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ [النساء: ٢٥].
стр. 13406
وكذا إذا تزوَّجَ مُسلمً بكِتابيةٍ فإنه لا يَصيرُ مُحصَنًا؛ لِما رُويَ أنَّ كَعبَ بنَ مالكٍ ﵁ أرادَ أنْ يَتزوجَ يَهوديةً أو نَصرانيةً فقالَ له النبيُّ ﷺ : «دَعْها عنكَ فإنها لا تُحصنُكَ» (١).
ولأنها حَصانةٌ مِنْ شَرطِها الحُريةُ، فوجَبَ أنْ يكونَ مِنْ شَرطِها الإسلامُ كالحَصانةِ في القَذفِ، ولأنَّ مَنْ لم يُحَدَّ قاذفُه لم يُرجَمْ كالعبدِ.
وإنما الواجِبُ في حَقِّ غيرِ المُسلمِ إذا زنَى الجَلدُ؛ لقولِه تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، أوجَبَ الجَلدَ على كلِّ زانٍ وزانيَةٍ أو على مُطلَقِ الزاني والزانيَةِ مِنْ غيرِ فَصلٍ بينَ المُؤمنِ والكافرِ، ومتى وجَبَ الجَلدُ انتَفى وُجوبُ الرجمِ ضَرورةً، ولأنَّ زِنا الكافرِ لا يُساوِي زِنا المُسلمِ في كونِه جِنايةً، فلا يُساويهِ في استِدعاءِ العُقوبةِ كزِنا البِكرِ مع زِنا الثيبِ.
وبَيانُ ذلكَ أنَّ زِنا المُسلمِ اختَصَّ بمَزيدِ قُبحٍ انتَفى ذلكَ في زِنا الكافرِ، وهو كَونُ زِناهُ وَضعُ الكُفرانِ في مَوضعِ الشُّكرِ؛ لأنَّ دِينَ الإسلامِ نِعمةُ ودينَ الكُفرِ ليسَ بنِعمةٍ.
وأما حَديثُ رَجمِ اليَهوديَّينِ فيُحتملُ أنه كانَ قبلَ نُزولِ آيةِ الجَلدِ فانتَسخَ بها، ويُحتملُ أنه كانَ بعدَ نُزولِها، ونَسخُ خبَرِ الواحدِ أهوَنُ مِنْ نَسخِ الكِتابِ العزيزِ (٢).
стр. 13407
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ -وهو مَرويٌّ عن أبي يُوسفَ- إلى أنَّ الإسلامَ ليسَ بشَرطٍ للإحصانِ، فإذا زَنى ذِميٌّ وُجدَتْ فيه شَرائطُ إحصانِ المُسلمِ وجَبَ عليه الرجمُ، أو تَزوجَ مُسلمٌ ذِميةً فوَطئَها صارَا مُحصنَينِ؛ لِما رَوى عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ ﵄ «أنَّ النبيَّ ﷺ رجَمَ يَهوديَّينِ قد أُحصِنَا، أنا فِيمَن رجَمَهُما، فلقدْ رَأيتُه وإنه يَستُرُها مِنْ الحِجارةِ» (١).
وفي لَفظِ البُخاريِّ عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄ «أنَّ اليَهودَ جاؤُوا إلى رسولِ اللهِ ﷺ فذَكَروا له أنَّ رَجلًا منهم وامرأةً زنَيَا، فقالَ لهم رسولُ اللهِ ﷺ : ما تَجِدونَ في التَّوراةِ في شَأنِ الرَّجمِ؟ فقالوا: نفضَحُهم ويُجلَدُونَ، فقالَ عبدُ اللهِ بنُ سَلامٍ: كذَبْتُم، إنَّ فيها الرَّجمَ، فأتَوا بالتَّوراةِ فنَشَروها فوضَعَ أحَدُهم يَدَه على آيةِ الرَّجمِ فقرَأَ ما قبلَها وما بعدَها، فقالَ له عبدُ اللهِ بنُ سَلامٍ: ارفَعْ يدَكَ، فرفَعَ يَدَه فإذا فيها آيةُ الرَّجمِ، فقَالوا: صدَقَ يا مُحمدُ فيها آيةُ الرَّجمِ، فأمَرَ بهمَا رسولُ اللهِ ﷺ فرُجِمَا، قالَ عبدُ اللهِ: فرَأيتُ الرَّجلَ يَجنَأُ على المَرأةِ يَقيها الحِجارةَ» (٢)، ولا يُرجمُ إلا مُحصنًا، فدَلَّ على أنَّ الإسلامَ ليسَ بشَرطٍ في حَصانةِ الرجمِ.
стр. 13408
ولأنَّ الجِنايةَ بالزنا استَوَتْ مِنْ المُسلمِ والذِّميِّ، فيَجبُ أنْ يَستويَا في الحَدِّ.
فإنْ قالُوا: إنما رجَمَ النبيُّ ﷺ اليَهوديَّينِ بحُكمِ التوراةِ؛ بدَليلِ أنه راجَعَها فلمَّا تَبيَّنَ له أنَّ ذلك حُكمُ اللهِ عليهم أقامَه فيهم، وفيها أنزَلَ اللهُ تعالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤].
قُلنا: إنما حكَمَ عليهِما بما أنزَلَ اللهُ إليهِ؛ بدَليلِ قولِه تعالَى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
ولأنه لا يَسوغُ للنبيِّ ﷺ الحُكمُ بغيرِ شَريعتِه، ولو ساغَ ذلك لَساغَ لغيرِه، وإنما راجَعَ التوراةَ لِتَعريفِهم أنَّ حُكمَ التَّوراةِ مُوافِقٌ لِما يَحكمُ به عليهِم، وأنهم تَارِكونَ لشَريعتِهم مُخالِفونَ لحُكمِهم.
ثمَّ هذا حُجةٌ لنا؛ فإنَّ حُكمَ اللهِ في وُجوبِ الرَّجمِ إنْ كانَ ثابتًا في حَقِّهم يَجبُ أنْ يُحكمَ به عليهِم، فقدْ ثبَتَ وجودُ الإحصانِ فيهم، فإنه لا مَعنى له سِوى وُجوبِ الرجمِ على مَنْ زَنى منهم بعدَ وُجودِ شُروطِ الإحصانِ منه، وإنْ مَنَعوا ثُبوتَ الحُكمِ في حقِّهم فلِمَ حكَمَ به النبيُّ ﷺ ؟
ولا يَصحُّ القِياسُ على إحصانِ القَذفِ؛ لأنَّ مِنْ شَرطِه العِفةَ، وليسَتْ شَرطًا هاهُنا.
стр. 13409
والمَعنى فيه أنَّ هذهِ عُقوبةٌ يَعتقدُ الكافرُ حُرمةَ سَببِها، فيقامُ عليهِ كما يُقامُ على المُسلمِ كالجَلدِ والقَطعِ والقَتلِ في القِصاصِ، بخِلافِ حَدِّ الشُّربِ؛ فإنه لا يَعتقدُ حُرمةَ سَببِه، وتأثيرُه ما بيَّنَّا أنَّ ما اشتُرطَ في الإحصانِ إنما يُشترطُ لمعنَى تَغلُّظِ الجَريمةِ، وغِلظُ الجَريمةِ باعتبارِ الدِّينِ مِنْ حيثُ اعتقادُ الحُرمةِ، فإذا كانَ هو في دِينِه مُعتقدًا للحُرمةِ كالمُسلمِ فقدْ حصَلَ ما هو المَقصودُ، فكانَ به مُحصنًا، فإنَّ المُحصنَ مَنْ يكونُ في حِصنٍ ومَنعٍ مِنْ الزِّنى، وهو باعتقادِه مَمنوعٌ مِنْ الزِّنى، وقد أُنْذِرَ عليه بالعُقوبةِ في دِينِه، فكانَ مُحصنًا، ثم لا يجوزُ اشتِراطُ الإسلامِ لمَعنى الفَضيلةِ والكَرامةِ والنِّعمةِ كما لا يُشترطُ سائرُ الفَضائلِ مِنْ العِلمِ والشرَفِ، ولا يجوزُ اشتِراطُ الإسلامِ لمعنَى التغلِيظِ؛ لأنَّ الكفرَ أليَقُ بهذا مِنْ الإسلامِ، فالإسلامُ للتَّخفيفِ والعِصمةِ، والكفرُ مِنْ دَواعي التَّغليظِ، فإذا كانَ تُقامُ هذه العُقوبةُ على المُسلمِ بارتِكابِ هذهِ الفاحشةِ فعَلى الكافرِ أَولى (١).
الشَّرطُ الخامِسُ: الوَطءُ في النكاحِ الصَّحيحِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنه يُشترطُ في الرَّجمِ على الزَّاني المُحصَنِ أنْ يَكونَ وَطئَ في القُبلِ في نِكاحٍ، فإنْ عقَدَ على امرَأةٍ ولم يَدخلْ بها ثمَّ زَنى فإنه غيرُ مُحصنٍ، فلا يَقامُ عليه حَدُّ الرَّجمِ بل الجَلدُ بإجماعِ أهلِ العِلمِ، والدليلُ
стр. 13410
عليهِ قولُ النبيِّ ﷺ : «والثَّيبُ بالثَّيبِ جَلدُ مِائةٍ والرَّجمُ» (١)، والثِّيابةُ تَحصلُ بالوطءِ في القُبلِ، فوجَبَ اعتِبارُه.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المرءَ لا يَكونُ بعَقدِ النكاحِ مُحصنًا حتى يكونَ معه الوَطءُ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: وما نَعلمُ الإحصانَ في اللُّغةِ العربيةِ والشَّريعةِ يَقعُ إلا على مَعنيَينِ: على الزواجِ الذي يَكونُ فيه الوطءُ، فهذا إجماعٌ لا خِلافَ فيهِ (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا خِلافَ في أنَّ عقْدَ النكاحِ الخالي عن الوَطءِ لا يَحصلُ به إحصانٌ، سَواءٌ حصَلتْ فيه خَلوةٌ أو وَطءٌ فيما دونَ الفَرجِ أو في الدبرِ أو لم يَحصلْ شيءٌ مِنْ ذلكَ؛ لأنَّ هذا لا تَصيرُ به المَرأةُ ثَيبًا ولا تَخرجُ به عن حَدِّ الأبكارِ الذينَ حَدُّهم جَلدُ مِائةٍ وتَغريبُ عامٍ بمُقتضَى الخبَرِ، ولا بُدَّ مِنْ أنْ يَكونَ وَطئًا حصَلَ به تَغييبُ الحَشفةِ في الفرجِ؛ لأنَّ ذلكَ حدُّ الوطءِ الذي يَتعلقُ به أحكامُ الوطءِ (٤).
وقالَ أيضًا: ولا خِلافَ بينَ أهلِ العِلمِ في أنَّ الزنا ووَطءَ الشُّبهةِ لا يَصيرُ به الواطِئُ مُحصنًا، ولا نَعلمُ خِلافًا في أنَّ التسرِّي لا يَحصلُ به