كما رُويَ عن ابنِ مَسعودٍ أنَّه أتى الجمُعةَ فوجَدَ أربَعةً قد سبَقوه، فقالَ: «رابِعُ أربَعةٍ، وما رابِعُ أربَعةٍ ببَعيدٍ».
إذا ثبَتَ هذا فالأَولى ألَّا تُصلَّى إلا بعدَ الزَّوالِ ليَخرجَ مِنْ الخِلافِ، ويَفعلُها في الوقتِ الذي كانَ النَّبيُّ ﷺ يَفعلُها في أكثرِ أَوقاتِه، ويُعجِّلُها في أوَّلِ وقتِها في الشِّتاءِ والصَّيفِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يُعجِّلُها، بدَليلِ الأَخبارِ التي روَيْناها، ولأنَّ الناسَ يَجتمِعونَ لها في أوَّلِ وقتِها يُبكِّرونَ إليها قبلَ وقتِها، فلوِ انتظَرَ الإِبرادَ بها لَشَقَّ على الحاضِرينَ، وإنَّما جُعلَ الإِبرادُ بالظُّهرِ في شدَّةِ الحَرِّ دَفعًا للمَشقَّةِ التي يَحصلُ أعظَمُ منها بالإِبرادِ بالجمُعةِ (١).
شُروطُ وُجوبِ الجمُعةِ:
وهي خَمسةٌ، وذلك بعدَ اعتِبارِ الشُروطِ التي تَتوقَّفُ عليها أهلِيَّةُ التَّكليفِ بصُورةٍ عامَّةٍ مِنْ عَقلٍ وبُلوغٍ.
الأوَّلُ: الإِقامةُ بمِصرٍ: (الاستِيطانُ) اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الجمُعةَ لا تَجبُ على مُسافِرٍ، ثم لا فَرقَ في الإِقامةِ بينَ أن تَكونَ على سَبيلِ الاستِيطانِ، أو دونَ ذلك، فمَن تَجاوَزَت أَيامُ إقامَتِه في بَلدَةٍ ما الفَترةَ
стр. 1367
التي يُشرعُ له فيها قَصرُ الصَّلاةِ، وجَبَت عليه صَلاةُ الجمُعةِ، وإلا فلا، ودَليلُ ذلك قولُه ﷺ : «مَنْ كانَ يُؤمنُ باللَّهِ واليَومِ الآخرِ فَعليه الجمُعةُ يومَ الجمُعةِ، إِلَّا مَريضٌ أو مُسافِرٌ أو امرَأةٌ أو صَبيُّ أو مَملوكٌ، فمَن استَغنَى بلَهوٍ أو تِجارةٍ استَغنَى اللَّهُ عنه، واللَّهُ غَنيُّ حَميدٌ» (١).
قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: أَجمعَ أئمَّةُ الفَتوى أنَّ المُسافِرينَ لا جمُعةَ عليهم (٢).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يُسافِرُ، فلا يُصلِّي الجمُعةَ في سَفرِه، وكان في حَجةِ الوَداعِ بعَرفةَ يومَ جمُعةٍ، فصلَّى الظُّهرَ والعَصرَ وجمَعَ بينَهما، ولم يُصلِّ جمُعةً، والخُلفاءُ الرَّاشِدونَ ﵃ كانوا يُسافِرونَ في الحَجِّ وغيرِه فلمْ يُصلِّ أَحدٌ منهم الجمُعةَ في سَفرِه، وكذلك غيرُهم مِنْ أَصحابِ رِسولِ اللهِ ﷺ ومَن بعدَهم، وقد قالَ إِبراهيمُ: «كانوا يُقيمُونَ بالرَّيِّ السَّنةَ وأكثرَ مِنْ ذلك، وبسِجِستانَ السِّنينَ، لا يُجمِّعونَ ولا يُشرِّقونَ»، وعن حَسنٍ عن عبد الرَّحمنِ بنِ سمُرةَ قالَ: «أَقمتُ معه سِنينَ بكابُلَ نَقصُرُ الصَّلاةَ ولا نُجمِّعُ»، رواها سَعيدٌ، وأقامَ أنسٌ بنَيسابورَ سَنةً أو سَنَتَينِ فكانَ لا يُجمِّعُ، ذكرَه ابنُ المنذِرِ، وهذا إِجماعٌ مع السُّنةِ الثَّابتَةِ فيه، فلا يَسوغُ مُخالَفتُه (٣).
стр. 1368
وقالَ الإمامُ السَّرخسيُّ ﵀: ولأنَّ المُسافِرَ تَلحَقُه المَشقَّةُ بدُخولِ المِصرِ وحُضورِ الجمُعةِ، وربَّما لا يَجدُ أَحدًا يَحفظُ رَحلَه، وربَّما يَنقطِعُ عن أَصحابِه؛ فلدَفعِ الحَرجِ أسقَطَها الشَّرعُ عنه (١).
الشَّرطُ الثاني: الذُّكورةُ: فلا تَجبُ على النِّساءِ بلا خِلافٍ.
قال ابنُ المنذِرِ ﵀: أَجمعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أَهلِ العِلمِ أن لا جمُعةَ على النِّساءِ، وأَجمَعوا على أنَّهنَّ إن حَضرنَ الإمامَ فصلَّينَ معه أنَّ ذلك يُجزِئُ عَنهُنَّ (٢).
وقالَ ابنُ بطَّالٍ ﵀: أَجمَعوا أنَّه لا جمُعةَ على النِّساءِ (٣).
وقالَ أيضًا: وأَجمعَ أئمَّةُ الفَتوى أنَّ الصِّبيانَ والنِّساءَ لا تَلزمُهم الجمُعةُ، فسقَطَ الغُسلُ عنهم (٤).
ولأنَّ المَرأةَ ليسَت مِنْ أهلِ الحُضورِ في مَجامعِ الرِّجالِ، ولذلك لا تَجبُ عليها جَماعةٌ؛ ولأنَّ المَرأةَ مَشغولةٌ بخِدمةِ الزَّوجِ، مَمنوعةٌ
стр. 1369
من الخُروجِ إلى مَحافلِ الرِّجالِ؛ لكَونِ الخُروجِ سَببًا للفِتنةِ (١).
الشَّرطُ الثالِثُ: الصِّحةُ: ويُقصدُ بها خلُوُّ البَدنِ ممَّا يَنكَسرُ معه -عُرفًا- الخُروجُ لشُهودِ الجمُعةِ في المَسجدِ، كمرَضٍ وألَمٍ شَديدٍ، والمرَضُ المُسقِطُ هذا هو الذي يَلحقُ صاحِبَه بقَصدِ الجمُعةِ مَشقَّةٌ ظاهِرةٌ غيرُ مُحتمَلةٍ.
وأُلحقَ بالمَريضِ مُمرِّضُه الذي يَقومُ بأمرِ تَمريضِه وخِدمتِه، بشَرطِ ألَّا يُوجَدَ مَنْ يَقومُ مَقامَه في ذلك لو ترَكَه. ويَلتحِقُ أيضًا بالمَريضِ في هذا مَنْ به إِسهالٌ كَثيرُ (٢)، والدَّليلُ على ذلك قولُه ﷺ : «مَنْ كانَ يُؤمنُ باللَّهِ واليَومِ الآخرِ فَعليه الجمُعةُ يومَ الجمُعةِ، إِلَّا مَريضٌ أو مُسَافِرٌ أو امرَأةٌ أو صَبيُّ أو مَملوكٌ، فمَن استَغنَى بلَهوٍ أو تِجارَةٍ استَغنَى اللَّهُ عنه، واللَّهُ غَنيُّ حَميدٌ» (٣).
الشَّرطُ الرابِعُ: الحرِّيةُ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يَجبُ على العبدِ صَلاةُ الجمُعةِ، وذهَبَ الإمامُ أحمدُ في الرِّوايةِ الثانيةِ إلى أنَّها تَجبُ عليه (٤).
стр. 1370
الشَّرطُ الخامِسُ: (السَّلامةُ): والمَقصودُ بها سَلامةُ المُصلِّي مِنْ العاهاتِ المُقعِدةِ أو المُتعِبةِ له في الخُروجِ إلى صَلاةِ الجمُعةِ؛ كالشَّيخوخةِ المُقعِدةِ، والعَمى، فإن وجَدَ الأعمَى قائِدًا، ولو بأُجرةٍ، أو مُتبَرِّعًا، وجَبَت عليه الجمُعةُ عندَ جُمهورِ العُلماءِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلَةِ والصَّاحبَينِ مِنْ الحَنفيةِ، خِلافًا لِأبي حَنيفةَ ﵀ (١).
وكذلك أيضًا لا تَجبُ الجمُعةُ في حالةِ خَوفٍ مِنْ عَدوٍّ أو سبُعٍ أو لِصٍّ أو سُلطانٍ، ولا في حالةِ مَطرٍ شَديدٍ، أو وَحلٍ أو ثَلجٍ، يَتعثَّرُ معها الخُروجُ إليها؛ إذ لا تُعدُّ السَّلامةُ مُتوافِرةً في مِثلِ هذه الحالاتِ (٢).
النَّوعُ الثَّالثُ مِنْ الشُروطِ: شُروطُ الصِّحةِ فقط: وهي ثَلاثةُ شُروطٍ:
الأوَّلُ: الخُطبةُ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ، المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّه لا تَصحُّ الجمُعةُ حتى يَتقدَّمَها خُطبَتانِ؛ لمَا رُويَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «صَلُّوا كما رَأيتمُونِي أُصلِّي» (٣). ولم يُصلِّ الجمُعةَ إلا بخُطبَتينِ، ورَوى ابنُ عمرَ ﵄ قالَ: «كانَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ يَخطُبُ يومَ الجمُعةِ خُطبَتينِ، يَجلسُ بينَهما» (٤).
стр. 1371
ولقولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، والذكرُ هو الخُطبةُ، ولأنَّ الخُطبَتينِ أُقيمَتا مَقامَ الرَّكعَتينِ، فكلُّ خُطبةٍ أُقيمَت مَكانَ رَكعةٍ، فالإِخلالُ بإحداهُما كالإِخلالِ بإحدى الرَّكعَتينِ (١).
وعَدَّ الشافِعيةُ للخُطبةِ أَركانًا خَمسةً لا بدَّ مِنْ تَوافُرِها، وهي: حَمدُ اللهِ، والصَّلاةُ على رَسولِه، والوَصيةُ بالتَّقوى، وهذه الأَركانُ الثَّلاثَةُ في كُلٍّ مِنْ الخُطبَتينِ.
والرابِعُ: قِراءةُ آيةٍ مِنْ القُرآنِ في إحداهُما.
والخامِسُ: ما يَقعُ عليه اسمُ الدُّعاءِ للمُؤمِنينَ في الخُطبةِ الثانيةِ.
واشتَرطَ الحَنابلَةُ مِنْ هذه الأَركانِ قِراءةَ آيةٍ مِنْ القُرآنِ (٢).
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الخُطبةَ شَرطٌ، ولكن تُجزِئُ خُطبةٌ واحدةٌ، قالَ الزَّيلَعيُّ ﵀: وتُسنُّ خُطبَتانِ بجَلسةٍ بينَهما، وبطَهارةٍ، قائِمًا. وهكذا ورَدَ النَّقلُ المُستَفيضُ عنه ﷺ ، ولو خطَبَ خُطبةً واحدةً، أو لم يَجلسْ بينَهما، أو بغيرِ طَهارةٍ، أو غيرَ قائِمٍ، جازَت؛ لحُصولِ المَقصودِ وهو الذكرُ والوَعظُ، إلا أنَّه يُكرَهُ؛ لمُخالفَتِه التَّوارُثَ (٣).
стр. 1372
قالَ الكاسانِيُّ ﵀: وأمَّا كَيفيَّةُ الخُطبةِ ومِقدارُها، فقد قالَ أبو حَنيفةَ: إنَّ الشَّرطَ أن يَذكُرَ اللهَ تَعالى على قَصدِ الخُطبةِ، كذا نُقلَ عنه في «الأَمالي» مُفسَّرًا، قَلَّ الذِّكرُ أو كثُرَ، حتى لو سبَّحَ أو هلَّلَ أو حمِدَ اللهَ على قَصدِ الخُطبةِ، أجزَأَه.
وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: الشَّرطُ أن يَأتِيَ بكَلامٍ يُسمَّى خُطبةً في العُرفِ؛ لأنَّ المشُروطَ هو الخُطبةُ، والخُطبةُ في المُتعارَفِ اسمٌ لما يَشتمِلُ على تَحميدِ اللهِ تَعالَى، والثَّناءِ عليه، والصَّلاةِ على رَسولِه ﷺ ، والدُّعاءِ للمُسلمِينَ، والوَعظِ والتَّذكِيرِ لهم؛ فيَنصرِفُ المُطلَقُ إلى المُتعارَفِ.
ولِأبي حَنيفةَ طَريقانِ: أحدُهما: أنَّ الواجِبَ هو مُطلَقُ ذكرِ اللهِ؛ لقولِه: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، وذكرُ اللهِ تَعالى مَعلومٌ لا جَهالةَ فيه، فلم يَكنْ مُجمَلًا؛ لأنَّه تَطاوُعُ العملِ مِنْ غيرِ بَيانٍ يَقتَرنُ به، فتَقييدُه بذِكرٍ يُسمَّى خُطبةً، أو بذِكرٍ طَويلٍ لا يَجوزُ إلا بدَليلٍ.
والآخَرُ: أن يُقيدَ ذكرُ اللهِ تَعالى بما يُسمَّى خُطبةً، لكنَّ اسمَ الخُطبةِ في حَقيقةِ اللُّغةِ يَقعُ على ما قُلنا؛ فإنَّه رُويَ عن عُثمانَ ﵁ أنَّه لمَّا استُخلِفَ خطَبَ في أوَّلِ جمُعةٍ، فلمَّا قالَ: الحَمدُ للهِ، أُرتِجَ عليه، فقالَ: «أنتُم إلى إمامٍ فعَّالٍ أحوَجُ مِنكم إلى إمامٍ قوَّالٍ، وإنَّ أبا بَكرٍ وعمرَ كانا يُعِدَّانِ لِهذا المَكانِ مَقالًا، وستَأتيكمُ الخُطَبُ مِنْ بَعدُ، وأَستَغفرُ اللهَ لي ولكم». ونزَلَ وصلَّى بهمُ الجمُعةَ، وكانَ ذلك بمَحضَرٍ مِنْ المُهاجِرينَ والأَنصارِ، وصَلَّوا خلفَه، وما أَنكَروا عليه صَنيعَه، مع أنَّهم كانوا مَوصوفِينَ بالأمرِ بالمَعروفِ والنَّهيِ عن المُنكَرِ، فكانَ هذا إِجماعًا مِنْ الصَّحابةِ ﵃.
стр. 1373
على أنَّ الشَّرطَ هو مُطلَقُ ذكرِ اللهِ تَعالى، ومُطلَقُ ذكرِ اللهِ تَعالى ممَّا يَنطَلقُ عليه اسمُ الخُطبةِ لُغةً، وإن كانَ لا يَنطَلقُ عليه عُرفًا.
وتَبيَّنَ بهذا أنَّ الواجِبَ هو الذكرُ لُغةً وعُرفًا، وقد وُجدَ أو ذُكرَ، فهو خُطبَةٌ لُغةً، وَإِنْ لم يُسمَّ خُطبَةً في العُرفِ، وقد أَتى به؛ وهذا لأنَّ العُرفَ إنَّما يُعتبَرُ في مُعامَلاتِ النَّاسِ، فيَكونُ دِلالةً على غَرضِهم، وأمَّا في أمرٍ بينَ العبدِ وبينَ ربِّه فيُعتبَرُ فيه حَقيقةُ اللَّفظِ لُغةً وقد وُجدَ، على أنَّ هذا القَدرَ مِنْ الكَلامِ يُسمَّى خُطبةً في المُتعارَفِ.
ألَا تَرى إلى ما رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ للَّذي قالَ: مَنْ يُطعِ اللهَ ورَسولَه فقد رشَدَ، ومَن عَصاهُما فقَد غَوى: «بِئسَ الخَطِيبُ أنتَ» (١). سمَّاه خَطيبًا بهذا القَدرِ مِنْ الكَلامِ (٢).
الثَّاني: الجَماعةُ:
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: أَجمعَ العُلماءُ على أنَّ الجمُعةَ لا تَصحُّ من مُنفرِدٍ، وأنَّ الجَماعةَ شَرطٌ لصحَّتِها (٣).
وقالَ الكاسانِيُّ ﵀: والدَّليلُ على أنَّها شَرطٌ أنَّ هذه الصَّلاةَ تُسمَّى جمُعةً؛ فلا بدَّ مِنْ لُزومِ مَعنى الجمُعةِ فيه، اعتبارًا لِلمعنَى الذي أُخذَ اللَّفظُ منه مِنْ حيثُ اللُّغةُ، كما في الصَّرفِ والسَّلمِ والرَّهنِ، ونحوِ ذلك؛ ولأنَّ تَركَ
إذ لو كانَ مع الإمامِ لا يُوجَدُ في حقِّ كلِّ واحدٍ منهم إلا اثنانِ، والمَثنَّى ليسَ بجَمعٍ مُطلَقٍ (١).
وقالَ المالِكيةُ: يُشتَرطُ حُضورُ اثنَي عشَرَ مِنْ أهلِ الجمُعةِ غيرِ الإمامِ؛ لمَا رَواه جابِرٌ قالَ: «أقبَلَت عِيرٌ بتِجارَةٍ يومَ الجمُعةِ، والنَّبيُّ ﷺ يَخطُبُ، فانصَرفَ الناسُ يَنظرونَ، فما بقِيَ غيرُ اثنَي عشَرَ رَجلًا، فنزَلَت هذه الآيةُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]» (٢).
وقالَ القاضِي عبدُ الوهَّابِ ﵀: العددُ الذي تَنعقِدُ بهم الجمُعةُ، لمْ يُقدِّرْ أَصحابُنا فيه قَدرًا مَحصورًا أكثرَ مِنْ أن يَكونوا عددًا تَتقرَّى بهم قَريةٌ، ويُمكِنُهم الإِقامةُ، ويَكونُ بينَهم الشِّراءُ والبَيعُ. ومَنَعوا ذلك في الثَّلاثةِ والأربَعةِ وشِبهِهم، وقالَ أبو حَنيفةَ: تَنعقِدُ بأربَعةٍ: الإمامِ وثَلاثةٍ سِواه، وقالَ أبو يُوسفَ: ثَلاثةٌ، منهمُ الإمامُ. وقالَ الشافِعيُّ: لا تَنعقِدُ بأقَلَّ مِنْ أربَعينَ سِوى الإمامِ. ودَليلُنا قولُه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، وقولُه: (الجمُعةُ واجِبةٌ على كلِّ مُسلمٍ)، وقولُه: (الجمُعةُ على مَنْ سمِعَ النِّداءَ). وحَديثُ جابرٍ قالَ: (أقبَلَت عِيرٌ بتِجارَةٍ يومَ الجمُعةِ والنَّبيُّ ﷺ يَخطُبُ، فانصَرفَ الناسُ يَنظرونَ، فما بقِيَ غيرُ اثنَي عشَرَ رَجلًا، فنزَلَت هذه الآيةُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً
стр. 1376
أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]. ولأنَّ التَّحديدَ لا يُصارُ إليه إلا بتَوقيفٍ، وذلك مَعدومٌ، واعتِبارًا بالأربَعينَ؛ لعِلةِ حُصولِ عددٍ تَتقرَّى بهمُ القَريةُ، ويُمكِنُ فيهمُ الإِقامةُ. ودَليلُنا على أَصحابِ أَبي حَنيفةَ أنَّ الجمُعةَ لمَّا كانَ مِنْ شَرطِها الإِقامةُ بدَليلِ سُقوطِها على أهلِ البادِيةِ، وجَبَ أن يَكونَ مِنْ شُروطِ وُجوبِها مَنْ يُمكِنُه الإِقامةُ مِنْ الجُمعِ، ومَعلومٌ أنَّ ذلك لا يُمكِنُ في الاثنَينِ والثَّلاثةِ والعددِ القَليلِ؛ فوجَبَ أن يُراعَى ما يُمكِنُ ذلك فيه (١).
وعنِ الإمامِ أحمدَ عِدَّةُ رِواياتٍ أُخرى: قالَ في «الإِنصاف»: وعنه تَنعقِدُ بثَلاثَةٍ، اختارَها الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وعنه: تَنعقِدُ في القُرَى بثَلاثةٍ، وبأربَعينَ في أهلِ الأَمصارِ. وعنه: تَنعقِدُ بحُضورِ سَبعةٍ، وعنه: تَنعقِدُ بخَمسةٍ، وعنه: تَنعقِدُ بأربَعةٍ. وعنه: لا تَنعقِدُ إلا بحُضورِ خَمسينَ (٢).
ويَجبُ حُضورُ ما لا يَقلُّ عن هذا العددِ مِنْ أوَّلِ الخُطبةِ، قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ: لو نَفَروا قبلَ أن يَخطُبَ الإمامُ، فخطَبَ الإمامُ وَحدَه، ثم حَضروا فصلَّى بهمُ الجمُعةَ، لا يَجوزُ؛ لأنَّ الجَماعةَ كما هي شَرطُ انعِقادِ الجمُعةِ حالَ الشُّروعِ في الصَّلاةِ، هي شَرطٌ حالَ سَماعِ الخُطبةِ؛ لأنَّ الخُطبةَ بمَنزِلةِ شَفعٍ مِنْ الصَّلاةِ (٣).
стр. 1377
الشَّرطُ الثَّالثُ: ألاَّ تُعدَّدَ الجمُعةُ في المِصرِ الواحدِ مُطلَقًا:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ إقامةِ الجمُعةِ في أكثرَ مِنْ مَكانٍ في البَلدِ الواحدِ: هل تَصحُّ أو لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ وقَولٌ لِلحَنفيةِ إلى أنَّه لا يَجوزُ إقامةُ الجمُعةِ في أكثرَ مِنْ مَكانٍ في البَلدِ الواحدِ، وقالَ أحمدُ في المَشهورِ عنه: يَجوزُ أن تُقامَ في المِصرِ الواحدِ في مَواضعَ، إذا كانَ كَبيرًا، واحتِيجَ إلى ذلك، وسَواءٌ كانَ البَلدُ جانِبًا واحدًا أو جانبَينِ.
وقالَ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ في الصَّحيحِ عنهما: يَجوزُ إقامةُ الجمُعةِ في مِصرٍ واحدٍ في مَوضعَينِ وأكثرَ مِنْ ذلك؛ لأنَّ في عدمِ تَعدُّدِ جَوازِها حَرجًا، والحَرجُ مَدفُوعٌ، وفي القولِ بأنَّه لا تَجوزُ إِقامتُها إلا في مَوضعٍ واحدٍ مَعنى الحَرجِ، ومَعنى تَهييجِ الفِتنةِ، فقد يَكونُ بينَ أهلِ مِصرٍ واحدٍ اختِلافٌ على وَجهٍ لو اجتَمَعوا في مَوضعٍ كانَ ذلك سَببًا لتَهييجِ الفِتنةِ، وقد أُمِرنا بتَسكينِها؛ فلِهذا جَوَّزنا إِقامتَها في مَوضعَينِ وأكثرَ مِنْ ذلك.
وقالَ أبو يُوسفَ: إذا كانَ المِصرُ له جانِبانِ كبَغدادَ، يَجوزُ. وقالَ الطَّحاوِيُّ ﵀: والصَّحيحُ مِنْ مَذهبِنا أنَّه لا يَجوزُ إقامةُ الجمُعةِ في أكثرَ مِنْ مَوضعٍ واحدٍ مِنْ المِصرِ؛ إلا أن يَشُقَّ الاجتِماعُ؛ لكِبَرِ المِصرِ، فيَجوزُ في مَوضعَينِ، وإن دَعَتِ الحاجةُ إلى أكثرَ جازَ (١).
стр. 1378
وقالَ السَّرخسيُّ ﵀: واختلَفتِ الرِّواياتُ في إقامةِ الجمُعةِ في مَوضعَينِ في مِصرٍ واحدٍ، فالصَّحيحُ مِنْ قولِ أَبي حَنيفةَ ومُحمدٍ -رحمهما الله- أنَّه يَجوزُ إقامةُ الجمُعةِ في مِصرٍ واحدٍ في مَوضعَينِ وأكثرَ مِنْ ذلك.
وعن أَبي يُوسفَ ﵀ فيه رِوايَتانِ، في إحدى الرِّوايَتينِ: تَجوزُ في مَوضعَينِ ولا تَجوزُ في أكثرَ مِنْ ذلك، وفي الرِّوايةِ الأُخرى: لا يَجوزُ إقامةُ الجمُعةِ في مِصرٍ واحدٍ في مَوضعَينِ إلا أن يَكونَ في وسَطِ المِصرِ نَهرٌ عَظيمٌ، كما هو ببَغدادَ، فحينَئذٍ يَكونُ كلُّ جانِبٍ في حُكمِ مِصرٍ على حِدَةٍ (١).
وقالَ القاضِي عبدُ الوهَّابِ ﵀: مَسألةٌ: لا تَنعقِدُ الجمُعةُ في المِصرِ الواحدِ إلا في مَوضعٍ واحدٍ، خِلافًا لِأبي حَنيفةَ ومُحمدٍ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، فكانَ هذا مُجمَلًا، فبيَّنه النَّبيُّ ﷺ بفِعلِه، فأقامَ الجمُعةَ في مَوضعٍ واحدٍ، مُفتتِحًا لها، مُبتدِئًا، أُقيمَت في خَمسةِ مَواضعَ وأكثرَ، ولأنَّ السَّعيَ إلى الأُولى قد وجَبَ بالنِّداءِ إليها، والثانيةِ يَقعُ مَنهيًّا عنها؛ لأنَّ على مَنْ يُقيمُها أن يَسعَى إلى الأُولى ويَتركَ ما هو فيه؛ ولأنَّها لو جازَت في مَوضعَينِ لكانَ مَنْ سمِعَ النِّداءَ فيهما لا يَخلُو مِنْ أن يُجيبَهما، ولا يُمكِنُ ذلك، أو أن يَكونَ مُخيَّرًا، وليسَ في ذلك تَخييرٌ؛ فلم يَبقَ إلا المَنعُ، ولأنَّها لا يَخلُو أن تَكونَ كسائرِ الجَماعاتِ أو بخِلافِها، فإن كانَت كسائرِ
стр. 1379
الجَماعاتِ جازَت في كلِّ مَسجدٍ، ولم يَقفْ على مَوضعَينِ وثَلاثةٍ، وإن كانَت مُختصَّةً فذلك ما قُلناه (١).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: قالَ الشافِعيُّ ﵀: «ولا يُجمَّعُ في مِصرٍ وإن عظُمَ وكَثُرت مَساجدُه إلا في مَسجدٍ واحدٍ منها». قالَ الماوَرديُّ: وهذا كَما قالَ. لا تَنعقِدُ جمُعتانِ في مِصرٍ، ولا يَجوزُ إِقامتُها إلا في مَسجدٍ واحدٍ، وهو قولُ مالِكٍ وأبي حَنيفةَ.
وقالَ أبو يُوسفَ: إذا كانَ البَلدُ حارَتينِ انعَقدَت فيه جمُعتانِ.
وقالَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ: تَنعِقُد جمُعتانِ في كلِّ بَلدٍ، ولا تَنعقِدُ ثَلاثُ جُمعٍ. وأَجرَوا ذلك مَجرَى صَلاةِ العِيدِ، وهذا غَلطٌ.
والدِّلالةُ على صحَّةِ ما ذهَبنا إليه: أنَّ الجمُعةَ وشَرائطَها مُرتبطةٌ بفِعلِ النَّبيِّ ﷺ ومَحدودةٌ فيه، فلا يَتجاوَزُ حكمُها عن شَرطِه وفِعلِه، فكانَ ممَّا وصَفَ به الجمُعةَ وجعَلَه شَرطًا لها أن عطَّلَ لها الجَماعاتِ، وأَقامَها في مَسجدٍ واحدٍ، في أوَّلِ الأمرِ، وعندَ انتِشارِ المسلِمينَ وكَثرَتِهم، ثم جَرى عليه الخُلفاءُ ﵃ بعدَه، ولو جازَت في مَوضعَينِ لَأبانَ ذلك ولو مرَّةً واحدةً، إمَّا بقولِه أو بفِعلِه، ولأنَّها لا تَخلو مِنْ أحَدِ أمرَينِ: إمَّا أن يَصحَّ انعِقادُها في كلِّ مَسجدٍ؛ إلحاقًا بصَلاةِ الجَماعةِ، أو ألَّا يَصحَّ انعِقادُها إلا في مَسجدٍ واحدٍ؛ اختِصاصًا لها بتَعطيلِ الجَماعةِ؛ إذ ليسَ هناك أصلٌ ثابِتٌ تُردُّ إليه، فلمَّا لم يَصحَّ انعقادُها في كلِّ مَسجدٍ، ثبَتَ أنَّه
стр. 1380
لا يَصحُّ انعِقادُها إلا في مَسجدٍ واحدٍ. ولأنَّه مِصرٌ انعَقدَت فيه الجمُعةُ، فوجَبَ ألَّا يَنعقِدَ فيه غيرُها، كالجمُعةِ الثَّالثةِ، ولأنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ بالسَّعيِ عندَ إِقامتِها، فلو جازَت إِقامتُها في مَوضعَينِ لوجَبَ عليه السَّعيُ إليهما؛ إذ ليسَ أحدُهما أَولى بالسَّعيِ إليه مِنْ الآخَرِ، وسَعيُه إليهما مُستَحيلٌ، وإلى أَحدِهما غيرُ جائِزٍ، فدلَّ على فَسادِه، ولأنَّ الجمُعةَ مِنْ الأُمورِ العامَّةِ التي شُرِطَ فيها العددُ والجَماعةُ، فوجَبَ ألَّا تَنعقِدَ في مَوضعَينِ، كما لا تَنعقِدُ البَيعَةُ لِإمامَينِ.
إذا ثبَتَ ما ذكَرْنا فالبِلادُ على ثَلاثةِ أضرُبٍ:
أحدُها: ما كانَ مُدنًا مُتقارِبةً وقُرًى مُتَدانِيةً، اتَّصلَ بُنيانُها، واجتَمعَت مَساكِنُها كبَغدادَ؛ فيَجوزُ أن تُقامَ فيه الجمُعةُ في مَوضعَينِ وأكثرَ اعتِبارًا بحُكمِ أهلِها، وقد دخَلَ الشافِعيُّ بَغدادَ، فلم يُنكِرْ ذلك عليهم.
والضَّربُ الثاني مِنْ البِلادِ: ما كانَ مِصرًا لم يُضمَّ إليه غيرُه، ويُمكِنُ جَميعَهم إقامةُ الجمُعةِ في مَوضعٍ منه كالكُوفةِ، فهذا الذي لا يَجوزُ أن تُقامَ الجمُعةُ في مَوضعَينِ منه.
والضَّربُ الثَّالثُ مِنْ البِلادِ: ما كانَ مِصرًا لم يُضَمَّ إليه غيرُه، ولكِن لا يُمكِنُ جَميعَهم إقامةُ الجمُعةِ في مَوضعٍ واحدٍ منه؛ لسَعتِه وكَثرةِ أهلِه كالبَصرةِ؛ فقدِ اختَلفَ أَصحابُنا في إقامةِ الجمُعةِ في مَوضعَينِ منه على وجهَينِ:
أحدُهما: لا يَجوزُ؛ لمَا سبَقَ مِنْ الدِّلالةِ، ويُصلِّي الناسُ إذا ضاقَ بهم في الشَّوارِعِ والأفنِيةِ.
стр. 1381
والوَجهُ الآخَرُ قالَه أبو إِسحاقَ المَروزِيُّ، وأَفتى به أبو إِبراهيمَ المُزنِيُّ: تَجوزُ إقامةُ الجمُعةِ في مَواضعَ، بحَسبِ الحاجةِ الدَّاعِيةِ إليه؛ لأنَّه لو لم يَجزْ لِأهلِ هذا المِصرِ العَظيمِ أن يُصلُّوا إلا في مَوضعٍ واحدٍ، لَطالَ اتِّصالُ الصُّفوفِ، ولَخرَجَ عن حَدِّ المُتعارَفِ، وخفِيَ عليه اتِّباعُ الإمامِ؛ لأنَّ الإمامَ إن كبَّرَ على العادةِ لم يَصلِ التَّكبيرُ إلى آخرِهم إلا بعدَ تَكبيرِه لِرُكنٍ ثَانٍ، فيَلتبِسَ عليهمُ التَّكبيرُ، وتَختلِطَ عليهم الصَّلاةُ، وإن كبَّرَ وانتظَرَ بُلوغَ التَّكبيرِ إلى آخرِهم، طالَ الزَّمانُ وتَفاحَشَ الانتِظارُ، فدَعتِ الضَّرورةُ إلى إِقامتِها في مَواضعَ، فزعَمَ بعضُ البَصريِّينَ أنَّ الجَوينَ غيرُ البَصرةِ، وأنَّها كانَت في الأصلِ دَسكِرةَ، وأُضيفَت إلى البَصرةِ، وإن كانَ ذلك جازَ إقامةُ الجمُعةِ بها، وَجهًا واحدًا، واللهُ أعلَمُ.
مَسألةٌ: قالَ الشافِعيُّ ﵀: وأيُّها جُمِّعَ فيه فبَدأَ بها بعدَ الزَّوالِ فهي الجمُعةُ، وما بعدَها فإنَّما هي ظُهرٌ، يُصلُّونَها أربَعًا؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ ومَن بعدَه صَلوا في مَسجدِه، وحولَ المَدينةِ مَساجدُ لا نَعلمُ أَحدًا منهم جمَّعَ إلا فيه، ولو جازَ في مَسجدَينِ لَجازَ في مَساجدِ العَشائرِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: وإذا كانَ البَلدُ كَبيرًا يَحتاجُ إلى جَوامعَ، فصَلاةُ الجمُعةِ في جَميعِها جائِزةٌ.
وجُملتُه أنَّ البَلدَ متى كانَ كَبيرًا يَشقُّ على أهلِه الاجتِماعُ في مَسجدٍ واحدٍ ويَتعذَّرُ ذلك؛ لتَباعُدِ أَقطارِه، أو ضِيقِ مَسجدِه عن أهلِه، كبَغدادَ
стр. 1382
وأصبَهانَ، ونحوِهما مِنْ الأَمصارِ الكَبِيرةِ، جازَت إقامةُ الجَماعةِ فيما يُحتاجُ إليه مِنْ جَوامعِها، وهذا قولُ عطاءٍ، وأجازَهُ أبو يُوسفَ في بَغدادَ دونَ غيرِها؛ لأنَّ الحُدودَ تُقامُ فيها في مَوضعَينِ، والجمُعةُ حيثُ تُقامُ الحُدودُ، ومُقتضَى قولِه أنَّه لو وجَدَ بَلدًا آخرَ تُقامُ فيه الحُدودُ في مَوضعَينِ جازَت إقامةُ الجمُعةِ في مَوضعَينِ منه؛ لأنَّ الجمُعةَ حيثُ تُقامُ الحُدودُ، وهذا قولُ ابنِ المُبارَكِ.
وقالَ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ: لا تَجوزُ الجمُعةُ في بَلدٍ واحدٍ في أكثرَ مِنْ مَوضعٍ واحدٍ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَكنْ يُجمِّعُ إلا في مَسجدٍ واحدٍ وكذلك الخُلفاءُ بعدَه، ولو جازَ لم يُعطِّلوا المَساجدَ، حتى قالَ ابنُ عمرَ: «لا تُقامُ الجمُعةُ إلا في المَسجدِ الأكبَرِ الذي يُصلِّي فيه الإمامُ».
ولنا: أنَّها صَلاةٌ شُرعَ لها الاجتِماعُ والخُطبةُ، فجازَت فيما يُحتاجُ إليه مِنْ المَواضعِ كصَلاةِ العِيدِ، وقد ثبَتَ أنَّ علِيًّا ﵁ كانَ يَخرجُ يومَ العِيدِ إلى المُصلَّى، ويَستخلِفُ على ضَعفَةِ النَّاسِ أبا مَسعودٍ البَدرِيِّ، فيُصلِّي بهم، فأمَّا تَركُ النَّبيِّ ﷺ إقامةَ جمُعتَينِ، فلغِناهُم عن إحداهُما، ولأنَّ أَصحابَه كانوا يُؤثِرونَ سَمَاعَ خُطبَتِه وشُهودَ جمُعتِه، وإن بَعُدت مَنازِلُهم؛ لأنَّه المُبلِّغُ عن اللهِ تَعالى، وشارِعُ الأَحكامِ، ولمَّا دعَتِ الحاجَةُ إلى ذلك في الأَمصارِ، صُلِّيَت في أَماكنَ ولم يُنكَر، فصارَ إِجماعًا.
وقولُ ابنِ عمرَ يَعني أنَّها لا تُقامُ في المَساجدِ الصَّغِيرةِ، وتُتركُ الكَبيرةُ، وأمَّا اعتِبارُ ذلك بإقامةِ الحُدودِ، فلا وَجهَ له.
стр. 1383
قالَ أبو داودَ: سَمِعتُ أحمدَ يَقولُ: أيُّ حَدٍّ كانَ يُقامُ بالمَدينةِ؟ قدِمَها مُصعَبُ بنُ عميرٍ وهم مُختبِئونَ في دارٍ، فجمَّعَ بهم وهُم أربَعونَ.
فَصلٌ: فأمَّا مع عدمِ الحاجةِ فلا يَجوزُ في أكثرَ مِنْ واحدٍ، وإن حصَلَ الغِنَى باثنَينِ لم تَجُزِ الثَّالثةُ، وكذلك ما زادَ لا نَعلمُ في هذا مُخالِفًا إلا أنَّ عطاءً قيلَ له: إنَّ أهلَ البَصرةِ لا يَسَعُهم المَسجدُ الأكبَرُ، قالَ: «لكلِّ قَومٍ مَسجدٌ يُجمِّعونَ فيه، ويُجزِئُ ذلك مِنْ التَّجميعِ في المَسجدِ الأكبَرِ»، وما عليه الجُمهورُ أَولى؛ إذ لمْ يُنقلْ عن النَّبيِّ ﷺ وخُلفائِه أنَّهم جَمَّعوا أكثرَ مِنْ جمُعةٍ؛ إذ لمْ تَدعُ الحاجةُ إلى ذلك. ولا يَجوزُ إثباتُ الأَحكامِ بالتَّحكُّمِ بغيرِ دَليلٍ.
فإن صَلوا جمُعتَينِ في مِصرٍ واحدٍ مِنْ غيرِ حاجةٍ، وإحداهُما جمُعةُ الإمامِ فهي صَحيحةٌ -تَقدَّمت أو تَأخَّرت- والأُخرى باطِلةٌ؛ لأنَّ في الحُكمِ ببُطلانِ جمُعةِ الإمامِ افتِئاتًا عليه، وتَفويتًا له الجمُعةَ، ولمَن يُصلِّي معه، ويُفضِي إلى أنَّه متى شاءَ أربَعونَ أن يُفسِدوا صَلاةَ أهلِ البَلدِ أمكَنَهم ذلك، بأن يَجتَمِعوا في مَوضعٍ، ويَسبِقوا أهلَ البَلدِ بصَلاةِ الجمُعةِ، وقيلَ: السابقةُ هي الصَّحيحةُ؛ لأنَّها لم يَتقدَّمْها ما يُفسِدُها، ولا تفسُدُ بعدَ صحَّتِها بما بعدَها.
والأوَّلُ أصحُّ؛ لمَا ذكَرْنا، وإن كانَت إحداهُما في المَسجدِ الجامِعِ، والأُخرى في مَكانٍ صَغيرٍ لا يَسعُ المُصلِّينَ، أو لا يُمكِنُهم الصَّلاةُ فيه؛ لاختِصاصِ السُّلطانِ وجُندِه به أو غيرِ ذلك، أو كانَ أحدُهما في قَصَبةِ البَلدِ، والآخَرُ في أقصَى المَدينةِ، كانَ مَنْ وُجِدت فيه هذه المَعاني صَلاتُهم صَحيحةٌ
стр. 1384
دونَ الآخَرينَ، وهذا قولُ مالِكٍ؛ فإنَّه قالَ: لا أَرى الجمُعةَ إلا لِأهلِ القَصَبةِ، وذلك لأنَّ لِهذه المَعاني مَزيَّةً تَقتَضي التَّقديمَ؛ فقُدِّمَ بها كجمُعةِ الإمامِ، ويُحتَملُ أن تَصحَّ السابقةُ منها دونَ الأُخرى؛ لأنَّ إذنَ الإمامِ آكَدُ، ولذلك اشتُرِطَ في إحدى الرِّوايتَينِ، وإن لم يَكنْ لإحداهُما مَزيَّةٌ لكَونِهما جَميعًا مَأذونًا فيهما، أو غيرَ مَأذونٍ في واحدةٍ منهما وتَساوَى المكانانِ في إِمكانِ إقامةِ الجمُعةِ في كلِّ واحدةٍ منهما، فالسابِقةُ هي الصَّحيحةُ؛ لأنَّها وقَعَت بشُروطِها، ولم يُزاحِمها ما يُبطِلُها، ولا سبَقَها ما يُغنِي عنها، والثانيةُ باطِلةٌ؛ لكَونِها واقِعةً في مِصرٍ أُقيمت فيه جمُعةٌ صَحيحةٌ تُغنِي عمَّا سِواها.
ويُعَدُّ السَّبقُ بالإِحرامِ؛ لأنَّه متى أَحرمَ بإحداهُما حرُمَ الإِحرامُ بغيرِها؛ للغِنى عنها، فإن وقَعَ الإِحرامُ بهما معًا فهُما باطِلتَانِ معًا؛ لأنَّه لا يُمكِنُ صحَّتُهما معًا، وليسَت إحداهُما بالفَسادِ أَولى مِنْ الأُخرى، فبطَلَتا، كالمُتزوِّجِ أُختَينِ، أو إذا زوَّجَ الوَلِيَّانِ رَجلَينِ، وإن لم تُعلَمِ الأُولى منهما، أو لم يُعلَمْ كَيفيَّةُ وُقوعِهما بطَلَتا أيضًا؛ لأنَّ إحداهُما باطِلةٌ ولم تُعلَمْ بعَينِها، وليسَت إحداهُما بالإبطالِ أَولى مِنْ الأُخرى؛ فبطلَتَا كالمَسألتَينِ.
ثم إن عَلِمنا فَسادَ الجمُعتَينِ لوُقوعِهما معًا، وجَبَ إعادةُ الجمُعةِ إن أمكَنَ ذلك؛ لبَقاءِ الوقتِ؛ لأنَّه مِصرٌ ما أُقيمَت فيه جمُعةٌ صَحيحةٌ، والوقتُ مُتَّسعٌ لإقامَتِها؛ فلزِمَتهم، كما لو لم يُصَلُّوا شَيئًا، وإن تَيقَّنا صحَّةَ إحداهُما لا بعَينِها، فليسَ لهُم أن يُصَلُّوا إلا ظُهرًا؛ لأنَّه مِصرٌ تَيقَّنَّا سُقوطَ فَرضِ الجمُعةِ فيه بالأُولَى منهما؛ فلم يَجزْ إقامةُ الجمُعةِ فيه، كما لو عَلِمناها، وقالَ القاضي: يُحتَملُ أنَّ لهم إقامةَ جمُعةٍ أُخرى؛ لأنَّنا حَكَمنا بفَسادِهما
стр. 1385
معًا، فكأنَّ المِصرَ ما صُلِّيَت فيه جمُعةٌ صَحيحةٌ، والصَّحيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الصَّحيحةَ لم تَفسُد، وإنَّما لم يَكنْ إثباتُ حُكمِ الصِّحةِ لها بعَينِها؛ لجَهلِها؛ فيَصيرُ هذا كلُّه كما لو زوَّجَ الوَليَّانِ أحدُهما قبلَ الآخَرِ، وجُهلَ السابقُ منهما؛ فإنَّه لا يثبُتُ حكمُ الصِّحةِ بالنِّسبةِ إلى واحدٍ بعَينِه، وثبَتَ حكمُ النِّكاحِ في حقِّ المَرأةِ؛ بحيثُ لا يَحِلُّ لها أن تَنْكِحَ زَوجًا آخرَ.
فأمَّا إن جَهِلنا كَيفيَّةَ وُقوعِهما فالأَولى ألَّا يَجوزَ إقامةُ الجمُعةِ أيضًا؛ لأنَّ الظاهِرَ صحَّةُ إحداهُما؛ لأنَّ وُقوعَهما معًا بحيثُ لا يَسبِقُ إحرامُ إحداهُما إِحرامَ الأُخرى بَعيدٌ جِدًّا، وما كانَ في غايةِ النُّدرةِ فحكمُه حكمُ المَعدومِ؛ ولأنَّنا شَكَكنا في شَرطِ إقامةِ الجمُعةِ؛ فلم يَجزْ إِقامتُها مع الشَّكِّ في شَرطِها، ويُحتَملُ أنَّ لهم إِقامتَها؛ لأنَّنا لم نَتيقَّنِ المانِعَ مِنْ صحَّتِها، والأوَّلُ أَولى.
فَصلٌ: وإن أَحرمَ بالجمُعةِ فتَبيَّنَ في أَثناءِ الصَّلاةِ أنَّ الجمُعةَ قد أُقيمَت في المِصرِ، بطَلَت الجمُعةُ، ولزِمَهم استِئنافُ الظُّهرِ؛ لأنَّنا تَبيَّنا أنَّه أَحرمَ بها في وَقتٍ لا يَجوزُ فيه الإِحرامُ بالجمُعةِ؛ فلا تَصحُّ، فأشبَهَ ما لو تَبيَّنَ أنَّه أَحرمَ بها بعدَ دُخولِ وقتِ العَصرِ، وقالَ القاضي: يُستحبُّ أن يَستَأنفَ ظُهرًا، وهذا مِنْ قولِه يَدلُّ على أنَّ له إِتمامَها ظُهرًا قِياسًا على المَسبوقِ الذي أَدركَ دونَ الرَّكعةِ، وكما لو أَحرمَ بالجمُعةِ فانفَضَّ العددُ قبلَ إِتمامِها، والفَرقُ ظاهِرٌ؛ فإنَّ هذا أَحرمَ بها في وَقتٍ لا تَصحُّ الجمُعةُ فيه، ولا يَجوزُ الإِحرامُ بها، والأصلُ الذي قاسَ عليه بخِلافِ هذا (١).
стр. 1386
تَحيَّةُ المَسجدِ لمَن دخَلَ والإمامُ يَخطُبُ يومَ الجمُعةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن دخَلَ المَسجدَ يومَ الجمُعةِ والإمامُ يَخطُبُ، هل يُسنُّ له أن يُصلِّيَ تَحيَّةَ المَسجدِ أو يُكرَهُ، ويَنبَغي له أن يَقعُدَ وألا يُصلِّيَها؟
فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّ مَنْ دخَلَ يومَ الجمُعةِ والإمامُ يَخطُبُ يُستحبُّ له أن يُصلِّيَ رَكعَتينِ تَحيَّةَ المَسجدِ، ويُخفِّفهما قبلَ أن يَقعُدَ، ويُكرَهُ له تَركُهما.
لمَا رَوى جابِرٌ ﵁ قالَ: جاءَ رَجلٌ والنَّبيُّ ﷺ يَخطُبُ النَّاسَ، فقالَ: «صلَّيتَ يا فُلانُ؟»، قالَ: لا. قالَ: «قُم فَاركَع رَكعَتينِ». وفي رِوايةٍ: «فصَلِّ رَكعَتينِ» مُتفقٌ عليه (١)، ولمُسلمٍ (٢) قالَ: ثم قالَ: «إذا جاءَ أحَدُكم يومَ الجمُعةِ وَالإِمَامُ يَخطُبُ فليَركَعْ رَكعَتينِ، وليَتجَوَّز فيهمَا». وهذا نَصٌّ، ولأنَّه دخَلَ المَسجدَ في غيرِ وقتِ النَّهيِ سُنَّ له الرُّكوعُ.
وقالَ الشافِعيةُ: وإن دخَلَ والإمامُ في آخرِ الخُطبةِ وغلَبَ على ظَنِّه أنَّه إن صلَّى التَّحيَّةَ فاتَته تَكبيرةُ الإِحرامِ مع الإمامِ، لم يُصلِّ التَّحيَّةَ، بل يَقفُ حتى تُقامَ الصَّلاةُ ولا يَقعُدُ، لئلَّا يَكونَ جالسًا في المَسجدِ قبلَ التَّحيَّةِ، وإن أمكَنَه الصَّلاةُ وإِدراكُ تَكبيرةِ الإِحرامِ صلَّى التَّحيَّةَ (٣).
стр. 1387
وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنَّ مَنْ دخَلَ المَسجدَ والإمامُ يَخطُبُ يَجلِسُ؛ ويُكرَهُ له أن يُصلِّيَ تَحيَّةَ المَسجدِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ للَّذي جاءَ يَتخَطَّى رِقابَ النَّاسِ: «اجلِس؛ فقد آذَيتَ وَآنَيتَ» (١)، فأمَرَه بالجُلوسِ، ولم يَأمرْه بالتَّحِيَّةِ. وبحَديثِ ابنِ عمرَ مَرفوعًا: «إذَا خطَبَ الإِمَامُ فلَا صَلاةَ ولا كلَامَ» (٢).
ولقولِه ﷺ : «إذا قُلتَ لصاحِبِك يومَ الجمُعةِ: «أَنصِت» وَالإِمَامُ يَخطُبُ، فقد لَغَوتَ» (٣)، ومَعلومٌ أنَّ ذلك زَجرٌ عن تَركِ الإِنصاتِ، وإذا زُجرَ عن هذا القَدرِ فما زادَ عليه أَولى بالمَنعِ، ولأنَّ القولَ: «أَنصِت» مِنْ مَصالحِ الإِنصاتِ ودُعاءٌ إليه، فإذا كانَ ذلك مَنهِيًّا عنه مع قلَّةِ خَطرِه ويَسارَةِ التَّشاغُلِ به، كانَ ما زادَ عليه وما ليسَ مِنْ بابِه أَولى.
ولأنَّه مَعنًى يَشغَلُ عن استِماعِ الخُطبةِ كالكَلامِ والأكلِ، ولأنَّها صَلاةٌ ابتُدِئت حالَ خُطبةِ الإمامِ كالتَّنفُّلِ المُبتدَأِ، ولأنَّ كلَّ حالٍ لو كانَ عليها وهو في المَسجدِ لم يَجزْ له ابتِداءُ التَّنفُّلِ معها، فكذلك إذا صادَفَها دُخولُه، أصلُه حالُ إقامةِ الإمامِ، أو حالُ تَلبُّسِه بالصَّلاةِ، ولأنَّ كلَّ صَلاةٍ لو رامَها مَنْ هو في المَسجدِ، لم يَجزْ له، فلا يَجوزُ للدَّاخِلِ، أصلُه ما ذكَرْناه.
ولأنَّ الاستِماعَ إلى الخُطبةِ واجِبٌ، ولأنَّ الصَّلاةَ تَشغَلُه عنه، ولا يَجوزُ الاشتِغالُ بالتَّطوُّعِ وتَركُ الواجِبِ.
стр. 1388
ولو شرَعَ في النَّفلِ قبلَ خُروجِه سلَّمَ على رَكعَتينِ، فإن كانَ شرَعَ في الشَّفعِ الثاني أتَمَّه، ولو كانَ شرَعَ في الأربَعِ قبلَ الجمُعةِ أتَمَّها (١).
استِحبابُ كَونِ الخَطيبِ والإمامِ واحدًا:
السُّنةُ أنَّ الذي يَتولَّى الصَّلاةَ مَنْ تَولَّى الخُطبةَ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَتولَّاهُما بنَفسِه، وكذلك خُلفاؤُه مِنْ بَعدِه، وإلى هذا ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلَةُ، وإن خطَبَ رَجلٌ وصلَّى آخَرُ لعُذرٍ جازَ؛ لأنَّه إذا جازَ الاستِخلافُ في الصَّلاةِ الواحدةِ للعُذرِ، ففي الخُطبةِ مع الصَّلاةِ أَولَى، وإن لم يَكنْ عُذرٌ فقالَ الإمامُ أحمدُ ﵀: لا يُعجِبُني مِنْ غيرِ عُذرٍ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فيُحتَملُ المَنعُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَتولَّاهُما، وقد قالَ: «صلُّوا كما رَأيتمُونِي أُصلِّي»، ولأنَّ الخُطبةَ أُقيمَت مَقامَ رَكعَتينِ، ويُحتَملُ الجَوازُ؛ لأنَّ الخُطبةَ مُنفَصِلةٌ عن الصَّلاةِ، فأشبَهَتا صَلاتَينِ (٢).
ولكِن هل يُشتَرطُ أن يَكونَ المُصلِّي ممَّن حضَرَ الخُطبةَ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلَةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يُشتَرطُ ذلك.
стр. 1389
قالَ الكاسانِيُّ ﵀: ولو أحدَثَ الإمامُ بعدَ الخُطبةِ قبلَ الشُّروعِ في الصَّلاةِ فقدَّمَ رَجلًا يُصلِّي بالنَّاسِ إن كانَ ممَّن شهِدَ الخُطبةَ، أو شَيئًا منها، جازَ، وإن لم يَشهدْ شَيئًا مِنْ الخُطبةِ لم يَجزْ، ويُصلِّي بهمُ الظُّهرَ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهل يُشتَرطُ أن يَكونَ المُصلِّي ممَّن حضَرَ الخُطبةَ؟ فيه رِوايتانِ:
إحداهُما: يُشتَرطُ ذلك، وهو قولُ الثَّورِيِّ وأَصحابِ الرَّأيِ وأبي ثَورٍ؛ لأنَّه إمامٌ في الجمُعةِ، فاشتُرطَ حُضورُه الخُطبةَ، كما لو لم يَستخلِفْ.
والأُخرى: لا يُشتَرطُ، وهو قولُ الأَوزاعيِّ والشافِعيِّ؛ لأنَّه ممَّن تَنعقِدُ به الجمُعةُ؛ فجازَ أن يَؤُمَّ فيها، كما لو حضَرَ الخُطبةَ (٢).
وخالَفَ في ذلك المالِكيةُ، فذَهَبوا إلى وُجوبِ كَونِ الخَطيبِ والإمامِ واحدًا إلا لِعُذرٍ كمرَضٍ، وأَلَّا يقدِرَ الإمامُ على الخُطبةِ، أو لا يُحسِنُها (٣).
ورُويَ عن الإمامِ أحمدَ أنَّه لا يَجوزُ الاستِخلافُ لعُذرٍ ولا لغيرِه، قالَ في رِوايةِ حَنبَلٍ، في الإمامِ إذا أحدَثَ بعدَما خَطَبَ، فقدَّمَ رَجلًا يُصلِّي بهم: لم يُصلِّ بهم إلا أربَعًا، إلا أن يُعيدَ الخُطبةَ ثم يُصلِّيَ بهم رَكعَتينِ، وذلك لأنَّ هذا لم يُنقَلْ عن النَّبيِّ ﷺ ، ولا عن أحَدٍ مِنْ خُلفائِه. قالَ ابنُ قُدامةَ: والمَذهبُ الأوَّلُ (٤).
стр. 1390
ما يُدرِكُ به المَسبوقُ الجمُعةَ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه ليسَ مِنْ شَرطِ إِدراكِ الجمُعةِ إِدراكُ الخُطبةِ، ومَن صلَّى الجمُعةَ فقد صحَّت له الجمُعةُ، وإن لم يُدرِكِ الخُطبةَ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ أَدركَ مِنْ صَلاةِ الجمُعةِ رَكعةً فقد أَدركَ الصَّلاةَ» (١)، ولأنَّه ذِكرٌ قبلَ الصَّلاةِ؛ فوجَبَ ألَّا يَكونَ إِدراكُه شَرطًا في إِدراكِها، كالأَذانِ والإِقامةِ (٢).
واتَّفقَ الفُقهاءُ أيضًا على أنَّه إذا أَدركَ رَكعةً مِنْ الجمُعةِ بسَجدتَيها، وأَضافَ إليها أُخرى، صحَّت له الجمُعةُ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ أَدركَ مِنْ صَلاةِ الجمُعةِ رَكعةً فقد أَدركَ الصَّلاةَ» (٣)، وفي لَفظٍ: «فَليُصلِّ إِلَيها أُخرَى».
أمَّا إذا أَدركَ أقَلَّ مِنْ رَكعةٍ، فإنَّه لا يَكونُ مُدرِكًا لِلجمُعةِ، ويُصلِّي أربَعًا، أي: ظُهرًا، وإلى هذا ذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلَةُ ومُحمدُ بنُ الحَسنِ؛ لقولِه ﷺ : «مَنْ أَدركَ مِنْ صَلاةِ الجمُعةِ رَكعةً فقد أَدركَ الصَّلاةَ». فمَفهومُه أنَّه إذا أَدركَ أقَلَّ مِنْ ذلك لم يَكنْ مُدرِكًا لها؛ لأنَّه علَّقَ الإِدراكَ بقَدرِ رَكعةٍ، فانتَفَى عمَّا دُونَها، ولأنَّه أَدركَه بعدَ رَفعِ رَأسِه مِنْ رُكوعِ الثانيةِ، كما لو أَدركَه بعدَ قُعودِه قَدرَ التشهُّدِ، ولأنَّه لم يُدرِكْ
стр. 1391
معه بعدَ شُروعِه في الصَّلاةِ، وما يُعتَدُّ به مِنْ فَرضِه، كما لو أَدركَ معه التَّسليمةَ الثَّانيةَ.
ولأنَّ كلَّ ما كانَ فَرضًا في صَلاةِ المُنفرِدِ لم تَسقطْ عنه بغيرِ إِدراكِ رُكوعِ الإمامِ، أصلُه إذا لحِقَ الإمامَ قد رفَعَ رَأسَه مِنْ الرُّكوعِ في سائرِ الصَّلواتِ، ولأنَّ الجَماعةَ شَرطٌ في الجمُعةِ؛ لأنَّه لا يَصحُّ للمُنفرِدِ فِعلُها، ومتى أجَزنا له بإِدراكِه الإمامَ في التشهُّدِ أن يَأتِيَ بجمُعةٍ، حصَلَ منه أن يَأتِيَ بها مُنفرِدًا؛ لأنَّه لم يَفعلْ مع الإمامِ شَيئًا يُعتَدُّ به منها، ولأنَّ إِدراكَ الصَّلاةِ يَكونُ بإِدراكِ رَكعةٍ؛ ليُضِيفَ الثَّانيةَ إلى أصلٍ تَكونُ تابِعةً له، وما دونَ الرَّكعةِ ليسَ بأصلٍ، فيَكونُ مَتبوعًا؛ لأنَّه لا حُكمَ له في الإِدراكِ كسائرِ الصَّلواتِ، ولأنَّ إِدراكَ الجمُعةِ يَتعلَّقُ بأمرَينِ: بالفِعلِ، والوقتِ، وقد ثبَتَ أنَّه لو أَدركَ مِنْ الوقتِ أقَلَّ مِنْ مِقدارِ رَكعةٍ، لم يَلزمْه السَّعيُ إلى الجمُعةِ، فكذلك إذا أَدركَ مِنْ فِعلِها مِثلَه.
وذهَبَ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ إلى أنَّه إذا أدرَكَه في سُجودِ الرَّكعةِ الثَّانيةِ، أو في التشهُّدِ، كانَ مُدرِكًا لِلجمُعةِ؛ لوُجودِ المُشارَكةِ في التَّحريمةِ، وكذلك إذا أدرَكَه بعدَما قعَدَ قَدرَ التشهُّدِ قبلَ السَّلامِ أو بعدَما سلَّمَ، وعليه سَجدةُ السَّهوِ، وعادَ إليهما.
واحتَجَّ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ بما رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «فما أَدرَكتُم فصَلُّوا، وما فاتَكُم فاقضُوا» (١)؛ أمرَ المَسبوقَ بقَضاءِ ما فاتَه، وإنَّما فاتَته صَلاةُ الإمامِ، وهي رَكعَتانِ.
стр. 1392
ولأنَّ سَببَ اللُّزومِ هو التَّحريمةُ، وقد شارَكَ الإمامُ في التَّحريمةِ، وبَنى تَحريمَته على تَحريمةِ الإمامِ؛ فيَلزمُه ما لزِمَ الإمامَ، كما في سائرِ الصَّلواتِ.
ولأنَّ مَنْ لزِمَه أن يَبنِيَ على صَلاةِ الإمامِ إذا أَدركَ رَكعةً، لزِمَه إذا أَدركَ أقَلَّ منها، كالمُسافرِ يُدرِكُ المُقيمَ، ولأنَّه أَدركَ جُزءًا مِنْ الصَّلاةِ، فكانَ مُدرِكًا لها كالظُّهرِ (١).
اجتِماعُ العِيدِ والجمُعةِ في يَومٍ واحدٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا اجتَمعَ العِيدُ مع الجمُعةِ في يَومٍ واحدٍ، هل تَسقُطُ صَلاةُ الجمُعةِ عَمَّن صلَّى العِيدَ أو لا؟
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه إذا اجتَمعَ يَومُ العِيدِ مع يَومِ الجمُعةِ أنَّ حُضورَ الجَماعةِ لا يَسقطُ عن أهلِ البَلدِ؛ لقولِه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]. وقولِ النَّبيِّ ﵇: «الجمُعةُ على كلِّ مُسلمٍ»، ولأنَّ شَرائطَها مَوجودةٌ، فلَزِمت إقامَتُها، أصلُه إذا لم يَكنْ عِيدٌ، ولأنَّ صَلاةَ العِيدِ سُنةٌ، لم تُسقِطْ فَرضًا، كصَلاةِ الكُسوفِ، ولأنَّ الجمُعةَ
стр. 1393
آكَدُ؛ لأنَّها فَرضٌ، فإذا كانَت لا تُسقِطُ الأضعَفَ، كان الأضعَفُ بألَّا يُسقِطَ الآكَدَ أَولَى.
قالَ ابنُ المنذِرِ ﵀: أَجمعَ أهلُ العِلمِ على وُجوبِ صَلاةِ الجمُعةِ، ودلَّتِ الأَخبارُ الثَّابِتةُ عن رَسولِ اللهِ ﷺ على أنَّ فَرائضَ الصَّلواتِ خَمسٌ، وأنَّ صَلاةَ العِيدَينِ ليسَت مِنْ الخَمسِ، وإذا دلَّ الكتابُ والسُّنةُ والاتِّفاقُ على وُجوبِ صَلاةِ الجمُعةِ، ودلَّتِ الأَخبارُ عن رَسولِ اللهِ ﷺ على أنَّ صَلاةَ العِيدِ تَطوُّعٌ، لم يَجزْ تَركُ فَرضٍ بتَطوُّعٍ (١).
وذهَبَ الحَنابلَةُ في المَذهبِ إلى أنَّه إذا اجتَمعَ العِيدُ والجمُعةُ في يَومٍ واحدٍ، فصَلوا العِيدَ والظُّهرَ جازَ، وسقَطَت الجمُعةُ عمَّن حضَرَ العِيدَ؛ لمَا رَواهُ إياسُ بنُ أَبي رَملةَ الشَّامِيُّ قالَ: شَهِدتُ مُعاوِيةَ بنَ أَبي سُفيانَ وهو يَسألُ زَيدَ بنَ أَرقَمَ قالَ: أشَهِدتَ مع رَسولِ اللهِ ﷺ عِيدَينِ اجتَمعا في يَومٍ؟ قالَ: نَعم. قالَ: فكيفَ صنَعَ؟ قالَ: صلَّى العِيدَ، ثم رخَّصَ في الجمُعةِ. فقالَ: «مَنْ شاءَ أَنْ يُصلِّيَ فليُصلِّ» (٢).
стр. 1394
وفي لَفظٍ: «مَنْ شاءَ أن يُجمِّعَ فليُجمِّع» (١)، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولأنَّ الجمُعةَ إنَّما زادَت عن الظُّهرِ بالخُطبةِ، وقد حصَلَ سَماعُها في العِيدِ، فأجزَأَه عن سَماعِها ثانيًا، ولأنَّ وقتَها واحدٌ بما بيَّناه، فسقَطَت إحداهُما بالأُخرى، كالجمُعةِ مع الظُّهرِ (٢).
وقالوا: إنَّ إِسقاطَ الجمُعةِ إِسقاطُ حُضورٍ، لا إِسقاطُ وُجوبٍ؛ فيَكونُ بمَنزِلةِ المَريضِ ونحوِه لا المُسافرِ، فلو حضَرَ الجامِعَ لزِمتهُ كالمَريضِ، وتَصحُّ إمامَتُه فيها وتَنعقِدُ به، والأفضَلُ له حُضورُها خُروجًا مِنْ الخِلافِ.
ويُستَثنى مِنْ ذلك الإمامُ في أصَحِّ الرِّوايتَينِ، فلا يَسقطُ عنه حُضورُ الجمُعةِ؛ لحَديثِ أَبي هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «قدِ اجتَمعَ في يَومِكم هذا عِيدانِ، فمَن شاءَ أَجزَأهُ مِنْ الجمُعةِ، وإنَّا مُجمِّعونَ» (٣)، ولأنَّه لو ترَكَها لامتنَعَ فِعلُ الجمُعةِ في حقِّ مَنْ تَجبُ عليه، ومَن يَردُها ممَّن سقَطَت عنه، بخِلافِ غيرِه مِنْ النَّاسِ، أمَّا مَنْ لم يُصلِّ العِيدَ فيَلزمُه السَّعيُ إلى الجمُعةِ بكلِّ حالٍ (٤).
стр. 1395
وسُئلَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تيميَّةَ ﵀: عن رَجلَينِ تنازَعا في العِيدِ إذا وافَقَ الجمُعةَ، فقالَ أحدُهما: يَجبُ أن يُصلِّيَ العِيدَ ولا يُصلِّيَ الجمُعةَ، وقالَ الآخَرُ: يُصلِّيها؛ فما الصَّوابُ في ذلك؟
فأجابَ: الحَمدُ للهِ، إذا اجتَمعَ الجمُعةُ والعِيدُ في يَومٍ واحدٍ فلِلعُلماءِ في ذلك ثَلاثَةُ أَقوالٍ:
أحدُها: أنَّه تَجبُ الجمُعةُ على مَنْ شهِدَ العِيدَ، كما تَجبُ سائِرُ الجُمعِ؛ لِلعُموماتِ الدَّالةِ على وُجوبِ الجمُعةِ.
والثاني: تَسقُطُ عن أهلِ البَرِّ، مثلَ أهلِ العَوالي والشَّواذِّ؛ لأنَّ عُثمانَ بنَ عَفانَ أرخَصَ لهم في تَركِ الجمُعةِ؛ لمَّا صلَّى بهمُ العِيدَ.
والقولُ الثالِثُ -وهو الصَّحيحُ-: أنَّ مَنْ شهِدَ العِيدَ سقَطَت عنه الجمُعةُ، لكن على الإمامِ أن يُقِيمَ الجمُعةَ؛ ليَشهدَها مَنْ شاءَ شُهودَها، ومَن لم يَشهدِ العِيدَ، وهذا هو المَأثُورُ عن النَّبيِّ وأَصحابِه، كعمرَ وعُثمانَ وابنِ مَسعودٍ وابنِ عَباسٍ وابنِ الزُّبَيرِ، وغيرِهم، ولا يُعرَفُ عن الصَّحابةِ في ذلك خِلافٌ.
وأَصحابُ القولَينِ المُتقدمَينِ لم يَبلُغهم ما في ذلك مِنْ السُّنةِ عن النَّبيِّ، لمَّا اجتَمعَ في يَومِه عِيدانِ، صلَّى العِيدَ ثم رخَّصَ في الجمُعةِ، وفي لَفظٍ أنَّه قالَ: «أيُّها النَّاسُ، إنَّكم قد أصَبتُم خَيرًا، فمَن شاءَ أن يَشهَدَ الجمُعةَ فليَشهَد؛ فإنَّا مُجمِّعونَ».
стр. 1396
وأيضًا فإنَّه إذا شهِدَ العِيدَ حصَلَ مَقصودُ الاجتِماعِ، ثم إنَّه يُصلِّي الظُّهرَ إذا لم يَشهدِ الجمُعةَ، فتَكونُ الظُّهرُ في وقتِها، والعِيدُ يُحصِّلُ مَقصودَ الجمُعةِ، وفي إِيجابِها على النَّاسِ تَضييقٌ عليهم، وتَكديرٌ لمَقصودِ عِيدِهم، وما سُنَّ لهم مِنْ السُّرورِ فيه والانبِساطِ.
فإذا حُبِسوا عن ذلك عادَ العِيدُ على مَقصودِه بالإِبطالِ، ولأنَّ يومَ الجمُعةِ عِيدٌ، ويومَ الفِطرِ والنَّحرِ عِيدٌ، ومِن شَأنِ الشَّارِعِ إذا اجتَمعَ عبادَتَانِ مِنْ جِنسٍ واحدٍ أدخَلَ إحداهُما في الأُخرى، كما يَدخلُ الوُضوءُ في الغُسلِ، وأحَدُ الغُسلَينِ في الآخَرِ، واللهُ أعلَمُ (١).
السَّفرُ يومَ الجمُعةِ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في جَوازِ السَّفرِ لَيلةَ الجمُعةِ قبلَ الفَجرِ، قالَ النَّوويُّ ﵀: أمَّا لَيلتُها قبلَ طُلوعِ الفَجرِ، فيَجوزُ عندَنا وعندَ العُلماءِ كافَّةً (٢).
أمَّا السَّفرُ يومَ الجمُعةِ بعدَ الزَّوالِ فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّ مَنْ سافَرَ يومَ الجمُعةِ بعدَ الزَّوالِ إذا لم يَخفْ فَوتَ الرُّفقةِ ولم يُصلِّ الجمُعةَ في طَريقِه، فلا يَجوزُ، ويَحرمُ عليه السَّفرُ؛ لمَا رَواه ابنُ عمرَ مَرفوعًا: «مَنْ سافَرَ مِنْ دارِ إقامَةٍ يومَ الجمُعةِ دَعَت عليه المَلائكةُ، لَا يُصحَبُ في سَفرِهِ، ولا يُعانُ على حاجَتِه» (٣).
стр. 1397
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهذا وَعيدٌ لا يَلحقُ بالمُباحِ، ولأنَّ الجمُعةَ قد وجَبَت عليه، فلم يَجزْ له الاشتِغالُ بما يَمنعُ منها، كاللَّهوِ والتِّجارةِ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه لا بَأسَ بالسَّفرِ قبلَ الزَّوالِ وبعدَه، إذا كانَ يَخرجُ مِنْ مِصرِه قبلَ خُروجِ وقتِ الظُّهرِ؛ لأنَّ الجمُعةَ إنَّما تَجبُ في آخرِ الوقتِ، وهو مُسافِرٌ فيه، إلا أنَّه يُكرَهُ له ذلك؛ لأثَرِ عمرَ: «الجمُعةُ لَا تَحبِسُ مُسافِرًا».
أمَّا السَّفرُ يومَ الجمُعةِ بعدَ الفَجرِ وقبلَ الزَّوالِ فذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّه مَكروهٌ، قالَ الإمامُ مالِكٌ: أُحبُّ له ألَّا يَخرُجَ بعدَ طُلوعِ الفَجرِ، وليسَ عليه بحَرامٍ، وبعدَ الزَّوالِ لا يَنبَغي أن يُسافِرَ حتى يُصلِّيَ الجمُعةَ.
وذهَبَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابلَةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يَجوزُ، ويَحرمُ؛ لحَديثِ ابنِ عمرَ المُتقدِّمِ، ولأنَّه وقتٌ لوُجوبِ التَّسبُّبِ؛ بدليلِ أنَّ مَنْ كانَت دارُه على بُعدٍ لزِمَه القَصدُ قبلَ الزَّوالِ، ووُجوبُ التَّسبُّبِ كوُجوبِ الفِعلِ، فإذا لم يَجزِ السَّفرُ بعدَ وُجوبِ الفِعلِ، لم يَجزْ بعدَ وُجوبِ التَّسبُّبِ.
وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلَةُ في رِوايةٍ إلى جَوازِه، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهو قولُ أكثرِ أهلِ العِلمِ؛ لقولِ عمرَ: «الجمُعةُ لَا تَحبِسُ عَنْ سَفرٍ» (٢)، ولأنَّ الجمُعةَ لم تَجبْ، فلم يَحرمِ السَّفرُ، كاللَّيلِ، ولأنَّ
قَضاءُ صَلاةِ الجمُعةِ:
صَلاةُ الجمُعةِ لا تُقضَى بالفَواتِ، وإنَّما تُعادُ الظُّهرُ في مَكانِها، قالَ ابنُ المنذِرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ مَنْ فاتَته الجمُعةُ مِنْ المُقيمِينَ، أن يُصلُّوا أربَعًا (١)، أي: ظُهرًا.
وقالَ النَّوويُّ ﵀: وأجمعَتِ الأمَّةُ على أنَّ الجمُعةَ لا تُقضَى على صُورَتِها جمُعةً، ولكنَّ مَنْ فاتَته لزِمتهُ الظُّهرُ (٢).
وقالَ الكاسانِيُّ ﵀: وأمَّا إذا فاتَت عن وقتِها، وهو وقتُ الظُّهرِ، سقَطَت عندَ عامَّةِ العُلماءِ؛ لأنَّ صَلاةَ الجمُعةِ لا تُقضَى؛ لأنَّ القَضاءَ على حَسبِ الأداءِ، والأداءُ فاتَ بشَرائطَ مَخصوصةٍ، يَتعذَّرُ تَحصيلُها على كلِّ فَردٍ؛ فتَسقُطُ، بخِلافِ سائرِ المَكتُوباتِ إذا فاتَت عن أَوقاتِها، واللهُ أعلَمُ (٣).
إلا أنَّهمُ اختَلَفوا: هل يُصلِّيها مُنفرِدًا أو في جَماعةٍ؟
قال أَبو بَكرِ بنُ المنذِرِ ﵀: أَجمعَ كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ مَنْ فاتَته الجمُعةُ أن يُصلِّيَ أربَعًا، واختَلَفوا في القَومِ تَفُوتُهم الجمُعةُ، فقالَت طائِفةٌ: يُصلُّونَ جَماعةً، رُويَ هذا القولُ عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ، وفعَلَه الحَسنُ بنُ عُبيدِ اللهِ وزِرٌّ، وقالَ الثَّورِيُّ: ربَّما فعَلتُه أنا والأعمَشُ، حدَّثَنا إِسحاقُ بنُ إِبراهيمَ، عن عبدِ الرَّزَّاقِ، عن الثَّورِيِّ، عن
стр. 1400
الحَسنِ بنِ عُبيدِ اللهِ، قالَ: «صلَّيتُ أنا وزِرٌّ، فأَمَّنِي، وفاتَتنا الجمُعةُ، فسأَلتُ إِبراهيمَ، فقالَ: فعَلَ ذلك عبدُ اللهِ بنُ عَلقَمةَ والأسوَدُ، قالَ سُفيانُ: ربَّما فَعَلتُه أنا والأعمَشُ»، وبه قالَ إياسُ بنُ مُعاوِيةَ، وأحمدُ بنُ حَنبَلٍ، وكانَ الشافِعيُّ يَقولُ: لا أكرَهُ جَمعَها، إلا أن يَجمِّعَها استِخفافًا بالجمُعةِ، أو رَغبةً عن الصَّلاةِ خلفَ الأئمَّةِ، وآمُرُ أهلَ السِّجنِ وأهلَ الصِّناعاتِ مِنْ العَبيدِ أن يُجمِّعُوا، وكانَ إِسحاقُ يَرى القَومَ يَفُوتُهم الجمُعةُ، أن يُصَلُّوا جَماعةً.
وقالَ إِسحاقُ وأبو ثَورٍ فيمَن حُبسَ والمَرضَى: لا بَأسَ أن يُصَلُّوا يومَ الجمُعةِ جَماعةً الظُّهرَ، وكانَ مالِكٌ يُرَخِّصُ لِأهلِ السِّجنِ والمُسافرِ والمَرضَى أن يُجَمِّعوا، واختَلفَ قولُه في القَومِ تَفوتُهم الجمُعةُ، فحَكى بِشرُ بنُ عمرَ عنه أنَّه قالَ: إن شاؤُوا صَلَّوا فُرادَى، وإن شاؤُوا جَماعةً، وحَكى ابنُ القاسِمِ عنه أنَّه قالَ: لا يُصلُّونَ إلا أَفذاذًا.
وكرِهَت طائِفةٌ أن يُصلِّيَ مَنْ فاتَتهُ الجمُعةُ جَماعةً، وممَّن رُويَ أنَّه كرِهَ ذلك الحَسنُ وأبو قِلابةَ، وهو قولُ الثَّورِيِّ والنُّعمانِ. قالَ أَبو بَكرٍ: لا معنَى لكَراهيةِ مَنْ كرِهَ ذلك، بل يُستحَبُّ ذلك، ويُرجى لمَن فعَلَ ذلك -ممَّن له عُذرٌ في التَّخلُّفِ عن الجمُعةِ- فَضلُ الجَماعةِ، أخبَرَنا الرَّبيعُ، قالَ: أخبَرَنا الشافِعيُّ، قالَ: أخبَرَنا مالِكٌ، عن أَبي الزِّنادِ، عن الأعرَجِ، عن أَبي هُريرةَ، أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «صَلاةُ الجَماعةِ أفضَلُ مِنْ صَلاةِ الفَذِّ وَحدَه بخَمسٍ وعِشرِينَ جُزءًا» (١).
стр. 1401
وقالَ القاضِي عبدُ الوهَّابِ المالِكيُّ ﵀: إذا فاتَتهمُ الجمُعةُ فالمُستحَبُّ لهم أن يَقضُوها ظُهرًا مُنفرِدينَ، خِلافًا لِلشافِعيِّ في استِحبابِه لهم أن يَقضُوها ظُهرًا في جَماعةٍ؛ لأنَّ مِنْ أصلِنا الحُكمَ بالذَّرائِعِ، وهي مَنعُ ظاهِرِ الشَّيءِ المُباحِ إذا كان فيه تَطَرُّقٌ لِأهلِ البِدَعِ إلى الشَّيءِ المَحظورِ، وفي قَضاءِ الظُّهرِ ههنا جَماعةً ذَريعةٌ إلى المُبتَدعةِ في فَواتِ الجمُعةِ ليُصلُّوا الظُّهرَ خلفَ مَنْ يَعتقِدونَ إمامَتَه، ويُظهِروا فَواتَ الجمُعةِ، فوَجبَ كَراهَتُها لذلك (١).
هل لِلجمُعةِ سُنةٌ قَبليَّةٌ أو لا؟
اختَلفَ العُلماءُ في سُنَّةِ الجمُعةِ القَبليَّةِ على قولَينِ:
القولُ الأوَّلُ: أنَّه يُسنُّ أن يُصلِّيَ رَكعَتينِ أو أربَعًا قبلَ الجمُعةِ، وممَّن قالَ بهذا الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلَةُ على تَفصيلٍ عندَهم.
قالَ الإمامُ السَّرخسِيُّ ﵀: «والتَّطوُّعُ بعدَ الجمُعةِ أربَعٌ لا فَصلَ بينَهُنَّ إلا بتَشهُّدٍ، وقبلَ الجمُعةِ أربَعٌ، أما قبلَ الجمُعةِ فلأنَّها نَظيرُ الظُّهرِ، والتَّطوُّعُ قبلَ الظُّهرِ أربَعُ رَكعاتٍ» (٢).
وقالَ في «الدُّرّ المُختار»: «وسُنَّ مُؤكَّدًا أربَعٌ قبلَ الظُّهرِ، وأربَعٌ قبلَ الجمُعةِ، وأربَعٌ بعدَها، بتَسليمةٍ» (٣).
стр. 1402
وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀ في «الأُمّ»: «نَأمرُ المَأمومَ بالنَّافِلةِ قبلَ الجمُعةِ وبعدَها» (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: «فَرعٌ: في سُنةِ الجمُعةِ بعدَها وقبلَها: تُسَنُّ قبلَها وبعدَها صَلاةٌ، وأقَلُّها رَكعَتانِ قبلَها، ورَكعَتانِ بعدَها، والأكمَلُ أربَعٌ قبلَها، وأربَعٌ بعدَها، هذا مُختصَرُ الكَلامِ فيها … » (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: «فأمَّا الصَّلاةُ قبلَ الجمُعةِ، فلا أعلَمُ فيه إلا ما رُويَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَركعُ مِنْ قبلِ الجمُعةِ أربَعًا» (٣) أخرَجه ابنُ ماجه، ورَوى عَمرُو بنُ سَعيدِ بنِ العاصِ، عن أبيه قالَ: «كُنْتُ أَلقَى أَصحابَ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فَإِذَا زالَت الشَّمسُ قَامُوا فَصَلوا أَربَعًا». قالَ أَبو بَكرٍ -أي: ابنُ عَياشٍ-: كُنا نَكونُ مع حَبيبِ ابنِ أَبي ثابِتٍ في الجمُعةِ، فيَقولُ: أزالَت الشَّمسُ بَعدُ؟ أو يَلتفِتُ فيَنظرُ، فإذا زالَت الشَّمسُ، صلَّى الأربعَ التي قبلَ الجمُعةِ، وعن أَبي عُبيدةَ عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ، أنَّه كان يُصلِّي قبلَ الجمُعةِ أربعَ رَكعاتٍ، وبعدَها أربعَ رَكعاتٍ (٤).
وقالَ البُهوتِيُّ ﵀: وليسَ لها (أي: الجمُعةِ) قبلَها سُنةٌ راتِبةٌ نَصًّا، بل يُستحبُّ أربَعُ رَكعاتٍ، وقالَ عبدُ اللهِ -أي: ابنُ الإمامِ أحمدَ-: رَأيتُ
стр. 1403
أَبي يُصلِّي في المَسجدِ إذا أذَّنَ المُؤذِّنُ أربعَ رَكعاتٍ (١).
وقالَ إِسحاقُ بنُ إِبراهيمَ بنِ هانِئٍ في «مَسائلِه لِلإمامِ أحمدَ»: رأيتُ أبا عبدِ اللهِ -يَعني أحمدَ- إذا كانَ يَومُ الجمُعةِ يُصلِّي إلى أن يَعلَمَ أنَّ الشَّمسَ قد قارَبَت أن تَزولَ، فإذا قارَبَت أمسَكَ عن الصَّلاةِ حتى يُؤذِّنَ المُؤذِّنُ، فإذا أخَذَ في الأذانِ قامَ فصلَّى رَكعَتينِ أو أربَعًا، يَفصِلُ بينَهما بالسَّلامِ.
وقالَ أيضًا: رَأَيتُ أبا عبدِ اللهِ إذا أذَّنَ المُؤذِّنُ يومَ الجمُعةِ صلَّى رَكعَتينِ، وربَّما صلَّى أربَعًا على خِفَّةِ الأذانِ وطُولِه.
قالَ ابنُ رَجبٍ ﵀: وممَّا يَدلُّ على استِحبابِ الصَّلاةِ في هذا الوقتِ يومَ الجمُعةِ: أنَّه وقتٌ يُرجَى فيه ساعةُ الإجابةِ، فالمُصلِّي فيه يَدخلُ في قولِه ﷺ : «لا يُوافِقُها عبدٌ قائِمٌ يُصلِّي، يَسألُ اللهَ شَيئًا إلا أَعطاه». ثم قالَ: وقدِ اختُلفَ في الصَّلاةِ قبلَ الجمُعةِ: هل هي مِنْ السُّننِ الرَّواتبِ كسُنةِ الظُّهرِ قبلَها، أو هي مُستحبَّةٌ مُرغَّبٌ فيها، كالصَّلاةِ قبلَ العَصرِ؟ وأكثرُ العُلماءِ على أنَّها سُنةٌ راتِبةٌ، منهمُ: الأَوزاعيُّ والثَّوريُّ وأبو حَنيفةَ وأَصحابُه، وهو ظاهرُ كَلامِ أحمدَ، وقد ذكَرَ القاضِي أبو يَعلى في «شَرح المُهذَّبِ»، وابنُ عَقيلٍ، وهو الصَّحيحِ عندَ أَصحابِ الشافِعيِّ، وقالَ كَثيرٌ مِنْ مُتأَخِّري أَصحابِنا: ليسَت سُنةً راتِبةً، بَلْ مُستحَبَّةٌ (٢).
стр. 1404
واستدَلُّوا على ذلك بأَحاديثَ وآثارٍ، منها:
١ - عن نافِعٍ: «كانَ ابنُ عمرَ يُطِيلُ الصَّلاةَ قبلَ الجمُعةِ، ويُصلِّي بعدَها رَكعَتينِ في بَيتِه، ويُحدِّثُ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ يَفعلُ ذلك» (١).
٢ - عن أَبي عبدِ الرَّحمنِ السُّلميِّ قالَ: «كانَ عبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ يَأمرُنَا أَنْ نُصَلِّيَ قبلَ الجمُعةِ أَربَعًا، وَبعدَها أَربَعًا، حتى جاءَنا عَلِيٌّ فأَمرَنا أَنْ نُصلِّيَ بعدَها رَكعَتينِ ثم أَربَعًا» (٢).
٣ - عن نافِعٍ قالَ: «كانَ ابنُ عمرَ يُهجِّرُ يومَ الجمُعةِ، فَيُطِيلُ الصَّلاةَ قبلَ أَنْ يَخرُجَ الإِمَامُ» (٣).
القولُ الثاني: أنَّه ليسَ لِلجمُعةِ سُنةٌ راتِبةٌ قبلَها، وهو قولُ الإمامِ مالِكٍ، وعَزاه شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تيميَّةَ إلى الإمامِ الشافِعيِّ وأكثَرِ أَصحابِه (٤)، وأحمدَ في المَشهورِ عنه.
стр. 1405
قالَ المالِكيةُ: يُكرَهُ تَنفُّلُ إمامٍ إذا جاءَ وقد حانَ وقتُ الخُطبةِ، وليَرقَ المِنبَرَ كما يَدخلُ؛ لأنَّه ﷺ كانَ إذا دخَلَ رَقَى المِنبَرَ، ولا يَتنفَّلُ، إلا إن بكَّرَ قبلَ ذلك؛ فلا بَأسَ أن يَركَعَ ويَجلِسَ مع النَّاسِ.
ويُكرَهُ تَنفُّلُ جالِسٍ في المَسجدِ يومَ الجمُعةِ عندَ الأذانِ الأوَّلِ لها قبلَ خُروجِ الخَطيبِ؛ وإنَّما يُكرَهُ إذا كانَ يُقتدَى به (مِنْ عالِمٍ أو سُلطانٍ أو إمامٍ) لا غيرِهم؛ خَوفَ اعتِقادِ العامَّةِ وُجوبَه، فلو فعَلَه إِنسانٌ في خاصَّةِ نَفسِه فلا بَأسَ به، إذا لم يُجعَلْ ذلك استِنانًا، ولا يُكرَهُ لداخِلٍ إلى المَسجدِ (١).
فقد سُئلَ شَيخُ الإِسلامِ ﵀ عن الصَّلاةِ بعدَ الأَذانِ يومَ الجمُعةِ: هل فعَلَه النَّبيُّ ﷺ ، أو أحَدٌ مِنْ الصَّحابةِ والتَّابِعينَ، والأئمَّةِ أو لا؟ وهل هو مَنصوصٌ في مَذهبٍ مِنْ مَذاهبِ الأئمَّةِ المُتفَقِ عليهم؟ وقولُ النَّبيِّ ﷺ : «بينَ كلِّ أَذانَينِ صَلاةٌ»، هل هو مَخصوصٌ بيَومِ الجمُعةِ أو هو عامٌّ في جَميعِ الأَوقاتِ؟
فأجابَ ﵁: الحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ: أمَّا النَّبيُّ ﷺ فإنَّه لم يَكنْ يُصلِّي قبلَ الجمُعةِ بعدَ الأذانِ شَيئًا، ولا نُقلَ هذا عن أحَدٍ، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ لا يُؤَذَّنُ على عَهدِه إلا إذا قعَدَ على المِنبَرِ، ويُؤذِّنُ بِلالٌ، ثم يَخطُبُ النَّبيُّ ﷺ الخُطبَتينِ، ثم يُقيمُ بِلالٌ فيُصلِّي النَّبيُّ ﷺ بالنَّاسِ، فما كانَ يُمكِنُ أن يُصلِّيَ بعدَ الأذانِ هو ولا أحَدٌ مِنْ