وكذا إذا تزوَّجَ مُسلمً بكِتابيةٍ فإنه لا يَصيرُ مُحصَنًا؛ لِما رُويَ أنَّ كَعبَ بنَ مالكٍ ﵁ أرادَ أنْ يَتزوجَ يَهوديةً أو نَصرانيةً فقالَ له النبيُّ ﷺ : «دَعْها عنكَ فإنها لا تُحصنُكَ» (١).
ولأنها حَصانةٌ مِنْ شَرطِها الحُريةُ، فوجَبَ أنْ يكونَ مِنْ شَرطِها الإسلامُ كالحَصانةِ في القَذفِ، ولأنَّ مَنْ لم يُحَدَّ قاذفُه لم يُرجَمْ كالعبدِ.
وإنما الواجِبُ في حَقِّ غيرِ المُسلمِ إذا زنَى الجَلدُ؛ لقولِه تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، أوجَبَ الجَلدَ على كلِّ زانٍ وزانيَةٍ أو على مُطلَقِ الزاني والزانيَةِ مِنْ غيرِ فَصلٍ بينَ المُؤمنِ والكافرِ، ومتى وجَبَ الجَلدُ انتَفى وُجوبُ الرجمِ ضَرورةً، ولأنَّ زِنا الكافرِ لا يُساوِي زِنا المُسلمِ في كونِه جِنايةً، فلا يُساويهِ في استِدعاءِ العُقوبةِ كزِنا البِكرِ مع زِنا الثيبِ.
وبَيانُ ذلكَ أنَّ زِنا المُسلمِ اختَصَّ بمَزيدِ قُبحٍ انتَفى ذلكَ في زِنا الكافرِ، وهو كَونُ زِناهُ وَضعُ الكُفرانِ في مَوضعِ الشُّكرِ؛ لأنَّ دِينَ الإسلامِ نِعمةُ ودينَ الكُفرِ ليسَ بنِعمةٍ.
وأما حَديثُ رَجمِ اليَهوديَّينِ فيُحتملُ أنه كانَ قبلَ نُزولِ آيةِ الجَلدِ فانتَسخَ بها، ويُحتملُ أنه كانَ بعدَ نُزولِها، ونَسخُ خبَرِ الواحدِ أهوَنُ مِنْ نَسخِ الكِتابِ العزيزِ (٢).
стр. 13407
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ -وهو مَرويٌّ عن أبي يُوسفَ- إلى أنَّ الإسلامَ ليسَ بشَرطٍ للإحصانِ، فإذا زَنى ذِميٌّ وُجدَتْ فيه شَرائطُ إحصانِ المُسلمِ وجَبَ عليه الرجمُ، أو تَزوجَ مُسلمٌ ذِميةً فوَطئَها صارَا مُحصنَينِ؛ لِما رَوى عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ ﵄ «أنَّ النبيَّ ﷺ رجَمَ يَهوديَّينِ قد أُحصِنَا، أنا فِيمَن رجَمَهُما، فلقدْ رَأيتُه وإنه يَستُرُها مِنْ الحِجارةِ» (١).
وفي لَفظِ البُخاريِّ عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄ «أنَّ اليَهودَ جاؤُوا إلى رسولِ اللهِ ﷺ فذَكَروا له أنَّ رَجلًا منهم وامرأةً زنَيَا، فقالَ لهم رسولُ اللهِ ﷺ : ما تَجِدونَ في التَّوراةِ في شَأنِ الرَّجمِ؟ فقالوا: نفضَحُهم ويُجلَدُونَ، فقالَ عبدُ اللهِ بنُ سَلامٍ: كذَبْتُم، إنَّ فيها الرَّجمَ، فأتَوا بالتَّوراةِ فنَشَروها فوضَعَ أحَدُهم يَدَه على آيةِ الرَّجمِ فقرَأَ ما قبلَها وما بعدَها، فقالَ له عبدُ اللهِ بنُ سَلامٍ: ارفَعْ يدَكَ، فرفَعَ يَدَه فإذا فيها آيةُ الرَّجمِ، فقَالوا: صدَقَ يا مُحمدُ فيها آيةُ الرَّجمِ، فأمَرَ بهمَا رسولُ اللهِ ﷺ فرُجِمَا، قالَ عبدُ اللهِ: فرَأيتُ الرَّجلَ يَجنَأُ على المَرأةِ يَقيها الحِجارةَ» (٢)، ولا يُرجمُ إلا مُحصنًا، فدَلَّ على أنَّ الإسلامَ ليسَ بشَرطٍ في حَصانةِ الرجمِ.
стр. 13408
ولأنَّ الجِنايةَ بالزنا استَوَتْ مِنْ المُسلمِ والذِّميِّ، فيَجبُ أنْ يَستويَا في الحَدِّ.
فإنْ قالُوا: إنما رجَمَ النبيُّ ﷺ اليَهوديَّينِ بحُكمِ التوراةِ؛ بدَليلِ أنه راجَعَها فلمَّا تَبيَّنَ له أنَّ ذلك حُكمُ اللهِ عليهم أقامَه فيهم، وفيها أنزَلَ اللهُ تعالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤].
قُلنا: إنما حكَمَ عليهِما بما أنزَلَ اللهُ إليهِ؛ بدَليلِ قولِه تعالَى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
ولأنه لا يَسوغُ للنبيِّ ﷺ الحُكمُ بغيرِ شَريعتِه، ولو ساغَ ذلك لَساغَ لغيرِه، وإنما راجَعَ التوراةَ لِتَعريفِهم أنَّ حُكمَ التَّوراةِ مُوافِقٌ لِما يَحكمُ به عليهِم، وأنهم تَارِكونَ لشَريعتِهم مُخالِفونَ لحُكمِهم.
ثمَّ هذا حُجةٌ لنا؛ فإنَّ حُكمَ اللهِ في وُجوبِ الرَّجمِ إنْ كانَ ثابتًا في حَقِّهم يَجبُ أنْ يُحكمَ به عليهِم، فقدْ ثبَتَ وجودُ الإحصانِ فيهم، فإنه لا مَعنى له سِوى وُجوبِ الرجمِ على مَنْ زَنى منهم بعدَ وُجودِ شُروطِ الإحصانِ منه، وإنْ مَنَعوا ثُبوتَ الحُكمِ في حقِّهم فلِمَ حكَمَ به النبيُّ ﷺ ؟
ولا يَصحُّ القِياسُ على إحصانِ القَذفِ؛ لأنَّ مِنْ شَرطِه العِفةَ، وليسَتْ شَرطًا هاهُنا.
стр. 13409
والمَعنى فيه أنَّ هذهِ عُقوبةٌ يَعتقدُ الكافرُ حُرمةَ سَببِها، فيقامُ عليهِ كما يُقامُ على المُسلمِ كالجَلدِ والقَطعِ والقَتلِ في القِصاصِ، بخِلافِ حَدِّ الشُّربِ؛ فإنه لا يَعتقدُ حُرمةَ سَببِه، وتأثيرُه ما بيَّنَّا أنَّ ما اشتُرطَ في الإحصانِ إنما يُشترطُ لمعنَى تَغلُّظِ الجَريمةِ، وغِلظُ الجَريمةِ باعتبارِ الدِّينِ مِنْ حيثُ اعتقادُ الحُرمةِ، فإذا كانَ هو في دِينِه مُعتقدًا للحُرمةِ كالمُسلمِ فقدْ حصَلَ ما هو المَقصودُ، فكانَ به مُحصنًا، فإنَّ المُحصنَ مَنْ يكونُ في حِصنٍ ومَنعٍ مِنْ الزِّنى، وهو باعتقادِه مَمنوعٌ مِنْ الزِّنى، وقد أُنْذِرَ عليه بالعُقوبةِ في دِينِه، فكانَ مُحصنًا، ثم لا يجوزُ اشتِراطُ الإسلامِ لمَعنى الفَضيلةِ والكَرامةِ والنِّعمةِ كما لا يُشترطُ سائرُ الفَضائلِ مِنْ العِلمِ والشرَفِ، ولا يجوزُ اشتِراطُ الإسلامِ لمعنَى التغلِيظِ؛ لأنَّ الكفرَ أليَقُ بهذا مِنْ الإسلامِ، فالإسلامُ للتَّخفيفِ والعِصمةِ، والكفرُ مِنْ دَواعي التَّغليظِ، فإذا كانَ تُقامُ هذه العُقوبةُ على المُسلمِ بارتِكابِ هذهِ الفاحشةِ فعَلى الكافرِ أَولى (١).
الشَّرطُ الخامِسُ: الوَطءُ في النكاحِ الصَّحيحِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنه يُشترطُ في الرَّجمِ على الزَّاني المُحصَنِ أنْ يَكونَ وَطئَ في القُبلِ في نِكاحٍ، فإنْ عقَدَ على امرَأةٍ ولم يَدخلْ بها ثمَّ زَنى فإنه غيرُ مُحصنٍ، فلا يَقامُ عليه حَدُّ الرَّجمِ بل الجَلدُ بإجماعِ أهلِ العِلمِ، والدليلُ
стр. 13410
عليهِ قولُ النبيِّ ﷺ : «والثَّيبُ بالثَّيبِ جَلدُ مِائةٍ والرَّجمُ» (١)، والثِّيابةُ تَحصلُ بالوطءِ في القُبلِ، فوجَبَ اعتِبارُه.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المرءَ لا يَكونُ بعَقدِ النكاحِ مُحصنًا حتى يكونَ معه الوَطءُ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: وما نَعلمُ الإحصانَ في اللُّغةِ العربيةِ والشَّريعةِ يَقعُ إلا على مَعنيَينِ: على الزواجِ الذي يَكونُ فيه الوطءُ، فهذا إجماعٌ لا خِلافَ فيهِ (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا خِلافَ في أنَّ عقْدَ النكاحِ الخالي عن الوَطءِ لا يَحصلُ به إحصانٌ، سَواءٌ حصَلتْ فيه خَلوةٌ أو وَطءٌ فيما دونَ الفَرجِ أو في الدبرِ أو لم يَحصلْ شيءٌ مِنْ ذلكَ؛ لأنَّ هذا لا تَصيرُ به المَرأةُ ثَيبًا ولا تَخرجُ به عن حَدِّ الأبكارِ الذينَ حَدُّهم جَلدُ مِائةٍ وتَغريبُ عامٍ بمُقتضَى الخبَرِ، ولا بُدَّ مِنْ أنْ يَكونَ وَطئًا حصَلَ به تَغييبُ الحَشفةِ في الفرجِ؛ لأنَّ ذلكَ حدُّ الوطءِ الذي يَتعلقُ به أحكامُ الوطءِ (٤).
وقالَ أيضًا: ولا خِلافَ بينَ أهلِ العِلمِ في أنَّ الزنا ووَطءَ الشُّبهةِ لا يَصيرُ به الواطِئُ مُحصنًا، ولا نَعلمُ خِلافًا في أنَّ التسرِّي لا يَحصلُ به
стр. 13411
الإحصانُ لواحِدٍ منهُما؛ لكونِه ليسَ بنكاحٍ ولا تَثبتُ فيه أحكامُه (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ الهُمامِ ﵀: وأجمَعَتِ الأمَّةُ على أنه لا يَكونُ مُحصنًا في العَقدِ الصَّحيحِ إلا بالدُّخولِ (٢).
الوَطءُ في النِّكاحِ الفاسِدِ أو بشُبهةٍ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ وغيرُهم على أنه يُشترطُ أنْ يَكونَ الوطءُ في نكاحٍ صَحيحٍ، فإنْ تَزوَّجَ امرأةً بنكاحٍ فاسِدٍ لا يَحصلُ به الإحصانُ، فإذا زنَى بعدَ ذلكَ لا يُقامُ عليه حَدُّ الرجمِ بل الجَلدُ، وكذا إذا زَنى قبلَ أنْ يَنكحَ نكاحًا صَحيحًا لا يَحصلُ به الإحصانُ، فلا يَحصلُ الإحصانُ إلا في وَطءٍ في القُبلِ مِنْ نِكاحٍ صَحيحٍ.
قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: قالُوا جَميعًا: الوطءُ الفاسِدُ لا يَقعُ به إحصانٌ (٣).
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: قالَ ابنُ المُنذرِ: أجمَعُوا على أنه لا يَكونُ الإحصانُ بالنكاحِ الفاسِدِ ولا الشُّبهةِ، وخالَفَهم أبو ثَورٍ فقالَ: يكونُ مُحصنًا، واحتَجَّ بأنَّ النكاحَ الفاسدَ يُعطَى أحكامَ الصَّحيحِ في تَقديرِ المَهرِ ووُجوبِ العدَّةِ ولُحوقِ الولدِ وتَحريمِ الرَّبيبةِ، وأُجيبَ بعُمومِ «ادرَؤُوا الحُدودَ» (٤).
стр. 13412
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: أنْ يَكونَ النكاحُ صَحيحًا، وهذا قَولُ أكثرِ أهلِ العِلمِ، منهُم عطاءٌ وقَتادةُ ومالكٌ والشافِعيُّ وأصحابُ الرأيِ.
وقالَ أبو ثَورٍ: يَحصلُ الإحصانُ بالوَطءِ في نِكاحٍ فاسِدٍ، وحُكيَ ذلكَ عن الليثِ والأوزاعيِّ؛ لأنَّ الصَّحيحَ والفاسِدَ سَواءٌ في أكثرِ الأحكامِ مثلَ وُجوبِ المَهرِ والعدَّةِ وتَحريمِ الرَّبيبةِ وأمِّ المَرأةِ ولَحاقِ الولَدِ، فكذلكَ في الإحصانِ.
ولنا: إنه وَطءٌ في غيرِ مِلكٍ، فلمْ يَحصلْ به الإحصانُ كوَطءِ الشُّبهةِ، ولا نُسلِّمُ ثُبوتَ ما ذَكَروهُ مِنْ الأحكامِ، وإنما ثَبتَتْ بالوطءِ فيه، وهذهِ ثَبتَتْ في كلِّ وَطءٍ فيه، وليسَتْ مُختصَّةً بالنكاحِ، إلا أنَّ النكاحَ هاهُنا صارَ شُبهةً، فصارَ الوطءُ فيه كوَطءِ الشُّبهةِ سَواءً (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ مُفلحٍ ﵀: الثاني: أنْ تكونَ في نِكاحٍ؛ لأنَّ النكاحَ يُسمَّى إحصانًا؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤] يعنِي: المُزوَّجاتِ، ولا خِلافَ أنَّ وَطءَ الزِّنى والشُّبهةِ لا يَصيرُ به الواطئُ مُحصنًا، وأنَّ التسرِّي لا يَحصلُ به الإحصانُ لواحِدٍ منهُما؛ لأنه ليسَ بنِكاحٍ ولا تَثبتُ له أحكامُه (٢).
الشَّرطُ السادِسُ: الكَمالُ فيهما:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه إذا اجتَمعَتِ الصِّفاتُ في الواطئِ والمَوطوءةِ بأنْ يكونَ كلُّ واحدٍ منهُما بالغًا عاقلًا مُسلمًا فإنه يُقامُ الحَدُّ.
стр. 13413
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا هل يُشترطُ الكَمالُ في كلٍّ منهُما بأنْ يَطأَ الرَّجلُ العاقِلُ الحُرُّ عاقِلةً حُرةً؟ أم لو وُجدَتِ الصِّفاتُ في أحدِهما وجَبَ عليه الحَدُّ دونَ الآخَرِ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في قولٍ والحَنابلةُ إلى أنه يُشترطُ أنْ يكونَ الزَّوجانِ جَميعًا في وَقتِ الدُّخولِ على صِفةِ الإحصانِ، فإذا دخَلَ الزوجُ الحُرُّ المُسلمُ البالغُ العاقلُ بزَوجتِه وهي صَبيةٌ أو مَجنونةٌ أو أمَةٌ -أو كِتابيةٌ عندَ الحَنفيةِ- ثم أدرَكَتِ الصَّبيةُ وأفاقَتِ المَجنونةُ وأُعتقَتِ الأمَةُ وأسلَمَتِ الكافرةُ لا يَصيرُ مُحصنًا ما لم يُوجدْ دُخولٌ آخَرُ بعدَ زوالِ هذه العوارضِ، حتى لو زَنى قبلَ دُخولٍ آخَرَ لا يُرجمْ؛ لأنَّ اعتبارَ اجتماعِ هذهِ الصِّفاتِ في الزَّوجينِ جَميعًا يُشعِرُ بكمالِ حالِهما، وذا يُشعِرُ بكَمالِ اقتِضاءِ الشهوةِ مِنْ الجانبَينِ؛ لأنَّ اقتِضاءَ الشَّهوةِ بالصَّبيةِ والمَجنونةِ قاصِرٌ، وكذا بالرَّقيقِ؛ لكَونِ الرقِّ مِنْ نَتائجِ الكُفرِ، فيَنفرُ عنه الطَّبعُ، وكذا بالكافرةِ؛ لأنَّ طبْعَ المُسلمِ يَنفرُ عن الاستمتاعِ بالكافِرةِ، ولهذا قالَ النبيُّ ﷺ لحُذيفةَ ﵁ حينَ أرادَ أنْ يَتزوجَ يَهوديةً: «دَعْها فإنها لا تُحصنكُ» (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: أنْ يُوجَدَ الكَمالُ فيهما جَميعًا حالَ الوَطءِ، فيَطَأ الرَّجلُ العاقلُ الحُرُّ امرأةً عاقِلةً حُرةً، وهذا قولُ أبي حَنيفةَ وأصحابِه، ونحوُه قَولُ عطاءٍ والحَسنِ وابنِ سِيرينَ والنخَعيِّ وقَتادةَ والثَّوريِّ وإسحاقَ قالُوه في الرَّقيقِ.
стр. 13414
وقالَ مالِكٌ: إذا كان أحَدُهما كامِلًا صارَ مُحصنًا، إلا الصبيَّ إذا وَطئَ الكَبيرةَ لم يُحصنْها، ونَحوُه عن الأوزاعِيِّ.
واختُلفَ عن الشافِعيِّ فقيلَ: له قَولانِ: أحَدُهما كقَولنا، والثاني: أنَّ الكامِلَ يَصيرُ مُحصنًا، وهذا قولُ ابنِ المُنذرِ؛ لأنه حرٌّ بالغٌ عاقلٌ وَطئَ في نِكاحٍ صَحيحٍ، فصارَ مُحصنًا كما لو كانَ الآخَرُ مِثلَه، وقالَ بعضُهم: إنما القَولانِ في الصبيِّ دونَ العَبدِ، فإنه يَصيرُ مُحصنًا قَولًا واحِدًا إذا كانَ كامِلًا.
ولنا: إنه وَطءٌ لم يُحصَنْ به أحَدُ المُتَوطئَينِ، فلمْ يُحصَنِ الآخَرُ كالتسرِّي، ولأنه متَى كانَ أحَدُهما ناقِصًا لم يَكمُلِ الوطءُ، فلا يَحصلُ به الإحصانُ، كما لو كانَا غيرَ كاملَينِ، وبهذا فارَقَ ما قاسُوا عليه (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ مُفلحٍ ﵀: وعلى كلِّ حالٍ فلا بُدَّ أنْ يُوجَدَ الكَمالُ فيهمَا جَميعًا حالَ الوطءِ، فيَطَأ الرَّجلُ البالغُ العاقِلُ الحُرُّ امرأةً عاقِلةً حُرةً، وهو قَولُ عَطاءٍ والحَسنِ وابنِ سِيرينَ.
وذكَرَ القاضِي أنَّ أحمَدَ نَصَّ أنه لا يَحصلُ إحصانٌ بوَطئِه في حَيضٍ وصَومٍ وإحرامٍ ونحوِه، وفي «الإرشاد»: وهو وَجهٌ، وفي «المُحرَّر»: يُحصِنُ مُراهقٌ بالغةً ومُراهِقةٌ بالغًا، وذكَرَه الشيخُ تَقيُّ الدِّينِ رِوايةً، وفي «التَّرغِيب»: إنْ كانَ أحَدُهما صَبيًّا أو مَجنونًا أو رَقيقًا فلا إحصانَ لواحِدٍ منهُما على الأصَحِّ، ونقَلَه الجَماعةُ، وجَوابُه: أنه وَطءٌ لم يُحصِّنْ أحَدَ المُتواطئَينِ، فلمْ
стр. 13415
يُحصِّنِ الآخَرَ كالتسرِّي، فإنِ اختَلَّ شَرطٌ مِنْ ذلكَ في أحَدِهما فلا إحصانَ لواحِدٍ منهُما؛ لأنَّ ما كانَ مُعلَّقًا على شُروطٍ لا يُوجَدُ بدونِها (١).
وذهَبَ المالِكيةُ في الصَّحيحِ إلى أنه إذا وُجدَتْ شُروطُ الإحصانِ في أحَدِهما ولم تُوجَدْ في الآخَرِ ثبَتَ الإحصانُ فيمَن وُجدَ فيهِ، كالحُرِّ يَطأُ الأمَةَ زوْجَتَه، والمُسلمِ يَطأُ زوْجتَه الكِتابيةَ، والعاقِلِ زَوجتَه المَجنونةَ، والبالغِ يَطأُ الصَّبيَّةَ المُطيقةَ للوَطءِ وإنْ لم تَبلغْ، كلُّ هذا يَكونُ إحصانًا للواطئِ دونَ المَوطوءةِ، وكذلكَ عكسُه يكونُ إحصانًا للمَوطوءةِ دونَ الواطئ، إلا في الصبيِّ يَطأُ الكبيرةَ فإنه لا يَكونُ إحصانًا لواحِدٍ منهُما.
والدَّليلُ عليهِ: أنه حُرٌّ مُكلَّفٌ وَطئَ زَوجتَه بنكاحٍ صَحيحٍ، ووَطئَها وَطئًا مُباحًا، فوجَبَ أنْ يَصيرَ مُحصنًا به، أصلُه إذا كانَا كاملَينِ (٢).
وقالَ الشافِعيةُ في الصَّحيحِ: إذا كانَ أحَدُهما كامِلًا دونَ الآخَرِ، كما إذا وَطئَ الحُرُّ المُكلَّفُ أمَةً أو صَبيةً أو مَجنونةً بنِكاحٍ صَحيحٍ .. ثبَتَ الإحصانُ له دُونَها، وكذلكَ العكسُ؛ لأنه حرٌّ مُكلفٌ وَطئَ في نكاحٍ صَحيحٍ، فأشبَهَ ما إذا كانَا كاملَينِ.
والقولُ الثَّاني: لا يَكونُ بذلكَ مُحصنًا؛ لأنه وَطءٌ لا يَصيرُ أحدُ الواطئَينِ به مُحصنًا، فكذلكَ الآخَرُ كالوَطءِ بالشُّبهةِ (٣).
стр. 13416
قالَ العَمرانِيُّ ﵀: إذا كانَ أحَدُهما كامِلًا والآخَرُ ناقِصًا بأنْ كانَ أحَدُهما بالِغًا عاقِلًا حُرًّا والآخَرُ صَغيرًا أو مَجنونًا أو مَملوكًا .. فهل يَصيرُ الكاملُ منهُما مُحصنًا؟ فيه قَولانِ:
أحَدُهما: لا يَصيرُ مُحصنًا -وبه قالَ أبو حَنيفةَ-؛ لأنه وَطءٌ لم يَصِرْ به أحَدُهما مُحصنًا، فلمْ يَصِرِ الآخَرُ مُحصنًا كوَطءِ الشبهةِ.
والثاني: يَصيرُ الكاملُ منهُما به مُحصنًا، وهو الصَّحيحُ؛ لأنه حُرٌّ مُكلفٌ وَطئَ في نِكاحٍ صَحيحٍ فكانَ مُحصنًا كما لو كانَا كاملَينِ.
هذا تَرتيبُ القاضِي أبي الطَّيبِ والشيخِ أبي إسحاقَ، وقالَ الشيخُ أبو حامِدٍ: إذا كانَ الزوجُ حُرًّا عاقِلًا والزَّوجةُ أمَةً .. فإنَّ الزوجَ يَصيرُ مُحصنًا قولًا واحِدًا، وكذلكَ إذا كانَ الزوجُ عَبدًا والزَّوجةُ حُرةً بالِغةً عاقِلةً .. فإنها تَصيرُ مُحصنةً قولًا واحِدًا، فأما إذا كانَ أحَدُهما حُرًّا بالِغًا عاقِلًا والآخَرُ صَغيرًا أو مَجنونًا .. فهلْ يَصيرُ الحرُّ البالغُ العاقِلُ مُحصنًا؟ على القَولينِ (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وهل يَحصلُ -أي الإحصانُ- بوَطءِ زَوجةٍ قبلَ التكليفِ والحُريةِ؟ وَجهانِ:
أصَحُّهما عندَ الجُمهورِ وهو ظاهِرُ النصِّ: لا، فلا يَجبُ الرَّجمُ على مَنْ وَطئَ في نِكاحٍ صَحيحٍ وهو صَبيٌّ أو مَجنونٌ أو رَقيقٌ ثمَّ زنَى بعدَ كَمالِه.
стр. 13417
وحُكيَ وَجهٌ ثالثٌ أنه يَحصلُ بوَطءِ الصبيِّ دونَ الرقيقِ، ووَجهٌ رابعٌ عكسُه، فإنْ شرَطْنا وُقوعَه في حالِ الكَمالِ فهلْ يُشترطُ كونُ الزاني الآخَرِ كامِلًا حِينئذٍ؟ فيه ثلاثةُ أقوالٍ:
أظهَرُها: لا، فلو كانَ أحَدُهما كامِلًا دُونَ الآخَرِ صارَ الكاملُ مُحصنًا؛ لأنه حُرٌّ مُكلفٌ وَطئَ في نكاحٍ صَحيحٍ.
والثاني: نعمْ، فلو كانَ أحَدُهما غيرَ كاملٍ لم يَصِرِ الكاملُ مُحصنًا.
والثالِثُ: إنْ كانَ نَقصُ الناقِصِ بالرِّقِّ صارَ الكامِلُ مُحصنًا، وإنْ كانَ بصِغرٍ أو جُنونٍ فلا، وقالَ الإمامُ: هذا الخِلافُ في صَغيرةٍ أو صَغيرٍ لا يَشتهيهِ الجِنسُ الآخَرُ، فإنْ كانَ مُراهقًا حصَلَ قَطعًا (١).
стр. 13418
حَدُّ الزِّنا على غَيرِ المحصَنِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ البِكرَ -وهو مَنْ ليسَ بمُحصنٍ- رَجلًا كانَ أو امرأةً إذا زَنى أحَدُهما وكانَ حُرًّا بالِغًا عاقِلًا كانَ حَدُّه مِائةَ جَلدةٍ ولا رجْمَ عليهِ، وإنْ كانَ أحَدُهما بِكرًا والآخَرُ ثَيبًا أُقيمَ حَدُّ الرجمِ على المُحصَنِ الثيِّبِ والجَلدُ مِائةً على البِكرِ غيرِ المُحصنِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢].
قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ أنَّ قولَه تعالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] في زِنا الأبكارِ خاصَّةً؛ لِما ثبَتَ في حَدِّ الثيبِ أنه الرَّجمُ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: إجماعٌ مِنْ المُسلمينَ أنَّ البِكرَ لا رجْمَ عليهِ (٢).
وقالَ أيضًا: الزاني إذا لم يُحصنْ حَدُّه الجَلدُ دونَ الرَّجمِ، وهذا ما لا خِلافَ بينَ أحَدٍ مِنْ أمَّةِ مُحمدٍ ﷺ ، قالَ اللهُ : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]. وأجمَعُوا أنَّ الأبكارَ داخِلونَ في هذا الخِطابِ (٣).
стр. 13419
وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: أجمَعُوا على أنَّ الحُرَّ الزانِيَ والحُرةَ الزانيَةَ إذا كانَا غيرَ مُحصنَينِ فإنَّ حَدَّهما مِائةُ جَلدةٍ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا الأبكارُ فإنَّ المُسلمينَ أجمَعوا على أنَّ حَدَّ البِكرِ في الزنا جِلدُ مِائةٍ (٢).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأجمَعَ العُلماءُ على وُجوبِ جَلدِ الزاني البِكرِ مِائةً (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا خِلافَ في وُجوبِ الجَلدِ على الزاني إذا لم يَكنْ مُحصنًا (٤).
وقالَ الإمامُ بَدرُ الدِّينِ العِينيُّ ﵀: أجمَعوا على أنَّ الزانِيَ الذي ليسَ بمُحصنٍ حَدُّه جَلدُ مِائةٍ (٥).
هَلْ يَجبُ التَّغريبُ مع الجَلدِ؟
اختَلفَ الفُقهاءُ هل يَجبُ التَّغريبُ مع الجَلدِ أم لا يجبُ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ حَدَّ الزاني البِكرِ الحُرِّ غيرِ المُحصَنِ مِائةُ جَلدةٍ، ولا نَفيَ عليه؛ لقَولِه تعالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، والاستِدلالُ به مِنْ وجهَينِ:
стр. 13420
أحَدُهما: أنه أمَرَ بجَلدِ الزانيَةِ والزاني ولم يَذكُرِ التَّغريبَ، فمَن أوجَبَه فقدْ زادَ على كِتابِ اللهِ ، والزيادةُ عليهِ نَسخٌ، ولا يَجوزُ نَسخُ النصِّ بخبَرِ الواحدِ.
والثَّاني: أنه جعَلَ الجَلدَ جزاءً، والجَزاءُ اسمٌ لِمَا تقَعُ به الكِفايةُ، مأخوذٌ مِنْ الاجتِزاءِ وهو الاكتِفاءُ، فلو أوجَبْنا التغرِيبَ لا تقَعُ الكِفايةُ بالجَلدِ، وهذا خِلافُ النصِّ.
ولأنَّ الحُدودَ مَعلومةُ المَقاديرِ، وليسَ للنَّفيِ مِقدارٌ في مَسافةِ البُلدانِ، أو لأنه ذكَرَه بحَرفِ الفاءِ وهو الجَزاءُ، فلا يُزادُ عليهِ إلا بدَليلٍ يُساوِيهِ أوْ يَترجَّحُ عليه؛ إذ الزِّيادةُ على النصِّ نَسخٌ.
ولأنَّ النَّفيَ يَفتحُ عليها بابَ الزِّنا؛ لقِلَّةِ استِحيائِها مِنْ عَشيرتِها، وفيهِ قَطعُ المادَّةِ عنها، فرُبَّما اتَّخذَتْ ذلك مَكسَبًا، وفيهِ مِنْ الفسادِ ما لا يَخفَى.
ولأنه ما دامَ في بَلدِه يَمتنعُ عن العَشائرِ والمَعارفِ حَياءً مِنهم، وبالتَّغريبِ يَزولُ هذا المعنَى، فيَعرَى الدَّاعي عن المَوانعِ، فيُقدِمُ عليه، والزِّنا قَبيحٌ، فما أفضَى إليه مِثلُه.
وفعلُ الصَّحابةِ مَحمولٌ على أنهُم رَأَوا ذلك مَصلحةً على طَريقِ التعزيرِ، ألَا يُرَى أنه رُويَ عن سيِّدِنا عُمرَ ﵁ «أنه نفَى رَجلًا فلَحِقَ بالرُّومِ، فقالَ: لا أَنفِي بعدَها أبدًا».
وعن سيِّدِنا عليٍّ ﵁ أنه قالَ: «كفَى بالنَّفيِ فِتنةً»، فدَلَّ أنَّ فِعلَهم كانَ على طريقِ التعزيرِ، ونحنُ به نَقولُ إنَّ للإمامِ أنْ يَنفيَ أو يَحبسَ إنْ رأَى المَصلحةَ في التغريبِ أو الحَبسِ، ويكونُ النَّفيُ أو الحَبسُ تَعزيرًا لا حَدًّا،
стр. 13421
وهو تَأويلُ ما رُويَ مِنْ التَّغريبِ، فعنِ ابنِ عُمرَ ﵄: «أنَّ النبيَّ ﷺ ضرَبَ وغَرَّبَ، وأنَّ أبا بكرٍ ضرَبَ وغرَّبَ، وأنَّ عُمرَ ضرَبَ وغرَّبَ» (١)، ولأنه لو كانَ حَدًّا لَاشتُهرَ بينَ الصَّحابةِ كسَائرِ الحُدودِ، ولوِ اشتُهرَ لَمَا اختَلفُوا فيه، وقدِ اختَلفُوا، فدَلَّ على أنه ليسَ بحَدٍّ.
وأمَّا قَولُه ﷺ : «البِكرُ بالبِكرِ جَلدُ مِائةٍ وتَغريبُ عامٍ» (٢) فالآيةُ مُتأخِّرةٌ عنهُ فنَسخَتْه، بَيانُه أنَّ الجَلدَ في الأصلِ كانَ الإيذاءَ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦]، ثمَّ نُسخَ بالحَبسِ بقولِه تعالَى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ [النساء: ١٥] إلى قولِه: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، ثمَّ قالَ ﷺ : «خُذُوا عنِّي خُذُوا عنِّي، قد جعَلَ اللهُ لهُنَّ سَبيلًا، البِكرُ بالبِكرِ جَلدُ مِائةٍ ونَفيُ سَنةٍ، والثيِّبُ بالثَّيبِ جَلدُ مِائةٍ والرَّجمُ» (٣)، فكانَ بَيانًا للسَّبيلِ المَوعودِ في الآيةِ، وذلكَ قبلَ نُزولِ آيةِ الجَلدِ، فكانَتْ ناسِخةً للكُلِّ، أو نَقولُ: هو حَديثُ آحادٍ، فلا يُزادُ به على الكِتابِ؛ لِمَا بيَّنَّا (٤).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ وأكثَرُ العلماءِ إلى أنه يَجبُ مع الجَلدِ تَغريبُ عامٍ؛ للأحادِيثِ الكثيرةِ الثابِتةِ عن النبيِّ ﷺ وعن خُلَفائِه الراشدِينَ في النَّفيِ والتَّغريبِ مع الجَلدِ.
стр. 13422
ومنها قولُه ﷺ : «خُذُوا عنِّي خُذُوا عنِّي، قد جعَلَ اللهُ لهُنَّ سَبيلًا، البِكرُ بالبِكرِ جَلدُ مِائةٍ ونَفيُ سَنةٍ، والثيِّبُ بالثَّيبِ جَلدُ مِائةٍ والرَّجمُ» (١).
وعن أبي هُريرةَ وزَيدِ بنِ خالدٍ الجُهنيِّ ﵄ قالَا: جاءَ أعرابيٌّ فقالَ: يا رسولَ اللهِ اقْضِ بيْنَنا بكِتابِ اللهِ، فقامَ خَصمُه فقالَ: صدَقَ، اقْضِ بينَنَا بكتابِ اللهِ، فقالَ الأعرابيُّ: إنَّ ابنِي كانَ عَسيفًا على هذا فزَنَى بامرأتِه، فقالُوا لي: على ابنِكَ الرَّجمُ، ففَدَيتُ ابنِي منه بمِائةٍ مِنْ الغَنمِ ووَليدةٍ، ثمَّ سَألتُ أهلَ العِلمِ فقالوا: إنَّما على ابنِكَ جَلدُ مِائةٍ وتَغريبُ عامٍ، فقالَ النبيُّ ﷺ : «لَأَقضِينَّ بَينكُما بكِتابِ اللهِ، أمَّا الوَليدةُ والغَنمُ فرَدٌّ عليكَ، وعلى ابنِكَ جَلدُ مِائةٍ وتَغريبُ عامٍ، وأمَّا أنتَ يا أُنَيسُ -لرَجلٍ- فاغْدُ على امرَأةِ هذا فإنِ اعتَرَفتْ فارجُمْها، قالَ: فغَدَا عليها فاعتَرَفتْ، فأمَرَ بها رسولُ اللهِ ﷺ فرُجِمتْ» (٢).
وعن أبي هُريرةَ ﵁: «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَضَى فيمَن زَنَى ولم يُحصَنْ بنَفيِ عامٍ وبإقامةِ الحَدِّ عليهِ» (٣).
وعنِ ابنِ عُمرَ ﵄: «أنَّ النبيَّ ﷺ ضرَبَ وغَرَّبَ، وأنَّ أبا بكرٍ ضرَبَ وغرَّبَ، وأنَّ عُمرَ ضرَبَ وغرَّبَ» (٤).
стр. 13423
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ على البِكرَ النَّفيُ، وانفَردَ النُّعمانُ وابنُ الحسَنِ فقالَا: لا يُغرَّبانِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: صَحَّ أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ جلَدَ امرأةً زنَتْ مِائةَ جَلدةٍ وغرَّبَها عامًا.
ورُويَ أيضًا مثلُ ذلكَ عن عليِّ بنِ أبي طالِبٍ وغيرِه مِنْ الصَّحابةِ ﵃، ولم يُرْوَ عن أحَدٌ مِنْ الصحابةِ ﵃ خِلافُ ذلكَ، إلَّا رِوايةً عن عليٍّ: ليسَ على أمِّ الولَدِ نَفيٌ، وإنما قالَ في البِكرَينِ يَزنِيانِ: حَسبُهما مِنْ الفِتنةِ أنْ يُنفَيَا.
وعنِ ابنِ عبَّاسٍ: مَنْ زَنَى جُلدَ وأُرسِلَ.
قالَ أبو مُحمدٍ ﵀: فليسَ قولُ ابنِ عبَّاسٍ: «مَنْ زنَى جُلدَ وأُرسِلَ» دليلًا على أنه لا يُوجِبُ النفيَ عندَه، بل قد يَكونُ قولُه «وأُرسِلَ» يُريدُ به أنْ يُرسَلَ إلى بلدٍ آخَرَ.
وكذلكَ قولُ عليٍّ: «حَسبُهما مِنْ الفِتنةِ أنْ يُنفَيَا» يخرجُ على إيجابِ النفيِ، وأنَّ ذلكَ حَسبُهما مِنْ البَلاءِ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وجاءَتِ الأحادِيثُ عن النبيِّ ﷺ مُوافِقةً لِمَا جاءَ به الكِتابُ، ويجبُ مع الجَلدِ تَغريبُه عامًا في قولِ جُمهورِ العُلماءِ …
стр. 13424
ولأنَّ التَّغريبَ فعَلَه الخُلفاءُ الراشِدونَ، ولا نَعرفُ لهُم في الصحابةِ مُخالِفًا، فكانَ إجماعًا، ولأنَّ الخبَرَ يَدلُّ على عُقوبتَينِ في حقِّ الثيِّبِ، وكذلكَ في حَقِّ البِكرِ، وما رَوَوهُ عن عليٍّ لا يَثبتُ؛ لضَعفِ رُواتِه وإرسالِه، وقولُ عُمرَ: «لا أُغرِّبُ بعدَه مُسلمًا» فيَحتملُ أنه أرادَ تَغريبَه في الخَمرِ الذي أصابَتِ الفِتنةُ رَبيعةَ فيه (١).
والنفيُ عندَ المالِكيةِ سَنةٌ يُسجَنُ في البلدِ التي غُرِّبَ إليها، ولا بُدَّ مِنْ سَجنِه، ومَحلُّ تَغريبِ الحُرِّ الذَّكرِ إذا كانَ مُتوطِّنًا في البلدِ التي زَنَى فيها، وأما الغَريبُ الذي زَنَى بفَورِ نُزولِه ببلدٍ فإنه يُجلَدُ ويُسجَنُ بها؛ لأنَّ سجْنَه في المَكانِ الذي زَنَى فيه تَغريبٌ له (٢).
وقالَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ: يُغرَّبُ مَسافةَ قصرٍ على الصَّحيحِ؛ لأنَّ ما دونَ ذلكَ في حُكمِ الحضَرِ، ولا يُحبَسُ المُغرَّبُ في البلدِ الذي نُفيَ إليه؛ لعَدمِ وُرودِه، وإذا زَنَى الغَريبُ غُرِّبَ إلى بلدٍ غيرِ وَطنِه، وإنْ زَنَى في البلدِ الذي غُرِّبَ إليه غُرِّبَ منه إلى غيرِ البلدِ الذي غُرِّبَ منه؛ لأنَّ الأمرَ بالتَّغريبِ يَتناولُه حيثُ كانَ، ولأنه قد أَنِسَ بالبلدِ الذي سكَنَه، فيُبعَدُ عنه (٣).
стр. 13425
هل التَّغريبُ والنَّفيُ للرَّجلِ والمرأةِ؟ أمْ للرَّجلِ فقطْ؟
اختَلفَ الفُقهاءُ القائِلونَ بالتَّغريبِ، هل هذا عامٌّ في الرَّجلِ والمَرأةِ؟ أم خاصٌّ بالرَّجلِ دونَ المَرأةِ؟
فذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ التَّغريبَ خاصٌّ بالرَّجلِ دُونَ المَرأةِ، فلا تَغريبَ على المَرأةِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]. ولم يَذكُرِ التَّغريبَ، ولأنَّ التغريبَ في الرَّجلِ عُقوبةٌ لهُ لِيُقطَعَ عن وَلدِه وأهلِه ومَعاشِه، وتَلحقُه الذلَّةُ بنَفيهِ إلى غيرِ بَلدِه، وليسَ فيه ما في المَرأةِ مِنْ الحاجةِ إلى المُراعاةِ والحِفظِ ومَنعِ السَّفرِ، والمَرأةُ تَحتاجُ في حِفظِها وصِيانتِها إلى أكثَرَ مِنْ حاجَةِ الرجلِ، ففي تَغريبِها تَعريضٌ للهَتكِ الذي هو ضِدُّ الصِّيانةِ ومُواقعةِ مثلِ ما غُرِّبتْ مِنْ أجْلِه، وذلكَ إغراءٌ لا رَدعٌ وزَجرٌ، فامتَنعَ لهذا التناقُضِ إيجابُ التَّغريبِ على المرأةِ.
وممَّا يَدلُّ أنه لا نفْيَ على النِّساءِ قَولُه ﷺ : «لا تُسافِرُ امرأةٌ يَومًا ولَيلةً إلا معَ ذي مَحرَمٍ»، فإنْ أخرَجْتُم معَها ذا مَحرمٍ عاقَبْتُم مَنْ زَنا ومَن لم يَزْنِ، وهذا مُحالٌ، وإنْ قُلتُم: «إنها تُغرَّبُ وحْدَها» فقد خالَفْتُم الخبَرَ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ نهَاها أنْ تُسافِرَ وحْدَها.
جاءَ في «المُدوَّنة الكُبرَى»: (قُلتُ): أرَأيتَ البِكرَينِ إذا زنَيَا هل يُنفَيانِ جَميعًا الجارِيةُ والفتَى في قَولِ مالكٍ؟ أم لا نفْيَ على النساءِ في قولِ مالِكٍ؟ وهل يُفرَّقُ بينَهُما في النفيِ يُنفَى هذا إلى مَوضعٍ وهذا إلى مَوضعٍ آخَرَ؟ وهل يُسجَنانِ في المَوضعِ الذي يُنفَيانِ إليه في قولِ مالكٍ أم لا؟ (قالَ): قاَل مالِكٌ: لا نفيَ على النِّساءِ ولا على العَبيدِ ولا تَغريبَ، (قلتُ): فهل
стр. 13426
يُسجَنُ الفتَى في المَوضعِ الذي يُنفَى إليه في قولِ مالِكٍ؟ (قالَ): نعمْ يُسجَنُ، ولولا أنه يُسجَنُ لَذهَبَ في البلادِ، (قالَ): وقالَ مالكٌ: لا يُنفَى إلا زانٍ أو مُحارِبٌ، ويُسجَنانِ جَميعًا في المَوضعِ الذي يُنفَيانِ إليه، يُحبسُ الزاني سَنةً والمُحارِبُ حتى تُعرَف له تَوبةٌ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا فرْقَ بينَ الذَّكرِ الحُرِّ والأنثَى في التَّغريبِ؛ لعُمومِ قولِ النبيِّ ﷺ : «البِكرُ بالبِكرِ جَلدُ مِائةٍ وتَغريبُ عامٍ» (٢)، ولم يُفرِّقْ بينَ الرَّجلِ والمرأةِ، ولأنَّ ما كانَ حَدًّا للرَّجلِ كانَ حَدًّا للمَرأةِ كالجَلدِ والرَّجمِ.
ولا تُغرَّبُ المَرأةُ وحدَها في الأصَحِّ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ، بل مع ذِي مَحرمٍ؛ لخبَرِ: «لا يَحلُّ لامرأةٍ تُؤمنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ أنْ تُسافِرَ مَسيرةَ يومٍ إلا مع ذِي مَحرمٍ» (٣)، ولأنَّ الأصلَ تأديبُها، والزانيَةُ إذا خرَجَتْ وحْدَها هتَكَتْ جِلبابَ الحَياءِ، ولو لم يَخرُجِ الزوجُ أو المَحرمُ إلا بأُجرةٍ لَزمَها ذلكَ على الأصَحِّ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ إذا كانَ لها مالٌ، فإنِ امتَنعَ مِنْ الخُروجِ فلا يُجبَرُ؛ لأنَّ فيه تَغريبَ مَنْ لم يُذنِبْ، ولا يأثَمُ بامتِناعِه.
стр. 13427
والثاني: يُجبَرُ؛ للحاجةِ إليه في إقامةِ الواجبِ.
ومُقابلُ الأصَحِّ عندَ الشافِعيةِ وقَولٌ للحَنابلةِ: تُغرَّبُ وحْدَها؛ لأنه سفَرٌ واجِبٌ عليها، فأشبَهَ سَفرَ الهِجرةِ.
ومَحلُّ الخِلافِ عندَ الشافِعيةِ إذا كان الطريقُ آمنًا، وإلا فلا تُغرَّبُ وحْدَها جَزمًا (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَخرجُ مع المَرأةِ مَحرمُها حتَّى يُسكنَها في مَوضعٍ، ثمَّ إنْ شاءَ رجَعَ إذا أَمِنَ عليها، وإنْ شاءَ أقامَ معَها حتَّى يَكملَ حَولُها، وإنْ أبَى الخُروجَ معَها بذَلَتْ له الأجرةَ، قالَ أصحابُنا: وتَبذلُ مِنْ مالِها؛ لأنَّ هذا مِنْ مُؤنةِ سفَرِها.
ويَحتملُ أنْ لا يَجبَ ذلكَ عليها؛ لأنَّ الواجِبَ عليها التَّغريبُ بنفسِها، فلمْ يَلزمْها زِيادةٌ عليهِ كالرَّجلِ، ولأنَّ هذا مِنْ مُؤنةِ إقامةِ الحَدِّ، فلمْ يَلزمْها كأُجرةِ الجلَّادِ، فعَلى هذا تُبذَلُ الأجرةُ مِنْ بيتِ المالِ، وعلى قولِ أصحابِنا: إنْ لم يكنْ لها مالٌ بُذلَتْ مِنْ بَيتِ المالِ، فإنْ أبَى مَحرمُها الخُروجَ معَها لم يُجبَرْ، وإنْ لم يَكنْ لها مَحرمٌ غُرِّبتْ مع نِساءٍ ثِقاتٍ.
والقَولُ في أجرةِ مَنْ يُسافِرُ معَها مِنهنَّ كالقَولِ في أجرةِ المَحرمِ، فإنْ أَعوزَ فقدْ قالَ أحمَدُ: تبقَى بغيرِ مَحرمٍ، وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنه لا سَبيلَ إلى تَأخيرِه، فأشبَهَ سفَرَ الهِجرةِ والحَجِّ إذا ماتَ مَحرمُها في الطريقِ، ويَحتملُ أنْ
стр. 13428
يَسقطَ النَّفيُ إذا لم تَجدْ مَحرمًا كما يَسقطُ سَفرُ الحجِّ إذا لم يَكنْ لها مَحرمٌ، فإنَّ تَغريبَها إغراءٌ لها بالفُجورِ وتَعريضٌ لها للفِتنةِ، وعُمومُ الحَديثِ مَخصوصٌ بعُمومِ النهيِ عن سَفرِها بغيرِ مَحرمٍ (١).
وقالَ الإمامُ الزَّركشيُّ ﵀: فالرَّجلُ يُنفَى إلى مَسافةِ القَصرِ بلا رَيبٍ، وكذلكَ المرأةُ إذا كانَ معَها مَحرمُها، ومع تعذُّرِه هل تُنفَى إلى مَسافةِ القَصرِ لِمَا تقدَّمَ؟ أو إلى ما دُونَها لحَديثِ: «لا تُسافر مَسيرةَ يومٍ إلا مع ذِي مَحرمٍ»؟ على رِوايتَينِ، هذهِ طَريقةُ القاضي في الرِّوايتَينِ، وأبي مُحمدٍ في «المُغنِي»، وجعَلَ أبو الخطَّابِ في «الهِداية» الرِّوايتينِ فيها مُطلَقًا، سواءٌ نُفيَتْ مع مَحرمِها أو بدُونِه، وتَبِعَه على ذلكَ أبو مُحمدٍ في «الكافي» و «المقنع»، وعكَسَ أبو البَركاتِ طَريقةَ «المغني»، فجعَلَ الرِّوايتينِ فيها فيما إذا نُفيَتْ مع مَحرمِها، أمَّا بدُونِه فإلى ما دُونَها قولًا واحدًا (٢).
إقامةُ الحَدِّ على الحامِلِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الحَدَّ لا يُقامُ على الحامِلِ مِنْ زَنًى أو غيرِه حتَّى تضَعَ حمْلَها؛ لِما رواهُ سُليمانَ بنُ بُريدةَ عن أبيهِ قالَ: « … ثمَّ جاءَتْه امرأةٌ مِنْ غامِدٍ مِنْ الأَزْدِ فقالَتْ: يا رَسولَ اللهِ طَهِّرْني، فقالَ: ويحَكِ ارجعِي فاستَغفرِي اللهَ وتُوبي إليه، فقالَتْ: أراكَ تُريدُ أنْ تُردِّدَني كما رَدَّدتَ ماعزَ بن مالكٍ، قالَ: وما ذاكِ؟ قالَتْ إنها حُبلَى مِنْ الزنى، فقال: آنتِ؟
قالَتْ: نعمْ،
стр. 13429
فقالَ لها: حتى تَضَعي ما في بَطنِكِ، قالَ: فكفَلَها رَجلٌ مِنْ الأنصارِ حتى وضَعَتْ، قالَ: فأتَى النبيَّ ﷺ فقالَ: قد وضَعَتِ الغامديَّةُ، فقالَ: إذًا لا نَرجُمُها ونَدعُ ولَدَها صَغيرًا ليسَ له مَنْ يُرضعُه، فقامَ رَجلٌ مِنْ الأنصارِ فقالَ: إليَّ رَضاعُه يا نَبيَّ اللهِ، قالَ: فرجَمَها» (١).
ولأنه إذا حَدَّها في حالِ الحَملِ أفضَى إلى تَلفِها وإجهاضِ حَملِها، وكِلَا الأمرَينِ مَحظورٌ، وسواءٌ كانَ الحَدُّ رَجمًا أو غيرَه (٢).
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعوا على أنَّ المَرأةَ إذا اعتَرفَتْ بالزنا وهيَ حامِلٌ أنها لا تُرجَمُ حتى تَضعَ حمْلَها (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: وأجمَعَ العُلماءُ أنَّ الحُبلَى مِنْ الزِّنا لا رجْمَ عليها حتى تضَعَ.
واختَلفُوا إذا وضَعَتْ متى يَجبُ عليها الرَّجمُ؟
فقالَ مالكٌ: إذا وضَعَتْ حُدَّتْ إذا وُجدَ للمَولودِ مَنْ يُرضِعُه، وإنْ لم يُوجَدْ أُخِّرتْ حتى تُرضعَه وتَفطمَه؛ خوْفَ هَلاكِه.
وقالَ الشافِعيُّ: لا تُرجمُ حتى تَفطمَه، كما فعَلَ ﷺ في المَرجُومةِ على ما رواهُ مالكٌ في «المُوطَّأ».
стр. 13430
وقالَ الكُوفيُّونَ: تُرجمُ بعدَ الوَضعِ على ما رواهُ عِمرانُ بنُ حُصينٍ «أنَّ امرأةً أتَتِ النبيَّ ﷺ فذكَرَتْ أنها زَنَتْ، فأمَرَ بها أنْ تَقعدَ حتى تضَعَه، فلمَّا وضَعَتْه أتَتْهُ فأمَرَ بها فرُجمَتْ وصلَّى عَليها» (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقُوا أنَّ الحَدَّ لا يُقامُ عليها وهي حُبلَى (٢).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: لا تُرجَمُ الحُبلى حتى تَضعَ، سَواءٌ كانَ حَملُها مِنْ زنًا أو غيرِه، وهذا مُجمَعٌ عليه؛ لئلَّا يُقتلَ جَنينُها، وكذا لو كانَ حَدُّها الجَلدَ وهي حامِلٌ لم تُجلدْ بالإجماعِ حتى تضَعَ، وفيه أنَّ المَرأةَ تُرجَمُ إذا زنَتْ وهي مُحصَنةٌ كما يُرجمُ الرجلُ، وهذا الحديثُ مَحمولٌ على أنها كانَتْ مُحصَنةً؛ لأنَّ الأحادِيثَ الصحيحةَ والإجماعَ مُتَطابقانِ على أنه لا يُرجَمُ غيرُ المُحصَنِ، وفيه أنَّ مَنْ وجَبَ عليها قِصاصٌ وهي حامِلٌ لا يُقتَصُّ منها حتى تضَعَ، وهذا مُجمَعٌ عليه، ثُمَّ لا تُرجمُ الحاملُ الزانيةُ ولا يُقتَصُّ منها بعدَ وَضعِها حتى تَسقيَ ولَدَها اللَّبأَ ويَستغنِي عنها بلَبنِ غيرِها، وفيه أنَّ الحَملَ يُعرَفُ ويُحكَمُ به، وهذا هو الصَّحيحِ في مَذهبِنا (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا يُقامُ الحَدُّ على حامِلٍ حتى تضَعَ، سَواءٌ كانَ الحَملُ مِنْ زنًا أو غيرِه، لا نَعلمُ في هذا خِلافًا (٤).
стр. 13431
شُروطُ حَدِّ الزِّنا:
اشتَرطَ الفُقهاءُ حتَّى يُقامَ الحَدُّ على الزَّاني عدَّةِ شُروطٍ لا بُدَّ مِنْ تَوافرِها -غيرَ الإحصانِ كما تقدَّمَ-، وهيَ ما يَلي:
الشَّرطُ الأولُ: إدخالُ الحَشفةِ أو قَدرِها مِنْ مَقطوعِها:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الرَّجلَ إذا وَطئَ امرأةً لا تَحلُّ له وكانَ قد غيَّبَ حَشفتَه -وهي رَأسُ الذَّكرِ، وحَدُّها هو القِسمُ المَكشوفُ مِنْ رأسِ الذكَرِ بعدَ الخِتانِ- في قُبلِ المَرأةِ فإنه يكونُ قد ارتَكبَ الزنا ووجَبَ عليه الحَدُّ وإنْ لم يُنزِلْ مَنيًّا إذا اكتَملَتْ باقي الشروطِ، فإنْ وُجدَتِ امرأةٌ أجنَبيةٌ مع رَجلٍ في لِحافٍ واحدٍ ولم يُعلَمْ منهُما غيرُ ذلكَ لم يَجبْ عليهِما الحَدُّ؛ لِما رواهُ أبو هُريرةَ ﵁ قالَ: «جاءَ الأسلَميُّ نَبيَّ اللهِ ﷺ فشَهدَ على نَفسِه أنه أصابَ امرَأةً حَرامًا أربَعَ مرَّاتٍ، كلُّ ذلكَ يُعرِضُ عنه النبيُّ ﷺ ، فأقبَلَ في الخامِسةِ فقالَ: أَنِكْتَها؟ قالَ: نعمْ، قالَ: حتى غابَ ذلكَ منكَ في ذلكَ منها؟ قالَ: نعمْ، قالَ: كما يَغِيبُ المِروَدُ في المُكْحُلةِ والرِّشاءُ في البِئرِ؟ قالَ: نعمْ، قالَ: فهلْ تَدرِي ما الزِّنى؟ قالَ: نعمْ أتَيتُ منها حَرامًا ما يَأتي الرَّجلُ مِنْ امرَأتِه حَلالًا، قالَ: فما تُريدُ بهذا القولِ؟ قالَ: أُريدُ أنْ تُطهِّرَني، فأمَرَ بهِ فرُجِمَ، فسَمعَ النبيُّ ﷺ رَجلَينِ مِنْ أصحابِه يقولُ أحَدُهما لصاحِبِه: انظُرْ إلى هذا الذي ستَرَ اللهُ عليه فلمْ تَدَعْه نَفسُه حتى رُجِمَ رَجْمَ الكَلبِ، فسكَتَ عنهُما ثمَّ سارَ ساعةً حتى مَرَّ بجِيفةِ حِمارٍ شائِلٍ برِجلِه فقالَ: أينَ فُلانٌ وفُلانٌ؟ فقالا: نَحنُ ذانِ يا رسولَ اللهِ، قالَ: انزِلَا فكُلا مِنْ جِيفةِ هذا الحِمارِ، فقَالا: يا نبيَّ اللهِ مَنْ يأكُلُ مِنْ هذا؟ قالَ:
стр. 13432
فما نِلتُما مِنْ عِرضِ أخِيكُما آنِفًا أشَدُّ مِنْ أكلٍ منه، والذي نفسِي بيَدِه إنهُ الآنَ لَفِي أنهارِ الجَنةِ يَنقمِسُ فيها» (١).
وعن عبدِ اللهِ ﵁ قالَ: جاءَ رَجلٌ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: إني وَجَدتُ امرَأةً في البُستانِ فأصَبتُ منها كلَّ شَيءٍ غيرَ أني لمْ أجامِعْها فاصنَعْ بي ما شِئتَ، فسكَتَ عنهُ رَسولُ اللهِ ﷺ ، فذهَبَ الرَّجلُ ثمَّ دعَاهُ فقرَأَ عليهِ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ [هود: ١١٤]، فقالَ رَجلٌ مِنْ القَومِ: يا رَسولَ اللهِ ألَهُ خاصَّةً أم للناسِ كافَّةً؟ فقالَ: للنَّاسِ كافَّةً» (٢).
قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: لم تَختلِفِ العامَّةُ أنَّ الزِّنى الذي يَجبُ به الحَدُّ الجِماعُ دونَ الإنزالِ، وأنَّ مَنْ غابَتْ حَشفتُه في فَرجِ امرأةٍ وجَبَ عليه الحَدُّ (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقُوا أنَّ بإيلاجِ مَرةٍ للحَشفةِ وحْدَه يَجبُ الحَدُّ (٤).
стр. 13433
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وقَعَ الإجماعُ على أنَّ مُجاوَرةَ الخِتانَينِ تُوجِبُ الحدَّ (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: الاعتِبارُ في الجِماعِ بتَغييبِ الحَشفةِ مِنْ صَحيحِ الذَّكرِ بالاتفاقِ، فإذا غيَّبَها بكَمالِها تَعلقَتْ به جَميعُ الأحكامِ، ولا يُشترطُ تَغييبُ جَميعِ الذكَرِ بالاتفاقِ، ولو غيَّبَ بعضَ الحَشفةِ لا يَتعلقُ به شَيءٌ مِنْ الأحكامِ بالاتفاقِ، إلا وَجهًا شاذًّا ذكَرَه بعضُ أصحابِنا أنَّ حُكمَه حُكمُ جَميعِها، وهذا الوجهُ غَلطٌ مُنكَرٌ مَتروكٌ، وأما إذا كانَ الذكَرُ مَقطوعًا فإنْ بَقيَ منه دونَ الحَشفةِ لم يَتعلقْ به شَيءٌ مِنْ الأحكامِ، وإنْ كانَ الباقي قدْرَ الحَشفةِ فحَسْب تَعلقَتِ الأحكامُ بتَغييبِه بكَمالِه، وإنْ كانَ زائِدًا على قَدرِ الحَشفةِ ففيهِ وَجهانِ مَشهورانِ لأصحابِنا: أصَحُّهما: أنَّ الأحكامَ تَتعلَّقُ بقَدرِ الحَشفةِ منه، والثاني: لا يَتعلقُ شَيءٌ مِنْ الأحكامِ إلا بتَغييبِ جَميعِ الباقي، واللهُ أعلَمُ (٢).
الشَّرطُ الثَّاني: التَّكليفُ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الصغيرَ إذا زَنَى أو المَجنونَ إذا زنَى لا يُقامُ على واحدٍ منهُما الحَدُّ.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا في مَوضعَينِ:
المَوضعُ الأولُ: إذا زَنَى البالغُ العاقِلُ بصَغيرةٍ أو مجنونةٍ، هل يُقامُ عليهِ الحَدُّ أم لا؟
стр. 13434
نَصَّ جُمهورُ الفقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ عدَا ابنَ القاسِمِ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ على أنَّ مَنْ وَطئَ صغيرةً لا يُمكِنُ وَطؤُها أنه لا حَدَّ عليه.
وذهَبَ ابنُ القاسِمِ مِنْ المالِكيةِ والحَنابلةُ في وَجهٍ إلى أنه يَجبُ الحَدُّ عليهِ.
وإنْ كانَ يُمكِنُ وَطؤُها لمِثلهِ أو وَطئَ مَجنونةً فعليهِ الحَدُّ عندَهم جَميعًا دُونَها.
قالَ الحَنفيةُ: البالغُ العاقِلُ إذا زنَى بصَغيرةٍ أو مَجنونةٍ يَجبُ عليهِ الحدُّ دونَها إذا كانَ يُجامعُ مِثلها، وإنْ كانَ لا يُجامعُ مِثلها فلا حَدَّ عليهِ.
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: ولا خِلافَ في أنَّ العاقِلَ البالغَ إذا زنَى بصَبيةٍ أو مَجنونةٍ أنه يَجبُ عليه الحَدُّ، ولا حَدَّ عليها (١).
وقالَ المالِكيةُ: إذا زَنَى بصغيرةٍ يُمكِنُ وَطؤُها عادةً لواطِئِها وإنْ لم يُمكِنْ لغيرِه في قُبلِها أو دُبرِها فيَجبُ عليه الحَدُّ وإنْ كانَتْ غيرَ مُكلَّفةٍ؛ لصِدقِ حدِّ الزنا عليهِ كالنائمةِ والمَجنونةِ، وأمَّا مَنْ لا يُمكِنُ وطؤُها إذا وَطئَها المُكلَّفُ فلا حَدَّ عليهِ، وقالَ ابنُ القاسِمِ ﵀: يُحَدُّ وإنْ كانَتْ بنتَ خَمسِ سِنينَ.
стр. 13435
وكذا إذا زَنَى عاقلٌ بمَجنونةٍ فإنه يَجبُ الحدُّ عليهِ؛ لأنه إذا سقَطَ الحَدُّ عن أحَدِهما لمَعنًى فيه لم يُوجِبْ ذلكَ سُقوطَه عن الآخَرِ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: إذا زَنَى بالغٌ بصَغيرةٍ أو عاقِلٌ بمَجنونةٍ أو مُستيقِظٌ بنائمةٍ أو مُختارٌ بمُكرَهةٍ أو عالِمٌ بالتَّحريمِ بجاهِلةٍ بالتَّحريمِ .. وجَبَ الحَدُّ على الرَّجلِ دونَ المرأةِ؛ لأنه مِنْ أهلِ وُجوبِ الحَدِّ عليه، فوجَبَ الحدُّ عليه كما لو كانَتْ مُساوِيةً له.
وإنْ زنَى حَربيٌّ مُستأمَنٌ بمُسلمةٍ .. وجَبَ الحدُّ على المرأةِ دونَ الرَّجلِ؛ لأنها مِنْ أهلِ وُجوبِ الحَدِّ (٢).
وقالَ الحَنابلةُ: إذا وَطئَ البالغُ العاقلُ صَغيرةً إنْ كانَ يُوطَأُ مِثلُها فعليهِ الحدُّ بلا نزاعٍ، ونقَلَه الجَماعةُ عن الإمامِ أحمدَ ﵀.
وإنْ كانَ لا يُوطَأُ مِثلُها فظاهِرُ كلامِه هُنا أنه يُحَدُّ، وهو أحَدُ الوجوهِ.
وقيلَ: لا يُحَدُّ، وهو المذهَبُ.
وقالَ القاضي: لا حَدَّ على مَنْ وَطئَ صغيرةً لم تَبلغْ تِسعًا، وكذلكَ لو استَدخلَتِ المرأةُ ذكَرَ صَبيٍّ لم يَبلغْ عَشرًا فلا حَدَّ عليها.
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: والصَّحيحُ أنه متَى وَطئَ مَنْ أمكَنَ وَطؤُها أو أمكَنَتِ المرأةُ مَنْ يُمكِنُه الوطءُ فوَطئَها أنَّ الحَدَّ يجبُ على
стр. 13436
المُكلَّفِ منهُما، ولا يَصحُّ تَحديدُ ذلكَ بتِسعٍ ولا بعَشرٍ؛ لأنَّ التحديدَ إنَّما يكونُ بالتَّوقيفِ، ولا تَوقيفَ في هذا، وكَونُ التِّسعِ وَقتًا لإمكانِ الاستمتاعِ غالبًا لا يَمنعُ وُجودَه قبْلَه، كما أنَّ البُلوغَ يُوجَدُ في خَمسةَ عشَرَ عامًا غالبًا ولا يمنَعُ مِنْ وُجودِه قبلَه (١).
المَوضعُ الثاني: إذا زنَتْ البالغةُ العاقلةُ بصَغيرٍ أو مَجنونٍ، هل يُقامُ عليها الحَدُّ أم لا؟
الكَلامُ في هذا يَكونُ في صُورتَينِ:
الصُّورةُ الأُولى: إذا زَنَتِ البالغةُ العاقِلةُ بمَجنونٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو زَنَتِ البالِغةُ العاقِلةُ بمَجنونٍ، هل يُقامُ عليها الحدُّ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ المرأةَ العاقِلةَ إذا زنَتْ بمَجنونٍ فلا يقامُ عليها الحَدُّ؛ لأنَّ الاعتِبارَ بالرَّجلِ، فإذا سقَطَ عنه الحَدُّ لم يَجبْ عليها؛ لأنها تابِعةٌ له، ولأنَّ وُجوبَ الحدِّ على المرأةِ في بابِ الزنا ليسَ لكَونِها زانيَةً؛ لأنَّ فِعلَ الزنا لا يَتحقَّقُ منها وهو الوَطءُ؛ لأنها مَوطوءةٌ وليسَتْ بواطِئةٍ، وتَسميتُها في الكِتابِ العَزيزِ زانيَةً مَجازٌ لا حَقيقةٌ، وإنما وجَبَ عليها لكَونِها مَزنِيًّا بها، وفِعلُ الصبيِّ والمَجنونِ ليسَ بزنًا، فلا تكونُ هي مَزنيًّا بها، فلا يَجبُ عليها الحَدُّ، وفِعلُ الزنا يَتحقَّقُ مِنْ العاقلِ البالغِ، فكانَتِ الصَّبيةُ أو المَجنونةُ مَزنيًّا
стр. 13437
بها، إلَّا أنَّ الحدَّ لم يَجبْ عليها؛ لعَدمِ الأهليةِ، والأهليَّةُ ثابتةٌ في جانِبِ الرَّجلِ فيَجبُ (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ العاقِلةَ البالِغةَ إذا زنَتْ بمجنونٍ فإنه يَجبُ عليها حَدُّ الزنا دونَه؛ لأنَّ كلَّ ما وجَبَ عليها بوَطئِها إذا مكَّنَتْ عاقِلًا وجَبَ عليها بوَطئِها إذا مكَّنَتْ مَجنونًا كالقَضاءِ والكفَّارةِ في وَطءِ رَمضانَ، ولأنَّ سُقوطَ الحَدِّ عن الواطئِ لمَعنًى يَخصُّه لا يُوجِبُ سُقوطَه عن المَوطوءةِ، كالمُستأمَنِ الحربيِّ إذا زنَى بمُسلمةٍ يَجبُ عليها الحَدُّ دُونَه، ولأنَّ كلَّ سَببٍ لو اختَصَّ بالمَوطوءةِ لم يَمنعْ وُجوبَ الحَدَّ على الواطئِ، وجَبَ إذا اختَصَّ بالواطئِ أنْ لا يَمنعَ وُجوبَ الحَدِّ على المَوطوءةِ كاعتِقادِ الشُّبهةِ، ولأنه لمَّا لم يُعتبَرْ حُكمُ المَوطوءةِ بالواطئِ في حقِّه الحدُّ إذا زنَتِ الحرَّةُ بعَبدٍ والثيِّبُ ببِكرٍ لم يُعتبَرْ في وُجوبِ الحدِّ إذا زَنَتِ العاقِلةُ بمَجنونٍ.
ولأنها مُطاوِعةٌ واطِئًا كاملَ الوَطءِ على وَجهٍ يَحرمُ بغيرِ شُبهةٍ، فوجَبَ أنْ يَلزمَها الحدُّ، أصلُه إذا كانَ الواطِئُ عاقِلًا (٢).
стр. 13438
الصُّورةُ الثانيةُ: إذا زَنَتِ البالِغةُ العاقلةُ بصَبيٍّ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو زَنَتِ البالغةُ العاقلةُ بصبيٍّ غيرِ بالغٍ، هل يَجبُ عليها الحَدُّ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنه لا يَجبُ عليها الحدُّ.
قالَ الحَنفيةُ: البالغةُ العاقِلةُ إذا زنَتْ بصغيرٍ وطاوَعتْه فلا يَجبُ عليها الحَدُّ؛ لأنَّ وُجوبَ الحدِّ على المَرأةِ في بابِ الزنا ليس لكَونِها زانيَةً؛ لأنَّ فِعلَ الزِّنا لا يَتحقَّقُ منها وهو الوطءُ؛ لأنها مَوطوءةٌ وليسَتْ بواطِئةٍ، وتَسميتُها في الكِتابِ العَزيزِ زانيَةً مَجازٌ لا حقيقةٌ، وإنَّما وجَبَ عليها لكَونِها مَزنِيًّا بها، وفعلُ الصبيِّ والمجنونِ ليسَ بزنًا، فلا تكونُ هي مَزنيًّا بها، فلا يجبُ عليها الحدُّ، وفعلُ الزنا يَتحقُّقُ مِنْ العاقلِ البالغِ، فكانَتْ الصَّبيةُ أو المَجنونةُ مَزنيًّا بها، إلا أنَّ الحدَّ لم يَجبْ عليها؛ لعَدمِ الأهليَّةِ، والأهليةُ ثابتةٌ في جانبِ الرَّجلِ فيَجبُ (١).
وقالَ المالِكيةُ: المرأةُ البالِغةُ العاقلةُ إذا مكَّنَتْ صَبيًّا يَقدرُ على الجِماعِ فزنَى بها فلا حَدَّ عليها وإنْ أنزَلَتْ؛ لأنها لا يَحصلُ لها معه مِنْ اللَّذةِ ما يَحصلُ مِنْ غيرِه (٢).
стр. 13439
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المرأةَ البالِغةَ العاقلةَ إذا زنَتْ بصَغيرٍ وجَبَ الحَدُّ عليها؛ لأنَّ سُقوطَ الحَدِّ عن أحَدِ الواطِئَينِ بمَعنًى يَخصُّه لا يُوجِبُ سُقوطَه عن الآخَرِ (١).
قالَ المِرْداويُّ ﵀: قولُه: أو أمكَنَتِ العاقلةُ مِنْ نفسِها مَجنونًا أو صغيرًا فوَطئَها فعَليها الحدُّ.
تُحَدُّ العاقِلةُ بتَمكينِها المجنونَ مِنْ وَطئِها بلا نِزاعٍ.
وإنْ مكَّنَتْ صَغيرًا بحَيثُ لا يُحَدُّ لعدَمِ تكليفِه فعَليها الحدُّ على الصَّحيحِ، قدَّمَه في «الفُروع» واختارَه المُصنِّفُ.
وقيلَ: إنْ كانَ ابنَ عَشرٍ حُدَّتْ، وإلا فلا، اختارَه القاضي، وجزَمَ به في «المُحرَّر» و «الوَجِيز» و «الرِّعايتَين» و «الحاوِي الصَّغير».
وتقدَّمَ ما اختارَه المُصنِّفُ أيضًا.
فائِدةٌ: لو مكَّنَتْ مَنْ لا يُحَدُّ لجَهلِه أو مكَّنَتْ حَربيًّا مُستأمنًا أو استَدخلَتْ ذكَرَ نائمٍ فعَليها الحدُّ (٢).
وقالَ البُهوتيُّ ﵀: (وإنْ مكَّنَتِ المُكلَّفةُ مِنْ نفسِها مجنونًا أو مُميِّزًا أو مَنْ لا يُحَدُّ لجَهلِه) التَّحريمَ (أو مكَّنَتْ) مُكلَّفةٌ (حَربيًّا أو مُستأمَنًا
стр. 13440
أو أدخَلَتْ) مكلَّفةٌ (ذكَرَ نائمٍ) في فَرجِها (فعَليها الحدُّ وحْدَها)؛ لأنَّ سُقوطَه عن أحَدِ المُتواطِئَينِ لمَعنًى يَخصُّه لا يُوجِبُ سُقوطَه عن الآخَرِ (١).
الشَّرطُ الثالثُ: أنْ يكونَ عالِمًا بتَحريمِ الزنا:
ذهَبَ عامَّةُ أهلِ العِلمِ إلى أنَّ العِلمَ بتَحريمِ الزِّنا شَرطٌ في وُجوبِ الحَدِّ، فإنْ كانَ مَنْ صدَرَ منه الزنَى لا يَعلمُ بالتحريمِ فلا يَجبُ عليه الحدُّ؛ لأنَّ الحُكمَ في الشَّرعياتِ لا يَثبتُ إلا بعدَ العِلمِ.
ورُويَ أنَّ جارِيةً سَوداءَ رُفعَتْ إلى عُمرَ ﵁ وقيلَ إنها زَنَتْ، فخَفقَها بالدُّرةِ خَفقاتٍ وقالَ: أي لُكاعِ زَنيْتِ؟ فقالَتْ: مِنْ غوشٍ بدَرهمينِ، تُخبِرُ بصاحِبها الذي زنَى بها ومَهرِها الذي أعطاها، فقالَ عُمرُ ﵁: ما تَرَونَ؟ وعندَه عليٌّ وعُثمانُ وعبدُ الرحمنِ بنُ عَوفٍ، فقالَ عليٌّ ﵁: أرَى أنْ تَرجُمَها، وقالَ عبدُ الرحمنِ: أرَى مِثلَ ما رَأى أخوكَ، فقالَ لعُثمانَ: ما تَقولُ؟ قالَ: أراها تَستَهِلُ بالذي صَنعَتْ لا ترَى به بأسًا، وإنَّما حدُّ اللهِ على مَنْ عَلِمَ أمْرَ اللهِ ، فقالَ: صدَقْتَ.
وروَى البَيهقيُّ عن بكرِ بنِ عبدِ اللهِ عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁ «أنه كُتبَ إليه في رَجلٍ قيلَ لهُ: متَى عَهدُكَ بالنِّساءِ؟ فقالَ: البارِحةَ، قيلَ: بمَن؟ قالَ: أمِّ مَثوايَ، فقيلَ له: قد هلَكْتَ، قالَ: ما عَلمْتُ أنَّ اللهَ حرَّمَ الزِّنا، فكتَبَ عُمرُ ﵁ أنْ يُستحلَفَ ما عَلِمَ أنَّ اللهَ حرَّمَ الزنا ثمَّ يُخلَّى سَبيلُه» (٢).
стр. 13441
ورَوى عمرُ بنُ دينارٍ عن سَعيدِ بنِ المسيِّبِ «أنَّ رَجلًا قالَ: زنَيْتُ البارحِةَ، فقيلَ له: إنَّ اللهَ قد حرَّمَه، فكُتبَ فيه إلى عُمرَ، فكتَبَ: إنْ كانَ عَلِمَ أنَّ اللهَ حرَّمَه فحُدُّوه، وإنْ لم يَكنْ يَعلمُ فأَعلِمُوه، فإنْ عادَ فحُدُّوهُ».
قالَ أبو جَعفرٍ الطَّحاويُّ ﵀: فلم يُوجِبِ الحدَّ على الجاهلِ بالتحريمِ، ولا يُعلَمُ عن أحدٍ مِنْ الصحابةِ خلافُه، وقالَ تعالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥]، فأخبَرَ أنه لا يُعذِّبُ أحَدًا فيما طريقُه السَّمعْ إلا بعدَ إقامةِ الحُجَّةِ عليه بتَحريمِها، وأيضًا فإنَّ الحُدودَ عُقوباتٌ على انتهاكِ المَحارمِ، ومَن لم يَعرفِ الحُرمةَ قبلَ وُقوعِه فيها لم يَكنْ مُنتهِكًا لها، فلا حَدَّ عليه (١).
وقالَ الإمامُ الماوَرْديُّ ﵀: وأمَّا الشرطُ السادسُ وهو العِلمُ بالتحريمِ: فلِأنَّ العِلمَ به هو المانعُ مِنْ الإقدامِ عليهِ، كالذي لم تَبلُغْه دَعوةُ الإسلامِ لم يَلزمْه أحكامُه، كذلكَ مَنْ لم يَعلمْ تحريمَ الزنا لم تَجْرِ عليه أحكامُه، والذي لا يَعلمُ تَحريمَ الزنا معَ النَّصِّ الظاهِرِ فيه وإجماعِ الخاصَّةِ والعامَّةِ عليه أحَدُ ثلاثةٍ: إمَّا مَجنونٌ أفاقَ بعدَ بلوغِه فزنَا لوَقتِه، أو حَديثُ عَهدٍ بإسلامٍ لم يَعلمْ أحكامَه، أو قادِمٌ مِنْ باديَةٍ لم يَظهرْ فيها تَحريمُه.
فإنِ ادَّعَى الزاني أنه جَهِلَ تحريمَ الزنا نُظرَ؛ فإنْ كانَ مِنْ أحدِ هؤلاءِ الثلاثةِ كانَ قولُه مَقبولًا، ولا يَلزمُه إحلافُه إلَّا استِظهارًا؛ لأنه الظاهِرُ مِنْ حالِه، وإنْ لم يَكنْ منهُم لم يُقبَلْ قولُه؛ لأنَّ الظاهِرَ خِلافُه (٢).
стр. 13442
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا حَدَّ على مَنْ لم يَعلمْ تَحريمَ الزِّنا.
قالَ عُمرُ وعُثمانُ وعليٌّ: «لا حَدَّ إلا على مَنْ عَلِمَه»، وبهذا قالَ عامَّةُ أهلِ العِلمِ، فإنِ ادَّعَى الزاني الجَهلَ بالتَّحريمِ وكانَ يَحتملُ أنْ يَجهلَه كحَديثِ العَهدِ بالإسلامِ والناشِئِ بباديَةٍ قُبِلَ منه؛ لأنه يَجوزُ أنْ يَكونَ صادِقًا، وإنْ كانَ ممَّن لا يَخفَى عليه ذلك كالمُسلمِ الناشئِ بينَ المُسلمينَ وأهلِ العِلمِ لم يُقبَلْ؛ لأنَّ تَحريمَ الزِّنا لا يَخفَى على مَنْ هو كذلكَ، فقدْ عُلِمَ كَذبُه، وإنِ ادَّعَى الجَهلَ بفَسادِ نكاحٍ باطِلٍ قُبِلَ قولُه؛ لأنَّ عُمرَ قَبِلَ قولَ المُدَّعي الجهلَ بتَحريمِ النكاحِ في العدَّةِ، ولأنَّ مِثلَ هذا يُجهلُ كثيرًا ويَخفى على غيرِ أهلِ العلمِ (١).
الشَّرطُ الرابعُ: عَدمُ الإكراهِ على الزِّنا:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المرأةَ إذا أُكرِهتْ على الزنا أنه لا حَدَّ عليها؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «إنَّ اللهَ وضَعَ عن أمَّتِي الخطَأَ والنِّسيانَ وما استُكرِهوا عليهِ» (٢).
ولمَا روَى وائِلُ بنُ حُجرٍ ﵁ قالَ: «استُكرِهَتِ امرأةٌ على عَهدِ رسولِ اللهِ ﷺ فدَرَأَ عنها رسولُ اللهِ ﷺ الحَدَّ وأقامَهُ على الذي أصابَها» (٣).
стр. 13443
قالَ الإمامُ التِّرمذيُّ ﵀: والعَملُ على هذا عندَ أهلِ العِلمِ مِنْ أصحابِ النبيِّ ﷺ وغيرِهم أنْ ليسَ على المُستكرَهةِ حَدٌّ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: والعُلماءُ مُتفِقونَ على أنه لا حَدَّ على امرأةٍ مُستكرَهةٍ، واختَلفُوا هل لها صَداقٌ؟ فقالَ عَطاءٌ والزُّهريُّ: لها الصَّداقُ، وهو قولُ مالكٍ والشافِعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ وأبي ثَورٍ، وقالَ الشعبيُّ: إذا أُقيمَ الحَدُّ على الذي زنَى بها بطَلَ الصَّداقُ، وهو قولُ الكُوفيِّينَ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وقد أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ على المُستكرِهِ المُغتصِبِ الحدُّ إنْ شَهدَتِ البينةُ عليه بما يُوجِبُ الحَدَّ أو أقَرَّ بذلكَ، فإنْ لم يَكنْ فعَليهِ العُقوبةُ، ولا عُقوبةَ عليها إذا صَحَّ أنه استَكرَهَها وغلَبَها على نفسِها، وذلكَ يُعلَمُ بصُراخِها واستِغاثتِها وصِياحِها وإنْ كانَتْ بِكرًا فيما يَظهرُ مِنْ دَمِها ونحوِها ممَّا يُفصِحُ به أمرُها، فإنْ لم يَكنْ شَيءٌ مِنْ ذلكَ وظهَرَ بها حَملٌ وقالَتْ: «استُكرِهتُ» فقدِ اختَلفَ العلماءُ في ذلكَ …
ولا نَعلمُ خِلافًا بينَ العلماءِ أنَّ المُستكرَهةَ لا حَدَّ عليها إذا صَحَّ استِكراهُها بما ذكَرْنا وشَبهِه …
وعن أبي بَكرٍ وعُمرَ والخُلفاءِ وفُقهاءِ الحِجازِ والعراقِ مثلُ ذلكَ.
واختَلفَ الفُقهاءُ في وُجوبِ الصَّداقِ على المُغتصِبِ:
فقالَ مالكٌ واللَّيثُ والشافِعيُّ: عليهِ الصَّداقُ والحدُّ جَميعًا.
стр. 13444
وقالَ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ ومُحمدٌ وسُفيانُ الثوريُّ: عليهِ الحَدُّ ولا مهْرَ عليهِ، وهو قولُ ابنِ شُبرمةَ، لا يَجتمعُ عندَهم صَداقٌ وحَدٌّ.
قالَ أبو عُمرَ: هذا على مَذاهبِهم في السَّارقِ؛ أنه إذا قُطِعَ لم يَجبْ عليه غُرمٌ، ومَسألةُ السارقِ مُختلَفٌ فيها أيضًا (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: ولا خِلافَ بينَ أهلِ الإسلامِ أنَّ المُستكرَهةَ لا حدَّ عليها، وإنما اختَلفُوا في وُجوبِ الصَّداقِ لها.
وسَببُ الخِلافِ: هل الصَّداقُ عِوضٌ عن البُضعِ؟ أو هو نِحلةٌ؟ فمَن قالَ: «عِوضٌ عن البُضعِ» أوجَبَه في البُضعِ في الحِلِّيةِ والحُرميَّةِ، ومَن قالَ: «إنه نِحلةٌ خَصَّ اللهُ به الأزواجَ» لم يُوجِبْه (٢).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: والعُلماءُ مُتفِقونَ على أنه لا حدَّ على امرأةٍ مُستكرَهةٍ (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا حَدَّ على مُكرَهةٍ في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، رُويَ ذلكَ عن عُمرَ والزُّهريِّ وقَتادةَ والثوريِّ والشافِعيِّ وأصحابِ الرأيِ، ولا نَعلمُ فيه مُخالِفًا؛ وذلكَ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ : «عُفيَ لأمَّتِي عن الخَطأِ والنِّسيانِ وما استُكرِهوا عليهِ».
стр. 13445
وعن عبدِ الجبَّارِ بنِ وائلٍ عن أبيهِ «أنَّ امرأةً استُكرِهتْ على عَهدِ رسولِ اللهِ ﷺ فدرَأَ عنها الحَدَّ» رواهُ الأثرمُ، قالَ: «وأُتِيَ عُمرُ بإماءٍ مِنْ إماءٍ الإمارةِ استَكرهَهُنَّ غِلمانٌ مِنْ غِلمانِ الإمارةِ، فضرَبَ الغِلمانَ ولم يَضربِ الإماءَ».
وروَى سعيدٌ بإسنادِه عن طارقِ بنِ شِهابٍ قالَ: «أُتِيَ عُمرُ بامرأةٍ قد زنَتْ فقالَتْ: إني كُنْتُ نائِمةً فلمْ أستيقِظْ إلا برَجلٍ قد جَثَمَ عليَّ، فخلَّى سَبيلَها ولم يَضربْها».
ولأنَّ هذا شُبهةٌ، والحُدودُ تُدرَأُ بالشُّبهاتِ، ولا فرْقَ بينَ الإكراهِ بالإلجاءِ -وهو أنْ يَغلبَها على نفسِها- وبينَ الإكراهِ بالتَّهديدِ بالقَتلِ ونحوِه، نَصَّ عليه أحمَدُ في راعٍ جاءَتْه امرأةٌ عَطشَتْ فسألَتْه أنْ يَسقيَها فقالَ لها: أَمكِنيني مِنْ نَفسِكِ، قالَ: هذه مُضطرَّةٌ.
وقد رُويَ عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁ أنَّ امرأةً استَسقَتْ راعِيًا فأبى أنْ يَسقيَها إلَّا أنْ تُمكِّنَه مِنْ نفسِها ففعَلَتْ، فرُفعَ ذلكَ إلى عُمرَ فقالَ لعَليٍّ: ما ترَى فيها؟ قالَ: إنها مُضطرةٌ، فأعطاها عمرُ شَيئًا وترَكَها (١).
الرَّجلُ إذا أُكرِهَ على الزنا:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الرَّجلِ إذا أُكرِهَ على الزِّنا، هل يُقامُ عليهِ الحَدُّ أم لا؟ على أَقوالٍ.