← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 13441–13480 · переход к 13446.

стр. 13441

ورَوى عمرُ بنُ دينارٍ عن سَعيدِ بنِ المسيِّبِ «أنَّ رَجلًا قالَ: زنَيْتُ البارحِةَ، فقيلَ له: إنَّ اللهَ قد حرَّمَه، فكُتبَ فيه إلى عُمرَ، فكتَبَ: إنْ كانَ عَلِمَ أنَّ اللهَ حرَّمَه فحُدُّوه، وإنْ لم يَكنْ يَعلمُ فأَعلِمُوه، فإنْ عادَ فحُدُّوهُ». قالَ أبو جَعفرٍ الطَّحاويُّ ﵀: فلم يُوجِبِ الحدَّ على الجاهلِ بالتحريمِ، ولا يُعلَمُ عن أحدٍ مِنْ الصحابةِ خلافُه، وقالَ تعالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥]، فأخبَرَ أنه لا يُعذِّبُ أحَدًا فيما طريقُه السَّمعْ إلا بعدَ إقامةِ الحُجَّةِ عليه بتَحريمِها، وأيضًا فإنَّ الحُدودَ عُقوباتٌ على انتهاكِ المَحارمِ، ومَن لم يَعرفِ الحُرمةَ قبلَ وُقوعِه فيها لم يَكنْ مُنتهِكًا لها، فلا حَدَّ عليه (١). وقالَ الإمامُ الماوَرْديُّ ﵀: وأمَّا الشرطُ السادسُ وهو العِلمُ بالتحريمِ: فلِأنَّ العِلمَ به هو المانعُ مِنْ الإقدامِ عليهِ، كالذي لم تَبلُغْه دَعوةُ الإسلامِ لم يَلزمْه أحكامُه، كذلكَ مَنْ لم يَعلمْ تحريمَ الزنا لم تَجْرِ عليه أحكامُه، والذي لا يَعلمُ تَحريمَ الزنا معَ النَّصِّ الظاهِرِ فيه وإجماعِ الخاصَّةِ والعامَّةِ عليه أحَدُ ثلاثةٍ: إمَّا مَجنونٌ أفاقَ بعدَ بلوغِه فزنَا لوَقتِه، أو حَديثُ عَهدٍ بإسلامٍ لم يَعلمْ أحكامَه، أو قادِمٌ مِنْ باديَةٍ لم يَظهرْ فيها تَحريمُه. فإنِ ادَّعَى الزاني أنه جَهِلَ تحريمَ الزنا نُظرَ؛ فإنْ كانَ مِنْ أحدِ هؤلاءِ الثلاثةِ كانَ قولُه مَقبولًا، ولا يَلزمُه إحلافُه إلَّا استِظهارًا؛ لأنه الظاهِرُ مِنْ حالِه، وإنْ لم يَكنْ منهُم لم يُقبَلْ قولُه؛ لأنَّ الظاهِرَ خِلافُه (٢).

стр. 13442

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا حَدَّ على مَنْ لم يَعلمْ تَحريمَ الزِّنا. قالَ عُمرُ وعُثمانُ وعليٌّ: «لا حَدَّ إلا على مَنْ عَلِمَه»، وبهذا قالَ عامَّةُ أهلِ العِلمِ، فإنِ ادَّعَى الزاني الجَهلَ بالتَّحريمِ وكانَ يَحتملُ أنْ يَجهلَه كحَديثِ العَهدِ بالإسلامِ والناشِئِ بباديَةٍ قُبِلَ منه؛ لأنه يَجوزُ أنْ يَكونَ صادِقًا، وإنْ كانَ ممَّن لا يَخفَى عليه ذلك كالمُسلمِ الناشئِ بينَ المُسلمينَ وأهلِ العِلمِ لم يُقبَلْ؛ لأنَّ تَحريمَ الزِّنا لا يَخفَى على مَنْ هو كذلكَ، فقدْ عُلِمَ كَذبُه، وإنِ ادَّعَى الجَهلَ بفَسادِ نكاحٍ باطِلٍ قُبِلَ قولُه؛ لأنَّ عُمرَ قَبِلَ قولَ المُدَّعي الجهلَ بتَحريمِ النكاحِ في العدَّةِ، ولأنَّ مِثلَ هذا يُجهلُ كثيرًا ويَخفى على غيرِ أهلِ العلمِ (١). الشَّرطُ الرابعُ: عَدمُ الإكراهِ على الزِّنا: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المرأةَ إذا أُكرِهتْ على الزنا أنه لا حَدَّ عليها؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «إنَّ اللهَ وضَعَ عن أمَّتِي الخطَأَ والنِّسيانَ وما استُكرِهوا عليهِ» (٢). ولمَا روَى وائِلُ بنُ حُجرٍ ﵁ قالَ: «استُكرِهَتِ امرأةٌ على عَهدِ رسولِ اللهِ ﷺ فدَرَأَ عنها رسولُ اللهِ ﷺ الحَدَّ وأقامَهُ على الذي أصابَها» (٣).

стр. 13443

قالَ الإمامُ التِّرمذيُّ ﵀: والعَملُ على هذا عندَ أهلِ العِلمِ مِنْ أصحابِ النبيِّ ﷺ وغيرِهم أنْ ليسَ على المُستكرَهةِ حَدٌّ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: والعُلماءُ مُتفِقونَ على أنه لا حَدَّ على امرأةٍ مُستكرَهةٍ، واختَلفُوا هل لها صَداقٌ؟ فقالَ عَطاءٌ والزُّهريُّ: لها الصَّداقُ، وهو قولُ مالكٍ والشافِعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ وأبي ثَورٍ، وقالَ الشعبيُّ: إذا أُقيمَ الحَدُّ على الذي زنَى بها بطَلَ الصَّداقُ، وهو قولُ الكُوفيِّينَ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وقد أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ على المُستكرِهِ المُغتصِبِ الحدُّ إنْ شَهدَتِ البينةُ عليه بما يُوجِبُ الحَدَّ أو أقَرَّ بذلكَ، فإنْ لم يَكنْ فعَليهِ العُقوبةُ، ولا عُقوبةَ عليها إذا صَحَّ أنه استَكرَهَها وغلَبَها على نفسِها، وذلكَ يُعلَمُ بصُراخِها واستِغاثتِها وصِياحِها وإنْ كانَتْ بِكرًا فيما يَظهرُ مِنْ دَمِها ونحوِها ممَّا يُفصِحُ به أمرُها، فإنْ لم يَكنْ شَيءٌ مِنْ ذلكَ وظهَرَ بها حَملٌ وقالَتْ: «استُكرِهتُ» فقدِ اختَلفَ العلماءُ في ذلكَ … ولا نَعلمُ خِلافًا بينَ العلماءِ أنَّ المُستكرَهةَ لا حَدَّ عليها إذا صَحَّ استِكراهُها بما ذكَرْنا وشَبهِه … وعن أبي بَكرٍ وعُمرَ والخُلفاءِ وفُقهاءِ الحِجازِ والعراقِ مثلُ ذلكَ. واختَلفَ الفُقهاءُ في وُجوبِ الصَّداقِ على المُغتصِبِ: فقالَ مالكٌ واللَّيثُ والشافِعيُّ: عليهِ الصَّداقُ والحدُّ جَميعًا.

стр. 13444

وقالَ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ ومُحمدٌ وسُفيانُ الثوريُّ: عليهِ الحَدُّ ولا مهْرَ عليهِ، وهو قولُ ابنِ شُبرمةَ، لا يَجتمعُ عندَهم صَداقٌ وحَدٌّ. قالَ أبو عُمرَ: هذا على مَذاهبِهم في السَّارقِ؛ أنه إذا قُطِعَ لم يَجبْ عليه غُرمٌ، ومَسألةُ السارقِ مُختلَفٌ فيها أيضًا (١). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: ولا خِلافَ بينَ أهلِ الإسلامِ أنَّ المُستكرَهةَ لا حدَّ عليها، وإنما اختَلفُوا في وُجوبِ الصَّداقِ لها. وسَببُ الخِلافِ: هل الصَّداقُ عِوضٌ عن البُضعِ؟ أو هو نِحلةٌ؟ فمَن قالَ: «عِوضٌ عن البُضعِ» أوجَبَه في البُضعِ في الحِلِّيةِ والحُرميَّةِ، ومَن قالَ: «إنه نِحلةٌ خَصَّ اللهُ به الأزواجَ» لم يُوجِبْه (٢). وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: والعُلماءُ مُتفِقونَ على أنه لا حدَّ على امرأةٍ مُستكرَهةٍ (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا حَدَّ على مُكرَهةٍ في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، رُويَ ذلكَ عن عُمرَ والزُّهريِّ وقَتادةَ والثوريِّ والشافِعيِّ وأصحابِ الرأيِ، ولا نَعلمُ فيه مُخالِفًا؛ وذلكَ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ : «عُفيَ لأمَّتِي عن الخَطأِ والنِّسيانِ وما استُكرِهوا عليهِ».

стр. 13445

وعن عبدِ الجبَّارِ بنِ وائلٍ عن أبيهِ «أنَّ امرأةً استُكرِهتْ على عَهدِ رسولِ اللهِ ﷺ فدرَأَ عنها الحَدَّ» رواهُ الأثرمُ، قالَ: «وأُتِيَ عُمرُ بإماءٍ مِنْ إماءٍ الإمارةِ استَكرهَهُنَّ غِلمانٌ مِنْ غِلمانِ الإمارةِ، فضرَبَ الغِلمانَ ولم يَضربِ الإماءَ». وروَى سعيدٌ بإسنادِه عن طارقِ بنِ شِهابٍ قالَ: «أُتِيَ عُمرُ بامرأةٍ قد زنَتْ فقالَتْ: إني كُنْتُ نائِمةً فلمْ أستيقِظْ إلا برَجلٍ قد جَثَمَ عليَّ، فخلَّى سَبيلَها ولم يَضربْها». ولأنَّ هذا شُبهةٌ، والحُدودُ تُدرَأُ بالشُّبهاتِ، ولا فرْقَ بينَ الإكراهِ بالإلجاءِ -وهو أنْ يَغلبَها على نفسِها- وبينَ الإكراهِ بالتَّهديدِ بالقَتلِ ونحوِه، نَصَّ عليه أحمَدُ في راعٍ جاءَتْه امرأةٌ عَطشَتْ فسألَتْه أنْ يَسقيَها فقالَ لها: أَمكِنيني مِنْ نَفسِكِ، قالَ: هذه مُضطرَّةٌ. وقد رُويَ عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁ أنَّ امرأةً استَسقَتْ راعِيًا فأبى أنْ يَسقيَها إلَّا أنْ تُمكِّنَه مِنْ نفسِها ففعَلَتْ، فرُفعَ ذلكَ إلى عُمرَ فقالَ لعَليٍّ: ما ترَى فيها؟ قالَ: إنها مُضطرةٌ، فأعطاها عمرُ شَيئًا وترَكَها (١). الرَّجلُ إذا أُكرِهَ على الزنا: اختَلفَ الفُقهاءُ في الرَّجلِ إذا أُكرِهَ على الزِّنا، هل يُقامُ عليهِ الحَدُّ أم لا؟ على أَقوالٍ.

стр. 13446

فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ﵀ إلى أنه إنْ أكرَهَه غيرُ سُلطانٍ حُدَّ، وإنْ أكرَهَه سُلطانٌ لم يُحَدَّ، وإنْ كانَ القياسُ عندَ أبي حَنيفةَ أنْ يُحَدَّ سواءٌ أكرَهَه سُلطانٌ أو غيرُه، ولكنَّه ترَكَ القِياسَ في إكراهِ السُّلطانِ؛ لأنَّ الإكراهَ لا يُتصوَّرُ في الزنا؛ لأنَّ الوطءَ لا يُمكِنُ إلا بالانتِشارِ، وهو لا يَكونُ مع الخَوفِ، وإنما يَكونُ مع اللَّذةِ وسُكونِ النَّفسِ والاختِيارِ له، فكأنهُ زنَى باختِيارِه، وليسَ كذلكَ المرأةُ إذا أُكرِهتْ على الزنا، فإنها لا تُحَدُّ؛ لأنه ليسَ منها إلا التَّمكينُ، وذلكَ يَحصلُ مع الإكراهِ. ويَحتملُ قولُه في إكراهِ السُّلطانِ مَعنيَينِ: أحَدُهما: أنْ يُريدَ بهِ الخَليفةَ، فإنْ كانَ قد أرادَ هذا فإنما أسقَطَ الحَدَّ لأنه قد فسَقَ وانعَزلَ عن الخِلافةِ بإكراهِه إياهُ على الزنا، فلمْ يبْقَ هناكَ مَنْ يُقيمُ الحَدَّ عليهِ، والحَدُّ إنما يُقِيمُه السُّلطانُ، فإذا لم يَكنْ هُناكَ سُلطانٌ لم يُقَمِ الحدُّ، كمَن زنَى في دارِ الحَربِ. ويَحتملُ أنْ يُريدَ به مَنْ دونَ الخَليفةِ، فإنْ كانَ أرادَ ذلكَ فوجْهُه أنَّ السُّلطانَ مأمورٌ بالتوصُّلِ إلى دَرءِ الحدِّ، فإذا أكرَهَه على الزنا فإنما أرادَ التوصُّلَ إلى إيجابِه، فلا تَجوزُ له إقامَتُه إذًا؛ لأنه بإكراهِهِ أرادَ التوصُّلَ إلى إيجابِه، فلا يَجوزُ له ذلكَ ويَسقطُ الحَدُّ. وأمَّا إذا أكرَهَه غيرُ سُلطانٍ فإنَّ الحَدَّ واجبٌ؛ وذلكَ لأنه مَعلومٌ أنَّ الإكراهَ يُنافي الرِّضا، وما وقَعَ عن طَوعٍ ورِضًا فغيرُ مُكرَهٍ عليهِ، فلمَّا كانَتِ الحالُ شاهِدةً بوُجوبِ الرِّضا منه بالفعلِ دَلَّ ذلكَ على أنه لم يَفعلْه مُكرَهًا،

стр. 13447

ودَلالةُ الحالِ على ما وصَفْنا أنه مَعلومٌ أنَّ حالَ الإكراهِ هي حالُ خَوفٍ وتَلفِ النفسِ، والانتِشارُ والشَّهوةُ يُنافيهِما الخوفُ والوجَلُ، فلمَّا وُجدَ منه الانتِشارُ والشَّهوةُ في هذهِ الحالِ عُلِمَ أنه فعَلَه غيرَ مُكرَهٍ؛ لأنه لو كانَ مُكرَهًا خائفًا لَمَا كانَ منه انتِشارٌ ولا غلَبَتْه الشهوةُ، وفي ذلكَ دَليلٌ على أنَّ فِعلَه ذلكَ لم يَقعْ على وَجهِ الإكراهِ، فوجَبَ الحَدُّ. قالَ أبو بكرٍ الجصَّاصُ ﵀: فإنْ قيلَ: إنَّ وُجودَ الانتشارِ لا يُنافِي ترْكَ الفعلِ، فعَلِمْنا حينَ فعَلَ مع ظُهورِ الإكراهِ أنه فعَلَه مُكرَهًا كشُربِ الخَمرِ والقَذفِ ونحوِه. قيلَ له: هذا لعَمْرِي هكذا، ولكنَّه لمَّا كانَ في العادةِ أنَّ الخوفَ على النَّفسِ يُنافِي الانتشارَ دَلَّ ذلكَ على أنه فعَلَه طائِعًا، أَلَا ترَى أنَّ مَنْ أُكرِهَ على الكُفرِ فأقَرَّ أنه فعَلَه طائِعًا كانَ كافرًا مع وُجودِ الإكراهِ في الظاهِرِ، كذلكَ الحالُ الشاهِدةُ بالتطوُّعِ هي بمَنزلةِ الإقرارِ منهُ بذلكَ، فيُحَدُّ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ والصاحِبانِ مِنْ الحَنفيةِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ -والفَتوَى على قولِهما- والمالِكيةُ في قَولٍ عليهِ أكثَرُ المُحقِّقينَ في المَذهبِ كاللَّخميِّ وابنِ رُشدٍ وابنِ العرَبيِّ والحَنابلةُ في رِوايةٍ صحَّحَها ابنُ قُدامةَ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا أُكرِهَ على الزِّنا لا حَدَّ عليه كالمَرأةِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «ادرَؤُوا الحُدودُ بالشُّبهاتِ» (٢)، والإكراهُ مِنْ أعظَمِ الشُّبهاتِ،

стр. 13448

ولأنه إكراهٌ على الزِّنا، فوجَبَ أنْ يَسقطَ به الحَدُّ كإكراهِ المَرأةِ، ولأنَّ كلَّ ما سقَطَ فيهِ الحَدُّ أو أُكرِهتْ عليه المَرأةُ سقَطَ فيه الحَدُّ إذا أُكرِهَ عليه الرَّجلُ كالسَّرقةِ وشُربِ الخَمرِ. فأمَّا الجَوابُ عن الاستِدلالِ بحُدوثِ الانتشارِ عن الشَّهوةِ فهو أنَّ الشَّهوةَ مَركُوزةٌ في الطِّباعِ لا يُمكِنُ دفعُها، وإنما يُمكِنُ دفعُ النفسِ عن الانقيادِ لها لدِينٍ أو تَقيَّةٍ، فصارَ الإكراهُ على الفعلِ لا على الشَّهوةِ، والحَدُّ إنما يَجبُ في الفِعلِ دونَ الشهوةِ (١). قالَ الحدَّاديُّ ﵀: قولُه: (وإنْ أكرَهَه على الزِّنا وجَبَ عليهِ الحدُّ عندَ أبي حَنيفةَ، إلا أنْ يُكرِهَه السلطانُ)؛ لأنَّ الإكراهَ لا يُتصوَّرُ في الزنا؛ لأنَّ الوطءَ لا يُمكِنُ إلا بالانتِشارِ، وهو لا يَكونُ مع الخوفِ، وإنما يَكونُ مع اللَّذةِ وسُكونِ النَّفسِ والاختيارِ له، فكأنهُ زنَى باختِيارِه، وليسَ كذلكَ المرأةُ إذا أُكرهَتْ على الزنا، فإنها لا تُحَدُّ؛ لأنه ليسَ منها إلا التَّمكينُ، وذلكَ يَحصلُ مع الإكراهِ، وأمَّا إذا أكرَهَه السُّلطانُ ففيهِ روايتانِ:

стр. 13449

إحداهُما: يَجبُ به الحدُّ، وبه قالَ زُفرُ، والوجهُ فيه ما ذكَرْنا. والثانيةُ: لا حَدَّ عليه ويُعزَّرُ ويَجبُ عليه المَهرُ؛ لأنَّ السُّلطانَ لا يُمكِنُ مُغالَبتُه ولا التظلُّمُ منه إلى غيرِه، وفي البَزْدَويِّ الكَبير: إذا أكرَهَه السُّلطانُ على الزِّنا لا يسَعُه الإقدامُ عليهِ؛ لأنَّ فيه فَسادَ الفِراشِ وضَياعَ النَّسلِ، وذلكَ بمَنزلةِ القتلِ. قولُه: (وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: لا يَلزمُه الحَدُّ) ويُعزَّرُ، سواءٌ أكرَهَه السُّلطانُ أو غيرُه؛ لأنَّ الانتِشارَ مِنْ طَبعِ الإنسانِ، فيَحصلُ بغيرِ اختيارِه، ثم يُكرَهُ على المُواقَعةِ، فيَصحُّ الإكراهُ ويَسقطُ الحَدُّ ويَجبُ المَهرُ؛ لأنَّ الوطءَ في مِلكِ الغيرِ لا يَخلُو مِنْ حدٍّ أو مهرٍ، فإذا سقَطَ الحدُّ وجَبَ المَهرُ، ولا يَرجعُ به على الذي أكرَهَه، وإنْ أُكرِهَ عليه بحَبسٍ أو قَيدٍ أو ضَربٍ لا يَخافُ منه تلَفًا فليسَ له أنْ يَفعلَ، فإنْ فعَلَ فعَليه الحدُّ؛ لأنَّ الحبسَ والقيدَ إكراهٌ في الأموالِ والعُقودِ، فأما المَحظوراتُ فلا إكراهَ فيها إلا بما يَخافُ منه تلَفَ نَفسٍ أو عُضوٍ (١). وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ عليه الحدَّ؛ لأنَّ الوطءَ لا يكونُ إلا بالانتِشارِ، والإكراهُ يُنافيهِ، فإذا وُجدَ الانتشارُ انتَفى الإكراهُ، فيَلزمُه الحدُّ كما لو أُكرِهَ على غيرِ الزِّنا فزَنَى (٢).

стр. 13450

قالَ المالِكيةُ: الرَّجلُ المُكرَهُ على الجِماعِ هل يُحَدُّ أو لا؟ مَذهبُ المُحقِّقينَ كابنِ رُشدٍ واللَّخميِّ وابنِ العرَبيِّ: لا حَدَّ عليهِ ولا يُؤدَّبُ؛ لعُذرِه بالإكراهِ. والأكثَرُ على خِلافِ هذا، قالُوا: عليهِ الحدُّ، وعليهِ أكثَرُ أهلِ المَذهبِ، قالَ الخِرَشيُّ ﵀: وهو المَذهبُ (١). وقالَ الدِّرديرُ ﵀: والأكثَرُ على خِلافِه، وأنه يُحَدُّ، وهو المَشهورُ. قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: قولُه: (والأكثَرُ على خِلافِه، وأنه يُحَدُّ) أي: مُطلَقًا، سواءٌ انتَشرَ أم لا، كما في ابنِ عرَفةَ و «الشامِل»، وظاهِرُه أنه يُحَدُّ على قولِ الأكثَرِ ولو كانَتْ هي المُكرِهةَ له على الزِّنا بها، وهو كَذلكَ، إلَّا أنه لا صَداقَ لها عليهِ إذا كانَتْ هي المُكرِهةَ له، وإنْ أكرَهَه غيرُها غَرمَ لها الصَّداقَ ورجَعَ به على مُكرِهِه. ومَحلُّ الخِلافِ إذا أكرَهَه على الزِّنا بها وكانَتْ طائِعةً ولا زوْجَ لها ولا سيِّدَ، وإلا حُدَّ اتفاقًا؛ نظَرًا لحَقِّ الزَّوجِ والسيِّدِ وإلى أنها مِسكينةٌ لا يَجوزُ أنْ يقدمَ عليها ولو بسَفكِ دَمِه.

стр. 13451

قولُه: (وهو المَشهورُ) أي: لكنِ الذي به الفَتوَى ما قالَه اللَّخميُّ، وهو الأظهَرُ في النَّظرِ. اه شَيخُنا عَدويٌّ (١). الشَّرطُ الخامِسُ: أنْ يكونَ الوطءُ في القُبُلِ (حُكمُ الوَطءِ في الدُّبرِ): اختَلفَ الفُقهاءُ في الرَّجلِ إذا أتَى امرأةً في دُبرِها، هل يُقامُ عليهِ الحَدُّ أم لا؟ فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ﵀ إلى أنه لا حَدَّ على مَنْ أتَى امرأةً في دُبرِها، وإنما عليهِ التَّعزيرُ ويُودَعُ في السِّجنِ؛ لأنه أتَى مُنكَرًا؛ لأنَّ هذا الفِعلَ ليسَ بزنًا لُغةً، ألَا ترَى أنه يُنفَى عنه هذا الاسمُ بإثباتِ غيرِه، فيُقالُ: «لَاطَ وما زَنَى»، وكذلكَ أهلُ اللُّغةِ فصَلُوا بينَهُما، قالَ القائلُ: مِنْ كَفِّ ذاتِ حِرٍ في زِيِّ ذِي ذكَرٍ لها مُحِبَّانِ لُوطِيٌّ وزنَّاءُ فقدْ غايَرَ بينَهُما في الاسمِ، ولا بُدَّ مِنْ اعتبارِ اسمِ الفِعلِ المُوجِبِ للحدِّ، ولهذا لا يَجبُ القَطعُ على المُختلِسِ والمُنتهِبِ، والذي ورَدَ في الحَديثِ: «إذا أتَى الرَّجلُ الرَّجلَ فهُمَا زانِيانِ» مَجازٌ لا تَثبتُ حَقيقةُ اللُّغةِ به، والمُرادُ في حَقِّ الإثمِ، ألَا تَرَى أنه قالَ: «وإذا أتَتِ المَرأةُ المرأةَ فهُمَا زانِيَتانِ» (٢)، والمُرادُ في حقِّ الإثمِ دونَ الحدِّ، كما أنَّ اللهَ تعالى سَمَّى هذا الفعلِ فاحِشةً فقدْ سمَّى كلَّ كَبيرةٍ فاحِشةً، فقالَ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا

стр. 13452

ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١]، ثمَّ هذا الفِعلُ دُونَ الفعلِ في القُبلِ في المَعنى الذي لأجْلِه وجَبَ حَدُّ الزِّنى مِنْ وجهَينِ: أحَدُهما: أنَّ الحدَّ مَشروعٌ زَجرًا، وطبعُ كلِّ واحدٍ مِنْ الفاعلَينِ يَدعُو إلى الفعلِ في القُبلِ، وإذا آلَ الأمرُ إلى الدُّبرِ كانَ المَفعولُ بهِ مُمتنِعًا مِنْ ذلكَ بطَبعِه، فيَتمكَّنُ النُّقصانُ في دعاءِ الطَّبعِ إليه. والثَّاني: أنَّ حدَّ الزِّنى مَشروعٌ صِيانةً للفِراشِ، فإنَّ الفِعلَ في القُبلِ مُفسِدٌ للفراشِ، ويَتخلَّقُ الولَدُ مِنْ ذلكَ الماءِ لا والِدَ له ليُؤدِّبَه، فيَصيرُ ذلكَ جُرمًا يَفسدُ بسَببِه عالَمٌ، وإليهِ أشارَ ﷺ في قولِه: «وولَدُ الزِّنى شَرُّ الثَّلاثةِ» (١)، وإذا آلَ الأمرُ إلى الدُّبرِ يَنعدمُ معنَى فَسادِ الفِراشِ، ولا يَجوزُ أنْ يُجبَرَ هذا النُّقصانُ بزِيادةِ الحُرمةِ مِنْ الوَجهِ الذي قالَا؛ لأنَّ ذلكَ يكونُ مُقايَسةً، ولا مَدخلَ لها في الحُدودِ (٢). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الصاحِبانِ مِنْ الحَنفيةِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ إلى أنَّ مَنْ وَطئَ امرأةً أجنَبيةً في دُبرِها أنه كالزِّنا وعَليهِما الحدُّ جَميعًا، فإنْ كانَا مُحصَنينِ فعَليهِما الرَّجمُ، وإنْ لم يَكونَا مُحصَنينِ فعَليهِما جَلدُ مِائةٍ، وإنْ كانَ أحَدُهما مُحصَنًا رُجِمَ والآخَرُ غيرُ مُحصَنٍ جُلِدَ.

стр. 13453

لأنَّ هذا الفِعلَ زنًا، فيَتعلَّقُ به حَدُّ الزنى بالنصِّ، فأمَّا مِنْ حَيثُ الاسمِ فلِأنَّ الزِّنى فاحِشةٌ، وهذا الفعلُ فاحِشةٌ بالنصِّ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف: ٨٠]، ومِن حَيثُ المعنَى أنَّ الزِّنى فعلٌ مَعنويٌّ له غَرضٌ وهو إيلاجُ الفَرجِ في الفَرجِ على وَجهٍ مَحظورٍ لا شُبهةَ فيهِ لقَصدِ سَفحِ الماءِ، وقد وُجدَ ذلكَ كلُّه، فإنَّ القُبلَ والدُّبرَ كلُّ واحدٍ منهُما فَرجٌ يَجبُ سَتْرُه شَرعًا، وكلُّ واحدٍ منهُما مُشتهًى طَبعًا، حتَّى إنَّ مَنْ لا يَعرفُ الشَّرعَ لا يَفصِلُ بينَهُما، والمَحلُّ إنَّما يَصيرُ مُشتهًى طبعًا لمعنَى الحَرارةِ واللِّينِ، وذلكَ لا يَختلفُ بالقُبلِ والدُّبرِ، ولهذا وجَبَ الاغتِسالُ بنَفسِ الإيلاجِ في المَوضعَينِ، ولا شُبهةَ في تَمحُّضِ الحُرمةِ هُنا؛ لأنَّ المَحلَّ باعتبارِ المِلكِ، ويُتصوَّرُ هذا الفِعلُ مَملوكًا في القُبلِ، ولا يُتصوَّرُ في الدُّبرِ، فكانَ تَمحُّضُ الحُرمةِ هُنا أبيَنَ ومعنَى سَفحِ الماءِ هنا أبلَغَ منهُ في القُبلِ؛ لأنَّ هناكَ المَحلُّ مُنبِتٌ، فيُتوهَّمُ أنْ يكونَ الفِعلُ حَرثًا وإنْ لم يَقصدِ الزَّاني ذلكَ، ولا تَوهُّمَ هُنا، فكانَ تَضييعُ الماءِ هُنا أبيَنَ، وليسَ هذا الكلامُ على سَبيلِ القياسِ؛ فالحَدُّ بالقياسِ لا يَثبتُ، ولكنْ هذا إيجابُ الحَدِّ بالنصِّ، وما كانَ اختِلافُ اسمِ المَحلِّ إلا كاختلافِ اسمِ الفاعلِ؛ فإنَّ النصَّ ورَدَ بالحدِّ في حَقِّ ماعِزٍ ﵁، فإيجابُ الحَدِّ على الغيرِ بذلكَ الفعلِ لا يكونُ قِياسًا، فكذلكَ هُنا ورَدَ النصُّ بإيجابِ الحدِّ على مَنْ باشَرَ هذا الفِعلَ في مَحلٍّ هو قُبلٌ، فإيجابُه على المُباشِرِ في مَحلٍّ هو دُبرٌ بعدَ ثُبوتِ المُساواةِ في جَميعِ المَعاني لا يَكونُ قِياسًا (١).

стр. 13454

وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ وابنُ القصَّارِ مِنْ المالِكيةِ إلى أنه يُقتَلُ، سواءٌ كانَ مُحصَنًا أو غيرَ مُحصَنٍ، كمَن لاطَ بذَكرٍ. وتكونُ عُقوبةُ المَرأةِ الجَلدُ والتَّغريبُ عندَ الشافِعيةِ على هذا القَولِ، وعندَ ابنِ القصَّارِ يُرجَمانِ (١). حكمُ اللِّواطُ بينَ الذَّكرَ والذكَرِ (مَنْ أتَى فِعلَ قومِ سيِّدنَا لُوطٍ ﵇ -: اللِّواطُ في الشَّرعِ: وهو: إتيانُ الذُّكورِ في أدْبارِهِم، أو إتيانُ الذَّكرِ الذَّكرَ بإيلاجِ الحَشفةِ أو قَدرِها في دُبرِه (٢). أجمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ اللِّواطَ الذي هو إتيانُ الذكَرِ الذَّكرَ بتَغييبِ حَشفتِه في دُبرِه حَرامٌ، وهو مِنْ الكَبائرِ؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١)﴾ [النمل: ٥٤]، فسمَّاهُ

стр. 13455

فاحِشةً، وقد قالَ اللهُ تعالَى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، ولأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾ [الشعراء: ١٦٥، ١٦٦]، فوبَّخَهم اللهُ تعالَى على ذلكَ وسمَّاهُم بذلكَ عادِينَ، ولأنَّ اللهَ تعالَى عاقَبَ على هذا الفعلِ في الدُّنيا بِما لم يُعاقِبْ على ذَنبٍ؛ قالَ اللهُ تعالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ الآية [هود: ٨٢]. وروَى حُذيفةُ ﵁: «أنَّ جِبريلَ ﵊ احتَمَلَ أرْضَهُم فرفَعَها حتَّى سَمِعَ أهلُ سَماءِ الدُّنيا صوتَ كِلابِهم، وأوقَدَ تحتَهُم نارًا وقَلبَهُم عَليها». وروَى مُعاويةُ بنُ قرةَ: «أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ لجِبريلَ: ما أحسَنَ ما أثنَى عليكَ ربُّكَ بقولِه: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾ [التكوير: ٢٠ - ٢١]، فمَا قوَّتُكَ وما أمانتُكَ؟ فقالَ جِبريلُ ﵇: أمَّا أمانَتي: فمَا أُمرْتُ بشَيءٍ قَطُّ عَدَوتُ به إلى غيرِه، وأما قوَّتِي: فهو أنِّي قلَعْتُ مَدائنَ قومِ لُوطٍ مِنْ الأرضِ السُّفلَى، وكانَتْ أربَعَ مَدائنَ، في كُلِّ مَدينةٍ أربعُمائةِ ألفِ مُقاتِلٍ سِوَى الذَّرارِي، فهَوَيتُ بها في الهَواءِ حتَّى سَمِعَ أهلُ السَّماءِ الدُّنيا صِياحَ الدَّجاجِ ونُباحَ الكِلابِ، ثمَّ ألقَيْتُها». وروَى ابنُ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «لعَنَ اللهُ مَنْ عَمِلَ عمَلَ قومِ لُوطٍ، لعَنَ اللهُ مَنْ عَمِلَ عمَلَ قومِ لُوطٍ، لعَنَ اللهُ مَنْ عَمِلَ عمَلَ قومِ لُوطٍ، قالَها ثلاثًا» (١).

стр. 13456

وقد نقَلَ عددٌ كبيرٌ مِنْ العُلماءِ الإجماعَ على تَحريمِه. قالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقُوا أنَّ وطْءَ الرَّجلِ الرَّجلَ جُرمٌ عَظيمٌ (١). وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: اتَّفقُوا على أنَّ اللِّواطَ حرامٌ، وأنه مِنْ الفَواحِشِ (٢). وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: وأجمَعَ المُسلمونَ على تَحريمِه (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على تحريمِ اللِّواطِ (٤). وقالَ الإمامُ الذَّهبيُّ ﵀: أجمَعَ المُسلمونَ على أنَّ التلوُّطَ مِنْ الكبائرِ التي حرَّمَ اللهُ تعالَى (٥). عُقوبةُ مَنْ أتَى اللِّواطَ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ أتَى فِعلَ قومِ سيِّدِنا لُوطٍ ﵇، هل يُقامُ عليهِ الحدُّ أم لا؟ وإذا أُقيمَ عليه الحَدُّ أيُّ حَدٍّ: هل القَتلُ مُطلَقًا سَواءٌ كانَ بكرًا أم ثَيبًا؟ أم يُقتَلُ الفاعِلُ الثيِّبُ ويُجلَدُ البكرُ؟ وما هي صِفةُ القتلِ: هل الرَّميُ بالحِجارةِ؟ أم الرَّميُ مِنْ شاهِقٍ؟ أم التَّحريقُ بالنارِ؟

стр. 13457

فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ﵀ إلى أنَّ مَنْ أتى عمَلَ عَملِ قَومِ لُوطٍ ﵇ فلا حَدَّ عليهِ، ويُعزَّرُ ويُودَعُ في السِّجنِ، وليسَ بزنًا؛ لاختلافِ الصَّحابةِ ﵃ في مُوجَبِه مِنْ الإحراقِ بالنَّارِ -كما رُويَ ذلكَ عن خالدِ بنِ الوليدِ ﵁ أنه فعَلَ ذلكَ بأمرٍ مِنْ أبي بَكرٍ الصِّديقِ ﵁ وهَدمِ الجِدارِ والتَّنكيسِ مِنْ مَكانٍ مُرتفِعٍ باتِّباعِ الحِجارةِ وغيرِ ذلكَ، ولا هو في مَعنى الزنا؛ لأنه ليسَ فيه إضاعةُ الولَدِ واشتِباهُ الأنسابِ، إلا أنه يُعزَّرُ ويُسجَنُ؛ لأنه أمرٌ مُنكَرٌ ليسَ فيه شيءٌ مُقدَّرٌ (١). وذهَبَ الصاحِبانِ مِنْ الحَنفيةِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ مَنْ أتَى فِعلَ قَومِ لوطٍ ﵇ فإنَّ حُكمَه حُكمُ الزِّنا في الفَرجِ، وعليهِما الحدُّ جَميعًا، فإنْ كانَا مُحصَنينِ فعَليهِما الرَّجمُ، وإنْ لم يكونَا مُحصَنينِ فعَليهِما جَلدُ مائةٍ والتَّغريبُ، وإنْ كانَ أحَدُهما مُحصنًا رُجِمَ والآخرُ غَيرُ مُحصنٍ جُلِدَ وغُرِّبَ؛ لِمَا رُويَ مَرفوعًا: «إذا أتَى الرَّجلُ الرَّجلَ فهُمَا زانِيانِ» (٢)، فسمَّاهُ النبيُّ ﷺ زنًى، وقد تكرَّرَ حدُّ الزِّنى في البِكرِ والثيِّبِ، ولأنه فرْجٌ يجبُ في الإيلاجِ فيه الحدُّ، ففُرِّقَ فيه بينَ البكرِ والثيِّبِ كفرْجِ المرأةِ، فإذا ثبَتَ كونُه زنًا دخَلَ في عُمومِ الآيةِ والأخبارِ فيه، ولأنه فاحشةٌ، فكانَ زنًا كالفاحشةِ بينَ الرَّجلِ والمرأةِ.

стр. 13458

وما رُويَ عنِ الصَّحابةِ ﵃ مَحمولٌ على أنهم فعَلُوا ذلكَ في الثيِّبِ (١). وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنهما يُقتَلانِ بكلِّ حالٍ، بِكرًا كانَ أو ثيِّبًا، ولا يُعتبَرُ فيه الإحصانُ، فإنْ كانَا بالغَينِ رُجِمَا معًا، وإنْ كانَا غيرَ بالغَينِ فلا رجْمَ عليهِما، وإنْ كانَ الفاعِلُ بالغًا والمَفعولُ به غيرَ بالغٍ فلْيُرجَمِ الفاعلُ، وإنْ كانَ الفاعلُ غيرَ بالغٍ والمَفعولُ به بالغًا فلا يُرجَمُ الفاعِلُ عندَهم جَميعًا، واختُلفَ في المَفعولِ به عِنْدَ المالِكيةِ، فقيلَ يُرجَمُ، وقيلَ: لا يُرجَمُ؛ لأنَّ وطْءَ غيرِ البالغِ كلَا وَطءٍ، ألَا ترَى أنَّ الكبيرةَ إذا وَطئَها صغيرٌ لا تُحدُّ، فكذلكَ. واستَدلُّوا على قَتلِه مُطلقًا بقولِ النبيِّ ﷺ : «مَنْ وَجدْتُموهُ يَعملُ عمَلَ قومِ لوطٍ فاقتُلُوا الفاعلَ والمَفعولَ بهِ» (٢)، ولأنه إجماعُ الصَّحابةِ ﵃؛ فإنهم أجمَعُوا على قتلِه، وإنما اختَلفُوا في صِفتِه.

стр. 13459

ورُويَ: «أنَّ خالدَ بنَ الوليدِ ﵁ وجَدَ رَجلًا في بَعضِ ضَواحِي العربِ يُنكَحُ كما تُنكَحُ المَرأةُ، فكتَبَ بذلكَ إلى أبي بكرٍ ﵁، فذكَرَ أبو بَكرٍ ذلكَ للصَّحابةِ ﵃، فكانَ عليٌّ كرَّمَ اللهُ وجْهَه أشدَّهُم فيه قولًا، فقالَ: هذا ذَنبٌ لم تَعْصِ اللهَ به أمَّةٌ مِنْ الأمَمِ إلا أمَّةٌ واحدةٌ، وقد عَلِمْتُم ما صنَعَ اللهُ بها، وأرَى أنْ يُحرقَ بالنارِ، فكتَبَ أبو بَكرٍ بذلكَ إلى خالِدٍ، فأحرَقَه، فأخَذَ بذلكَ ابنُ الزُّبيرِ في إمارَتِه». ورُويَ عن عليٍّ ﵁: «أنه أحرَقَ لُوطيًّا»، ورُويَ عنه أنه قالَ: «يُرجَمُ». وعنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ رِوايتانِ: إحداهُما: «أنه يُرجَمُ». والثانيةُ: «أنه يُنظَرُ أطوَلُ حائطٍ في تلكَ القَريةِ، فيُرمَى منه مُنكَّسًا، ثم يُتبَعُ بالحِجارةِ». ورُويَ عن أبي بكرٍ ﵁ أنه قالَ: «يُرمَى عليه حائِطٌ». وهذا إجماعٌ مِنْ الصَّحابةِ ﵃ على قَتلِه وإنِ اختَلفُوا فيما يُقتَلُ به. قالَ الإمامُ مالكٌ ﵀: مَنْ فعَلَ ذلك بصَبيٍّ رُجِمَ ولا يُرجَمُ الصبيُّ، وإنْ فعَلَ ذلكَ كبيرٌ بكبيرٍ رُجِمَا جميعًا أحصَنَا أو لم يُحصِنَا، قالَ مالكٌ: ولا يُرجَمُ حتَّى يَشهدَ عليه أربعةٌ أنهم نظَرُوا إليهِ كالمروَدِ في المكحلةِ مِنْ الثيِّبِ والبكرِ ويُرجَمانِ جَميعًا (١).

стр. 13460

إلا أنهُم اختَلفُوا في كَيفيةِ قتلِه؟ فمَذهبُ المالِكيةِ أنهما يُرجَمانِ بالحِجارةِ (١). وعندَ الشافِعيةُ ثلاثةُ أوجُهٍ في كَيفيةِ قتلِه: أحَدُها: يُرجَمُ؛ تَغليظًا عليهِ، كقولِ المالِكيةِ؛ لأنه قَتلٌ يَجبُ بالزِّنى، فكانَ بالرَّجمِ كقتلِ الثيبِ إذا زنَى في الفرجِ. والثاني: يُهدَمُ عليه جِدارٌ أو يُرمَى مِنْ شاهقٍ حتى يَموتَ؛ أخذًا مِنْ عذابِ قومِ لوطٍ ﵇. والثالِثُ، وهو أصَحُّها: يُقتَلُ بالسَّيفِ كالمُرتدِّ؛ لأنَّ إطلاقَ القتلِ في الحَديثِ يَنصرفُ إلى القتلِ بالسَّيفِ كما في قتلِ المُرتدِّ (٢). وقالَ الوزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ البيِّنةَ على اللِّواطُ لا تَثبتُ إلا بأربَعةِ شُهودٍ كالزنا، إلا أبا حَنيفةَ فإنه قالَ: تَثبتُ بشاهدَينِ (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: ولمَّا كانَتْ مَفسدةُ اللِّواطِ مِنْ أعظَمِ المَفاسدِ كانَتْ عُقوبتُه في الدُّنيا والآخِرةِ مِنْ أعظَمِ العُقوباتِ. وقد اختَلفَ الناسُ هل هو أغلَظُ عُقوبةً من الزِّنى؟ أو الزنى أغلَظُ عُقوبةً منه؟ أو عُقوبتُهما سواءٌ؟ على ثَلاثةِ أقوالٍ:

стр. 13461

فذهَبَ أبو بَكرٍ الصِّديقُ وعليُّ بنُ أبي طالِبٍ وخالدُ بنُ الوليدِ وعبدُ اللهِ بنُ الزُّبيرِ وعبدُ اللهِ بنُ عباسٍ وجابرُ بنُ زيدٍ وعُبيدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ مَعمرٍ والزُّهريُّ ورَبيعةُ بنُ أبي عبدِ الرَّحمنِ ومالكٌ وإسحاقُ بنُ راهَويهِ والإمامُ أحمَدُ في أصَحِّ الروايتَينِ عنه والشافعيُّ في أحَدِ قولَيهِ إلى أنَّ عُقوبتَه أغلَظُ مِنْ عُقوبةِ الزِّنا، وعُقوبتُه القتلُ على كلِّ حالٍ مُحصَنًا كانَ أو غيرَ مُحصنٍ. وذهَبَ عطاءُ بنُ أبي رَباحٍ والحَسنُ البَصريُّ وسَعيدُ بنُ المُسيِّبِ وإبراهيمُ النخَعيُّ وقَتادةُ والأوزاعيُّ والشافعيُّ في ظاهِرِ مَذهبِه والإمامُ أحمَدُ في الرِّوايةِ الثانيةِ عنه وأبو يُوسفَ ومُحمدٌ إلى أنَّ عُقوبتَه وعُقوبةَ الزاني سَواءٌ. وذهَبَ الحَكمُ وأبو حَنيفةَ إلى أنَّ عُقوبتَه دونَ عُقوبةِ الزِّاني، وهي التَّعزيرُ. قالوا: لأنه مَعصيةٌ مِنْ المَعاصي لم يُقدِّرِ اللهُ ولا رَسولُه فيه حَدًّا مُقدَّرًا، فكانَ فيه التَّعزيرُ كأكلِ المَيتةِ والدمِ ولَحمِ الخِنزيرِ. قالوا: ولأنه وَطءٌ في مَحلٍّ لا تَشتهيهِ الطِّباعُ، بل ركَّبَها اللهُ تعالى على النَّفرةِ منه حتى الحَيوانُ البَهيمُ، فلم يَكنْ فيه حَدٌّ كوَطءِ الحِمارِ وغيرِه. قالوا: ولأنه لا يُسمَّى زانِيًا لُغةً ولا شَرعًا ولا عُرفًا، فلا يَدخلُ في النُّصوصِ الدالَّةِ على حَدِّ الزانيَينِ. قالوا: ولأنَّا رَأَينا قَواعدَ الشريعةِ أنَّ المَعصيةَ إذا كانَ الوازعُ عنها طَبعيًّا اكتُفيَ بذلكَ الوازِعِ مِنْ الحَدِّ، وإذا كانَ في الطِّباعِ تَقاضِيها جُعلُ فيها الحَدُّ

стр. 13462

بحَسبِ اقتِضاءِ الطِّباعِ لها، ولهذا جُعلَ الحَدُّ في الزِّنى والسَّرقةِ وشُربِ المُسكِرِ دونَ أكلِ المَيتةِ والدمِ ولَحمِ الخِنزيرِ. قالوا: وطَردُ هذا أنه لا حَدَّ في وَطءِ البَهيمةِ ولا المَيتةِ، وقد جبَلَ اللهُ سُبحانَه الطِّباعَ على النَّفرةِ مِنْ وَطءِ الرجلِ مِثلَه أشَدَّ نَفرةٍ، كما جبَلَها على النَّفرةِ مِنْ استِدعاءِ الرجلِ مَنْ يَطؤُه، بخِلافِ الزِّنى؛ فإنَّ الداعيَ فيه مِنْ الجانبَينِ. قالوا: ولأنَّ أحَدَ النَّوعينِ إذا استَمتعَ بشَكلِه لم يَجبْ عليه الحَدُّ، كما لو تَساحَقَتِ المَرأتانِ واستَمتعَتْ كلُّ واحدةٍ منهُما بالأُخرى. قالَ أصحابُ القَولِ الأولِ -وهُم جُمهورُ الأمَّةِ، وحَكاهُ غيرُ واحِدٍ إجماعًا للصَّحابةِ-: ليسَ في المَعاصي مَفسدةٌ أعظَمُ مِنْ هذهِ المَفسدةِ، وهي تَلي مَفسدةَ الكُفرِ، وربَّما كانَتْ أعظَمَ مِنْ مَفسدةِ القتلِ، كما سَنبيِّنُه إنْ شاءَ اللهُ. قالوا: ولم يَبتَلِ اللهُ تعالى بهذهِ الكَبيرةِ قبلَ قومِ لوطٍ أحَدًا مِنْ العالَمينَ، وعاقَبَهم عُقوبةً لم يُعاقِبْ بها أمَّةً غيرَهم، وجمَعَ عليهِم مِنْ أنواعِ العُقوباتِ مِنْ الإهلاكِ وقَلبِ دِيارِهم عليهم والخَسفِ بهم ورَجمِهم بالحِجارةِ مِنْ السَّماءِ، فنكَّلَ بهم نَكالًا لم يُنكِّلْه بأمَّةٍ سِواهم؛ وذلكَ لعِظمِ مَفسدةِ هذه الجَريمةِ التي تَكادُ الأرضُ تَميدُ مِنْ جَوانبِها إذا عُمِلتْ عليها، وتَهربُ المَلائكةُ إلى أقطارِ السماواتِ والأرضِ إذا شاهَدُوها خَشيةَ نُزولِ العَذابِ على أهلِها فيُصيبَهم معَهم، وتَعجُّ الأرضُ إلى ربِّها ﵎، وتَكادُ الجِبالُ تَزولُ عن أماكِنِها.

стр. 13463

وقَتلُ المَفعولِ به خيرٌ له مَنْ وَطئِه؛ فإنه إذا وَطئَه الرَّجلُ قتَلَه قَتلًا لا تُرجَى الحياةُ معه، بخِلافِ قَتلِه؛ فإنه مَظلومٌ شَهيدٌ وربَّما يَنتفعُ به في آخِرتِه. قالوا: والدليلُ على هذا أنَّ اللهَ سُبحانَه جعَلَ حَدَّ القاتلِ إلى خِيَرةَ الوليِّ، إنْ شاءَ قتَلَ وإنْ شاءَ عفَا، وحتَّمَ قتْلَ اللُّوطيِّ حَدًّا كما أجمَعَ عليه أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ ودلَّتْ عليه سُنةُ رسولِ اللهِ ﷺ الصحيحةُ الصريحةُ التي لا مُعارِضَ لها، بل عليها عَملُ أصحابِه وخُلفائِه الراشِدينَ. وقد ثبَتَ عن خالدِ بنِ الوليدِ «أنه وجَدَ في بعضِ ضَواحي العَربِ رَجلًا يُنكَحُ كما تُنكَحُ المرأةُ، فكتَبَ إلى أبي بَكرٍ الصديقِ، فاستَشارَ أبو بكرٍ الصحابةَ ﵃، فكانَ عليُّ بنُ أبي طالِبٍ أشَدَّهم قَولًا فيه، فقالَ: ما فعَلَ هذا إلا أمَّةٌ مِنْ الأمَمِ واحِدةٌ، وقد عَلِمتُم ما فعَلَ اللهُ بها، أرَى أن يُحرَّقَ بالنارِ، فكتَبَ أبو بكرٍ إلى خالدٍ فحرَّقَه». وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ: «يُنظَرُ أعلَى بِناءٍ في القَريةِ فيُرمَى اللُّوطيُّ منه مُنكَبًّا ثم يُتبعُ بالحِجارةِ»، وأخَذَ عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ هذا الحَدَّ مِنْ عُقوبةِ اللهِ للُّوطيةِ قومِ لوطٍ، وابنُ عباسٍ هو الذي رَوى عن النبيِّ ﷺ : «مَنْ وجَدتُموهُ يَعملُ عمَلَ قَومِ لُوطٍ فاقتُلُوا الفاعِلَ والمَفعولَ بهِ» رواهُ أهلُ السُّننِ، وصحَّحَه ابنُ حبَّانَ وغيرُه، واحتَجَّ الإمامُ أحمَدُ بهذا الحَديثِ، وإسنادُه على شَرطِ البُخاريِّ. قالوا: وثبَتَ عنه ﷺ أنه قالَ: «لعَنَ اللهُ مَنْ عَمِلَ عمَلَ قومِ لُوطٍ، لعَنَ اللهُ مَنْ عَمِلَ عمَلَ قومِ لُوطٍ، لعَنَ اللهُ مَنْ عَمِلَ عمَلَ قومِ لُوطٍ».

стр. 13464

ولم تَجِئْ عنه لَعنةُ الزاني ثلاثَ مرَّاتٍ في حَديثِ واحدٍ، وقد لعَنَ جَماعةً مِنْ أهلِ الكَبائرِ فلمْ يَتجاوزْ بهِم في اللَّعنةِ مرَّةً واحدةً، وكرَّرَ لعْنَ اللُّوطيةِ فأكَّدَه ثَلاثَ مرَّاتٍ. وأطبَقَ أصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ على قَتلِه لم يَختلفْ فيه منهُم رَجلانِ، وإنما اختَلفَتْ أقوالُهم في صِفةِ قَتلِه، فظَنَّ بعضُ الناسِ أنَّ ذلكَ اختلافٌ منهُم في قتلِه، فحَكَاها مَسألةَ نِزاعٍ بينَ الصَّحابةِ وهي بينَهُم مَسألةُ إجماعٍ، لا مَسألةُ نِزاعٍ. قالوا: ومَن تأمَّلَ قولَه سُبحانَه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢]، وقولَه في اللِّواطِ: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ [الأعراف: ٨٠] تَبيَّنَ له تَفاوُتُ ما بينَهُما؛ فإنه سُبحانَه نكَّرَ الفاحِشةَ في الزِّنى، أي: هو فاحِشةٌ مِنْ الفَواحشِ، وعرَّفَها في اللِّواطِ، وذلكَ يُفيدُ أنه جامعٌ لمَعاني اسمِ الفاحِشةِ، كما تَقولُ: «زَيدٌ الرَّجلُ، ونِعمَ الرَّجلُ زَيدٌ»، أي: أتَأتونَ الخَصلةَ التي استَقرَّ فُحشُها عندَ كلِّ أحَدٍ؟ فهي لظُهورِ فُحشِها وكَمالِه غَنيَّةٌ عن ذِكرِها بحَيثُ لا يَنصرفُ الاسمُ إلى غيرِها، وهذا نَظيرُ قَولِ فِرعونَ لمُوسى: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ [الشعراء: ١٩] أي: الفَعلةَ الشَّنعاءَ الظاهِرةَ المَعلومةَ لكُلِّ أحَدٍ. ثمَّ أكَّدَ سُبحانَه بَيانَ فُحشِها بأنها لم يَعملْها أحَدٌ مِنْ العالَمينَ قبْلَهم، فقالَ: ﴿الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ [الأعراف: ٨٠].

стр. 13465

ثمَّ زادَ في التأكيدِ بأنْ صرَّحَ بما تَشمئِزُّ منه القُلوبُ وتَنبُو عنه الأسماعُ وتَنفرُ منه أشَدَّ النَّفرةِ الطِّباعُ، وهو إتيانُ الرَّجلِ رَجلًا مِثلَه يَنكحُه كما يَنكحُ الأنثَى، فقالَ: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ [الأعراف: ٨١]. ثمَّ نبَّه على استِغنائِهم عن ذلكَ، وأنَّ الحامِلَ لهم عليه ليسَ إلا مُجرَّدَ الشهوةِ، لا الحاجةُ التي لأجْلِها مالَ الذَّكرُ إلى الأنثَى مِنْ قَضاءِ الوَطرِ ولَذةِ الاستِمتاعِ وحُصولِ المَودةِ والرَّحمةِ التي تَنسَى المرأةُ لها أبَوَيها وتَذكرُ بعْلَها، وحُصولِ النَّسلِ الذي هو حِفظُ هذا النوعِ الذي هو أشرَفُ المَخلوقاتِ، وتَحصينِ المَرأةِ وقَضاءِ وَطرِها، وحُصولِ عَلاقةِ المُصاهَرةِ التي هي أختُ النَّسبِ، وقِيامِ الرِّجالِ على النساءِ، وخُروجِ أحَبِّ الخَلقِ إلى اللهِ مِنْ جِماعِهنَّ كالأنبياءِ والأولياءِ والصالِحينَ، ومُكاثَرةِ النبيِّ ﷺ الأنبياءَ بأمَّتِه، إلى غيرِ ذلكَ مِنْ مَصالحِ النكاحِ، والمَفسدةُ التي في اللِّواطِ تُقاوِمُ ذلكَ كلَّه وتُرْبِي عليه بما لا يُمكِنُ حَصرُ فَسادِه ولا يَعلمُ تَفصيلَه إلا اللهُ. ثمَّ أكَّدَ قُبحَ ذلكَ بأنَّ اللُّوطيةَ عكَسُوا فِطرةَ اللهِ التي فطَرَ عليها الرِّجالَ، وقَلَبوا الطَّبيعةَ التي ركَّبَها اللهُ في الذُّكورِ، وهي شَهوةُ النساءِ دونَ شَهوةِ الذُّكورِ، فقَلَبوا الأمرَ وعَكَسوا الفِطرةَ والطَّبيعةَ، فأَتوُا الرِّجالَ شَهوةً مِنْ دُونِ النساءِ، ولهذا قلَبَ اللهُ سُبحانَه عليهِم دِيارَهم، فجعَلَ عالِيَها سافِلَها، وكذلكَ قُلِبوا هُمْ ونُكِّسوا في العَذابِ على رُؤوسِهم. ثمَّ أكَّدَ سُبحانَه قُبحَ ذلك بأنْ حكَمَ عليهم بالإسرافِ، وهو مُجاوَزةُ الحَدِّ، فقالَ: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١)﴾ [الأعراف: ٨١]، فتَأمَّلْ هل جاءَ ذلكَ أو

стр. 13466

قَريبٌ منه في الزِّنى؟ وأكَّدَ سُبحانَه ذلك عليهِم بقولِه: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأنبياء: ٧٤]، ثمَّ أكَّدَ عليهِم الذمَّ بوَصفَينِ في غايةِ القُبحِ، فقالَ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤)﴾ [الأنبياء: ٧٤]، وسمَّاهُم مُفسِدينَ في قَولِ نَبيِّهم: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠)﴾ [العنكبوت: ٣٠]، وسمَّاهُم ظالِمينَ في قَولِ المَلائكةِ لإبراهِيمَ: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١)﴾ [العنكبوت: ٣١]، فتأمَّلْ مَنْ عُوقِبَ بمِثلِ هذه العُقوباتِ، ومَن ذَمَّه اللهُ بمثلِ هذه المَذمَّاتِ. ولمَّا جادَلَ فيهِم خَليلُه إبراهيمُ المَلائكةَ وقد أخبَروهُ بإهلاكِهم قيلَ له: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)﴾ [هود: ٧٦]. وتأمَّلْ خُبثَ اللُّوطيةِ وفرْطَ تَمرُّدِهم على اللهِ، حيثُ جاؤُوا نَبيَّهم لُوطًا لمَّا سَمِعوا بأنه قد طرَقَه أضيافٌ هم مِنْ أحسَنِ البشرِ صُوَرًا، فأقبَلَ اللُّوطيةُ إليه يُهروِلونَ، فلمَّا رآهُم قالَ لهم: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨]، ففَدَى أضيافَه ببَناتِه يُزوِّجُهم بهِنَّ خَوفًا على نَفسِه وأضيافِه مِنْ العارِ الشديدِ فقالَ: ﴿يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨)﴾ [هود: ٧٨]، فرَدُّوا عليه، ولكنْ رَدَّ جبَّارٍ عَنيدٍ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩)﴾ [هود: ٧٩]، فنفَثَ نَبيُّ اللهِ نَفثةَ مَصدورٍ خرَجَتْ مِنْ قلبٍ مَكروبٍ عميدٍ، فقالَ: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)﴾ [هود: ٨٠]، فنفَّسَ له رُسلُ اللهِ وكَشَفوا له عَنْ حَقيقةِ الحالِ وأعْلَموهُ أنهُم لَيسوا ممَّن يُوصَلُ إليهم ولا إليه بسَببِهم فلا تَخفْ منهُم

стр. 13467

ولا تَعبَأْ بهم وهَوِّنْ عليكَ، فقالوا: ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ [هود: ٨١]، وبشَّروهُ بما جاؤُوا به مِنْ الوَعدِ له ولقَومِه مِنْ الوَعيدِ المُصيبِ، فقالُوا: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ [هود: ٨١]، فاستَبطأَ نَبيُّ اللهِ مَوعِدَ هَلاكِهم، وقالَ: أُريدُ أعجَلَ مِنْ هذا، فقالَتِ المَلائكةُ: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)﴾ [هود: ٨١]، فوَاللهِ ما كانَ بينَ هلاكِ أعداءِ اللهِ ونَجاةِ نبيِّه وأوليائِه إلا ما بينَ السَّحَرِ وطُلوعِ الفَجرِ، وإذا بدِيارِهم قد اقتُلِعتْ مِنْ أُصولِها ورُفِعتْ نحوَ السماءِ حتَّى سَمِعَتِ الملائكةُ نُباحَ الكِلابِ ونَهيقَ الحَميرِ، فبَرَزَ المَرسومُ الذي لا يُرَدُّ مِنْ عندِ الربِّ الجَليلِ إلى عبدِه ورَسولهِ جِبريلَ بأنْ يَقلبَها عليهِم، كما أخبَرَ به في مُحكَمِ التنزيلِ فقالَ عَزَّ مِنْ قائلٍ: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢)﴾ [هود: ٨٢]، فجعَلَهم آيةً للعالَمينَ ومَوعظةً للمُتقينَ ونَكالًا وسلَفًا لمَن شارَكَهم في أعمالِهم مِنْ المُجرمينَ، وجعَلَ دِيارَهم بطَريقِ السالِكينَ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)﴾ [الحجر: ٧٥ - ٧٧]، أخذَهَم على غِرَّةٍ وهم نائِمونَ، وجاءَهُم بأسُه وهُم في سَكْرتِهم يَعْمَهونَ، فما أغنَى عنهم ما كانُوا يَكسبونَ، فانقَلبَتْ تلكَ اللذَّاتُ آلامًا فأصبَحوا بها يُعذَّبونَ. مآرِبُ كانَتْ في الحَياةِ لأهلِها … عِذابًا فصارَتْ في المَمَاتِ عَذابًا ذهبَتِ اللذَّاتُ وأعقَبَتِ الحسَراتِ، وانقَضَتِ الشهوةُ وأَورَثَتِ الشَّقوةَ، تَمتَّعوا قَليلًا وعُذِّبوا طَويلًا، رَتَعوا مَرتَعًا وَخيمًا فأعقَبَهم عَذابًا أليمًا، أسكَرَتْهم خَمرةُ تلكَ الشَّهوةِ فما استَفاقُوا منها إلا في دِيارِ المُعذَّبينَ،

стр. 13468

وأرقَدَتْهم تلكَ الغَفلةُ فما استَيقَظوا إلا وهُم في مَنازلِ الهالِكينَ، فنَدِموا واللهِ أشَدَّ النَّدامةِ حينَ لا يَنفعُ الندمُ، وبَكَوا على ما أسلَفوهُ بدَلَ الدُّموعِ بالدمِ. فلو رأيتَ الأعلَى والأسفَلَ مِنْ هذهِ الطائفةِ والنارُ تَخرجُ مِنْ مَنافذِ وُجوهِهم وأبدانِهم، وهُم بينَ أطباقِ الجَحيمِ، وهُم يَشربونَ بدَلَ لَذيذِ الشَّرابِ كُؤوسَ الحَميمِ، ويقالُ لهُم وهم على وُجوهِهم يُسحَبونَ: ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤)﴾ [الزمر: ٢٤]، ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [الطور: ١٦]. ولقدْ قرَّبَ اللهُ سُبحانَه مَسافةَ العَذابِ بينَ هذه الأمَّةِ وبينَ إخوانِهم في العَملِ، فقالَ مُخوِّفًا لهم أنْ يقَعَ الوَعيدُ: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾ [هود: ٨٣]. فيَا ناكِحِي الذُّكْرانِ يَهْنِيكمُ البُشرَى … فيَومَ مَعادِ الناسِ إنَّ لكُم أَجْرا كُلُوا واشرَبوا وازنُوا ولُوطُوا وأبشِرُوا … فإنَّكمُ زَفًّا إلى الجَنةِ الحَمْرا فإخوانُكمِ قد مَهَّدُوا الدارَ قبْلَكُم … وقالُوا: إلَينا عَجِّلُوا لكُم البُشرَى وها نَحنُ أسلافٌ لكُم في انتِظارُكم … سيَجمَعُنا الجبَّارُ في نارِه الكُبرى ولا تَحْسَبوا أنَّ الذينَ نَكحْتُمُ … يَغِيبونَ عنكُم بل تَرونَهمُ جَهْرا ويَلعنُ كلٌّ مِنكمُ لخَليلِهِ … ويَشقَى بهِ المَحزونُ في الكَرَّةِ الأُخرَى يُعذَّبُ كلٌّ مِنهُمَا بشَريكِهِ … كما اشتَركَا في لَذِّةٍ تُوجِبُ الوِزْرا (١)، إلى آخِرِ كَلامِه ﵀.

стр. 13469

حُكمُ المساحَقةِ: السِّحاقُ: هو إتيانُ المَرأةِ امرأةً مِثلَها بدَلْكِ فرْجِها بفَرجِها. أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المرأةَ إذا ساحَقَتِ امرأةً مِثلَها بأنْ دلكَتْ فرْجَها بفرجِ امرأةٍ أُخرَى فإنَّ ذلكَ حرامٌ شرعًا؛ لِمَا رويَ مَرفوعًا: «إذا أتَتِ المَرأةُ المَرأةَ فهُمَا زانِيتانِ» (١)، والمرادُ في حقِّ الإثمِ دُونَ الحَدِّ، ورويَ عن واثِلةَ بنِ الأسقَعِ مرفوعًا: «السِّحاقُ زنًى بالنساءِ بينَهُنَّ» (٢). قالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقُوا أنَّ سحْقَ المَرأةِ للمرأةِ حرامٌ … واتَّفقُوا أنه لا حَدَّ في شيءٍ مِنْ ذلكَ (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ تَدالكَتِ امرأتانِ فهُمَا زانِيتانِ مَلعونَتانِ؛ لِمَا رُويَ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «إذا أتَتِ المَرأةُ المَرأةَ فهُمَا زانِيتانِ»، ولا حَدَّ عليهِما؛ لأنه لا يَتضمَّنُ إيلاجًا، فأشبَهَ المُباشَرةَ دونَ الفَرجِ، وعليهِما التَّعزيرُ؛ لأنه زنًا لا حَدَّ فيه، فأشبَهَ مُباشَرةَ الرَّجلِ المرأةَ مِنْ غيرِ جِماعٍ (٤). مَنْ استَأجرَ امرأةً ليَزنيَ بها: اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن استَأجرَ امرأةً ليَزنِيَ بها أو لتَخدمَه فزنَى بها، هل يُقامُ عليهِما الحدُّ أم لا؟

стр. 13470

فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ﵀ إلى أنه لا حَدَّ على واحِدٍ منهُما؛ استِدلالًا بأنه وطْءٌ عن عَقدٍ فاسدٍ، فوجَبَ أنْ يَسقطَ فيه الحدُّ قياسًا على سائرِ المَناكِحِ الفاسدةِ. قالَ الإمامُ السَّرخسيُّ ﵀: ولكنْ أبو حَنيفةَ ﵀ احتَجَّ بحَديثَينِ ذكَرَهما عن عُمرَ ﵁: أحَدُهما: ما رويَ «أنَّ امرأةً استَسقَتْ راعِيًا فأبَى أنْ يَسقيَها حتَّى تُمكِّنَه مِنْ نَفسِها، فدرَأَ عُمرُ ﵁ الحدَّ عنهُما». والثَّاني: «أنَّ امرأةً سألَتْ رجلًا مالًا فأبى أنْ يُعطيَها حتَّى تُمكِّنَه مِنْ نفسِها، فدرَأَ الحَدَّ وقالَ: هذا مَهرٌ»، ولا يَجوزُ أنْ يُقالَ: «إنَّما درَأَ الحدَّ عنها لأنها كانَتْ مُضطرةً تَخافُ الهلاكَ مِنْ العَطشِ»؛ لأنَّ هذا المعنَى لا يُوجِبُ سُقوطَ الحدِّ عنهُ، وهو غَيرُ موجودٍ فيما إذا كانَتْ سائِلةً مالًا كما ذكَرْنا في الحَديثِ الثاني، مع أنه علَّلَ فقالَ: «إنَّ هذا مهرٌ»، ومعنَى هذا أنَّ المهرَ والأجرَ يَتقاربانِ، قالَ تعالَى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤]، سمَّى المهرَ أجرًا، ولو قالَ: «أمهَرتُكِ كذا لأزنِيَ بكِ» لم يَجبِ الحدُّ، فكذلكَ إذا قالَ: «استَأجَرتُكِ»، تَوضيحُه أنَّ هذا الفعلَ ليس بزنًا. وأهلُ اللُّغةِ لا يُسمُّونَ الوطءَ الذي يَترتَّبُ على العقدِ زنًا، ولا يَفصلونَ بينَ الزِّنى وغيرِه إلا بالعقدِ، فكذلكَ لا يَفصلونَ بينَ الاستئجارِ والنكاحِ؛ لأنَّ الفرقَ بينَهُما شرعيٌّ، وأهلُ اللغةِ لا يَعرفونَ ذلكَ، فعرَفْنا أنَّ هذا الفعلَ ليسَ بزنًا لغةً، وذلكَ شبهةٌ في المنعِ مِنْ وُجوبِ الحدِّ حقًّا للهِ تعالَى، كما لا

стр. 13471

يَجبُ الحدُّ على المُختلِسِ؛ لأنَّ فِعلَه ليسَ بسرقةٍ لغةً، يُوضِّحُه أنَّ المُستوفَى بالوطءِ وإنْ كانَ في حُكمِ العِتقِ فهو في الحقيقةِ مَنفعةٌ، والاستِئجارُ عَقدٌ مَشروعٌ لمِلكِ المَنفعةِ، وباعتبارِ هذهِ الحقيقةِ يَصيرُ شُبهةً، بخلافِ الاستئجارِ للطَّبخِ والخَبزِ، ولأنَّ العقدَ هُناكَ غيرُ مُضافٍ إلى المُستوفَى بالوطءِ ولا إلى ما هو سَببٌ له، والعَقدُ المُضافُ إلى مَحلٍّ يُوجِبُ الشبهةَ في ذلك المحلِّ لا في مَحلٍّ آخَرَ (١). وجاءَ في «الفَتاوَى الهِنديَّة»: استَأجرَ امرأةً ليَزنِيَ بها أو لِيطأَها أو قالَ: «خُذِي هذه الدَّراهمَ لِأَطأكِ»، أو قالَ: «مكِّنِيني بكذا» ففعَلَتْ لم يُحَدَّ، وزادَ في «النَّظْم»: ولها مَهرُ مثلِها ويُوجَعانِ عُقوبةً ويُحبسانِ حتَّى يَتوبَا. وقالا: يُحدَّانِ كما لو أعطاها مالًا بغيرِ شرطٍ، بخلافِ ما إذا قالَ: «خُذي هذهِ الدَّراهمَ لأتمتَّعَ بكِ»؛ لأنَّ المُتعةَ كانَتْ سببَ الإباحةِ في الابتداءِ فبَقيَتْ شُبهةً، كذا في التُّمُرتاشيِّ، ولو قالَ: «أمهَرتُكِ كذا لأزنِيَ بكِ» لم يَجبِ الحَدُّ، كذا في «الكافي» (٢). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ والصاحِبانِ مِنْ الحَنفيةِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ إلى أنَّ الحدَّ يجبُ عليهِما؛ لأنه لا تأثيرَ للعقدِ في إباحةِ وَطئِها، فكانَ وُجودُه كعَدمِه؛ لتحقُّقِ فعلِ الزنَى منهُما، فإنَّ الاستئجارَ ليس بطَريقٍ لاستباحةِ البُضعِ شرعًا، فكانَ لغوًا بمَنزلةِ ما لو استَأجرَها

стр. 13472

للطَّبخِ أو الخَبزِ ثم زنَى بها؛ وهذا لأنَّ مَحلَّ الاستئجارِ مَنفعةٌ لها حُكمُ الماليةِ، والمُستوفَى بالوطءِ في حُكمِ العِتقِ، وهو ليسَ بمالٍ أصلًا، والعقدُ بدُونِ مَحلِّه لا يَنعقدُ أصلًا، فإذا لم يَنعقدْ به كانَ هو والإذنُ سواءً، ولو زنَى بها بإذنِها يَلزمُه الحدُّ؛ لعُمومِ الآيةِ والأخبارِ، ووُجودُ الإجارةِ كعَدمِها، ولأنه وَطءٌ في غيرِ مِلكٍ، أشبَهَ ما لو كانَ له عليها دَينٌ، وتغيُّرُ الحالِ لا يُسقِطُ الحَدَّ كما لو ماتَتْ أو زنَى بامرأةٍ له عليها القِصاصُ؛ لأنَّ استِحقاقَ قتلِها لا يُوجِبُ إباحةَ وَطئِها، فلا تؤثِّرُ فيه شبهةٌ، فوجَبَ أنْ يجبَ الحدُّ؛ عَملًا بالنصوصِ (١). قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلفُوا فيمَن استأجَرَ امرأةً ليزنِيَ بها ففعَلَ؟ فقالَ الشافعيُّ ومالكٌ وأحمَدُ: عليهِ الحدُّ، وقالَ أبو حنيفةَ: لا حَدَّ عليهِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإذا استأجَرَ امرأةً لعَملِ شيءٍ فزنَى بها أو استأجَرَها ليزنِيَ بها وفعَلَ ذلكَ أو زنَى بامرأةٍ ثمَّ تزوَّجَها أو اشتِراها فعَليهِما الحدُّ، وبه قالَ أكثرُ أهلِ العِلمِ.

стр. 13473

وقالَ أبو حَنيفةَ: لا حدَّ عليهِما في هذه المَواضعِ؛ لأنَّ مِلكَه لمَنفعتِها شُبهةٌ دارِئةٌ للحدِّ، ولا يُحَدُّ بوَطءِ امرأةٍ هو مالكٌ لها. ولنا: عُمومُ الآيةِ والأخبارُ ووُجودُ المعنَى المُقتضِي لوُجوبِ الحدِّ، وقولُهم: «إنَّ مِلكَه مَنفعتَها شُبهةٌ» ليسَ بصحيحٍ؛ فإنه إذا لم يَسقطْ عنه الحدُّ ببَذلِها ومُطاوعَتِها إياهُ فلَأنْ لا يَسقطَ بمِلكِه نفْعَ محلٍّ آخَرَ أولَى، وما وجَبَ الحدُّ عليهِ بوَطءِ مَملوكتِه، وإنَّما وجَبَ بوَطءِ أجنبيةٍ، فتَغيُّرُ حالِها لا يُسقطُه كما لو ماتَتْ (١).

стр. 13474

ثُبوتُ الزِّنا: يَثبتُ حَدُّ الزنا بأحَدِ أمورٍ ثَلاثةٍ: اثنانِ مِنها مُتفَّقٌ عليهِما، وهُمَا الإقرارُ والشَّهادةُ، وواحِدٌ مُختَلفٌ فيهِ، وهو القَرائنُ كالحَمْلِ. أولاً: الإقرارُ بالزِّنا: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الإنسانَ إذا أقَرَّ على نفسِه بالزنا وجَبَ عليهِ الحَدُّ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ «أقامَ الحَدَّ على ماعِزٍ والغامِديةِ بإقرارِهِما». قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأمَّا الاعتِرافُ فهو الإقرارُ مِنْ البالغِ العاقِلِ بالزِّنى صُراحًا لا كِنايةً، فإذا ثبَتَ على إقرارِه ولم يَنزِعْ عنهُ وكانَ مُحصَنًا وجَبَ عليهِ الرَّجمُ، وإنْ كانَ بكرًا جُلدَ مائةً، وهذا كلُّه لا خِلافَ فيه بينَ العُلماءِ (١). إلَّا أنهُم اختَلفُوا هل يَلزمُ الحدُّ بالإقرارِ بمَرةٍ واحدةٍ؟ أم لا بُدَّ مِنْ أربَعِ مرَّاتٍ؟ فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ إلى الاكتِفاءِ بالإقرارِ مرَّةً واحِدةً لوُجوبِ حَدِّ الزنا؛ لِمَا رواهُ الشَّيخانِ عن أبي هُريرةَ وزَيدِ بنِ خالدٍ الجُهَنيِّ ﵄ قالَا: جاءَ أعرابِيٌّ فقالَ: يا رسولَ اللهِ اقضِ بيْنَنا بكِتابِ اللهِ، فقامَ خَصمُه فقالَ: صدَقَ، اقْضِ بيْنَنا بكتابِ اللهِ، فقالَ الأعرابيُّ: إنَّ ابنِي كانَ عَسيفًا على هذا فزَنَى بامرَأتِه، فقَالُوا لي: على ابنِكَ الرَّجمُ، ففَديْتُ ابنِي منه بمِائةٍ مِنْ

стр. 13475

الغَنمِ ووَليدةٍ، ثمَّ سَألْتُ أهلَ العِلمِ فقالُوا: إنَّما على ابنِكَ جَلدُ مِائةٍ وتَغريبُ عَامٍ، فقالَ النبيُّ ﷺ : «لَأَقضيَنَّ بَينكُما بكِتابِ اللهِ، أمَّا الوَليدةُ والغَنمُ فرَدٌّ عليكَ، وعلى ابنِكَ جَلدُ مِائةٍ وتَغريبُ عامٍ، وأمَّا أنتَ يا أُنيسُ -لرَجلٍ- فاغْدُ على امرَأةِ هذا فإنِ اعتَرفَتْ فارْجُمْها، قالَ: فغَدَا عليها فاعتَرفَتْ فأَمَرَ بها رسولُ اللهِ ﷺ فرُجمَتْ» (١)، ولم يُوقِّتْ له في اعتِرافِها أربعًا، فغَدَا إليها فاعتَرفَتْ فرجَمَها، ولم يُنقَلْ أنها اعتَرفَتْ أربعًا، فدلَّ على ثُبوتِه باعترافِ المرَّةِ الواحدةِ؛ لأنه لا يَجوزُ أنْ يُؤخِّرَ بَيانَهُ عن وَقتِ الحاجةِ ولا يُبيحَ رجْمَها بغيرِ استِحقاقٍ. وعن سُليمانَ بنِ بُريدةَ عن أبيهِ قالَ: « … قالَ: ثمَّ جاءَتْه امرَأةٌ مِنْ غامِدٍ مِنْ الأَزْدِ فقالَتْ: يا رَسولَ اللهِ طَهِّرنِي، فقالَ: وَيحَكِ ارجِعِي فاستَغفرِي اللهَ وتُوبِي إليه، فقالَتْ: أَراكَ تُريدُ أنْ تُردِّدَنِي كما رَدَّدتَ ماعِزَ بنَ مالكٍ، قالَ: وما ذاكِ؟ قالَتْ: إنها حُبلَى مِنْ الزِّنَى، فقالَ: آنتِ؟ قالَتْ: نعمْ، فقالَ لها: حتَّى تَضعِي ما في بَطنِكِ، قالَ: فكفَلَها رَجلٌ مِنْ الأنصارِ حتَّى وَضعَتْ، قالَ: فأَتَى النبيَّ ﷺ فقالَ: قد وَضعَتِ الغامدِيةُ، فقالَ: إذًا لا نَرجُمُها ونَدَعُ ولَدَها صَغيرًا ليسَ له مَنْ يُرضِعُه، فقامَ رَجلٌ مِنْ الأنصارِ فقالَ: إليَّ رَضاعُه يا نَبيَّ اللهِ، قالَ: فرجَمَها» (٢)، ولم يُنقلْ أنها اعتَرفَتْ عندَه إلا مرَّةً واحدةً. ولأنه قَولُ أبي بَكرٍ وعُمرَ ﵄، ولا مُخالِفَ لهُما في الصَّحابةِ فكانَ إجماعًا، أمَّا أبو بَكرٍ «فأقَرَّ رَجلٌ بِكرٌ عندَه بالزِّنا فجلَدَه مِائةً وغرَّبَه عامًا»،

стр. 13476

وأما عُمرُ «فإنَّ رَجلًا أتاه فقالَ: إنَّ امرأتِي زَنَتْ، فأنفَذَ أبا واقِدٍ اللَّيثيَّ إليها فقالَ لها: زَوجُكِ قد اعتَرفَ عليكِ بالزِّنا، وإنَّكِ لا تُؤاخَذينَ بقَولِه، لتَنزِعَ، فلمْ تَنزعْ، فأمَرَ عمرُ برَجمِها». ومِن القياسِ: أنَّ ما ثبَتَ بالإقرارِ لم يُعتبَرْ فيه التَّكرارُ كسائرِ الحُدودِ والحُقوقِ، ولأنَّ ما لم يَلزمْ فيه تَكرارُ الإنكارِ لم يَلزمْ فيهِ تَكرارُ الإقرارِ كسائرِ الحُدودِ، ولأنَّ رَجلًا لو قذَفَ رجلًا بالزِّنا ووجَبَ عليه حدُّ قَذفِه فاعتَرفَ المَقذوفُ مرَّةً واحدةً صارَ كالمُقِرِّ به أربعًا في سُقوطِ الحدِّ عن قاذِفِه، فوجَبَ أنْ يَصيرَ كالأربعِ في وُجوبِ الحَدِّ به؛ لأنه لا يَجوزُ أنْ يَصيرَ في بَعضِ الأحكامِ زانِيًا وفي بعضِها غيرَ زانٍ، ولأنه إقرارٌ ثبَتَ به حَدُّ القذفِ، فوجَبَ أنْ يَثبتَ به حدُّ الزنا كالأربَعِ، ولأنَّ الحُقوقَ ضَربانِ: حَقُّ اللهِ سُبحانَه، وحَقٌّ للآدَميِّ، وليسَ في واحِدٍ منهُما ما يُعتبَرُ في الإقرارِ به التَّكرارُ، فكانَ حدُّ الزنا مُلحَقًا بأحَدِهما، ولم يَجُزْ أنْ يَخرجَ عنهُما (١). وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلة إلى أنه لا بُدَّ مِنْ الإقرارِ أربَعَ مَراتٍ، فلا يُكتفَى بالإقرارِ مرَّةً واحِدةً؛ لأنَّ ماعِزًا أقَرَّ أمامَ النبيِّ ﷺ أربَعَ مَراتٍ.

стр. 13477

فعَن عبدِ الرَّحمنِ بنِ أَبزَى عن أبي بكرٍ قالَ: «كنتُ عندَ النبيِّ ﷺ جالِسًا فجاءَ ماعزُ بنُ مالكٍ فاعتَرفَ عندَه مرَّةً فرَدَّه، ثمَّ جاءَهُ فاعتَرفَ عندَه الثَّانيةَ فرَدَّه، ثمَّ جاءَهُ فاعتَرفَ الثَّالثةَ فرَدَّه، فقُلتُ له: «إنَّكَ إنِ اعتَرفْتَ الرَّابعةَ رجَمَكَ، قالَ: فاعتَرفَ الرَّابعةَ فحبَسَهُ ثمَّ سَألَ عنه فقالُوا: ما نَعلمُ إلاَّ خَيرًا، قالَ: فأمَرَ برَجمِه» (١). وهذا يَدلُّ على وجهَينِ: أحَدُهما: أنَّ النبيَّ ﷺ أقَرَّه على هذا ولم يُنكِرْه، فكانَ بمَنزلةِ قولِه؛ لأنه لا يُقِرُّ على الخَطأِ. الثَّاني: أنه قد عَلِمَ هذا مِنْ حُكمِ النبيِّ ﷺ ، لولا ذلكَ ما تَجاسَرَ على قولِه بينَ يديهِ. وعن أبي هُريرةَ ﵁ أنهُ قالَ: «أتَى رَجلٌ مِنْ المُسلمينَ رَسولَ اللهِ ﷺ وهو في المَسجدِ فَناداهُ فقالَ: يا رسولَ اللهِ إني زَنيْتُ، فأعرَضَ عنه، فتَنحَّى تِلقاءَ وَجهِه فقالَ له: يا رسولَ اللهِ إني زَنيْتُ، فأعرَضَ عنه حتَّى ثنَى ذلكَ عليه أربَعَ مرَّاتٍ، فلمَّا شَهدَ على نفسِه أربَعَ شَهاداتٍ دَعاهُ رسولُ اللهِ ﷺ فقالَ: أَبِكَ جُنونٌ؟ قالَ: لا، قالَ: فهلْ أَحصَنتَ؟ قالَ: نعمْ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : اذهَبُوا بهِ فارْجُموهُ» (٢). ولو وجَبَ الحدُّ بمَرةٍ لم يُعرِضْ عنه رَسولُ اللهِ ﷺ ؛ لأنه لا يَجوزُ تَركُ حَدٍّ وجَبَ للهِ تعالى.

стр. 13478

ورَوى نُعيمُ بنُ هزَّالٍ حَديثَه قالَ: كانَ ماعِزُ بنُ مالِكٍ يَتيمًا في حِجرِ أبِي، فأَصابَ جارِيةً مِنْ الحَيِّ فقالَ له أبِي: ائتِ رَسولَ اللهِ ﷺ فأَخبِرْه بما صَنعْتَ لَعلَّه يَستغفِرُ لكَ، وإنما يُريدُ بذلكَ رَجاءَ أنْ يَكونَ له مَخرجٌ، فأتاهُ فقالَ: يا رسولَ اللهِ إني زَنيْتُ فأَقِمْ عليَّ كِتابَ اللهِ، فأعرَضَ عنه، فَعادَ فقالَ: يا رسولَ اللهِ إني زَنيْتُ فأَقِمْ عليَّ كِتابَ اللهِ، فأعرَضَ عنه، فَعادَ فقالَ: يا رسولَ اللهِ إني زَنيْتُ فأَقِمْ عليَّ كِتابَ اللهِ، حتَّى قالَها أربَعَ مِرارٍ، قالَ ﷺ : «إنَّكَ قد قُلتَها أربَعَ مرَّاتٍ، فبِمَن؟ قالَ: بفُلانةٍ، قالَ: هل ضاجَعْتَها؟ قالَ: نعم، قالَ: هل باشَرْتَها؟ قالَ: نعم، قالَ: هل جامَعْتَها؟ قالَ: نعم، قالَ: فأمَرَ بهِ أنْ يُرجَمَ، فأُخرِجَ بهِ إلى الحَرَّةِ، فلمَّا رُجِمَ فوجَدَ مَسَّ الحِجارةِ جَزعَ فخرَجَ يَشتدُّ، فلَقِيَه عبدُ اللهِ بنُ أُنيسٍ وقد أعجَزَ أصحابَه، فنزَعَ له بوَظيفِ بَعيرٍ فرَماهُ بهِ فقَتَلَه، ثمَّ أتَى النبيَّ ﷺ فذكَرَ ذلكَ له، فقالَ: هلَّا تَركتُموهُ لَعلَّه أنْ يَتوبَ فيَتوبَ اللهُ عليهِ» (١). وهذا تَعليلٌ منه يَدلُّ على أنَّ إقرارَ الأربَعِ هي المُوجِبةُ. وعن سُليمانَ بنِ بُريدةَ عن أبيه قالَ: «جاءَ ماعِزُ بنُ مالِكٍ إلى النبيِّ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ طَهِّرنِي، فقالَ: وَيحَكَ ارجِعْ فاستَغفِرِ اللهَ وتُبْ إليه، قالَ: فرجَعَ غيرَ بَعيدٍ ثمَّ جاءَ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ طَهِّرني، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : وَيحَكَ ارجِعْ فاستَغفِرِ اللهَ وتُبْ إليهِ، قالَ: فرجَعَ غيرَ بَعيدٍ ثمَّ جاءَ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ طَهِّرني، فقالَ النبيُّ ﷺ مثْلَ ذلكَ، حتى إذا

стр. 13479

كانَتِ الرابِعةُ قالَ له رسولُ اللهِ ﷺ : فيمَ أُطهِّرُكَ؟ فقالَ: مِنْ الزِّنى، فسَألَ رسولُ اللهِ ﷺ : أبِهِ جُنونٌ؟ فأُخبِرَ أنه ليسَ بمَجنونٍ، فقالَ: أشَرِبَ خَمرًا؟ فقامَ رَجلٌ فاسْتَنْكَهَهُ فلمْ يَجِدْ منه ريحَ خَمرٍ، قالَ: فقالَ رُسولِ اللهِ ﷺ : أزَنَيتَ؟ فقالَ: نعمْ، فأمَرَ به فرُجِمَ … » (١). ولأنه سَببٌ يُثبِتُ حَدَّ الزنا، فوجَبَ أنْ يَكونَ العَددُ مِنْ شَرطِه كالشَّهادةِ، ولأنَّ الزنا لمَّا غلظَ بزِيادةِ الشَّهادةِ على سائِرِ الشهاداتِ وجَبَ أنْ يغلظَ بزِيادةِ الإقرارِ على سائرِ الإقراراتِ. ولا يُشترطُ عندَ الحَنابلةِ أنْ يكونَ الإقرارُ في مَجالسَ، فلو أقَرَّ أربَعَ مرَّاتٍ في مَجلسٍ واحدٍ كَفى؛ لأنَّ ماعِزًا أقَرَّ هكذا، ويَجوزُ أيضًا في مَجالسَ مُتفرِّقةٍ (٢). وأمَّا الحَنفيةُ فاشتَرطُوا أنْ يكونَ الإقرارُ بالزِّنا أربَعَ مرَّاتٍ في أربَعةِ مَجالِسَ مِنْ مَجالِسِ المُقِرِّ، كلَّما أقَرَّ رَدَّه القاضي حتَّى يَتَوارَى منه، ويَنبغِي للقاضي أنْ يَزجرَه عن الإقرارِ ويُظهِرَ له كَراهةَ ذلك ويَأمرَ بتَنحِيتِه عنه، فإنْ عادَ ثانيًا فعَلَ به كذلك، فإنْ عادَ ثالثًا فعَلَ به كذلك، فإنْ أقَرَّ أربَعَ مرَّاتٍ في مَجلسٍ واحدٍ فهو بمَنزلةِ إقرارٍ واحدٍ (٣).

стр. 13480

ويُشترطُ في الإقرارِ أنْ يكونَ مُفصَّلًا مُبيِّنًا لحَقيقةِ الوطءِ؛ لتَزولَ التُّهمةُ والشُّبهةُ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ فعَلَ هذا مع ماعِزٍ لمَّا جاءَه مُقِرًّا بالزنا؛ لأنَّ الزنا يُعبِّرُ عمَّا ليسَ بمُوجِبٍ للحدِّ (١). وعنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ قالَ: «لمَّا أتَى ماعزُ بنُ مالكٍ النبيَّ ﷺ قالَ له: لعَلَّكَ قبَّلْتَ أو غمَزْتَ أو نظَرْتَ؟ قالَ: لا يا رسولَ اللهِ، قالَ: أنِكْتَها -لا يَكنِي-؟ قالَ: فعِندَ ذلكَ أمَرَ برَجمِه» (٢). وعن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: «جاءَ الأسلَميُّ نَبيَّ اللهِ ﷺ فشَهدَ على نَفسِه أنه أصابَ امرَأةً حَرامًا أربَعَ مرَّاتٍ، كلُّ ذلكَ يُعرِضُ عنه النبيُّ ﷺ ، فأقبَلَ في الخامِسةِ فقالَ: أَنِكْتَها؟ قالَ: نعمْ، قالَ: حتى غابَ ذلكَ منكَ في ذلكَ منها؟ قالَ: نعمْ، قالَ: كما يَغِيبُ المِروَدُ في المُكْحُلةِ والرِّشاءُ في البِئرِ؟ قالَ: نعمْ، قالَ: فهلْ تَدرِي ما الزِّنى؟ قالَ: نعمْ أتَيتُ منها حَرامًا ما يَأتي الرَّجلُ مِنْ امرَأتِه حَلالًا، قالَ: فما تُريدُ بهذا القولِ؟ قالَ: أُريدُ أنْ تُطهِّرَني، فأمَرَ بهِ فرُجِمَ، فسَمعَ النبيُّ ﷺ رَجلَينِ مِنْ أصحابِه يقولُ أحَدُهما لصاحِبِه: انظُرْ إلى هذا الذي ستَرَ اللهُ عليه فلمْ تَدَعْه نَفسُه حتى رُجِمَ رَجْمَ الكَلبِ، فسكَتَ عنهُما ثمَّ سارَ ساعةً حتى مَرَّ بجِيفةِ حِمارٍ شائِلٍ برِجلِه فقالَ: أينَ فُلانٌ وفُلانٌ؟ فقالا: نَحنُ ذانِ يا رسولَ اللهِ، قالَ: انزِلَا فكُلا مِنْ جِيفةِ هذا الحِمارِ، فقَالا: يا نبيَّ اللهِ مَنْ يأكُلُ مِنْ هذا؟ قالَ:
следующие страницы →