وأما عُمرُ «فإنَّ رَجلًا أتاه فقالَ: إنَّ امرأتِي زَنَتْ، فأنفَذَ أبا واقِدٍ اللَّيثيَّ إليها فقالَ لها: زَوجُكِ قد اعتَرفَ عليكِ بالزِّنا، وإنَّكِ لا تُؤاخَذينَ بقَولِه، لتَنزِعَ، فلمْ تَنزعْ، فأمَرَ عمرُ برَجمِها».
ومِن القياسِ: أنَّ ما ثبَتَ بالإقرارِ لم يُعتبَرْ فيه التَّكرارُ كسائرِ الحُدودِ والحُقوقِ، ولأنَّ ما لم يَلزمْ فيه تَكرارُ الإنكارِ لم يَلزمْ فيهِ تَكرارُ الإقرارِ كسائرِ الحُدودِ، ولأنَّ رَجلًا لو قذَفَ رجلًا بالزِّنا ووجَبَ عليه حدُّ قَذفِه فاعتَرفَ المَقذوفُ مرَّةً واحدةً صارَ كالمُقِرِّ به أربعًا في سُقوطِ الحدِّ عن قاذِفِه، فوجَبَ أنْ يَصيرَ كالأربعِ في وُجوبِ الحَدِّ به؛ لأنه لا يَجوزُ أنْ يَصيرَ في بَعضِ الأحكامِ زانِيًا وفي بعضِها غيرَ زانٍ، ولأنه إقرارٌ ثبَتَ به حَدُّ القذفِ، فوجَبَ أنْ يَثبتَ به حدُّ الزنا كالأربَعِ، ولأنَّ الحُقوقَ ضَربانِ: حَقُّ اللهِ سُبحانَه، وحَقٌّ للآدَميِّ، وليسَ في واحِدٍ منهُما ما يُعتبَرُ في الإقرارِ به التَّكرارُ، فكانَ حدُّ الزنا مُلحَقًا بأحَدِهما، ولم يَجُزْ أنْ يَخرجَ عنهُما (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلة إلى أنه لا بُدَّ مِنْ الإقرارِ أربَعَ مَراتٍ، فلا يُكتفَى بالإقرارِ مرَّةً واحِدةً؛ لأنَّ ماعِزًا أقَرَّ أمامَ النبيِّ ﷺ أربَعَ مَراتٍ.
стр. 13477
فعَن عبدِ الرَّحمنِ بنِ أَبزَى عن أبي بكرٍ قالَ: «كنتُ عندَ النبيِّ ﷺ جالِسًا فجاءَ ماعزُ بنُ مالكٍ فاعتَرفَ عندَه مرَّةً فرَدَّه، ثمَّ جاءَهُ فاعتَرفَ عندَه الثَّانيةَ فرَدَّه، ثمَّ جاءَهُ فاعتَرفَ الثَّالثةَ فرَدَّه، فقُلتُ له: «إنَّكَ إنِ اعتَرفْتَ الرَّابعةَ رجَمَكَ، قالَ: فاعتَرفَ الرَّابعةَ فحبَسَهُ ثمَّ سَألَ عنه فقالُوا: ما نَعلمُ إلاَّ خَيرًا، قالَ: فأمَرَ برَجمِه» (١).
وهذا يَدلُّ على وجهَينِ:
أحَدُهما: أنَّ النبيَّ ﷺ أقَرَّه على هذا ولم يُنكِرْه، فكانَ بمَنزلةِ قولِه؛ لأنه لا يُقِرُّ على الخَطأِ.
الثَّاني: أنه قد عَلِمَ هذا مِنْ حُكمِ النبيِّ ﷺ ، لولا ذلكَ ما تَجاسَرَ على قولِه بينَ يديهِ.
وعن أبي هُريرةَ ﵁ أنهُ قالَ: «أتَى رَجلٌ مِنْ المُسلمينَ رَسولَ اللهِ ﷺ وهو في المَسجدِ فَناداهُ فقالَ: يا رسولَ اللهِ إني زَنيْتُ، فأعرَضَ عنه، فتَنحَّى تِلقاءَ وَجهِه فقالَ له: يا رسولَ اللهِ إني زَنيْتُ، فأعرَضَ عنه حتَّى ثنَى ذلكَ عليه أربَعَ مرَّاتٍ، فلمَّا شَهدَ على نفسِه أربَعَ شَهاداتٍ دَعاهُ رسولُ اللهِ ﷺ فقالَ: أَبِكَ جُنونٌ؟ قالَ: لا، قالَ: فهلْ أَحصَنتَ؟ قالَ: نعمْ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : اذهَبُوا بهِ فارْجُموهُ» (٢).
ولو وجَبَ الحدُّ بمَرةٍ لم يُعرِضْ عنه رَسولُ اللهِ ﷺ ؛ لأنه لا يَجوزُ تَركُ حَدٍّ وجَبَ للهِ تعالى.
стр. 13478
ورَوى نُعيمُ بنُ هزَّالٍ حَديثَه قالَ: كانَ ماعِزُ بنُ مالِكٍ يَتيمًا في حِجرِ أبِي، فأَصابَ جارِيةً مِنْ الحَيِّ فقالَ له أبِي: ائتِ رَسولَ اللهِ ﷺ فأَخبِرْه بما صَنعْتَ لَعلَّه يَستغفِرُ لكَ، وإنما يُريدُ بذلكَ رَجاءَ أنْ يَكونَ له مَخرجٌ، فأتاهُ فقالَ: يا رسولَ اللهِ إني زَنيْتُ فأَقِمْ عليَّ كِتابَ اللهِ، فأعرَضَ عنه، فَعادَ فقالَ: يا رسولَ اللهِ إني زَنيْتُ فأَقِمْ عليَّ كِتابَ اللهِ، فأعرَضَ عنه، فَعادَ فقالَ: يا رسولَ اللهِ إني زَنيْتُ فأَقِمْ عليَّ كِتابَ اللهِ، حتَّى قالَها أربَعَ مِرارٍ، قالَ ﷺ : «إنَّكَ قد قُلتَها أربَعَ مرَّاتٍ، فبِمَن؟ قالَ: بفُلانةٍ، قالَ: هل ضاجَعْتَها؟ قالَ: نعم، قالَ: هل باشَرْتَها؟ قالَ: نعم، قالَ: هل جامَعْتَها؟ قالَ: نعم، قالَ: فأمَرَ بهِ أنْ يُرجَمَ، فأُخرِجَ بهِ إلى الحَرَّةِ، فلمَّا رُجِمَ فوجَدَ مَسَّ الحِجارةِ جَزعَ فخرَجَ يَشتدُّ، فلَقِيَه عبدُ اللهِ بنُ أُنيسٍ وقد أعجَزَ أصحابَه، فنزَعَ له بوَظيفِ بَعيرٍ فرَماهُ بهِ فقَتَلَه، ثمَّ أتَى النبيَّ ﷺ فذكَرَ ذلكَ له، فقالَ: هلَّا تَركتُموهُ لَعلَّه أنْ يَتوبَ فيَتوبَ اللهُ عليهِ» (١).
وهذا تَعليلٌ منه يَدلُّ على أنَّ إقرارَ الأربَعِ هي المُوجِبةُ.
وعن سُليمانَ بنِ بُريدةَ عن أبيه قالَ: «جاءَ ماعِزُ بنُ مالِكٍ إلى النبيِّ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ طَهِّرنِي، فقالَ: وَيحَكَ ارجِعْ فاستَغفِرِ اللهَ وتُبْ إليه، قالَ: فرجَعَ غيرَ بَعيدٍ ثمَّ جاءَ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ طَهِّرني، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : وَيحَكَ ارجِعْ فاستَغفِرِ اللهَ وتُبْ إليهِ، قالَ: فرجَعَ غيرَ بَعيدٍ ثمَّ جاءَ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ طَهِّرني، فقالَ النبيُّ ﷺ مثْلَ ذلكَ، حتى إذا
стр. 13479
كانَتِ الرابِعةُ قالَ له رسولُ اللهِ ﷺ : فيمَ أُطهِّرُكَ؟ فقالَ: مِنْ الزِّنى، فسَألَ رسولُ اللهِ ﷺ : أبِهِ جُنونٌ؟ فأُخبِرَ أنه ليسَ بمَجنونٍ، فقالَ: أشَرِبَ خَمرًا؟ فقامَ رَجلٌ فاسْتَنْكَهَهُ فلمْ يَجِدْ منه ريحَ خَمرٍ، قالَ: فقالَ رُسولِ اللهِ ﷺ : أزَنَيتَ؟ فقالَ: نعمْ، فأمَرَ به فرُجِمَ … » (١).
ولأنه سَببٌ يُثبِتُ حَدَّ الزنا، فوجَبَ أنْ يَكونَ العَددُ مِنْ شَرطِه كالشَّهادةِ، ولأنَّ الزنا لمَّا غلظَ بزِيادةِ الشَّهادةِ على سائِرِ الشهاداتِ وجَبَ أنْ يغلظَ بزِيادةِ الإقرارِ على سائرِ الإقراراتِ.
ولا يُشترطُ عندَ الحَنابلةِ أنْ يكونَ الإقرارُ في مَجالسَ، فلو أقَرَّ أربَعَ مرَّاتٍ في مَجلسٍ واحدٍ كَفى؛ لأنَّ ماعِزًا أقَرَّ هكذا، ويَجوزُ أيضًا في مَجالسَ مُتفرِّقةٍ (٢).
وأمَّا الحَنفيةُ فاشتَرطُوا أنْ يكونَ الإقرارُ بالزِّنا أربَعَ مرَّاتٍ في أربَعةِ مَجالِسَ مِنْ مَجالِسِ المُقِرِّ، كلَّما أقَرَّ رَدَّه القاضي حتَّى يَتَوارَى منه، ويَنبغِي للقاضي أنْ يَزجرَه عن الإقرارِ ويُظهِرَ له كَراهةَ ذلك ويَأمرَ بتَنحِيتِه عنه، فإنْ عادَ ثانيًا فعَلَ به كذلك، فإنْ عادَ ثالثًا فعَلَ به كذلك، فإنْ أقَرَّ أربَعَ مرَّاتٍ في مَجلسٍ واحدٍ فهو بمَنزلةِ إقرارٍ واحدٍ (٣).
стр. 13480
ويُشترطُ في الإقرارِ أنْ يكونَ مُفصَّلًا مُبيِّنًا لحَقيقةِ الوطءِ؛ لتَزولَ التُّهمةُ والشُّبهةُ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ فعَلَ هذا مع ماعِزٍ لمَّا جاءَه مُقِرًّا بالزنا؛ لأنَّ الزنا يُعبِّرُ عمَّا ليسَ بمُوجِبٍ للحدِّ (١).
وعنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ قالَ: «لمَّا أتَى ماعزُ بنُ مالكٍ النبيَّ ﷺ قالَ له: لعَلَّكَ قبَّلْتَ أو غمَزْتَ أو نظَرْتَ؟ قالَ: لا يا رسولَ اللهِ، قالَ: أنِكْتَها -لا يَكنِي-؟ قالَ: فعِندَ ذلكَ أمَرَ برَجمِه» (٢).
وعن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: «جاءَ الأسلَميُّ نَبيَّ اللهِ ﷺ فشَهدَ على نَفسِه أنه أصابَ امرَأةً حَرامًا أربَعَ مرَّاتٍ، كلُّ ذلكَ يُعرِضُ عنه النبيُّ ﷺ ، فأقبَلَ في الخامِسةِ فقالَ: أَنِكْتَها؟ قالَ: نعمْ، قالَ: حتى غابَ ذلكَ منكَ في ذلكَ منها؟ قالَ: نعمْ، قالَ: كما يَغِيبُ المِروَدُ في المُكْحُلةِ والرِّشاءُ في البِئرِ؟ قالَ: نعمْ، قالَ: فهلْ تَدرِي ما الزِّنى؟ قالَ: نعمْ أتَيتُ منها حَرامًا ما يَأتي الرَّجلُ مِنْ امرَأتِه حَلالًا، قالَ: فما تُريدُ بهذا القولِ؟ قالَ: أُريدُ أنْ تُطهِّرَني، فأمَرَ بهِ فرُجِمَ، فسَمعَ النبيُّ ﷺ رَجلَينِ مِنْ أصحابِه يقولُ أحَدُهما لصاحِبِه: انظُرْ إلى هذا الذي ستَرَ اللهُ عليه فلمْ تَدَعْه نَفسُه حتى رُجِمَ رَجْمَ الكَلبِ، فسكَتَ عنهُما ثمَّ سارَ ساعةً حتى مَرَّ بجِيفةِ حِمارٍ شائِلٍ برِجلِه فقالَ: أينَ فُلانٌ وفُلانٌ؟ فقالا: نَحنُ ذانِ يا رسولَ اللهِ، قالَ: انزِلَا فكُلا مِنْ جِيفةِ هذا الحِمارِ، فقَالا: يا نبيَّ اللهِ مَنْ يأكُلُ مِنْ هذا؟ قالَ:
стр. 13481
فما نِلتُما مِنْ عِرضِ أخِيكُما آنِفًا أشَدُّ مِنْ أكلٍ منه، والذي نفسِي بيَدِه إنهُ الآنَ لَفِي أنهارِ الجَنةِ يَنقمِسُ فيها» (١).
الرُّجوعُ عن الإقرارِ بالزِّنا:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ المُقِرَّ بالزنا إذا أقَرَّ ثم رجَعَ عن إقرارِه قبْلَ الحَدِّ أو في وَسطِه خُلِّيَ سَبيلُه ولا يُقامُ عليه الحَدُّ، إلا أنَّ المالِكيةَ عندَهم تَفصيلٌ.
قالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنه إذا أقَرَّ بالزنا ثمَّ رجَعَ عنهُ فإنه يَسقطُ الحدُّ عنه ويُقبَلُ رجوعُه، إلا مالكًا فإنه قالَ: إنْ رجَعَ عنِ الإقرارِ بشُبهةٍ يُعذَرُ بها مِثلَ أنْ يَقولَ: «إني وَطئْتُ في نكاحٍ فاسِدٍ، أو ظنَنْتُ أنها جارِيةٌ مُشتَركةٌ» أو في ذلكَ قُبلَ رُجوعُه كمَذهبِ الجَماعةِ.
فإما إنْ رجَعَ عن الإقرارِ بالزِّنا بغيرِ شُبهةٍ ففيهِ رِوايتانِ:
أحَدُهما: أنه يُقبَلُ رجوعُه، والأخرى: لا يُقبَلُ رُجوعُه بوَجهٍ (٢).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: إذا رجَعَ المُقِرُّ بالزنا عن إقرارِه قُبِلَ رُجوعُه وسقَطَ الحدُّ عنه، وبه قالَ أبو حَنيفةَ وأكثَرُ الفُقهاءِ، سَواءٌ وقَعَ به بعضُ الحدِّ أو لم يَقعْ.
стр. 13482
وقالَ الحسَنُ البَصريُّ وسَعيدُ بنُ جُبيرٍ ومالكٌ في إحدَى الرِّوايتينِ عنهُ وداودُ بنُ عليٍّ: لا يُقبَلُ رُجوعُه ولا يَسقطُ عنه الحدُّ، سواءٌ وقَعَ به الحَدُّ أو لم يَقعْ.
وقالَ بعضُ العِراقيِّينَ: يُقبَلُ رُجوعُه قبْلَ الشُّروعِ في حدِّه، ولا يُقبَلُ بعدَ الشُّروعِ فيه؛ استِدلالًا بقولِ النبيِّ ﷺ : «مَنْ أتَى مِنْ هذهِ القاذُوراتِ شَيئًا فلْيَستتِرْ بستْرِ اللهِ، فإنه مَنْ يُبْدِ لنا صَفحتَه نُقِمْ حدَّ اللهِ عليهِ»، فدَلَّ على أنْ لا تأثيرَ للرُّجوعِ بعدَ إبداءِ الصَّفحةِ.
قالُوا: ولأنه حَقٌّ ثبَتَ بإقرارِه، فوجَبَ أنْ لا يَسقطَ برُجوعِه؛ قياسًا على حُقوقِ الآدميِّينَ.
ودَليلُنا: قولُ رَسولِ اللهِ ﷺ : «ادرَؤُوا الحُدودُ بالشُّبهاتِ»، ورُجوعُه شُبهةٌ؛ لاحتِمالِ صِدقِه، ولأنَّ ماعِزًا لمَّا هرَبَ مِنْ حَرِّ الأحجارِ وتَبِعُوه حتَّى قتَلُوهُ قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «هلَّا تَركْتُموهُ لعلَّه أنْ يَتوبَ فيَتوبَ اللهُ عليهِ»، فلو لم يَكنْ لرُجوعِه تأثيرٌ لم يندبْ إلى تَركِه بعدَ الأمرِ برَجمِه.
ورُويَ أنَّ رَجلًا أقَرَّ عندَ عُمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁ بالزِّنا ثمَّ رجَعَ عنه فتَركَه وقالَ: «لَأنْ أترُكَ حَدًّا بالشُّبهةِ أَولى مِنْ أنْ أُقِيمَ حدًّا بالشبهةِ»، ووافَقَ أبا بَكرٍ ﵁ على مِثلِ هذا، وليسَ لهُمَا في الصَّحابةِ مُخالِفٌ فكانَ إجماعًا، ولأنه حدٌّ للهِ تعالَى ثبَتَ بقولِه، فَجازَ أنْ يَسقطَ برُجوعِه كالرِّدةِ، ولأنَّ ما ثبَتَ مِنْ حُدودِ اللهِ تعالَى بالقولِ يَجبُ أنْ يَسقطَ بالقولِ؛ قياسًا على رُجوعِ الشُّهودِ.
стр. 13483
فأمَّا الجَوابُ عن الخبَرِ في إبداءِ الصَّفحةِ فالراجِعُ غيرُ مُبْدٍ لصَفحتِه، وإنَّما يكونُ مُبدِئًا إذا قامَ على إقرارِه.
وأمَّا الجَوابُ عن قِياسِهم على حُقوقِ الآدميِّينَ فمِن وَجهينِ هُمَا فرقٌ يَمنعُ مِنْ صحَّةِ الجَمعِ:
أحَدُهما: أنَّ حُقوقَ اللهِ تعالَى تُدرَأُ بالشُّبهاتِ وحُقوقَ الآدميِّينَ لا تُدرَأُ بها.
والثَّاني: هو أنَّ عليهِ في حُقوقِ الآدميِّينَ أنْ يُقِرَّ بها، وكذلكَ لم يُقبَلْ رُجوعُه فيها، ولا يَجبُ عليهِ في حُقوقِ اللهِ تعالَى إلا التَّوبةُ مِنها، وهو مَندوبٌ إلى أنْ لا يُقِرَّ بها، فلِذلكَ قُبلَ رُجوعُه فيها.
وروَى مُحمدُ بنُ المُنكدِرِ عن ابنِ هزَّالٍ عن أبيهِ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ له: «وَيحَكَ يا هزَّالُ لو ستَرْتَه بثَوبِكَ كانَ خيرًا لكَ» (١)(٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مِنْ شَرطِ إقامةِ الحدِّ بالإقرارِ البَقاءُ عليهِ إلى تَمامِ الحَدِّ، فإنْ رجَعَ عن إقرارِه أو هرَبَ كُفَّ عنهُ، وبهذا قالَ عَطاءٌ ويحيَى بنُ يَعمُرَ والزُّهريُّ وحمَّادٌ ومالكٌ والثَّوريُّ والشافعيُّ وإسحاقُ وأبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ.
وقالَ الحسَنُ وسَعيدُ بنُ جُبيرٍ وابنُ أبي ليلَى: يُقامُ عليهِ الحدُّ ولا يُتركُ؛ لأنَّ ماعِزًا هرَبَ فقتَلُوه ولم يَتركُوهُ، ورُويَ أنه قالَ: «ردُّونِي إلى رسولِ اللهِ
стр. 13484
ﷺ فإنَّ قَومِي هم غَرُّونِي مِنْ نَفسِي وأخبَرُونِي أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ غيرُ قاتِلي، فلمْ يَنزِعُوا عنه حتَّى قتَلُوه» (١) أخرَجَه أبو داودَ، ولو قُبِلَ رُجوعُه للَزمَتْهم ديَتُه، ولأنه حقٌّ وجَبَ بإقرارِهِ، فلمْ يُقبَلْ رجوعُه كسائرِ الحُقوقِ.
وحُكيَ عن الأوزاعيِّ أنه إنْ رجَعَ حُدَّ للفِرْيةِ على نفسِه، وإنْ رجَعَ عنِ السَّرقةِ والشُربِ ضُربَ دونَ الحدِّ.
ولنَا: أنَّ ماعِزًا هرَبَ فذُكرَ للنبيِّ ﷺ فقالَ: «هلَّا تَركتُموهُ يَتوبُ فيَتوبَ اللهُ عليه»، قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: ثبَتَ مِنْ حَديثِ أبي هريرةَ وجابرٍ ونُعيمِ بنِ هزَّالٍ ونَصرِ بنِ داهِرٍ وغيرِهم أنَّ ماعِزًا لمَّا هرَبَ فقالَ لهُم: «رُدُّوني إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقالَ: هلَّا تَركتُموهُ يَتوبُ فيَتوبَ اللهُ عليهِ»، ففِي هذا أوضَحُ الدَّلائلِ على أنه يُقبَلُ رجوعُه، وعن بُريدةَ قالَ: «كنَّا أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ نَتحدَّثُ أنَّ الغامِديةَ وماعزَ بنَ مالكٍ لو رجَعَا بعد اعتِرافِهما، أو قالَ: لو لم يَرجِعَا بعدَ اعتِرافهِما لم يَطلُبْهما، وإنما رجَمَهما عندَ الرابِعةِ» رواه أبو داود.
ولأنَّ رُجوعَه شُبهةٌ، والحُدودُ تُدرَأُ بالشُّبهاتِ، ولأنَّ الإقرارَ إحدَى بيِّنتَي الحَدِّ، فيَسقطُ بالرجوعُ عنهُ كالبيِّنةِ إذا رجَعَتْ قبْلَ إقامةِ الحدِّ، وفارَقَ سائرَ الحُقوقِ؛ فإنها لا تُدرَأُ بالشبهاتِ، وإنما لم يَجبْ ضَمانُ ماعِزٍ على الذينَ قتَلُوه بعدَ هَربِه لأنه ليسَ بصَريحٍ في الرجوعِ.
стр. 13485
إذا ثبَتَ هذا فإنه إذا هرَبَ لم يُتبَعْ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «هلَّا تَركتُموهُ»، وإنْ لم يُتركْ وقُتلَ لم يُضمَنْ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يُضمِّنْ ماعِزًا مَنْ قتَلَه، ولأنَّ هرَبَه ليسَ بصَريحٍ في رُجوعِه، وإنْ قالَ: «رُدُّوني إلى الحاكمِ» وجَبَ رَدُّه ولم يَجُزْ إتمامُ الحدِّ، فإنْ أُتِمَّ فلا ضَمانَ على مَنْ أتَمَّه؛ لِمَا ذكَرْنا في هَربِه.
وإنْ رجَعَ عن إقرارِه وقالَ: «كذَبْتُ في إقرارِي، أو رَجعْتُ عنه، أو لم أفعَلْ ما أقرَرْتُ بهِ» وجَبَ تَركُه، فإنْ قتَلَه قاتلٌ بعدَ ذلكَ وجَبَ ضَمانُه؛ لأنه قد زالَ إقرارُه بالرُّجوعِ عنهُ، فصارَ كمَنْ لم يُقِرَّ، ولا قِصاصَ على قاتلِه؛ لأنَّ أهلَ العلمِ اختَلفُوا في صحَّةِ رُجوعِه، فكانَ اختِلافُهم شبهةً دارِئةً للقِصاصِ، ولأنَّ صِحةَ الإقرارِ ممَّا يَخفى، فيكونُ ذلكَ عُذرًا مانِعًا مِنْ وُجوبِ القِصاصِ (١).
وقالَ الإمامُ الطَّحَاويُّ ﵀: قد رَأيْناهُم جَميعًا لمَّا رَوَوا عن رسولِ اللهِ ﷺ في المُقِرِّ بالزِّنا لمَّا هرَبَ فقالَ النبيُّ ﷺ : «لولا خلَّيتُم سَبيلَه» فكانَ ذلكَ عندَهم على أنَّ رُجوعَه مَقبولٌ، واستَعملُوا ذلكَ في سائرِ حُدودِ اللهِ ، فجعَلُوا مَنْ أقَرَّ بها ثمَّ رجَعَ قُبِلَ رُجوعُه، ولم يَخصُّوا الزِّنا بذلكَ دونَ سائرِ حُدودِ اللهِ (٢).
стр. 13486
يُستحَبُّ تَلقينُ المقِرِّ ليَرجعَ عن إقرارِه:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه يُستحَبُّ تَلقينُ المُقِرِّ بالرُّجوعِ عن إقرارِه في حُدودِ اللهِ تعالَى؛ لحديثِ أبي هُريرةَ ﵁ أنه قالَ: «أتَى رَجلٌ مِنْ المُسلِمينَ رسولَ اللهِ ﷺ وهو في المَسجدِ فنادَاهُ فقالَ: يا رسولَ اللهِ إني زَنَيتُ، فأعرَضَ عنه، فتَنحَّى تلقاءَ وَجهِه فقالَ له: يا رسولَ اللهِ إني زَنَيتُ، فأعرَضَ عنه حتى ثنَى ذلكَ عليه أربَعَ مرَّاتٍ، فلمَّا شَهدَ على نَفسِه أربَعَ شَهاداتٍ دَعاهُ رسولُ اللهِ ﷺ فقالَ: أبِكَ جُنونٌ؟ قالَ: لا، قالَ: فهلْ أحصَنْتَ؟ قالَ: نعمْ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : اذهَبُوا بهِ فارجُموهُ» (١).
وعنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ قالَ: «لمَّا أتَى ماعزُ بن مَالكٍ النبيَّ ﷺ قالَ له: لعَلَّكَ قبَّلْتَ أو غمَزْتَ أو نظَرْتَ؟ قالَ: لا يا رسولَ اللهِ، قالَ: أنِكتَها -لا يَكنِي-؟ قالَ: فعِندَ ذلكَ أمَرَ برَجمِه» (٢).
وعن سُليمانَ بنِ بُريدةَ عن أبيه قالَ: «جاءَ ماعِزُ بنُ مالِكٍ إلى النبيِّ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ طَهِّرني، فقالَ: وَيحَكَ ارجِعْ فاستَغفِرِ اللهَ وتُبْ إليه، قالَ: فرجَعَ غيرَ بَعيدٍ ثمَّ جاءَ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ طَهِّرني، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : ويحَكَ ارجِعْ فاستَغفِرِ اللهَ وتُبْ إليه، قالَ: فرجَعَ غيرَ بَعيدٍ ثمَّ جاءَ فقالَ: يا رسولَ اللهِ طَهِّرني، فقالَ النبيُّ ﷺ مثلَ ذلكَ حتى إذا كانَتِ الرابِعةُ قالَ له رسولُ اللهِ ﷺ : فيمَ أُطهِّرُكَ؟
стр. 13487
فقالَ: مِنْ الزِّنى، فسَألَ رسولُ اللهِ ﷺ : أبِهِ جُنونٌ؟ فأُخبِرَ أنه ليسَ بمَجنونٍ، فقالَ: أشَرِبَ خَمرًا؟ فقامَ رَجلٌ فاستَنكَهَه فلمْ يَجدْ منه رِيحَ خَمرٍ، قالَ: فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : أزَنَيتَ؟ فقالَ: نعمْ، فأمَرَ بهِ فرُجِمَ، فكانَ الناسُ فيه فِرقَتَينِ: قائِلٌ يقولُ: لقدْ هلَكَ، لقدْ أحاطَتْ به خَطيئتُه، وقائلٌ يقولُ: ما تَوبةٌ أفضَلَ مِنْ تَوبةِ ماعزٍ أنه جاءَ إلى النبيِّ ﷺ فوضَعَ يَدَه في يَدِه ثمَّ قالَ: اقتُلنِي بالحِجارةِ، قالَ: فلَبِثوا بذلك يَومينِ أو ثلاثةً، ثمَّ جاءَ رسولُ اللهِ ﷺ وهُم جُلوسٌ فسَلَّمَ ثمَّ جلَسَ فقالَ: استَغفِروا لماعِزِ بنِ مالكٍ، قالَ: فقالوا: غفَرَ اللهُ لِماعزِ بنِ مالكٍ، قالَ: فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : لقدْ تابَ تَوبةً لو قُسِمتْ بينَ أمَّةٍ لَوَسِعتْهم.
قالَ: ثمَّ جاءَتْه امرَأةٌ مِنْ غامِدٍ مِنْ الأَزدِ فقالَتْ: يا رَسولَ اللهِ طهِّرْني، فقالَ: ويحَكِ ارجِعِي فاستَغفرِي اللهَ وتُوبي إليه، فقالَتْ: أراكَ تُريدُ أنْ تُرَدِّدَني كما رَدَّدتَ ماعزَ بنَ مالكٍ، قالَ: وما ذاكِ؟ قالت: إنها حُبلَى مِنْ الزِّنى، فقالَ: آنْتِ؟ قالَتْ: نعمْ، فقالَ لها: حتى تَضَعي ما في بَطنِكِ، قالَ: فكفَلَها رَجلٌ مِنْ الأنصارِ حتى وضَعَتْ، قالَ: فأتَى النبيَّ ﷺ فقالَ: قد وضَعَتِ الغامِديةُ، فقالَ: إذًا لا نَرجُمُها ونَدَعُ ولَدَها صَغيرًا ليسَ له مَنْ يُرضِعُه، فقامَ رَجلٌ مِنْ الأنصارِ فقالَ: إليَّ رَضاعُه يا نبيَّ اللهِ، قالَ: فرَجَمَها» (١).
стр. 13488
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: جاءَ تَلقينُ الرُّجوعِ عنِ الإقرارِ بالحُدودِ عن النبيِّ ﷺ وعنِ الخُلفاءِ الراشدِينَ ومَن بعدَهم، واتَّفقَ العُلماءُ عليهِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: قالَ المُهلَّبُ وغيرُه: في هذا الحَديثِ دليلٌ على جَوازِ تلقينِ المُقِرِّ في الحُدودِ ما يدرأُ بها عنه، ألَا ترَى أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ لماعِزٍ: «لعلَّكَ غَمزْتَ أو قبَّلْتَ» ليَدرأَ عنه الحَدَّ؛ إذْ لفظُ الزِّنا يقَعُ على نَظرِ العَينِ وجَميعِ الجَوارحِ، فلمَّا أتَى ماعزٌ بلَفظٍ مُشتركٍ لم يَحدَّه النبيُّ ﷺ حتَّى وقَفَ على صَحيحِ ما أتاهُ بغيرِ إشكالٍ؛ لأنَّ مِنْ سُننِه ﷺ درءُ الحُدودِ بالشُّبهاتِ، فلمَّا أفصَحَ وبيَّنَ أمَرَ برَجمِه.
قالَ غيرُه: وهذا يَدلُّ أنَّ الحُدودَ لا تُقامُ إلا بالإفصاحِ دونَ الكِناياتِ، ألَا ترَى لو أنَّ الشُّهودَ شَهدُوا على رَجلٍ بالزِّنا ولم يَقولُوا: «رَأيْناهُ أولَجَ فيها» كانَ حُكمُهم حُكمَ مَنْ قذَفَ لا حُكمَ مَنْ شَهدَ؛ رِفقًا مِنْ اللهِ بعبادِه وستْرًا عليهم ليَتوبُوا.
قالَ المهلَّبُ: وقد استَعملَ التَّلقينَ بعدَ النبيِّ ﷺ أصحابُه الراشِدونَ، روَى مالكٌ عن يحيَى بنِ سعيدٍ «أنَّ عُمرَ أتاهُ رَجلٌ وهو بالشَّامِ فذكَرَ أنه وجَدَ مع امرأتِه رَجلًا، فبعَثَ عُمرُ أبا واقِدٍ إلى امرأتِه يَسألُها عمَّا قالَ زوجُها لعُمرَ، وأخبَرَها أنها لا تُؤخَذُ بقولِه، وجعَلَ يُلقِّنُها أشباهَ ذلكَ لتَنزِعَ، فأبَتْ أنْ تَنزعَ فرجَمَها عمرُ».
стр. 13489
وروَى مَعمرٌ بإسنادِه «أنَّ عُمرَ أُتِيَ برَجلٍ فقيلَ: إنهُ سارِقٌ، فقالَ عمرُ: إني لَأرَى يَدَ رَجلٍ ما هي بيَدِ سارقٍ، فقالَ الرَّجلُ: واللهِ ما أنا بسارِقٍ، فخَلَّى سبيلَه».
وعن الشَّعبيِّ قالَ: أُتيَ عليٌّ بامرأةٍ يُقالُ لها شُراحةُ وهي حُبلَى مِنْ الزِّنا، فقالَ: وَيحكِ لَعلَّ رَجلًا استَكرهَكِ، قالَتْ: لا، قالَ: لعلَّ وقَعَ عليكِ وأنتِ نائمةٌ، قالَتْ: لا، قالَ: فلَعلَّ زوْجَكِ مِنْ عدِّوِنا، يعني أهلَ الشَّامِ، فأنتِ تَكرهِينَ أنْ تَدلِّي عليهِ، قالَتْ: لا، فجعَلَ يُلقِّنُها هذا وأشباهَهُ وتَقولُ: لا، فرجَمَها».
وعن أبي مَسعودٍ أُتِيَ بِسارقٍ سرَقَ بَعيرًا فقالَ: هل وجَدْتَه؟ قالَ: نعَمْ، فخَلَّى سَبيلَه.
قالَ المُهلَّبُ: فهذا وَجهُ التلقينِ بالتَّعريضِ لمَن يَعرفُ الحَدَّ وما يَلزمُه فيهِ، وأمَّا تَلقينُ الجاهِلِ ومَن لا يَعرفُ الكَلامُ فهو تَصريحٌ، وروَى ابنُ جُريجٍ عن عطاءٍ قالَ: كانَ بعضُهم يُؤتَى بالسارقِ فيَقولُ: أسرَقْتَ؟ قلْ: لا، أسرَقْتَ؟ قلْ: لا، وعِلمِي أنه سمَّى أبا بكرٍ وعمرَ.
وروَى شُعبةُ عن أبي الدَّرداءِ أنه أُتِيَ بجاريةٍ سَوداءَ سَرقَتْ، فقالَ لها: أسرَقْتِ يا سلامةُ؟ قولِي: لا، قالَتْ: لا، فخلَّى سبيلَها، فقُلتُ: أنتَ تُلقِّنُها؟ قالَ أبو الدَّرداءِ: إنها اعتَرفَتْ وهي لا تَدرِي ما يُرادُ بها.
وقالَ الأعمَشُ: كانَ إبراهِيمُ يَأمرُ بطَرحِ المُعتَرِفينَ، وكانَ أحمدُ وإسحاقُ يَرَيانِ تلقينَ السارقِ إذا أُتي به، وكذلكَ قالَ أبو ثَورٍ إذا كانَ السارقُ امرَأةً أو لا يَدرِي ما يُصنَعُ به أو ما يَقولُ.
стр. 13490
قالَ المُهلَّبُ: هذا التَّلقينُ على اختِلافِ مَنازلِه ليسَ بسُنةٍ لازِمةٍ إلا عندَ اختيارِ الإمامِ ذلكَ، وله ألَّا يُلقِّنَ ولا يُعرِّضَ؛ لقَولِه: «بيَّنةٌ وإلا حَدٌّ في ظَهرِكَ»، وأمَّا التلقينُ الَّذي لا يَحلُّ فتَلقينُ الخَصمينِ في الحقوقِ وتَداعِي الناسِ، وكذلكَ لا يَجبُ تَلقينُ المُنتهِكِ المَعروفِ بذلكَ إذا تبيَّنَ ما أقَرَّ به أو شُهدَ عليهِ، ويَلزمُ الإمامَ إقامةُ الحدِّ فيه (١).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: يُستحَبُّ للإمامِ تَلقينُ المُقِرِّ الرجوعَ بقَولِه: «لعلَّكَ لمَسْتَها أو قبَّلْتَها» كما لقَّنَ ﵊ ماعِزًا، وكما لقَّنَ ﵊ السارِقَ والسارِقةَ بقولِه ﵊: «ما إِخالُه سرَقَ، أو أسرَقْتِ؟ قولِي: لا» (٢) لو لم يَكنْ مُحتمِلًا للرُّجوعِ لم يَكنْ للتلقينِ معنًى وفائدةٌ، فكانَ التلقينُ منهُ عليهِ أفضَلُ التَّحيةِ والتسليمِ احتِيالًا للدَّرءِ؛ لأنه أمَرَنا بهِ بقولِه عليهِ أفضَلُ التحيَّةِ: «ادرَؤُوا الحُدودَ بالشُّبهاتِ»، وقولِه ﵊: «ادرَؤُوا الحُدودَ ما استَطعْتُم»، وكذلكَ الرُّجوعُ عنِ الإقرارِ بالسَّرقةِ والشُّربِ؛ لأنَّ الحدَّ الواجِبَ بهِما حقُّ اللهِ خالِصًا، فيَصحُّ الرُّجوعُ عن الإقرارِ بهِما، إلَّا أنَّ في السَّرقةِ يَصحُّ الرجوعُ في حَقِّ القطعِ لا في حَقِّ المالِ؛ لأنَّ القَطعَ حقُّ اللهِ تعالى عَزَّ شأنُه على الخُلوصِ، فيَصحُّ الرُّجوعُ عنه، فأمَّا المالُ فحَقُّ العبدِ، فلا يَصحُّ الرُّجوعُ فيه.
стр. 13491
وأمَّا حَدُّ القَذفِ فلا يَصحُّ الرُّجوعُ عن الإقرارِ فيهِ؛ لأنَّ للعبدِ فيهِ حقًّا، فيَكونُ مُتهَمًا في الرجوعِ، فلا يَصحُّ كالرجوعِ عن سائرِ الحُقوقِ المُتمحِّضةِ للعبادِ.
وكذلكَ الرُّجوعُ عنِ الإقرارِ بالقِصاصِ؛ لأنَّ القِصاصَ خالِصُ حَقِّ العِبادِ، فلا يَحتمِلُ الرُّجوعَ (١).
ثانيًا: الشَّهادةُ على الزِّنا:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنه لو شَهِدَ أربَعُ أحرارٍ عُدولٍ بالزِّنا ووَصفُوهُ بأنْ قالُوا: «رَأيْنا ذكَرَه في فَرجِها كالمروَدِ في المكحلَةِ والرِّشا في البئرِ» أنَّ عليه الحَدُّ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، وقولِه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤].
وعن أبِي هُريرة ﵁ أنَّ سعدَ بنَ عُبادةَ ﵁ قالَ لرسولِ اللهِ ﷺ : «أَرَأيتَ إنْ وَجدْتُ مع امرَأتي رَجلًا أَأُمهِلُه حتَّى آتِيَ بأربَعةِ شُهداءَ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : نعَمْ» (٢).
وذلكَ لأنَّ اللهَ تعالَى يُحبُّ الستْرَ على عِبادِه، وفي اشتِراطِ الأربَعةِ يَتحقَّقُ معنَى الستْرِ؛ إذ وُقوفُ الأربَعةِ على هذه الفاحِشةِ في غايةٍ مِنْ النُّدْرةِ.
وقد نقَلَ عَددٌ كَبيرٌ مِنْ العُلماءِ الإجماعَ على هذا.
стр. 13492
قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: ولم أعلَمِ الناسَ اختَلفُوا في أنْ لا يُقامَ الحدُّ في الزِّنا بأقلَّ مِنْ أربَعةِ شُهداءَ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعُوا على أنَّ الشَّهادةَ على الزِّنا أربَعةٌ لا يُقبَلُ أقلُّ مِنهُم (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: فأجمَعَ العُلماءُ أنَّ البيِّنةَ في الزنا أربَعةُ شُهداءَ رِجالٌ عُدولٌ يَشهَدونَ بالصَّريحِ مِنْ الزِّنا لا بالكِنايةِ، وبالرُّؤيةِ كذلكَ والمُعايَنةِ (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: فأما وُجوبُ قَبولِ أربَعةٍ في الزنا فبِنَصِّ القُرآنِ، ولا خِلافَ فيه (٤).
وقالَ الإمامُ ابنُ العرَبيِّ ﵀: قولُه تعالَى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾، وهذا حُكمٌ ثابتٌ بإجماعٍ مِنْ الأمَّةِ.
فشرَطَ غايَةَ الشَّهادةِ في غايةِ المَعصيةِ لِأعظَمِ الحُقوقِ حُرمةً، وتَعديدُ الشُّهودِ بأربَعةٍ حُكمٌ ثابتٌ في التَّوراةِ والإنجِيلِ والقُرآنِ، روَى أبو داودَ عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ قالَ: جاءَتِ اليَهودُ برَجلٍ وامرأةٍ قد زنَيَا، فقالَ النبيُّ ﷺ : ائتُونِي بأعلَمِ رَجلَينِ منكُم، فأتَوهُ بابني صُوريَّا، فنشَدَهما
стр. 13493
اللهَ: كيفَ تَجِدانِ أمْرَ هذَينِ في التَّوراةِ؟ قالا: نَجدُ في التَّوراةِ إذا شَهِدَ أربعَةٌ أنهُم رَأَوا ذكَرَه في فَرجِها مثلَ المِيلِ في المكحلَةِ رُجِمَا، قالَ: فما يَمنعُكُما أنْ تَرجمُوهُما؟ قالَا: ذهَبَ سُلطانُنا وكَرهْنا القتلَ، فدَعَا رسولُ اللهِ ﷺ بالشُّهودِ فجَاؤُوا وشَهدُوا أنهم رَأَوا ذكَرَه في فَرجِها مثلَ المِيلِ في المكحلَةِ، فأمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ فرجَمَهُما» (١)(٢).
وقالَ القاضِي عِياضٌ ﵀: لا خِلافَ بينَ العُلماءِ في أنه لا يُقبَلُ في الزنا أقَلُّ مِنْ أربَعةٍ (٣).
وقالَ الوزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ البيِّنةَ التي يَثبتُ بها الزنا أنْ يَشهدَ له أربَعةُ عُدولٍ رِجالٌ ويَصِفونَ حقيقةَ الزنا (٤).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: أجمَعُوا على أنَّ البيِّنةَ أربَعةُ شُهداءَ ذُكورٍ عُدولٍ، هذا إذا شَهدُوا على نَفسِ الزِّنا، ولا يُقبَلُ دونَ الأربعةِ (٥).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَعَ المُسلمونَ على أنه لا يُقبَلُ في الزِّنا أقلُ مِنْ أربَعةِ شُهودٍ، وقد نَصَّ اللهُ تعالَى عليه (٦).
стр. 13494
وقالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: الحُكمُ بأربَعةِ رِجالٍ أحرارٍ، وذلكَ في حَدِّ الزنا واللِّواطِ، أمَّا الزنا فبالنَصِّ والإجماعِ، وأمَّا اللواطُ فقالَتْ طائِفةٌ: هو مَقِيسٌ عليه في نِصابِ الشَّهادةِ كما هو مَقيسٌ عليه في الحدِّ.
وقالَتْ طائفةٌ: بل هو داخِلٌ في مُسمَّى الزنِّا؛ لأنه وطءٌ في فَرجٍ مُحرَّمٍ، وهذا لا تَعرفُه العرَبُ، فقالَ هؤلاءِ: هو داخِلٌ في مُسمَّى الزنى شَرعًا (١).
إذا لم يَكتمِلْ شُهودُ الزنا:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه إنْ شَهدَ أقَلُّ مِنْ أربَعةٍ لا تُقبَلُ شهادتُهم، وهُم قَذَفةٌ يُحَدُّونَ جَميعًا حَدَّ القذفِ إذا طلَبَ المَشهودُ عليه ذلك؛ «لأنَّ أبَا بَكرةَ ونافعَ بنَ الحارِثِ وشِبْلَ بنَ مَعْبدٍ شَهدُوا على المُغيرةِ بنِ شُعبةَ بالزنى عندَ عُمرَ بنِ الخطَّابِ، ولمَّا لم يُصرِّحْ زيادٌ بذلكَ بل قالَ: رَأَيتُ أمرًا قَبيحًا فَرحَ عُمرُ وحَمِدَ اللهَ ولمْ يُقِمِ الحدَّ عَليهِ، وكانَ بمَحضرٍ مِنْ الصحابةِ، ولمْ يُنكَرْ» (٢)، فدَرَأَ عنه عُمرُ الحَدَّ؛ لأنه لمْ يُصرِّحْ بالقَذفِ، وضرَبَ الثلاثةَ حَدَّ القَذفِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإذا لم تَكملْ شُهودُ الزِّنا فعَليهِم الحدُّ في قولِ أكثَرِ أهلِ العلمِ، منهُم مالكٌ والشافِعيُّ وأصحابُ الرَّأيِ، وذكَرَ أبو الخطَّابِ فيهِم روايتَينِ، وحُكيَ عن الشافِعيِّ فيهِم قَولانِ: أحَدُهما: لا حَدَّ عليهم؛ لأنهُم شُهودٌ، فلم يَجبْ عليهم الحدُّ كما لو كانوا أربَعةً أحَدُهم فاسقٌ.
стр. 13495
ولنا: قولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، وهذا يُوجِبُ الجَلدَ على كلِّ رامٍ لم يَشهدْ بما قالَ أربَعةٌ، ولأنه إجماعُ الصَّحابةِ؛ فإنَّ عُمرَ جلَدَ أبا بَكرةَ وأصحابَه حينَ لم يُكمِلِ الرابعُ شَهادتَه بمَحضرٍ مِنْ الصَّحابةِ فلمْ يُنكِرْه أحدٌ.
وروَى صالحٌ في مَسائلِه بإسنادِه عن أبي عُثمانَ النَّهديِّ قالَ: جاءَ رَجلٌ إلى عُمرَ فشَهِدَ على المُغيرةِ بنِ شُعبةَ، فتَغيَّرَ لونُ عُمرَ، ثمَّ جاءَ آخَرُ فشَهدَ فتغيَّرَ لونُ عُمرَ، ثمَّ جاءَ آخَرُ فشَهدَ فاستكبَرَ ذلكَ عمرُ، ثمَّ جاءَ شابٌ يَخطِرُ بيَديِه فقالَ عمرُ: ما عِندكَ يا سُلَحَ العُقابِ؟ وصاحَ به عمرُ صَيحةً فقالَ أبو عُثمانَ: واللهِ لقدْ كِدْتُ يُغشَى عليَّ، فقالَ: يا أميرَ المُؤمنينَ رأيْتُ أمرًا قَبيحًا، فقالَ الحَمدُ للهِ الَّذي لم يُشمِّتِ الشَّيطانَ بأصحابِ مُحمدٍ ﷺ ، قالَ: فأمَرَ بأولئكَ النَّفرِ فجُلِدُوا».
وفي رِوايةٍ: «أنَّ عُمرَ لمَّا شُهدَ عندَه على المُغيرةِ شَهدَ ثلاثةٌ وبَقيَ زيادٌ، فقالَ عمرُ: أرَى شابًّا حسَنًا، وأرجُو أنْ لا يَفضحَ اللهُ على لِسانِه رَجلًا مِنْ أصحابِ مُحمدٍ رسولِ اللهِ ﷺ ، فقالَ: يا أميرُ رأيْتُ اسْتًا تَنبُو ونفَسًا يَعلُو ورأيْتُ رِجلَيها فوقَ عُنقِه كأنَّهما أُذُنَا حِمارٍ، ولا أدرِي ما وراءَ ذلكَ، فقالَ عمرُ: اللهُ أكبَرُ، وأمَرَ بالثَّلاثةِ فضُرِبُوا»، وقَولُ عُمرَ: «يا سُلَحَ العُقابِ» معناهُ أنه يُشبِهُ سُلحَ العُقابِ الَّذي يُحرِّقُ كلَّ شَيءٍ أصابَه، وكذلكَ هذا تُوقَعُ العُقوبَةُ بأحَدِ الفَريقينِ لا مَحالةَ إنْ كَمُلتْ شهادتُه حُدَّ المَشهودُ عليهِ، وإنْ لم تَكملْ حُدَّ أصحابُه.
فإنْ قيلَ: فقدْ خالَفَهم أبو بَكرةَ وأصحابُه الذِينَ شَهدُوا.
стр. 13496
قُلنَا: لم يُخالِفُوا في وُجوبِ الحدِّ عليهِ، إنَّما خالَفُوهم في صحَّةِ ما شَهدُوا بهِ، ولأنه رامٍ بالزِّنا لم يَأتِ بأربَعةِ شُهداءَ، فيَجبُ عليه الحدُّ كما لو لم يَأتِ بأحَدٍ.
فصلٌ: وإنْ كَملُوا أربعةً غيرَ مَرضِيِّينَ أو واحدٌ منهُم كالعبيدِ والفُسَّاقِ والعُميانِ ففِيهم ثلاثُ رِواياتٍ:
إحداهُنَّ: عليهِم الحدُّ، وهو قَولُ مالكٍ، قالَ القاضي: هذا الصَّحيحُ؛ لأنها شَهادةٌ لم تَكملْ، فوجَبَ الحدُّ على الشُّهودِ كما لو كانُوا ثلاثةً.
والثانيةُ: لا حَدَّ عليهِم، وهو قَولُ الحسَنِ والشَّعبيِّ وأبي حنيفةَ ومُحمدٍ؛ لأنَّ هَؤلاءِ قد جاؤُوا بأربعةِ شُهداءَ، فدَخلُوا في عُمومِ الآيةِ؛ لأنَّ عدَدَهم قد كَملَ، ورَدُّ الشهادةِ لمعنًى غيرِ تَفريطِهم، فأشبَهَ ما لو شَهدَ أربعةٌ مَستورُونَ ولم تَثبتْ عَدالتُهم ولا فِسقُهم.
الثالثةُ: إنْ كانوا عُميانًا أو بَعضُهم جُلِدُوا، وإنْ كانوا عَبيدًا أو فُسَّاقًا فلا حَدَّ عليهم، وهو قولُ الثَّوريِّ وإسحاقَ؛ لأنَّ العُميانَ مَعلومٌ كَذبُهم؛ لأنهُم شَهدُوا بما لم يَرَوهُ يقينًا، والآخَرونَ يَجوزُ صِدقُهم وقد كَملَ عدَدُهم، فأشبَهُوا مُستورِي الحالِ.
وقالَ أصحابُ الشافِعيِّ: إنْ كانَ رَدُّ الشهادةِ لمعنًى ظاهِرٍ كالعمَى والرِّقِّ والفِسقِ الظاهرِ فَفيهِم قَولانِ، وإنْ كانَ لمعنًى خَفيٍّ فلا حَدَّ عليهِم؛ لأنَّ ما يَخفَى يَخفَى على الشُّهودِ، فلا يكونُ ذلكَ تَفريطًا منهُم، بخلافِ ما يَظهرُ.
стр. 13497
وإنْ شَهدَ ثلاثةُ رجالٍ وامرَأتانِ حُدَّ الجَميعُ؛ لأنَّ شَهادةَ النِّساءِ في هذا البابِ كعَدمِها، وبهذا قالَ الثَّوريُّ وأصحابُ الرأيِ، وهذا يُقوِّي روايةَ إيجابِ الحَدِّ على الأوَّلِينَ ويُنبِّهُ على إيجابِ الحدِّ فيما إذا كانوا عُميانًا أو أحَدُهم؛ لأنَّ المَرأتينِ يُحتمَلُ صِدقُهما وهُمَا مِنْ أهلِ الشَّهادةِ في الجُملةِ، والأعمَى كاذِبٌ يَقينًا وليسَ مِنْ أهلِ الشهادةِ على الأفعالِ، فوُجوبُ الحَدِّ عليهِم وعلى مَنْ معهُم أَولى (١).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: فإنْ شَهدَ على الزنا أقَلُّ مِنْ أربعةٍ لم تُقبَلْ شَهادتُهم؛ لنُقصانِ العَددِ المَشروطِ، وهل يُحَدُّونَ حَدَّ القَذفِ؟ قالَ أصحابُنا: يُحَدونَ.
وقالَ الشافِعيُّ ﵀: إذا جاؤُوا مَجيءَ الشُّهودِ لم يُحَدُّوا.
وعلى هذا الخِلافِ إذا شَهدَ ثلاثةٌ وقالَ الرابعُ: «رَأيْتُهما في لِحافٍ واحدٍ» ولم يَزِدْ عليه أنه يُحَدُّ الثلاثةُ عندَنا، ولا حَدَّ على الرابعِ؛ لأنه لم يَقذفْ، إلا إذا كانَ قالَ في الابتداءِ: «أشهَدُ أنه قد زَنَى» ثم فسَّرَ الزنا بما ذكَرَ، فحِينئذٍ يُحَدُّ.
وجهُ قولِ الشافِعيِّ ﵀: أنهم إذا جاؤُوا مَجيءَ الشُّهودِ كانَ قَصدُهم إقامةَ الشَّهادةِ حِسبةً للهِ تعالَى لا القذفَ، فلمْ يكنْ جِنايةً فلمْ يكنْ قذفًا.
ولنَا: ما رُويَ «أنَّ ثلاثةً شَهدُوا على مُغيرةَ بالزِّنا، فقامَ الرابعُ وقالَ: رأيْتُ أقدامًا بادِيةً ونفَسًا عاليًا وأمرًا مُنكَرًا ولا أعلَمْ ما وراءَ ذلكَ، فقال
стр. 13498
سيِّدُنا عمرُ ﵁: الحمَدُ للهِ الذي لم يَفضحْ رَجلًا منْ أصحابِ مُحمدٍ ﷺ ، وحَدَّ الثلاثةَ»، وكانَ ذلكَ بمَحضرٍ مِنْ الصحابةِ الكِرامِ ﵃ ولم يُنقَلْ أنه أنكَرَ عليه مُنكِرٌ فيكونُ إجماعًا، ولأنَّ المَوجودَ مِنْ الشُّهودِ كلامُ قذفٍ حَقيقةً؛ إذِ القَذفُ هو النِّسبةُ إلى الزنا، وقد وُجِدَ مِنْ الشهودِ حَقيقةً، فيَدخلونَ تحتَ آيةِ القَذفِ، إلا أنَّا اعتبَرْنا تمامَ عدَدِ الأربعِ إذا جاؤُوا مَجيءَ الشُّهودِ، فقدْ قصَدُوا إقامةَ الحِسبةِ واجبًا حقًّا للهِ تعالَى، فخرَجَ كَلامُهم عن كَونِه قَذفًا وصارَ شهادةً شرعًا، فعِندَ النُّقصانِ بقيَ قَذفًا حَقيقةً، فيُوجِبُ الحَدَّ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنه إذا لم يَكملْ شُهودُ الزِّنا أربعةً فإنهمْ قذَفةٌ يُحَدُّونَ، إلا ما رُويَ عن الشافِعيِّ في أحَدِ قولَيه: أنهم لا يُحدُّونَ (٢).
إذا رَجعُوا عن الشَّهادةِ أو أحَدُهم:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الشُّهودَ الأربَعةَ إذا شَهدُوا بالزنا ثمَّ رجَعَ واحِدٌ منهُم أنه لا يُقامُ الحدُّ؛ لأنه يحتملُ أنْ يكونُوا صادِقينَ في الشَّهادةِ كاذِبينَ في الرُّجوعِ، ويَجوزُ أنْ يكونُوا صادِقينَ في الرُّجوعِ كاذِبينَ في الشهادةِ، ولم يُحكَمْ مع الشَّكِّ، كما لو جُهلَ عَدالةُ الشُّهودِ.
стр. 13499
وأيضًا فإنَّ كَذِبَهم ثابتٌ لا مَحالةَ؛ إمَّا في الشهادةِ أو الرُّجوعِ، ولا يَجوزُ الحُكمُ بشَهادةِ الكذابِ، ولا يَفسُقونَ برُجوعِهم إلَّا إنْ قالُوا: «تَعمَّدْنا شَهادةَ الزُّورِ» فيَفسقونَ.
قالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: قالَ الشيخُ أبو حامِدٍ: وهو إجماعٌ، إلا ما حُكيَ عن أبي ثَورٍ أنه قالَ: (يُحكَمُ بشَهادتِهما؛ لأنَّ الشهادةَ قد حَصلَتْ، فلمْ تَبطلْ بالرُّجوعِ كما لو رَجعُوا بعدَ الحُكمِ).
وهذا خَطأٌ؛ لأنَّ الحاكِمَ إنما يَحكمُ بشَهادتِهم، فإنْ رَجعُوا .. لم تَبْقَ هناكَ شَهادةٌ يَحكمُ بها، ولأنَّ الحاكِمَ إنما يَجوزُ له أنْ يَحكمَ بشَهادةٍ يَغلبُ على ظنِّه صِدقُ شُهودِها، فإذا رَجعُوا عن الشهادةِ .. احتُملَ أنْ يكونُوا صادقِينَ في الشهادةِ كاذِبينَ في الرجوعِ، واحتُملَ أنْ يكونُوا كاذبِينَ في الشهادةِ وصادقِينَ في الرُّجوعِ، وذلكَ يُوقِعُ شَكًّا في شهادَتِهم، فلم يَجُزِ الحُكمُ بشَهادتِهم كما لو فَسقُوا بعدَ الشهادةِ وقبْلَ الحُكمِ بها (١).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا هل يُقامُ على جَميعِهم حَدُّ القذفِ؟ أم على الرَّاجعِ وحْدَه؟ أم الثَّلاثةِ دونَ الراجعِ؟ وهل هُناكَ فَرقٌ بينَ الرُّجوعِ قبلَ الحُكمِ بالشَّهادةِ أم لا؟
فذهَبَ الشافِعيةُ وزُفرُ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنه يُحَدُّ مِنْ الشُّهودِ الراجِعُ عن شَهادتِه؛ لاعتِرافِه بالقَذفِ؛ لأنه مُقِرٌّ على نَفسِه بالكذبِ في قذفِه، ولم يُحَدَّ مَنْ لم يَرجعْ عنها؛ لأنَّ مَنْ وجَبَ الحَدُّ بشَهادتِه لم يُحَدَّ إذا أقامَ على
стр. 13500
شَهادتِه، كما لو لم يَرجعْ واحدٌ منهُم، ولأنَّ نُقصانَ العَددِ بعدَ كَمالِه لا يُوجِبُ حَدَّ مَنْ بقيَ، كما لو ماتَ بَعضُهم أو فسَقَ قبْلَ إقامةِ الحَدِّ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ في أصَحِّ الرِّوايتَينِ إلى أنَّ الشهودَ إذا رَجعُوا عن الشهادةِ أو واحدٌ منهُم فعَلى جَميعِهم الحَدُّ؛ لأنه نقَصَ العددُ بالرُّجوعِ قبْلَ إقامةِ الحَدِّ، فلَزمَهم الحدُّ كما لو شَهدَ ثلاثةٌ وامتَنعَ الرابعُ مِنْ الشهادةِ.
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: إذا رجَعَ واحِدٌ منهم فإنْ كانَ قبْلَ القَضاءِ يُحَدونَ جَميعًا عندَ أصحابِنا الثلاثةِ، وعندَ زُفرَ يُحَدُّ الراجعُ خاصةً.
وجهُ قولِه أنَّ كَلامَهم وقَعَ شَهادةً قذفًا لكَمالِ نِصابِ الشَّهادةِ، وهو عَددُ الأربَعةِ، وإنما يَنقلبُ قَذفًا بالرُّجوعِ، ولم يُوجَدْ إلا مِنْ أحَدِهم، فيَنقلبُ كَلامُه قذفًا خاصةً، بخِلافِ ما إذا شَهدَ ثلاثةٌ بالزنا أنهم يُحَدونَ؛ لأنَّ هناكَ نِصابُ الشَّهادةِ لم يَكملْ، فوقَعَ كَلامُهم مِنْ الابتِداءِ قذفًا.
ولنَا: أنَّ كَلامَهم لا يَصيرُ شَهادةً إلا بقَرينةِ القَضاءِ، ألَا ترَى أنها لا تَصيرُ حُجَّةً إلا بهِ، فقبْلَه يكونُ قذفًا لا شهادةً، فكانَ يَنبغِي أنْ يُقامَ الحدُّ عليهِم بالنصِّ؛ لوُجودِ الرَّميِ منهُم، إلا أنه لا يُقامُ؛ لاحتِمالِ أنْ يَصيرَ شَهادةً بقَرينةِ القَضاءِ، ولئلَّا يُؤدِّي إلى سَدِّ بابِ الشهادةِ، فإذا رجَعَ أحَدُهم زالَ هذا المعنَى، فبَقيَ كَلامُهم قذفًا فيُحَدونَ، وصارَ كما لو كانَ الشُّهودُ مِنْ الابتداءِ ثلاثةً، فإنهم يُحدُّونَ؛ لوُقوعِ كَلامِهم قذفًا، كذا هذا.
стр. 13501
وإنْ كانَ بعدَ القَضاءِ قبلَ الإمضاءِ فإنهم يُحَدونَ جَميعًا عندَهما، وعندَ مُحمدٍ الراجِعُ خاصَّةً.
وجهُ قولِه: أنَّ كَلامَهم وقَعَ شَهادةً؛ لاتِّصالِ القَضاءِ به، فلا يَنقلبُ قَذفًا إلَّا بالرُّجوعِ، ولم يَرجعْ إلَّا واحدٌ منهُم، فيَنقلبُ كَلامُه خاصَّةً قذفًا، فلمْ يَصحَّ رُجوعُه في حقِّ الباقينَ، فبَقيَ كلامُهم شَهادةً فلا يُحدُّونَ.
ولهُمَا: أنَّ الإمضاءَ في بابِ الحُدودِ مِنْ القَضاءِ؛ بدَليلِ أنَّ عَمَى الشهودِ أو رِدَّتُهم قبْلَ القضاءِ كما يَمنعُ مِنْ القضاءِ فبعْدَه يَمنعُ مِنْ الإمضاءِ، فكانَ رُجوعُه قبلَ الإمضاءِ بمَنزلةِ رُجوعِه قبلَ القَضاءِ.
ولو رجَعَ قبْلَ القضاءِ يُحَدونَ جميعًا بلا خِلافٍ بينَ أصحابِنا الثلاثةِ، كذا إذا رجَعَ بعدَ القضاءِ قبلَ الإمضاءِ، وإنْ كانَ بعدَ الإمضاءِ فإنْ كانَ الحَدُّ جَلدًا يُحَدُّ الراجِعُ خاصةً بالإجماعِ؛ لأنَّ رُجوعَه صَحيحٌ في حقِّه خاصةً لا في حَقِّ الباقينَ، فانقلَبَتْ شَهادتُه خاصةً قذفًا، فيُحَدُّ خاصةً، وإنْ كانَ الحدُّ رَجمًا وماتَ المَقذوفُ يُحَدُّ الراجعُ عندَ أصحابِنا خِلافًا لزُفرَ (١).
وذهَبَ الحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنه يُحَدُّ الثلاثةُ دونَ الراجعِ، وهذا اختيارُ أبي بَكرٍ وابنِ حامِدٍ؛ لأنه إذا رجَعَ قبْلَ الحدِّ فهوَ كالتائبِ قبلَ تَنفيذِ الحُكمِ بقولِه، فيَسقطُ عنه الحَدُّ، ولأنَّ في دَرءِ الحُكمِ عنهُ تَمكينًا له مِنْ الرُّجوعِ الذي يحصلُ به مَصلحةُ المَشهودِ عَليهِ، وفي إيجابِ الحَدِّ عليهِ زَجرٌ له عن
стр. 13502
الرجوعِ خوفًا مِنْ الحَدِّ، فتَفوتُ تلكَ المَصلحةُ وتَتحقَّقُ المَفسدةُ، فناسَبَ ذلكَ نفْيَ الحدِّ عنه (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنه إذا رجَعَ أحَدُهم بعدَ إقامةِ الشهادةِ وقبْلَ الحُكمِ بها لم يُحَدَّ المَشهودُ عليهِ وحُدَّ الشهودُ كلُّهم، وإنْ كانَ ذلكَ بعدَ إقامةِ الحدِّ حُدَّ الراجعُ وحْدَه.
جاءَ في «المُدوَّنة الكُبْرى»: قلتُ: أرَأيتَ لو أنَّ أربَعةً شَهدُوا على رَجلٍ بالزنا فرجَعَ واحدٌ مِنهم قبلَ أنْ يُقيمَ الإمامُ عليه الحدَّ، أيَجلِدُه الحَدَّ ويَجلدُ الثلاثةَ معه في قولَ مالِكٍ أم لا يَجلِدُ إلا الراجعَ وحْدَه؟
قالَ: نَعمْ، يُجلَدُ الراجعُ ويُجلَدونَ الثلاثةُ كلُّهم حَدَّ الفِريةِ.
قُلتُ: أرَأيتَ إنْ رجَعَ أحَدُهم بعدَ إقامةِ الحَدِّ؟ قالَ: قدْ أخبَرتُكَ أني لمْ أسمَعْه مِنْ مالِكٍ.
قالَ ابنُ القاسِمِ: وأنا أرَى أنْ يُجلدَ الراجِعُ وحْدَه ولا يُجلَدَ الذينَ بَقوا الثلاثةُ (٢).
стр. 13503
شُروطُ الشُّهودِ:
اشتَرطَ الفُقهاءُ في الشُّهودِ الأربَعةِ عدَّةَ شُروطٍ لا بُدَّ مِنْ تَوافُرِها:
الشَّرطُ الأولُ: أنْ يَكونُوا مُسلمِينَ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنه يُشتَرطُ في الشهودِ أنْ يَكونُوا مُسلمِينَ، فلا تُقبَلُ شَهادةُ أهلِ الذمَّةِ فيهِ، سواءٌ كانَتِ الشهادةُ على مُسلمٍ أو ذمِّيٍّ؛ لأنَّ أهلَ الذمَّةِ كفَّارٌ لا تَتحقَّقُ العَدالةُ فيهم ولا تُقبَلُ رِوايتُهم ولا أخبارَهُم الدِّينيةُ، فلا تُقبَلُ شهادتُهم كعبَدة الأوثانِ.
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأجمَعُوا على أنه يُشترطُ كَونُهم مُسلمِينَ عُدولًا ظاهِرًا وباطِنًا، وسواءٌ كانَ المَشهودُ عليهِ مُسلمًا أو ذِميًّا (١).
الشَّرطُ الثَّاني: العَدالةُ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنه يُشترطُ في الشُّهودِ العَدالةُ؛ لأنها تُشترطُ في سائرِ الشهاداتِ، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا خِلافَ في اشتِراطِها؛ فإنَّ العَدالةَ تُشترطُ في سائرِ الشهاداتِ، فهاهُنا مع مَزيدِ الاحتياطِ أَولى، فلا تُقبَلُ شهادةُ الفاسِقِ، ولا مَستورِ الحالِ الذي لا تُعلَمُ عَدالتُه؛ لجَوازِ أنْ يكونَ فاسِقًا (٢).
وقالَ أيضًا: وأجمَعُوا على أنه يُشترطُ كَونُهم مُسلمِينَ عُدولًا ظاهِرًا وباطِنًا، وسَواءٌ كانَ المَشهودُ عليه مُسلمًا أو ذِميًّا (٣).
стр. 13504
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: أمَّا العَدالةُ فإنَّ المُسلمِينَ اتَّفقُوا على اشتِراطِها في قَبولِ شَهادةِ الشاهِدِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ولقولِه تعالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢].
واختَلفُوا فيما هي العَدالةُ، فقالَ الجُمهورُ: هي صِفةٌ زائِدةٌ على الإسلامِ، هو أنْ يكونَ مُلتزِمًا لواجِباتِ الشَّرعِ ومُستحَباتِه مُجتنِبًا للمُحرَّماتِ والمَكروهاتِ، وقالَ أبو حَنيفةَ: يَكفي في العَدالةِ ظاهِرُ الإسلامِ وأنْ لا تُعلَمَ منه جرحةٌ.
وسَببُ الخِلافِ -كما قُلنَا- تَردُّدُهم في مَفهومِ اسمِ العَدالةِ المُقابِلةِ للفسقِ؛ وذلكَ أنهم اتَّفقُوا على أنَّ شَهادةَ الفاسقِ لا تُقبَلُ؛ لقولِه تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦] الآيَة.
ولم يَختلفُوا أنَّ الفاسِقَ تُقبَلُ شَهادتُه إذا عُرِفتْ تَوبتُه إلَّا مَنْ كانَ فِسقُه مِنْ قِبَلِ القَذفِ، فإنَّ أبا حَنيفةَ يقولُ: لا تُقبَلُ شَهادتُه وإنْ تابَ، والجُمهورُ يَقولونَ تُقبَلُ.
وسَببُ الخِلافِ: هل يَعودُ الاستثناءُ في قولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [النور: ٤، ٥] إلى أقرَبِ مَذكورٍ إليهِ، أو على الجُملةِ إلا ما خصَّصَه الإجماعُ، وهو أنَّ التوبَةَ لا تُسقِطُ عنه الحدَّ (١).
стр. 13505
الشَّرطُ الثالِثُ: البُلوغُ:
قاَل الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا البُلوغُ فإنهُم اتَّفقُوا على أنه يُشترطُ حيثُ تُشترطُ العَدالةُ (١).
الشَّرطُ الرابعُ: الحُرِّيةُ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ إلا رِوايةً عن أحمَدَ على أنه يُشترطُ في شُهودِ الزِّنا الحُريةُ، فلا تُقبَلُ فيه شَهادةُ العَبيدِ (٢).
قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ شَهادةَ العَبيدِ لا تَصحُّ على الإطلاقِ، إلا أحمَدَ فإنه أجازَها فيما عَدا الحُدودَ والقِصاصَ على المَشهورِ مِنْ مَذهبِه (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: الحُريةُ: فلا تُقبَلُ فيهِ شَهادةُ العَبيدِ، ولا نَعلمُ في هذا خِلافًا، إلا رِوايةً حُكيَتْ عن أحمدَ أنَّ شَهادتَهم تُقبَلُ، وهو قَولُ أبي ثَورٍ؛ لعُمومِ النُّصوصِ فيهِ، ولأنه عَدلٌ ذكَرٌ مُسلمٌ، فتُقبَلُ شَهادتُه كالحُرِّ.
ولنا: إنه مُختلَفٌ في شَهادتِه في سائرِ الحُقوقِ، فيَكونُ ذلكَ شُبهةٌ تَمنعُ مِنْ قَبولِ شهادتِه في الحدِّ؛ لأنه يَندرِئُ بالشُّبهاتِ (٤).
стр. 13506
الشَّرطُ الخامِسُ: الذُّكورِيةُ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه يُشترطُ في شُهودِ الزنا الذُّكورِيةُ، فلا تَصحُّ شَهادةُ النِّساءِ ولا شَهادةُ الرجالِ معَ النِّساءِ؛ لِمَا رويَ عن الزُّهريِّ ﵀ أنه قالَ: «مَضَتِ السُّنةُ مِنْ لَدُنْ رسولِ اللهِ ﷺ والخَليفتَينِ مِنْ بعدِه رِضوانُ اللهِ تعالَى عَليهما أنه لا تُقبَلُ شَهادةُ النِّساءِ في الحُدودِ والقصاصِ»، ولأنَّ الحُدودَ والقِصاصَ مَبناهُما على الدرءِ والإسقاطِ بالشُّبهاتِ، وشَهادةُ النساءِ لا تَخلو عن شُبهةٍ؛ لأنهُنَّ جُبِلْنَ على السهوِ والغَفلةِ ونُقصانِ العَقلِ والدِّينِ، فيُورِثُ ذلكَ شُبهةً، وإلى ذلكَ أشارَ اللهُ تعالَى في قولِه : ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ووصَفَ رسولُ اللهِ ﷺ النِّساءَ بنُقصانِ العَقلِ والدِّينِ، والحُدودُ تَندرِئُ بالشبُهاتِ، وما يَندرئُ بالشُّبهاتِ لا يَثبتُ بحُجَّةٍ فيها شُبهةٌ؛ تَيسيرًا للتحرُّزِ عنها (١).
قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: ولا يَجوزُ عندَ الجَميعِ في ذلكَ شَهادةُ النِّساءِ (٢).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ شَهادةَ النِّساءِ في الحُدودِ غيرُ مَقبولةٍ، إلا ما حُكيَ عن عَطاءٍ وحمَّادِ بنِ أبي سُليمانَ أنَّ شَهادةِ النساءِ
стр. 13507
في الحُدودِ مَقبولةٌ كالأموالِ، وهذا فاسِدٌ؛ لقَولِ اللهِ تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، ولأنَّ حُدودَ اللهِ تعالَى تُدرَأُ بالشبهاتِ، فكانَتِ الشهادةُ فيها أغلَظَ مِنْ الشَّهادةِ في غيرِها ممَّا لا يُدرأُ بالشُّبهاتِ، كما أنَّ الزِّنا لمَّا كانَ أغلَظَ مِنْ السَّرقةِ لتَعدِّيه إلى اثنَينِ واختِصاصِه بإسقاطِ نَسبِ الولدِ كانَتِ الشهادةُ فيه أغلَظَ منها فيما عَداهُ (١).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: وقالَ المَهدَويُّ: شَهادةُ النساءِ في الحُدودِ غيرُ جائزةٍ في قولِ عامَّةٍ الفُقهاءِ، وكذلكَ في النكاحِ والطَّلاقِ في قولِ أكثَرِ العُلماءِ، وهو مَذهبُ مالكٍ والشافِعيِّ وغيرِهما (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أنْ يَكونُوا رِجالًا كلُّهُم، ولا تُقبَلُ فيه شَهادةُ النساءِ بحالٍ، ولا نَعلمُ فيه خِلافًا، إلا شَيئًا يُروَى عن عطاءٍ وحمَّادٍ أنه يُقبَلُ فيه ثَلاثةُ رِجالٍ وامرأتانِ، وهو شُذوذٌ لا يُعوَّلُ عليهِ؛ لأنَّ لفْظَ الأربعةِ اسمٌ لعَددِ المَذكورِينَ، ويَقتضِي أنْ يُكتفَى فيه بأربَعةٍ، ولا خِلافَ في أنَّ الأربَعةَ إذا كانَ بَعضُهم نِساءً لا يُكتفَى بهم وإنَّ أقَلَّ ما يُجزِئُ خَمسةٌ، وهذا خِلافُ النصِّ، ولأنَّ في شَهادتَهنَّ شُبهةٌ؛ لتَطرُّقِ الضَّلالِ إليهنَّ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، والحُدودُ تُدرَأُ بالشبهاتِ (٣).
стр. 13508
الشَّرطُ السادِسُ: أنْ يَصِفُوا الزِّنا:
نَصَّ عامَّةُ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنه يُشترطُ أنْ يَصفَ شُهودُ الزِّنا الزِّنا بأنهُم رَأَوا ذكَرَه دخَلَ في فَرجِها حتَّى غابَتِ الحَشفةُ؛ لِمَا رواه أبو هُريرةَ ﵁ قالَ: «جاءَ الأسلَميُّ نَبيَّ اللهِ ﷺ فشَهدَ على نَفسِه أنه أصابَ امرَأةً حَرامًا أربَعَ مرَّاتٍ، كلُّ ذلكَ يُعرِضُ عنه النبيُّ ﷺ ، فأقبَلَ في الخامِسةِ فقالَ: أَنِكْتَها؟ قالَ: نعمْ، قالَ: حتى غابَ ذلكَ منكَ في ذلكَ منها؟ قالَ: نعمْ، قالَ: كما يَغِيبُ المِروَدُ في المُكْحُلةِ والرِّشاءُ في البِئرِ؟ قالَ: نعمْ، قالَ: فهلْ تَدرِي ما الزِّنى؟ قالَ: نعمْ أتَيتُ منها حَرامًا ما يَأتي الرَّجلُ مِنْ امرَأتِه حَلالًا، قالَ: فما تُريدُ بهذا القولِ؟ قالَ: أُريدُ أنْ تُطهِّرَني، فأمَرَ بهِ فرُجِمَ، فسَمعَ النبيُّ ﷺ رَجلَينِ مِنْ أصحابِه يقولُ أحَدُهما لصاحِبِه: انظُرْ إلى هذا الذي ستَرَ اللهُ عليه فلمْ تَدَعْه نَفسُه حتى رُجِمَ رَجْمَ الكَلبِ، فسكَتَ عنهُما ثمَّ سارَ ساعةً حتى مَرَّ بجِيفةِ حِمارٍ شائِلٍ برِجلِه فقالَ: أينَ فُلانٌ وفُلانٌ؟ فقالا: نَحنُ ذانِ يا رسولَ اللهِ، قالَ: انزِلَا فكُلا مِنْ جِيفةِ هذا الحِمارِ، فقَالا: يا نبيَّ اللهِ مَنْ يأكُلُ مِنْ هذا؟ قالَ: فما نِلتُما مِنْ عِرضِ أخِيكُما آنِفًا أشَدُّ مِنْ أكلٍ منه، والذي نفسِي بيَدِه إنهُ الآنَ لَفِي أنهارِ الجَنةِ يَنقمِسُ فيها» (١).
وجهُ الدَّلالةِ: أنَّ النبيَّ ﷺ استَفسرَ مِنْ ماعِزٍ عن حَقيقةِ الزِّنا وأنه قد غابَ منهُ في فَرجِها كما يَغِيبُ المِرودُ في المكحلةِ.
стр. 13509
ولأنه يَحتملُ أنْ يكونَ المَشهودُ بهِ لا يُوجِبُ حَدَّ الزنا، فوجَبَ على الحاكِمِ أنْ يَستفسرَ عن حَقيقةِ الزنا.
قالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: لا يَختلفُ اثنانِ مِنْ الأمَّةِ في أنَّ شَهادتَهم التي يُكلَّفونَها هي أنْ يَشهدُوا بأنهم رَأَوا فرْجَه في فَرجِها والِجًا خارِجًا، والإجماعُ قد صَحَّ بأنَّ ما عَدا هذهِ الشَّهادةَ ليسَتْ شهادةَ بزِنًا ولا يَبرأُ بها القاذِفُ مِنْ الحَدِّ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: مِنْ شَرطِ هذه الشَّهادةِ أنْ تكونَ بمُعايَنةِ فَرجِه في فَرجِها، وأنها تكونُ بالتَّصريحِ لا بالكِنايةِ، وجُمهورُهم على أنَّ مِنْ شَرطِ هذه الشَّهادةِ أنْ لا تَختلفَ لا في زَمانٍ ولا في مَكانٍ، إلا ما حُكيَ عن أبي حَنيفةَ مِنْ مَسألةِ الزَّوايا المَشهورةِ، وهو أنْ يَشهدَ كلُّ واحِدٍ مِنْ الأربَعةِ أنه رَآها في رُكنٍ مِنْ البيتِ يَطؤُها غيرَ الرُّكنِ الذي رآهُ فيه الآخَرُ.
وسَببُ الخِلافِ: هل تُلفَّقُ الشهادةُ المُختلِفةُ بالمَكانِ؟ أم لا تُلفَّقُ كالشَّهادةِ المُختلِفةِ بالزَّمانِ؟ فإنهُم أجمَعُوا على أنها لا تُلفَّقُ، والمَكانُ أشبَهُ بالزمانِ.
والظاهِرُ مِنْ الشرعِ قَصدُه إلى التوثُّقِ في ثُبوتِ هذا الحَدِّ أكثَرَ منه في سائرِ الحُدودِ (٢).
стр. 13510
قالَ الحَنفيةُ: يَسألُهم الإمامُ عن الزنا، ما هو؟ وكيفَ هو؟ لأنه يَختلِفُ، وفيهِ الحَقيقةُ والمَجازُ؛ لحَدِيثِ: «العَينانِ تَزنِيانِ وزِناهُما النَّظرُ، واليَدانِ تَزنِيانِ وزِناهُما البَطشُ، والرِّجلانِ تَزنِيانِ وزِناهُما المَشيُ، ويُصدِّقُ ذلكَ الفَرجُ أو يُكذِّبُه» (١).
وإنما يَسألُهم كيفَ زنَى؛ لاحتِمالِ كَونِه مُكرَهًا، فلا يَجبُ عليه الحَدُّ، أو لاحتِمالِ تَماسِّ الفَرجَينِ بلا إيلاجٍ.
ويَسألُهم أينَ زَنَى؟ لاحتِمالِ أنْ يكونَ زَنَى في دارِ الحَربِ أو في عَساكرِ البُغاةِ، وذلك لا يُوجِبُ الحَدَّ؛ لأنه لمْ يَكنْ للإمامِ عليه يَدٌ، فصارَ ذلك شُبهةً فيه.
ويَسألُهم متى زَنَى؟ لجَوازِ أنْ يَكونوا شَهدُوا عليهِ بزِنًا مُتَقادِمٍ، فلا تُقبَلُ شَهادَتُهم، ولجَوازِ أنْ يَكونَ زَنَى وهو صَبيٌّ أو مَجنونٌ.
وحَدُّ التَّقادُمِ الذي يُسقِطُ الحَدَّ لا يُقدَّرُ بوَقتٍ مُعيَّنٍ، وهو مُفوَّضٌ إلى رأيِ القاضي.
ويَسألُهم بمَنْ زَنى؟ لجَوازِ أنْ تَكونَ امرَأتَه أو أمَتَه، وربَّما إذا سُئلُوا قالوا: «لا نَعرِفُها»، فيَصيرُ ذلكَ شُبهةً، وقدْ تَكونُ جارِيةَ ابنِه.
فإنْ سَألَهم فقالُوا: «لا نَزِيدُ على هذا» لا يُحَدُّونَ؛ لأنهُم شَهدُوا بالزنا وهُم أربَعةٌ وما قَذَفوا.
стр. 13511
فإذا بَيَّنوا ذلكَ وقالوا: «رَأَيناهُ وَطئَها في فَرجِها كالمِيلِ في المُكحُلةِ، أو كالقَلمِ في المِحبَرةِ، أو كالرِّشاءِ في البِئرِ» صَحَّ ذلكَ.
ويَسألُ القاضي عنهُم، فإنْ عُدِّلوا في السرِّ والعَلانيةِ حكَمَ بشَهادتِهم، ولمْ يَكتَفِ بظاهرِ العَدالةِ احتِياطًا للدَّرءِ؛ لحَديثِ عائِشةَ ﵂ مَرفوعًا: «ادرَؤُوا الحُدودَ عن المُسلمِينَ ما استَطعتُم، فإنْ كانَ له مَخرَجٌ فخَلُّوا سَبيلَه، فإنَّ الإمامَ لَأنْ يُخطِئَ في العَفوِ خَيرٌ مِنْ أنْ يُخطئَ في العُقوبةِ» (١).
وعن أبي هُريرةَ ﵁ مَرفوعًا: «ادفَعُوا الحُدودَ ما وَجَدتُم لها مَدفَعًا» (٢)(٣).
وقالَ المالِكيةُ: يُشترطُ أنْ يَشهدُوا بزنًا واحدٍ في وَقتٍ واحدٍ في مَوضعٍ واحَدٍ، بأنْ يُؤدُّوا في وَقتٍ واحدٍ ويَذكرُوا اتِّحادَ وَقتِ الرُّؤيةِ للقاضي، وإنْ أدَّوا في أوقاتٍ أو اختَلفُوا في وَقتِ الرُّؤيةِ بَطلَتْ شهادتُهم، وكذلكَ إذا اختَلفُوا في أماكِنِ الرُّؤيةِ أو في الطَّوعِ والإكراهِ أو في الزِّنا والشُّبهةِ أو في الزِّنا بها قائِمةً أو نائِمةً أو وهيَ على الجانِبِ الأيمَنِ أو الأيسَرِ أو هو أعلاها أو أسفَلَها أو كانت في جانِبِ البيتِ الغَربيِّ أو الشَّرقيِّ أو نَحوِ ذلكَ، ووَقتُ الرُّؤيةِ هو وقتُ التحمُّلِ.
ويُفرَّقُ شهودُ الزِّنا في شَهادةِ الزنا وُجوبًا، سَواءٌ حصَلَتْ رِيبةٌ أم لا، بخِلافِ غيرِ الزِّنا لا يُفرَّقونَ.
стр. 13512
ولا بُدَّ أنْ يَشهدُوا في وَقتٍ واحدٍ بزنًا واحدٍ برُؤيةٍ واحدةٍ، وأنه أدخَلَ فرْجَه في فَرجِ المَرأةِ كالمِرودِ في المكحلةِ في البِكرِ والثَّيبِ، وهذا لا خِلافَ فيه، ولا يَكفي أنْ يقولُوا: «نَشهدُ أنَّ فُلانًا زنَى بفُلانةَ»، وإنما اشتُرطَ ذلكَ لأنَّ مدارَ الشرعِ على الستْرِ، فضُيِّقَ الأمرُ فيه حتَّى لا يُوجَد على هذا النَّمطِ إلا القَليلُ جِدًّا.
ويَجوزُ لكلِّ واحِدٍ مِنْ شُهودِ الزنا أنْ يَنظُرَ للعَورةِ قَصدًا؛ ليَعلمَ كيفَ يُؤدِّي الشهادةَ.
ويُستحَبُّ للحاكِمِ أنْ يَسألَ شُهودَ الزِّنا: كيفَ رَأيتمُوهُ يَفعلُ بها؟ وهل كانَتْ على ظَهرِها أو على بَطنِها أو غيرَ ذلكَ؟ وهل كانَ ذكَرَه في فَرجِها كالمِرودِ في المكحلةِ أم لا؟ إلى غيرِ ذلكَ، فإنِ اختَلفُوا فيما ذُكرَ بطَلَتْ شَهادتُهم، قالَ ابنُ عُرفةَ ﵀: وحُدُّوا، وإنْ كانَ السُّؤالُ مَندوبًا (١).
وقالَ الشافِعيةُ: فأمَّا صِفةُ الشهادةِ فلا يُجزِئُ أنْ يقولَ الشُّهودُ: «رَأيْناهُ يَزنِي» حتَّى يَصِفُوا ما شاهَدُوه مِنْ الزنا، وهو أنْ يَقولُوا: «رَأيْنا ذكَرَه يَدخلُ في فَرجِها كدُخولِ المِرودِ في المكحلةِ»؛ لثلاثةِ أمورٍ:
أحَدُها: أنَّ النبيَّ ﷺ تَثبَّتَ ماعِزًا في إقرارِه فقالَ: «أدخَلْتَ ذلكَ منكَ في ذلكَ منها كدُخولِ المِرودِ في المكحلةِ والرِّشا في البئرِ؟ فقالَ: نعَمْ، فأمَرَ برَجمِه»، فلمَّا استَثبتَه في الإقرارِ كانَ أَولى أنْ يُستثبَتَ في الشهادةِ.
стр. 13513
والثَّاني: أنَّ الشهودَ على المُغيرةِ بنِ شُعبةَ بالزنا لمَّا شَهدُوا به عندَ عُمرَ ﵁ وهُمْ أبو بَكرةَ ونافعٌ وشِبلُ بنُ مَعبدٍ وزِيادٌ، فصرَّحَ بذلكَ أبو بَكرةَ ونافعٌ وشِبلٌ، فأمَّا زيادُ فقالَ له عمرُ: قلْ ما عِندكَ، وأرجُو أنْ لا يَهتكَ اللهُ صَحابيًّا على لِسانِكَ، فقالَ زِيادٌ: رأيْتُ نفَسًا تَعلُو أو اسْتًا تَنبُو ورأيْتُ رِجلاها على عُنقِه كأنَّهما أُذنَا حِمارٍ، ولا أدرِي يا أميرَ المُؤمنينَ ما وراءَ ذلكَ، فقالَ عُمرُ: اللهُ أكبَرُ»، فأسقَطَ الشهادةَ ولم يَرَها تامَّةً.
والثالِثُ: أنَّ الزنا لفظٌ مُشتركٌ، ورُويَ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «العَيْنانِ تَزنِيانِ وزِناهُما النَّظرُ، واليَدانِ تَزنيانِ وزِناهُما اللَّمسُ، ويُصدِّقُ ذلكَ ويُكذِّبُه الفَرجُ»، فلذلكَ لَزمَ في الشَّهادةِ نفيُ هذا الاحتمالِ بذِكرِ ما شاهَدُه مِنْ وُلوجِ الفَرجِ في الفرجِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أنْ يَصِفُوا الزِّنا فيَقولُوا: «رَأيْنا ذكَرَه في فَرجِها كالمِرودِ في المكحلَةِ والرِّشاءِ في البئرِ»، وهذا قَولُ مُعاويةَ بنِ أبي سُفيانَ والزُّهريِّ والشافِعيِّ وأبي ثَورٍ وابنِ المُنذِرِ وأصحابِ الرأيِ؛ لِمَا رُويَ في قصَّةِ ماعِزٍ أنه لمَّا أقَرَّ عندَ النبيِّ ﷺ بالزِّنا فقالَ: «أنِكْتَها؟ فقالَ: نعَمْ، فقال: حتَّى غابَ ذلكَ منكَ في ذلكَ مِنها كما يَغيبُ المِرودُ في المكحلةِ والرِّشاء في البئرِ؟ قالَ: نعم»، وإذا اعتُبِرَ التَّصريحُ في الإقرارِ كانَ اعتبارُه في الشَّهادةِ أَولى.
стр. 13514
ورَوى أبو داوُدَ بإسنادِه عن جابرٍ قالَ: جاءَتِ اليَهودُ برَجلٍ منهُم وامرأةٍ زنَيَا، فقالَ النبيُّ ﷺ : «ائتُوني بأعلَمِ رَجلَينِ مِنكُم، فأَتوهُ بابنَي صُوريَّا، فنشَدَهما: كيفَ تَجِدانِ أمْرَ هذَينِ في التَّوراةِ؟ قالا: نَجدُ في التوراةِ إذا شَهدَ أربعةٌ أنهم رَأَوا ذكَرَه في فَرجِها مثلَ المِيلِ في المكحلةِ رُجِمَا، قالَ: فما يَمنعُكم أنْ تَرجُموهُما؟ قالا: ذهَبَ سُلطانُنا وكَرهْنا القتلَ، فدعا رَسولُ اللهِ ﷺ بالشُّهودِ، فجاءَ أربعةٌ فشَهدُوا أنهم رَأَوا ذكَرَه في فَرجِها مثلَ المِيلِ في المكحلةِ، فأمَرَ النبيُّ ﷺ برَجمِهِما» (١).
ولأنهم إذا لم يَصِفُوا الزنا احتُملَ أنْ يكونَ المَشهودُ به لا يُوجِبُ الحَدَّ، فاعتُبِرَ كشفُه.
قالَ بعضُ أهلِ العِلمِ: يَجوزُ للشُّهودِ أنْ يَنظُروا إلى ذلكَ منهُما لإقامةِ الشهادةِ عليهِما؛ ليَحصلَ الرَّدعُ بالحَدِّ، فإنْ شَهدُوا أنهُم رَأَوا ذكَرَه قد غيَّبَه في فَرجِها كفى، والتَّشبيهُ تأكيدٌ.
وأمَّا تَعيينُهم المَزنِيَّ بها أو الزانِيَ إنْ كانَتِ الشَّهادةُ على امرأةٍ ومكانَ الزنا فذكَرَ القاضي أنه يُشترطُ؛ لئلَّا تكونَ المَرأةُ ممَّن اختُلفَ في إباحتِها، ويُعتبَرُ ذِكرُ المَكانِ؛ لئلَّا تكونَ شَهادةُ أحَدِهم على غيرِ الفعلِ الذي شَهدَ به الآخَرُ، ولهذا سأَلَ النبيُّ ﷺ ماعِزًا فقالَ: «إنكَ أقرَرْتَ أربعًا، فبِمَن؟».
وقالَ ابنُ حامِدٍ: لا يُحتاجُ إلى ذِكرِ هذَينِ؛ لأنه لا يُعتبَرُ ذِكرُهما في الإقرارِ ولم يَأتِ ذِكرُهما في الحَديثِ الصَّحيحِ، وليسَ في حديثِ الشهادةِ
стр. 13515
في رَجمِ اليَهوديَّينِ ذِكرُ المكانِ، ولأنَّ ما لا يُشترطُ فيه ذِكرُ الزَّمانِ لا يُشترطُ فيه ذِكرُ المكانِ كالنكاحِ، ويَبطلُ ما ذكَرَه بالزَّمانِ (١).
الشَّرطُ السابعُ: اتِّحادُ مَجلسِ الشَّهادةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ هل يُشترطُ أنْ يكونَ الشُّهودُ مُجتمعِينَ في مَجلسٍ واحِدٍ عندَ أداءِ الشهادةِ؟ أم يَجوزُ أنْ يَأتُوا مُتفرِّقينَ يَشهَدونَ واحِدًا بعدَ واحِدٍ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يُشترطُ اتِّحادُ المَجلسِ، وهو أنْ يكونَ الشهودُ مُجتمِعِينَ في مجلسٍ واحدٍ عندَ أداءِ الشَّهادةِ، فإنْ جاؤُوا مُتفرِّقينَ يَشهَدونَ واحِدًا بعدَ واحدٍ لا تُقبَلُ شَهادتُهم ويُحَدونَ وإنْ كَثُروا.
قالَ الكاسانِيُّ ﵀: لِمَا ذكَرْنا أنَّ كَلامَهم قَذفٌ حَقيقةً، وإنما يَخرجُ عن كَونِه قذفًا شرعًا بشَرطِ أنْ يكونُوا مُجتمعِينَ في مجلسٍ واحدٍ وقْتَ أداءِ الشهادةِ، فإذا انعدَمَتْ هذه الشَّريطةُ بَقيَ قذفًا فيُوجِبُ الحَدَّ، حتَّى لو جاؤُوا مُجتمعِينَ أو مُتفرِّقينَ وقعَدُوا في مَوضعِ الشهودِ في ناحيةٍ مِنْ المَسجدِ ثمَّ جاؤُوا واحِدًا بعدَ واحدٍ وشَهدُوا جازَتْ شَهادتُهم؛ لوُجودِ اجتماعِهم في مَجلسٍ واحِدٍ وقْتَ الشهادةِ؛ إذِ المَسجدُ كلُّه مَجلسٌ واحدٌ، وإنْ كانُوا خارِجينَ مِنْ المَسجدِ فَجاءَ واحدٌ منهُم ودخَلَ المَسجدَ وشَهدَ ثم جاءَ الثاني والثالِثُ والرابعُ يُضرَبونَ الحَدَّ وإنْ كانوا مثلَ رَبيعةَ ومُضَرَ، هكذا رُويَ عن سيِّدِنا عُمرَ ﵁ أنه قالَ: «لو جاءَ رَبيعةُ ومُضَرُ فُرادَى