← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 13511–13550 · переход к 13516.

стр. 13511

فإذا بَيَّنوا ذلكَ وقالوا: «رَأَيناهُ وَطئَها في فَرجِها كالمِيلِ في المُكحُلةِ، أو كالقَلمِ في المِحبَرةِ، أو كالرِّشاءِ في البِئرِ» صَحَّ ذلكَ. ويَسألُ القاضي عنهُم، فإنْ عُدِّلوا في السرِّ والعَلانيةِ حكَمَ بشَهادتِهم، ولمْ يَكتَفِ بظاهرِ العَدالةِ احتِياطًا للدَّرءِ؛ لحَديثِ عائِشةَ ﵂ مَرفوعًا: «ادرَؤُوا الحُدودَ عن المُسلمِينَ ما استَطعتُم، فإنْ كانَ له مَخرَجٌ فخَلُّوا سَبيلَه، فإنَّ الإمامَ لَأنْ يُخطِئَ في العَفوِ خَيرٌ مِنْ أنْ يُخطئَ في العُقوبةِ» (١). وعن أبي هُريرةَ ﵁ مَرفوعًا: «ادفَعُوا الحُدودَ ما وَجَدتُم لها مَدفَعًا» (٢) (٣). وقالَ المالِكيةُ: يُشترطُ أنْ يَشهدُوا بزنًا واحدٍ في وَقتٍ واحدٍ في مَوضعٍ واحَدٍ، بأنْ يُؤدُّوا في وَقتٍ واحدٍ ويَذكرُوا اتِّحادَ وَقتِ الرُّؤيةِ للقاضي، وإنْ أدَّوا في أوقاتٍ أو اختَلفُوا في وَقتِ الرُّؤيةِ بَطلَتْ شهادتُهم، وكذلكَ إذا اختَلفُوا في أماكِنِ الرُّؤيةِ أو في الطَّوعِ والإكراهِ أو في الزِّنا والشُّبهةِ أو في الزِّنا بها قائِمةً أو نائِمةً أو وهيَ على الجانِبِ الأيمَنِ أو الأيسَرِ أو هو أعلاها أو أسفَلَها أو كانت في جانِبِ البيتِ الغَربيِّ أو الشَّرقيِّ أو نَحوِ ذلكَ، ووَقتُ الرُّؤيةِ هو وقتُ التحمُّلِ. ويُفرَّقُ شهودُ الزِّنا في شَهادةِ الزنا وُجوبًا، سَواءٌ حصَلَتْ رِيبةٌ أم لا، بخِلافِ غيرِ الزِّنا لا يُفرَّقونَ.

стр. 13512

ولا بُدَّ أنْ يَشهدُوا في وَقتٍ واحدٍ بزنًا واحدٍ برُؤيةٍ واحدةٍ، وأنه أدخَلَ فرْجَه في فَرجِ المَرأةِ كالمِرودِ في المكحلةِ في البِكرِ والثَّيبِ، وهذا لا خِلافَ فيه، ولا يَكفي أنْ يقولُوا: «نَشهدُ أنَّ فُلانًا زنَى بفُلانةَ»، وإنما اشتُرطَ ذلكَ لأنَّ مدارَ الشرعِ على الستْرِ، فضُيِّقَ الأمرُ فيه حتَّى لا يُوجَد على هذا النَّمطِ إلا القَليلُ جِدًّا. ويَجوزُ لكلِّ واحِدٍ مِنْ شُهودِ الزنا أنْ يَنظُرَ للعَورةِ قَصدًا؛ ليَعلمَ كيفَ يُؤدِّي الشهادةَ. ويُستحَبُّ للحاكِمِ أنْ يَسألَ شُهودَ الزِّنا: كيفَ رَأيتمُوهُ يَفعلُ بها؟ وهل كانَتْ على ظَهرِها أو على بَطنِها أو غيرَ ذلكَ؟ وهل كانَ ذكَرَه في فَرجِها كالمِرودِ في المكحلةِ أم لا؟ إلى غيرِ ذلكَ، فإنِ اختَلفُوا فيما ذُكرَ بطَلَتْ شَهادتُهم، قالَ ابنُ عُرفةَ ﵀: وحُدُّوا، وإنْ كانَ السُّؤالُ مَندوبًا (١). وقالَ الشافِعيةُ: فأمَّا صِفةُ الشهادةِ فلا يُجزِئُ أنْ يقولَ الشُّهودُ: «رَأيْناهُ يَزنِي» حتَّى يَصِفُوا ما شاهَدُوه مِنْ الزنا، وهو أنْ يَقولُوا: «رَأيْنا ذكَرَه يَدخلُ في فَرجِها كدُخولِ المِرودِ في المكحلةِ»؛ لثلاثةِ أمورٍ: أحَدُها: أنَّ النبيَّ ﷺ تَثبَّتَ ماعِزًا في إقرارِه فقالَ: «أدخَلْتَ ذلكَ منكَ في ذلكَ منها كدُخولِ المِرودِ في المكحلةِ والرِّشا في البئرِ؟ فقالَ: نعَمْ، فأمَرَ برَجمِه»، فلمَّا استَثبتَه في الإقرارِ كانَ أَولى أنْ يُستثبَتَ في الشهادةِ.

стр. 13513

والثَّاني: أنَّ الشهودَ على المُغيرةِ بنِ شُعبةَ بالزنا لمَّا شَهدُوا به عندَ عُمرَ ﵁ وهُمْ أبو بَكرةَ ونافعٌ وشِبلُ بنُ مَعبدٍ وزِيادٌ، فصرَّحَ بذلكَ أبو بَكرةَ ونافعٌ وشِبلٌ، فأمَّا زيادُ فقالَ له عمرُ: قلْ ما عِندكَ، وأرجُو أنْ لا يَهتكَ اللهُ صَحابيًّا على لِسانِكَ، فقالَ زِيادٌ: رأيْتُ نفَسًا تَعلُو أو اسْتًا تَنبُو ورأيْتُ رِجلاها على عُنقِه كأنَّهما أُذنَا حِمارٍ، ولا أدرِي يا أميرَ المُؤمنينَ ما وراءَ ذلكَ، فقالَ عُمرُ: اللهُ أكبَرُ»، فأسقَطَ الشهادةَ ولم يَرَها تامَّةً. والثالِثُ: أنَّ الزنا لفظٌ مُشتركٌ، ورُويَ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «العَيْنانِ تَزنِيانِ وزِناهُما النَّظرُ، واليَدانِ تَزنيانِ وزِناهُما اللَّمسُ، ويُصدِّقُ ذلكَ ويُكذِّبُه الفَرجُ»، فلذلكَ لَزمَ في الشَّهادةِ نفيُ هذا الاحتمالِ بذِكرِ ما شاهَدُه مِنْ وُلوجِ الفَرجِ في الفرجِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أنْ يَصِفُوا الزِّنا فيَقولُوا: «رَأيْنا ذكَرَه في فَرجِها كالمِرودِ في المكحلَةِ والرِّشاءِ في البئرِ»، وهذا قَولُ مُعاويةَ بنِ أبي سُفيانَ والزُّهريِّ والشافِعيِّ وأبي ثَورٍ وابنِ المُنذِرِ وأصحابِ الرأيِ؛ لِمَا رُويَ في قصَّةِ ماعِزٍ أنه لمَّا أقَرَّ عندَ النبيِّ ﷺ بالزِّنا فقالَ: «أنِكْتَها؟ فقالَ: نعَمْ، فقال: حتَّى غابَ ذلكَ منكَ في ذلكَ مِنها كما يَغيبُ المِرودُ في المكحلةِ والرِّشاء في البئرِ؟ قالَ: نعم»، وإذا اعتُبِرَ التَّصريحُ في الإقرارِ كانَ اعتبارُه في الشَّهادةِ أَولى.

стр. 13514

ورَوى أبو داوُدَ بإسنادِه عن جابرٍ قالَ: جاءَتِ اليَهودُ برَجلٍ منهُم وامرأةٍ زنَيَا، فقالَ النبيُّ ﷺ : «ائتُوني بأعلَمِ رَجلَينِ مِنكُم، فأَتوهُ بابنَي صُوريَّا، فنشَدَهما: كيفَ تَجِدانِ أمْرَ هذَينِ في التَّوراةِ؟ قالا: نَجدُ في التوراةِ إذا شَهدَ أربعةٌ أنهم رَأَوا ذكَرَه في فَرجِها مثلَ المِيلِ في المكحلةِ رُجِمَا، قالَ: فما يَمنعُكم أنْ تَرجُموهُما؟ قالا: ذهَبَ سُلطانُنا وكَرهْنا القتلَ، فدعا رَسولُ اللهِ ﷺ بالشُّهودِ، فجاءَ أربعةٌ فشَهدُوا أنهم رَأَوا ذكَرَه في فَرجِها مثلَ المِيلِ في المكحلةِ، فأمَرَ النبيُّ ﷺ برَجمِهِما» (١). ولأنهم إذا لم يَصِفُوا الزنا احتُملَ أنْ يكونَ المَشهودُ به لا يُوجِبُ الحَدَّ، فاعتُبِرَ كشفُه. قالَ بعضُ أهلِ العِلمِ: يَجوزُ للشُّهودِ أنْ يَنظُروا إلى ذلكَ منهُما لإقامةِ الشهادةِ عليهِما؛ ليَحصلَ الرَّدعُ بالحَدِّ، فإنْ شَهدُوا أنهُم رَأَوا ذكَرَه قد غيَّبَه في فَرجِها كفى، والتَّشبيهُ تأكيدٌ. وأمَّا تَعيينُهم المَزنِيَّ بها أو الزانِيَ إنْ كانَتِ الشَّهادةُ على امرأةٍ ومكانَ الزنا فذكَرَ القاضي أنه يُشترطُ؛ لئلَّا تكونَ المَرأةُ ممَّن اختُلفَ في إباحتِها، ويُعتبَرُ ذِكرُ المَكانِ؛ لئلَّا تكونَ شَهادةُ أحَدِهم على غيرِ الفعلِ الذي شَهدَ به الآخَرُ، ولهذا سأَلَ النبيُّ ﷺ ماعِزًا فقالَ: «إنكَ أقرَرْتَ أربعًا، فبِمَن؟». وقالَ ابنُ حامِدٍ: لا يُحتاجُ إلى ذِكرِ هذَينِ؛ لأنه لا يُعتبَرُ ذِكرُهما في الإقرارِ ولم يَأتِ ذِكرُهما في الحَديثِ الصَّحيحِ، وليسَ في حديثِ الشهادةِ

стр. 13515

في رَجمِ اليَهوديَّينِ ذِكرُ المكانِ، ولأنَّ ما لا يُشترطُ فيه ذِكرُ الزَّمانِ لا يُشترطُ فيه ذِكرُ المكانِ كالنكاحِ، ويَبطلُ ما ذكَرَه بالزَّمانِ (١). الشَّرطُ السابعُ: اتِّحادُ مَجلسِ الشَّهادةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ هل يُشترطُ أنْ يكونَ الشُّهودُ مُجتمعِينَ في مَجلسٍ واحِدٍ عندَ أداءِ الشهادةِ؟ أم يَجوزُ أنْ يَأتُوا مُتفرِّقينَ يَشهَدونَ واحِدًا بعدَ واحِدٍ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يُشترطُ اتِّحادُ المَجلسِ، وهو أنْ يكونَ الشهودُ مُجتمِعِينَ في مجلسٍ واحدٍ عندَ أداءِ الشَّهادةِ، فإنْ جاؤُوا مُتفرِّقينَ يَشهَدونَ واحِدًا بعدَ واحدٍ لا تُقبَلُ شَهادتُهم ويُحَدونَ وإنْ كَثُروا. قالَ الكاسانِيُّ ﵀: لِمَا ذكَرْنا أنَّ كَلامَهم قَذفٌ حَقيقةً، وإنما يَخرجُ عن كَونِه قذفًا شرعًا بشَرطِ أنْ يكونُوا مُجتمعِينَ في مجلسٍ واحدٍ وقْتَ أداءِ الشهادةِ، فإذا انعدَمَتْ هذه الشَّريطةُ بَقيَ قذفًا فيُوجِبُ الحَدَّ، حتَّى لو جاؤُوا مُجتمعِينَ أو مُتفرِّقينَ وقعَدُوا في مَوضعِ الشهودِ في ناحيةٍ مِنْ المَسجدِ ثمَّ جاؤُوا واحِدًا بعدَ واحدٍ وشَهدُوا جازَتْ شَهادتُهم؛ لوُجودِ اجتماعِهم في مَجلسٍ واحِدٍ وقْتَ الشهادةِ؛ إذِ المَسجدُ كلُّه مَجلسٌ واحدٌ، وإنْ كانُوا خارِجينَ مِنْ المَسجدِ فَجاءَ واحدٌ منهُم ودخَلَ المَسجدَ وشَهدَ ثم جاءَ الثاني والثالِثُ والرابعُ يُضرَبونَ الحَدَّ وإنْ كانوا مثلَ رَبيعةَ ومُضَرَ، هكذا رُويَ عن سيِّدِنا عُمرَ ﵁ أنه قالَ: «لو جاءَ رَبيعةُ ومُضَرُ فُرادَى

стр. 13516

لَحَدَدْتُهم عن آخِرِهم»، وإنما قالَ ذلكَ بمَحضرٍ مِنْ الصحابةِ ﵃ ولم يُنقَلْ أنه أنكَرَ عليه أحدٌ منهُم فيَكونُ إجماعًا منهُم (١). وقالَ المالِكيةُ: يُشترطُ أنْ يَشهدُوا بزنًا واحدٍ في وَقتٍ واحدٍ في مَوضعٍ واحَدٍ، بأنْ يُؤدُّوا في وَقتٍ واحدٍ ويَذكرُوا اتِّحادَ وَقتِ الرُّؤيةِ للقاضي، وإنْ أدَّوا في أوقاتٍ أو اختَلفُوا في وَقتِ الرُّؤيا بَطلَتْ شهادتُهم، وكذلكَ إذا اختَلفُوا في أماكِنِ الرُّؤيا أو في الطَّوعِ والإكراهِ أو في الزِّنا والشُّبهةِ أو في الزِّنا بها قائِمةً أو نائِمةً أو وهيَ على الجانِبِ الأيمَنِ أو الأيسَرِ أو هو أعلاها أو أسفَلَها أو كانت في جانِبِ البيتِ الغَربيِّ أو الشَّرقيِّ أو نَحوِ ذلكَ، ووَقتُ الرُّؤيا هو وقتُ التحمُّلِ. ويُفرَّقُ شهودُ الزِّنا في شَهادةِ الزنا وُجوبًا، سَواءٌ حصَلَتْ رِيبةٌ أم لا، بخِلافِ غيرِ الزِّنا لا يُفرَّقونَ. ولا بُدَّ أنْ يَشهدُوا في وَقتٍ واحدٍ بزنًا واحدٍ برُؤيةٍ واحدةٍ، وأنه أدخَلَ فرْجَه في فَرجِ المَرأةِ كالمِرودِ في المُكحلةِ في البِكرِ والثَّيبِ، وهذا لا خِلافَ فيه، ولا يَكفي أنْ يقولُوا: «نَشهدُ أنَّ فُلانًا زنَى بفُلانةَ»، وإنما اشتُرطَ ذلكَ لأنَّ مدارَ الشرعِ على الستْرِ، فضُيِّقَ الأمرُ فيه حتَّى لا يُوجَد على هذا النَّمطِ إلا القَليلُ جِدًّا (٢).

стр. 13517

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَجيءُ الشهودِ كلِّهم في مَجلسٍ واحِدٍ ذكَرَه الخِرقيُّ فقالَ: وإنْ جاءَ أربعةٌ مُتفرِّقينَ والحاكِمُ جالسٌ في مَجلسِ حُكمِه لم يَقُمْ قبْلَ شهادتِهم، وإنْ جاءَ بعضُهم بعدَ أنْ قامَ الحاكِمُ كانوا قذَفةً وعليهِم الحَدُّ، وبهذا قالَ مالكٌ وأبو حَنيفةَ. وقالَ الشافِعيُّ والبتِّيُّ وابنُ المُنذِرِ: لا يُشترطُ ذلكَ؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ١٣]، ولم يَذكرِ المَجلسَ، وقالَ تعالَى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ [النساء: ١٥]، ولأنَّ كُلَّ شَهادةٍ مَقبولةٌ إنِ اتَّفقَتْ تُقبَلُ إذا افتَرقَتْ في مَجالسَ كسائرِ الشهاداتِ. ولنا: «إنَّ أبا بَكرةَ ونافِعًا وشِبلَ بنَ مَعبدٍ شَهدُوا عندَ عُمرَ على المُغيرةِ بنِ شُعبةَ بالزنا ولم يَشهدْ زِيادٌ، فحَدَّ الثَّلاثةَ»، ولو كانَ المَجلسُ غيرَ مُشتَرَطٍ لم يَجُزْ أنْ يَحُدَّهم؛ لجوازِ أنْ يَكْملُوا برابعٍ في مَجلسٍ آخَرَ، ولأنه لو شَهدَ ثلاثةٌ فحَدَّهم ثمَّ جاءَ رابعٌ فشَهدَ لم تُقبَلْ شهادتُه، ولولا اشتِراطُ المَجلسِ لَكمُلَتْ شَهادتُهم، وبهذا فارَقَ سائرَ الشهاداتِ. وأمَّا الآيةُ فإنها لم تَتعرَّضْ للشُّروطِ، ولهذا لم تَذكُرِ العَدالةَ وصِفةَ الزِّنا، ولأنَّ قولَه: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤] لا يَخلُو مِنْ أنْ يكونَ مُطلَقًا في الزَّمانِ كلِّه أو مُقيَّدًا، لا يَجوزُ أنْ يكونَ مُطلَقًا؛ لأنه يَمنعُ مِنْ جَوازِ جَلدِهم؛ لأنه ما مِنْ زَمنٍ إلا يَجوزُ أنْ يأتِيَ فيه بأربعةِ شُهداءَ أو بكَمالِهم إنْ كانَ قد شَهدَ بعضُهم، فيَمتنعُ جَلدُهم المَأمورُ بهِ فيَكونُ تَناقُضًا، وإذا ثبَتَ أنه مُقيَّدٌ فأَولى ما قُيِّدَ بالمَجلسِ؛ لأنَّ المجلسَ كلَّه بمَنزلةِ

стр. 13518

الحالِ الواحدةِ، ولهذا ثبَتَ فيه خيارُ المَجلسِ واكتُفيَ فيه بالقَبضِ فيما يُعتبَرُ القبضُ فيه. إذا ثبَتَ هذا فإنه لا يُشترطُ اجتِماعُهم حالَ مَجيئِهم، ولو جاؤُوا مُتفرِّقينَ واحِدًا بعدَ واحدٍ في مَجلسٍ واحدٍ قَبِلَ شَهادتَهم. وقالَ مالكٌ وأبو حَنيفةَ: إنْ جاؤُوا مُتفرِّقينَ فهُمْ قذَفةٌ؛ لأنهم لم يَجتمعُوا في مَجيئِهم، فلمْ تُقبَلْ شهادتُهم كالذِينَ لم يَشهَدوا في مَجلسٍ واحدٍ. ولنا: قِصةُ المُغيرةِ؛ فإنَّ الشهودَ جاؤُوا واحِدًا بعدَ واحدٍ وسُمِعتْ شهادتُهم، وإنما حُدُّوا لعَدمِ كَمالِها، وفي حَديثِه أنَّ أبا بَكرةَ قالَ: «أرَأيتَ إنْ جاءَ آخَرُ يَشهدُ أكُنتَ تَرجمُه؟ قالَ عمرُ: إِي والَّذي نفْسِي بيدِه». ولأنهم اجتَمعُوا في مَجلسٍ واحِدٍ، أشبَهَ ما لو جاؤُوا مُجتمعِينَ، ولأنَّ المجلسَ كلَّه بمَنزلةِ ابتدائِه؛ لِمَا ذكَرْناه. وإذا تَفرَّقوا في مَجالسَ فعَليهِم الحَدُّ؛ لأنَّ مَنْ شَهدَ بالزنا ولم يُكمِلِ الشهادةَ يَلزمُه الحَدُّ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] (١). وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنه لا فرْقَ في الشهادةِ على الزنا بينَ أنْ يُفرَّقَ الشُّهودُ في أدائِها أو يَجتمعُوا عليها؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ الآية [النور: ٤]. ولم يُفرِّقْ، فكانَ على عُمومِه، ولأنَّ

стр. 13519

كلَّ شَهادةٍ يَجبُ الحُكمُ بها إذا تكامَلَ عَددُها في مَجلسٍ وجَبَ الحُكمُ بها إذا تكامَلَ عدَدُها في مَجلسَينِ، ووجَبَ الحُكمُ إذا تكامَلَ عدَدُها في مَجالسَ؛ قياسًا على سائرِ الشهاداتِ، ولأنه زَمانٌ لا يُعتبَرُ في شهادةِ غيرِ الزنا، فوجَبَ أنْ لا يُعتبَرَ في الزِّنا كالمُوالاةِ. ولأنَّ شَهادةَ الحُقوقِ نَوعانِ: للهِ وللآدميِّينَ، وليسَ يُعتبَرُ في واحِدٍ منهُما اجتِماعُ الشهودِ، فوجَبَ أنْ يكونَ الزِّنا مُلحَقًا بأحَدِهما، ولأنَّ شهادةَ الواحِدِ إذا تقدَّمَتْ لم يَخْلُ مِنْ أنْ يكونَ فيها شاهِدًا أو قاذِفًا، فإنْ كانَ شاهِدًا لم يَصِرْ قاذِفًا بتأخُّرِ غيرِه، وإنْ كانَ قاذِفًا لم يَصِرْ شاهِدًا بشَهادةِ غيرِه، ولأنه ليسَ في تَفرُّقِ الشهادةِ في مَجلسَينِ أكثَرُ مِنْ تباعُدِ ما بينَ الزَّمانيينِ، وهذا لا يؤثِّرُ في الشهادةِ، كما لو استَدامَ المَجلسُ في جَميعِ اليومِ فشَهدَ بَعضُهم في أولِه وبعضُهم في آخِرِه. ولأنَّ قولَهُم يُفضِي إلى رَدِّ الشهادةِ إذا تفرَّقَتْ في الزمانِ القَصيرِ، وهو إذا قامَ الحاكِمُ مِنْ مَجلسِه بينَ الشهادتَينِ قدْرَ الصلاةِ، وإلى إمضائِها إذا تفرَّقَتْ في الزمانِ الطويلِ، وهو إذا استَدامَ مَجلسُه في جَميعِ النهارِ فشَهدَ بَعضُهم في صَباحِه وشَهدَ بعضُهم في مَسائِه، وما أفضَى إلى هذا كانَ اعتبارُه مُطَّرَحًا، ولأنَّ تفرُّقَ الشهودِ أنفَى للرِّيبةِ وأمنَعُ مِنْ التواطُؤِ والمُتابَعةِ؛ لأنَّ الاستِرابةَ بالشهودِ تَقتضِي تَفريقًا ليَختبِرَ بالتفريقِ رُتبتَهم، فكانَ افتِراقُهم أَولى أنْ يُعتبَرَ مِنْ اجتِماعِهم (١).

стр. 13520

شَهادةُ الزَّوجِ على زنَا زَوجتِه: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كانَ أحَدَ الشُّهودِ الأربعةِ الزَّوجُ، هل تُقبَلُ شَهادتُه في زنَا زَوجتِه أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه إذا شَهدَ على المرأةِ أربَعةٌ بالزِّنا أحَدُهم الزوجُ ولم يَكنْ مِنْ الزوجِ قَذفٌ قبْلَ ذلكَ أُقِيمَ عليها الحَدُّ؛ لأنَّ شَهادتَه بالقَبولِ أَولى مِنْ شهادةِ الأجنَبيِّ؛ لأنها أبعَدُ مِنْ التُّهمةِ؛ إذِ العادةُ أنَّ الرَّجلَ يستُرُ على امرأتِه ما يَلحقُه به شَينٌ، فلمْ يَكنْ مُتهَمًا في شهادتِه، فتُقبَلُ كشهادةِ الوالدِ على وَلدِه. وإنْ قذَفَها الزوجُ أولًا وجاءَ بثَلاثةٍ سِواهُ يَشهَدونَ فهُم قذَفةٌ يُحَدونَ، ويُلاعِنُ الزوجُ؛ لأنه لمَّا سبَقَ منه القَذفُ فقدْ وجَبَ عليهِ اللِّعانُ، فهو بشَهادتِه جُعلَ دافِعًا للضَّررِ عن نَفسِه، فلا تُقبَلُ شهادتُه، والزِّنا لا يَثبتُ بشهادةِ ثَلاثةٍ، فصارُوا قذَفةً فيُحدُّونَ حَدَّ القذفِ ويُلاعِنُ الزوجُ لقَذفِ زوْجتِه. وإنْ جاءَ هوَ وثلاثةٌ فشَهدُوا أنها قد زَنَتْ ولم يعدلُوا دُرئَ عنها وعنهُم الحَدُّ، ودُرئَ عن الزَّوجِ اللِّعانُ؛ لأنه شاهِدٌ وليسَ بقاذِفٍ؛ لأنَّ زِناها لم يَثبتْ إلا بشَهادةِ الفُسَّاقِ، ولا حَدَّ عليهِم؛ لأنَّ الفاسِقَ مِنْ أهلِ الشهادةِ، ألَا تَرَى أنَّ اللهَ تعالَى أمَرَ بالتَّوقيفِ في بيانِه، فقدْ وُجِدَ إتيانُ أربَعةِ شُهداءَ، فكيفَ يَجبُ عليهمُ الحَدُّ؟ ولا لِعانَ على الزوجِ؛ لأنه شاهِدٌ وليسَ بقاذِفٍ.

стр. 13521

فإنْ شَهدُوا معه ثلاثةٌ عُمْيٌّ حُدَّ وحُدُّوا، أي يُلاعِنُ الزوجُ ويُحَدونَ حَدَّ القذفِ؛ لأنَّ العُميانَ لا شهادةَ لهم قَطعًا، فلمْ يَكنْ قَولُهم حجَّةً أصلًا، فكانوا قذَفةً فيُحدُّونَ حَدَّ القذفِ، ويُلاعِنُ الزوجُ؛ لأنَّ قذْفَ الزوجِ يُوجِبُ اللِّعانَ إذا لم يَأتِ بأربَعةِ شهداءَ، ولمْ يأتِ بهِم. ولو جاءَ بأربَعةٍ فلمْ يعدلُوا فهو قاذِفٌ، فعَليه اللِّعانُ؛ لأنَّ الشهادةَ إذا سقَطَتْ تعَلَّقَ بقَذفِه اللِّعانُ (١). قالَ الإمامُ أبو بَكرٍ الجصَّاصُ ﵀: أربَعةٌ شَهدُوا على امرأةٍ بالزنا أحَدُهم زَوجُها: قالَ أصحابُنا: شَهادتُهم جائزةٌ ويُقامُ الحَدُّ على المَرأةِ. وقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ: يُلاعِنُ الزوجُ ويُحَدُّ الثلاثةُ، ورُويَ نحوُ قولِهما عن الحسَنِ والشَّعبيِّ، ورُويَ عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّ الزوجَ يُلاعِنُ ويُحَدُّ الثلاثةُ. قالَ أبو بكرٍ: قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥] ولم يُفرِّقْ بينَ كَونِ الزوجِ فيهِم وبينَ أنْ يكونُوا جَميعًا أجنَبيينَ، وقالَ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، فإذا قذَفَ الأجنَبيُّ امرأةً وجاءَ بأربَعةٍ أحَدُهم الزوجُ اقتَضَى الظاهرُ جَوازَ شهادتِهم وسُقوطَ الحَدِّ عن القاذفِ وإيجابَه عَليها، وأيضًا لا خِلافَ أنَّ شهادةَ الزوجِ جائزةٌ على امرَأتِه في سائرِ

стр. 13522

الحُقوقِ وفي القِصاصِ وفي سائرِ الحُدودِ مِنْ السَّرقةِ والقَذفِ والشُّربِ، فكذلكَ يَجبُ أنْ تَكونَ في الزنا. فإنْ قيلَ: الزوجُ يَجبُ عليه اللِّعانُ إذا قذَفَ امرَأتَه، فلا يَجوزُ أنْ يكونَ شاهِدًا. قيلَ لهُ: إذا جاءَ مَجيءَ الشهودِ مع ثَلاثةٍ غيرِه فليسَ بقاذفٍ ولا لِعانَ عليهِ، وإنما يَجبُ اللِّعانُ عليهِ إذا قذَفَها ثمَّ لم يَأتِ بأربعةِ شُهداءَ، كالأجنَبيِّ إذا قذَفَ وجَبَ عليه الحَدُّ إلا أنْ يأتِيَ بأربعةٍ غيرِه يَشهَدونَ بالزنا، ولو جاءَ مع ثَلاثةٍ فشَهدُوا بالزِّنا لم يَكنْ قاذِفًا وكانَ شاهِدًا، فكذلكَ الزوجُ (١) وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ المرأةَ إذا شَهدَ عليها أربَعةٌ بالزنا أحَدُهم زَوجُها يُجلَدُ الثلاثةُ، إلا قولًا للشافِعيةِ، ويُلاعِنُ الزوجُ، فإنْ لم يُلاعِنْ حُدَّ؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦)﴾ [النور: ٦]، فلمْ يَجعلْ لشَهادتِه عليها حُكمًا ولا جعَلَ قولَه عليها مَقبولًا. ورُويَ عن قَتادةَ عن جابرِ بنِ زَيدٍ عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنه قالَ في أربَعةٍ شَهِدوا على امرأةٍ أنها زَنَتْ وأحَدُهم زَوجُها فقالَ: «يُلاعِنُ الزَّوجُ ويُحَدُّ الثلاثةُ»، وهذا قولُ واحِدٍ مِنْ الصحابةِ لم يَظهرْ له مُخالِفٌ، فإنْ كانَ مُنتشِرًا فهو إجماعٌ لا يَجوزُ خِلافُه، وإنْ كانَ غيرَ مُنتشِرٍ فهو على قولِ المُخالِفِ حُجَّةٌ يُتركُ به القياسُ.

стр. 13523

ولأنه مَنْ انتصَبَ خَصمًا في حادِثةٍ لم يَجُزْ أنْ يكونَ شاهِدًا فيها، أصلُه أولياءُ المَقتولِ، ولأنه لو شَهدَ على خِيانتِها له لم تُقبَلْ شَهادتُه عليها، أصلُه إذا شَهدَ عليها بإتلافِ وَديعةٍ له في يَدهِا، ولأنَّ كُلَّ مَنْ كانَ له تَصديقُ نَفسِه باللِّعانِ لم تُقبَلْ شَهادتُه فيما يَصحُّ فيه لِعانُه، أصلُه نَفيُ النَّسبِ، ولأنه قد صارَ عَدوًّا بما وتَرَه في نَفسِه وخانَتْه في حقِّه وأدخَلَتِ العارَ عليهِ وعلى ولَدِه، وهذا أبلَغُ في العَداوةِ مِنْ مُؤلِمِ الضربِ وفاحِشِ السَّبِّ، وشَهادةُ العدوِّ على عَدوِّه مَردودةٌ. فإذا ثبَتَ أنَّ الزَّوجَ مَردودُ الشهادةِ فالشهودُ معه ثَلاثةٌ لا تَكتملُ بهِم البيِّنةُ في الزِّنا؛ لنُقصانِ عَددِهم، فهل يَصيرونَ قذَفةً يُحَدُّونَ أم لا؟ على قَولينِ: أحَدُهما وهو أحَدُ قَولي الشافِعيةِ: لا يُحَدونَ؛ لأنهُم أَتَوا بلَفظِ الشهادةِ دُونَ القذفِ، لو كانُوا قذَفةً لَمَا جازَ قَبولُ شَهادتِهم مع كَمالِ عَددِهم. والقَولُ الثَّاني وهو قَولُ المالِكيةِ والشافِعيةِ في قَولٍ والحَنابلةِ: يُحَدونَ؛ لأنهُم قد صارُوا بخُروجِهم مِنْ كَمالِ الشهادةِ قذَفةً؛ لإدخالِهِم المَعرَّةَ بالزنا كالقذفِ الصريحِ، ولأنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ ﵁ لمَّا شَهدَ عندَه بالزنا على المُغيرةِ بنِ شُعبةَ أبو بَكرةَ ونافعٌ وشِبلُ بنُ مَعبدٍ وتوقَّفَ زيادٌ عن الإفصاحِ بالشهادةِ أمَرَ عُمرُ بجَلدِ الثلاثةِ وجعَلَهم قذَفةً (١).

стр. 13524

ظُهورُ الحَمْلِ بالمرأةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في المَرأةِ إذا لم تَكنْ مُتزوِّجةً وظهَرَ عليها الحَملُ، هل يُقامُ عليها الحَدُّ بذلكَ أم لا؟ فذهَبَ المالِكيةُ إلى ثُبوتِ حَدِّ الزِّنى على المَرأةِ الحامِلِ إذا لم يَكنْ لها زوجٌ، ولا فرْقَ بينَ الحبَلِ والاعتِرافِ والبيِّنةِ، فهُم سواءٌ في ما يُوجِبُ الحدَّ في الزِّنى، على حديثِ عُمرَ ﵁: «الرَّجمُ في كِتابِ اللهِ حَقٌّ على مَنْ زنَى مِنْ الرِّجالِ والنِّساءِ إذا أُحصِنَ إذا قامَتِ البيِّنةُ أو كانَ الحَبَلُ أو الاعتِرافُ» (١)، فسَوَّى بينَ البيِّنةِ والإقرارِ وبينَ وُجودِ الحبَلِ في أنَّ ذلكَ كلَّه مُوجِبٌ للرَّجمِ. فاذا وُجدَتِ المرأةُ حامِلًا فقالَتْ: «تزوَّجْتُ، أو استُكرِهتُ» لم يُقبَلْ ذلكَ منها إلا بالبيِّنةِ على ما ذكَرَتْ، إلا أنْ تكونَ جاءَتْ تَستغيثُ وهي تَدمَى أو نحوَ ذلكَ مِنْ فَضيحةِ نَفسِها، فإنْ لم يَكنْ ذلكَ أُقيمَ عليها الحَدُّ. وقالَ ابنُ القاسِمِ ﵀: إذا كانَتْ طارئةً غَريبةً فلا حَدَّ عليها (٢). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا حَدَّ عليها بمُجرَّدِ الحبَلِ، سواءٌ كانَ لها زوجٌ أو سَيدٌ أم لا، سواءٌ الغَريبةُ وغيرُها، وسواءٌ ادَّعَتِ الإكراهَ أم سكَتَتْ، فلا حَدَّ عليها مُطلَقًا إلا ببيِّنةٍ أو اعترافٍ؛ لأنَّ الحُدودَ تَسقطُ بالشبُهاتِ (٣).

стр. 13525

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإذا أحبلَتِ امرأةٌ لا زوْجَ لها ولا سيِّدَ لم يَلزمْها الحَدُّ بذلكَ وتُسألْ، فإنِ ادَّعَتْ أنها أُكرهَتْ أو وُطئَتْ بشُبهةٍ أو لم تَعترفْ بالزنا لم تُحَدَّ، وهذا قولُ أبي حَنيفةَ والشافِعيِّ. وقالَ مالكٌ: عليها الحَدُّ إذا كانَتْ مُقيمَةً غيرَ غَريبةٍ، إلا أنْ تظهَرَ أَماراتُ الإكراهِ بأنْ تأتِيَ مُستغيثةً أو صارِخةً؛ لقَولِ عُمرَ ﵁: «والرَّجمُ واجِبٌ على كلِّ مَنْ زَنَى مِنْ الرجالِ والنِّساءِ إذا كانَ مُحصَنًا إذا قامَتْ بيِّنةٌ أو كانَ الحبَلُ أو الاعتِرافُ». ورُويَ: «أنَّ عُثمانَ ﵁ أُتي بامرأةٍ ولدَتْ لسِتةِ أشهُرٍ فأمَرَ بها عُثمانُ أنْ تُرجَمَ، فقالَ عليٌّ: ليسَ لكَ عليها سَبيلٌ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]»، وهذا يَدلُّ على أنه كانَ يَرجمُها بحَملِها، وعن عُمرَ نحوٌ مِنْ هذا. ورُويَ عن عليٍّ ﵁ أنه قالَ: «يا أيها الناسُ إنَّ الزنا زِناآنِ: زنَا سِرٍّ وزنَا عَلانيةٍ، فزِنَا السرِّ أنْ يَشهدَ الشُّهودُ، فيكون الشهودُ أولَ مَنْ يَرمِي، وزنَا العَلانيةِ أنْ يَظهرَ الحبَلُ أو الاعتِرافُ، فيكون الإمامُ أولَ مَنْ يَرمِي»، وهذا قولُ سادَةِ الصحابةِ، ولم يَظهرْ لهم في عَصرِهم مُخالِفٌ فيكونُ إجماعًا. ولنا: إنه يُحتملُ أنه مِنْ وَطءِ إكراهٍ أو شُبهةٍ، والحَدُّ يَسقطُ بالشُّبهاتِ، وقد قيلَ: إنَّ المرأةَ تَحمِلُ مِنْ غيرِ وَطءٍ بأنْ يَدخلَ ماءُ الرَّجلِ في فَرجِها إمَّا بفِعلِها أو فعلِ غيرِها، ولهذا تُصوِّرَ حمْلُ البِكرِ، فقدْ وُجِدَ ذلكَ. وأما قَولُ الصحابةِ فقدِ اختَلفَتِ الروايةُ عنهُم، فروَى سعيدٌ: حدَّثَنا خلَفُ بنُ خَليفةَ حدَّثَنا هاشمٌ «أنَّ امرأةً رُفعَتْ إلى عُمرَ بنِ الخطَّابِ ليسَ

стр. 13526

لها زوجٌ وقد حَمِلتْ، فسَألَها عمرُ فقالَتْ: إني امرأةٌ ثَقيلةُ الرأسِ وقَعَ عليَّ رَجلٌ وأنا نائِمةٌ، فما استَيقظْتُ حتَّى فرَغَ، فدرَأَ عنها الحَدَّ». وروَى البَراءُ بنُ صَبرةَ عن عمرَ ﵁ «أنه أُتي بامرأةٍ حاملٍ فادَّعَتْ أنها أُكرهَتْ فقالَ: خَلِّ سَبيلَها، وكتَبَ إلى أُمراءِ الأجنادِ أنْ لا يُقتلَ أحَدٌ إلا بإذنِه». ورُويَ عن عليٍّ وابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنهُما قالَا: «إذا كانَ في الحَدِّ لَعلَّ وعَسَى فهو مُعطَّلٌ»، ورَوَى الدارقُطنيُّ بإسنادِه عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ ومُعاذِ بنِ جَبلٍ وعُقبةَ بنِ عامرٍ ﵃ أنهُم قالُوا: «إذا اشتَبهَ عليكَ الحَدُّ فادْرَأْ ما استَطعْتَ»، ولا خِلافَ في أنَّ الحدَّ يُدرأُ بالشبهاتِ، وهي مُتحقِّقةٌ هاهُنا (١). حُكمُ مَنْ زنَى مِرارًا ولم يُحَدَّ: مَنْ ارتَكبَ المُوجِبَ للحدِّ مِرارًا قبْلَ إقامةِ الحَدِّ عليه كأنْ زَنَى أكثَرَ مِنْ مرَّةٍ، أو سرَقَ أكثَرَ مِنْ مرَّةٍ، وفي كلِّ مرَّةٍ تَوفرتْ شُروطُ الحدِّ، وبعدَ عدَّةِ مراتٍ ثبَتَ زِناهُ أو سَرقتُه عندَ الحاكِمِ وأقَرَ بالزنا أو السَّرقاتِ في المرَّاتِ السابقةِ، أو ثبَتَ ذلكَ عليه ببيِّنةٍ فإنه لا يَجبُ عليه إلا حدٌّ واحدٌ بإجماعِ أهلِ العِلمِ. وإنْ زَنَى أو سرَقَ أو فعَلَ ما يُوجِبُ الحدَّ ثم أُقيمَ عليهِ الحدُّ ثم زنَى مرةً ثانيةً وجَبَ عليه حدٌّ ثانٍ.

стр. 13527

قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (ومَن زَنَى مِرارًا ولم يُحَدَّ فحدٌّ واحدٌ). وجُملَتُه أنَّ ما يُوجِبُ الحَدَّ مِنْ الزنا والسَّرقةِ والقَذفِ وشُربِ الخَمرِ إذا تكرَّرَ قبْلَ إقامةِ الحَدِّ أجزَأَ حدٌّ واحدٌ بغيرِ خلافٍ علِمْناهُ. قالَ ابنُ المُنذِرِ: أجمَعَ على هذا كلٌّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العلمِ، منهُم عطاءٌ والزُّهريُّ ومالكٌ وأبو حَنيفةَ وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثورٍ وأبو يُوسفَ، وهو مَذهبُ الشافِعيِّ. وإنْ أُقيمَ عليه الحدُّ ثم حدَثَتْ منه جِنايةٌ أُخرى ففِيها حدُّها، لا نَعلمُ فيه خِلافًا، وحكاهُ ابنُ المُنذرِ عمَّن يَحفظُ عنهُ. وقد سُئلَ رسولُ اللهِ ﷺ عن الأمَةِ تَزنِي قبْلَ أنْ تُحصِنَ قالَ: «إنْ زَنَتْ فاجلِدُوها، ثمَّ إنْ زَنَتْ فاجلدُوها، ثمَّ إنْ زنَتْ فاجلدُوها»، ولأنَّ تَداخُلَ الحُدودِ إنما يكونُ مع اجتماعِها، وهذا الحَدُّ الثاني وجَبَ بعدَ سُقوطِ الأولِ باستيفائِه. وإنْ كانَتِ الحُدودُ مِنْ أجناسٍ مثلِ الزِّنا والسَّرقةِ وشُربِ الخَمرِ أُقيمَتْ كلُّها، إلا أنْ يكونَ فيها قتلٌ، فإنْ كانَ فيها قتلٌ اكتُفيَ به؛ لأنه لا حاجَةَ معه إلى الزَّجرِ بغيرِه، وقد قالَ ابنُ مَسعودٍ: «ما كانَتْ حُدودٌ فيها قتلٌ إلا أحاطَ القتلُ بذلكَ كلِّه». وإنْ لم يَكنْ فيها قتلٌ استُوفيَتْ كلُّها، وبُدِئَ بالأخَفِّ فالأخفِّ، فيُبدأُ بالجَلدِ ثم بالقطعِ، ويُقدَّمُ الأخفُّ في الجَلدِ على الأثقَلِ، فيُبدأُ في الجَلدِ

стр. 13528

بحَدِّ الشربِ ثم بحَدِّ القذفِ إنْ قُلنا: «إنه حَقٌّ للهِ تعالَى» ثمَّ بحَدِّ الزِّنا، وإنْ قُلنا: «إنَّ حَدَّ القذفِ حَقٌّ لآدميٍّ» قدَّمْناهُ ثم بحَدِّ الشُّربِ ثمَّ بحَدِّ الزنا (١). حُكمُ إقامةِ الحُدودِ في بِلادِ الحَربِ: قد اختَلفَ الفُقهاءُ في إقامةِ الحَدِّ على مَنْ زَنَى مِنْ المُسلمينَ أو سرَقَ أو قذَفَ مُسلمًا أو شَرِبَ خَمرًا في دارِ الحَربِ. فقالَ المالِكيةُ والشافِعيةُ واللَّيثُ وأبو ثَورٍ: يَجبُ على الإمامِ إقامةُ الحَدِّ عليهِ؛ لأنَّ إقامةَ الحُدودِ فرضٌ كالصَّلاةِ والصومِ والزَّكاةِ، ولا تُسقِطُ دارُ الحَربِ عنه شَيئًا مِنْ ذلكَ (٢). فإذا قتَلَ مُسلمٌ مُسلمًا في دارِ الحربِ يُستوفى منه القصاصُ، ويكونُ الحُكمُ كما لو كانوا في دارِ الإسلامِ. جاءَ في «المُدوَّنة الكُبْرى»: (قلتُ): أرَأيتَ أميرَ الجيشِ إذا دخَلَ أرضَ الحربِ فسرَقَ بعضُهم مِنْ بَعضِ في أرضِ الحَربِ أو شَربُوا الخُمورَ أو زَنَوا، أَيُقيمُ عليهم أميرُهم الحُدودَ في قولِ مالكٍ؟ (قالَ): قالَ لي مالكٌ: يُقيمُ عليهِم الحُدودَ في أرضِ الحَربِ أميرُ الجيشِ، وهو أقوَى له على الحَقِّ، كما تُقامُ الحُدودُ في أرضِ الإسلامِ، (قلتُ): أرَأيتَ لو أنَّ تُجَّارًا مِنْ المُسلمِينَ دخَلُوا أرضَ الحَربِ بأمانٍ فسرَقَ بعضُهم مِنْ بعضٍ ثمَّ شَهِدوا

стр. 13529

على السارقِ بالسَّرقةِ حينَ خرَجُوا إلينا، أيُقامُ الحدُّ على السارِقِ أم لا في قولِ مالكٍ؟ (قالَ): قالَ مالكٌ في الجَيشِ إذا كانوا في أرضِ الحَربِ: إنه يُقامُ على السارقِ الحَدُّ، فكذلكَ هؤلاءِ الذينَ دخَلُوا بأمانٍ، ولأنَّ مالِكًا لا يَلتفتُ إلى اختِلافِ الدارَينِ، وهَؤلاءِ مُسلمونَ مُقِرُّونَ بأحكامِ الإسلامِ لَيسُوا بمَنزلةِ المُشركينَ الذِينَ لا يُقِرُّونَ بأحكامِ المُسلمينَ، (قلتُ): وكذلكَ إنْ زَنَى في دارِ الحَربِ بعضُ هؤلاءِ التجَّارِ أو شَربَ الخَمرَ فشَهِدوا عليه بعدَ ما خرَجَ، أيُقيمُ عليهِ الإمامُ الحَدَّ؟ (قالَ): نعَمْ في رأيِي (١). وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: إذا كانَ المُسلمونَ مُستأمنِينَ أو أسرَى في دارِ الحَربِ فقتَلَ بعضُهم بَعضًا أو زَنَوا بغيرِ حَربيةٍ فالحُكمُ عليهِم كما يَكونُ عليهِم في بلادِ الإسلامِ، وإنَّما يَسقطُ عنهُم لو زَنَى أحَدُهم بحَربيةٍ إذا ادَّعَى الشبهةَ، ولا تُسقِطُ دارُ الحربِ عنهُم فَرضًا، كما لا تُسقِطُ صَومًا ولا صلاةً ولا زكاةً، وإذا أصابَ الرَّجلُ حَدًّا وهو مُحاصِرٌ للعَدوِّ أُقيمَ عليهِ الحَدُّ، ولا يَمنعُنا الخَوفُ عليهِ مِنْ اللُّحوقِ بالمُشركينَ أنْ نُقيمَ حدَّ اللهِ تعالَى، ولو فعَلْنا تَوقِّيًا أنْ يَغضَب ما أَقمْنا عليهِ الحدَّ أبَدًا؛ لأنه يُمكِنُه مِنْ أيِّ مَوضعٍ أنْ يَلحقَ بدارِ الحربِ فيُعطَّلَ عنه حُكمُ اللهِ جَلَّ ثناؤُه ثمَّ حُكمُ رسولِ اللهِ ﷺ ، وقد أقامَ رَسولُ اللهِ ﷺ الحَدَّ بالمَدينةِ والشِّركُ قَريبٌ منها وفيها شِركٌ كثيرٌ مِوادِعونَ، وضرَبَ الشارِبَ بحُنينٍ والشِّركُ قَريبٌ منه.

стр. 13530

وقالَ الليثُ بنُ سعدٍ: ما رأيْتُ أحَدًا ولا سَمعْتُ أنه يَردُّ حَدًّا أنْ يُقيمَه في أرضِ العَدوِّ قَديمًا ولا حَديثًا إذا وجَبَ على صاحِبه، وقالَ في الأُسارى مِنْ المُسلمينَ: يَجعَلونَ عليهِم رَجلًا منهِم يُقِيمُ الحدودَ فيهِم إذا خُلِّي بينَهُم وبينَ ذلكَ. وقالَ أبو ثَورٍ: الدارُ لا تُحِلُّ شَيئًا ولا تُحرِّمُه، والزِّنا والسرقةُ والخَمرُ وجَميعُ ما حرَّمَ اللهُ حرامٌ عليهِم في دارِ الإسلامِ ودارِ الحَربِ، ويُحكَمُ على مَنْ أتَى شَيئًا مِنْ ذلكَ حُكمَ اللهِ في كلِّ دارٍ ومكانٍ كانَ ذلكَ منه، لا يَبطلُ حُكمُ اللهِ إلا بكِتابٍ أو سُنةٍ أو إجماعٍ (١). وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه لا يُقامُ عليهِ الحدُّ ولو بعدَ رُجوعِه إلى دارِ الإسلامِ؛ لأنَّ الإمامَ لا يَقدرُ على إقامةِ الحُدودِ في دارِ الحَربِ لعدَمِ الوِلايةِ، ولا يُقامُ عليهِ بعدَ الرُّجوعِ إلى دارِ الإسلامِ؛ لأنَّ الفِعلَ لم يَقعْ مُوجِبًا أصلًا، وكذلكَ إذا قتَلَ مُسلمًا فيها لا يُؤخَذُ بالقِصاصِ وإنْ كانَ القَتلُ عَمدًا؛ لتَعذُّرِ الاستيفاءِ، ولأنَّ كونَه في دارِ الحَربِ أورَثَ شُبهةً في الوُجوبِ، والقِصاصُ لا يَجبُ مع الشُّبهةِ، ويَضمنُ الديَةَ وتكونُ في مالِه لا على العاقِلةِ؛ لأنَّ الدِّيةَ تَجبُ على القاتلِ ابتِداءٍ، ثمَّ العاقِلةُ تَتحمَّلُ عنه؛ لِمَا بينَهُم مِنْ التناصُرِ، ولا تَناصُرَ عندَ اختلافِ الدارِ (٢).

стр. 13531

قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: إنَّ المُسلمَ إذا زنَى في دارِ الحَربِ أو سرَقَ أو شَربَ الخَمرَ أو قذَفَ مُسلمًا لا يُؤخَذُ بشَيءٍ مِنْ ذلكَ؛ لأنَّ الإمامَ لا يَقدرُ على إقامةِ الحُدودِ في دارِ الحَربِ لعَدمِ الوِلايةِ. ولو فعَلَ شَيئًا مِنْ ذلكَ ثم رجَعَ إلى دارِ الإسلامِ لا يُقامُ عليهِ الحَدُّ أيضًا؛ لأنَّ الفِعلَ لم يقَعْ مُوجِبًا أصلًا، ولو فعَلَ في دارِ الإسلامِ ثمَّ هرَبَ إلى دارِ الحَربِ يُؤخَذُ به؛ لأنَّ الفِعلَ وقَعَ مُوجِبًا للإقامةِ، فلا يَسقطُ بالهَربِ إلى دارِ الحربِ، وكذلكَ إذا قتَلَ مُسلِمًا لا يُؤخَذُ بالقِصاصِ وإنْ كانَ عَمدًا؛ لتعذُّرِ الاستيفاءِ إلا بالمَنعةِ؛ إذِ الواحِدُ يُقاوِمُ الواحِدَ والمَنعةُ مَنعدِمةٌ، ولأنَّ كونَه في دارِ الحَربِ أورَثَ شُبهةً في الوُجوبِ، والقِصاصُ لا يَجبُ مع الشُّبهةِ، ويَضمنُ الديَةَ خطَأً كانَ أو عَمدًا، وتكونُ في مالِه لا على العاقِلةِ؛ لأنَّ الديَةَ تَجبُ على القاتِلِ ابتِداءً، أو لأنَّ القتلَ وُجدَ منهُ، ولهذا وجَبَ القِصاصُ والكفَّارةُ على القاتلِ لا على غيرِه، فكذا الديَةُ تَجبُ عليهِ ابتداءً -وهو الصَّحيحُ-، ثمَّ العاقِلةُ تَتحمَّلُ عنه بطَريقِ التعاوُنِ؛ لِمَا يَصلُ إليه بحَياتِه مِنْ المنافعِ مِنْ النُّصرةِ والعِزِّ والشرفِ بكَثرةِ العَشائرِ والبِرِّ والإحسانِ لهُم ونحوِ ذلكَ، وهذهِ المعاني لا تَحصلُ عندَ اختلافِ الدارَينِ، فلا تَتحمَّلُ عنه العاقِلةُ، وكذلكَ لو كانَ أميرًا على سَريةٍ أو أميرَ جيشٍ وزنَا رَجلٌ منهُم أو سرَقَ أو شَربَ الخَمرَ أو قتَلَ مُسلمًا خطَأً أو عَمدًا لم يأخُذْه الأميرُ بشَيءٍ مِنْ ذلكَ؛ لأنَّ الإمامَ ما فُوِّضَ إليه إقامةُ الحُدودِ والقِصاصِ؛ لعِلمِه أنه لا يَقدرُ على إقامتِها في دارِ الحربِ، إلا أنه يُضمِّنُه السَّرقةَ إنْ كانَ استَهلكَها، ويُضمِّنُه الديَةَ في بابِ القتلِ؛ لأنه يَقدرُ على استِيفاءِ ضَمانِ المالِ.

стр. 13532

ولو غَزَا الخَليفةُ أو أميرٌ الشامَ ففعَلَ رَجلٌ مِنْ العَسكرِ شَيئًا مِنْ ذلكَ أقامَ عليهِ الحَدَّ واقتَصَّ منهُ في العَمدِ، وضمَّنَه الديَةَ في مالِه في الخَطأِ؛ لأنَّ إقامةَ الحُدودِ إلى الإمامِ، وتَمكُّنُه الإقامةَ بما له مِنْ القوَّةِ والشَّوكةِ باجتِماعِ الجُيوشِ وانقيادِها له، فكانَ لعَسكرِه حُكمُ دارِ الإسلامِ، ولو شَذَّ رَجلٌ مِنْ العَسكرِ ففعَلَ شيئًا مِنْ ذلكَ دُرئَ عنه الحَدُّ والقِصاصُ؛ لاقتِصارِ ولايةِ الإمامِ على المعسكَرِ، وعلى هذا يَخرجُ الحَربيُّ إذا أسلَمَ في دارِ الحربِ، ولم يُهاجِرْ إلينا فقتَلَه مُسلمٌ عَمدًا أو خَطأً؛ لأنه لا قِصاصَ عليه عندَنا على ما ذكَرْنا، وهذا مَبنيٌّ على أنَّ التقوُّمَ عندَنا يَثبتُ بدارِ الإسلامِ؛ لأنَّ التقوُّمَ بالعزَّةِ، ولا عِزةَ إلا بمَنعةِ المُسلمينَ (١). وقالَ الحَنابلةُ أيضًا: تَجبُ الحُدودُ والقِصاصُ، ولكنها لا تُقامُ في دارِ الحَربِ، وتُقامُ عليه بعدَ رُجوعِه مِنْ دارِ الحَربِ. واستَدلُّوا بما رواهُ سَعيدٌ في سُننِه (٢) «أنَّ عُمرَ ﵁ كتَبَ إلى الناسِ أنْ لا يَجلدَنَّ أميرُ جَيشٍ ولا سَريةٍ رَجلًا مِنْ المُسلمينَ حَدًّا وهو غازٍ حتَّى يَقطعَ الدَّربَ قافِلًا؛ لئلَّا تَحملَه حَميةُ الشيطانِ فيَلحقَ بالكفَّارِ». قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأما إذا رجَعَ فإنه يُقامُ الحَدُّ عليه؛ لعُمومِ الآياتِ والأخبارِ، وإنما أخِّرَ لعارِضٍ كما يُؤخَّرُ لمَرضٍ أو شُغلٍ، فإذا زالَ العارضُ أُقيمَ الحدُّ؛ لوُجودِ مُقتضيهِ وانتفاءِ مُعارِضِه، ولهذا قالَ عُمرُ: «حتَّى يَقطعَ الدَّربَ قافِلًا».

стр. 13533

وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلفُوا هل تَثبتُ الحُدودُ في دارِ الحربِ على مَنْ وُجدَتْ منه أسبابُها؟ فقالَ أحمَدُ ومالِكٌ والشافِعيُّ: تَثبتُ عليهِم الحَدودُ إذا فعَلَوا أسبابَها، سواءٌ كانَ في دارِ الحربِ إمامٌ أم لم يَكنْ. وقالَ أبو حَنيفةَ: لا تَثبتُ إلا أنْ يكونَ في دارِ الحَربِ إمامٌ. ثمَّ اختَلفَ مُوجِبُو الحدِّ على مَنْ أتَى سبَبَه في دارِ الحربِ في استِيفائِه، فقالَ مالكٌ والشافِعيُّ: يَستوفِي في دارِ الحرَبِ. وقالَ أحمَدُ: لا يَستوفِي في دارِ الحربِ حتى يَرجعَ إلى دارِ الإسلامِ. وقالَ أبو حَنيفةَ: إنْ كانَ في دارِ الحربِ إمامٌ مع جَيشٍ مِنْ المُسلمينَ أقامَ عليهِم الحُدودَ في عَسكرِه قبلَ القفولِ، فإنْ كانَ أميرَ سَريةٍ لم يُقِمِ الحدودَ، فإنْ لم يُقِمِ الحُدودَ على مَنْ فعَلَ أسبابَها في دارِ الحربِ حتى دخلُوا دارَ الإسلامِ فإنها تَسقطُ عنهُم كلُّها، إلا القتلَ فإنه يُضمِّنُ القاتلَ الديَةَ في مالِه عَمدًا كانَ أو خطأً (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فَصلٌ: وتُقامُ الحُدودُ في الثُّغورِ بغيرِ خِلافٍ نَعلمُه؛ لأنها مِنْ بلادِ الإسلامِ والحاجَةُ داعيةٌ إلى زَجرٍ أهلِها كالحاجةِ إلى زَجرِ غيرِهم، وقد كتَبَ عُمرُ إلى أبي عُبيدةَ أنْ يَجلدَ مَنْ شَربَ الخَمرَ ثَمانينَ وهو بالشامِ، وهو مِنْ الثُّغورِ (٢).

стр. 13534

كتاب القذف

стр. 13535

كتاب القَذفِ تَعريفُ القَذفِ: القَذفُ في اللُّغةِ: الرَّميُ مُطلَقًا، ومنهُ قولُه تعالَى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء: ١٨]. والقَذفُ شَرعًا: عرَّفَه الفقهاءُ بعدَّةِ تَعريفاتٍ: فقالَ الحَنفيةُ: القَذفُ: هو الرَّميُ بالزِّنا دُونَ الرَّميِ بغيرِه مِنْ الفُسوقِ والكُفرِ وسائرِ المَعاصي (١). وقالَ المالِكيةُ: القَذفُ: رَميُ مُكلَّفٍ -ولو كافِرًا- حُرًّا مُسلمًا بنَفيِ نَسَبٍ عن أبٍ أو جَدٍّ أو بزِنًا (٢).

стр. 13536

وقالَ الشافِعيةُ: القَذفُ: الرَّميُ بالزِّنا في مَعرضِ التَّعييرِ، سواءٌ في ذلكَ الرَّجلُ والمَرأةُ (١). وقالَ الحَنابلةُ: القَذفُ: هو الرَّميُ بالزِّنا أو لِواطٍ أو شَهادةٍ بأحَدِهما ولم تَكمُلِ البيِّنةُ بذلكَ (٢). والحِكمةُ في وُجوبِ الحَدِّ بالقَذفِ دونَ التَّسَابِّ بالكُفرِ أنَّ المُسبوبَ بالكُفرِ قادِرٌ على أنْ يَنفيَ عنه ذلكَ بكَلمةِ الشَّهادتَينِ، بخِلافِ الزَّانِي فإنه لا يَقدرُ على نَفيِ الزنا عنه (٣). حُكمُ القَذفِ: القَذفُ مُحرَّمٌ بالكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ، وهو مِنْ الكَبائرِ والسَّبعِ المُوبِقاتِ. أمَّا الكِتابُ: فقَولُه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]. وقولُه تعالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ [النور: ٢٣]. وأمَّا السُّنةُ: فقولُ النبيِّ ﷺ : «اجتَنِبُوا السَّبعَ المُوبِقاتِ، قالوا: وما هُنَّ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: الشِّركُ باللهِ، والسِّحرُ، وقَتلُ النَّفسِ التي حَرَّمَ اللهُ

стр. 13537

إلا بالحَقِّ، وأكلُ الرِّبا، وأكلُ مالِ اليَتيمِ، والتَّوَلِّي يومَ الزَّحفِ، وقَذفُ المُحصَناتِ الغافِلاتِ المُؤمِناتِ» (١). وأمَّا الإجماعُ: فإنَّ الأمَّةَ أجمَعَتْ على حُرمةِ القَذفِ وأنه مِنْ الكَبائرِ. قالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: أجمَعَتِ الأمَّةُ على تَحريمِ قَذفِ المُحصَنةِ والمُحصَنِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: القَذفُ: هو الرَّميُ بالزِّنا، وهو مُحرَّمٌ بإجماعِ الأمَّةِ (٣). وقالَ الإمامُ الزَّركَشيُّ ﵀: القَذفُ مُحرَّمٌ بالإجماعِ؛ للأذَى الحاصِلِ به المأمُورِ بانتِفائِه شَرعًا (٤). وقالَ الإمامُ ابنُ الهُمامِ ﵀: والقَذفُ لغةً: الرَّميُ بالشَّيءِ، وفي الشَّرعِ: رميٌ بالزِّنا، وهو مِنْ الكَبائرِ بإجماعِ الأمَّةِ (٥). وقالَ الإمامُ بَدرُ الدِّينِ العينيُّ ﵀: والقَذفُ مِنْ الكَبائرِ بإجماعِ الأئمَّةِ (٦).

стр. 13538

أقسامُ القَذفِ: القَذفُ على ثَلاثةِ أضرُبٍ: الضربُ الأولُ: واجِبٌ: وهو أنْ يَرَى امرَأتَه تَزنِي في طُهرٍ لم يَطأْها فيهِ، فإنه يَلزمُه اعتِزالُها حتَّى تَنقضيَ عدَّتُها، فإذا أتَتْ بولَدٍ لسِتةِ أشهُرٍ مِنْ حينِ الزِّنا وأمكَنَه نَفيُه عنه لَزمَه قَذفُها ونَفيُ ولَدِها؛ لأنَّ ذلكَ يَجرِي مَجرَى اليَقينِ في أنَّ الولَدَ مِنْ الزاني، فإذا لم يَنفِه لَحقَه الولَدُ ووَرثَه ووَرثَ أقارِبَه ووَرِثوا منه ونظَرَ إلى بَناتِه وأخَواتِه، وليسَ ذلكَ بجائزٍ، فيَجبُ نفيُه؛ لإزالةِ ذلكَ، ولو أقرَّتْ بالزِّنا ووقَعَ في قَلبِه صِدقُها فهو كما لو رَآها. والضرب الثَّاني: أنْ يَراها تَزنِي، أو يَثبتَ عندَه زِناها وليسَ ثَمَّ ولَدٌ يَلحقُه نَسبُه، أو ثَمَّ ولدٌ لكنْ لا يعلمُ أنه مِنْ الزِّنا، أو يُخبِرَه بزِناها ثِقةٌ يُصدِّقُه، أو يَشيعَ في الناسِ أنَّ فُلانًا يَفجرُ بفُلانةَ ويَشاهدَه عندَها أو داخِلًا إليها أو خارِجًا مِنْ عندِها، أو يَغلبَ على ظَنِّه فُجورُها، فهذا له قَذفُها؛ لأنه رُويَ عن عبدِ اللهِ أنَّ رَجلًا أتَى النبيَّ ﷺ فقالَ: «أرَأيْتَ رَجلًا وجَدَ مع امرَأتِه رَجلًا فتَكلَّمَ جَلدْتُموهُ أو قتَلَ قَتلتُموهُ أو سكَتَ سكَتَ على غَيظٍ» فذكَرَ أنه يَتكلَّمُ أو يَسكتُ ولم يُنكِرْ عليه النبيُّ ﷺ ، ولأنَّ النبيَّ ﷺ لم يُنكِرْ على هِلالٍ والعَجلانِيِّ قذْفَهُما حينَ رأَيَا، وإنْ سكَتَ جازَ وهو أحسَنُ؛ لأنه يُمكِنُه فِراقُها بطَلاقِها ويكونُ فيه ستْرُها وستْرُ نفسِه وليسَ ثمَّ ولَدٌ يحتاجُ إلى نفيِه.

стр. 13539

الضربُ الثالِثُ: مُحرَّمٌ: وهو ما عدا ذلكَ مِنْ قَذفِ أزواجِه والأجانبِ، فإنه مِنْ الكَبائرِ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ [النور: ٢٣]، وقالَ النبيُّ ﷺ : «أيُّما امرَأةٍ أدخَلَتْ على قَومٍ مَنْ ليسَ مِنهُم فليسَتْ مِنْ اللهِ في شَيءٍ ولنْ يُدخِلَها اللهُ جَنَّتَه، وأيُّما رَجلٍ جحَدَ ولَدَه وهو يَنظرُ إليهِ احتَجَبَ اللهُ منهُ وفضَحَه على رُؤوسِ الأوَّلينَ والآخِرينَ» (١). قولُه: «وهو يَنظرُ إليه» يعني: يَراهُ منهُ، فكَمَا حرَّمَ اللهُ على المَرأةِ أنْ تُدخِلَ على قَومٍ مَنْ ليسَ منهُم حرَّمَ على الرَّجلِ جحْدَ ولَدِه، ولا يَجوزُ قَذفُها بخبَرِ مَنْ لا يُوثَقُ بخبَرِه؛ لأنه غيرُ مَأمونٍ على الكَذبِ عليها، ولا برُؤيتِه رَجلًا خارِجًا مِنْ عندِها مِنْ غيرِ أنْ يَستفيضَ زِناها؛ لأنه يَجوزُ أنْ يَكونَ دخَلَ سارِقًا أو هارِبًا أو لِحاجةٍ أو لغَرضٍ فاسِدٍ فلمْ تُمكِّنْه، ولا لاستِفاضةِ ذلكَ في الناسِ مِنْ غيرِ قَرينةٍ تَدلُّ على صِدقِهم؛ لاحتِمالِ أنْ يكونَ أعداؤُها أشاعُوا ذلكَ عَنها، وفيهِ وجهٌ آخَرُ: أنه يَجوزُ؛ لأنَّ الاستِفاضةَ أقوَى مِنْ خبَرِ الثِّقةِ، ولا بمُخالَفةِ الولَدِ لونَ والِديهِ أو شَبهِهما، ولا لشَبهِه بغيرِ والِديهِ (٢). وقد تَقدَّمَ بيانُ ذلكَ بالتَّفصيلِ في كِتابِ اللِّعانِ.

стр. 13540

شُروطُ حَدِّ القَذفِ: لِحَدِّ القَذفِ شُروطٌ بعضُها يَرجعُ إلى القاذِفِ، وبَعضُها يَرجعُ إلى المَقذوفِ، وبَعضُها يَرجعُ إلى الصِّيغةِ. أولاً: شُروطُ القاذِفِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه يُشترطُ في القاذِفِ حتَّى يُقامَ الحَدُّ عليه أنْ يَكونَ: ١ - بالِغًا: فلا حَدَّ على صَغيرٍ إذا قذَفَ مُحصَنًا؛ لعَدمِ التكليفِ ولرَفعِ القَلمِ عنهُ ولعَدمِ حُصولِ الإيذاءِ بقَذفِه. ٢ - عاقِلًا: فلا حَدَّ على مَجنونٍ إذا قذَفَ مُحصَنًا؛ لعَدمِ التَّكليفِ، ولرَفعِ القَلمِ عنه، ولعَدمِ حُصولِ الإيذاءِ بقَذفِه، وهذانِ مَحلُّ اتِّفاقٍ، وقالَ الحَنفيةُ والشَّافعيةُ: يُعزَّرُ القاذِفُ المُميِّزُ الصَّبيُّ، زادَ الشافِعيةُ: أو المَجنونُ الذي له نَوعُ تَمييزٍ، زَجرًا له وتأديبًا. قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: فأما القاذِفُ فإنهُم اتَّفقُوا على أنَّ مِنْ شَرطِه وَصفَينِ، وهُمَا البُلوغُ والعَقلُ، وسَواءٌ أكانَ ذكَرًا أو أنثَى، حُرًّا أو عبدًا، مُسلِمًا أو غيرَ مُسلمٍ (١). ٣ - مُختارًا: فلا حَدَّ على مُكرَهٍ إذا قذَفَ في حالةِ الإكراهِ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ في قَولٍ والشافِعيةِ والحَنابلةِ، وهو مُقتضَى كَلامِ المالِكيةِ؛

стр. 13541

لرَفعِ القَلمِ عنه، ولأنه لم يَقصدِ الأذَى بذلكَ؛ لإجبارِه عليهِ، ولا على مُكرِهٍ، والفَرقُ بينَه وبينَ القتلِ أنه يُمكِنُه جَعلُ يَدِ المُكرَهِ كالآلةِ له بأنُ يأخُذَ يَدَه فيَقتلَ بها، ولا يُمكِنُه أنْ يأخُذَ لِسانَه فيَقذفَ بهِ. وفي قَولٍ للحَنفيةِ أنه لا يُشترطُ في القاذِفِ أنْ يكونَ مُختارًا، بل يُحَدُّ وإنْ كانَ مُكرَهًا (١). ٤ - قَذفُ السَّكرانِ: نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على إقامةِ الحَدِّ على السَّكرانِ إذا قذَفَ في حالِ سُكْرِه بمُحرَّمٍ؛ لأنَّ حَدَّ القذفِ في معنَى حَقِّ العِبادِ، وسُكْرُه لا يَمنعُ وُجوبَ الحدِّ عليهِ بقذفِه؛ لأنه معَ سُكرِه مُخاطَبٌ، لأنَّ بعضَ الصَّحابةِ ﵃ أخَذَ حَدَّ الشُّربِ مِنْ القَذفِ على ما رُويَ عن عَليٍّ ﵁ قالَ: «إذا شَربَ هَذَى، وإذا هَذَى افتَرَى، وحَدُّ المُفتَرينَ في كِتابِ اللهِ ثَمانونَ جَلدةً» (٢).

стр. 13542

٥ - وأنْ يَكونَ غيرَ أصلٍ: فلا يُحَدُّ الأصلُ ولو أُنثى بقَذفِ الولَدِ وإنْ سَفَلَ؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، والنَّهيُ عن التأفيفِ نَصًّا نهيٌ عن الضربِ دَلالةً، ولهذا لا يُقتَلُ به قِصاصًا، ولقولِه ﵎: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣]، والمُطالِبُ بالقَذفِ ليسَ مِنْ الإحسانِ في شَيءٍ، فكانَ مَنفيًّا بالنصِّ، ولأنَّ تَوقيرَ الأبِ واحتِرامَه واجبٌ شَرعًا وعَقلًا، والمُطالَبةُ بالقَذفِ للجَدِّ تَركُ التَّعظيمِ والاحتِرامِ، فكانَ حَرامًا، لكنَّه يُعزَّرُ؛ للإيذاءِ، وهذا شَرطٌ عندَ الحَنفيةِ والمالِكيةِ في المَذهبِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ. وقالَ المالِكيةُ في قَولٍ -وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ-: يُحَدُّ الأبُ بقَذفِ ابنِه (١). ٦ - والعِلمُ بالتَّحريمِ: فلا حَدَّ على جاهِلٍ بالتحريمِ لقُربِ عَهدِه بالإسلامِ أو بُعدِه عن العُلماءِ عندَ الشافِعيةِ (٢). وأما الحَنفيةُ فقالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: وأما كَونُه عالِمًا بالحُرمةِ حَقيقةً أو حُكمًا بكَونِه ناشِئًا في دارِ الإسلامِ فيُحتملُ أنْ يكونَ شَرطًا أيضًا، لكنْ في «كافي الحاكِمِ»: حَربيٌّ دخَلَ دارَ الإسلامِ بأمانٍ فقذَفَ مُسلمًا لم يُحَدَّ في قَولِ أبي حَنيفةَ الأولِ، ويُحَدُّ في قَولِه الأخيرِ، وهو قَولُ صاحِبَيه. اه، فظاهِرُه أنه يُحَدُّ ولو في فَورِ دُخولِه، ولَعلَّ وجْهَه أنَّ الزنا حَرامٌ في كلِّ

стр. 13543

مِلَّةٍ، فيَحرمُ القَذفُ به أيضًا، فلا يُصدَّقُ بالجَهلِ، هذا ما ظهَرَ لي، ولمْ أَرَ مَنْ تعرَّضَ لشيءٍ منهُ (١). ٧ - التِزامُ الأحكامِ: فلا حَدَّ على حَربيٍّ؛ لعَدمِ التِزامِه الأحكامَ عندَ الشافِعيةِ (٢). وقالَ الحَنفيةُ: يُحَدُّ الكافِرُ الحَربيُّ المُستأمنُ إذا قذَفَ مُسلمًا ودخَلَ دارَ الإسلامِ بأمانٍ، فإنه يُحَدُّ ولو في فَورِ دُخولِه؛ لأنَّ الزنا حرامٌ في كلِّ ملَّةٍ، فيَحرمُ القَذفُ به (٣). وقالَ المالِكيةُ: يُقامُ الحَدُّ على القاذِفِ الكافرِ إذا كانَ القَذفُ صادِرًا منه في بلادِ الإسلامِ، وأمَّا الكافرُ ببِلادِ الحَربِ إذا قذَفَ مُسلمًا فيها ثمَّ أسلَمَ أو أُسرَّ فلا حَدَّ عليهِ اتفاقًا (٤). ٨ - أنْ يكونَ في دارِ العَدلِ: فلا حَدَّ على القاذِفِ في دارِ الحَربِ أو البغيِ عندَ الحَنفيةِ (٥). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَجبُ الحَدُّ على القاذِفِ في غيرِ دارِ الإسلامِ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ، وقالَ أصحابُ الرأيِ: لا حَدَّ عليه؛ لأنه في دارٍ لا حَدَّ على أهلِها.

стр. 13544

ولنا: عُمومُ قولِه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ [النور: ٤] الآيَة، ولأنه مُسلمٌ مُكلَّفٌ قذَفَ مُحصنًا، فأشبَهَ مَنْ في دارِ الإسلامِ (١). ٩ - وعَدمُ إذنِ المَقذوفِ: فإذا قالَ المُحصَنُ لغيرِه: «اقذِفنِي» فقذَفَه فلا يَجبُ عليه الحدُّ على الصحيحِ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ؛ لأنه إذنٌ في سَبِّه، فلمْ يَجبِ الحَدُّ عليه كالقِصاصِ والقَطعِ في السَّرقةِ، ويُعزَّرُ؛ لأنه فعَلَ مُحرَّمًا لا حدَّ فيه. وذهَبَ الشافِعيةُ في وَجهٍ اختارَه القاضِي والإمامُ والغزاليُّ والحَنابلةُ في وَجهٍ إلى أنه يَجبُ الحَدُّ ولا يُباحُ بالإذنِ وإنْ كانَ المَقذوفُ زانِيًا (٢).

стр. 13545

ثانيًا: شُروطُ المقذُوفِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه يُشترطُ في المَقذوفِ الذي يَجبُ الحَدُّ بقَذفِه مِنْ الرِّجالِ والنساءِ أنْ يكونَ مُحصنًا. وشُروطُ الإحصانِ في القَذفِ هي: ١ - البُلوغُ: نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ على أنه يُشترطُ البلوغُ، فلو قذَفَ صَبيًّا لم يَبلغْ فلا حدَّ على القاذِفِ؛ لأنه أحَدُ شَرطَي التكليفِ، فأشبَهَ العَقلَ، ولأنَّ زنَى الصبيِّ لا يُوجِبُ حدًّا، فلا يَجبُ الحدُّ بالقذفِ بهِ كزنَى المَجنونِ، ولأنَّ قذْفَه بالزنى كَذبٌ مَحضٌ، لكنْ يُنظَرُ فإنْ كانَ مُراهِقًا يُؤذِي قَذفُ مثلِه عُزِّرَ أدبًا، كما يُؤدَّبُ في مَصالحِه، وإنْ كانَ طِفلًا لا يُؤذِي قذفُه لم يُعزَّرْ (١). وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا يُشترطُ البلوغُ؛ لأنه حُرٌّ عاقِلٌ عَفيفٌ يَتعيَّرُ بهذا القولِ المُمكِنُ صِدقُه، فأشبَهَ الكَبيرَ، ولكنْ لا بُدَّ أنْ يكونَ كَبيرًا يُجامِعُ مِثلَه، وأدناهُ أنْ يكونَ للغِلامُ عَشرٌ وللجارِيةِ تِسعٌ، لكنْ لا يُحَدُّ قاذِفُ غيرِ البالغِ حتى يَبلغَ ويُطالِبَ به بعدَ بُلوغِه؛ إذْ لا

стр. 13546

أثَرَ لطَلبِه قبلَ البُلوغِ؛ لعَدمِ اعتبارِ كَلامِه؛ لأنَّ الحقَّ في حدِّ القذفِ للآدَميِّ، فلا يُقامُ بلا طَلبِه (١). ٢ - العَقلُ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه يُشترطُ في المَقذوفِ أنْ يكونَ عاقِلًا، فإنْ قذَفَ مَجنونًا لم يَجبْ عليه حدُّ القذفِ؛ لأنَّ ما رماهُ به مِنْ الزِّنى لو تحقَّقَ لم يَجبْ عليهِ به حَدٌّ، فلمْ يَجبْ على قاذِفِه به حدٌّ، لكنْ يُعزَّرُ (٢). ٣ - الحُريةُ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ مِنْ شَرطِ المَقذوفِ حتى يُقامَ الحدُّ على قاذِفِه أنْ يكونَ حُرًّا، فإذا قذَفَ مَملوكًا لم يَجبْ عليه به حدٌّ؛ لأنَّ الرِّقَّ يَمنعُ مِنْ كَمالِ حَدِّ الزنا، فمنَعَ مِنْ وُجوبِ الحَدِّ على قاذِفِه (٣). ٤ - الإسلامُ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه يُشترطُ في المَقذوفِ حتى يُقامَ الحَدُّ على قاذِفِه أنْ يكونَ مُسلمًا، فإنْ قذَفَ كافرًا لم يَجبْ عليه الحدُّ؛ لمَا رواهُ ابنُ عُمرَ ﵄ مَرفوعًا: «مَنْ أشرَكَ باللهِ فليسَ بمُحصَنٍ» (٤)، فدَلَّ على أنَّ الإسلامَ

стр. 13547

شَرطٌ، ولأنَّ الحدَّ إنما وجَبَ بالقذفِ دَفعًا لعارِ الزنا عن المَقذوفِ، وما في الكافِرِ مِنْ عارِ الكُفرِ أعظَمُ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأما المَقذوفُ فاتَّفقُوا على أنَّ مِنْ شَرطِه أنْ يَجتمعَ فيه خَمسةُ أوصافٍ: البلوغُ والحُريةُ والعَفافُ والإسلامُ وأنْ يكونَ معهُ آلةُ الزِّنا، فإنِ انخَرمَ مِنْ هذهِ الأوصافِ وصفٌ لم يَجبِ الحدُّ، والجُمهورُ بالجُملةِ على اشتِراطِ الحُريةِ في المَقذوفِ، ويُحتملُ أنْ يَدخلَ في ذلكَ خلافٌ، ومالكٌ يَعتبِرُ في سِنِّ المرأةِ أنْ تُطيقَ الوطءَ (٢). ٥ - العِفَّةُ عن الزِّنا: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه يُشترطُ في المَقذوفِ أنْ يكونَ عَفيفًا عن الزنا، فإنْ قذَفَ مَنْ عُرفَ بزِناهُ ببيِّنةٍ أو إقرارِه لم يَجبْ عليه الحَدُّ؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]. وقولِه تعالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ [النور: ٢٣]. والمُحصَناتُ الحَرائرُ، والغافِلاتُ العَفائفُ عن الزِّنا، فلمَّا وجَبَ الحَدُّ على القاذفِ إذا لم يَأتِ بأربَعةِ شُهداءَ على زِنَى المَقذوفِ دَلَّ على أنه إذا أتَى بأربَعةِ شُهداءَ على زِناه أنه لا حَدَّ عليه.

стр. 13548

ولأنَّ الحَدَّ إنما يَجبُ لدَفعِ العارِ عن المَقذوفِ، ومَن لا عِفَّةَ له عن الزنا لا يَلحقُه العارُ بالقذفِ بالزنا. ومعنَى العِفةِ عن الزِّنى ألا يكونَ المَقذوفُ وَطئَ في عُمرِه وَطئًا حَرامًا في غيرِ ملكٍ ولا نكاحٍ أصلًا، ولا في نِكاحٍ فاسدٍ فَسادًا مُجمَعًا عليهِ، فإنْ كانَ قد فعَلَ شَيئًا مِنْ ذلكَ سقَطَتْ عفَّتُه، سواءٌ كانَ الوطءُ زنًى مُوجِبًا للحدِّ أم لا، فالعِفةُ الفِعليةُ يَشترطُها الأئمَّةُ الثلاثةُ، وأما الأمامُ أحمدُ فيَكتفِي بالعِفةِ الظاهرةِ عن الزِّنى، فمَن لم يَثبتْ عليه الزنا ببيِّنةٍ أو إقرارٍ ومَن لم يُحَدَّ للزنا فهو عَفيفٌ، ثمَّ إنْ كانَ القذفُ بنفيِ النسبِ حُدَّ اتِّفاقًا. قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: ثمَّ تَفسيرُ العِفةِ عن الزنا هو إنْ لم يَكنِ المَقذوفُ وَطئَ في عُمرِه وَطأً حَرامًا في غيرِ مِلكٍ ولا نكاحٍ أصلًا، ولا في نكاحٍ فاسِدٍ فَسادًا مُجمَعًا عليه في السَّلفِ، فإنْ كانَ فعَلَ سَقطَتْ عفَّتُه، سواءٌ كانَ الوطءُ زنًا مُوجِبًا للحدِّ أو لم يَكنْ بعدَ أنْ يكونَ على الوَصفِ الذي ذكَرْنا. وإنْ كانَ وَطئَ وَطأً حَرامًا لكنْ في المِلكِ أو النكاحِ حَقيقةً أو في نكاحٍ فاسِدٍ لكنْ فَسادًا هو مَحلُّ الاجتهادِ لا تَسقطُ عفَّتُه. وبَيانُ هذهِ الجُملةِ في مَسائلَ: إذا وَطئَ امرأةً بشُبهةٍ بأنْ زُفَّتْ إليه غيرُ امرَأتِه فوَطئَها سقَطَتْ عفَّتُه؛ لوُجودِ الوطءِ الحرامِ في غيرِ مِلكٍ ولا نكاحٍ أصلًا، إلا أنه لم يَجبِ الحدُّ لقِيامِ الدليلِ المُبيحِ مِنْ حيثُ الظاهرِ على ما ذكَرْنا فيما تقدَّمَ …

стр. 13549

ولو وَطئَ الحائضَ أو النفَساءَ أو الصائِمةَ أو المُحرِمةَ أو الحرَّةَ التي ظاهَرَ منها أو الأمَةَ المُزوَّجةَ لم تَسقطْ عفَّتُه؛ لقِيامِ المِلكِ أو النكاحِ حَقيقةً وأنه مُحلَّلٌ، إلا أنه مُنعَ مِنْ الوطءِ لغيرِه … ولو تَزوَّجَ مُعتدَّةَ الغيرِ أو مَنكوحةَ الغيرِ أو مَجوسيةً أو أختَهُ مِنْ الرَّضاعِ سقَطَتْ عفَّتُه؛ سواءٌ عَلِمَ أو لم يَعلمْ في قولِ أبي حَنيفةَ ﵁، وعندَهما: إذا كانَ لا يَعلمُ لا تَسقطُ … ولو قبَّلَ امرأةً بشَهوةٍ أو نظَرَ إلى فَرجِها بشَهوةٍ ثم تزوَّجَ بابنتِها فوَطئَها أو تزوَّجَ بأمِّها فوَطئَها لا تَسقطُ عفَّتُه في قولِ أبي حَنيفةَ ﵀، وعندَهما تَسقطُ … ولو تزوَّجَ امرأةً بغيرِ شُهودٍ فوَطئَها سقَطَتْ عفَّتُه؛ لأنَّ فَسادَ هذا النكاحِ مُجمَعٌ عليه لا اختِلافَ فيه في السَّلفِ؛ إذْ لا يُعرَفُ الخلافُ فيه بينَ الصحابةِ، فلا يُعتدُّ بخلافِ مالكٍ فيه … ولا حَدَّ على مَنْ قذَفَ امرأةً مَحدودةً في الزِّنا أو معَها ولَدٌ لا يُعرَفُ له أبٌ أو لاعَنَتْ بولَدٍ؛ لأنَّ أمارةً الزِّنا معَها ظاهِرةٌ، فلمْ تَكنْ عَفيفةً (١). وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: وإنْ قذَفَ رَجلٌ رَجلًا وَطئَ وَطئًا حرامًا، أو امرأةً وطئَتْ وَطئًا حَرامًا، والوطءُ الحَرامُ على أربَعةِ أضرُبٍ: ضَربٌ حَرامٌ مَحضٌ: وهو الزِّنى، وكذلكَ إذا وَطئَ أمَّه أو أختَه بعَقدِ النكاحِ وهو عالمٌ بتَحريمِه، أو وَطئَ المُرتهِنُ الجاريةَ المَرهونةَ وهو عالم

стр. 13550

بتَحريمِه، أو وَطئَ جاريةَ والِدِه مع العِلمِ بتحريمِه .. أو وَطئَ الجاريةَ التي أصْدَقَها لزوْجتِه مع العلمِ بتحريمِه .. فهذا الوطءُ يَجبُ به الحَدُّ على الواطِئِ ويَسقطُ به إحصانُه، فلا يَجبُ الحَدُّ على قاذِفِه. والضَّربُ الثاني: وهو وَطءٌ حَرامٌ لِعارضٍ: وهو إذا وَطئَ زوْجتَه الحائِضَ أو النفَساءَ أو الصائِمةَ أو المُحرِمةَ .. فهذا لا يَجبُ عليه الحدُّ بهذا الوطءِ، ولا يَسقطُ به إحصانُه، فيَجبُ الحَدُّ على قاذِفِه. والضَّربُ الثالِثُ: وَطءٌ حرامٌ بكلِّ حالٍ إلا أنه في مِلكٍ، كمَن وَطئَ أمَّه أو أختَه في مِلكِه، فإنْ قُلنَا: يَجبُ عليه الحدُّ بوَطئِها .. سقَطَ إحصانُه بذلكَ، فلا يَجبُ الحدُّ على قاذِفِه، وإنْ قُلنَا: لا يَجبُ عليهِ الحدُّ .. لم يَسقطْ إحصانُه بذلكَ، فيَجبُ الحدُّ على قاذفِه. والضربُ الرابعُ: وطءٌ حرامٌ في غيرِ مِلكٍ إلا أنه مُختلَفٌ فيهِ، كمَن وَطئَ امرأةً في نكاحٍ بلا وَليٍّ ولا شُهودٍ، أو في نِكاحِ الشِّغارِ، أو نكاحِ المُتعةِ، أو وَطئَ جاريةً مُشتركةً بينَه وبينَ غيرِه .. فهذا الوطءُ لا يَجبُ به الحدُّ على الواطِئِ، ولكنْ هل يَسقطُ به إحصانُه؟ فيهِ وَجهانِ: أحَدُهما: يَسقطُ به إحصانُه، فلا يَجبُ الحدُّ على قاذِفِه؛ لأنه وَطءٌ مُحرَّمٌ في غيرِ مِلكِ، فهو كالزنا. والثاني: لا يَسقطُ به إحصانُه ويَجبُ الحدُّ على قاذفِه، لأنه وطءٌ لا يَجبُ به الحدُّ على الواطئِ، فهو كما لو وَطئَ امرأتَه الحائِضَ.
следующие страницы →