← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 13546–13585 · переход к 13551.

стр. 13546

أثَرَ لطَلبِه قبلَ البُلوغِ؛ لعَدمِ اعتبارِ كَلامِه؛ لأنَّ الحقَّ في حدِّ القذفِ للآدَميِّ، فلا يُقامُ بلا طَلبِه (١). ٢ - العَقلُ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه يُشترطُ في المَقذوفِ أنْ يكونَ عاقِلًا، فإنْ قذَفَ مَجنونًا لم يَجبْ عليه حدُّ القذفِ؛ لأنَّ ما رماهُ به مِنْ الزِّنى لو تحقَّقَ لم يَجبْ عليهِ به حَدٌّ، فلمْ يَجبْ على قاذِفِه به حدٌّ، لكنْ يُعزَّرُ (٢). ٣ - الحُريةُ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ مِنْ شَرطِ المَقذوفِ حتى يُقامَ الحدُّ على قاذِفِه أنْ يكونَ حُرًّا، فإذا قذَفَ مَملوكًا لم يَجبْ عليه به حدٌّ؛ لأنَّ الرِّقَّ يَمنعُ مِنْ كَمالِ حَدِّ الزنا، فمنَعَ مِنْ وُجوبِ الحَدِّ على قاذِفِه (٣). ٤ - الإسلامُ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه يُشترطُ في المَقذوفِ حتى يُقامَ الحَدُّ على قاذِفِه أنْ يكونَ مُسلمًا، فإنْ قذَفَ كافرًا لم يَجبْ عليه الحدُّ؛ لمَا رواهُ ابنُ عُمرَ ﵄ مَرفوعًا: «مَنْ أشرَكَ باللهِ فليسَ بمُحصَنٍ» (٤)، فدَلَّ على أنَّ الإسلامَ

стр. 13547

شَرطٌ، ولأنَّ الحدَّ إنما وجَبَ بالقذفِ دَفعًا لعارِ الزنا عن المَقذوفِ، وما في الكافِرِ مِنْ عارِ الكُفرِ أعظَمُ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأما المَقذوفُ فاتَّفقُوا على أنَّ مِنْ شَرطِه أنْ يَجتمعَ فيه خَمسةُ أوصافٍ: البلوغُ والحُريةُ والعَفافُ والإسلامُ وأنْ يكونَ معهُ آلةُ الزِّنا، فإنِ انخَرمَ مِنْ هذهِ الأوصافِ وصفٌ لم يَجبِ الحدُّ، والجُمهورُ بالجُملةِ على اشتِراطِ الحُريةِ في المَقذوفِ، ويُحتملُ أنْ يَدخلَ في ذلكَ خلافٌ، ومالكٌ يَعتبِرُ في سِنِّ المرأةِ أنْ تُطيقَ الوطءَ (٢). ٥ - العِفَّةُ عن الزِّنا: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه يُشترطُ في المَقذوفِ أنْ يكونَ عَفيفًا عن الزنا، فإنْ قذَفَ مَنْ عُرفَ بزِناهُ ببيِّنةٍ أو إقرارِه لم يَجبْ عليه الحَدُّ؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]. وقولِه تعالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ [النور: ٢٣]. والمُحصَناتُ الحَرائرُ، والغافِلاتُ العَفائفُ عن الزِّنا، فلمَّا وجَبَ الحَدُّ على القاذفِ إذا لم يَأتِ بأربَعةِ شُهداءَ على زِنَى المَقذوفِ دَلَّ على أنه إذا أتَى بأربَعةِ شُهداءَ على زِناه أنه لا حَدَّ عليه.

стр. 13548

ولأنَّ الحَدَّ إنما يَجبُ لدَفعِ العارِ عن المَقذوفِ، ومَن لا عِفَّةَ له عن الزنا لا يَلحقُه العارُ بالقذفِ بالزنا. ومعنَى العِفةِ عن الزِّنى ألا يكونَ المَقذوفُ وَطئَ في عُمرِه وَطئًا حَرامًا في غيرِ ملكٍ ولا نكاحٍ أصلًا، ولا في نِكاحٍ فاسدٍ فَسادًا مُجمَعًا عليهِ، فإنْ كانَ قد فعَلَ شَيئًا مِنْ ذلكَ سقَطَتْ عفَّتُه، سواءٌ كانَ الوطءُ زنًى مُوجِبًا للحدِّ أم لا، فالعِفةُ الفِعليةُ يَشترطُها الأئمَّةُ الثلاثةُ، وأما الأمامُ أحمدُ فيَكتفِي بالعِفةِ الظاهرةِ عن الزِّنى، فمَن لم يَثبتْ عليه الزنا ببيِّنةٍ أو إقرارٍ ومَن لم يُحَدَّ للزنا فهو عَفيفٌ، ثمَّ إنْ كانَ القذفُ بنفيِ النسبِ حُدَّ اتِّفاقًا. قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: ثمَّ تَفسيرُ العِفةِ عن الزنا هو إنْ لم يَكنِ المَقذوفُ وَطئَ في عُمرِه وَطأً حَرامًا في غيرِ مِلكٍ ولا نكاحٍ أصلًا، ولا في نكاحٍ فاسِدٍ فَسادًا مُجمَعًا عليه في السَّلفِ، فإنْ كانَ فعَلَ سَقطَتْ عفَّتُه، سواءٌ كانَ الوطءُ زنًا مُوجِبًا للحدِّ أو لم يَكنْ بعدَ أنْ يكونَ على الوَصفِ الذي ذكَرْنا. وإنْ كانَ وَطئَ وَطأً حَرامًا لكنْ في المِلكِ أو النكاحِ حَقيقةً أو في نكاحٍ فاسِدٍ لكنْ فَسادًا هو مَحلُّ الاجتهادِ لا تَسقطُ عفَّتُه. وبَيانُ هذهِ الجُملةِ في مَسائلَ: إذا وَطئَ امرأةً بشُبهةٍ بأنْ زُفَّتْ إليه غيرُ امرَأتِه فوَطئَها سقَطَتْ عفَّتُه؛ لوُجودِ الوطءِ الحرامِ في غيرِ مِلكٍ ولا نكاحٍ أصلًا، إلا أنه لم يَجبِ الحدُّ لقِيامِ الدليلِ المُبيحِ مِنْ حيثُ الظاهرِ على ما ذكَرْنا فيما تقدَّمَ …

стр. 13549

ولو وَطئَ الحائضَ أو النفَساءَ أو الصائِمةَ أو المُحرِمةَ أو الحرَّةَ التي ظاهَرَ منها أو الأمَةَ المُزوَّجةَ لم تَسقطْ عفَّتُه؛ لقِيامِ المِلكِ أو النكاحِ حَقيقةً وأنه مُحلَّلٌ، إلا أنه مُنعَ مِنْ الوطءِ لغيرِه … ولو تَزوَّجَ مُعتدَّةَ الغيرِ أو مَنكوحةَ الغيرِ أو مَجوسيةً أو أختَهُ مِنْ الرَّضاعِ سقَطَتْ عفَّتُه؛ سواءٌ عَلِمَ أو لم يَعلمْ في قولِ أبي حَنيفةَ ﵁، وعندَهما: إذا كانَ لا يَعلمُ لا تَسقطُ … ولو قبَّلَ امرأةً بشَهوةٍ أو نظَرَ إلى فَرجِها بشَهوةٍ ثم تزوَّجَ بابنتِها فوَطئَها أو تزوَّجَ بأمِّها فوَطئَها لا تَسقطُ عفَّتُه في قولِ أبي حَنيفةَ ﵀، وعندَهما تَسقطُ … ولو تزوَّجَ امرأةً بغيرِ شُهودٍ فوَطئَها سقَطَتْ عفَّتُه؛ لأنَّ فَسادَ هذا النكاحِ مُجمَعٌ عليه لا اختِلافَ فيه في السَّلفِ؛ إذْ لا يُعرَفُ الخلافُ فيه بينَ الصحابةِ، فلا يُعتدُّ بخلافِ مالكٍ فيه … ولا حَدَّ على مَنْ قذَفَ امرأةً مَحدودةً في الزِّنا أو معَها ولَدٌ لا يُعرَفُ له أبٌ أو لاعَنَتْ بولَدٍ؛ لأنَّ أمارةً الزِّنا معَها ظاهِرةٌ، فلمْ تَكنْ عَفيفةً (١). وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: وإنْ قذَفَ رَجلٌ رَجلًا وَطئَ وَطئًا حرامًا، أو امرأةً وطئَتْ وَطئًا حَرامًا، والوطءُ الحَرامُ على أربَعةِ أضرُبٍ: ضَربٌ حَرامٌ مَحضٌ: وهو الزِّنى، وكذلكَ إذا وَطئَ أمَّه أو أختَه بعَقدِ النكاحِ وهو عالمٌ بتَحريمِه، أو وَطئَ المُرتهِنُ الجاريةَ المَرهونةَ وهو عالم

стр. 13550

بتَحريمِه، أو وَطئَ جاريةَ والِدِه مع العِلمِ بتحريمِه .. أو وَطئَ الجاريةَ التي أصْدَقَها لزوْجتِه مع العلمِ بتحريمِه .. فهذا الوطءُ يَجبُ به الحَدُّ على الواطِئِ ويَسقطُ به إحصانُه، فلا يَجبُ الحَدُّ على قاذِفِه. والضَّربُ الثاني: وهو وَطءٌ حَرامٌ لِعارضٍ: وهو إذا وَطئَ زوْجتَه الحائِضَ أو النفَساءَ أو الصائِمةَ أو المُحرِمةَ .. فهذا لا يَجبُ عليه الحدُّ بهذا الوطءِ، ولا يَسقطُ به إحصانُه، فيَجبُ الحَدُّ على قاذِفِه. والضَّربُ الثالِثُ: وَطءٌ حرامٌ بكلِّ حالٍ إلا أنه في مِلكٍ، كمَن وَطئَ أمَّه أو أختَه في مِلكِه، فإنْ قُلنَا: يَجبُ عليه الحدُّ بوَطئِها .. سقَطَ إحصانُه بذلكَ، فلا يَجبُ الحدُّ على قاذِفِه، وإنْ قُلنَا: لا يَجبُ عليهِ الحدُّ .. لم يَسقطْ إحصانُه بذلكَ، فيَجبُ الحدُّ على قاذفِه. والضربُ الرابعُ: وطءٌ حرامٌ في غيرِ مِلكٍ إلا أنه مُختلَفٌ فيهِ، كمَن وَطئَ امرأةً في نكاحٍ بلا وَليٍّ ولا شُهودٍ، أو في نِكاحِ الشِّغارِ، أو نكاحِ المُتعةِ، أو وَطئَ جاريةً مُشتركةً بينَه وبينَ غيرِه .. فهذا الوطءُ لا يَجبُ به الحدُّ على الواطِئِ، ولكنْ هل يَسقطُ به إحصانُه؟ فيهِ وَجهانِ: أحَدُهما: يَسقطُ به إحصانُه، فلا يَجبُ الحدُّ على قاذِفِه؛ لأنه وَطءٌ مُحرَّمٌ في غيرِ مِلكِ، فهو كالزنا. والثاني: لا يَسقطُ به إحصانُه ويَجبُ الحدُّ على قاذفِه، لأنه وطءٌ لا يَجبُ به الحدُّ على الواطئِ، فهو كما لو وَطئَ امرأتَه الحائِضَ.

стр. 13551

وكذلكَ إذا وَطئَ امرأةً أجنَبيةً ظنَّها زوْجَتَه .. فهو كما لو وَطئَ في النكاحِ بلا وليٍّ (١). ٦ - أنْ يكونَ معهُ آلةُ الزِّنا: (قَذفُ الخَصيِّ والمَجبوبِ والرَّتقاءِ والقَرناءِ): قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَجبُ الحدُّ على قاذفِ الخَصيِّ والمَجبوبِ والمَريضِ المُدنفِ والرَّتقاءِ والقَرناءِ. وقالَ الشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرأيِ: لا حَدَّ على قاذِفِ مَجبوبٍ، قالَ ابنُ المُنذرِ: وكذلكَ الرَّتقاءُ. وقالَ الحسَنُ: لا حَدَّ على قاذفِ الخَصيِّ؛ لأنَّ العارَ مُنتفٍ عن المَقذوفِ بدونِ الحدِّ؛ للعِلمِ بكَذبِ القاذفِ، والحدُّ إنما يجبُ لنفيِ العارِ. ولنا: عُمومُ قولِه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، والرَّتقاءُ داخِلةٌ في عُمومِ هذا، ولأنه قاذفٌ لمُحصَنٍ، فيَلزمُه الحدُّ كقاذفِ القادرِ على الوطءِ، ولأنَّ إمكانَ الوطءِ أمرٌ خَفيٌّ لا يَعلمُه كثيرٌ مِنْ الناسِ، فلا يَنتفِي العارُ عندَ مَنْ لم يَعلمْه بدُونِ الحدِّ، فيَجبُ كقذفِ المَريضِ (٢).

стр. 13552

قَذفُ الفاسِقِ: نَصَّ الفُقهاءُ على أنه لا يُشترطُ في المُحصَنِ العَدالةُ، قالَ البُهوتِيُّ ﵀: فلو كانَ فاسِقًا لشُربِه الخمرَ أو البِدعة ولم يُعرَفْ بالزنا وجَبَ الحدُّ على قاذِفِه (١). قالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: لا خِلافَ في أنَّ قاذِفَ الفاسقِ يَلزمُه الحدُّ كقاذِفِ الفاضِلِ، ولا فرْقَ (٢). وقالَ الزَّركَشيُّ ﵀: (تَنبيهٌ): ظاهِرُ كلامِ الأصحابِ أنه لا يُشترطُ العَدالةُ، بل لو كانَ المَقذوفُ فاسقًا لشُربِ خَمرٍ ونحوِه أو لِبدعةٍ ولم يُعرَفْ بالزنا فإنَّ الحدَّ يَجبُ بقذفِه، وقالَ الشِّيرازيُّ: لا يَجبُ الحدُّ بقَذفِ مُبتدِعٍ ولا مُبتدِعةٍ (٣).

стр. 13553

ثالِثًا: صِيغةُ القَذفِ: القَذفُ على ثَلاثةِ أضرُبٍ: صَريح، وكِناية، وتَعريض. أولًا: الصَّريحُّ: هو اللفظُ الذي لا يَحتملُ غيرَ القَذفِ ك: «يا زانٍ، أو يا زانِيةُ، يا عاهِرُ»، وأصلُ العُهرِ إتيانُ الرَّجلِ المَرأةَ ليلًا للفُجورِ بها، ثمَّ غلَبَ على الزِّنا فأُطلِقَ العاهِرُ على الزاني، سواءٌ جاءَها أو جاءَتْه هي ليلًا أو نَهارًا. أو: «زَنَى فَرجُك» ممَّا لا يَحتملُ غيرَ القَذفِ، فلا يُقبَلُ قولُه بما يُحيلُه، فهو صريحٌ فيهِ، فأشبَهَ التَّصريحَ بالطَّلاقِ، وكذا ما يَجري مَجرَى الصريحِ وهو نَفيُ النَّسبِ. واتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ القَذفَ بصَريحِ الزِّنا يُوجِبُ الحدَّ بشُروطِه (١). ثانيًا: الكِنايةُ: هو اللَّفظُ الذي يَحتملُ القذْفَ ويَحتملُ غيرَه. وقدِ اختَلفَ الفُقهاءُ في كِنايةِ القَذفِ والتَّعريضِ بالقَذفِ، هل يُوجِبُ الحدَّ أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ إلى أنه لا يَجِبُ الحدُّ بالكنايةِ والتَّعريضِ؛ لأنَّ الكِنايةَ مُحتمِلةٌ، والحدُّ لا يَجبُ مع الشُّبهةِ، فمَعَ الاحتِمالِ أَولى (٢).

стр. 13554

قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: ولا يُلاعنُ ولا يُحَدُّ إلا بقَذفٍ مُصرحٍ، ولو قالَ: «لم أجِدْكِ عَذراءَ مِنْ جِماعٍ» وكانَتِ العُذرةُ تَذهبُ مِنْ غيرِ جِماعٍ ومِن جِماعٍ فإذا قالَ هذا وُقِفَ؛ فإنْ أرادَ الزنى حُدَّ أو لاعَنَ، وإنْ لم يُرِدْه حلَفَ ولا حَدَّ ولا لِعانَ … -ثمَّ ذكَرَ حَديثَ المَرأةِ التي ولَدَتْ غُلامًا أسوَدَ ثمَّ قالَ-: وبهذا نأخُذُ، وفي الحَديثِ دَلالةٌ ظاهِرةٌ على أنه ذكَرَ أنَّ امرَأتَه ولَدَتْ غُلامًا أسوَدَ وهو لا يَذكرُه إلا مُنكِرًا له، وجَوابُ النبيِّ ﷺ له وضَربُه له المثَلَ بالإبلِ يَدلُّ على ما وصَفْتُ مِنْ إنكارِه وتُهمتِه المرأةَ، فلمَّا كانَ قولُ الفَزاريِّ تُهمةً الأغلَبُ مِنها عندَ مَنْ سَمعَها أنه أرادَ قذْفَها أنْ جاءَتْ بولَدٍ أسودَ فسَمعَه النبيُّ ﷺ فلمْ يَرَهُ قذفًا يَحكمُ عليه فيه باللِّعانِ أو الحَدِّ إذا كانَ لقولِه وجهٌ يَحتملُ أنْ لا يكونَ أرادَ به القذفَ مِنْ التعجُّبِ والمَسألةِ عن ذلكَ لا قذْفَ امرَأتِه استَدلَلْنا على أنه لا حَدَّ في التعريضِ وإنْ غلَبَ على السامِعِ أنَّ المُعرِّضَ أرادَ القذفَ إنْ كانَ له وجهٌ يَحتملُه، ولا حَدَّ إلا في القَذفِ الصريحِ، وقد قالَ اللهُ ﵎ في المُعتدَّةِ: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ إلى ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: ٢٣٥]، فأحَلَّ التعريضَ بالخِطبةِ، وفي إحلالِه إيَّاها تحريمُ التَّصريحِ، وقد قالَ اللهُ ﵎ في الآيةِ: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: ٢٣٥] والسِّرُّ الجِماعُ واجتِماعُهما على العدَّةِ بتَصريحِ العُقدةِ بعدَ انقضاءِ العدَّةِ، وهو تَصريحٌ باسْمٍ نَهَى عنه، وهذا قَولُ الأكثَرِ مِنْ أهلِ مكَّةَ وغيرِهم مِنْ أهلِ البُلدانِ في التَّعريضِ، وأهلُ المَدينةِ فيه مُختلِفونَ فمِنهُم مَنْ قالَ بقَولِنا، ومنهُم مَنْ حَدَّ في التعريضِ، وهذهِ الدَّلالةُ

стр. 13555

في حَديثِ النبيِّ ﷺ في الفَزاريِّ مَوضوعةٌ بالآثارِ فيها والحُجَجِ في كتابِ الحُدودِ (١). وقالَ الماوَرديُّ ﵀: وهذا كما قالَ، كِناياتُ القَذفِ ومَعارِيضُه لا تكونُ قَذفًا إلا بالإرادةِ في الغضَبِ والرِّضى جَميعًا، وبه قالَ أبو حَنيفةَ وأكثَرُ الفُقهاءِ … ثمَّ ساقَ الحَديثَ ثمَّ قالَ: فلمْ يَجعلِ النبيُّ ﷺ هذا التَّعريضَ بالقذفِ صَريحًا. فإنْ قيلَ: إنما يكونُ صَريحًا في الغضَبِ، ولم يَظهرْ منهُ غَضبٌ. قيلَ: حالُه يَشهدُ بغضَبهِ؛ لأنه أنكَرَ مِنْ زَوجتِه وهُمَا أبيَضانِ أنْ تَلدَ غُلامًا أسوَدَ يُخالِفُهما في الشَّبهِ، ويَدلُّ عليه ما رُويَ «أنَّ رَجلًا أتَى رسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إني امرَأتي لا تَرُدُّ يَدَ لامِسٍ، فقالَ: طلِّقْها، فقالَ: إني أُحبُّها، قالَ: أَمسِكْها» وهذا تَعريضٌ بالقَذفِ ولم يَجعلْه قاذِفًا. فإنْ قيلَ: المُرادُ بقولِه: «يَدَ لامِسٍ» أُريدَ به مُلتمِسٍ، أي: طالبٍ لمالِه؛ لتَبذيرِها له في كلِّ سائلٍ وطالِبٍ، ولم يُرِدِ التِماسَ الفاحِشةِ، فيَكونُ تَعريضًا. قيلَ: لا يَجوزُ حَملُه على هذا التأويلِ المُخالِفِ لأمرَينِ: أحَدُهما: أنه لو أرادَ هذا القولَ لَقالَ: «لا تَرُدُّ يدَ مُلتمِسٍ» ولم يَقلْ: «يدَ لامِسٍ».

стр. 13556

والثَّاني: أنه لو قصَدَ هذا لم يُؤمَرْ بطلاقِها، ولأُمِرَ بحَبسِ مالِه عنها، ورُويَ أنَّ اليهودَ كانَتْ تَقولُ لرسولِ اللهِ ﷺ : «مُذَمَّمًا عَصَينا، وأمْرَه أَبيْنا»، فقالَ النبيُّ ﷺ : «أمَا تَرَونَ كيفَ عصَمَني اللهُ مِنهُم، إنهم يَسبُّونَ مُذَمَّمًا وأنا مُحمَّدٌ»، فلمْ يَجعلْ تَعريضَهم به صَريحًا، ولأنَّ اللهَ تعالى أحَلَّ التعريضَ بالخِطبةِ وقد حرَّمَ صَريحَها، فدَلَّ على اختِلافِ حُكمِ التَّعريضِ والتَّصريحِ. ويَدلُّ عليهِ عن طَريقِ المعنَى: أنَّ كلَّ ما كانَ كِنايةً في الرِّضى كانَ كِنايةً في الغضَبِ كالكِناياتِ في الطلاقِ، وأنَّ كلَّ ما لو نسَبَه إلى نفْسِه لم يَكنْ إقرارًا بالزنا وجَبَ إذا نسَبَه إلى غيرِه أنْ لا يَكونَ قذفًا بالزِّنا؛ قِياسًا على حالِ الرِّضى؛ لأنه لو قالَ لنَفسِه: «أنَا ما زَنَيتُ» لم يكنْ إقرارًا، كذلكَ إذا قالَ لغيرِه: «أنا ما زَنَيتُ» لم يَكنْ قَذفًا (١). وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ كنايةَ القَذفِ والتَّعريضَ به تَعريضًا يُفهَمُ منه أنه أرادَه فعَليهِ الحدُّ وحُكمُه حُكمُ الصريحِ، وذلكَ مَعلومٌ بشاهدِ الحالِ ومَخارجِ الكَلامِ والأسبابِ؛ لأنه لفظٌ يُفهَمُ منه القذفُ، فوجَبَ أنْ يكونَ قَذفًا، أصلُه التَّصريحُ، فإذا لم يُفهَمْ ذلكَ فلا خِلافَ أنه لا حَدَّ فيه ولا يَكونُ تَعريضًا، كما لو قالَ له: «يا زانٍ، فقالَ لهُ: أنعَمَ اللهُ صَباحَكَ، أو أنتَ سَخيٌّ كَريمٌ» أو ما أشبَهَ ذلكَ مِنْ الكلامِ الأجنَبيِّ عمَّا هُما فيه، ويُبيِّنُ ما قُلنَا أنَّ عُرفَ التخاطُبِ يَنفِي ما قالُوه؛ لأنَّ أهلَ اللُّغةِ يُسمُّونَ التعريضَ لِمَا يُفهَمُ

стр. 13557

منه مَعنَى التَّصريحِ وإنْ كانَ صَريحُ هذا التَّعريضِ ضِدَّه، ولذلكَ أخبَرَ اللهُ تعالَى عن قومِ شُعيبٍ أنهم قالُوا: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)﴾ [هود: ٨٧]، وأرادُوا ضِدَّ ذلكَ، وهو الذي يُفيدُ عُرفُ التخاطُبِ؛ لأنَّا إذا رَأيْنا اثنَينِ يَتسابَّانِ وأحَدُهما يُقاتِلُ صاحِبَه ويَطلبُ أنْ يزريَ عليه ولا يَرضَى بمُقابلتِه على ما يُورِدُه إلا أنْ يُبالِغَ فيهِ، فقالَ أحَدُهما للآخَرِ: «يا زانٍ، أو أنَّ الأبعَدَ ابنُ زانيةٍ» فقابَلهُ بأنْ قالَ: «ما أنتَ بزانٍ، أو ما أمُّه إلا العَفيفةُ» الَّتي لا يعلمُ أنها زَنَتْ ولا اكتسَبَتْ فاحِشةً، وشُوهِدَ في وجهِه مِنْ الأماراتِ والعَلاماتِ ما يعلمُ معه أنَّ هذهِ غرضُه، أنَّ هذهِ أَدخلُ فيما رُميَتْ به الأُخرى منهُما، فيُعقَلُ ذلكَ مِنْ شاهِدِ الحالِ كما يُعقَلُ الفَرقُ بينَ قولِ القائلِ: «أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ» اعتِبارًا، وبينَ مَنْ يَقولُها تَعظيمًا، وبينَ أنْ يقولَها تعجُّبًا عندَ طُروءِ حادِثٍ، وبينَ أنْ يَقولَها في الأذانِ، أو حِكايةً لقَولِ قائِلٍ، ومَن دفَعَ هذا عُلمَ قَصدُه للمعانَدةِ فلا وجْهَ لكَلامِه، ولأنهُم قد وافَقُونا على أنه لو قالَ: «أردْتُ به القذفَ» أنه يكونُ قَذفًا، فلولا أنه يُعقَلُ منه وإلا لم يَكنْ له حُكمُ ذلكَ إلا بالإرادةِ. ولأن ذلكَ مَرويٌّ عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ وعُثمانَ بنِ عفَّانَ وعُروةَ والزُّهريِّ. قالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: وقد صَحَّ عن عُمرَ مِنْ وُجوهٍ أنه حَدَّ في التعريضِ، فروَى مَعمرٌ عن الزُّهريِّ عن سالِمٍ عن أبيه «أنَّ عُمرَ كانَ يَحُدُّ في التعريضِ بالفاحِشةِ»، ورَوى ابنُ جُريجٍ عن ابنِ أبي مُليكةَ عن صَفوانَ وأيوبَ عن عُمرَ أنه حَدَّ في التعريضِ، وذكَرَ أبو عُمرَ «أنَّ عُثمانَ كانَ يَحُدُّ في

стр. 13558

التعريضِ»، وذكَرَه ابنُ أبي شَيبةَ، وكانَ عُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ يَرَى الحدَّ في التعريضِ، وهو قولُ أهلِ المَدينةِ والأوزاعِيِّ، وهو مَحضُ القياسِ، كما يقَعُ الطلاقُ والعِتقُ والوَقفُ والظِّهارُ بالصريحِ والكِنايةِ، واللَّفظُ إنما وُضعَ لدَلالتِه على المعنَى، فإذا ظهَرَ المعنَى غايةَ الظهورِ لم يَكنْ في تَغييرِ اللفظِ كثيرُ فائدةٍ (١). قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأما القَذفُ الذي يَجبُ به الحدُّ فاتَّفقُوا على وَجهينِ: أحَدُهما: أنْ يَرميَ القاذفُ المَقذوفَ بالزِّنا. والثَّاني: أنْ يَنفيَه عن نَسبِه إذا كانَتْ أمَّهُ حرَّةً مُسلمةً. واختَلفُوا إنْ كانَتْ كافِرةً أو أمَةً، فقالَ مالكٌ: سَواءٌ أكانَتْ حُرةً أو أمَةً مُسلمةً أو كافِرةً يَجبُ الحَدُّ، وقالَ إبراهِيمُ النخَعيُّ: لا حَدَّ عليهِ إذا كانَتْ أمُّ المَقذوفِ أمَةً أو كِتابيةً، وهو قياسُ قولِ الشافِعيِّ وأبي حَنيفةَ. واتَّفقُوا أنَّ القَذفَ إذا كانَ بهذَينِ المَعنيَينِ أنه إذا كانَ بلَفظٍ صَريحٍ وجَبَ الحدُّ.

стр. 13559

واختَلفُوا إنْ كانَ بتَعريضٍ، فقالَ الشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ والثوريُّ وابنُ أبي ليلَى: لا حَدَّ في التَّعريضِ، إلا أنَّ أبا حَنيفةَ والشافِعيَّ يَرَيانِ فيهِ التعزيرَ، وممَّن قالَ بقَولِهم مِنْ الصحابةِ ابنُ مَسعودٍ. وقالَ مالِكٌ وأصحابُه: في التَّعريضِ الحَدُّ، وهي مَسألةٌ وقَعَتْ في زَمانِ عُمرَ فشاوَرَ عُمرُ فيها الصحابةَ فاختَلفُوا فيها عليهِ، فرَأى عُمرُ فيها الحَدَّ. وعُمدةُ مالكٍ أنَّ الكِنايةَ قد تَقومُ بعُرفِ العادةِ والاستِعمالِ مَقامَ النصِّ الصَّريحِ، وإنْ كانَ اللفظُ فيها مُستعمَلًا في غيرِ مَوضعِه، أعني: مَقولًا بالاستِعارةِ. وعُمدةُ الجُمهورِ أنَّ الاحتِمالَ الذي في الاسمِ المُستعارِ شُبهةٌ، والحُدودُ تُدرأُ بالشبُهاتِ. والحَقُّ أنَّ الكِنايةَ قد تَقومُ في مَواضعَ مَقامَ النصِّ، وقد تَضعفُ في مَواضعَ، وذلك أنه إذا لم يَكثُرِ الاستِعمالُ لها (١). ألفاظُ الصَّريحِ والكِنايةِ عندَ كلِّ مَذهبٍ: قالَ الحَنفيةُ: صَريحُ الزِّنا إذا قالَ لرَجلٍ: «يا زاني، أو قالَ: زنَيْتَ، أو قالَ: أنتَ زاني» يُحَدُّ؛ لأنه أتَى بصَريحِ القذفِ بالزنا. ولو قالَ: «يا زانِئُ» بالهَمزِ، أو «زنَأْتَ في الجبلِ» بالهَمزِ يُحَدُّ، ولو قالَ: «عنَيْتُ به الصُّعودَ في الجَبلِ» لا يُصدَّقُ؛ لأنَّ العامَّةَ لا تُفرِّقُ بينَ المَهموزِ والمُليَّنِ.

стр. 13560

ولو قالَ لرجلٍ: «يا ابنَ الزانِي» فهو قاذِفٌ لأبيهِ، كأنه قالَ: «أبوكَ زاني». ولو قالَ: «يا ابنَ الزانِيةِ» فهو قاذِفٌ لأمِّهِ، كأنهُ قالَ: «أمُّكَ زانيةٌ»، ولو قالَ: «يا ابنَ الزانِي والزانيَةِ» فهو قاذِفٌ لأبيهِ وأمِّهِ، كأنه قالَ: «أبَواكَ زانِيانِ». ولو قالَ: «يا ابنَ الزِّنا، أو يا ولَدَ الزِّنا» كانَ قَذفًا؛ لأنَّ مَعناهُ في عُرفِ الناسِ وعادتِهم: «إنكَ مَخلوقٌ مِنْ ماءِ الزنا». ولو قالَ: «يا ابنَ الزانيتَينِ» يكونُ قذفًا، ويُعتبَرُ إحصانُ أمِّه التي ولَدَتْه لا إحصانُ جدَّتِه، حتَّى لو كانَتْ أمُّه مُسلمةً فعَليهِ الحدُّ وإنْ كانَتْ جدَّتُه كافرةً، وإنْ كانَتْ أمُّه كافرةً فلا حدَّ عليهِ وإنْ كانَتْ جدَّتُه مُسلمةً؛ لأنَّ أمَّه في الحَقيقةِ والِدتُه والجَدَّةُ تسمَّى أمًّا مَجازًا، وكذلكَ لو قالَ: «يا ابنَ مِائةِ زانيةٍ، أو يا ابنَ ألفِ زانيةٍ» يكونُ قاذِفًا لأمِّه. ولو قالَ: «يا ابنَ القَحبةِ» لم يكنْ قاذِفًا؛ لأنَّ هذا الاسمَ كما يُطلَقُ على الزانيةِ يُستعمَلُ على المُهيَّأةِ المُستعِدةِ للزنا وإنْ لم تَزْنِ، فلا يُجعلُ قذفًا مع الاحتمالِ. وكذلكَ لو قالَ: «يا ابنَ الدعِيَّةِ»؛ لأنَّ الدعِيةَ هي المَرأةُ المَنسوبةُ إلى قبيلةٍ لا نسَبَ لها منهُم، وهذا لا يَدلُّ على كونِها زانيةً؛ لجَوازِ ثُبوتِ نَسبِها مِنْ غيرِهم. ولو قالَ لرجلٍ: «يا زاني» فقالَ الرجلُ: «لا بل أنتَ الزاني، أو قالَ: لا بل أنتَ» يُحَدانِ جَميعًا؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهُما قذَفَ صاحبَه صَريحًا.

стр. 13561

ولو قالَ لامرأةٍ: «يا زانيةُ» فقالَتْ: «زنَيْتُ بكَ» لا حَدَّ على الرجلِ؛ لأنَّ المرأةَ صدَّقَتْه في القذفِ، فخرَجَ قذفُه مِنْ أنْ يكونَ مُوجِبًا للحَدِّ، وتُحَدُّ المرأةُ؛ لأنها قذَفَتْه بالزنا نصًّا ولم يُوجَدْ منه التصديقُ. ولو قالَ لامرأةٍ: «يا زانيةُ» فقالَتْ: «زنَيْتُ معَكَ» لا حَدَّ على الرجلِ ولا على المرأةِ؛ أمَّا على الرجلِ فلِوُجودِ التصديقِ منها إياهُ، وأمَّا على المرأةِ فلَأنَّ قولَها: «زنَيْتُ معكَ» يَحتملُ أنْ يكونَ المرادُ منهُ «زنَيْتُ بكَ» ويَحتملُ أنْ يكونَ مَعناهُ «زنَيْتُ بحَضرتِكَ»، فلا يُجعلُ قذفًا مع الاحتمالِ. ولو قالَ لامرأتِه: «يا زانيةُ» فقالَتْ: «لا بل أنتَ» حُدَّتِ المرأةُ حدَّ القذفِ، ولا لِعانَ على الرجلِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ مِنْ الزَّوجينِ قذَفَ صاحبهَ، وقذفُ المرأةِ يُوجِبُ حدَّ القذفِ، وقَذفُ الزوجِ امرأتَه يُوجِبُ اللعانَ، وكلُّ واحدٍ منهُما حدٌّ. ولو قالَ لامرأتِه: «يا زانيةُ» فقالَتْ: «زنَيْتُ بكَ» لا حَدَّ ولا لِعانَ؛ لأنه يَحتملُ أنها أرادَتْ بقولِها: «زنَيْتُ بكَ» أي قبْلَ النكاحِ، ويَحتملُ أنها أرادَتْ أي «ما مكَّنْتُ مِنْ الوطءِ غيرَكَ، فإنْ كانَ ذلكَ زنًا فهو زنًا»؛ لأنَّ هذا مُتعارَفٌ، فإنْ أرادَتِ الأولَ لا يَجبُ اللعانُ ويَجبُ الحَدُّ؛ لأنها أقَرَّتْ بالزِّنا، وإنْ أرادَتْ به الثاني يَجبُ اللعانُ؛ لأنَّ الزوجَ قذَفَها بالزنا وهي لم تُصدِّقْه فيما قذَفَها به ولا حَدَّ عليها، فوقَعَ الاحتمالُ في ثُبوتِ كلِّ واحدٍ منهُما، فلا يَثبتُ. ولو قالَ لامرأةٍ: «أنتِ زانيةٌ» فقالَتِ المرأةُ: «أنتَ أزنَى منِّي» يُحَدُّ الرجلُ ولا تُحَدُّ المرأةُ؛ أمَّا الرجلُ فلِأنه قذَفَها بصريحِ الزِّنا ولم يُوجَدْ منها

стр. 13562

التصديقُ، وأمَّا المرأةُ فلِأنَّ قولَها: «أنتَ أزنَى منِّي» يَحتملُ أنها أرادَتْ به النسبةَ إلى الزِّنا على التَّرجيحِ، ويَحتملُ أنها أرادَتْ «أنتَ أقْدَرُ على الزِّنا وأعلَمُ به منِّي»، فلا يُحمَلُ على القذفِ مع الاحتمالِ، وكذلكَ إذا قالَ لإنسانٍ: «أنتَ أزنَى الناسِ، أو أزنَى الزُّناةِ، أو أزنَى مِنْ فُلانٍ» لا حَدَّ عليهِ؛ لِمَا قُلنا. ولو قالَ لرَجلٍ: «زنَيْتَ وفُلانٌ معَكَ» كانَ قاذفًا لهُما؛ لأنه قذَفَ أحَدَهما وعطَفَ الآخَرَ عليهِ بحرف الواوِ وأنها للجَمْعِ المُطلَقِ، فكانَ مُخبِرًا عن وُجودِ الزنا مِنْ كلِّ واحدٍ منهُما. ولو استَبَّا رَجلانِ فقالَ أحَدُهما لصاحبِه: «ما أبِي بزَانٍ ولا أمِّي بزانيةٍ» لم يكنْ هذا قَذفًا؛ لأنَّ ظاهِرَه نفيُ الزنا عن أبيهِ وعن أمِّه، إلا أنه قد يُكنَّى بهذا الكلامِ عن نِسبةِ أبِ صاحبِه وأمِّه إلى الزِّنا، لكنَّ القذفَ على سبيلَ الكنايةِ والتعريضَ لا يُوجِبُ الحَدَّ. ولو قالَ لرجلٍ: «أنتَ تَزنِي» لا حَدَّ عليهِ؛ لأنَّ هذا اللفظَ يُستعمَلُ للاستقبالِ ويُستعمَلُ للحالِ، فلا يُجعلُ قذفًا مع الاحتمالِ. وكذلكَ لو قالَ: «أنتَ تَزنِي وأنا أُضرَبُ الحدَّ»؛ لأنَّ مثلَ هذا الكلامِ في عُرفِ الناسِ لا يَدلُّ على قصدِ القذفِ، وإنَّما يَدلُّ على طريقِ ضَربِ المثَلِ على الاستِعجابِ أنْ كيفَ تكونُ العُقوبةُ على إنسانٍ والجِنايةُ مِنْ غيرهِ كما قالَ اللهُ ﵎: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥].

стр. 13563

ولو قالَ لامرأةٍ: «ما رأيْتُ زانيةً خيرًا منكِ» أو قالَ لرَجلٍ: «ما رأيْتُ زانيًا خيرًا منكَ» لم يكنْ قذفًا؛ لأنه ما جعَلَ هذا المذكورَ خيْرَ الزُّناةِ، وإنما جعَلَه خيرًا مِنْ الزناةِ، وهذا لا يَقتضي وجودَ الزنا منهُ. ولو قالَ لامرأةٍ: «زنَا بكِ زَوجُكِ قبْلَ أنْ يتزوَّجَكِ» فهو قاذفٌ؛ فإنه نسَبَ زوْجَها إلى زنًا حصَلَ منه قبلَ التزوُّجِ في كلامٍ مَوصولٍ، فيكونُ قذفًا. ولو قالَ لامرأةٍ: «وَطئَكِ فلانٌ وطأً حرامًا، أو جامَعَكِ حَرامًا، أو فجَرَ بكِ» أو قالَ لرَجلٍ: «وَطئْتَ فُلانةَ حرامًا، أو باضَعْتَها، أو جامَعْتَها حرامًا» فلا حدَّ عليهِ؛ لأنه لم يُوجَدْ منه القذفُ بالزِّنا، بل بالوطءِ الحَرامِ، ويجوزُ أنْ يكونَ الوطءُ حَرامًا ولا يكونَ زنًا كالوطءِ بشُبهةٍ ونحوِ ذلكَ. ولو قالَ لغيرِه: «اذهَبْ إلى فُلانٍ فقُلْ له: يا زاني، أو يا ابنَ الزانيةِ» لم يَكنِ المُرسِلُ قاذفًا؛ لأنه أمَرَ بالقذفِ ولم يَقذفْ، وأمَّا الرسولُ فإنِ ابتَدأَ فقالَ لا على وجهِ الرِّسالةِ: «يا زاني، أو يا ابنَ الزانيةِ» فهو قاذفٌ وعليهِ الحَدُّ، وإنْ بلَّغَه على وَجهِ الرسالةِ بأنْ قالَ: «أرسَلَني فُلانٌ إليكَ وأمَرَني أنْ أقولَ لكَ: يا زاني، أو يا ابنَ الزانيةِ» لا حَدَّ عليه؛ لأنه لم يَقذفْ بل أخبَرَ عن قَذفِ غيرِه، ولو قالَ لآخَرَ: «أُخبِرتُ أنكَ زانٍ، أو أُشهِدتُ على ذلكَ» لم يكنْ قاذفًا؛ لأنه حكَى خبَرَ غيرِه بالقذفِ وإشهادَ غيرِه بذلكَ، فلمْ يكنْ قاذفًا. ولو قالَ لرَجلٍ: «يا لوطِيُّ» لم يَكنْ قاذفًا بالإجماعِ؛ لأنَّ هذا نِسبةٌ إلى قومِ لُوطٍ فقطْ، وهذا لا يَقتضي أنه يَعملُ عمَلَهم وهو اللِّواطُ، ولو أفصَحَ

стр. 13564

وقالَ: «أنتَ تَعملُ عمَلَ قومِ لوطٍ» وسمَّى ذلكَ لم يكنْ قاذفًا عندَ أبي حَنيفةَ أيضًا، وعندَهُما: هو قاذِفٌ؛ بناءً على أنَّ هذا الفعَلَ ليسَ بزنًا عندَ أبي حنيفةَ، وعندَهما: هو في معنَى الزنا. ولو قالَ لرَجلٍ: «يا زاني» فقالَ له آخَرُ: «صدَقْتَ» يُحَدُّ القاذفُ ولا حَدَّ على المُصدِّقِ؛ أمَّا الأولُ فلِوُجودِ القذفِ الصَّريحِ منه، وأمَّا المُصدِّقُ فلِأنَّ قولَه: «صدَقْتَ» قذفٌ بطَريقِ الكِنايةِ، ولو قالَ: «صدَقْتَ هو كما قُلتَ» يُحَدُّ؛ لأنَّ هذا في معنَى الصريحِ. ولو قالَ لرَجلٍ: «أخوكَ زانٍ» فقالَ الرَّجلُ: «لا بل أنتَ» يُحَدُّ الرجلُ؛ لأنَّ كَلمةَ «لا بل» لِتأكيدِ الإثباتِ، فقدْ قذَفَ الأولَ بالزِّنا على سبيلِ التأكيدِ، وأمَّا الأولُ فيُنظَرُ إنْ كانَ للرَّجلِ إخوةٌ أو أخَوانِ سِواهُ فلا حَدَّ عليهِ، وإنْ لم يَكنْ له إلا أخٌ واحدٌ فلهُ أنْ يُطالِبَه بالحدِّ، وليسَ لهذا الأخِ المُخاطَبِ أنْ يُطالبَه. ولو قالَ: «لسْتَ لأبيكَ» فهو قاذفٌ لأمِّه، سواءٌ قالَ في غضَبٍ أو رضًا؛ لأنَّ هذا الكلامَ لا يُذكَرُ إلا لنَفيِ النسبِ عن الأبِ، فكانَ قذفًا لأمِّه. ولو قالَ: «ليسَ هذا أبوكَ، أو قالَ: لستَ أنتَ ابنَ فُلانٍ» لأبيهِ، أو قالَ: أنتَ ابنُ فُلانٍ» لأجنَبيٍّ؛ إنْ كانَ في حالِ الغضَبِ فهوَ قذفٌ، وإنْ كانَ في غيرِ حالِ الغضَبِ فليسَ بقذفٍ؛ لأنَّ هذا الكلامَ قد يُذكَرُ لنَفيِ النسبِ، وقد يُذكَرُ لنفيِ التشبُّهِ في الأخلاقِ، أي «أخلاقُكَ لا تُشبِهُ أخلاقَ أبيكَ، أو أخلاقُكَ تُشبِهُ أخلاقَ فُلانٍ الأجنَبيِّ»، فلا يُجعلُ قذفًا مع الشكِّ والاحتمالِ.

стр. 13565

وكذلكَ إذا قالَ لرَجلٍ: «يا ابنَ مُزَيْقِيَا، أو يا ابنَ ماءِ السماءِ» أنه يكونُ قذفًا في حالةِ الغضَبِ لا في حالةِ الرِّضا؛ لأنه يُحتملُ أنه أرادَ به نفْيَ النسبِ، ويُحتملُ أنه أرادَ به المدحَ بالتشبيهِ برَجُلينِ مِنْ ساداتِ العرَبِ، فعامِرُ بنُ حارثةَ كانَ يُسمَّى «ماء السَّماءِ» لصَفائِه وسَخائِه، وعَمرُو بنُ عامرٍ كانَ يُسمَّى «المُزَيْقِيَا» لمَزقِه الثِّيابَ إذْ كانَ ذا ثَروةٍ ونَخوةٍ، كانَ يَلبسُ كلَّ يومٍ ثوبًا جَديدًا، فإذا أمسَى خلَعَه ومزَّقَه لئلَّا يَلبسَه غيرُه فيُساويهِ، فيُحكَّمُ الحالُ في ذلكَ؛ فإنْ كانَ في حالَ الغضَبِ فالظاهرُ أنه أرادَ به نفْيَ النسبِ، فيَكونُ قذفًا، وإنْ كانَ في حالِ الرِّضا فالظاهرُ أنه أرادَ به المدحَ، فلمْ يكنْ قَذفًا. ولو قالَ لرجلٍ: «أنتَ ابنُ فُلانٍ» لعمِّه أو لخالِه أو لزَوجِ أمِّه لم يكنْ قذفًا؛ لأنَّ العَمَّ يُسمَّى أبًا، وكذلكَ الخالُ وزوجُ الأمِّ. ولو قالَ: «لستَ بابنِ فُلانٍ» لجَدِّه لم يكنْ قاذِفًا؛ لأنه صادِقٌ في كلامِه حقيقةً؛ لأنَّ الجَدَّ لا يُسمَّى أبًا حقيقةً بل مَجازًا. ولو قالَ للعَربيِّ: «يا نَبَطيُّ» لم يكنْ قَذفًا، وكذلكَ إذا قالَ: «لستَ مِنْ بَنِي فلانٍ» للقَبيلةِ التي هو منها لم يَكنْ قاذِفًا عندَ عامَّةِ العُلماءِ. وكذلكَ إذا قالَ: «يا ابنَ الخيَّاطِ، أو يا ابنَ الأصفَرِ، أو الأسوَدِ» وأبوه ليسَ كذلكَ لم يَكنْ قاذِفًا، بل يكونُ كاذِبًا. وكذلكَ إذا قالَ: «يا ابنَ الأقطَعِ، أو يا ابنَ الأعوَرِ» وأبوه ليسَ كذلكَ يكونُ كاذِبًا لا قاذِفًا، كما إذا قالَ للبَصيرِ: «يا أعمَى».

стр. 13566

ثمَّ القَذفُ بلِسانِ العَربِ وغيرِه سَواءٌ يُوجِبُ الحَدَّ؛ لأنَّ معنَى القذفِ هو النسبةُ إلى الزِّنا، وهذا يَتحقَّقُ بكلِّ لسانٍ. ولو قالَ: «زنَى فَرْجُك» يُحَدُّ؛ لأنَّ الزنا بالفَرجِ يَتحقَّقُ، كأنه قالَ: «زنَيْت بفَرْجِك». ولو قالَ لامرأةٍ: «زنَيْتِ بفَرَسٍ أو حِمارٍ أو بَعيرٍ أو ثَورٍ» لا حَدَّ عليه؛ لأنه يُحتملُ أنه أرادَ به تَمكينَها مِنْ هذهِ الحيَواناتِ؛ لأنَّ ذلكَ مُتصوَّرٌ حَقيقةً، ويُحتملُ أنه أرادَ به جعْلَ هذهِ الحيَواناتِ عِوضًا وأُجرةً على الزنا، فإنْ أرادَ به الأولَ لا يكونُ قذفًا؛ لأنها بالتمكينِ منها لا تَصيرُ مَزْنيًّا بها؛ لعَدمِ تَصوُّرِ الزنا مِنْ البَهيمةِ، وإنْ أرادَ به الثاني يكونُ قَذفًا، كما إذا قالَ: «زنَيْتِ بالدَّراهمِ أو بالدَّنانيرِ أو بشَيءٍ مِنْ الأمتِعةِ»، فلا يُجعلُ قذفًا مع الاحتمالِ. ولو قالَ لامرأةٍ: «زنَيْتِ وأنتِ مُكرَهةٌ أو مَعتوهةٌ أو مَجنونةٌ أو نائمةٌ» لم يَكنْ قذفًا؛ لأنه نسَبَها إلى الزنا في حالٍ لا يُتصوَّرُ منها وُجودُ الزنا فيها، فكانَ كلامُه كذبًا لا قذفًا. لو قالَ لِكافرةٍ أسلَمَتْ: «زنَيْتِ وأنتِ كافِرةٌ» يكونُ قذفًا وعليه الحَدُّ. ولو قالَ لإنسانٍ: لستَ لأمِّكَ» لا حَدَّ عليهِ؛ لأنه كَذبٌ مَحضٌ؛ لأنه نفيُ النَّسبِ مِنْ الأمِّ، ونفيُ النسبِ مِنْ الأمِّ لا يُتصوَّرُ؛ ألَا تَرَى أنَّ أمَّه ولَدَتْه حَقيقةً. وكذلكَ لو قالَ له: «لستَ لأبوَيكَ»؛ لأنه نفيُ نَسبِه عنهُما، ولا يَنتفِي عن الأمِ لأنها ولَدَتْه، فيكونُ كذبًا، بخلافِ قَولِه: «لستَ لأبيكَ»؛ لأنَّ ذلكَ

стр. 13567

ليسَ بنفيٍ لوِلادةِ الأمِّ، بل هو نفيُ النسبِ عن الأبِ، ونفيُ النسَبِ عن الأبِ يكونُ قَذفًا للأمِّ، وكذلكَ لو قالَ له: «لستَ لأبيكَ ولستَ لأمِّكَ» في كلامٍ مَوصولٍ لم يكنْ قذفًا؛ لأنَّ هذا وقولُه: «لستَ لأبوَيكَ» سَواءٌ (١). وقالَ المالِكيةُ: التعريضُ المُفهِمُ لأحَدِ الأمورِ الثلاثةِ -وهي الزنا، واللِّواطُ، ونفيُ النسَبِ عن الأبِ أو الجَدِّ- كالتصريحِ بذلكَ، فإذا قالَ له: «ما أنا بِزانٍ» فكأنهُ قالَ له: «يا زاني»، أو قالَ: «أمَّا أنَا فلستُ بِلائِطٍ» فكأنهُ قالَ له: «يا لائِطُ»، أو قالَ له: «أمَّا أنَا فأبي مَعروفٌ» فكأنه قالَ له: «أبوكَ ليسَ بمَعروفٍ»، فيَترتَّبُ على قائلِ ذلكَ وُجوبُ الحَدِّ، ولا فرْقَ في التعريضِ بينَ النَّثرِ والنَّظمِ. وألفاظُ التعريضِ إذا قالَ شَخصٌ لآخَرَ: «ما أنا بِزانٍ، أو لقد أُخبِرتُ أنكَ زانٍ، أو زَنَى فرْجُكَ أو يَدُكَ أو عَينُكَ» أو قالَ لأجنَبيةٍ: «زنَيْتِ مُكرَهةً» وكذَّبَتْه فإنه يُحَدُّ في ذلكَ كلِّه. ولو قالَ لزوْجَتِه: «أنتِ زَنَيتِ مُكرَهةً» فإنه يُلاعِنُ، وإلا حُدَّ لها، إلا أنْ يُقيمَ بيِّنةً بالإكراهِ فلا حَدَّ عليهِ، وكذلكَ يُحَدُّ مَنْ قالَ لغيرِه: «أنا عَفيفُ الفَرجِ» لأجْلِ ذِكرِ الفَرجِ؛ لأنه تَعريضٌ بالزنى، وأمَّا إنْ لم يَذكرِ الفرْجَ فلا حَدَّ عليهِ، وكذلكَ يُحَدُّ مَنْ قالَ لشَخصٍ عرَبيِّ الأصلِ: «ما أنتَ بِحُرٍّ»؛ لأنه نفَى نسَبَه، وكذلكَ إذا قالَ له: «يا رُومِيُّ، أو يا فارِسيُّ» وما أشبَهَ ذلك؛ لأنه

стр. 13568

قطَعَ نسَبَه، وأما إذا قالَ لفارِسيٍّ أو لرُوميٍّ: «يا عرَبيُّ» فإنه لا حَدَّ عليه؛ لأنه لم يَقطعْ نسَبَه، وإنما وصَفَه بصِفاتِ العرَبِ مِنْ الكرَمِ والشجاعةِ وغيرِ ذلكَ، ولأنَّ العرَبَ تَحفظُ نسَبَها، بخِلافِ غيرِها. وكذلكَ يُحَدُّ مَنْ نسَبَ شَخصًا لعَمِّه؛ لأنه قطَعَ نسَبَه، بخِلافِ ما إذا نسَبَه لجَدِّه لأبيه أو لأمِّه فإنه لا حَدَّ عليهِ؛ لأنَّ الجَدَّ يُسمَّى أبًا، وسواءٌ كانَ في مُشاتَمةٍ أو لا، وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ. وكذا المُكلَّفُ إذا قالَ في حَقِّ نفسِه: «أنا نَغِلٌ» أي: فاسِدُ النسَبِ فإنه يُحَدُّ؛ لأنه نسَبَ أمَّه إلى الزنا، وكذلكَ إذا قالَ في حَقِّ نفسِه: «أنا ولَدُ زِنًا»؛ لأنه رَمَى أمَّه بالزنا، وكذلك إذا نسَبَ نفْسَه إلى بَطنٍ أو نسَبٍ أو عَشيرةٍ غيرِ بَطنِه ونسَبِه وعَشيرتهِ؛ لأنه قذَفَ أمَّه، ومثلُه مَنْ نسَبَ شخصًا إلى ذلكَ؛ بجامِعِ العلَّةِ. وكذلكَ يُحَدُّ مَنْ قالَ لامرأةٍ: «يا قَحبَةُ» وهي الزانيةُ، ولا فرْقَ في ذلكَ بينَ زوْجَتِه والأجنَبيةِ، ومثلُه: «يا فاجِرةُ، يا عاهِرةُ»، وكذلكَ يُحَدُّ مَنْ قالَ لآخَرَ: «قَرْنانُ»؛ لأنَّ صاحِبَ الفاعِلةِ كأنه يَقرُنُ بينَه وبينَ غيرِه على زَوجتِه، فالحَدُّ لزوْجَتِه إنْ طلَبَتْ ذلكَ، وكذلك يُحَدُّ مَنْ قالَ لشَخصٍ: «يا ابنَ مُنزلةِ الرُّكبانِ»؛ لأنه نسَبَ أمَّه إلى الزنا؛ لأنَّ المَرأةَ في الجَاهليةِ إذا أرادَتِ الفاحِشةَ أنزَلَتِ الرُّكبانَ، وكذلكَ يَحُدُّ مَنْ قالَ لآخَرَ: «يا ابنَ ذاتِ الرايَةِ»؛ لأنه عرَّضَ لأمِّه بالزنا؛ لأنه في الجَاهليةِ كانَتِ المرأةُ تُنزِلُ الرُّكبانَ وتَجعلُ على بابها رايةً -أي: عَلامةً- لأجْلِ النُّزولِ، وكذلكَ يُحَدُّ مَنْ قالَ لامرأةٍ: «فعَلْتُ بها في عُكَنِها» -أي: طَيَّاتِ البَطنِ-؛ لأنَّ ذلك أشَدُّ مِنْ التعريضِ.

стр. 13569

قالَ في «الذَّخيرة»: ضابِطُ هذا البابِ الاشتِهاراتُ العُرفِيةُ والقَرائنُ الحاليَّةُ، فمتَى فُقِدَا حلَفَ، أو وُجِدَ أحَدُهما حُدَّ، وإنِ انتَقلَ العُرفَ وبَطلَ بَطلَ الحَدُّ، ويَختلفُ ذلكَ بحَسبِ الأعصارِ والأمصارِ، وبهذا يَظهرُ أنَّ «يا ابنَ ذاتِ الرايةِ، أو يا ابنَ مُنزِلةِ الرُّكبانِ» لا يُوجِبُ حَدًّا، وأنه لو اشتَهرَ ما لا يُوجِبُ حَدًّا الآنَ في القَذفِ أوجَبَ الحَدَّ. وإذا قالَ لآخَرَ: «يا مَأبونُ» فإنه يُحَدُّ؛ لأنه حَقيقةً هو صاحبُ العِلَّةِ في دُبرِه، ومَجازًا هو الذي يَتأنَّثُ في كَلامِه كالنِّساءِ، ولذا لو كانَ يَتأنثُ في كلامِه فلا حَدَّ على قاذفِه، ولكنْ يُؤدَّبُ. وكذلكَ يُحَدُّ مَنْ قالَ لآخَرَ: «يا ابنَ النَّصرانِيِّ، أو الأزرَقِ، أو الأعوَرِ» ونَحوهم وليسَ في آبائِه كذلكَ؛ لأنه قد نسَبَ أمَّه للزِّنا، ولا فرْقَ في المَقولِ له بينَ أنْ يكونَ مِنْ العرَبِ أم لا، وإنْ كانَ في آبائِه مَنْ هو كذلكَ فلا حدَّ. ولو قالَ له: «يا ابنَ الحائِكِ» ونَحوه مِنْ الصَّنائعِ فإنْ كانَ المَقولُ له مِنْ العرَبِ فيُفصَّلُ فيه بينَ أنْ يكونَ في آبائِه كذلكَ فلا حَدَّ، وإلا حُدَّ، وإنْ كانَ مِنْ غيرِ العرَبِ فلا حدَّ مُطلَقًا. وكذلكَ يُحَدُّ مَنْ قالَ لرَجلٍ: «يا مُخَنثُ» -بفتحِ النونُ وكَسرِها، وهو التكسُّرُ بالقولِ والفعلِ- إنْ لم يَحلفْ أنه لم يُرِدْ قذْفَه، أمَّا إنْ حلَفَ كذلكَ فإنه لا يُحَدُّ. وأمَّا لو قالَ شَخصٌ لآخَرَ: «يا فاسِقُ، أو يا فاجِرُ، أو يا شارِبَ الخَمرِ، أو يا ابنَ الفاسِقةِ، أو يا ابنَ الفاجِرةِ، أو يا آكِلَ الرِّبا، أو يا حِمارُ، أو يا ابنَ

стр. 13570

الحِمارِ، أو يا خِنزيرُ» وما أشبَهَ ذلكَ فإنه يُؤدَّبُ في ذلكَ، وكذلكَ يُؤدَّبُ مَنْ قالَ لآخَرَ: «أنا عَفيفٌ، أو ما أنتَ بعَفيفٍ»، وإنَّما لم يُحَدَّ لأنه لمَّا لم يَصِفِ العفَّةَ للفَرجِ احتملَ العِفةَ في المَطعمِ وغيرِه، فلذا لم يَجبْ عليه الحدُّ إلا لقَرينةٍ تَصرِفُه للفَرجِ. ومَن قالَ لامرأةٍ أجنَبيةٍ: «أنتِ زَنَيتِ، فقالَتْ: بكَ، أي: زَنَيتُ بكَ» فإنها تُحَدُّ حَدَّينِ: حَدَّ القَذفِ وحَدَّ الزنا؛ لتَصديقِها عليه، إلا أنْ تَرجعَ عن إقرارِها بالزِّنا فإنها تُحَدُّ للقذفِ فقطْ، إلا أنْ تكونَ أرادَتْ جَوابَه فعليهِ حَدُّ القَذفِ. ولو قالَ شَخصٌ لآخَرَ: «يا زاني، فقالَ: أنتَ أزْنَى منِّي» فإنه لا حدَّ على القائلِ الأولِ؛ لأنه قذَفَ غيرَ عَفيفٍ، ويُحَدُّ الثاني للزنا والقَذفِ (١). وقالَ الشافِعيةُ: وألفاظُ القذفِ الصَّريحةُ: الزِّنا كقولِه لرَجلٍ أو امرأةٍ: «زَنَيتَ، أو زَنَيتِ، أو يا زانِي، أو يا زانيةُ». والرَّميُ بإيلاجِ حَشفةٍ في فَرجٍ مع وَصفِه بتَحريمٍ أو دُبرٍ صَريحانِ؛ لاشتهارِ ذلكَ عُرفًا، ففي الإيلاجِ في الفَرجِ لا بُدَّ مِنْ وَصفِه بالحُرمةِ؛ لأنه قد يكونُ حَلالًا وقد يكونُ حَرامًا، والإيلاجُ في الدُّبرِ لا يكونُ إلا حَرامًا، سواءٌ وصَفَ به الرَّجلَ أو المرأةَ. وأما قولُه: «يا لُوطيُّ» .. فقيلَ: إنه كِنايةٌ؛ لاحتمالِ إرادةِ أنه على دِينِ قومِ لُوطٍ ﵇، وفي قَولٍ: إنه صريحٌ؛ لبُعدِ هذا الاحتمالِ.

стр. 13571

والكِنايةُ والتَّعرِيضُ: قولُه لرَجلٍ: «يا فاجِرُ، يا فاسِقُ، يا خَبيثُ»، ولمَرأةٍ: «يا فاجِرةُ، يا فاسِقةُ، يا خَبيثةُ، وأنتِ تُحبِّينَ الخَلوةَ، أو لا تَردِّينَ يدَ لامِسٍ»، ولزَوجتِه: «لم أَجِدْكِ عَذراءَ أو بِكرًا، أو وَجدتُ معكِ رَجلًا»، كلُّ هذا كِنايةٌ في القَذفِ. فإنْ أنكَرَ إرادةَ قَذفٍ صُدِّقَ بيَمينِه، وقولُه: «يا ابنَ الحَلالِ، وأمَّا أنا فَلسْتُ بزَانٍ» ونحوُه تَعريضٌ ليسَ بقَذفٍ وإنْ نَواهُ، وقولُه: «زَنَيتُ بكِ» إقرارٌ بزِنًا وقَذفٌ. ولو قالَ لزَوجتِه: «يا زانيةُ» فقالَتْ له جَوابًا: «زَنَيتُ بكَ، أو أنتَ أزنَى منِّي» فقاذفٌ لها، فيُحَدُّ؛ لإتيانِه بلفظِ القَذفِ الصريحِ، وكانِيَةٌ في قَذفِه، فتُصدَّقُ في إرادةِ عدمِ قَذفِه بيَمينِها؛ لأنَّ قولَها الأولَ يَحتملُ نفيَ الزنا، أي: «لم أفعَلْ كما لم تفعَلْ»، وهذا مُستعمَلٌ عُرفًا كقولكَ لمَنْ قالَ: «تَغدَّيتَ؟: تغَدَّيتُ معكَ»، وقولُها الثاني يَحتملُ إرادةَ «ما وَطئَني غيرُكَ، فإنْ كنتُ زانيةً فأنتَ أزنَى منِّي؛ لأني مُمكِّنةٌ وأنتَ فاعلٌ». ولو قالَتْ جَوابًا أو ابتداءً: «أنا زانيةٌ وأنتِ أزنَى منِّي» فمُقِرَّةٌ على نفسِها بالزنا بقولِها: «زَنيتُ»، وقاذِفةٌ لزَوجِها باللفظِ الآخَرِ صرِيحًا، فتُحَدُّ للقَذفِ والزنا، ويُبدأُ بحَدِّ القَذفِ؛ لأنه حَقُّ آدَميٍّ، فإنْ رَجعَتْ سقَطَ حدُّ الزنا دونَ حدِّ القذفِ؛ لأنه حقُّ آدَميٍّ. ولو قالَتْ لزَوجِها ابتِداءً: «أنتَ أزنَى مِنْ فُلانٍ» كانَ كِنايةً، إلا أنْ يَكونَ قدْ ثبَتَ زِناهُ وعَلِمتْ بثُبوتِه، فيَكونَ صَريحًا فتكونَ قاذِفةً، لا إنْ جَهلَتْ فيكونَ كِنايةً فتُصدَّقَ بيَمينِها في جَهلِها، فإذا حلَفَتْ عُزِّرتْ ولم تُحَدَّ.

стр. 13572

وقولُه لغَيرِه: «زنَى فَرجُك، أو ذكَرُك، أو قُبلُك، أو دُبرُك» -بفَتحِ الكافِ أو كَسرِها فيما ذُكرَ- قذفٌ؛ لأنه آلةُ ذلك العملِ أو مَحلُّه. وقولُه: «زَنَتْ يَدُك وعَينُك»، ولوَلَدِه: «لَستَ منِّي، أو لستَ ابنِي» كِنايةٌ، ولِولدِ غَيرِه: «لستَ ابنَ فُلانٍ» صَريحٌ إلا لمَنفيٍّ بلِعانٍ (١). وقالَ الحَنابلةُ: ألفاظُ القَذفِ تَنقسمُ إلى صَريحٍ وكِنايةٍ كالطلاقِ وغيرِه. فصَريحُ القَذفِ: ما لا يَحتملُ غيرَه، نحوُ: «يا مَنيُوكةُ» إنْ لم يُفسِّرْه، فإنْ فسَّرهُ بذلك لم يَكنْ قذفًا، و «يا مَنيوكُ، يا زاني، يا عاهِرُ». وأصلُ العُهرِ إتيانُ الرَّجلُ المَرأةَ ليلًا للفُجورِ بها، ثمَّ غلَبَ على الزاني، سواءٌ جاءَها أو جاءَتْه لَيلًا أو نهارًا. «يا لُوطيُّ»: وهو في العُرفِ مَنْ يأتي الذُّكورَ؛ لأنه عَملُ قَومِ لُوطٍ؛ لأنَّ هذه الألفاظَ صَريحةٌ في القَذفِ لا تَحتملُ غيرَه، فأشبَهَ صَريحَ الطلاقِ. و: «لستَ ولَدَ فُلانٍ» فقَذفٌ لأُمِّه، أي: المَقولِ له. وكذا لو نَفاهُ عن قَبيلتِه؛ لحَديثِ الأشعثِ بنِ قَيسٍ: «لا أُوتَى برَجلٍ يَقولُ: إنَّ كِنانةَ ليسَتْ مِنْ قُريْشٍ، إلا جَلدتُه» (٢). وكِنايتُه: «زنَتْ يَداكَ، أو رِجلاكَ، أو يَدُكَ، أو بَدنُكَ»؛ لأنَّ زِنَى هذهِ الأعضاءِ لا يُوجِبُ الحَدَّ؛ لحَديثِ: «العَينانِ تَزنِيانِ وزِناهُما النَّظرُ، واليَدانِ

стр. 13573

تَزنِيانِ وزِناهُما البَطشُ، والرِّجلانِ تَزنِيانِ وزِناهُما المَشيُ، ويُصدِّقُ ذلكَ الفَرجُ أو يُكذِّبُه» (١). و: «يا مُخنَّثُ، يا قَحْبةُ، يا فاجِرةُ، يا خَبيثةُ». أو يَقولَ لزَوجةِ شَخصٍ: «فَضَحْتِ زوْجَكِ، وغَطَّيتِ رأسَه، وجَعلْتِ له قُرونًا، وعَلَّقتِ عليه أولادًا مِنْ غيرِه، وأفسَدْتِ فِراشَه». أو يَقولَ لمَن يُخاصِمُه: «يا حَلالُ ابنَ الحَلالِ، ما يَعرِفُكَ الناسُ بالزِّنى، ما أنا بزَانٍ ولا أُمِّي بزانِيةٍ» ونحوَ ذلكَ فهذا ليسَ بصَريحٍ في القَذفِ. فإنْ أرادَ بهذه الألفاظِ حَقيقةَ الزِّنى حُدَّ للقَذفِ؛ لأنَّ الكِنايةَ مع نيَّةٍ أو قَرينةٍ كالصَّريحِ في إفادةِ الحُكمِ. وإلا بأنْ فسَّرَهُ بمُحتمِلٍ غيرَ القَذفِ عُزِّرَ؛ لارتِكابِه مَعصيةً لا حَدَّ فيها ولا كفَّارةَ، كأنْ أرادَ بالمُخنَّثِ: المُتطبِّع بطَبائعِ التأنيثِ، وبالقَحبةِ: المُتعَرِّضة للزِّنى وإنْ لم تَفعلْه، وبالفاجِرةِ: الكاذِبةَ، ونحوَ ذلكَ (٢). مَنْ قذَفَ جَماعةً بكَلمةٍ واحِدةٍ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ قذَفَ جَماعةً بكَلمةٍ واحدةٍ، هل يُحَدُّ حَدًّا واحِدًا لجَميعِهم، أو لواحِدٍ مِنهُم إذا طلَبَ؟ أم يُحَدُّ لكلِّ واحِدٍ منهم حَدًّا؟

стр. 13574

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في قولٍ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يَلزمُه حَدٌّ واحدٌ فقط لهم جَميعًا أو لمَن طلَبَ منهُم، سواءٌ قذَفَهم بكَلمةٍ واحِدةٍ بأنْ قالَ: «يا أيُّها الزناةُ» عندَ المَذاهبِ الثلاثةِ، أو كَلِماتٍ مُتفرِّقةٍ بأنْ قالَ: «يا زَيدُ أنتَ زانٍ ويا عَمرُو أنتَ زانٍ ويا خالِدُ أنتَ زانٍ» لا يُقامُ عليه إلا حَدٌّ واحدٌ عندَ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والحنابلة في قولٍ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، ومَعلومٌ أنَّ مُرادَه جَلدُ كلِّ واحِدٍ مِنْ القاذفِينَ ثَمانينَ جَلدةً، فكانَ تَقديرُ الآيةِ: (ومَن رَمَى مُحصَنًا فعَليهِ ثَمانونَ جَلدةً)، وهذا يَقتضِي أنَّ قاذِفَ جَماعةٍ مِنْ المُحصَناتِ لا يُجلَدُ أكثرَ مِنْ ثمانينَ، ومَن أوجَبَ على قاذفِ جَماعةِ المُحصَناتِ أكثرَ مِنْ حدٍّ واحدٍ فهو مُخالِفٌ لحُكمِ الآيةِ. ولأنه لم يُفرِّقْ بينَ قَذفِ واحدٍ أو جَماعةٍ، ولم يُفرِّقْ بينَ اللفظِ والألفاظِ. ولأنَّ الحَدَّ إنما وجَبَ بإدخالِ المَعرَّةِ على المَقذوفِ بقَذفِه، وبحَدٍّ واحدٍ يَظهرُ كَذبُ هذا القاذفِ وتَزولُ المَعرَّةُ، فوجَبَ أنْ يُكتفَى به، بخلافِ ما لو قذَفَ كلَّ واحدٍ قَذفًا مُفردًا؛ فإنَّ كَذِبَه في قذفٍ لا يَلزمُ منه كذبُه في آخَرَ، ولا تَزولُ المَعرَّةُ عن أحدِ المَقذوفِينَ بحَدِّه للآخَرِ (١).

стр. 13575

وقالَ الحَنابلةُ: ومَن قذَفَ جَماعةً لا يُتصوَّرُ الزِّنى مِنْ جَميعِها كأهلِ البلدةِ الكبيرةِ فلا حدَّ عليه؛ لأنه لا عارَ على المَقذوفِ بذلكَ؛ للقَطعِ بكَذبِ القاذفِ، وإنْ قذفَ جَماعةً يُمكِنُ زِناهُم بكَلماتٍ فعليهِ لكلِّ واحدٍ حدٌّ، وإنْ قذَفَهم بكَلمةٍ واحدةٍ ففيهِ ثلاثُ رِواياتٍ: إحداهُنَّ: عليه حَدٌّ واحدٌ؛ لأنَّ كلمةَ القذفِ واحدةٌ، فلمْ يَجبْ أكثرُ مِنْ حدٍّ واحدٍ كما لو كانَ المَقذوفُ واحدًا، ولأنه بالحدِّ الواحدِ يَظهرُ كذبُه ويَزولُ عارُ القذفِ عن جَميعِهم، فعلَى هذا إنْ طلَبَه الجميعُ أُقيمَ لهم، وإنْ طلَبَه واحدٌ أُقيمَ له أيضًا ولا مُطالَبةَ لغيرِه، وإنْ أسقَطَ أحَدُهم حقَّه لم يَسقطْ حَقُّ غيرِه؛ لأنه ثابتٌ لهم على سبيلِ البدَلِ، فأشبَهَ وِلايةَ النكاحِ. والثَّانيةُ: عليه لكُلِّ واحدٍ حدٌّ؛ لأنه قذَفَه، فلَزمَه الحَدُّ له كما لو قذَفَه بكلمةٍ مُفردةٍ. والثالثةُ: إنْ طَلبوهُ جُملةً فحَدٌّ واحدٌ؛ لأنه يَقعُ استيفاؤُه لجَميعِهم، وإنْ طَلبوهُ مُتفرقًا أُقيمَ لكُلِّ مُطالِبٍ مرةً؛ لأنَّ استيفاءَ المُطالِبِ الأولِ له خاصةً، فلم يَسقطْ به حَقُّ الباقينَ، وإنْ قالَ لامرأةٍ: «زنَى بكِ فُلانٌ» فهيَ كالتي قبْلَها؛ لأنه قذَفَها بكَلمةٍ واحدةٍ، ويَحتملُ ألا يَجبَ إلا حدٌّ واحدٌ وَجهًا واحدًا؛ لأنَّ القذفَ لهُمَا بزنًى واحدٍ يَسقطُ حدُّه ببيِّنةٍ واحدةٍ، ولعانٍ واحدٍ إنْ كانَتِ المرأةُ زوْجَتُه (١).

стр. 13576

وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في روايةٍ -كما تقدَّمَ- إلى أنه لو قذَفَ جَماعةً بكَلماتٍ فلكُلٍّ منهُم حدٌّ، وكذا لو قذَفَهم بكلمةٍ واحدةٍ؛ لأنه مِنْ الحُقوقِ المَقصودةِ للآدميِّينَ، فلا تَتداخلُ كالدُّيونِ، ولدُخولِ العارِ على كلٍّ منهُم، وقَذفهُم بكلمةٍ ك: «يا بِنتَ الزانيَينِ» فهو قذفٌ لأبوَيها، وك: «أنتُم زُناةٌ» (١). هل يَجبُ على الزَّوجِ الحدُّ إذا قذَفَ زوْجَتَه أم لا؟ اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الزوجَ إذا قذَفَ زوْجَتَه ولاعَنَ أنه لا شيءَ عليهِ كما تقدَّمَ. إلا أنهُم اختَلفُوا فيما لو قذَفَ زوْجَتَه ولم يُلاعِنْ، هل يُحَدُّ حدَّ القذفِ؟ أم يُحبَسُ حتَّى يُلاعِنَ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الزَّوجَ إذا قذَفَ زَوجتَه وجَبَ عليهِ اللِّعانُ، وللمَرأةِ أنْ تُخاصِمَه إلى الحاكِمِ وتُطالِبَه باللِّعانِ، وإذا طالَبَتْه يُجبِرُه عَليهِ، ولوِ امتَنَعَ يُحبَسُ لامتِناعِه عنِ الواجِبِ عَليهِ كالمُمتَنِعِ مِنْ قَضاءِ الدَّينِ، فيُحبَسُ حتَّى يُلاعِنَ أو يُكذِّبَ نفْسَه، وكَذا إذا التَعَنَ الرَّجلُ تُجبَرُ المَرأةُ عَلى اللِّعانِ، ولوِ امتَنعَتْ تُحبَسُ حتَّى تُلاعِنَ أو تُقِرَّ بالزِّنا؛ لقَولِه تَعالى:

стр. 13577

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦]، أي: فلْيَشهَدْ أحَدُهم أربَعَ شَهاداتٍ باللَّهِ، جَعَلَ مُوجبَ قَذفِ الزَّوجَاتِ اللِّعَانَ، فمَن أَوجَبَ الحَدَّ فقَدْ خالَفَ النَّصَّ، ولأنَّ الحَدَّ إنَّما يَجبُ لِظُهورِ كَذبِه في القَذفِ، وبالامتِناعِ مِنْ اللِّعانِ لا يَظهرُ كِذبُه؛ إذْ ليسَ كلُّ مَنْ امتَنَعَ مِنْ الشَّهادةِ أو اليَمينِ يَظهَرُ كَذبُه فيهِ، بلْ يُحتمَلُ أنهُ امتَنَعَ منهُ صَونًا لنَفسِه عنِ اللَّعنِ والغضَبِ، والحَدُّ لا يَجبُ معَ الشُّبهَةِ، فكَيفَ يَجبُ مع الاحتِمَالِ؟! ولأنَّ الاحتِمالَ مِنْ اليَمينِ بدَلٌ وإباحةٌ، والإباحَةُ لا تَجرِي في الحُدودِ، فإنَّ مَنْ أباحَ للحاكِمِ أنْ يُقِيمَ عَليهِ الحَدَّ لا يَجوزُ له أنْ يُقِيمَ. وأمَّا آيَةُ القَذفِ فقَدْ قِيلَ أنَّ مُوجَبَ القَذفِ في الابتِداءِ كانَ هوَ الحَدَّ في الأجنبيَّاتِ والزَّوجاتِ جَميعًا، ثمَّ نُسِخَ في الزَّوجاتِ وجُعِلَ مُوجَبُ قَذفِهنَّ اللِّعانَ بآيَةِ اللِّعانِ. والدَّليلُ عَليهِ ما رُويَ عَنْ عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ أنهُ قالَ: «كُنَّا جُلوسًا في المَسجدِ لَيلَةَ الجُمعةِ، فجاءَ رَجلٌ مِنْ الأنصَارِ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ أَرأَيتُم الرَّجلَ يَجِدُ معَ امرَأتِه رَجلًا، فإنْ قَتَلَه قَتلتُموهُ، وإنْ تَكلَّمَ بهِ جَلَدتُموهُ، وإنْ أَمسَكَ أَمسَكَ عَلى غَيظٍ، ثمَّ جعَلَ يَقولُ: اللَّهُمَّ افتَحْ، فنزَلَتْ آيَةُ اللِّعَانِ»، دلَّ قَولُه: «وإنْ تَكلَّمَ بهِ جَلَدتُموهُ» على أنَّ مُوجَبَ قَذفِ الزَّوجةِ كانَ الحَدَّ قبْلَ نُزولِ آيَةِ اللِّعَانِ، ثمَّ نُسِخَ في الزَّوجاتِ بآيَةِ اللِّعانِ، فيَنسَخُ الخاصُّ المُتَأخِّرُ العامَّ المُتقَدِّمَ بقَدرِه.

стр. 13578

وأمَّا قَولُه تَعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨] فَلا حُجَّةَ فيهِ؛ لأنَّ دفْعَ العَذابِ يَقتضِي تَوجُّهَ العَذابِ لا وُجوبهُ؛ لأنَّه حِينَئذٍ يَكونُ رَفعًا لا دَفعًا، عَلى أنَّه يُحتمَلُ أنْ يكُونَ المُرادُ مِنْ العَذابِ هوَ الحَبسُ؛ إذِ الحَبسُ يُسمَّى عَذابًا، قالَ اللهُ تَعالى في قِصَّةِ الهُدهُدِ: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [النمل: ٢١]، قِيلَ في التَّفسيرِ: لَأَحبِسَنَّه، وهَذا لأنَّ العَذابَ يُنبِئُ عَنْ مَعنَى المَنعِ في اللُّغةِ، يُقالُ: «أَعْذَبَ» أيْ مَنَعَ، و «أَعْذَبَ» أي امتَنَعَ، يُستعمَلُ لازِمًا ومُتعَدِّيًا، ومَعنَى المَنعِ يُوجَدُ في الحَبسِ، وهَذا هوَ مَذهَبُنا أنَّها إذا امتَنعَتْ مِنْ اللِّعانِ تُحبَسُ حتَّى تُلاعِنَ أو تُقِرَّ بالزِّنا فيَدرَأُ عَنها العَذابَ وهوَ الحَبسُ باللِّعانِ، فإذَنْ قُلنَا بمُوجَبِ الآيةِ الكريمَةِ (١). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الزوجَ إذا قذَفَ زوْجَتَه بالزنا لَزمَ الزوجَ ما يَلزمُ بقذفِ أجنَبيةٍ، فيَجبُ عليه حدُّ القذفِ إنْ كانَتْ مُحصَنةً، والتعزيرُ إنْ كانَتْ غيرَ مُحصَنةٍ، وحُكِمَ بفِسقِه إذا لم يُلاعِنْ. فإنْ طُولِبَ بالحدِّ أو التعزيرِ فلهُ أنْ يُسقِطَ ذلك عن نفسِه بإقامةِ البيِّنةِ على الزنا، وله أنْ يُسقِطَ ذلكَ باللعانِ، أو أنْ تُصدِّقُه المرأةُ على ذلكَ، فإنْ لاعَنَ فلا حَدَّ عليهِ، وإنْ لم يأتِ ببيِّنةٍ أو لم تُصدِّقْه المرأةُ ولم يُلاعِنْ فيُقامُ عليه حدُّ القذفِ إنْ كانَتْ مُحصنةً، والتعزيرُ إنْ كانَتْ غيرَ مُحصنةٍ؛ لقَولِه

стр. 13579

تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] الآيَة، وهذا عامٌّ في الأزواجِ وغيرِ الأزواجِ، ولأنها حُرَّةٌ عَفيفةٌ قذَفَها مَنْ لم يُحقِّقْ قذْفَها، فوجَبَ أنْ يُحَدَّ لها، أصلُه الأجنَبيةُ. وخَصَّ الأزواجَ بأنْ جعَلَ لِعانَهم يَقومُ مَقامَ شهادةِ أربعَةٍ غيرِهم؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] الآية. وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنَّ هِلالَ بنَ أُميَّةَ قذَفَ امرَأتَهُ عِنْدَ النبيِّ ﷺ بشَرِيكِ بنِ سَحْماءَ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : البيِّنةَ أو حَدٌّ في ظَهرِكَ، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إذا رَأى أَحَدُنا عَلى امرَأتِه رَجلًا يَنطلِقُ يَلتمِسُ البيِّنةَ، فجَعَلَ النبيُّ ﷺ يَقولُ: البيِّنةَ وإلَّا حَدٌّ في ظَهرِكَ، فقالَ هِلالٌ: والذي بعَثَكَ بالحقِّ إني لَصادِقٌ فلَيُنزِلَنَّ اللهُ مَا يُبِرِّئُ ظَهرِي مِنْ الحَدِّ، فنزَلَ جِبريلُ وأنزَلَ عَليهِ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فقرَأَ حتَّى بلَغَ ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ [النور: ٩] فانصَرَفَ النبيُّ ﷺ فأرسَلَ إلَيها فَجاءَ هِلالٌ فشَهِدَ والنبيُّ ﷺ يَقولُ: إنَّ اللهَ يَعلَمُ أنَّ أحَدَكُما كاذِبٌ فهَلْ مِنكُما تائِبٌ؟ ثمَّ قامَتْ فشَهِدَتْ فلمَّا كانَتْ عِنْدَ الخامِسةِ وقَّفُوها وقالُوا: إنّها مُوجِبةٌ، قالَ ابنُ عبَّاسٍ: فتَلكَّأَتْ ونَكصَتْ حتَّى ظنَنَّا أنها تَرجِعُ، ثمَّ قالَتْ: لا أفضَحُ قَومِي سائِرَ اليَومِ، فمَضَتْ، فقَالَ النَّبيُّ ﷺ : أَبصِرُوها فإنْ جاءَتْ بهِ أَكْحَلَ العَينَينِ سابِغَ الإليتَينِ خَدَلَّجَ السَّاقَينِ فهو

стр. 13580

لشَرِيكِ بنِ سَحْماءَ، فجاءَتْ بهِ كذلِكَ فقالَ النَّبيُّ ﷺ : لولا ما مَضَى مِنْ كِتابِ اللهِ لَكانَ لي ولهَا شَأنٌ» (١). والشاهدُ قَولُ النبيِّ ﷺ : «البيِّنَةَ أو حَدٌّ في ظَهرِكَ»، ولأنَّه قاذِفٌ يَلزمُه الحَدُّ لو أَكذَبَ نفْسَه، فلَزمَه إذا لَم يَأتِ بالبيِّنةِ المَشروعَةِ كالأجنَبيِّ. فأمَّا إنْ قذَفَ غيْرَها كالكِتابيَّةِ والأمَةِ والمَجنُونةِ والطِّفلةِ فإنَّه يَجبُ عَليهِ التَّعزيرُ بذلِكَ؛ لأنَّه أدخَلَ عَليهِنَّ المَعرَّةَ بالقَذفِ، ولا يُحَدُّ لهُنَّ حَدًّا كامِلًا؛ لِنُقصانهنَّ بذلِكَ، ولا يَتعلَّقُ بهِ فِسقٌ ولا رَدُّ شَهادةٍ؛ لأنَّه لا يُوجِبُ الحَدَّ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: قالَ القاضِي: وليسَ لهُ إسقاطُ هَذا التَّعزيرِ باللِّعانِ؛ لأنَّ اللِّعانَ إمَّا لِنَفيِ النَّسبِ أو لِدَرءِ الحَدِّ، وليسَ هَاهُنا واحِدٌ مِنهُما. وقالَ الشافِعيُّ: لهُ إسقاطُه باللِّعانِ؛ لأنه إذا مَلكَ إسقاطَ الحَدِّ الكامِلِ باللِّعانِ فإسقاطُ ما دُونَه أَولَى. وللقاضِي أنْ يَقولَ: لا يَلزمُ مِنْ مَشرُوعيَّتِه لدَفعِ الحَدِّ الَّذي يَعظُمُ ضَررُه مَشرُوعيَّتُه لدَفعِ ما يَقلُّ ضَررُه، كمَا لو قذَفَ طِفلةً لا يُتصوَّرُ وَطؤُها فإنَّه يُعزَّرُ تَعزيرَ السَّبِّ والأذَى، وليسَ لهُ إسقاطُه باللِّعانِ، كَذا هاهُنا.

стр. 13581

وأمَّا إنْ كانَ لأحَدِ هَؤلاءِ ولَدٌ يُريدُ نفْيَه فقالَ القاضِي: لهُ أنْ يُلاعِنَ لِنَفيِه، وهَذا قولُ الشَّافعيِّ، وهوَ ظاهِرُ كَلامِ أحمَدَ في الأمَةِ والكِتابيَّةِ، سواءٌ كانَ لهُما ولَدٌ أو لم يَكنْ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: الفَصلُ الرَّابعُ في حُكمِ نُكولِ أحدِهِما أو رُجوعِه. فأمَّا إذا نكَلَ الزَّوجُ فقالَ الجُمهورُ: إنه يُحَدُّ، وقالَ أبو حَنيفةَ: إنَّه لا يُحَدُّ ويُحبَسُ. وحُجَّةُ الجُمهورِ: عُمومُ قَولِه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الآيَة [النور: ٤]، وهذا عامٌّ في الأجنَبيِّ والزَّوجِ، وقَدْ جعَلَ الالتِعانَ للزَّوجِ مَقامَ الشُّهودِ، فوجَبَ إذا نكَلَ أنْ يَكونَ بمَنزلةِ مَنْ قذَفَ ولَم يَكنْ لهُ شُهودٌ، أعنِي أنَّه يُحَدُّ، وما جاءَ أيضًا مِنْ حَديثِ ابنِ عُمرَ وغَيرِه في قِصَّةِ العَجْلانِيِّ مِنْ قَولِه ﵊: «إنْ قَتَلتُ قُتِلتُ، وإنْ نَطقتُ جُلِدتُ، وإنْ سَكتُّ سَكتُّ على غَيظِ». واحتَجَّ الفَريقُ الثاني بأنَّ آيةَ اللِّعانِ لم تَتضمَّنْ إيجابَ الحَدِّ عليهِ عندَ النُّكولِ، والتَّعريضُ لإيجابِه زِيادةً في النَّصِّ، والزيادةُ عندَهم نَسخٌ، والنسخُ

стр. 13582

لا يَجوزُ بالقِياسِ ولا بأخبارِ الآحادِ، قالوا: وأيضًا لو وجَبَ الحَدُّ لم يَنفعْه الالتِعانُ ولا كانَ لهُ تأثيرٌ في إسقاطِهِ؛ لأنَّ الالتِعانَ يَمينٌ، فلَم يَسقطْ بهِ الحَدُّ عنِ الأجنَبيِّ، فكذلكَ الزوجُ. والحَقُّ أنَّ الالتِعانَ يَمينٌ مَخصوصةٌ، فوجَبَ أنْ يكونَ لها حُكمٌ مَخصوصٌ، وقَد نُصَّ على المَرأةِ أنَّ اليَمينَ يَدرأُ عنها العَذابَ، فالكَلامُ فيما هوَ العَذابُ الَّذي يَندرِئُ عَنها باليَمينُ. ولِلاشتِراكِ الذي في اسمِ العَذابِ اختَلفُوا أيضًا في الواجِبِ عَليها إذا نَكلَتْ، فقَالَ الشَّافعيُّ ومالِكٌ وأحمَدُ والجُمهورُ: إنها تُحَدُّ، وحَدُّها الرَّجمُ إنْ كانَ دخَلَ بها ووُجدِتْ فيها شُروطُ الإحصانِ، وإنْ لم يَكنْ دخَلَ بها فالجَلدُ. وقالَ أبو حَنيفةَ: إذا نَكلَتْ وجَبَ عليها الحَبسُ حتَّى تُلاعِنَ، وحجَّتُه قولُه ﵊: «لا يَحلُّ دمُ امرِئٍ مُسلمٍ إلا بإحدَى ثلاثٍ: زِنًا بعدَ إحصانٍ، أو كُفرٌ بعدَ إيمانٍ، أو قَتلُ نَفسٍ بغَيرِ نفسٍ»، وأيضًا فإنَّ سفْكَ الدَّمِ بالنُّكولِ حُكمٌ تَردُّه الأصولُ، فإنه إذا كانَ كَثيرٌ مِنْ الفُقهاءِ لا يُوجِبونَ غُرمَ المالِ بالنُّكولِ فكانَ بالحَريِّ أنْ لا يَجبَ بذلكَ سَفكُ الدِّماءِ. وبالجُملةِ فقاعِدةُ (الدِّماءُ مَبناها في الشَّرعِ على أنها لا تُراقُ إلا بالبيِّنةِ العادِلةِ أو بالاعترافِ) ومِن الواجِبِ ألا تُخصَّصَ هذهِ القاعِدةُ بالاسمِ المُشتَركِ، فأبو حَنيفةَ في هَذهِ المَسألةِ أَولَى بالصَّوابِ إنْ شاءَ اللهُ. وقدِ اعتَرفَ أبو المَعالِي في كِتابِه «البُرهان» بقوَّةِ أبِي حَنيفةَ في هذهِ المَسألةِ، وهوَ شافِعيٌّ.

стр. 13583

واتَّفقُوا على أنه إذا أَكْذبَ نفْسَه حُدَّ وأُلحِقَ بهِ الوَلدُ إنْ كانَ نفَى ولَدًا (١). وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: فإنْ قِيلَ: فلَو نكَلَ الزَّوجُ عنِ اللِّعانِ بعْدَ قذْفِه فمَا حُكمُ نُكولِه؟ قُلنَا: يُحَدُّ حَدَّ القَذفِ عِنْدَ جُمهورِ العُلماءِ مِنْ السَّلفِ والخَلفِ، وهوَ قَولُ الشَّافعيِّ ومالِكٍ وأحمَدَ وأصحابِهم، وخالَفَ في ذلكَ أبو حَنيفةَ وقالَ: يُحبَسُ حتَّى يُلاعِنَ أو تُقِرَّ الزَّوجةُ، وهَذا الخِلافُ مَبنيٌّ على أنَّ مُوجَبَ قَذفِ الزَّوجِ لامرَأتِه هلْ هوَ الحَدُّ كقَذفِ الأجنَبيِّ ولهُ إسقاطُهُ باللِّعانِ؟ أو مُوجَبُه اللِّعانُ نفْسُه؟ فالأوَّلُ قَولُ الجُمهورِ، والثَّاني قَولُ أبي حَنيفةَ. واحتَجُّوا عَليهِ بعُمومِ قَولِه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، وبقَولِه ﷺ لهِلالِ بنِ أُميَّةَ: «البيِّنةَ أو حَدٌّ في ظَهرِكَ»، وبقَولِه لهُ: «عَذابُ الدُّنيا أَهوَنُ مِنْ عَذابِ الآخِرةِ»، وهَذا قالَهُ لهِلالِ بنِ أُميَّةَ قبْلَ شُروعِه في اللِّعانِ، فلَو لم يَجبِ الحَدُّ بقَذفِه لم يَكنْ لهذا مَعنًى، وبأنه قَذفُ حُرَّةٍ عَفيفةٍ يَجرِي بيْنَه وبيْنَها القَوَدُ، فحُدَّ بقَذفِها كالأجنَبيِّ، وبأنَّه لو لاعَنَها ثمَّ أَكذبَ نفْسَه بعْدَ لِعانَها لَوجَبَ عَليهِ الحَدُّ، فدلَّ عَلى أنَّ قذْفَه سبَبٌ لِوُجوبِ الحَدِّ عَليهِ، ولهُ إسقَاطُه باللِّعانِ؛ إذْ لو لَم يَكنْ سبَبًا لَمَا وجَبَ بإكذابِهِ نفْسَه بعْدَ اللِّعانِ.

стр. 13584

وأبو حَنيفةَ يَقولُ: قَذفُه لها دَعوى تُوجِبُ أحَدَ أمرَينِ: إمَّا لِعانُه وإمَّا إقرارُها، فإذا لَم يُلاعِنْ حُبِسَ حتَّى يُلاعِنَ، إلا أنْ تُقِرَّ فيَزولُ مُوجبُ الدَّعوى، وهذا بخِلافِ قَذفِ الأجنَبيِّ؛ فإنه لا حَقُّ لهُ عِنْدَ المَقذُوفةِ، فكانَ قاذِفًا مَحضًا. والجُمهورُ يَقولونَ: بلْ قَذفُه جِنايةٌ منهُ على عِرضِها، فكانَ مُوجَبُها الحَدُّ كقَذفِ الأجنَبيِّ، ولمَّا كانَ فيهَا شائِبةُ الدَّعوى عَليها بإتلافِها لِحَقِّه وخِيانتِها فيهِ ملَكَ إسقاطَ مَا يُوجِبُه القَذفُ مِنْ الحَدِّ بلِعانِه، فإذا لَم يُلاعِنْ معَ قُدرتِه عَلى اللِّعانِ وتَمكُّنِه مِنهُ عَمِلَ مُقتضَى القَذفِ عمَلَه واستَقلَّ بإيجابِ الحَدِّ؛ إذْ لا مُعارِضَ لهُ، وباللهِ التَّوفيقُ (١).

стр. 13585

الحَدُّ الواجِبُ على القاذِفِ: إذا تَحقَّقَ القذفُ بشُروطِه إذا أقَرَّ به أو شَهدَ شاهِدانَ وَجبُ جَلدُ القاذِفِ إذا كانَ حُرًّا عاقِلًا بالِغًا مُسلمًا ثَمانينَ جَلدةً ولا مَزيدَ عليها، وإنْ كانَ عبدًا أربعينَ جلدةً، بالكتابِ والإجماعِ. أمَّا الكِتابُ: فقَولُه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]. قالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقُوا أنَّ الحُرَّ العاقِلَ البالغَ المُسلمَ غيرَ المُكرَهِ إذا قذَفَ حُرًّا عاقِلًا بالغًا مُسلمًا عَفيفًا لم يُحَدَّ قطُّ في زنًا أو حُرَّةً بالغةً عاقِلةً مُسلمةً عَفيفةً غيرَ مُلاعَنةٍ لم تُحَدَّ في زنًا قطُّ بصَريحِ الزنا وكانَا في غيرِ دارِ الحَربِ المَقذوفُ أو المَقذوفةُ فطلَبَ الطالِبُ منهُما القاذِفَ هو بنفسِه لا غيرَ وشَهدَ بالقذفِ الآنَ أو الحُر القاذِف -كما قدَّمْنا- أنه يَلزمُه ثَمانونَ جَلدةً. واتَّفقُوا أنَّ القاذِفَ غيرَ الحُرِّ -كما ذكَرْنا- يَلزمُه أربَعونَ جَلدةً، واختَلفُوا في أكثَرَ. واتَّفقُوا أنْ لا مَزيدَ في ذلكَ على ثَمانينَ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: اتَّفقُوا على أنه ثَمانونَ جَلدةً للقاذفِ الحُرِّ؛ لقولِه تعالَى: ﴿ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤].
следующие страницы →