وأمَّا إنْ كانَ لأحَدِ هَؤلاءِ ولَدٌ يُريدُ نفْيَه فقالَ القاضِي: لهُ أنْ يُلاعِنَ لِنَفيِه، وهَذا قولُ الشَّافعيِّ، وهوَ ظاهِرُ كَلامِ أحمَدَ في الأمَةِ والكِتابيَّةِ، سواءٌ كانَ لهُما ولَدٌ أو لم يَكنْ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: الفَصلُ الرَّابعُ في حُكمِ نُكولِ أحدِهِما أو رُجوعِه.
فأمَّا إذا نكَلَ الزَّوجُ فقالَ الجُمهورُ: إنه يُحَدُّ، وقالَ أبو حَنيفةَ: إنَّه لا يُحَدُّ ويُحبَسُ.
وحُجَّةُ الجُمهورِ: عُمومُ قَولِه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الآيَة [النور: ٤]، وهذا عامٌّ في الأجنَبيِّ والزَّوجِ، وقَدْ جعَلَ الالتِعانَ للزَّوجِ مَقامَ الشُّهودِ، فوجَبَ إذا نكَلَ أنْ يَكونَ بمَنزلةِ مَنْ قذَفَ ولَم يَكنْ لهُ شُهودٌ، أعنِي أنَّه يُحَدُّ، وما جاءَ أيضًا مِنْ حَديثِ ابنِ عُمرَ وغَيرِه في قِصَّةِ العَجْلانِيِّ مِنْ قَولِه ﵊: «إنْ قَتَلتُ قُتِلتُ، وإنْ نَطقتُ جُلِدتُ، وإنْ سَكتُّ سَكتُّ على غَيظِ».
واحتَجَّ الفَريقُ الثاني بأنَّ آيةَ اللِّعانِ لم تَتضمَّنْ إيجابَ الحَدِّ عليهِ عندَ النُّكولِ، والتَّعريضُ لإيجابِه زِيادةً في النَّصِّ، والزيادةُ عندَهم نَسخٌ، والنسخُ
стр. 13582
لا يَجوزُ بالقِياسِ ولا بأخبارِ الآحادِ، قالوا: وأيضًا لو وجَبَ الحَدُّ لم يَنفعْه الالتِعانُ ولا كانَ لهُ تأثيرٌ في إسقاطِهِ؛ لأنَّ الالتِعانَ يَمينٌ، فلَم يَسقطْ بهِ الحَدُّ عنِ الأجنَبيِّ، فكذلكَ الزوجُ.
والحَقُّ أنَّ الالتِعانَ يَمينٌ مَخصوصةٌ، فوجَبَ أنْ يكونَ لها حُكمٌ مَخصوصٌ، وقَد نُصَّ على المَرأةِ أنَّ اليَمينَ يَدرأُ عنها العَذابَ، فالكَلامُ فيما هوَ العَذابُ الَّذي يَندرِئُ عَنها باليَمينُ.
ولِلاشتِراكِ الذي في اسمِ العَذابِ اختَلفُوا أيضًا في الواجِبِ عَليها إذا نَكلَتْ، فقَالَ الشَّافعيُّ ومالِكٌ وأحمَدُ والجُمهورُ: إنها تُحَدُّ، وحَدُّها الرَّجمُ إنْ كانَ دخَلَ بها ووُجدِتْ فيها شُروطُ الإحصانِ، وإنْ لم يَكنْ دخَلَ بها فالجَلدُ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: إذا نَكلَتْ وجَبَ عليها الحَبسُ حتَّى تُلاعِنَ، وحجَّتُه قولُه ﵊: «لا يَحلُّ دمُ امرِئٍ مُسلمٍ إلا بإحدَى ثلاثٍ: زِنًا بعدَ إحصانٍ، أو كُفرٌ بعدَ إيمانٍ، أو قَتلُ نَفسٍ بغَيرِ نفسٍ»، وأيضًا فإنَّ سفْكَ الدَّمِ بالنُّكولِ حُكمٌ تَردُّه الأصولُ، فإنه إذا كانَ كَثيرٌ مِنْ الفُقهاءِ لا يُوجِبونَ غُرمَ المالِ بالنُّكولِ فكانَ بالحَريِّ أنْ لا يَجبَ بذلكَ سَفكُ الدِّماءِ.
وبالجُملةِ فقاعِدةُ (الدِّماءُ مَبناها في الشَّرعِ على أنها لا تُراقُ إلا بالبيِّنةِ العادِلةِ أو بالاعترافِ) ومِن الواجِبِ ألا تُخصَّصَ هذهِ القاعِدةُ بالاسمِ المُشتَركِ، فأبو حَنيفةَ في هَذهِ المَسألةِ أَولَى بالصَّوابِ إنْ شاءَ اللهُ.
وقدِ اعتَرفَ أبو المَعالِي في كِتابِه «البُرهان» بقوَّةِ أبِي حَنيفةَ في هذهِ المَسألةِ، وهوَ شافِعيٌّ.
وأبو حَنيفةَ يَقولُ: قَذفُه لها دَعوى تُوجِبُ أحَدَ أمرَينِ: إمَّا لِعانُه وإمَّا إقرارُها، فإذا لَم يُلاعِنْ حُبِسَ حتَّى يُلاعِنَ، إلا أنْ تُقِرَّ فيَزولُ مُوجبُ الدَّعوى، وهذا بخِلافِ قَذفِ الأجنَبيِّ؛ فإنه لا حَقُّ لهُ عِنْدَ المَقذُوفةِ، فكانَ قاذِفًا مَحضًا.
والجُمهورُ يَقولونَ: بلْ قَذفُه جِنايةٌ منهُ على عِرضِها، فكانَ مُوجَبُها الحَدُّ كقَذفِ الأجنَبيِّ، ولمَّا كانَ فيهَا شائِبةُ الدَّعوى عَليها بإتلافِها لِحَقِّه وخِيانتِها فيهِ ملَكَ إسقاطَ مَا يُوجِبُه القَذفُ مِنْ الحَدِّ بلِعانِه، فإذا لَم يُلاعِنْ معَ قُدرتِه عَلى اللِّعانِ وتَمكُّنِه مِنهُ عَمِلَ مُقتضَى القَذفِ عمَلَه واستَقلَّ بإيجابِ الحَدِّ؛ إذْ لا مُعارِضَ لهُ، وباللهِ التَّوفيقُ (١).
стр. 13585
الحَدُّ الواجِبُ على القاذِفِ:
إذا تَحقَّقَ القذفُ بشُروطِه إذا أقَرَّ به أو شَهدَ شاهِدانَ وَجبُ جَلدُ القاذِفِ إذا كانَ حُرًّا عاقِلًا بالِغًا مُسلمًا ثَمانينَ جَلدةً ولا مَزيدَ عليها، وإنْ كانَ عبدًا أربعينَ جلدةً، بالكتابِ والإجماعِ.
أمَّا الكِتابُ: فقَولُه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤].
قالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقُوا أنَّ الحُرَّ العاقِلَ البالغَ المُسلمَ غيرَ المُكرَهِ إذا قذَفَ حُرًّا عاقِلًا بالغًا مُسلمًا عَفيفًا لم يُحَدَّ قطُّ في زنًا أو حُرَّةً بالغةً عاقِلةً مُسلمةً عَفيفةً غيرَ مُلاعَنةٍ لم تُحَدَّ في زنًا قطُّ بصَريحِ الزنا وكانَا في غيرِ دارِ الحَربِ المَقذوفُ أو المَقذوفةُ فطلَبَ الطالِبُ منهُما القاذِفَ هو بنفسِه لا غيرَ وشَهدَ بالقذفِ الآنَ أو الحُر القاذِف -كما قدَّمْنا- أنه يَلزمُه ثَمانونَ جَلدةً.
واتَّفقُوا أنَّ القاذِفَ غيرَ الحُرِّ -كما ذكَرْنا- يَلزمُه أربَعونَ جَلدةً، واختَلفُوا في أكثَرَ.
واتَّفقُوا أنْ لا مَزيدَ في ذلكَ على ثَمانينَ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: اتَّفقُوا على أنه ثَمانونَ جَلدةً للقاذفِ الحُرِّ؛ لقولِه تعالَى: ﴿ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤].
стр. 13586
واختَلفُوا في العبدِ يَقذفُ الحرُّ كم حَدُّه؟ فقالَ الجُمهورُ مِنْ فُقهاءِ الأمصارِ: حَدُّه نِصفُ حدِّ الحرِّ، وذلكَ أربَعونَ جَلدةً، ورُويَ ذلكَ عن الخُلفاءِ الأربَعةِ وعنِ ابنِ عبَّاسٍ، وقالَتْ طائفةٌ: حَدُّه حدُّ الحرِّ، وبه قالَ ابنُ مَسعودٍ مِنْ الصحابةِ وعُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ وجَماعةٌ مِنْ فُقهاءِ الأمصارِ وأبو ثَورٍ والأوزاعيُّ وداودُ وأصحابُه مِنْ أهلِ الظاهرِ.
فعُمدةُ الجُمهورِ قياسُ حدِّه في القذفِ على حدِّه في الزنا.
أمَّا أهلُ الظاهرِ فتَمسَّكوا في ذلكَ بالعُمومِ، ولمَّا أجمَعُوا أيضًا أنَّ حدَّ الكِتابيِّ ثمانونَ فكانَ العبدُ أَحرى بذلكَ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وقَدرُ الحدِّ ثَمانونَ إذا كانَ القاذفُ حُرًّا؛ للآيةِ والإجماعِ، رجلًا كانَ أو امرأةً، ويُشترطُ أنْ يكونَ بالغًا عاقِلًا غيرَ مُكرَهٍ؛ لأنَّ هذه مُشترَطةٌ لكلِّ حَدٍّ (٢).
وقالَ شَمسُ الدِّينِ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على وُجوبِ الحَدِّ على مَنْ قذَفَ مُحصنًا، وأنَّ حَدَّه ثَمانونَ إنْ كانَ حُرًّا، وقد دَلَّ عليهِ قولُه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤].
وإنْ كانَ القاذفُ عبدًا فحَدُّه أربَعونَ جَلدةً، وأجمَعُوا على وُجوبِ الحَدِّ على العبدِ إذا قذَفَ مُحصنًا؛ لدُخولِه في عُمومِ الآيةِ، وحَدُّه أربَعونَ في
стр. 13587
قولِ أكثرِ العُلماءِ، فرُويَ عن عبدِ اللهِ بنِ عامرِ بنِ رَبيعةَ أنه قالَ: «أدرَكْتُ أبا بكرٍ وعُمرَ وعُثمانَ ومَن بعدَهُم مِنْ الخُلفاءِ فلمْ أرَهُم يَضربونَ المَملوكُ إذا قذَفَ إلا أربَعينَ».
وروَى خِلاسٌ أنَّ عليًّا قالَ في عبدٍ قذَفَ حُرًّا: «عليهِ نِصفُ الحدِّ».
وجلَدَ أبو بكرٍ بنُ مُحمدِ بنِ عمرِو بنِ حَزمٍ عبدًا قذَفَ حُرًّا ثَمانينَ، وبه قالَ قَبيصةُ وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ؛ عمَلًا بعُمومِ الآيةِ.
والصَّحيحُ الأولُ؛ للإجماعِ المَنقولِ عن الصَّحابةِ ﵃، ولأنه حَدٌّ يَتبعَّضُ، فكانَ العبدُ فيه على النصفِ مِنْ حَدِّ الحُرِّ كحَدِّ الزنا، وهذا يخصُّ عُمومَ الآيةِ، وقد عِيبَ على أبي بكرٍ بنِ مُحمدِ بنِ عمرِو بنِ حَزمٍ جلدُه العبدَ ثَمانينَ، فقالَ عبدُ اللهِ بنُ عامرِ بنِ رَبيعةَ: ما رأيتُ أحَدًا جلَدَ العبدَ ثَمانينَ قبْلَه، وقالَ سعيدٌ: ثنَا عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي الزِّنادِ عن أبيه قالَ: حَضرْتُ عُمرَ بنَ عبدِ العزيزِ جلَدَ عبدًا في فِرْيةٍ ثَمانينَ، فأنكَرَ ذلكَ مَنْ حضَرَه مِنْ الناسِ وغيرُهم مِنْ الفُقهاءِ، فقالَ لي عبدُ اللهِ بنُ عامرِ بنِ رَبيعةَ: إني رأيْتُ واللهِ عُمرَ بنَ الخطَّابِ فما رأيتُ أحَدًا جلَدَ عبدًا في فِريَةٍ فوقَ أربَعينَ.
قالَ الخِرَقيُّ: ويكونُ بدُونِ السَّوطِ الذي يُجلَدُ به الحُرُّ؛ لأنه لمَّا خُفِّفَ في عَددِه خُفِّفَ في سَوطِه، كما أنَّ الحُدودَ في نَفسِها كُلَّما قَلَّ مِنها كانَ سَوطُه أخَفَّ، وظاهِرُ ما ذكَرَه شَيخُنا أنه يكونُ بسَوطِ الحُرِّ، فيَتساوَوْا في الجَلدِ ليَتحقَّقَ التَّنصيفُ؛ لأنه إنَّما يَتحقَّقُ بذلكَ (١).
стр. 13588
قَذفُ غيرِ المُحصَنِ:
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ على أنَّ الإنسانَ إذا قذَفَ غيْرَ مُحصنٍ بالزِّنى أو عرَّضَ بالقذفِ للمُحصنِ ولم يُقِرَّ أنه أرادَ به الزِّنى فإنه يُعزَّرُ على ذلكَ؛ رَدعًا له عن أعراضِ المَعصومينَ، وكَفًّا له عن إيذائِهم؛ لأنه آذاهُ بذلكَ (١).
وكذا كُلُّ مَنْ آذَى مُسلمًا بلِسانِه بلفظٍ يَعرُّه به ويَقصدُ أذاهُ فعَليهِ في ذلكَ الأدَبُ البالغُ الرَّادعُ له ولمِثلِه، يُقمَعُ رأسُه بالسَّوطِ أو يُضرَبُ بالدُّرةِ ظَهرُه أو رأسُه، وذلكَ على قَدرِ سَفاهةِ القائلِ وحالِ المَقولِ له (٢).
стр. 13589
سُقوطُ حَدِّ القَذفِ:
يَسقطُ حَدُّ القَذفِ عن القاذِفِ في أحوالٍ:
الحَالةُ الأُولى: إذا أقامَ القاذِفُ البيِّنةَ على زِنَا المقذوفِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ القاذِفَ -واحِدًا أو أكثَرَ- إذا أتَى ببيِّنةٍ على زنَا المَقذوفِ -وهي أربَعةٌ مِنْ الشُّهودِ العُدولِ المُسلمينَ الذينَ تَقدَّمَ بَيانُهم- أنه لا حَدَّ عليهِ؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤].
وجهُ الدَّلالةِ: الآيةُ دَلَّتْ على أنَّ مَنْ قذَفَ مُحصَنةً ولم يَأتِ بأربعةِ شُهداءَ فإنَّ عليهِ القذفَ، وهي تَدلُّ بمَفهومِها على أنَّ مَنْ أتَى بأربَعةِ شُهداءَ فإنه لا حَدَّ عليهِ.
وعن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ هِلالَ بنَ أُميَّةَ قذَفَ امرَأتَه عندَ النبيِّ ﷺ بشَريكِ بنِ سَحْماءَ، فقالَ النبيُّ ﷺ : «البيِّنةَ أو حَدٌّ في ظَهرِكَ، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إذا رَأى أحَدُنا على امرَأتِه رَجلًا يَنطلِقُ يَلتمِسُ البيِّنةَ، فجعَلَ النبيُّ ﷺ يَقولُ: البيِّنةَ وإلا حَدٌّ في ظَهرِكَ … » (١).
دَلَّ الحديثُ على أنَّ مَنْ قذَفَ آخَرَ بالزِّنا فإمِّا أنْ يأتِيَ بالبيِّنةِ ليسقطَ عنه الحَدُّ، أو لا يأتِيَ بالبيِّنةِ ويُقامُ عليه الحدُّ.
ولأن الحَدَّ إنما وجَبَ لدَفعِ عارِ الزِّنا عن المَقذوفِ، وإذا ظهَرَ زناهُ بشَهادةِ الأربَعةِ لا يَحتملُ الاندفاعَ بالحَدِّ (٢).
стр. 13590
وقد نقَلَ غيرُ واحدٍ مِنْ العُلماءِ الإجماعَ على ذلكَ.
قالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقُوا أنَّ القاذِفَ إذا أتَى ببيِّنةٍ كما قدَّمْنا على ما ذُكرَ أنَّ الحَدَّ سقَطَ عنه (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: يُعتبَرُ لإقامةِ الحَدِّ بعدَ تَمامِ القذفِ … أنْ لا يأتِيَ ببيِّنةٍ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤]، فيُشترطُ في جَلدِهم عَدمُ البيِّنةِ … ولا نَعلمُ خِلافًا في هذا (٢).
الشَّرطُ الثَّاني: أنْ يُقِرَّ المقذوفُ بالزِّنا:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ المَقذوفَ إذا أقَرَّ بالزنا أنه لا حَدَّ على القاذفِ؛ لأنَّ الإقرارَ في معنَى البيِّنةِ (٣).
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: يُعتبَرُ لإقامةِ الحَدِّ بعدَ تمامِ القَذفِ بشُروطِه عَدمُ الإقرارِ مِنْ المَقذوفِ؛ لأنه في معنَى البيِّنةِ … ولا نَعلمُ خِلافًا في هذا (٤).
وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: ومَن قذَفَ رَجلًا فلمْ يُقَمِ الحَدُّ عليهِ حتَّى أقَرَّ المَقذوفُ بالزنا أو شُهِدَ عليهِ به فلا حَدَّ (٥).
стр. 13591
الشَّرطُ الثالثُ: مُطالَبةُ المقذوفِ بإقامةِ الحدِّ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ وغيرُهم على أنه يُشترطُ لوُجوبِ الحَدِّ على القاذِفِ مُطالَبةُ المَقذوفِ بإقامةِ الحدِّ عليهِ، فإنْ لم يَطلبْ فلا يُقامُ الحدُّ عليهِ.
قالَ الإمامُ ابنُ العرَبيِّ المالِكيُّ ﵀: ولا يَجوزُ إقامةُ حَدِّ القذفِ بإجماعٍ مِنْ الأمَّةِ إلا بعدَ المُطالَبةِ بإقامَتِه ممَّن يَقولُ: «إنه حَقٌّ للهِ» ومَن يَقولُ: «إنه حَقٌّ للآدَميِّ» (١).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: لا تَجوزُ إقامةُ حَدِّ القَذفِ بإجماعٍ مِنْ الأمَّةِ إلا بعدَ المُطالَبةِ بإقامَتِه ممَّن يَقولُ: «إنه حَقٌّ للهِ» ومَن يَقولُ: «إنه حَقٌّ للآدَميِّ» (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: يُعتبَرُ لإقامةِ الحَدِّ بعدَ تمامِ القَذفِ بشُروطِه … مُطالَبةُ المَقذوفِ؛ لأنه حَقٌّ له فلا يُستوفَى قبلَ طَلبِه كسائرِ حُقوقِه … ولا نَعلمُ خِلافًا في هذا (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ الهُمامِ ﵀: وأمَّا اشتِراطُ مُطالَبةِ المَقذوفِ فإجماعٌ (٤).
стр. 13592
وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وهذا الحَدُّ يَستحقُّه المَقذوفُ، فلا يُستوفَى إلا بطَلبِه باتِّفاقِ الفُقهاءِ (١).
وقالَ الإمامُ الدَّميريُّ ﵀: لا يُستوفَى إلا بطَلبِه بالاتِّفاقِ (٢).
عَفوُ المقذوفِ عن حَدِّ القذفِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو طلَبَ المَقذوفُ إقامةَ الحَدِّ ثمَّ عَفى عن القاذفِ، هل يَسقطُ الحَدُّ أم لا؟
فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ -وهو مَحكيٌّ عن أبي يُوسفَ مِنْ الحَنفيةِ، وحكاهُ ابنُ تَيميةَ عن جُمهورِ الفُقهاءِ- إلى أنه يَسقطُ الحدُّ بعفوِ المَقذوفِ عن القاذفِ؛ لِمَا رُويَ عنه ﷺ أنه قالَ: «أيَعجزُ أحَدُكم أنْ يكونَ كأبِي ضَمْضَمٍ؛ كانَ إذا أصبحَ يَقولُ: تَصدَّقتُ بعِرضِي … » (٣)، والصَّدقةُ بالعِرضِ لا تكونُ إلا بالعَفوِ عمَّا وجَبَ له؛ لأنه حَقٌّ لا يُستوفَى إلا بعدَ مُطالَبتِه باستيفائِه، فسقَطَ بعَفوِه كالقِصاصِ، وفارَقَ سائِرَ الحُدودِ؛ فإنه لا يُعتبَرُ في إقامتِها الطَّلبُ باستيفائِها.
ولأنَّ المُغلَّبَ فيه أنه حَقٌّ للعبدِ، فيَسقطُ بعَفوِه (٤).
стр. 13593
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه لا يَسقطُ حدُّ القذفِ عن القاذِفِ بعَفوِ المَقذوفِ إذا طالَبَ به ثمَّ عفَى عنه، سواءٌ عفَى عنه على مالٍ أم لا؛ لأنَّ المُغلَّبَ فيه حَقُّ اللهِ تعالَى؛ لأنَّ الحُدودَ زَواجرُ، والزواجِرُ مَشروعةٌ حقًّا للهِ تعالى، فأمَّا ما يكونُ حَقًّا للعبدِ فهو في الأصلِ جائزٌ، فما أُوجِبَ مِنْ العُقوباتِ حقًّا للعَبدِ وجَبَ باسمِ القِصاصِ الذي يُنبِئُ عن المُساواةِ؛ ليَكونَ إشارةً إلى معنَى الجبْرِ، وما أُوجِبَ باسمِ الحَدِّ فهوَ حَقُّ اللهِ تعالَى، وفي هذا الاسمِ إشارةٌ إلى معنَى الزَّجرِ.
والدَّليلُ عليهِ أنَّ في حُقوقِ العِبادِ يُعتبَرُ المُماثَلةُ، وبهِ ورَدَ النصُّ حيثُ قالَ تعالَى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ولا مُناسَبةَ بينَ نِسبةِ الزِّنى وبينَ ثَمانينَ جَلدةً لا صُورةً ولا معنًى، والدَّليلُ عليهِ وهو أنَّ الحَدَّ مَشروعٌ لتَعفيةِ أثَرِ الزنى، وحُرمةُ إشاعةِ الفاحِشةِ مِنْ حُقوقِ اللهِ تعالَى، فكانَ هذا نَظيرَ الواجِبِ بمُباشَرةِ الزنى مِنْ حَيثُ إنَّ كلَّ واحدٍ منهُما مَشروعٌ لإبقاءِ الستْرِ وتَعفيةِ أثَرِ الزنى، واعتبارُ الإحصانِ لمعنَى النِّعمةِ، وذلكَ فيما هو مِنْ حَقِّ الله تعالَى (١).
وأمَّا الإمامُ مالِكٌ فاختُلفَ عنه، قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: واختَلفَ قَولُ مالكٍ في جَوازِ عَفوِ المَقذوفِ عن قاذِفِه عندَ السلطانِ، فمَرَّةً قالَ: لا يَجوزُ إلا أنْ يُريدَ ستْرًا على نفسِه، ومرَّةً قالَ: يَجوزُ على كلِّ حالٍ، ولم يَختلفْ قولُه أنه يَجوزُ قبْلَ رَفعِه إلى السُّلطانِ على كلِّ حالٍ، وكذلكَ
стр. 13594
لم يَختلفْ قولُه أنَّ عفْوَ الأبِ عن ابنِه والابنِ عن أبيه في ذلكَ جائزٌ قبْلَ التَّرافُعِ وبعدَه (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا سُقوطُه فإنهم اختَلفُوا في سُقوطِه بعفوِ المَقذوفِ:
فقالَ أبو حَنيفةَ والثَّوريُّ والأوزاعيُّ: لا يَصحُّ العَفوُ، أي: لا يَسقطُ الحَدُّ.
وقالَ الشافِعيُّ: يَصحُّ العفوُ، أي يَسقطُ الحَدُّ، بلَغَ الإمامَ أو لم يَبلغْ.
وقالَ قَومٌ: إنْ بلَغَ الإمامَ لم يَجُزِ العفوُ، وإنْ لم يَبلغْه جازَ العفوُ.
واختَلفَ قولُ مالكٍ في ذلكَ، فمرَّةً قالَ بقولِ الشافِعيِّ، ومرَّةً قالَ: يَجوزُ إذا لم يَبلغِ الإمامَ، وإنْ بلَغَ لم يَجُزْ، إلَّا أنْ يُريدَ بذلكَ المقذوفُ الستْرَ على نفسِه، وهو المَشهورُ عنه.
والسَّببُ في اختِلافِهم: هل هو حَقٌّ للهِ؟ أو حقٌّ للآدَميِّينَ؟ أو حقٌّ لكَليهِما؟ فمَن قالَ: «حقٌّ للهِ» لم يُجِزِ العفوَ، كالزنا، ومَن قالَ: «حقٌّ للآدَميِّينَ» أجازَ العفوَ، ومَن قالَ: «لكَليهِما» وغلَّبَ حقَّ الإمامِ إذا وصَلَ إليهِ قالَ بالفَرقِ بينَ أنْ يَصلَ الإمامَ أو لا يَصلَ، وقياسًا على الأثَرِ الواردِ في السَّرقةِ.
وعُمدةُ مَنْ رأى أنه حَقٌّ للآدميِّينَ -وهو الأظهَرُ- أنَّ المَقذوفَ إذا صدَّقَه فيما قذَفَه به سقَطَ عنه الحدُّ (٢).
стр. 13595
هل حَدُّ القَذفِ حقٌّ للهِ أم للعَبدِ أم لهما؟
القَذفُ فيهِ شائِبتانِ: شائبةُ حَقِّ اللهِ وشائبةُ حَقِّ العبدِ؛ لأنه شُرعَ لدَفعِ العارِ عن المَقذوفِ، فمِن هذا الوَجهِ هو حقُّ العبدِ، ثمَّ إنه شُرعَ زاجِرًا ومنهُ سُمِّيَ حدًّا، وهذا آيةُ حَقِّ اللهِ.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا في أيِّهما أقوَى، هل حَقُّ اللهِ فيه غالِبٌ فلا يَجوزُ العفو عنه ولا الاعتِياضُ عنه؟ أم حَقُّ العبدِ فيه الغالِبُ فيَجوزُ العفوُ عنه والاعتياضُ عنه؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ حَقَّ اللهِ فيه هو الغالِبُ، فإذا ادَّعاه ثمَّ عفَى عنه فعَفوُه باطلٌ؛ لأنه وإنْ كانَ حقًّا مُختِلطًا بحقِّ العبدِ وتعارَضَتِ الجِهتانِ فيُغلَّبُ حقُّ اللهِ؛ لأنه حدٌّ يَتضمَّنُ عدَدًا لا تَجوزُ الزيادةُ عليهِ ولا النُّقصانُ عنه، فكانَ حقًّا للهِ تعالَى كحَدِّ الزنا والسَّرقةِ، ولأنه يَتشطَّرُ بالرِّقِّ، فكانَ كالزنا، وعليهِ: لا يَجوزُ العفوُ عنه ولا يُورَثُ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ حقَّ العبدِ فيه هو المُغلَّبُ؛ لأنه يَقفُ على مُطالَبتِه وأنه يَصحُّ له الرُّجوعُ عنه، أصلُه القِصاصُ، ولقولِه ﷺ : «إنَّ دِماءَكم وأموالَكُم
стр. 13596
وأعراضَكُم عَليكُم حَرامٌ» (١)، فأضافَ العِرضَ إلينَا كإضافةِ الدَّمِ والمالِ، فوجَبَ أنْ يكونَ ما في مُقابَلتِه للمَقذوفِ كالدَّمِ والمالِ.
ولأنه حَقٌّ على البَدنِ إذا ثبَتَ بالاعتِرافِ .. لم يَسقطْ بالرُّجوعِ، فكانَ للآدَميِّ كالقِصاصِ؛ لأنه لا خِلافَ أنه لا يُستوفَى إلا بمُطالَبةِ الآدَميِّ، فكانَ حقًّا له كالقِصاصِ، وعليه: يَجوزُ له العفوُ عنه إذا رُفعَ للحاكِمِ ويُورَثُ عنه ويَكونُ حقًّا لجَميعِ الورَثةِ (٢).
قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ الجَدُّ ﵀: ولا اختِلافَ في أنَّ القذفَ حقٌّ للمَقذوفِ، وإنَّما اختُلفَ هل يَتعلَّقُ فيه حَقٌّ للهِ تعالَى أم لا؟ على الثَّلاثةِ الأقوالِ التي ذكَرْناها، وقد قالَ عبدُ الوَهابِ في «المَعُونة»: اختُلفَ عن مالكٍ في حَدِّ القذفِ هل هو مِنْ حُقوقِ اللهِ تعالَى أو مِنْ حُقوقِ الآدَميِّينَ؟ وفائدةُ ذلكَ أنه إنْ كانَ مِنْ حُقوقِ اللهِ فلا يَجوزُ العفوُ عنه بعدَ بُلوغِه إلى الإمامِ، وإنْ كانَ مِنْ حُقوقِ الآدَميِّينَ جازَ العفوُ عنه، والصَّحيحُ أنه مِنْ حُقوقِ الآدَميِّينَ؛ بدَليلِ أنه يُورَثُ عن المَقذوفِ، وحُقوقُ اللهِ تعالَى لا تُورَثُ، ولأنه لا يُستحَقُّ إلا بمُطالَبةِ الآدَميِّ، والله أعلَمُ. هذا نَصُّ قولِه في «المَعونِة» وفيهِ نَظرٌ، فالصَّحيحُ ما ذكَرْناه (٣).
стр. 13597
الصُّلحُ على حَدِّ القذفِ مُقابلَ المالِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حَدِّ القَذفِ، هل يَجوزُ أخذُ العِوضِ في مُقابِلِ إسقاطِه والعفوِ عنه أم لا يَجوزُ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في الصَّحيحِ عندَهم والشافِعيةُ في أصَحِّ الوجهَينِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا يَجوزُ أخذُ العوضِ على إسقاطِ حَدِّ القذفِ والعفوِ عنه، ويَجبُ ردُّ المالِ الذي صالَحَ عليهِ.
وذهَبَ سَحنونٌ وأشهَبُ مِنْ المالِكيةِ والشافِعيةُ في وَجهٍ والحَنابلةُ في احتِمالٍ إلى أنه يَجوزُ الصُّلحُ في حدِّ القَذفِ على مالٍ ويَثبتُ المالُ.
وبَيانُ أقوالِ الفُقهاءِ فيما يلي:
أمَّا الحَنفيةُ فقالَ الإمامُ علاءُ الدِّينِ السَّمرقَنديُّ ﵀: لو صالَحَ القاذفُ مع المَقذوفِ بشيءٍ على أنْ يَعفوَ عنه ولا يُخاصِمَه فهو باطِلٌ.
وكذلكَ لو صالحَ الشاهِدُ بمالٍ على أنْ لا يَشهدَ عليهِ، أو أرادَ أنْ يَشهدَ على الزِّاني أو السارِقِ أو القاذفِ فصَالحُوه على مالٍ فالصُّلحُ باطلٌ، ولا تُقبَلُ شهادتُه في هذهِ الحادثةِ وفي غيرِها إلا أنْ يَتوبَ، ويُستردُّ المالُ منه في جَميعِ ذلكَ (١).
وقالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: قالَ البيريُّ: قالَ في «الإيضاح»: وإذا ثبَتَ الحدُّ لم يَجُزِ الإسقاطُ ولا العفوُ، ولِذا إذا عفَا قبْلَ المُرافَعةِ أو أبرَأَ أو صالَحَ على مالٍ فذلكَ باطِلٌ، ويردُّ مال الصلحِ، وله أنْ يُطالبَه بالحدِّ بعدَ ذلكَ. اه
стр. 13598
وقدَّمَ الشارحُ في بابِ حدِّ القذفِ: ولا رُجوعَ بعدَ إقرارٍ ولا اعتياضَ -أي: أخذ عِوضٍ- ولا صُلحَ ولا عفْوَ فيهِ وعنهُ (١).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: حدُّ القذفِ إذا ثبَتَ بالحُجةِ فكذلكَ عندَنا لا يَجوزُ العفوُ عنه والإبراءُ والصلحُ.
وكذلكَ إذا عفَا المَقذوفُ قبْلَ المُرافَعةِ أو صالَحَ على مالٍ فذلكَ باطِلٌ، ويُرَدُّ بدلُ الصُّلحِ، وله أنْ يُطالبَه بعدَ ذلكَ.
وعندَ الشافِعيِّ ﵀: يَصحُّ ذلكَ كلُّه، وهو إحدَى الروايتَينِ عن أبي يُوسفَ ﵀ (٢).
وقالَ في اللِّعانِ: ومنها أنه-أي اللعانُ- لا يَحتملُ العفوَ والإبراءَ والصُّلحَ؛ لأنه في جانِبِ الزوجِ قائمٌ مَقامَ حدِّ القذفِ، وفي جانبِها قائمٌ مَقامَ حدِّ الزنا، وكلُّ واحدٍ منهُما لا يَحتملُ العفوَ والإبراءَ والصلحَ؛ لِمَا نَذكرُ إنْ شاءَ اللهُ تعالَى في الحُدودِ.
وكذا لو عَفَتْ عنه قبْلَ المُرافَعةِ أو صالحَتْه على مالٍ لم يَصحَّ، وعليها رَدُّ بَدلِ الصُّلحِ، ولها أنْ تُطالبَه باللِّعانِ بعدَ ذلكَ كما في قَذفِ الأجنبيِّ (٣).
وجاءَ في «فَتاوَى قاضِيخانْ»: رَجلٌ قذَفَ مُحصنًا أو مُحصنةً فأرادَ المَقذوفُ حَدَّ القذفِ فصالَحَه القاذفُ على دَارهِمَ مسمَّاةٍ أو على شيءٍ آخَرَ
стр. 13599
على أنْ يَعفوَ عنه ففعَلَ لم يَجُزِ الصُّلحُ، حتَّى لا يَجبُ المالُ، وهو يُسقِطُ الحدَّ إنْ كانَ ذلكَ قبْلَ أنْ يُرفعَ الأمرُ إلى القاضي بَطلَ الحدُّ، وإنْ كانَ ذلكَ بعدَ ما رُفعَ إلى القاضي لا يبطلُ الحَد، وكذلكَ رَجلٌ زنَى بامرأةِ رَجلٍ فعَلِمَ الزوجُ وأرادَ أحَدُهما فصالَحاهُ معًا أو أحَدُهما على دَراهمَ مَعلومةٍ أو شَيءٍ آخَرَ على أنْ يَعفوَ عنهُما كانَ باطلًا لا يَجبُ المالُ، وعَفوُه باطلٌ، سَواءٌ كانَ قبلَ الرَّفعِ أو بعْدَه (١).
وأمَّا المالِكيةُ فاختَلفُوا، فَجاءَ في «تَهذِيب المُدوَّنةِ» لخَلفِ بنِ أبي القاسِمِ القَيروانِيِّ ﵀: ومَن صالَحَ مَنْ قذَفَ على شِقصٍ أو مالٍ لم يَجُزْ ورُدَّ، ولا شُفعةَ فيه، بلَغَ الإمامَ أو لا (٢).
وقالَ العَدويُّ ﵀: ولا يَجوزُ العفوُ عن القاذِفِ على مالٍ يأخذُه المَقذوفُ صُلحًا؛ لأنه أخذُ مالٍ عن العِرضِ، ويُرَدُّ، ولا شُفعةَ إنْ كانَ على شِقصٍ (٣).
لكنْ قالَ ابنُ فَرحونٍ المالِكيُّ ﵀: فرعٌ: واختُلفَ في الصُّلحِ على القَذفِ، فمنَعَه في «المُدوَّنة» وأجازَه سَحنونٌ.
وقالَ أشهَبُ: الحُدودُ التي لا يَجوزُ الصلحُ فيها هي ما لا يَجوزُ فيهِ العفوُ كالسَّرقةِ والزنا، وما جازَ فيه العفوُ جازَ فيه الصلحُ (٤).
стр. 13600
وحَدُّ القذفِ يَجوزُ فيه العفوُ عندَهم.
وأما الشافِعيةُ فقالَ الإمامُ ابنُ الرِّفعةِ ﵀: إذا عفَى عن حَدِّ القذفِ على مالٍ هل يَثبتُ؟ فيه وَجهانِ، المَنسوبُ إلى أبي إسحاقَ الثُّبوتُ (١).
وجاءَ في «نِهاية المُحتاجِ» للرَّمليِّ ﵀: وسُقوطُه -أي حَد القذفِ- بعَفوِه ولو على مالٍ، غيرَ أنه لا يَثبتُ المالُ -أي على القاذفِ- (٢).
وقالَ ابنُ المُلقِّنِ ﵀: فائِدةٌ: وارثُ المَقذوفِ إذا عفَى عن الحدِّ على مالٍ سقَطَ الحَدُّ في أظهَرِ الوَجهينِ، ولا يَجبُ المالُ في أظهَرِ الوجهَينِ، قالَه الحنَّاطيُّ في فَتاويهِ ومنها نَقلتُه (٣).
وأما الحَنابلةُ فقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولو صالَحَ السارقَ والزانِيَ والشاربَ بمالٍ على أنْ لا يَرفعَه إلى السُّلطانِ لم يَصحَّ الصُّلحُ لذلكَ، ولم يَجُزْ له أخذُ العوضِ، وإنْ صالَحَه عن حَدِّ القذفِ لم يَصحَّ الصلحُ؛ لأنه إنْ كانَ للهِ تعالَى لم يَكنْ له أنْ يأخُذَ عوضَه؛ لكَونِه ليسَ بحقٍّ له، فأشبَهَ حَدَّ الزنا والسَّرقةِ.
وإنْ كانَ حقًّا له لم يَجُزِ الاعتِياضُ عنه؛ لكَونِه حقًّا ليسَ بماليٍّ، ولهذا لا يَسقطُ إلى بَدلٍ، بخِلافِ القِصاصِ، ولأنه شُرعَ لتَنزيهِ العِرضِ، فلا يَجوزُ أنْ يَعْتاضَ عن عِرضِه بمالٍ (٤).
стр. 13601
وإنْ كانَ الإمامُ ابنُ مُفلحٍ ﵀ ذكَرَ احتِمالًا بجَوازِ أخذِ العِوضِ على حدِّ القذفِ، فقدْ ذكَرَ قِصةً فقالَ: وذكرَ في مَجلسِ الوزيرِ ابنِ هُبيرةَ مِثله فاتَّفقَ الوَزيرُ والعُلماءُ على شيءٍ وخالَفَهم فقيهٌ مالكيٌّ، فقالَ الوَزيرُ: أحِمارٌ أنتَ؟! الكُلُّ يُخالفونَكَ وأنتَ مُصرٌّ، ثمَّ قالَ الوزيرُ: لِيَقلْ لي كما قلتُ له، فمَا أنا إلا كأحَدِكم، فضَجَّ المَجلسُ بالبُكاءِ وجعَلَ المالِكيُّ يقولُ: أنا أَولى بالاعتِذارِ، والوزيرُ يقولُ: القِصاص، فقالَ يُوسفُ الدِّمشقيُّ الشافِعيُّ -وقد تَولَّى درْسَ النِّظاميةِ-: إذا أبَى القِصاصَ فالفداءُ، فقالَ الوزيرُ: له حُكمُه، فقالَ الرَّجلُ: نِعَمُكَ عليَّ كثيرةٌ، قالَ: لا بُدَّ، قالَ: عليَّ دَينٌ مائةُ دينارٍ، فقالَ الوزيرُ: يُعطَى مِائةً لإبراءِ ذمَّتِه ومائةً لإبراءِ ذمَّتِي، ذكَرَه ابنُ الجَوزيِّ في تاريخِه، فدَلَّ على مُوافَقتِه.
قالَ ابنُ مُفلحٍ: وقد يُؤخَذُ منه الصلحُ بمالٍ على حَقِّ آدَميٍّ كحدِّ قَذفٍ وسَبٍّ (١).
стр. 13602
كتاب حد السرقة
стр. 13603
كتاب حد السرقة
تَعريفُ السَّرقةِ:
السَّرقةُ لُغةً: أخذُ مالِ الغَيرِ على وَجهِ الخُفيَةِ والاستِسرارِ بغَيرِ إذنِ المالكِ، سواءٌ كانَ المَأخوذُ مالًا أو غيرَ مالٍ، ومنهُ: استَرقَ السَّمعَ، يُقالُ: سَرَقَ -بفَتحِ الراءِ- يَسرِقُ -بكَسرِها- سَرقًا وسَرقةً فهو سارِقٌ، والشَّيءُ مَسروقٌ، وصاحِبُه مَسروقٌ منه.
وسمِّيَ به لأنه يُسارِقُ عيْنَ حافظِه ويَطلبُ غُرَّتَه ليأخُذَه، أو يُسارِقُ عَينَ أعوانِه على الحِفظِ بأنْ يُسامِرَه ليلًا؛ لأنَّ الغَوثَ بالليلِ قَلَّ ما يَلحقُه (١).
стр. 13604
السَّرقةُ شَرعًا:
عرَّفَها الفُقهاءُ بعدَّةِ تَعريفاتٍ:
فعندَ الحَنفيةِ لها تَعريفانِ في الشَّريعةِ: تَعريفٌ باعتبارِ الحُرمةِ، وتَعريفٌ باعتبارِ تَرتُّبِ حُكمٍ شَرعيٍّ وهو القَطعُ.
أمَّا الأولُ فهو: أخذُ الشَّيءِ مِنْ الغَيرِ على وَجهِ الخُفيةِ بغيرِ حقٍّ، سواءٌ كانَ نِصابًا أو لا.
وأمَّا الثاني: فهو: أخذُ مُكلَّفٍ خُفيَةً قدْرَ عَشرةِ دَراهمَ مَضروبةٍ مُحرزةٍ بمكانٍ أو حافظٍ (١).
وقيلَ: أخذُ العاقلِ البالغِ نِصابًا مِلكًا للغيرِ لا شُبهةَ لهُ فيهِ على وَجهِ الخُفيةِ (٢).
وقالَ المالِكيةُ: السَّرقةُ التي يَترتَّبُ عليها القَطعُ: أخذُ مُكلَّفٍ نِصابًا فأكثَرَ مِنْ مالٍ مُحتَرَمٍ لغَيرِه بلا شُبهةٍ قَوِيَتْ خُفيةً بإخراجِه مِنْ حِرزٍ غيرِ مأذونٍ فيهِ وإنْ لم يَخرجْ هو بقَصدٍ واحدٍ، أو أخَذَ حُرًّا لا يُميِّزُ لصِغرٍ أو جُنونٍ (٣).
стр. 13605
وعرَّفَها ابنُ عرَفةَ ﵀ بقولِه: أخذُ مُكلَّفٍ حُرًّا لا يَعقلُ لصِغرِه أو مالًا مُحترمًا لغيرِه نِصابًا أخرَجَه مِنْ حِرزِه بقَصدٍ واحدٍ خُفيةً لا شُبهةَ له فيهِ (١).
وعرَّفَ الشافِعيةُ السَّرقةَ بأنها: أخذُ مالٍ خُفيةً مِنْ حِرزِ مثلِه (٢).
وعرَّفَ الحَنابلةُ السَّرقةَ بأنها: أخذُ مالٍ مُحترمٍ لغيرِه وإخراجُه مِنْ حِرزِ مثلِه عادةً لا شُبهةَ له فيهِ على وَجهِ الاختفاءِ (٣).
стр. 13606
حُكمُ السَّرقةِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على حُرمةِ السَّرقةِ وعلى وُجوبِ قَطعِ يدِ السَّارقِ إذا تَوفَّرتْ فيه شُروطُ السَّرقةِ، وقد استَدلُّوا على ذلكَ بالكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ.
أمَّا الكِتابُ: فقولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨].
وأمَّا السُّنةُ: فالكَثيرُ:
مِنها ما رواهُ أبو هُريرةَ ﵁ عنِ النبيِّ ﷺ قالَ: «لعَنَ اللهُ السارِقَ يَسرِقُ البَيضةَ فتُقطَعُ يَدُه، ويَسرِقُ الحَبْلَ فتُقطَعُ يَدُه» (١).
وعن ابنِ عُمرَ ﵄ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قطَعَ سارِقًا في مِجنٍّ قِيمتُه ثلاثةُ دَراهمَ» (٢).
وعن عائِشةَ ﵂ عن رَسولِ اللهِ ﷺ قالَ: «لا تُقطَعُ يَدُ السَّارقِ إلا في رُبعِ دينارٍ فصَاعدًا» (٣).
وأمَّا الإجماعُ: فقدْ نقَلَ عددٌ كبيرٌ مِنْ العُلماءِ الإجماعَ على وُجوبِ قَطعِ يدِ السارقِ إذا تَوفَّرتْ فيه الشُّروطُ التي تُوجِبُ عليهِ الحَدَّ في السرقةِ.
стр. 13607
قالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: وجَبَ القَطعُ في السَّرقةِ بنَصِّ القُرآنِ ونَصِّ السُّنةِ وإجماعِ الأمَّةِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على وُجوبِ قَطعِ السارقِ والسارقةِ في الجُملةِ إذا جمَعَا أوصافًا، منها: الشيءُ المَسروقُ التي يُقطَعُ في جِنسِه، ونِصابُ السَّرقةِ، وأنْ يكونَ السارقُ على أوصافٍ مَخصوصةٍ، وأنْ تكونَ السرقةُ على أوصافٍ مَخصوصةٍ، وأنْ يكونَ المَوضعُ المَسروقُ منه مَخصوصًا (٢).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: أجمَعَ المُسلمونَ على قَطعِ السارقِ في الجُملةِ وإنِ اختَلفوا في فُروعٍ منه (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَعَ المُسلمونَ على وُجوبِ قطعِ السارقِ في الجُملةِ (٤).
وقالَ الإمامُ الموصليُّ ﵀: وإجماعُ الأمَّةِ على وُجوبِ القَطعِ وإنِ اختَلفوا في مِقدارِ النِّصابِ (٥).
وقد قُطِعَ السارقُ في الجَاهليةِ، وأولُ مَنْ حكمَ بقَطعِه في الجَاهليةِ الوليدُ بنُ المُغيرةِ، فأمَرَ اللهُ بقَطعِه في الإسلامِ، فكانَ أولَ سارقٍ قطَعَه
стр. 13608
رسولُ اللهِ ﷺ في الإسلامِ مِنْ الرِّجالِ الخِيارَ بنَ عَديِّ بنِ نَوفلَ بنِ عبدِ مَنافٍ، ومِن النِّساءِ مُرَّةَ بنتَ سُفيانَ بنِ عبدِ الأسدِ مِنْ بَني مَخزومٍ، وقطَعَ أبو بكرٍ يدَ اليَمنيِّ الذي سرَقَ العِقدَ، وقطَعَ عُمرُ يدَ ابنِ سَمرةَ أخي عبدِ الرَّحمنِ بنِ سَمرةَ، قالَ القُرطبيُّ ﵀: ولا خِلافَ فيهِ (١).
الحِكمةُ مِنْ قَطعِ يدِ السَّارقِ:
المالُ مَحبوبٌ إلى النُّفوسِ تَميلُ إليه الطِّباعُ البَشريةُ، خُصوصًا عندَ الحاجةِ والضَّرورةِ، ومِن الناسِ مَنْ لا يَردَعُه عَقلٌ، ولا يَمنعُه نَقلٌ، ولا تَزجرُهم الدِّيانةُ، ولا تَردُّهم المُروءةُ والأمانةُ، فلولا الزَّواجرُ الشَّرعيةُ مِنْ القَطعِ والصَّلبِ ونَحوهِما لَبادَرُوا إلى أخذِ الأموالِ مُكابَرةً على وَجهِ المُجاهَرةِ، أو خُفيةً على وَجهِ الاستِسرارِ، وفيهِ مِنْ الفَسادِ ما لا يَخفى، فناسَبَ شُروعَ هذهِ الزَّواجرِ في حَقِّ المُستَسرِّ والمُكابِرِ في سَرقتيِ الصُّغرى والكُبرى؛ حَسمًا لبابِ الفَسادِ وإصلاحًا لأحوالِ العِبادِ (٢).
стр. 13609
أركانُ السَّرقةِ:
وأركانُ السرقةِ أربَعةٌ:
١ - سارقٌ، ٢ - ومَسروقٌ منه، ٣ - وسَرِقةٌ، ٤ - والأخذُ خُفيةً.
الرُّكنُ الأولُ: السارقُ:
اشتَرطَ الفُقهاءُ لإيجابِ الحَدِّ على السارقِ إذا سرَقَ أنْ يَكونَ مُستوفيًا لعدَّةِ شُروطٍ:
الشَّرطُ الأولُ: التَّكليفُ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه يُشترطُ في السارقِ حتى يُقامَ عليه حَدُّ السرقةِ أنْ يكونَ مُكلَّفًا بالغًا عاقلًا، فإذا ثبَتَتِ السرقةُ على شَخصٍ بما يُوجِبُ إقامةَ الحدِّ عليه وكانَ السارِقُ حينَ سَرقتِه صغيرًا غيرَ بالغٍ أو فاقِدًا لعَقلِه مِنْ غيرِ إرادتِه كمَجنونٍ أو مَعتوهٍ أو نائمٍ أو مُغمًى عليه فإنه لا يُحَدُّ؛ لأنَّ العَقلَ شَرطٌ مِنْ شُروطِ إقامةِ حَدِّ السرقةِ (١).
وممَّن نقَلَ الإجماعَ على أنه لا يُقامُ الحَدُّ على الصغيرِ والمَجنونِ وغيرِه ممَّن يلحقُ بهمَا كالمُغمَى عليه والنَّائمِ ابنُ حَزمٍ، حيثُ قالَ ﵀:
стр. 13610
لا يُقامُ عليهِ -أي المَجنونِ- في حالِ عَقلِه كُلُّ حدٍّ كانَ منه في حالِ جُنونِه بلا خِلافٍ مِنْ الأمَّةِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البرِّ ﵀ في شَرحِه لحَديثِ ماعزٍ بنِ مالكٍ: وفيهِ أيضًا دليلٌ على أنَّ المَجنونَ لا يَلزمُه حدٌّ، ولهذا ما سألَ رسولُ اللهِ ﷺ : أيَشتكِي؟ أبَهِ جِنَّةٌ؟ وهذا إجماعٌ أنَّ المَجنونَ المَعتوهَ لا حَدَّ عليهِ والقَلمَ عنه مَرفوعٌ (٢).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: إقرارُ المَجنونِ باطلٌ، وأنَّ الحُدودَ لا تَجبُ عليهِ، وهذا كله مُجمَعٌ عليهِ (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أما البُلوغُ والعَقلُ فلا خِلافَ في اعتِبارِهما في وُجوبِ الحدِّ وصحَّةِ الإقرارِ؛ لأنَّ الصبيَّ والمَجنونَ قد رُفعَ القلمُ عنهُما ولا حُكمَ لكَلامِهما، وقد رُويَ عن عليٍّ ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «رُفعَ القَلمُ عن ثَلاثةٍ: عن النائمِ حتَّى يَستيقظَ، وعن الصبيِّ حتى يَحتلِمَ، وعن المَجنونِ حتَّى يَعقِلَ» (٤) رواهُ أبو داودَ والتِّرمذيُّ وقالَ: حَديثٌ حسَنٌ، وفي حَديثِ ابنِ عبَّاسٍ في قِصةِ ماعزٍ «أنَّ النبيَّ ﷺ سألَ قَومَه: أمَجنونٌ هو؟ قالُوا: ليسَ به بأسٌ» (٥).
стр. 13611
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: أما ما يَرجعُ إلى السارقِ فأهلِيةُ وُجوبِ القَطعِ، وهي العَقلُ والبُلوغُ، فلا يُقطَعُ الصبيُّ والمَجنونُ؛ لمَا رُويَ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «رُفعَ القَلمُ عن ثلاثةٍ: عن الصبيِّ حتى يَحتلِمَ، وعن المَجنونِ حتَّى يَفيقَ، وعن النائمِ حتى يَستيقِظَ»، أخبَرَ ﵊ أنَّ القَلمَ مَرفوعٌ عنهُما، وفي إيجابِ القَطعِ إجراءُ القَلمِ عليهِما، وهذا خِلافُ النصِّ، ولأنَّ القَطعَ عُقوبةٌ فيَستدعِي جِنايةً، وفِعلُهما لا يُوصَفُ بالجِناياتِ، ولهذا لم يَجبْ عليهِما سائرُ الحُدودِ، كذا هذا.
ويَضمنانِ السَّرقةَ؛ لأنَّ الجِنايةَ ليسَتْ بشَرطٍ لوُجوبِ ضَمانِ المالِ.
وإنْ كانَ السارقُ يُجَنُّ مدَّةً ويَفيقُ أخرى فإنْ سرَقَ في حالِ جُنونِه لم يُقطَعْ، وإنْ سرَقَ في حالِ الإفاقةِ يُقطَعُ.
ولو سرَقَ جَماعةٌ فيهم صبيٌّ أو مَجنونٌ يُدرأُ عنهم القَطعُ في قولِ أبي حَنيفةَ وزُفرَ -رحمهما الله-.
وقالَ أبو يُوسفَ ﵀: إنْ كانَ الصبيُّ والمَجنونُ هو الذي تَولَّى إخراجَ المَتاعِ دُرئَ عنهم جَميعًا، وإنْ كانَ وَلِيَه غَيرُهما قُطِعوا جَميعًا إلا الصبيَّ والمَجنونَ.
وجهُ قولِه أنَّ الإخراجَ مِنْ الحِرزِ هو الأصلُ في السرقةِ والإعانةَ كالتابعِ، فإذا وَلِيَه الصبيُّ أو المَجنونُ فقدْ أتَى بالأصلِ، فإذا لم يَجبِ القطعُ بالأصلِ كيفَ يَجبُ بالتابعِ؟ فإذا وَلِيَه بالغٌ عاقلٌ فقدْ حصَلَ الأصلُ منه، فسُقوطُه عن التَّبَعِ لا يُوجِبُ سُقوطَه عن الأصلِ.
стр. 13612
وجهُ قولِ أبي حَنيفةَ وزُفرَ -رحمهما الله- أنَّ السَّرقةَ واحدةٌ وقد حصَلَتْ ممَّن يَجبُ عليه القَطعُ وممَّن لا يَجبُ عليهِ القطعُ، فلا يَجبُ القطعُ على أحَدٍ، كالعامِدِ مع الخاطِئِ إذا اشتَركَا في القطعِ أو في القَتلِ.
وقولُه: «الإخراجُ أصلٌ في السرقةِ» مُسلَّمٌ، لكنَّه حصَلَ مِنْ الكُلِّ معنًى؛ لاتِّحادِ الكلِّ في معنَى التعاونِ على ما بيَّنَّا فيما تقدَّمَ، فكانَ إخراجُ غيرِ الصبيِّ والمَجنونِ كإخراجِ الصبيِّ والمَجنونِ ضَرورةَ الاتِّحادِ.
وعلى هذا الخلاف إذا كانَ فيهم ذُو رَحمٍ مُحرَّمٍ مِنْ المسروقِ منهُ أنه لا قطْعَ على أحَدٍ عندَ أبي حَنيفةَ، وعندَ أبي يُوسفَ يُدرأُ عن ذي الرَّحمِ المُحرَّمِ ويَجبُ على الأجنَبيِّ، ولا خلافَ في أنه إذا كانَ فيهم شَريكُ المَسروقِ منه أنه لا قطْعَ على أحَدٍ (١).
الاختِيارُ: (عَدمُ الإكراهِ على السَّرقةِ):
اختَلفَ الفُقهاءُ في الإنسانِ إذا أُكرِهَ على السرقةِ، هل يُقامُ عليهِ الحَدُّ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا يُقامُ عليه حَدُّ السرقةِ؛ لعُمومِ قولِ النبيِّ ﷺ : «إنَّ اللهَ وضَعَ عن أمَّتي الخطَأَ والنِّسيانَ وما استُكرِهُوا عليهِ» (٢).
стр. 13613
قالَ المالِكيةُ: القَطعُ يَسقطُ بالإكراهِ مُطلَقًا ولو كانَ بضَربٍ أو سجنٍ؛ لأنه شُبهةٌ تَدرأُ الحدَّ، وأما الإقدامُ على السرقةِ أو على الغَصبِ فلا يَنفعُ فيه الإكراهُ ولو بخَوفِ القَتلِ، قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: صرَّحَ به ابنُ رُشدٍ وحكَى عليهِ الإجماعَ، وكذا صرَّحَ به في «مُعِين الحُكَّام» ونقلَ ذلكَ عَنْ ح في بابِ الطَّلاقِ، خِلافًا لِمَا ذكَرَه عبق هُنا مِنْ جَوازِ القُدومِ عليها إذا كانَ الإكراهُ بخَوفِ القَتلِ، انظُر بن.
وأمَّا الإكراهُ على أنْ يُقِرَّ بأنه سرَقَ فيكونُ بالقَتلِ والضربِ والسجنِ والقَيدِ، فإذا خُوِّفَ بشيءٍ مِنْ ذلكَ فأقَرَّ بها فلا تَلزمُه السرقةُ (١).
وذهَبَ الإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنه يُقطَعُ ولو أُكرهَ على السرقةِ (٢).
ولم يَذكرْ فُقهاءُ الحَنفيةِ مِنْ شُروطِ السارقِ عدَمَ الإكراهِ.
سَرقةُ السَّكرانِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في السَّكرانِ إذا سرَقَ في حالِ سُكرِه، هل يُؤاخَذُ بسَرقتِه وتُقطَعُ يَدُه أم لا؟
стр. 13614
فهذا لا يَخلُو مِنْ حالتَينِ:
الحالةُ الأُولى: إذا سَكِرَ بمُباحٍ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ الإنسانَ إذا سَكِرَ بمُباحٍ أنه لا قطْعَ عليهِ وحُكمُه حُكمُ المَجنونِ.
الحالةُ الثانيةُ: إذا سَكِرَ بمُحرَّمٍ:
نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ السَّكرانَ بمُحرَّمٍ إذا سرَقَ في حالِ سُكرِه أنه يُقامُ عليهِ الحَدُّ، لكنْ يُنتَظرُ صَحوُه.
وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في وَجهٍ إلى أنه لا يُقطَعُ، وهو على نَفسِ الخِلافِ السابقِ في طَلاقِ السَّكرانِ وغيرِه (١).
الشَّرطُ الثَّاني: أنْ يَكونَ السَّارقُ مُلتزِمًا لأحكامِ الإسلامِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على إقامةِ الحَدِّ على الذمِّيِّ إذا سرَقَ؛ لأنه مُلتزِمٌ بأحكامِ الإسلامِ، وهذا إذا سرَقَ مِنْ مُسلِمٍ اتِّفاقًا، قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: إجماعُهُم على أنَّ الذمِّيَّ إذا سرَقَ قُطِعتْ يَدُه (٢).
стр. 13615
وقالَ أيضًا: وأما السارقُ الذي يَجبُ عليه حَدُّ السَّرقةُ فإنهُم اتَّفقُوا على أنَّ مِنْ شَرطِه أنْ يكونَ مُكلَّفًا، وسَواءٌ أكانَ حُرًّا أو عبدًا، ذكَرًا أو أُنثى، مُسلِمًا أو ذِميًّا (١).
وقالَ الجَصاصُّ ﵀: ولم يَختلفُوا أنَّ الذِّميَّ يُقطَعُ في السرقةِ (٢).
واتَّفقُوا على عَدمِ إقامةِ الحَدِّ على الكافِرِ الحَربيِّ؛ لعَدمِ التِزامِه أحكامَ الإسلامِ.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا في عِدَّةِ مَسائلَ:
المَسألةُ الأُولى: إذا سرَقَ المُسلمُ مِنْ الذمِّيِّ، هل تُقطَعُ يَدهُ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَشهورِ مِنْ المَذهبِ والحَنابلةُ إلى أنه يُقطَعُ بسَرقتِه مِنْ مالِ الذِّميِّ؛ لأنه مَعصومٌ بذِمتِه.
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويُقطَعُ المُسلمُ بسَرقةِ مالِ المُسلمِ والذِّميِّ، ويُقطَعُ الذميُّ بسَرقةِ مالِهما، وبه قالَ الشافِعيُّ وأصحابُ الرأيِ، ولا نَعلمُ فيه مُخالِفًا (٣).
وقالَ ابنُ مُفلحٍ ﵀: ويُقطَعُ المُسلمُ بالسَّرقةِ مِنْ مالِ الذِّميِّ بغَيرِ خلافٍ نَعلمُه؛ لأنَّ مالَه صارَ مَعصومًا بأداءِ الجِزيةِ، فوجَبَ القطعُ بسَرقتِه كمالِ المُسلمِ (٤).
стр. 13616
وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّ المُسلمَ لا يُقطَعُ بسَرقتِه لِمالِ الذِّميِّ كما لا يُقتَلُ به (١).
المَسألةُ الثانيةُ: إذا سرَقَ الذِّميُّ مِنْ الذميِّ هل تُقطَعُ يَدُه؟
فذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنه يُقطَعُ؛ لالتزامِه الأحكامَ، وسواءٌ أرَضِيَ بحُكمِنا أم لا.
وفي قَولٍ: لا يُقطَعُ حتى يَترافَعُوا إلينا (٢).
قالَ أبو عُمرَ ابنُ عَبدِ البرِّ ﵀: إذا سَرقَ الذِّميُّ مِنْ ذِميٍّ ولم يَترافعُوا إلينا فلا يعرضُ لهُم عِندَنا، وإنْ تَرافَعوا إلينا حكَمْنا بحُكمِ اللهِ فيهم؛ لأنَّ هذا مِنْ تَظالُمِهم الذي يَجبُ علينا المَنعُ منه إذا رُفعَ إلينا، وإذا سرَقَ ذِميٌّ مِنْ مُسلمٍ كانَ الحُكمُ حِينئذٍ إلينا، فوجَبَ القطعُ، والحَديثُ المَشهورُ يَدلُّ على أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ إنما رجَمَ اليَهوديَينِ لأنهم تَحاكَموا إليهِ (٣).
المَسألةُ الثالِثةُ: إذا سرَقَ المُستأمنُ الحَربيُّ مِنْ مُسلمٍ أو ذِميٍّ هل تُقطَعُ يَدهُ؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في المُعاهدِ أو الحَربيِّ المُستأمنِ إذا دخَلَ بأمانٍ وسرَقَ مِنْ مالِ مُسلمٍ أو ذِميٍّ، هل تُقطَعُ يَدُه أم لا؟
стр. 13617
فذهَبَ المالِكيةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يُقطَعُ إنْ سرَقَ، حتى لو مِنْ مُعاهدٍ مثلِه كما نَصَّ عليهِ المالِكيةُ، كحَدِّ القَذفِ والقِصاصِ؛ لأنَّ السرقةَ مِنْ الفَسادِ في الأرضِ، والحَقُّ في القَطعِ للهِ تعالى، فلا يُستثنَى أحَدٌ.
ولأنه حَدٌّ يُطالَبُ به، فوجَبَ عليه كحَدِّ القَذفِ، يُحقِّقُه أنَّ القَطعَ يَجبُ صِيانةً للأموالِ، وحَدُّ القَذفِ يَجبُ صيانةً للأعراضِ، فإذا وجَبَ في حقِّه أحَدُهما وجَبَ الآخَرُ (١).
وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ والشافِعيةُ في أظهَرِ الأقوالِ وأشهَبُ مِنْ المالِكيةِ وابنُ حامدٍ مِنْ الحَنابلةِ إلى أنه لا يُقطَعُ؛ لأنه لم يَلتزمْ، فأشبَهَ الحَربيَّ، ولأنه أخَذَه على اعتقادِ الإباحةِ، ولذا لم يَلتزمْ أحكامَ الإسلامِ، ولأنه حَدٌّ للهِ تعالَى، فلا يُقامُ عليه كحَدِّ الزنا (٢).
стр. 13618
وذهَبَ الشافِعيةُ في أحسَنِ الأقوالِ عندَهم إلى أنه إنْ شُرطَ عليهِ في العهدِ قَطعُه إنْ سرَقَ قُطِعَ، وإلا فلا.
ولا خِلافَ أنه يُستردُّ المَسروقُ أو بَدلُه إنْ تَلفَ (١).
المَسألةُ الرابِعةُ: هل يُقطَعُ المُسلمُ أو الذِّميُّ إذا سرَقَ مِنْ المُعاهدِ والمُستأمنِ؟
ذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الأظهَرِ وأشهَبُ مِنْ المالِكيةِ إلى أنه لا يُقطَعُ به (٢).
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وأمَّا مالُ الحَربيِّ المُستأمنِ في دارِ الإسلامِ فلا قطْعَ فيهِ استِحسانًا، والقياسُ أنْ يُقطَعَ.
وَجهُ القِياسِ أنه سرَقَ مالًا مَعصومًا؛ لأنَّ الحَربيَّ استَفادَ العِصمةِ بالأمانِ بمَنزلةِ الذِّميِّ، ولهذا كان مَضمونًا بالإتلافِ كمالِ الذِّميِّ.
وَجهُ الاستِحسانِ أنَّ هذا مالٌ فيه شُبهةُ الإباحةِ؛ لأنَّ الحَربيَّ المُستأمنَ مِنْ أهلِ دارِ الحَربِ، وإنما دخَلَ دارَ الإسلامِ ليَقضيَ بعضَ حَوائجِه ثمَّ يَعودَ عن قَريبٍ، فكَونُه مِنْ أهلِ دارِ الحَربِ يُورثُ شُبهةَ الإباحةِ في مالِه، ولهذا أورَثَ شُبهةَ الإباحةِ في دَمِه حتَّى لا يُقتَلُ به المِؤمِنُ قِصاصًا، ولأنه
стр. 13619
كانَ مُباحًا، وإنَّما تَثبتُ العِصمةُ بعارِضِ أمانٍ هو على شَرفِ الزَّوالِ، فعندَ الزَّوالِ يَظهرُ أنَّ العِصمةَ لم تَكنْ على الأصلِ المَعهودِ؛ لأنَّ كلَّ عارضٍ على أصلٍ إذا زالَ يُلحقُ بالعدمِ مِنْ الأصلِ، كأنه لم يَكنْ، فيُجعَلُ كأنَّ العِصمةَ لم تَكنْ ثابتةً، بخِلافِ الذِّميِّ؛ لأنه مِنْ أهلِ دارِ الإسلامِ، وقد استَفادَ العِصمةَ بأمانٍ مُؤبَّدٍ، فكانَ مَعصومَ الدمِ والمالِ عِصمةً مُطلَقةً ليس فيها شُبهةُ الإباحةِ، وبخِلافِ ضَمانِ المالِ؛ لأنَّ الشُّبهةَ لا تَمنعُ وُجوبَ ضَمانِ المالِ؛ لأنه حَقُّ العبدِ، وحُقوقُ العِبادِ لا تَسقطُ بالشُّبهاتِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنه إنْ شُرِطَ عليه في العهدِ قُطِعَ، وإلا فلا (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ إلى أنَّ المُسلمَ يُقطَعُ بسَرقةِ مالِ المُعاهدِ؛ لأنه سرَقَ مالًا مَعصومًا مِنْ حِرزِ مِثلِه، فوجَبَ قَطعُه كسارقِ مالِ الذِّميِّ (٣).
الشَّرطُ الثالثُ: العِلمِ بتَحريمِ السَّرقةِ:
نَصَّ الشافِعيةُ والحَنابلةُ -وهو مُقتضَى كَلامِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ- على أنَّ مِنْ شُروطِ قَطعِ يَدِ السارقِ أنْ يكونَ عالِمًا بتَحريمِ السَّرقةِ؛ لأنَّ عَدمَ
стр. 13620
العِلمِ بذلكَ شُبهةٌ، والحَدُّ يُدرأُ بالشبهةِ حَسبَ الاستِطاعةِ، ولِمَا رُويَ عن عُمرَ وعُثمانَ وعليٍّ ﵃: «لا حَدَّ إلا على مَنْ عَلِمَه»، لكنْ لا تُقبَلُ دَعوَى مَنْ ادَّعَى الجَهلَ بالتحريمِ ممَّن نشَأَ بينَ المُسلمينَ (١).
وقد تَقدَّمَ بَيانُ ذلك في كتابِ الزنا مُستَوفَيًا في الشَّرطِ الثالثِ.
الشَّرطُ الرابعُ: قَصدُ السَّرقةِ:
نَصَّ فُقهاءُ المالِكيةِ والشافِعيةِ -وهو مُقتضَى كلامِ الحَنفيةِ والحَنابلةِ- على أنه يُشترطُ لقَطعِ يَدِ السارقِ أنْ يكونَ قاصِدًا للسرقةِ وأنَّ ما أخَذَه ليسَ لهُ وإنما هو مالٌ مَملوكٌ لغيرِه أخَذَه منهُ دُونَ عِلمِ مالكِه وإرادتِه، فلا قطْعَ على مَنْ أخَذَ مالًا وهو يَظنُّ أنه مُباحٌ أو مَتروكٌ (٢).
الشَّرطُ الخامِسُ: عَدمُ الإضرارِ إلى المسروقِ (السَّرقةُ في عامِ المجاعةِ):
نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ -على تَفصيلٍ عندَهم- والحَنابلةُ على أنَّ مِنْ شُروطِ قَطعِ يَدِ السارقِ أنْ لا يَكونَ مُضطرًّا للسرقةِ مِنْ جُوعٍ.
قالَ ابنُ جُزيٍّ ﵀: أنْ لا يُضطرَّ إلى السرقةِ مِنْ جُوعٍ (٣).
وقالَ الحَنفيةُ: لا قطْعَ عندَ الضَّرورةِ، ولا في عامِ السَّنةِ -وهي زَمانُ القَحطِ-؛ لأنَّ الضَّرورةَ تُبيحُ التَّناولَ مِنْ مالِ الغيرِ بقَدرِ الحاجَةِ، فيَمنعُ