وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّ المُسلمَ لا يُقطَعُ بسَرقتِه لِمالِ الذِّميِّ كما لا يُقتَلُ به (١).
المَسألةُ الثانيةُ: إذا سرَقَ الذِّميُّ مِنْ الذميِّ هل تُقطَعُ يَدُه؟
فذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنه يُقطَعُ؛ لالتزامِه الأحكامَ، وسواءٌ أرَضِيَ بحُكمِنا أم لا.
وفي قَولٍ: لا يُقطَعُ حتى يَترافَعُوا إلينا (٢).
قالَ أبو عُمرَ ابنُ عَبدِ البرِّ ﵀: إذا سَرقَ الذِّميُّ مِنْ ذِميٍّ ولم يَترافعُوا إلينا فلا يعرضُ لهُم عِندَنا، وإنْ تَرافَعوا إلينا حكَمْنا بحُكمِ اللهِ فيهم؛ لأنَّ هذا مِنْ تَظالُمِهم الذي يَجبُ علينا المَنعُ منه إذا رُفعَ إلينا، وإذا سرَقَ ذِميٌّ مِنْ مُسلمٍ كانَ الحُكمُ حِينئذٍ إلينا، فوجَبَ القطعُ، والحَديثُ المَشهورُ يَدلُّ على أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ إنما رجَمَ اليَهوديَينِ لأنهم تَحاكَموا إليهِ (٣).
المَسألةُ الثالِثةُ: إذا سرَقَ المُستأمنُ الحَربيُّ مِنْ مُسلمٍ أو ذِميٍّ هل تُقطَعُ يَدهُ؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في المُعاهدِ أو الحَربيِّ المُستأمنِ إذا دخَلَ بأمانٍ وسرَقَ مِنْ مالِ مُسلمٍ أو ذِميٍّ، هل تُقطَعُ يَدُه أم لا؟
стр. 13617
فذهَبَ المالِكيةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يُقطَعُ إنْ سرَقَ، حتى لو مِنْ مُعاهدٍ مثلِه كما نَصَّ عليهِ المالِكيةُ، كحَدِّ القَذفِ والقِصاصِ؛ لأنَّ السرقةَ مِنْ الفَسادِ في الأرضِ، والحَقُّ في القَطعِ للهِ تعالى، فلا يُستثنَى أحَدٌ.
ولأنه حَدٌّ يُطالَبُ به، فوجَبَ عليه كحَدِّ القَذفِ، يُحقِّقُه أنَّ القَطعَ يَجبُ صِيانةً للأموالِ، وحَدُّ القَذفِ يَجبُ صيانةً للأعراضِ، فإذا وجَبَ في حقِّه أحَدُهما وجَبَ الآخَرُ (١).
وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ والشافِعيةُ في أظهَرِ الأقوالِ وأشهَبُ مِنْ المالِكيةِ وابنُ حامدٍ مِنْ الحَنابلةِ إلى أنه لا يُقطَعُ؛ لأنه لم يَلتزمْ، فأشبَهَ الحَربيَّ، ولأنه أخَذَه على اعتقادِ الإباحةِ، ولذا لم يَلتزمْ أحكامَ الإسلامِ، ولأنه حَدٌّ للهِ تعالَى، فلا يُقامُ عليه كحَدِّ الزنا (٢).
стр. 13618
وذهَبَ الشافِعيةُ في أحسَنِ الأقوالِ عندَهم إلى أنه إنْ شُرطَ عليهِ في العهدِ قَطعُه إنْ سرَقَ قُطِعَ، وإلا فلا.
ولا خِلافَ أنه يُستردُّ المَسروقُ أو بَدلُه إنْ تَلفَ (١).
المَسألةُ الرابِعةُ: هل يُقطَعُ المُسلمُ أو الذِّميُّ إذا سرَقَ مِنْ المُعاهدِ والمُستأمنِ؟
ذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الأظهَرِ وأشهَبُ مِنْ المالِكيةِ إلى أنه لا يُقطَعُ به (٢).
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وأمَّا مالُ الحَربيِّ المُستأمنِ في دارِ الإسلامِ فلا قطْعَ فيهِ استِحسانًا، والقياسُ أنْ يُقطَعَ.
وَجهُ القِياسِ أنه سرَقَ مالًا مَعصومًا؛ لأنَّ الحَربيَّ استَفادَ العِصمةِ بالأمانِ بمَنزلةِ الذِّميِّ، ولهذا كان مَضمونًا بالإتلافِ كمالِ الذِّميِّ.
وَجهُ الاستِحسانِ أنَّ هذا مالٌ فيه شُبهةُ الإباحةِ؛ لأنَّ الحَربيَّ المُستأمنَ مِنْ أهلِ دارِ الحَربِ، وإنما دخَلَ دارَ الإسلامِ ليَقضيَ بعضَ حَوائجِه ثمَّ يَعودَ عن قَريبٍ، فكَونُه مِنْ أهلِ دارِ الحَربِ يُورثُ شُبهةَ الإباحةِ في مالِه، ولهذا أورَثَ شُبهةَ الإباحةِ في دَمِه حتَّى لا يُقتَلُ به المِؤمِنُ قِصاصًا، ولأنه
стр. 13619
كانَ مُباحًا، وإنَّما تَثبتُ العِصمةُ بعارِضِ أمانٍ هو على شَرفِ الزَّوالِ، فعندَ الزَّوالِ يَظهرُ أنَّ العِصمةَ لم تَكنْ على الأصلِ المَعهودِ؛ لأنَّ كلَّ عارضٍ على أصلٍ إذا زالَ يُلحقُ بالعدمِ مِنْ الأصلِ، كأنه لم يَكنْ، فيُجعَلُ كأنَّ العِصمةَ لم تَكنْ ثابتةً، بخِلافِ الذِّميِّ؛ لأنه مِنْ أهلِ دارِ الإسلامِ، وقد استَفادَ العِصمةَ بأمانٍ مُؤبَّدٍ، فكانَ مَعصومَ الدمِ والمالِ عِصمةً مُطلَقةً ليس فيها شُبهةُ الإباحةِ، وبخِلافِ ضَمانِ المالِ؛ لأنَّ الشُّبهةَ لا تَمنعُ وُجوبَ ضَمانِ المالِ؛ لأنه حَقُّ العبدِ، وحُقوقُ العِبادِ لا تَسقطُ بالشُّبهاتِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنه إنْ شُرِطَ عليه في العهدِ قُطِعَ، وإلا فلا (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ إلى أنَّ المُسلمَ يُقطَعُ بسَرقةِ مالِ المُعاهدِ؛ لأنه سرَقَ مالًا مَعصومًا مِنْ حِرزِ مِثلِه، فوجَبَ قَطعُه كسارقِ مالِ الذِّميِّ (٣).
الشَّرطُ الثالثُ: العِلمِ بتَحريمِ السَّرقةِ:
نَصَّ الشافِعيةُ والحَنابلةُ -وهو مُقتضَى كَلامِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ- على أنَّ مِنْ شُروطِ قَطعِ يَدِ السارقِ أنْ يكونَ عالِمًا بتَحريمِ السَّرقةِ؛ لأنَّ عَدمَ
стр. 13620
العِلمِ بذلكَ شُبهةٌ، والحَدُّ يُدرأُ بالشبهةِ حَسبَ الاستِطاعةِ، ولِمَا رُويَ عن عُمرَ وعُثمانَ وعليٍّ ﵃: «لا حَدَّ إلا على مَنْ عَلِمَه»، لكنْ لا تُقبَلُ دَعوَى مَنْ ادَّعَى الجَهلَ بالتحريمِ ممَّن نشَأَ بينَ المُسلمينَ (١).
وقد تَقدَّمَ بَيانُ ذلك في كتابِ الزنا مُستَوفَيًا في الشَّرطِ الثالثِ.
الشَّرطُ الرابعُ: قَصدُ السَّرقةِ:
نَصَّ فُقهاءُ المالِكيةِ والشافِعيةِ -وهو مُقتضَى كلامِ الحَنفيةِ والحَنابلةِ- على أنه يُشترطُ لقَطعِ يَدِ السارقِ أنْ يكونَ قاصِدًا للسرقةِ وأنَّ ما أخَذَه ليسَ لهُ وإنما هو مالٌ مَملوكٌ لغيرِه أخَذَه منهُ دُونَ عِلمِ مالكِه وإرادتِه، فلا قطْعَ على مَنْ أخَذَ مالًا وهو يَظنُّ أنه مُباحٌ أو مَتروكٌ (٢).
الشَّرطُ الخامِسُ: عَدمُ الإضرارِ إلى المسروقِ (السَّرقةُ في عامِ المجاعةِ):
نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ -على تَفصيلٍ عندَهم- والحَنابلةُ على أنَّ مِنْ شُروطِ قَطعِ يَدِ السارقِ أنْ لا يَكونَ مُضطرًّا للسرقةِ مِنْ جُوعٍ.
قالَ ابنُ جُزيٍّ ﵀: أنْ لا يُضطرَّ إلى السرقةِ مِنْ جُوعٍ (٣).
وقالَ الحَنفيةُ: لا قطْعَ عندَ الضَّرورةِ، ولا في عامِ السَّنةِ -وهي زَمانُ القَحطِ-؛ لأنَّ الضَّرورةَ تُبيحُ التَّناولَ مِنْ مالِ الغيرِ بقَدرِ الحاجَةِ، فيَمنعُ
стр. 13621
ذلكَ وُجوبَ القَطعِ، ولِما رُويَ عن مَكحولٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «لا قَطْعَ في مَجاعةِ مُضطرٍّ».
وذكرَ عن الحسَنِ عن رَجلٍ قالَ: «رأيتُ رَجلينِ مَكتوفينِ ولَحمًا فذَهبْتُ معهُم إلى عُمرَ ﵁ فقالَ صاحِبُ اللحمِ: كانَتْ لنا ناقةٌ عُشراءُ نَنتظرُها كما يُنتظَرُ الرَّبيعُ، فوجَدْتُ هذَينِ قد اجتَزَراها، فقالَ عُمرُ ﵁: هل يُرضِيكَ مِنْ ناقتِكَ ناقَتانِ عُشراوانِ مُربِعتانِ؟ فإنَّا لا نَقطعُ في العِذْقِ ولا في عامِ السَّنةِ، وكانَ ذلكَ في عامِ السَّنةِ».
والعُشراءُ: هي الحامِلُ التي أتَى عليها عَشرةُ أشهُرٍ وقَرُبَ وِلادتُها، فهي أعَزُّ ما يكونُ عندَ أهلِها، يَنتظِرونَ الخِصبَ والسَّعةَ بلَبنِها كما يَنتظِرونَ الرَّبيعَ.
وقولُه: «فإنَّا لا نَقطعُ في العِذقِ» مِنهم مَنْ يَروي: «في العِرقِ» وهو اللَّحمُ، والأشهَرُ العِذقُ، وهو الكِبَاسةُ، ومَعناهُ: لا قطْعَ في عامِ السَّنةِ للضَّرورةِ والمَخمصةِ (١).
أمَّا الشافِعيةُ فقالوا: وإنْ سرَقَ سارقٌ الطعامَ عامَ المَجاعةِ .. نُظرَ: فإنْ كانَ الطَّعامُ مَوجودًا وإنما هو غالٍ .. وجَبَ عليهِ القَطعُ؛ لأنه إذا كانَ مَوجودًا .. فليسَ لأحَدٍ أخذُه بغَيرِ إذنِ مالكِه، فهو كالطَّعامِ في غيرِ المَجاعةِ.
стр. 13622
وإنْ كانَ الطعامُ غيرَ مَوجودٍ .. فلا قطْعَ على مَنْ سرَقَه لِيَأكلَه؛ لِما رُويَ عن عُمرَ ﵁ أنه قالَ: «لا قَطْعَ في عامِ المَجاعةِ»، ورُويَ عنه أنه قالَ: «لا قَطْعَ في عامِ السَّنةِ»، وعامُ القَحطِ يُسمَّى السَّنةَ.
ورُويَ عن مَروانَ أنه أُتِيَ بسارقٍ فلمْ يَقطعْه، وقالَ: «أراهُ مُضطرًّا إليهِ»، ولأنَّ مَنْ اضْطرَّ إلى طَعامِ غيرِه .. فله أنْ يأخُذَه ويُقاتِلَ صاحِبَه، وهذا السارقُ مُضطرٌّ إليه، فلمْ يُقطَعْ بسَرقتِه (١).
قالَ الشيخُ زَكريَّا الأنصاريُّ ﵀: ويُقطَعُ بالطَّعامِ -أي بسَرقتِه- في زَمنِ المَجاعةِ إنْ وُجِدَ ولو عَزيزًا بثَمنٍ غالٍ وهو واجِدٌ لهُ، لا إنْ عَزَّ -أي: قَلَّ وُجودُه- ولم يَقدرْ هو عليهِ فلا يُقطَعُ؛ لأنه كالمُضطرِّ، وعليه يُحمَلُ ما جاءَ عن عُمرَ ﵁: «لا قطْعَ في عامِ المَجاعةِ»، سواءٌ أخَذَ بقَدرِ حاجتِهِ أم أكثَرَ؛ لأنَّ له هتْكَ الحِرزِ لإحياءِ نَفسِه، صرَّحَ به الرُّويانِيُّ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: قالَ أحمَدُ: لا قطْعَ في المَجاعةِ، يعني أنَّ المُحتاجَ إذا سرَقَ ما يأكلُه فلا قطْعَ عليهِ؛ لأنه كالمُضطرِّ.
ورَوى الجوزَجانِيُّ عن عُمرَ أنه قالَ: «لا قَطْعَ في عامِ سَنةٍ»، وقالَ: سألْتُ أحمدَ عنهُ فقُلتُ: تَقولُ بهِ؟ قالَ: إِي لعَمرِي، لا أقطَعُه إذا حمَلَتْه الحاجةُ والناسُ في شِدةٍ ومَجاعةٍ، وعن الأوزاعيِّ مثلُ ذلكَ، وهذا مَحمولٌ على مَنْ لا يَجدُ ما يَشتريهِ أو لا يَجدُ ما يَشتري به، فإنَّ له شُبهةً في أخذِ ما
стр. 13623
يَأكلُه أو ما يَشترِي به ما يَأكلُه، وقد رُويَ عن عُمرَ ﵁ «أنَّ غِلمانَ حاطِبِ بنِ أبي بَلتعةَ انتَحَرُوا ناقةً للمُزَنِيِّ، فأمَرَ عُمرُ بقَطعِهم ثمَّ قالَ لحاطبٍ: إني أراكَ تُجيعُهم، فدرَأَ عنهُم القَطْعَ لمَّا ظنَّه يُجيعُهم».
فأمَّا الواجدُ لِمَا يأكلُه أو الواجدُ لِما يَشتري به وما يَشتريهِ فعَليهِ القطعُ وإنْ كانَ بالثَّمنِ الغالي، ذكَرَه القاضي، وهو مَذهبُ الشافِعيِّ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: المِثالُ الثالثُ: «أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ ﵁ أسقَطَ القَطْعَ عن السارقِ في عامِ المَجاعةِ»، قالَ السَّعديُّ: حدَّثَنا هارونُ بنُ إسماعيلَ الخزَّازُ ثَنا عليُّ بنُ المُبارَكِ ثنا يحيَى بنُ أبي كثيرٍ حدَّثَني حسَّانُ بنُ زاهِرٍ أنَّ ابنَ حُديرٍ حدَّثَه عن عُمرَ قالَ: «لا تُقطَعُ اليدُ في عِذْقٍ ولا عامِ سَنةٍ».
قالَ السَّعديُّ: سألتُ أحمدَ بنَ حَنبلٍ عن هذا الحَديثِ فقالَ: العِذْقُ النَّخلةُ، وعَامُ سَنةٍ: المَجاعةُ، فقُلتُ لأحمَدَ: تَقولُ به؟ فقالَ: إِي لعَمرِي، قُلتُ: إنْ سرَقَ في مَجاعةٍ لا تَقطعُه؟ فقالَ: لا، إذا حمَلَتْه الحاجةُ على ذلكَ والناسُ في مَجاعةٍ وشدَّةٍ.
قالَ السَّعديُّ: وهذا على نحوِ قَضيةِ عُمرَ في غِلمانِ حاطِبٍ، ثنَا أبو النُّعمانِ عارِمٌ ثَنا حمَّادُ بنُ سَلمةَ عن هشامِ بنِ عُروةَ عن أبيه عن ابنِ حاطبٍ «أنَّ غِلْمةً لحاطِبِ بنِ أبي بَلتعةَ سَرَقوا ناقةً لرَجلٍ مِنْ مُزَينةَ، فأتَى بهم عُمر فأقَرُّوا، فأرسَلَ إلى عبدِ الرَّحمنِ بنِ حاطبٍ فجاءَ فقالَ لهُ: إنَّ غِلمانَ
стр. 13624
حاطبٍ سَرَقوا ناقةَ رَجلٍ مِنْ مُزينةَ وأقَرُّوا على أنفُسِهم، فقالَ عُمرُ: يا كَثيرُ ابنُ الصَّلتِ اذهَبْ فاقطَعْ أيدِيَهُم، فلمَّا ولَّى بهم رَدَّهم عُمرُ ثمَّ قالَ: أمَا واللهِ لَولا أني أعلَمُ أنَّكُم تَستعمِلونَهم وتُجيعُونَهم حتى إنَّ أحَدَهم لو أكَلَ ما حرَّمَ اللهُ عليهِ حَلَّ لهُ لَقطَعْتُ أيدِيَهم، وايمُ اللهِ إذا لم أفعَلْ لَأغرِّمَنَّكَ غَرامةً تُوجِعُكَ، ثم قالَ: يا مُزنِيُّ بكَم أريدَتْ مِنْكَ ناقتُكَ؟ قالَ: بأربعِ مائةٍ، قالَ عُمرُ: اذهَبْ فأعطِه ثمانِيَ مائةٍ» (١).
وذهَبَ أحمَدُ إلى مُوافَقةِ عُمرَ في الفَصلينِ جَميعًا في مَسائلِ إسماعيلَ بنِ سَعيدٍ الشالَنجيِّ التي شرَحَها السَّعديُّ بكتابٍ سمَّاهُ «المُتَرجم»، قالَ: سألْتُ أحمَدَ بنَ حَنبلٍ عن الرَّجلِ يَحملُ الثَّمرَ مِنْ أكمامِه، فقالَ: فيهِ الثَّمنُ مَرَّتينِ وضَربُ نَكالٍ، وقالَ: وكُلُّ مَنْ دَرأْنا عنه الحَدَّ والقَودَ أضعَفْنا عليه الغُرمَ.
وقد وافَقَ أحمدُ على سُقوطِ القطعِ في المَجاعةِ الأوزاعيَّ، وهذا مَحضُ القِياسِ ومُقتضَى قواعدِ الشَّرعِ؛ فإنَّ السَّنةَ إذا كانَتْ سَنةَ مَجاعةٍ وشدَّةٍ غلَبَ على الناسِ الحاجةُ والضَّرورةُ، فلا يَكادُ يَسلمُ السارقُ مِنْ ضَرورةٍ تَدعوهُ إلى ما يَسدُّ به رمَقَه، ويَجبُ على صاحبِ المالِ بَذلُ ذلكَ له، إما بالثَّمنِ أو مجَّانًا على الخلافِ في ذلكَ، والصَّحيحُ وُجوبُ بَذلِه مجَّانًا؛ لوُجوبِ المُواساةِ وإحياءِ النُّفوسِ مع القَدرةِ على ذلكَ والإيثارِ بالفَضلِ مع ضَرورةِ المُحتاجِ، وهذه شُبهةً قَويةٌ تَدرأُ القَطعَ عن المُحتاجِ، وهي أقوَى مِنْ كَثيرٍ مِنْ الشُّبَهِ التي يَذكرُها كثيرٌ مِنْ الفُقهاءِ، بل إذا وازَنْتَ
стр. 13625
بينَ هذهِ الشُّبهةِ وبينَ ما يَذكرونَه ظهَرَ لكَ التفاوتُ، فأينَ شُبهةُ كَونِ المَسروقِ ممَّا يسرعُ إليه الفَسادُ، وكونِ أصلِه على الإباحةِ كالماءِ، وشُبهةُ القَطعِ بهِ مرَّةً، وشُبهةُ دعوَى مِلكِه بلا بيِّنةٍ، وشُبهةُ إتلافِه في الحِرزِ بأكلٍ أو احتِلابٍ مِنْ الضَّرعِ، وشُبهةُ نُقصانِ ماليَّتِه في الحِرزِ بذَبحٍ أو تَحريقٍ ثمَّ إخراجِه، وغيرِ ذلكَ مِنْ الشُّبَهِ الضَّعيفةِ جدًّا إلى هذهِ الشُّبهةِ القويةِ؟ لا سِيَّما وهو مَأذونٌ له في مُغالَبةِ صاحبِ المالِ على أخذِ ما يَسدُّ رمَقَه.
وعامُ المَجاعةِ يَكثرُ فيه المَحاويجُ والمُضطرُّونَ، ولا يَتميزُ المُستغنِي منهم والسارقُ لغيرِ حاجةٍ مِنْ غيرِه، فاشتَبَه مَنْ يَجبُ عليه الحَدُّ بمَن لا يَجبُ عليهِ، فدُرئَ، نعمْ إذا بانَ أنَّ السارقَ لا حاجةَ به وهو مُستَغنٍ عن السرقةِ قُطعَ (١).
الشَّرطُ السادسُ: انتِفاءُ القَرابةِ بينَ السارقِ والمسروقِ منهُ:
السارقُ قد يَكونُ أصلًا للمَسروقِ منه، وقد يَكونُ فَرعًا للمَسروقِ منه، وقد تَكونُ بينَهُما صِلةُ قَرابةٍ أُخرى، وقد تكونُ بينَهُما رابطةُ زَوجيةٍ، ولكلِّ واحدٍ مِنْ هؤلاءِ حُكمُه، وبَيانُ ذلكَ فيما يلي:
أولًا: سَرقةُ الأصلِ مِنْ الفَرعِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنه لا قطْعَ على الوالدِ وإنْ عَلا إذا سرَقَ مِنْ مالِ وَلدِه وإنْ سفَلَ، وسواءٌ في ذلكَ الأبُ والأمُّ أو الجَدُّ والجَدةُ مِنْ قِبلِ الأبِ أو الأمِّ.
стр. 13626
قالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعَ الجُمهورُ أنه لا يُقطَعُ في ما سرَقَ مِنْ مالِ وَلدِه (١).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: لا قطْعَ على مَنْ سرَقَ مِنْ مالِ أحَدِ والدَيهِ وإنْ عَلَو مِنْ الآباءِ والأمَّهاتِ والأجدادِ والجدَّاتِ، ولا مِنْ مالِ أحَدٍ مِنْ مَولودِيهِ وإنْ سَفَلوا مِنْ البَنينَ والبَناتِ وبَني البنينَ وبَني البناتِ، وهو قولُ جُمهورِ الفُقهاءِ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: إجماعُهم على أنه لا يُقطَعُ فيما سرَقَ مِنْ مالِ وَلدِه (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقوا على أنه لا يُقطعُ الوالِدونَ وإنْ عَلَوا فيما سَرَقوه مِنْ مالِ أولادِهم (٤).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: الوالدُ لا يُقطَعُ بالسرقةِ مِنْ مالِ وَلدِه وإنْ سفَلَ، وسَواءٌ في ذلكَ الأبُ والأمُّ والابنُ والبِنتُ والجَدُّ والجَدةُ مِنْ قِبلِ الأبِ والأمِّ، وهذا قَولُ عامةِ أهلِ العلمِ، منهُم مالكٌ والثَّوريُّ والشافِعيُّ وأصحابُ الرأيِ (٥).
стр. 13627
واستَدلَّ الفُقهاءُ على ذلكَ بقولِ اللهِ تعالَى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣]، فكانَ بالقَطعِ أغلَظَ وبالنَّهيِ أحَقَّ.
وبقَولِ النبيِّ ﷺ : «أنتَ ومالُكَ لأبيكَ» (١)، وقولِ النبيِّ ﷺ : «إنَّ أطيَبَ ما أكَلَ الرَّجلُ مِنْ كَسبِه، وإنَّ ولَدَه مِنْ كَسبِه» (٢)، وفي لَفظٍ: «فكُلُوا مِنْ كَسبِ أولادِكُم»، ولا يَجوزُ قَطعُ الإنسانِ بأخذِ ما أمَرَ النبيُّ ﷺ بأخذِه، ولا أخذِه ما جعَلَه النبيُّ ﷺ مالًا له مُضافًا إليهِ.
ولأنَّ الحُدودَ تُدرأُ بالشبُهاتٍ، وأعظَمُ الشبُهاتِ أخذُ الرَّجلِ مِنْ مالٍ جعَلَه الشَّرعُ له وأمَرَه بأخذِه وأكلِه (٣).
ثانيًا: سَرقةُ الفَرعِ مِنْ الأصلِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الفَرعِ الابنِ وإنْ نزَلَ إذا سرَقَ مِنْ الأبِ وإنْ عَلا، هل يُقطَعُ به أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا يُقطَعُ الابنُ وإنْ نزَلَ إذا سَرقَ مِنْ أبيه وإنْ عَلا؛ لأنَّ لكلِّ واحدٍ مِنْ
стр. 13628
الوالِدِ والولدِ شُبهةً في مالِ الآخرِ؛ لوُجوبِ نَفقتِه فيه، ولأنَّ بوُجودِ البَعضيةِ بينَهُما يَجري مَجرَى نفسِه، فلمْ يُقطَعْ في حقِّ نفسِه، ولأنَّ ولَدَه أحَبُّ إليهِ وأعَزُّ عليهِ مِنْ مالِه، فعُدمَ فيه معنَى القَطعِ فسقَطَ عنهُ.
ولأنَّ بينَهُما قَرابةً تَمنعُ قَبولَ شهادةِ أحدِهما لصاحبِه، فلمْ يُقطَعْ بسَرقةِ مالِه كالأبِ، ولأنَّ النفقةَ تَجبُ في مالِ الأبِ لابنِه حِفظًا له، فلا يَجوزُ إتلافُه حِفظًا للمالِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ في قَولٍ وأبو ثَورٍ وابنُ المُنذِرِ إلى أنه يُقطَعُ؛ لأنَّ الابنَ لا شُبهةَ له في مالِ أبيه، بدَليلِ أنه لو زنَى بأمَتِه لَحُدَّ (٢).
ثالثًا: سَرقةُ الأقاربِ بعضِهم مِنْ بعضٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الأقاربِ كالإخوَةِ والأعمامِ والأخوالِ -أي ما سوَى الآباءِ والأبناءِ- إذا سرَقَ أحَدُهم مِنْ الآخَرِ، هل يُقامُ عليهِ حَدُّ السرقةِ وتُقطَعُ يَدُه أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ سَرقةَ الأقاربِ بعضِهم مِنْ بعضٍ ليسَتْ بشُبهةٍ تَدرأُ الحَدَّ عن السارقِ، فيُقطَعونَ إذا سَرقَ بعضُهم مِنْ بعضٍ، سواءٌ تَوارَثوا أو كانوا مَحارمَ أو لم يَكونُوا
стр. 13629
كالأجانبِ؛ لأنها قَرابةٌ لا يَتعلقُ بها رَدُّ الشهادةِ، فلمْ يَتعلقْ بها سُقوطُ القَطعِ كغيرِ المَحارمِ مِنْ الأقاربِ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه لا يُقطَعُ إذا سَرقَ مِنْ ذي رَحمٍ محرمٍ كالأخِ والعمِّ، وهو الذي لو كانَ أحَدُهما رَجلًا والآخرُ امرأةً لم يَجُزْ له أنْ يَتزوجَها مِنْ أجْلِ الرَّحمِ الذي بينَهُما؛ لقولِ اللهِ : ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور: ٦١]، فاللهُ تعالَى رفَعَ الجُناحَ على الداخلِ في بيتِ الأخوَةِ والأعمامِ والأكلِ منه، فظاهِرُ هذا يَقتضي الإباحةَ، والظاهرُ وإنْ تُرِكَ لِقيامِ الدليلِ يبقَى شُبهةً، ألَا ترَى أنه عطَفَ بيوتَ الأخوةِ والأعمامِ على بُيوتِ الآباءِ والأولادِ، وحُكمُ المَعطوفِ حُكمُ المَعطوفِ عليهِ.
وأما ذو الرَّحمِ غيرُ المَحرمِ فيُقطَعُ به.
ولو سرَقَ مِنْ ذي رَحمٍ محرمٍ لا رَحِمَ له بسَببِ الرَّضاعِ فقدْ قالَ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ -رحمهما الله-: يُقطَعُ الذي سرَقَ ممَّن يَحرمُ عليه مِنْ الرَّضاعِ كائنًا مَنْ كانَ؛ لأنَّ الثابتَ بالرَّضاعِ ليسَ إلا الحُرمةَ المُؤبَّدةَ، وإنها لا تَمنعُ وُجوبَ القَطعِ كما لو سَرقَ مِنْ أمِّ مَوطوءتِه، ولهذا يُقطَعُ في الأختِ مِنْ الرَّضاعِ.
стр. 13630
وقالَ أبو يُوسفَ: إذا سَرقَ مِنْ أمِّه مِنْ الرَّضاعِ لا يُقطَعُ؛ لأنَّ المُباسَطةَ بينَهُما في الدُّخولِ ثابتةٌ عُرفًا وعادةً، فإنَّ الإنسانَ يَدخلُ في مَنزلِ أمِّه مِنْ الرَّضاعِ مِنْ غيرِ إذنٍ كما يَدخلُ في مَنزلِ أمِّه مِنْ النَّسبِ، بخِلافِ الأختِ مِنْ الرَّضاعِ.
ولو سَرقَ مِنْ امرأةِ أبيهِ أو مِنْ زَوجِ أمِّه أو مِنْ حَليلةِ ابنِه أو مِنْ ابنِ امرأتِه أو بنتِها أو أمِّها يُنظَرُ؛ إنْ سرَقَ مالَهم مِنْ مَنزلِ مَنْ يُضافُ السارقُ إليه مِنْ أبيهِ وأمِّه وابنِه وامرأتِه لا يُقطَعُ بلا خِلافٍ؛ لأنه مَأذونٌ بالدخولِ في مَنزلِ هؤلاءِ، فلم يَكنِ المَنزلُ حِرزًا في حقِّه.
وإنْ سرَقَ مِنْ مَنزلٍ آخَرَ فإنْ كانَا فيه لم يُقطَعْ بالإجماعِ، وإنْ كانَ لكُلِّ واحدٍ منهُما مَنزلٌ على حِدةٍ اختُلفَ فيهِ:
قالَ أبو حَنيفةَ: لا يُقطَعُ؛ لأنَّ في الحِرزِ شُبهةً؛ لأنَّ حقَّ التَّزاورِ ثابتٌ بينَه وبينَ قَريبِه؛ لأنَّ كونَ المَنزلِ لغيرِ قَريبِه لا يَقطعُ التزاورَ، وهذا يُورثُ شُبهةَ إباحةِ الدخولِ للزِّيارةِ، فيَختلُّ معنَى الحِرزِ.
وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: يُقطعُ إذا سَرقَ مِنْ غيرِ مَنزلِ السارقِ أو مَنزلِ أبيه أو ابنِه؛ لأنَّ المانعَ هو القَرابةُ، ولا قَرابةَ بينَ السارقِ وبينَ المَسروقِ، بل كُلُّ واحدٍ منهُما أجنَبيٌّ عن صاحبِه، فلا يَمنعُ وُجوبَ القَطعِ كما لو سَرقَ مِنْ أجنبيٍّ آخَرَ (١).
стр. 13631
رابعًا: سَرقةُ أحَدِ الزَّوجينِ مِنْ الآخَرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو سَرقَ أحدُ الزَّوجينِ مِنْ الآخرِ مالًا، هل يُقامُ عليه الحَدُّ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في المَذهبِ -على تَفصيلٍ عندَهم جَميعًا- إلى أنه إنْ سَرقَ أحدُ الزوجَينِ مِنْ مالِ الآخَرِ فإنْ كانَ ممَّا ليسَ مُحرزًا عنه فلا قطْعَ فيه، وإنْ سَرقَ ممَّا أحرَزَه فلا قطْعَ فيه أيضًا عندَ الحَنفيةِ والصَّحيح مِنْ المَذهبِ عندَ الحَنابلةِ؛ لقَولِ عُمرَ ﵁ لعبدِ اللهِ ابنِ عَمرِو بنِ الحَضرميِّ حينَ قالَ لهُ: «إنَّ غُلامِي سَرقَ مِرآةَ امرأتِي»: «أَرسِلْه، لا قطْعَ عليه، خادِمُكم أخَذَ مَتاعَكم»، وإذا لم يُقطَعْ عَبدُه بسَرقةِ مالِها فهو أَولى، ولأنَّ كلَّ واحدٍ منهُما يَرثُ صاحِبَه بغيرِ حَجبٍ ولا تُقبَلُ شَهادتُه له ويَتبسَّطُ في مالِ الآخَرِ عادةً، فأشبَهَ الوالدَ والولدَ.
ولأنَّ كلَّ واحدٍ مِنْ الزوجَينِ له شُبهةٌ في مالِ الآخَرِ؛ أمَّا الزوجةُ: فلاستِحقاقِها النفقةَ في مالِ الزوجِ، وأما الزوجُ: فلأنه يَملكُ الحَجْرَ عليها ومنْعَها مِنْ التصرُّفِ في مالِها -على قَولِ بعضِ الفُقهاءِ-، ولأنَّ العادةَ أنَّ كلَّ واحدٍ مِنْ الزوجَينِ لا يحرزُ مالَه عن الآخَرِ، وإنْ فعَلَ ذلكَ .. كانَ نادِرًا، فألحِقَ النادرُ بالغالبِ.
قالَ الحَنفيةُ: وسواءٌ سرَقَ مِنْ البيتِ الذي هُما فيه أو مِنْ بيتٍ آخَرَ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهُما يَدخلُ في مَنزلِ صاحبِه ويَنتفعُ بمالِه عادةً، وذلكَ يُوجِبُ خَللًا في الحِرزِ وفي المِلكِ أيضًا (١).
стр. 13632
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابلةُ في رِوايةٍ وهو قولُ أبي ثَورٍ وابنِ المُنذرِ إلى أنه يُقطَعُ كلُّ واحدٍ مِنْ الزوجَينِ إذا سرَقَ مِنْ الآخَرِ؛ لعُمومِ الآيةِ، ولأنه مُكلَّفٌ سَرقَ مالًا مُحرزًا عنه لا شُبهةَ له فيه، أشبَهَ الأجنبيَّ، ولأنَّ الزَّوجيةَ لا تَقتضي شَركةً في المالِ، ولا شُبهةَ فيه، وإنما هي عَقدٌ على مِنافعَ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ في قولٍ ثالثٍ إلى أنَّ الزوجَ يُقطعُ دونَ الزوجةِ؛ لأنه لا يَستحقُّ حقًّا في مالِها، ولا يَجبُ القَطعُ على الزَّوجةِ بسَرقةِ مالِ الزوجِ؛ لأنَّ الزوجةَ تَستحقُّ حقًّا في مالِه (٢).
وهذا الخِلافُ السابقُ فيما لو كانَتِ الزوجيةُ باقيةً، أمَّا لو حصَلَتْ فُرقةٌ أو طلَّقَها قبلَ الدُّخولِ ففيهِ تَفصيلٌ عندَ الحَنفيةِ، فقالُوا: لو سرَقَتِ امرأةٌ مِنْ زَوجِها أو سَرقَ رجلٌ مِنْ امرأتِه ثم طلَّقَها قبلَ الدُّخولِ بها فبانَتْ بغيرِ عِدةٍ لم يُقطَعْ واحدٌ منهُما؛ لأنَّ الأخذَ حينَ وُجودِه لم يَنعقدْ مُوجِبًا للقَطعِ؛ لقيامِ
стр. 13633
الزوجيةِ، فلا يَنعقدُ عندَ الإبانةِ؛ لأنَّ الإبانةَ طارئةٌ، والأصلُ أنْ لا يُعتبَرَ الطارئُ مُقارنًا في الحُكمِ؛ لِمَا فيه مِنْ مُخالَفةِ الحقيقةِ، إلا إذا كانَ في الاعتبارِ إسقاطُ الحَدِّ وقتَ الاعتبارِ، وفي الاعتبارِ ههُنا إيجابُ الحَدِّ، فلا يُعتبَرُ.
ولو سرَقَ مِنْ مُطلَّقتِه وهي في العدَّةِ أو سرَقَتْ مُطلَّقتُه وهي في العدَّةِ لم يُقطعْ واحدٌ منهُما، سواءٌ كانَ الطلاقُ رَجعيًّا أو بائنًا أو ثلاثًا؛ لأنَّ النكاحَ في حالِ قيامِ العدَّةِ قائمٌ مِنْ وَجهٍ، أو أثَرُه قائمٌ وهو العدَّةُ، وقيامُ النكاحِ مِنْ كلِّ وَجهٍ يَمنعُ القطعَ، فقيامُه مِنْ وجهٍ أو قيامُ أثَرِه يُورثُ شُبهةً.
ولو سَرقَ رَجلٌ مِنْ امرأةٍ أجنَبيةٍ ثمَّ تزوَّجَها فهذا لا يَخلو مِنْ أحَدِ وجهَينِ: إمَّا إنْ تَزوَّجَها قبلَ أنْ يُقضى عليه بالقَطعِ، وإما إنْ تزوَّجَها بعدَما قُضيَ عليه بالقطعِ، فإنْ تزوَّجَها قبلَ أنْ يُقضَى عليه بالقطعِ لم يُقطعْ بلا خِلافٍ؛ لأنَّ هذا مانعٌ طرَأَ على الحَدِّ، والمانعُ الطارئُ في الحَدِّ كالمُقارنِ؛ لأنَّ الحُدودَ تُدرأُ بالشُّبهاتِ، فيَصيرُ طَرَيانُ الزوجيةُ شُبهةً مانعةً مِنْ القطعِ كقِرانِها.
وإنْ تزوَّجَها بعدَما قُضيَ بالقطعِ لم يُقطعْ عندَ أبي حَنيفةَ ﵀؛ لأنَّ الإمضاءَ في بابِ الحُدودِ مِنْ القَضاءِ، فكانَتِ الشبهةُ المُعترضةُ على الإمضاءِ كالمُعترضةِ على القضاءِ، ألَا تَرى أنه لو قذَفَ رَجلًا بالزِّنا وقُضيَ عليه بالحَدِّ ثم إنَّ المَقذوفَ زنَى قبلَ إقامةِ الحَدِّ على القاذفِ سقَطَ الحدُّ عنِ القاذفِ وجُعلَ الزِّنا المُعترضُ على الحَدِّ كالمَوجودِ عندَ القَذفِ، لِيُعلَمَ أنَّ الطارئَ على الحُدودِ قبلَ الإمضاءِ بمَنزلةِ المَوجودِ قبلَ القضاءِ.
стр. 13634
وقالَ أبو يُوسفَ: يُقطَعُ، وجهُ قولِه أنَّ الزوجيةَ القائِمةَ عندَ السَّرقةِ إنما تَمنعُ وُجوبَ القطعِ باعتبارِ الشُّبهةِ، وهي شُبهةُ عَدمِ الحِرزِ أو شُبهةُ المِلكِ، فالطارئةُ لو اعتُبرتْ مانعةً لَكانَ ذلكَ اعتبارَ الشُبهةِ، وإنها ساقِطةٌ في بابِ الحُدودِ (١).
الشَّرطُ السابعُ: انتِفاءُ شُبهةِ استِحقاقِ المالِ:
اشتَرطَ الفُقهاءُ لوُجوبِ قَطعِ يدِ السارقِ أنْ لا يكونَ له شُبهةُ مِلكٍ أو استِحقاقٍ في المالِ المَسروقِ، وينبَني على هذا الشرطِ حُكمُ مَنْ سرَقَ مِنْ مالِ شَريكِه أو مِنْ وَقفٍ أو مِنْ بيتِ مالِ المُسلمينَ أو سَرقَ حقَّه ممَّن عليهِ دَينٌ له وغير ذلكَ، وبَيانُ ذلكَ فيما يلي:
أولًا: حُكمُ سَرقةِ الشَّريكِ مِنْ مالِ شَريكِه:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الشَّريكِ إذا سَرقَ مِنْ مالِ الشَّركةِ، هل يُقطَعُ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابلةُ إلى أنه لا يُقطعُ الشَّريكُ إذا سَرقَ مِنْ مالٍ له فيه شِركٌ وإنْ قلَّ نَصيبه، كالمالِ المشتَرَكِ بينَه وبينَ شَريكِه؛ لأنَّ له شُبهةً في كلِّ جُزءٍ منه؛ لأنه ما مِنْ جُزءٍ إلا وهو مشاعٌ بينَهُما، ولأنه لا يُحرزُ عنه، ولأنه إذا لم يُقطَعِ الأبُ بسَرقةِ مالِ ابنِه لكَونِ أنَّ له فيه شُبهةً فلَأنْ لا يُقطَعَ بالسَّرقةِ مِنْ مالِ شَريكِه مِنْ بابِ أَولى (٢).
стр. 13635
وذهَبَ الشافِعيةُ في مُقابلِ الأظهَرِ إلى أنه يُقطعُ؛ لأنَّ مالَ شَريكِه لا شُبهةَ له فيه (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ مِنْ شُروطِ القَطعِ في المالِ المَسروقِ أنْ يُسرَقَ ممَّن مِلكُه تامٌّ لا مِلكَ للسارقِ فيه ولا شُبهةَ له فيه قَويةً، فعَلى هذا: الشَّريكُ إذا سرَقَ مِنْ مالِ الشَّركةِ الذي لم يُحجَبْ عنه بل يَدُه جائِلةٌ مع شَريكِه فإنه لا قطْعَ عليهِ.
ولا يُقطَعُ الشَّريكُ إذا سَرقَ مِنْ مالِ الشَّركةِ إلا بشَرطينِ:
أحَدُهما: إنْ حجَبَ الشَّريكُ مالَ الشركةِ عن السارقِ إنْ لم يكنْ له فيه تصرُّفٌ، بأنْ أودَعاهُ تحتَ يدِ غيرِهما، أو كانَ بيدِ غيرِ السارقِ منهُما على وَجهِ الحفظِ والإحرازِ، وإلا فهو كغَيرِ المَحجوبِ، أو يُغلِقَا عليهِ ويُودِعَا المفاتيحَ عندَ غيرِهما، ومثلُ جَعلِ المَفاتيحِ عندَ غيرِهما جَعلُها عندَ أحدِهما إذا كانَ ذلكَ على وَجهِ الحِفظِ والإحرازِ.
الثاني: أنْ يَسرقَ فوقَ حقِّه نِصابًا مِنْ جَميعِ مالِ الشركةِ ما سُرقَ وما لم يُسرقْ إنْ كانَ مِثليًّا، كما إذا كانَ جُملةُ المالِ اثنَي عَشرَ دِرهمًا وسرَقَ منهُ تَسعةَ دَراهمَ، فقدْ عَلِمتَ أنَّ نَصيبَه مِنْ المالِ سِتةٌ إذا كانَ بينَهُما نِصفينِ،
стр. 13636
فقدْ أخَذَ فوقَ حقِّه مِنْ مَجموعِ المالِ ثلاثةَ دَراهمَ وهو نِصابٌ، وهذا هو المَنصوصُ لمالكٍ، وهو ظاهرُ «المُدوَّنة»، وقالَ أشهَبُ وابنُ الماجشونَ وأصبَغُ: إذا سَرقَ مِنْ جُملةِ المالِ ستَّةَ دَراهمَ قُطعَ.
وأمَّا إنْ كانَ مُقوَّمًا فالمُعتبَرُ أنْ يكونَ فيما سرَقَ نِصابٌ فوقَ حقِّه ممَّا سرقَ لا مِنْ جَميعِ المالِ، فإذا كانَتِ الشَّركةُ في عُروضٍ ككُتبٍ جُملتُها تُساوِي اثنَي عَشرَ فسَرقَ منها كِتابًا مُعَينًا يُساوِي سِتةً فيُقطعُ؛ لأنَّ حقَّه في نصفِه فقطْ، فقدْ سَرقَ فوقَ حقِّه مِنه نِصابًا.
والفَرقُ بينَ المِثليِّ والمُقوَّمِ حيثُ اعتَبَروا في المِثليِّ كَونَ النِّصابِ المَسروقِ فوقَ حقِّه في جَميعِ المالِ المُشتركِ ما سُرقَ وما لم يُسرقْ، واعتَبَروا في المُقوَّمِ كونَ النِّصابِ المَسروقِ فوقَ حقِّه فيما سُرقَ فقطْ أنَّ المُقوَّمَ لمَّا كانَ ليسَ له أخذُ حظِّه منه إلا برضَا صاحبِه لاختلافِ الأغراضِ في المُقوَّمِ كانَ ما سَرقَه بعضُه حظُّه وبَعضُه حظُّ صاحبِه وما بقيَ كذلكَ، وأما المِثليُّ فلما كانَ له أخذُ حظِّه منهُ وإنْ أبَى صاحبُه لعَدمِ اختلافِ الأغراضِ فيه غالبًا يَتعينُ أنْ يكونَ ما أخَذَه منه مُشتركًا بينَهُما وما بقيَ كذلكَ.
وعَلى هذا لو لم يُحجَبْ عنه أو حُجبَ عنه وسَرقَ دونَ حقِّه أو فوقَه لكنْ دُونَ رُبعِ دِينارٍ أو ثلاثةِ دَراهمَ فإنه لا قطْعَ عليهِ (١).
стр. 13637
ثانيًا: حُكمُ السَّرقةِ مِنْ الوَقفِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ سَرقَ مِنْ مالِ الوقفِ، هل تُقطعُ يَدُه أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه لا يُقطَعُ مَنْ سَرقَ مِنْ مالِ الوَقفِ؛ لأنه إنْ كانَ الوَقفُ على العامَّةِ فَمالُه كبيتِ المالِ، وإنْ كانَ على قَومٍ مَحصورِينَ فلِعَدمِ المالكِ حقيقةً، وسَواءٌ كانَ السارقُ منهُم أم لا.
وقيلَ: يُقطَعُ بطَلبِ مُتولِّي الوَقفِ، ووَجهُه كما يَقولُ ابنُ عابدِينَ ﵀: كونُ الوَقفِ يَبقى على مِلكِ الواقفِ حُكمًا عندَ الإمامِ، وهذا في أصلِ الوَقفِ.
وأمَّا الغلَّةُ فقدْ صَرَّحوا بأنها مِلكُ المُستحِقِّينَ، لكنْ يَنبغي أنْ يُقالَ: إنْ كانَ السارقُ له حَقٌّ في الغلَّةِ لا يُقطَعُ بسرقتِه منها، سَواءٌ كانَ وَقفًا على العامَّةِ أو على قَومٍ مَحصورِينَ؛ لثُبوتِ الشَّركةِ، وكذا وَقفُ المَسجدِ إذا كانَ للسارقِ وَظيفةٌ فيه، بخِلافِ سَرقتِه لحُصُرِه وقَناديلِه؛ إذْ حقُّه في الغلَّةِ لا في الحُصرِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ الوَقفَ إذا كانَ على الناسِ أو على جِهةٍ عامَّةٍ وسرَقَ إنسانٌ منه لم يُقطَعْ ولو كانَ ذِميًّا؛ لأنه مِنْ الناسِ، ولأنه تبَعٌ لمَصالحِ المُسلمينَ.
وإنْ كانَ الوقفُ على جِهةٍ خاصَّةٍ كالفُقراءِ والمَساكينِ فسَرقَ مِنْ غلَّتِه فقيرٌ أو مِسكينٌ لم يُقطعْ؛ لأنه مِنْ أهلِ الوقفِ، وكذا إنْ كانَ له شُبهةُ
стр. 13638
استِحقاقٍ كما لو سَرقَ أبو المَوقوفِ عليهِ أو ابنُه، فإنْ سرَقَ منها غَنيٌّ قُطعَ في الأصحِّ؛ لأنه ليسَ مِنْ أهلِ الوقفِ، وكذا كلُّ مَنْ ليسَ مِنْ أهلِ الاستِحقاقِ أو شُبهةِ استِحقاقٍ.
وفي مُقابلِ الأصَحِّ أنه لا يُقطعُ إنْ سَرقَ مَنْ ليسَ مِنْ أهلِ استِحقاقِ الوقفِ؛ لأنه إنْ كانَ للهِ تعالَى فهو كالمُباحاتِ، وإنْ كانَ للمَوقوفِ عليهِ أو الواقفِ فلِضَعفِ الملكِ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: إنْ سَرقَ مِنْ الوَقفِ أو مِنْ غلَّتِه وكانَ مِنْ المَوقوفِ عليهِم مثلَ أنْ يكونَ مِسكينًا سرَقَ مِنْ وَقفِ المَساكينِ أو مِنْ قَومٍ مُعيَّنينَ عليهِم وَقفٌ فلا قطْعَ عليه؛ لأنه شَريكٌ، وإنْ كانَ مِنْ غَيرِهم قُطعَ؛ لأنه لا حَقَّ له فيه.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ قيلَ: فقدْ قُلتُم: «لا يُقطَعُ بالسرقةِ مِنْ بيتِ المالِ» مِنْ غيرِ تَفريقٍ بينِ غَنيٍّ وفقيرٍ، فلِمَ فَرَّقتُم ههُنا؟
قُلنا: لأنَّ للغنيِّ في بيتِ المالِ حقًّا، ولهذا قالَ عُمرُ ﵁: «ما مِنْ أحَدٍ إلَّا وله في هذا المالِ حَقٌّ»، بخِلافِ وَقفِ المَساكينِ؛ فإنه لا حَقَّ للغنيِّ فيه (٢).
وأمَّا المالِكيةُ فلمْ أقِفْ لهم على قَولٍ، وإنْ كانَ مُقتضَى كَلامِهم أنه يُقطَعُ.
стр. 13639
ثالثًا: حُكمُ السَّرقةِ مِنْ بَيتِ المالِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ سَرقَ مِنْ بيتِ المالِ، هل يُقطَعُ أم لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ -وهو قَولُ ابنِ المُنذِرِ- إلى أنه يُقطَعُ مَنْ سَرقَ مِنْ بيتِ المالِ نِصابًا، سَواءٌ كانَ مُنتظمًا أو غيرَ مُنتظمٍ، جاءَ في «المُدوَّنة»: (قلتُ): أرَأيتَ مَنْ سَرقَ مِنْ بيتِ المالِ هل يُقطَعُ؟ (قالَ): قالَ لي مالكٌ: نَعمْ يُقطَعُ، (قلتُ): أرَأيتَ مَنْ سَرقَ مِنْ مَغنَمٍ وهو مِنْ أهلِ ذلكَ المَغنمِ؟ (قالَ): قالَ لي مالكٌ: يُقطَعُ، (قلتُ): لم قطَعَه مالكٌ وله فيه نَصيبٌ؟ (قالَ): قالَ لي مالكٌ: كمْ حِصَّتُه مِنْ ذلكَ؟ (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ -على تَفصيلٍ عندَهُم-والحَنابلةُ إلى أنه لا قطْعَ على مَنْ سرَقَ مِنْ بَيتِ المالِ إذا كانَ مُسلمًا؛ لأنه مالٌ لكافَّةِ المُسلمينَ وهو مِنهُم؛ لِما رُويَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ «أنَّ عَبدًا مِنْ رَقيقِ الخُمُسِ سَرقَ مِنْ الخُمُسِ فرُفعَ ذلكَ إلى النبيِّ ﷺ فلمْ يَقطَعْه وقالَ: مالُ اللَّهِ سرَقَ بَعضُه بَعضًا» (٢).
ولِما رُويَ «أنَّ عليًّا ﵁ أُتِيَ برَجلٍ سَرقً مِغَفرًا مِنْ الخُمسِ فلمْ يَرَ عليه قَطعًا وقالَ: لهُ فيه نَصيبٌ»، ورَوى وَكيعٌ عن المَسعوديِّ عن القاسمِ «أنَّ رَجلًا سرَقَ مِنْ بَيتِ المالِ، فكتَبَ فيه سعدٌ إلى عُمرَ، فكتَبَ إليه
стр. 13640
عُمرُ: لا قطْعَ عليهِ؛ لأنَّ له فيه نَصيبًا» (١)، ولا مُخالِفَ لهُما مِنْ الصحابةِ فكانَ إجماعًا.
وأيضًا لمَّا كانَ حقُّه وحقُّ سائرِ المُسلمينَ فيه سَواءً فصارَ كسارقِ مالٍ بينَه وبينَ غيرِه، فلا يُقطعُ.
ولأنَّ الحُقوقَ في بيتِ المالِ عامَّةٌ، فدخَلَ السارِقُ فيها، فسقَطَ القَطعُ فيها.
ونَصَّ الشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنَّ الذِّميَّ إنْ سرَقَ مالًا مِنْ بيتِ مالِ المُسلمينَ قُطعَ؛ لأنه لا حَقَّ له فيه (٢).
إلا أنَّ الشافِعيةَ لهم تَفصيلٌ في السرقةِ مِنْ بيتِ المالِ، فقالوا: مَنْ سرَقَ مالَ بيتِ المالِ إنْ فُرزَ لطائِفةٍ كذَوي القُربى والمَساكينِ وكانَ منهُم أو أصلُه أو فَرعُه فلا قطْعَ.
وإنْ فُرزَ لطائفةٍ ليسَ هو منهُم قُطعَ بلا خِلافٍ؛ إذْ لا شُبهةَ له في ذلكَ.
وإنْ لم يُفرَزْ لطائفةٍ بأنْ سرَقَ مِنْ غيرِ المُفرَزِ لهُم فالأصَحُّ أنه إنْ كانَ له حَقٌّ في المَسروقِ كمالِ مَصالحَ بالنسبةِ لمُسلمٍ فَقيرٍ جَزمًا أو غنيٍّ على
стр. 13641
الأصَحِّ وكصَدقةٍ وهو فَقيرٌ أو غارمٌ لذاتِ البَينِ أو غازٍ فلا يُقطَعُ في المَسألتينِ؛ أما في الأولى: فلأنَّ له حقًّا وإنْ كانَ غنيًّا كما مرَّ؛ لأنَّ ذلكَ قد يُصرَفُ في عِمارةِ المَساجدِ والرِّباطاتِ والقَناطرِ فيَنتفعُ بها الغَنيُّ والفَقيرُ مِنْ المُسلمينَ؛ لأنَّ ذلكَ مَخصوصٌ بهم، بخِلافِ الذِّميِّ يُقطعُ بذلكَ ولا نظَرَ إلى إنفاقِ الإمامِ عليهِ عندَ الحاجةِ؛ لأنه إنَّما يُنْفِقُ عليه للضَّرورةِ وبشَرطِ الضَّمانِ كما يُنْفِقُ على المُضطرِّ بشَرطِ الضَّمانِ، وانتفاعُه بالقَناطرِ والرِّباطاتِ بالتَّبعيةِ مِنْ حَيثُ أنه قاطنٌ بدارِ الإسلامِ، لا لاختِصاصِه بحقٍّ فيها.
وأمَّا في الثانيةِ: فلاستحقاقِه، بخلافِ الغنيِّ؛ فإنه يُقطَعُ؛ لعَدمِ استِحقاقِه، إلا إذا كانَ غازِيًا أو غارِمًا لذاتِ البَينِ فلا يُقطعُ.
وإنْ لم يَكنْ له فيه حقٌّ قُطعَ؛ لانتفاءِ الشُّبهةِ.
وفي مُقابلِ الأصَحِّ وَجهانِ:
أحَدُهما: لا يُقطَعُ مُطلقًا، غَنيًّا كانَ أو فَقيرًا، سرَقَ مالَ الصَّدقةِ أو المَصالحِ؛ لأنه مُرصَدٌ للحاجةِ، والفَقيرُ يُنفَقُ عليهِ منهُ والغَنيُّ يُعطَى منه ما يَلزمُه بسَببِ حِمَالةٍ يَتحمَّلُها.
والثاني: يُقطَعُ مُطلَقًا كما في سائرِ الأموالِ.
ومَن لا يُقطَعُ بسَرقةِ مالِ بيتِ المالِ لا يُقطَعُ أصلُه أو فَرعُه أو رَقيقُه بسَرقتِه منه، وخرَجَ ببَيتِ المالِ ما لو سرَقَ مُستحِقُّ الزكاةِ مِنْ مالِ مَنْ وجَبَتْ عليهِ، فإنه إنْ كانَ المَسروقُ مِنْ غيرِ جِنسِ ما وجَبَتْ فيه قُطعَ،
стр. 13642
وإنْ كانَ منهُ وكانَ مُتعيِّنًا للصَّرفِ وقُلنَا بالأصَحِّ: «إنها تَتعلَّقُ تَعلُّقَ الشركةِ» فلا قطْعَ كالمالِ المُشتركِ (١).
رابعًا: حُكمُ السَّرقةِ مِنْ مالِ المَدينِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الدائنِ إذا سرَقَ مِنْ مالِ مَدينِه، هل يُقطَعُ أم لا؟ وهل يُفرَّقُ بينَ ما إذا سرَقَ مِنْ جنسِ مالِه أم لا؟ على تَفصيلٍ في كلِّ مَذهبٍ.
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الدائنَ إذا سرَقَ مِنْ الغَريمِ فلا يَخلو: إمَّا أنْ يَكونَ سرَقَ منه مِنْ جِنسِ حقِّه، وإمَّا أنْ يَكونَ سرَقَ منه خِلافَ جنسِ حقِّه.
فإنْ سرَقَ جِنسَ حقِّه بأنْ سرَقَ منه عَشرةَ دَراهمَ وله عليه عَشرةٌ فإنْ كانَ دَينُه عليه حالًّا لا يُقطَعُ؛ لأنَّ الأخذَ مُباحٌ له؛ لأنه ظَفرَ بجِنسِ حقِّه، ومَن له الحَقُّ إذا ظَفرَ بجِنسِ حقِّه يُباحُ له أخذُه، وإذا أخَذَه يَصيرُ مُستوفِيًا حقَّه، وكذلكَ إذا سرَقَ منه أكثَرَ مِنْ مِقدارِ حقِّه؛ لأنَّ بعضَ المأخوذِ حقُّه على الشُّيوعِ ولا قطْعَ فيه، فكذا في الباقي كما إذا سرَقَ مالًا مشتَرَكًا.
وإنْ كانَ دَينُه مُؤجَّلًا فالقِياسُ أنْ يُقطعَ، وفي الاستِحسانِ: لا يُقطَعُ.
وجهُ القياسِ: أنَّ الدَّينَ إذا كانَ مُؤجَّلًا فليسَ له حَقُّ الأخذِ قبلَ حُلولِ الأجَلِ، ألَا تَرى أنَّ للغَريمِ أنْ يَستردَّه منه، فصارَ كما لو سرَقَه أجنَبيٌّ.
стр. 13643
وجهُ الاستِحسانِ: أنَّ حَقَّ الأخذِ إنْ لم يَثبتْ قبلَ حَلِّ الأجَلِ فسَببُ ثُبوتِ حَقِّ الأخذِ قائمٌ وهو الدَّينُ؛ لأنَّ تأثيرَ التأجيلِ تأخيرٌ في المُطالَبةِ لا في سُقوطِ الدَّينِ، فقيامُ سَببِ ثُبوتِه يُورثُ الشبهةَ.
وإنْ سرَقَ خِلافَ جنسِ حقِّه بأنْ كانَ عليه دَراهمُ فسرَقَ منه دَنانيرَ أو عُروضًا قُطِعَ إنْ لم يَقُلْ: «أخذْتُه لأجْلِ حقِّي»؛ لأنه إذا لم يَقُلْ فقدْ أخَذَ مالًا ليسَ له حَقُّ أخذِه.
أما إذا سرَقَ العُروضَ ثم قالَ: «أخذْتُ لأجْلِ حقِّي» لا يُقطَعُ.
ولو أخَذَ صِنفًا مِنْ الدَّراهمِ أجوَدَ مِنْ حقِّه أو أردَأَ لم يُقطَعْ؛ لأنَّ المَأخوذَ مِنْ جنسِ حقِّه مِنْ حَيثُ الأصلُ، وإنما خالَفَه مِنْ حيثُ الوصفُ.
ولو سرَقَ حُليًّا مِنْ فضَّةٍ وعليه دَراهمُ أو حُليًّا مِنْ ذَهبٍ وعليهُ دَنانيرُ يُقطَعُ؛ لأنَّ هذا لا يَصيرُ قِصاصًا مِنْ حقِّه إلا بالمُراضاةِ، ويكونُ ذلكَ بيعًا واستِبدالًا، فأشبَهَ العُروضَ، وإنْ كانَ السارِقُ قد استَهلكَ العُروضَ أو الحُليَّ ووجَبَتْ عليه قِيمتُه وهو مِثلُ الذي عليهِ مِنْ العَينِ فإنْ هذا يُقطَعُ أيضًا؛ لأنَّ المَقاصدَ إنما تَقعُ بعدَ الاستهلاكِ، فلا يُوجبُ سِوى القَطعِ.
ولو سرَقَ مِنْ غَريمِ أبيه أو وَلدِه يُقطَعُ؛ لأنه لا حَقَّ له فيه ولا في قَبضِه، إلا إذا كانَ غَريمَ وَلدِه الصغيرِ فلا يُقطعُ؛ لأنَّ حَقَّ القبضِ له كما في دَينِ نفسِه (١).
стр. 13644
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ مَنْ سرَقَ قدْرَ حقِّه ولو مِنْ غيرِ جنسِه أو فوقَه دونَ نِصابٍ مِنْ مالِ جاحِدٍ لحقِّه -سواءٌ كانَ هذا الحَقُّ الذي جحَدَه وَديعةً أو غيرَها كدَينٍ مِنْ قَرضٍ أو بَيعٍ- أو أنكَرَ أو كانَ يُماطِلُه فإنه لا يُقطَعُ، والأصلُ فيه حِديثُ هِندَ، وهذا إنْ أقامَ السارقُ بيِّنةً أنَّ له عندَه مالًا وأنه مَطلَه بهِ، وإلا قُطعَ، ولا يُعتبَرُ إقرارُ رَبِّ الشيءِ المَسروقِ أنَّ المالَ مالُه وأنه جحَدَه أو ماطَلَه فيه؛ لأنه يُتهَمُ.
وقيَّدَ بعضُهم عدَمَ القطعِ بكونِ المَسروقِ مِنْ جِنسِ الدَّينِ، قالَ: ولو سرَقَ مِنْ غيرِ جِنسِه لَقُطعَ.
وكذلكَ لا قطْعَ على مَنْ سرَقَ مِنْ آخَرَ ثلاثةَ دَراهمَ فأكثرَ ترتَّبَتْ له عليه وتَعذَّرَ حُضورُ بيِّنةٍ، ثمَّ لمَّا أقامَ المَسروقُ منه بيِّنةً بالسرقةِ وترَتَّبَ على السارقِ القَطعُ أقامَ السارقُ بيِّنةً بأنَّ المالَ لهُ وأنَّ المَسروقَ منه جحَدَه فيه.
فعَدمُ القَطعِ عندَ الجُحود أو المُماطَلة، أمَّا إذا كانَ مُقِرًّا به وغيرَ مُماطِلٍ فيُقطعُ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ مَنْ سرَقَ مِنْ مالِ غَريمِه الجاحدِ للدَّينِ الحالِّ أو المماطِلِ وأخَذَه بقَصدِ الاستيفاءِ لم يُقطَعْ؛ لأنه حِينئذٍ مَأذونٌ له في أخذِه شَرعًا، وغيرُ جِنسِ حقِّه كهوَ، أي: كجِنسِ حقِّه في ذلكَ، ولا يُقطَعُ
стр. 13645
بزائدٍ على قَدرِ حقِّه أخَذَه معَه وإنْ بلَغَ الزائدُ نِصابًا وهو مُستقِلٌّ؛ لأنه إذا تَمكَّنَ مِنْ الدُّخولِ والأخذِ لم يَبْقَ المالُ مُحرَّزًا عنهُ.
وإنْ لم يَكُنِ الدَّينُ حالُّا بل كانَ مُؤجَّلًا ولم يَحلَّ أجَلُه أو لم يَكنْ مُماطِلًا قُطعَ؛ إذْ لا شُبهةَ له حِينئذٍ (١).
وذهَبَ الحَنابلةُ إلى أنَّ رَبَّ الدَّينِ إذا سرَقَ مِنْ مالِ مَنْ لهُ عليهِ دَينٌ -سَواءٌ كانَ على غاصِبٍ ونَحوِه أو مَدينٍ- فهذا لا يَخلُو:
إمَّا أنْ يكونَ باذِلًا غيرَ مُمتنِعٍ مِنْ أدائِه أو قدَرَ المالِكُ على أخذِ مالِه فتَركَه وسَرقَ مِنْ مالِ المُعتدِي مِنْ غيرِ حِرزِ مالِه أو سرَقَ مِنْ مالِ الغَريمِ فعَليهِ القطعُ؛ لعَدمِ الشُّبهةِ.
أمَّا إنْ عَجزَ رَبُّ الدَّينِ عن استيفائِه أو عجَزَ مَجنيٌّ عليهِ عن استيفاءِ أرشِ جِنايتِه فسرَقَ قدْرَ دَينِه أو قدْرَ أرشِ جِنايتِه فلا قطْعَ؛ لأنَّ بعضَ العُلماءِ أباحَ له الأخذَ، فيَكونُ الاختِلافُ في إباحةِ الأخذِ شُبهةً تَدرأُ الحَدَّ كالوطءِ في نِكاحٍ مُختلَفٍ في صحَّتِه.
وإنْ سرَقَ رَبُّ الدَّينِ أكثَرَ مِنْ دَينِه فهو كالمَغصوبِ منهُ إذا سرَقَ أكثَرَ مِنْ مالِه، فإنْ بلَغَتِ الزيادةُ نِصابًا فإنْ أخَذَ الزائدَ مِنْ نَفسِ المَكانِ الذي فيهِ مالُه فلا قطْعَ عليهِ؛ لأنَّ هتْكَ الحِرزِ لأخذِ مالِه جعَلَ المكانَ غيرَ مُحرَّزٍ بالنسبةِ لكُلِّ ما فيه.
стр. 13646
وإنْ أخَذَ الزائدَ مِنْ غيرِ الحِرزِ الذي فيهِ مالُه وجَبَ القَطعُ؛ لعَدمِ الشُّبهةِ.
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ سرَقَ نِصابًا أو غصَبَه فأحرَزَه فَجاءَ المالكُ فهتَكَ الحِرزَ وأخَذَ مالَه فلا قطْعَ عليهِ عندَ أحدٍ، سَواءٌ أخَذَه سَرقةً أو غيرَها؛ لأنه أخَذَ مالَه.
وإنْ سرَقَ غيرَه ففيهِ وَجهانِ:
أحَدُهما: لا قطْعَ فيهِ؛ لأنَّ له شُبهةً في هَتكِ الحِرزِ وأخذِ مالِه، فصارَ كالسارقِ مِنْ غيرِ حِرزٍ، ولأنَّ له شُبهةً في أخذِ قَدرِ مالِه؛ لذَهابِ بعضِ العُلماءِ إلى جَوازِ أخذِ الإنسانِ قدْرَ دَينِه مِنْ مالِ مَنْ هو عليهِ.
والثاني: عليهِ القَطعُ؛ لأنه سرَقَ نِصابًا مِنْ حِرزِه لا شُبهةَ لهُ فيهِ، وإنما يَجوزُ له أخذُ قَدرِ مالِه إذا عجَزَ عن أخذِ مالِه، وهذا أمكَنَه أخذُ مالِه، فلمْ يَجُزْ له أخذُ غيرِه، وكذلكَ الحُكمُ إذا أخَذَ مالَه وأخَذَ مِنْ غيرِه نِصابًا مُتميِّزًا عن مالِه، فإنْ كانَ مُختلِطًا بمالِه غيرَ مُتميِّزٍ منهُ فلا قطْعَ عليهِ؛ لأنه أخَذَ مالَه الذي لهُ أخذُه وحصَّلَ غيرَه مأخوذًا ضَرورةَ أخذِه، فيَجبُ أنْ لا يُقطَعَ فيه، ولأنَّ لهُ في أخذِه شُبهةً، والحَدُّ يُدرأُ بالشبُهاتِ.
فأمَّا إنْ سرَقَ منهُ مالًا آخَرَ مِنْ غيرِ الحِرزِ الذي فيهِ مالُه أو كانَ له دَينٌ على إنسانٍ فسرَقَ مِنْ مالِه قدْرَ دَينِه مِنْ حِرزِه نظَرْتَ: فإنْ كانَ الغاصِبُ أو الغَريمُ باذلًا لِمَا عليه غيرَ مُمتنِعٍ مِنْ أدائِه أو قدَرَ المالكُ على أخذِ
стр. 13647
مالِه فتَركَه وسرَقَ مالَ الغاصبِ أو الغَريمِ فعَليهِ القَطعُ؛ لأنه لا شُبهةَ لهُ فيه، وإنْ عجَزَ عن استيفاءِ دَينِه أو أرشِ جِنايتِه فسرَقَ قدْرَ دَينِه أو حقِّه فلا قطْعَ عليهِ.
وقالَ القاضي: عَليهِ القَطعُ؛ بِناءً على أصلِنا في أنه ليسَ لهُ أخذُ قَدرِ دَينِه.
ولنَا: إنَّ هذا مُختلَفٌ في حِلِّه، فلمْ يَجبِ الحَدُّ به كما لو وَطئَ في نِكاحٍ مُختلَفٍ في صحَّتِه، وتَحريمُ الأخذِ لا يَمنعُ الشُّبهةَ الناشِئةَ عن الاختلافِ، والحُدودُ تُدرأُ بالشبُهاتِ، فإنْ سرَقَ أكثَرَ مِنْ دَينِه فهوَ كالمَغصوبِ منهُ إذا سرَقَ أكثَرَ مِنْ مالِه على ما مَضَى (١).
стр. 13648
الرُّكنُ الثَّاني: المسرُوقُ منهُ:
اشتَرطَ الفُقهاءُ في المَسروقِ منهُ عدَّةَ شُروطٍ:
الشَّرطُ الأولُ: أنْ يَكونَ المسروقُ منهُ مَعصومَ المالِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه يُشترطُ في المَسروقِ منه أنْ يَكونَ مَعصومَ المالِ كالمُسلمِ والذِّميِّ، فالمُسلمُ إذا سُرِقَ منه مالٌ أو الذِّميُّ إذا سُرقَ منهُ مالٌ وجَبَ على سارقِه القَطعُ إذا بلَغَ ما سرَقَ نِصابًا بشُروطِه كما تقدَّمَ في الرُّكنِ الأولِ مُفصَّلًا.
واتَّفقُوا على عَدمِ إقامةِ الحدِّ على مَنْ سرَقَ مالَ الكافرِ الحَربيِّ؛ لأنَّ مالَه هَدرٌ، سَواءٌ سرَقَه مُسلمٌ أو ذِميٌّ.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا في المُسلمِ أو الذِّميِّ إذا سرَقَ مِنْ المُعاهدِ والمُستأمنِ، هل تُقطَعُ يَدُه أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الأظهَرِ وأشهَبُ مِنْ المالِكيةِ إلى أنه لا يُقطَعُ به (١).
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وأمَّا مالُ الحَربيِّ المُستأمنِ في دارِ الإسلامِ فلا قطْعَ فيهِ استِحسانًا، والقياسُ أنْ يُقطَعَ.
وَجهُ القِياسِ أنه سرَقَ مالًا مَعصومًا؛ لأنَّ الحَربيَّ استَفادَ العِصمةَ بالأمانِ بمَنزلةِ الذِّميِّ، ولهذا كانَ مَضمونًا بالإتلافِ كَمالِ الذميِّ.
стр. 13649
وَجهُ الاستِحسانِ أنَّ هذا مالٌ فيه شُبهةُ الإباحةِ؛ لأنَّ الحَربيَّ المُستأمنَ مِنْ أهلِ دارِ الحَربِ، وإنَّما دخَلَ دارَ الإسلامِ ليَقضيَ بعضَ حَوائجِه ثمَّ يَعودَ عن قَريبٍ، فكَونُه مِنْ أهلِ دارِ الحَربِ يُورثُ شُبهةَ الإباحةِ في مالِه، ولهذا أورَثَ شُبهةَ الإباحةِ في دَمِه حتَّى لا يُقتَلُ به المِؤمِنُ قِصاصًا، ولأنه كانَ مُباحًا، وإنَّما تَثبتُ العِصمةُ بعارِضِ أمانٍ هو على شَرفِ الزَّوالِ، فعندَ الزَّوالِ يَظهرُ أنَّ العِصمةَ لم تَكنْ على الأصلِ المَعهودِ؛ لأنَّ كلَّ عارضٍ على أصلٍ إذا زالَ يُلحقُ بالعدمِ مِنْ الأصلِ، كأنه لم يَكنْ، فيُجعَلُ كأنَّ العِصمةَ لم تَكنْ ثابتةً، بخِلافِ الذِّميِّ؛ لأنه مِنْ أهلِ دارِ الإسلامِ، وقد استَفادَ العِصمةَ بأمانٍ مُؤبَّدٍ، فكانَ مَعصومَ الدمِ والمالِ عِصمةً مُطلَقةً ليس فيها شُبهةُ الإباحةِ، وبخِلافِ ضَمانِ المالِ؛ لأنَّ الشُّبهةَ لا تَمنعُ وُجوبَ ضَمانِ المالِ؛ لأنه حَقُّ العبدِ، وحُقوقُ العِبادِ لا تَسقطُ بالشُّبهاتِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنه إنْ شُرطَ عليهِ في العَهدِ قُطعَ، وإلا فلا (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ إلى أنَّ المُسلمَ يُقطَعُ بسَرقةِ مالِ المُعاهدِ؛ لأنه سرَقَ مالًا مَعصومًا مِنْ حِرزِ مِثلِه، فوجَبَ قَطعُه كسارقِ مالِ الذِّميِّ (٣).
وقد تَقدمَتِ المَسألةُ في الرُّكنِ الأولِ.
стр. 13650
الشَّرطُ الثاني: أنْ يكونَ للمَسروقِ منهُ يَدٌ صَحيحةٌ على المسروقِ:
اشتَرطَ الفُقهاءُ أنْ يكونَ للمَسروقِ منه يَدٌ على المالِ، بأنْ يَكونَ مالِكًا له أو نائِبَ المالِكِ كوَليِّه ووَكيلِه؛ لأنَّ يَدَه كيَدِه.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفوا فيما لو كانَتْ يَدُ المَسروقِ منهُ غيرَ صَحيحةٍ على المالِ المَسروقِ، كما لو سرَقَ مِنْ سارقٍ أو سَرقَ مِنْ غاصبٍ، هل تُقطَعُ يَدُه أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى التفريقِ بينَ السَّارقِ مِنْ السارقِ والسارقِ مِنْ الغاصِبِ.
فقالُوا في السارقِ مِنْ السَّارقِ: إنْ سرَقَ مِنْ السارقِ سارقٌ آخَرُ بعدَما قُطعَتْ يَمينُه أو قبلُ فإنَّه لا يُقطَعُ؛ لأنَّ يَدَه ليسَتْ بيَدٍ صَحيحةٍ؛ لأنها ليسَتْ بيَدِ مالكٍ ولا أمِينٍ ولا ضَمينٍ، وإنما هي يَدٌ ضائعةٌ لا حافِظةٌ، فصارَ الأخذُ منهُ كالأخذِ مِنْ الطَّريقِ، ولا يُقطَعُ بخُصومةِ المالكِ أيضًا؛ لأنَّ السارقَ لم يَكنْ له يَدٌ صَحيحةٌ على المالِ.
ولو دُرئَ القَطعُ عن السارِقِ ثمَّ سرَقَ منهُ سارِقٌ قُطعَ؛ لأنَّ القَطعَ إذا دُرئَ عنه تَعلَّقَ بأخذِه الضَّمانُ، ويَدُ الضامنِ يَدٌ صَحيحةٌ، فإزالتُها تُوجِبُ القَطعَ، ويَصيرُ السارقُ الأولُ كالغاصِبِ.
وقيلَ: إنْ سرَقَ قبلَ قَطعِ السارقِ الأولِ أو بعدَما دُرئَ بشُبهةٍ فإنَّ له ولرَبِّ المالِ القَطعُ؛ لأنَّ سُقوطَ التقوُّمِ ضَرورةُ القَطعِ ولم تُوجَدْ، وأمَّا بعدَ القَطعِ فلا يُقطَعُ قَطعًا.
стр. 13651
وأما إنْ سرَقَ مِنْ الغاصِبِ فإنه تُقطَعُ يَدُه؛ لأنَّ يَدَه يَدُ ضَمانٍ، فهي يَدٌ صَحيحةٌ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنه إنْ سرَقَ مِنْ سارقٍ أو مِنْ أمِينٍ ونحوِ ذلكَ فيُقطَعُ؛ لأنه سرَقَ نِصابًا لا شُبهةَ له فيه مِنْ حِرزِ مِثلِه، فوجَبَ عليه القَطعُ كالسارقِ الأولِ، قال المالِكيةُ: ولا يُقبَلُ قولُ السارقِ الثاني أنه سرَقَه لِيَردَّه لرَبِّه (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ إلى أنَّ السارقَ إذا سرَقَ نِصابًا مِنْ حِرزِ مثلِه فأحرَزَه في حِرزٍ لهُ فسرَقَه سارقٌ آخَرُ مِنْ حِرزِ هذا السَّارقِ .. فإنَّ السارقَ الأولَ قد وجَبَ عليهِ القَطعُ بسَرقتِه، وأما السارقُ الثَّاني .. فليسَ للسَّارقِ الأولِ مُطالَبتُه برَدِّ النِّصابِ إليهِ ولا بالقَطعِ؛ لأنه لا حَقَّ له فيهِ، ولمالِكِ النِّصابِ أنْ يُطالِبَ السارقَ الثاني برَدِّه، ولا يَجبُ عليه القَطعُ؛ لأنه لمْ يَسرقْه مِنْ مالِكِه ولا نائبِه، ولأنَّ مالكَ النِّصابِ لم يَرْضَ بهذا الحِرزِ حِرزًا لمالِه.
стр. 13652
وإنْ غصَبَ رَجلٌ مِنْ رَجلٍ نِصابًا وأحرَزَه في حِرزِ مِثلِه فسرَقَه سارقٌ مِنْ ذلكَ الحِرزِ .. فإنَّ الغاصِبَ لا قطْعَ عليهِ، ولا يَجبُ القَطعُ على السارقِ مِنْ الغاصِبِ؛ لأنه لم يَسرقْه مِنْ مالِكِه ولا نائبِه (١).
وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلفُوا فيما إذا سرَقَ العَينَ المَسروقةَ مِنْ السارقِ أو سرَقَ العَينَ المَغصوبةَ مِنْ الغاصِبِ:
فقالَ أبو حَنيفةَ: يُقطَعُ سارقُ العَينِ المَغصوبةِ، ولا يُقطَعُ سارقُ العَينِ المَسروقةِ إنْ كانَ السارقُ الأولُ قد قُطعَ فيها، فإنْ كانَ لم يُقطَعْ قُطعَ الثاني.
وقالَ مالكٌ: يُقطَعُ كلُّ واحدٍ منهُما.
وقالَ الشافِعيُّ وأحمَدُ: لا يَجبُ القَطعُ على واحدٍ منهُما، أعني: السارِقَ مِنْ السارقِ والغاصِبَ مِنْ الغاصِبِ (٢).
стр. 13653
الرُّكنُ الثالثُ: المالُ المسرُوقُ:
اشتَرطَ الفُقهاءُ لإقامةِ الحَدِّ أنْ يكونَ المالُ المَسروقُ مُتقومًا شَرعًا، وأنْ يَبلغَ المالُ المَسروقُ نِصابًا، وأنْ يكونَ المالُ المَسروقُ في حِرزٍ، وبَيانُ هذهِ الشُّروطِ فيما يلي:
الشَّرطُ الأولُ: أنْ يكونَ مالاً:
اشتَرطَ الفُقهاءُ في المَسروقِ حتى يُقامَ الحَدُّ على السارقِ أنْ يَكونَ مالًا، فما ليسَ بمالٍ فلا يُقامُ عليهِ الحَدُّ، وبِناءً عليه اختَلفُوا في:
سَرقَة الصَّبيِّ الحُرِّ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ سَرقَ صَبيًّا حُرًّا، هل يُقامُ عَليهِ الحَدُّ أم لا؟ وهل يُشترطُ أنْ يكونَ عليهِ مِنْ الحُليِّ ما يَبلغُ نِصابًا أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ وابنُ الماجشُونِ مِنْ المالِكيةِ إلى أنه لا يُقطَعُ مَنْ سَرقَ طِفلًا صَغيرًا؛ لأنه ليسَ بمالٍ، ووُجوبُ القَطعِ يَختصُّ بسَرقةِ مالٍ مُتقومٍ.
واختَلفوا فيما لو كانَ عليهِ حُليٌّ يَبلغُ نِصابًا، هل يُقطعُ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ في ظاهِرِ الرِّوايةِ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا يُقطَعُ؛ لأنَّ يَدَ الصَّبيِّ ثابتةٌ على ما مَعَه مِنْ الحُليِّ، ولهذا لو وُجدَ مَنبوذًا ومعهُ حُليٌّ كانَ له الحُليُّ، فلمْ يَجبِ القَطعُ بسَرقتِه كما لو سَرقَ مَتاعًا ومالكُه نائمٌ عليه.
стр. 13654
وذهَبَ الإمامُ أبو يُوسفَ والشافِعيةُ في وَجهٍ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنه يُقطَعُ إنْ كانَ عليه حُليٌّ يَبلغُ النِّصابَ؛ لأنَّ قِيمةَ الحُليِّ نِصابٌ كامِلٌ لو سرَقَه وحْدَه يَلزمُه القَطعُ، فكذا معَ الصَّبيِّ، ولأنَّ المَقصودَ الحَليُّ دونَ الصَّبيِّ (١).
ولو سرَقَ صَبيًّا عَبدًا لا يَتكلَّمُ ولا يَعقلُ يُقطعُ في قَولِ أبي حَنيفةَ؛ لأنه مالٌ مِنْ كُلِّ وَجهٍ؛ لوُجودِ معنَى الماليةِ فيه على الكَمالِ ولا يَدَ له على نَفسِه، فيَتحقَّقُ رُكنُ السَّرقةِ كالبَهيمةِ، وكونُه آدَميًّا لا يَنفي كونَه مالًا، فهو آدَميٌّ مِنْ كُلِّ وَجهٍ ومالٌ مِنْ كلِّ وَجهٍ؛ لعَدمِ التنافي، فيَتعلَّقُ القَطعُ بسَرقتِه مِنْ حَيثُ إنه مالٌ لا مِنْ حَيثُ إنه آدَميٌّ، بخِلافِ العاقلِ؛ لأنَّه وإنْ كانَ مالًا مِنْ كلِّ وَجهٍ لكنَّه في يَدِ نَفسِه، فلا يُتصوَّرُ ثُبوتُ يَدِ غيرِه عليهِ؛ للتَّنافي، فلا يَتحقَّقُ فيه رُكنُ السَّرقةِ وهو الأخذُ.
ورُويَ عن أبي يُوسفَ ﵀ أنه لا يُقطَعُ؛ لأنَّ العبدَ ليسَ بمالٍ مَحضٍ، بل هو مالٌ مِنْ وَجهٍ آدَميٌّ مِنْ وَجهٍ، فكانَ مَحلَّ السَّرقةِ مِنْ وَجهٍ دونَ وَجهٍ، فلا تَثبتُ المَحلِّيةُ بالشكِّ، فلا يُقطَعُ كالصبيِّ العاقلِ (٢).
стр. 13655
وذهَبَ المالِكيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ مَنْ سرَقَ طِفلًا حُرًّا أو عَبدًا ذَكرًا أو أنثى مِنْ حِرزِه قُطعَ، وإنْ كانَ عَبدًا كَبيرًا فَصيحًا لم يُقطَعْ، وإنْ كانَ أعجَميًّا أو مَجنونًا قُطعَ، وسَواءٌ كانَ معه نِصابٌ أو لم يَكنْ معهُ، وسَواءٌ انتَفعَ السارقُ بكُلٍّ مِنْ الصَّبيِّ أو المَجنونِ أم لا.
وحِرزُ الصبيِّ أنْ يَكونَ بدارِ أهلِه، وكذا إذا كانَ معهُ مَنْ يَخدمُه أو يَحفظُه، فإنْ لم يَكنْ كذلكَ فلا قطْعَ (١).
وهذا الخِلافُ السابقُ في سَرقةِ الحُرِّ، وأما العَبدُ فقدْ حكَى ابنُ المُنذِرِ الإجماعَ على أنَّ مَنْ سرَقَه فإنه تُقطَعُ يَدُه، قالَ ﵀: وأجمَعُوا على أنه مَنْ سَرقَ عَبدًا صَغيرًا مِنْ الحِرزِ أنَّ عليهِ القَطعَ (٢).
وقالَ الشافِعيُّ ﵀: (وإنْ سرَقَ عَبدًا صَغيرًا لا يَعقلُ أو أعجَميًّا مِنْ حِرزٍ قُطعَ، وإنْ كانَ يَعقلُ لم يُقطَعْ).
قالَ الماوَرديُّ ﵀: وهذا صَحيحٌ، وليسَ يَخلوُ حالُ العَبدِ إذا سُرقَ مِنْ أنْ يَكونَ في حِرزٍ أو في غيرِ حِرزٍ، فإنْ كانَ في غيرِ حِرزٍ فلا قطْعَ على سارقِه، صَغيرًا كانَ أو كَبيرًا، وإنْ كانَ في حِرزٍ -وحِرزُه إمَّا أنْ يَكونَ دارًا مُغلقةَ البابِ أو مع سيِّدِه- فلا يَخلو حالُه مِنْ أحَدِ أمرَينِ: